← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

المغرب، ثم زيدت عقب الهجرة إلا الصبح - كما تقدم - ولما استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول آية القصر، ويكون معنى قول عائشة ﵂: (فأقرَّت صلاة السفر) أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت (١). قوله: (وأتمت صلاة الحضر) وفي رواية لهما: «وزيد في صلاة الحضر» وهي أوضح في الدلالة على المراد، والمراد بذلك الزيادة في عدد ركعات الظهر والعصر والعشاء، كما يدل عليه حديث عائشة - كما تقدم ـ. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن صلاة السفر والحضر قبل الهجرة كانت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر، فصارت الظهر والعصر والعشاء أربعاً؛ لأن الحضر موضع الراحة والاستقرار، ومن فضل الله على عباده أن زادهم ركعتين، لما فيهما من الأجر العظيم والخير الكثير. أما المغرب فهي ثلاث منذ فرضت لتكون وتر النهار، والفجر ركعتان، وقد ثبتت على ما فرضت عليه، لطول القراءة فيها. الوجه الرابع: استدل بحديث عائشة ﵂ من قال بوجوب القصر في السفر، ووجه الاستدلال: أن قولها: (فرضت) بمعنى: وجبت، فإذا كانت صلاة السفر مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها؛ لأن الله تعالى زاد صلاة الحضر دون صلاة السفر. وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو قول ابن حزم (٢)، وآخرين، واختاره الصنعاني (٣) والشوكاني (٤). كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة) (٥). كما استدلوا بحديث يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب:

стр. 1367

﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أَمِنَ الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (١). فهذا يدل على وجوب القصر؛ لأنه أمر بقَبول هذه الصدقة، وهي القصر، وهذا أمر مطلق فيحمل على الوجوب. والقول الثاني: أن القصر مستحب وليس بواجب، وهو قول عامة أهل العلم - كما يقول ابن تيمية - ومنهم الشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنه (٢)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال ابن تيمية: (القصر أفضل، والإتمام مكروه)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. ووجه الدلالة: أن الآية نفت الجناح - وهو الإثم - عمن قصر الصلاة، وهذا دليل على الإباحة، كما يستفاد من الآيات الأخرى التي ورد فيها نفي الجناح. كما استدلوا بحديث يعلى المتقدم، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ سَمَّى التخفيف من عدد الركعات: صدقة، فدل على أنها صدقة وفضل وتخفيف من الله تعالى، والصدقة لا يجب قبولها، بل يجب قَبول العزمات، ولو كان القصر واجباً لما قال عنه: إنه صدقة، بل قال: عزمة من عزمات ربنا أو نحو ذلك مما يدل على وجوب القبول، ثم إن أول الحديث يدل على ذلك، وهو قوله: «صدقة تصدَّق الله بها عليكم»، أي: تفضّل بإباحة ما كان ممنوعاً قبل ذلك، فيكون آخره تأكيداً لأوله (٤).

стр. 1368

القول الثالث: أن المسافر مخير إن شاء أتم وإن شاء قصَّر، وعزاه ابن المنذر للشافعي وأبي ثور، وقال ابن الملقن: (إنه وجه للشافعية) (١). واستدلوا بما سيأتي من فعل عائشة ﵂ أنها كانت تتم وتقصر، كما استدلوا بفعل عثمان ﵁ حيث كان يقصر صدراً من خلافته، ثم أتمها أربعاً (٢)، وكذا من خلفه كابن مسعود ﵁. وهذا القول لا يخلو من ضعف؛ لأن التسوية بين القصر والإتمام منقوضة باستمرار الرسول ﷺ على القصر، ولم ينقل عنه أنه أتم - كما تقدم - ثم إن ابن مسعود ﵁ لما بلغه أن عثمان صلّى بمنى أربع ركعات قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) (٣). ولو كان المسافر مخيراً لما استرجع ابن مسعود ﵁ من الأمر الجائز، لكنه استرجع لما شاهده من مداومة النبي ﷺ وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر، أو يقال: إنه استرجع لترك الأَوْلى. هذا وقد ذكر ابن القيم عدة أعذار لإتمام عثمان ﵁، وتعقبها، ثم ذكر أن من أحسنها أن عثمان كان قد تأهَّل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة فإنه يتم (٤). والناظر في الأدلة المتقدمة يتبين له أن الأحوط للمسافر ألا يدع القصر، اقتداءً بالنبي ﷺ وخروجاً من خلاف من أوجبه، فإن القول بالوجوب قوي، لكنه قد يشكل عليه إتمام بعض الصحابة، كما تقدم، فإنه لو كان القصر واجباً ما أتم أحد منهم، ولأنكر بعضهم على بعض ترك الواجب، مما يدل على أنهم ما فهموا الوجوب، ولهذا رجَّح الشيخ عبد العزيز بن باز القول بالاستحباب بناءً على ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 1369

جواز القصر والإتمام في السفر لأفراد الأمة ٤٣١/ ٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ في السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعْلُولٌ. وَالمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٩) من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمرو بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂، به. وقال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح)، وذكر الحافظ - هنا - أن رواته ثقات، وابن ثواب لم يوثقه إلا ابن حبان (١)، وقول الحافظ: (إلا أنه معلول) أي: مع أن رجاله ثقات إلا أنه معلول، أي: فيه سبب خفي طرأ على الحديث فقدح فيه، قال الحافظ: (قد استنكره أحمد (٢)، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم، وذكر عروة أنها تأولت كما تأول عثمان، كما في الصحيح، فلو كان عندها عن النبي رواية - أي في الإتمام كما هنا - لم يقل عروة عنها: إنها تأولت، وقد ثبت في «الصحيحين» خلاف ذلك) (٣)، أي إن عندها رواية أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين … كما تقدم. وقال ابن القيم عن حديث الباب: (لا يصح، وسمعت شيخ الإسلام

стр. 1370

ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ (١)، فيكون ذكر الإتمام في هذا الحديث شاذّاً، وما يقابله هو المحفوظ، والمحفوظ أن الإتمام كان من فعل عائشة ﵂، لما أخرجه البيهقي في «سننه» (٣/ ١٤٣) من طريق شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت: لو صليتِ ركعتين؟ فقالت: (يا ابن أختي، إنه لا يشق عليَّ). وهذا إسناد صحيح (٢)، وهو يدل على أن عائشة ﵂ تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، فيكون إتمامها باجتهاد منها، ولو كان النبي ﷺ قد أتم لكان إتمامها اتباعاً لسنة النبي ﷺ ، ولم تكن بحاجة إلى تأويل إتمامها. وقد خالفها أكثر الصحابة، فرأوا القصر مشروعاً مع المشقة وعدمها، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية رد ذلك وقال: (هذا باطل ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله ﷺ وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم … ) (٣)، وقد تقدم ما يدل على أنها أتمَّت بعد موت النبي ﷺ . الوجه الثاني: الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يقصر الصلاة الرباعية وكان يتمها أربعاً، وأنه كان يصوم رمضان في السفر، وكان يفطر. وتقدم أن ذكر الإتمام شاذ مخالف لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من أن النبي ﷺ ما أتم الرباعية في السفر قط، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: (إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) (٤)، وفي رواية: (وعثمان ركعتين صدراً من خلافته، ثم أتمها أربعاً)، وقد تقدم الإشارة إلى وجه إتمام عثمان ﵁، والله أعلم.

стр. 1371

استحباب إتيان الرخص ومنها القصر ٤٣٢/ ٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حبَّانَ. وَفِي رِوَايَةٍ: «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (١٠/ ١١٢)، وابن خزيمة (٩٥٠)، وابن حبان (٦/ ٤٥١) من طريق عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، مرفوعاً. وأخرجه أحمد (١٠/ ١٠٧) بهذا الإسناد، بإسقاط حرب بن قيس، مع أن ابن حبان رواه من طريق قتيبة بن سعيد شيخ أحمد فيه، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع، كما تقدم. والحديث صحيح على شرط مسلم، إلا حرب بن قيس، وقد نقل البخاري عن عمارة بن غزية أنه قال: إنه كان رِضَى (١)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وأما الرواية المذكورة فقد أخرجها ابن حبان (٨/ ٣٣٣) بالإسناد المذكور.

стр. 1372

والحديث له شواهد منها: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (١). وله شواهد أخرى من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع، ﵃ أجمعين (٢). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن الله يحب) المحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأما تفسيرها بالثواب أو بالرضا ونحو ذلك، فهذا تعطيل؛ لأنه خلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل. قوله: (أن تؤتى رخصه) أي: تُفعل، والرخص: جمع رخصة، وهي تخفيف الحكم الأصلي، دون إبطال العمل به؛ كالقصر والفطر في حق المسافر - مثلاً ـ. قوله: (كما يكره) الكراهة من الله تعالى لمن يستحقها ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، وهي كراهة حقيقية من الله تليق به، على ما تقدم. قوله: (أن تؤتى معصيته) أي: مخالفة أمره وارتكاب نهيه. وقد شبه الرسول ﷺ محبةَ اللهِ إتيانَ رخصه بكراهته إتيانَ المعصية، وذلك - والله أعلم - دليل على أن في ترك إتيان الرخصة تركَ طاعةِ الله تعالى، كالترك للطاعة الحاصل بإتيان المعصية، فيكون ترك الطاعة بعدم الأخذ بالرخصة كترك الطاعة بفعل المعصية.

стр. 1373

قوله: (عزائمه) جمع عزيمة، وهي الحكم الثابت أصلاً دون ملاحظة التخفيف؛ كالصوم في السفر، وإتمام الصلاة، ونحو ذلك. الوجه الثالث: الحديث دليل على إثبات الرخصة في الشريعة الإسلامية، وهي مبنية على العذر والتخفيف واليسر والسهولة ورفع الحرج والإثم عن المكلف، وحكمها الإباحة مطلقاً، إذ لو كانت مأموراً بها لكانت عزائم، والحاصل أنها رخص، وما ورد من الأمر ببعض الرخص كالأكل من الميتة في المخمصة فذلك من دليل آخر. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الله تعالى يحب من عباده أن يأخذوا برخصه، لما فيها من التيسير والتسهيل عليهم، كما يكره أن تؤتى معصيته بترك واجب أو فعل محرم، لما في ذلك من الاستهانة بأحكام شرعه، وكلها عزائم، فالواجبات عزائم من الله تعالى لفعلها، والمحرمات عزائم من الله تعالى لتركها، ومن الرخص رخص السفر من القصر، والفطر، والجمع عند الحاجة إليه. الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن القصر رخصة وليس بعزيمة، ولعل الحافظ ساقه مع أحاديث القصر لهذا الغرض، وهو تابع في ذلك لابن خزيمة، فإنه ساقه مع أحاديث القصر، وهكذا ابن بلبان في ترتيبه «صحيح ابن حبان»، كما سبقه إلى ذلك المجد ابن تيمية (١)، وابن عبد الهادي (٢)، والله أعلم.

стр. 1374

المسافة التي تقصر فيها الصلاة ٤٣٣/ ٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ فَرَاسِخَ، صَلّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (٦٩١) في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» من طريق شعبة، عن يحيى بن يزيد الهُنائي، قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن قصر الصلاة، فقال: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلّى ركعتين). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا خرج … ) أي: إذا توجه من المدينة مسافراً قاصداً هذه المسافة، وليس المراد أنه لا يقصر في سفره الطويل إلا إذا بلغ هذه المسافة؛ لأن أنس بن مالك ﵁ أجاب به من سأله عن خروجه من البصرة إلى الكوفة: أيقصر الصلاة؟ وقد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته؛ يعني وإن لم يتجاوز ثلاثة أميال أو فراسخ (١). قوله: (ثلاثة أميال) جمع ميل، وهو مسافة مد البصر، وسميت الأعلام التي توضع في الطرق أميالاً؛ لأنها توضع على مقادير مدّ البصر من الميل إلى الميل، والميل: أربعة آلاف ذراع، والذراع: ٤٦. ٢ سم، وأما الفرسخ: فهو ثلاثة أميال، وثلاثة فراسخ: تسعة أميال.

стр. 1375

فعلى القول بأن الميل أربعة آلاف ذراع، يكون الميلُ = ١٨٤٨ متراً، وثلاثةُ الأميال = ٥. ٥٤٤ كيلومتر. وقد حصل الشك من الراوي وهو شعبة، والاحتياط هو الأخذ بالفراسخ؛ لأنها أكثر، ولحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلّى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلّى العصر بذي الحليفة ركعتين (١)، وذو الحليفة: تبعد عن المدينة حوالي ستة أميال، كما ذكر الحافظ (٢). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النبي ﷺ إذا خرج مسافة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، وقد نسب الحافظ الأخذ بهذا الحديث إلى الظاهرية (٣)، مع أن ابن حزم ذكر أن مسافة القصر ميل واحد (٤)، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ليس فيه دليل على المنع من القصر فيما هو أقل من ثلاثة أميال. وقد اختلف العلماء في المسافة التي يصدق على صاحبها أنه مسافر شرعاً ليأخذ برخص السفر، على أقوال كثيرة، بلغت قريباً من عشرين قولاً. ولعل سبب الخلاف أمران: الأول: إطلاق لفظ السفر في القرآن والسنة حيث لم يحدد ذلك في مسافة معينة. الثاني: اختلاف المسافات والمدد التي قصر فيها النبي ﷺ ، وكذلك الاختلاف الوارد عن الصحابة ﵃. فذهب الجمهور، ومنهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن مسافة القصر أربعة برد (٥)، وهي مسافة يومين، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ الآتي - إن شاء الله ـ، وبفعل ابن عمر وابن عباس ﵃ (٦)، لكن ورد عنهما

стр. 1376

ما يخالف ذلك، كما ذكر ابن قدامة (١)، ثم إن ذلك مخالف لظاهر القرآن وسنة النبي ﷺ ، واختلف في تحديدها بالكيلو، لكن على القول بأن الميل = ١٨٤٨ متراً، والبريد أربعة فراسخ، ٤ × ٤ = ١٦ × ٣ ميل = ٤٨ ميلاً × ١٨٤٨ = ٨٨. ٧٠٤ كيلومتر. والقول الثاني: أن مسافة القصر ثلاثة أميال، كما تقدم. والقول الثالث: أن السفر لا يحدد بمسافة معينة، بل كل ما يسمى سفراً في العرف تقصر فيه الصلاة، وما ورد من ذكر مسافات معينة - كحديث الباب - فهو من باب التمثيل لا التحديد، قال ابن تيمية: (وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو أصح الأقوال في الدليل) (٢)، واختاره ابن قدامة (٣)، وابن القيم (٤)، ومما يؤيد ذلك: ١ - أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فدلت الآية على إباحة القصر لمن كان ضارباً في الأرض - والضرب في الأرض: هو المشي فيها لقطع المسافة - والشرع لم يحدد مقدار الضرب في الأرض مع حاجة الناس إلى ذلك، وليس له حد في اللغة يرجع إليه، فدل على أنه يرجع فيه إلى العرف. ٢ - أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، لا سيما وأنه ليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، وما ورد في ذلك مختلف، وبعضه يعارض بعضاً، وما كان كذلك فلا حجة فيه، إذ ليس الأخذ ببعضه بأولى من البعض الآخر. ٣ - أن تحديد السفر بمسافة معينة يستلزم تكليف الناس بمعرفة مسافات الطرق التي يسلكونها، وهذا فيه مشقة على كثير من الناس، لا سيما الطرق التي لم تسلك من قبل، ومقدار المسافات لا يعرفه إلا خاصة الناس. فالمقصود أنه ليس هناك نص صريح في تحديد المسافة التي تقصر فيها

стр. 1377

الصلاة، فتكون من الأمور الاجتهادية التي يرجع فيها إلى العرف، طالت المسافة أم قصرت. إلا أنه قد يشكل على ذلك اختلاف الناس فيما بينهم فيما يعد سفراً، لكن قد يقال: إن المسافات الطويلة كمائتي كيل ونحوها لا إشكال فيها، إذ لا يختلف الناس أن ذلك سفر، حتى ولو رجع المسافر من هذه المسافة من يومه، فإن من قطع مسافة طويلة ثم رجع في يومه فهو مسافر، كما لو سافر من بريدة إلى الرياض - مثلاً - ورجع من يومه. وعلى هذا فلا عبرة بطول الزمن وقصره في ضابط السفر، وإنما المعتبر المسافة التي تعد في العرف سفراً؛ لأن من وسائل النقل في هذا الزمان ما يقطع المسافات الطويلة في زمن يسير. وأما ما هو أقل من ذلك فيمكن أن يضبط ببعض الأوصاف العرفية مثل حمل الزاد والمزاد إذا ضرب في الأرض، قال ابن سيرين: (كانوا يقولون: السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي تحمل فيه الزاد والمزاد) (١)، مع أن هذا الوصف لا يكفي وحده لإثبات السفر، ولا سيما في زماننا هذا، حيث انتشرت مراكز التسوُّق على الطرق الطويلة، إلا أن أهل العرف يستدلون به مع أوصاف أخرى على السفر، ومنها الانقطاع والغَيبة إذا كان سببها بُعد الطريق أو وعورته أو اضطرار المسافر إلى المبيت في المكان الذي قصده. فإن أشكل الأمر، فإما أن يؤخذ بتقدير المسافة وهي بضعة وثمانون كيلاً، أو يؤخذ بالأصل، وهو الإتمام على القول بأن القصر رخصة. الوجه الرابع: لا فرق في السفر المبيح بين سفر الطاعة؛ كالحج والعمرة، وطلب العلم، ونحو ذلك، والسفر المباح؛ كالخروج لنزهة أو صيدٍ أو نحو ذلك، على ما اختاره ابن قدامة (٢)، وذلك لأنه سفر مباح، فهو داخل في عموم النصوص الدالة على مشروعية قصر الصلاة للمسافر.

стр. 1378

الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز قصر الصلاة لمن أراد السفر قبل الخروج من بلده، لقوله: (إذا خرج) فدل على أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلد بالنسبة لأهل العمران، أو من مفارقة خيام قومه إن كان من أهل الخيام، وهو ما عبر عنه الفقهاء بقولهم: (إذا فارق العمران)، وقد ورد عن أنس ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعيتن) (١)، وقد بوّب عليه البخاري: «بابٌ يقصر إذا خرج من موضعه». قال ابن المنذر: (لا نعلم أن النبي ﷺ قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة) (٢). وعلى هذا فلا يجوز القصر في البلد ولو كان ناوياً السفر، ولا في أطراف البلد، وهذا قول جمهور العلماء؛ لأن الأصل هو الإتمام، فيبقى على ما كان عليه حتى يثبت له القصر؛ لأن هذا الشخص ليس مسافراً بل يريد السفر، والقصر مشروط بالضرب في الأرض، كما في الآية الكريمة، والضرب في الأرض معناه: المشي في الأرض لقطع المسافة، ومن لم يخرج من البلد لم يضرب في الأرض؛ لأنه لم يسافر؛ لأن السفر هو البروز والظهور، كما تقدم، والله تعالى أعلم.

стр. 1379

ما جاء في أن المسافر يقصر حتى يرجع ما لم يعزم على الإقامة ٤٣٤/ ٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ؛ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة»، باب «ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر؟» (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣) من طريق يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنساً ﵁ يقول: … فذكره، وفي آخره قال: (أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً)، وفي رواية لمسلم: (خرجنا من المدينة إلى الحج … ) وذكر مثله. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المسافر يقصر الصلاة بعد خروجه من بلده ويستمر على ذلك حتى يرجع إلى بلده، ما لم يقطع ذلك السفر ويعزم على الإقامة. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحجاج يقصرون بمكة ومنى وعرفة وإن كانت إقامتهم في هذه النواحي المتجاورة أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن أنساً ﵁ ذكر إقامتهم عشرة أيام، ومعلوم أن العشرة أيام لم تكن كلها بمكة، كما هو ظاهر اللفظ، وإنما مراده: مكة وما حواليها. وقد نقل المجد ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه قال: (إنما وجه حديث

стр. 1380

أنس أنه حَسَبَ مقام النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له غير هذا، واحتج بحديث جابر … ) (١). وهذا القصر بالنسبة للآفاقيين واضح؛ لأنهم مسافرون، وإنما الإشكال في قصر أهل مكة، والصواب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (أنهم إنما قصروا لأجل سفرهم لا لأجل النسك، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وإن كانوا محرمين) (٢). وذلك لأنهم برزوا وقطعوا تلك المسافة وتزوَّدوا وباتوا وغابوا، وهذه من أوصاف السفر، وإلا فإن الإنسان قد يذهب من مكة إلى عرفة في ذلك الوقت لغرض ويرجع من ساعته أو يومه ولا يُعدُّ مسافراً. وقد وقع الخلاف بين العلماء في مدة الإقامة التي إذا أقامها أثناء سفره يأخذ حكم السفر وسبب الخلاف - كما يقول ابن رشد (٣) ـ أن الزمن أمر مسكوت عنه في الشرع، ولهذ استدل كل فريق بحال من الأحوال التي نقلت عن الرسول ﷺ أنه أقام فيها وقصر الصلاة. الوجه الرابع: استدل جمهور العلماء ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد (٤) بهذا الحديث على أن المسافر إذا أقام لانتظار حاجة مقيدة بمدة معينة أنه يقصر إذا كانت إقامته أربعة أيام فما دونها أو إحدى وعشرين صلاة، وما زاد عن ذلك فإنه يتم لخروجه عن حكم المسافر، وهذا هو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحةَ رابعةٍ من ذي الحجة؛ لأنه صلّى الفجر بذي طوى قبل إقامته بالأبطح، فأقام بها اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلّى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى وصلّى بها الظهر، وخرج من مكة متوجهاً إلى المدينة بعد أيام التشريق كما

стр. 1381

ثبت في «الصحيحين»، فيكون أقام بالأبطح خمسة أيام متوالية منها ثلاثة تامة، ويومان ناقصان، وهما يوم الدخول وهو الرابع، ويوم الخروج وهو الثامن، وبهذا يتبين أن الجمهور يعدون اليوم الرابع من ذي الحجة مع أيام الإقامة، فتكون أربعة، ولا يعدون اليوم الثامن مع أن صلاة الفجر في اليوم الرابع وصلاة الظهر في اليوم الثامن فُعلتا في غير مكان الإقامة، وعليه فالأظهر أن الأيام ثلاثة لا أربعة، والصلوات عشرون لا إحدى وعشرون. قالوا: فإقامته ﷺ بالأبطح قبل الحج إقامة مقصودة قبل فعلها، ومحددة البداية والنهاية، وهي أطول إقامة فعلها رسول الله ﷺ بهذا الوصف، فيكون عليها مدار الحكم في تحديد مدة إقامة المسافر في سفره. وذلك أن القصر لا يجوز إلا لمن ضرب في الأرض، ومفهوم ذلك أن من توقف ضربه فقد امتنع قصره؛ لأنه لما فُقد الشرط فُقد المشروط، لكن هذه المدة - وهي الثلاثة الأيام - وجد لها مخصص من حكم الإقامة، فثبت جواز القصر فيها. قالوا: ويؤيد ذلك ما رواه العلاء بن الحضرمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث للمهاجر بعد الصَّدَر» (١)، قال ابن حجر: (يستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر) (٢)، فدل ذلك على أن ثلاثة الأيام في حكم السفر، وما زاد على ذلك فهو في حكم الإقامة. وهذا القول بالتحديد فيه احتياط، وقد سئل الإمام أحمد: لِمَ لم يقصر من زاد على ذلك - أي على أربعة أيام ـ؟ قال: (لأنهم اختلفوا، فيؤخذ بالأحوط). ونوقش هذا التحديد بأمرين: الأول: أنه لو كانت هذه هي مدة القصر لبيَّنها النبي ﷺ أوضح بيان،

стр. 1382

كما جاء بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالأيام؛ كمدة المسح على الخفين، والعِدَدِ، وأيام الصيام، والكفارات، وغير ذلك مما حاجة الناس إليه أقل بكثير من الحاجة لمدة القصر، فهذا يدل على أن أعداد الأيام غير مراد، قال ابن تيمية: (ولو كان هذا حدّاً ناقلاً بين المقيم والمسافر لبيَّنه للمسلمين) (١). الثاني: أن النبي ﷺ لم يأمر من جاء قبله بيوم أو أكثر بالإتمام؛ لكونه زاد على أربعة أيام (٢)، مع حاجة الجمع الكثير معه إلى فقه هذه المسألة، وقد يقال: إن من المقرر في الأصل أن الأفعال لا عموم لها، فيجب الاقتصار على دلالة ما فعله، دون أن يُحتج به على ما لم يفعله. القول الثاني: أن الإقامة تحدد بعشرة أيام (٣)، أخذاً بهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أقام عشرة أيام في مكة في حجة الوداع، فأدخلوا إقامته ﷺ في منى وفي عرفة، وهذا القول وإن كان له قوته وله وجاهته - كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز (٤) ـ، لكن الجمهور جعلوا توجهه من مكة إلى منى شروعاً في السفر؛ لأنه توجه إلى منى ليؤدي مناسك الحج، ثم يسافر إلى المدينة. والقول الثالث: أن المرجع في ضابط الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر إلى العرف، فمن أقام إقامة عرفية فقد انقطع سفره وانتهى ترخّصه، ودليل ذلك أنه لم يأت في الكتاب والسنة ما يدل على التحديد، وما ورد من ذلك مختلف لا يصلح لتحديد معين؛ لأنها وقائع عينية غير مقصودة، بل وقعت اتفاقاً، لا تصلح أن يستدل بها على التحديد. وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وهو الذي يفهم من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦). يقول ابن تيمية: (ومن ذلك أنه علق الحكم بمسمى الإقامة كما علقه بمسمى السفر، ولم يفرق بين مقيم ومقيم)، وقال: (ما أطلقه الشارع يُعمل

стр. 1383

بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره بمدة) (١)، وقال: (وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي ﷺ لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحدَّ السفر بزمان أو مكان، ولا حد الإقامة أيضاً بزمن محدد لا ثلاثة ولا أربعة ولا اثنا عشر ولا خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل … ) (٢). ويؤيد ذلك ما يلي: ١ - أن الشيخ ذكر أن المرجع إلى العرف في كل شيء لم يرد له حد في الشرع ولا في اللغة، ولا ريب أن الإقامة من هذا النوع إن لم نأخذ بحديث الباب. ٢ - أنه اعتبر في فتاواه أموراً عرفية، فقد أفتى ملاّح السفينة إذا كان معه امرأته وجميع مصالحه، وكذا الأعراب الذين يشتّون في مكان ويصيِّفون في مكان، أن هؤلاء لا يترخّصون حال إقامتهم. وعلى هذا فالقول بإرجاع الإقامة إلى العرف وجيه جدّاً، لما تقدم من أن كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف؛ ولأن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون مع النبي ﷺ ولا يسألون عن سبب ترخّصه في أوقات مسيره ونزوله، ولم يضع لهم ضابطاً معيناً مما يدل على أنه أمر معروف عندهم عرفاً. ثم إن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية - كما يظهر من الخلاف - لعدم وجود نص صريح سالم من المعارض، وعليه فمن أخذ بتحديد الإقامة بأربعة أيام فله سلف في ذلك وهم الجمهور، وفي ذلك احتياط كما تقدم، ومن رأى أن المرجع في ضابط الإقامة إلى العرف كضابط السفر فحسن، ولا يؤثر على هذا الاعتبار أن الناس قد يختلفون عرفاً في تحديد الإقامة؛ لأننا نقول:

стр. 1384

١ - أن اختلاف الناس لا يلغي الاعتداد بالعرف، وإلا لم يردَّ الشارع الناس إليه بمسائل كثيرة. ٢ - أن أهل العلم بالشرع وواقع الحياة هم الذين يحددون ما يُختلف فيه. ٣ - وما قد يشكل يرجع فيه إلى تحديد المدة بأربعة أيام، كما هو قول الجمهور، أو إلى الأصل وإلغاء الوصف الطارئ. أما الذين يقيمون خارج بلادهم للدراسة أو لغيرها مما يستدعي إقامتهم في تلك البلاد مدة طويلة فهؤلاء على القول الراجح يجب عليهم الإتمام والصيام، وليس لهم حكم المسافر. أما على القول بأن مدة الإقامة أربعة أيام فالأمر واضح، وهذا رأي الشيخ عبد العزيز بن باز (١): وأما على القول بأن المرجع في تحديد الإقامة إلى العرف فلا ريب أن هؤلاء مقيمون بقطع السفر، ووجود نية الإقامة المستمرة مدة طويلة، ولصلاحية المكان الذي قصدوه للإقامة، وكل منهم معه جميع مصالحه مما يحتاجه المقيم، ومنهم من تكون معه زوجته وأولاده، وهذه أوصاف المقيم لا المسافر، وعلى هذا فالقول بأنهم يتمون ولا يقصرون، ويصومون ولا يفطرون قوي جدّاً، بل هم أكثر استقراراً ممن كان في البحر معه امرأته وجميع مصالحه، ومع ذلك قال الإمام أحمد عنه: (إنه عندي لا يقصر) (٢)، وكذلك أفتاه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه لا يقصر ولا يفطر، والله تعالى أعلم.

стр. 1385

حكم من أقام لحاجته ولم يُجْمِعْ إقامة معينة ٤٣٥/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ. وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ. وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْماً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. وَفِي أُخْرَى: خَمْسَ عَشْرَةَ. ٤٣٦/ ٨ - وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. ٤٣٧/ ٩ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْماً يقْصُرُ الصَّلَاةَ». وَرُوَاتُهُ ثِقاتٌ؛ إِلاَّ أَنَّهُ اختُلِفَ فِي وَصْلِهِ. الكلام عليها من وجهين: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة» باب «ما جاء في تقصير الصلاة، وكم يقيم من يقصر؟» (١٠٨٠) من طريق عاصم وحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ … فذكره، وقال: (فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا). واللفظ الثاني عنده في كتاب «المغازي»، باب «مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح» (٤٢٩٨)، من طريق عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، ولعل الحافظ أورد هذا اللفظ؛ لأن فيه تعيين محل الإقامة وأنه بمكة.

стр. 1386

وأما رواية أبي داود الأولى فهي من طريق حفص، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ بلفظ: (سبع عشرة)، وإسنادها صحيح على شرط البخاري، لكن رواية البخاري: (تسع عشرة) أرجح منها، وإلى هذا أشار أبو داود بعد سياق هذه الرواية، أو يصار إلى الجمع بينهما، فيكون من قال: سبعة عشر يوماً لم يعدَّ يوم الدخول ويوم الخروج (١). وأما روايته الثانية فهي من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ بلفظ: (خمس عشرة). وهذه الرواية ضعّفها النووي، وذلك لأن فيها محمد بن إسحاق، وهو صدوق مدلس، وقد عنعن (٢)، لكن رد عليه الحافظ بأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي (٣) من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله كذلك (٤)، ومع ذلك فرواية البخاري أرجح على ما تقدم. وأما حديث عمران ﵁، فقد أخرجه أبو داود (١٢٢٩) من طريق علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين، قال: (غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: «يا أهل البلد، صلوا أربعاً، فإنا قوم سَفْر»). وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه علي بن زيد بن جُدْعان، قال عنه الإمام أحمد: (ليس بشيء) (٥)، وقد ضعف الحديث النووي (٦)، والحافظ ابن حجر (٧). وأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه أبو داود (١٢٣٥) من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁، به. وقول الحافظ: (رواته ثقات إلا أنه اختلف في وصله) يشير إلى قول

стр. 1387

أبي داود عَقِبَهُ: (غَيْرُ مَعْمَرٍ لا يُسنده)، والمعنى أنه لم يرو هذا الحديث متصلاً إلا معمر بن راشد، وقد خالفه علي بن المبارك فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن ثوبان، عن النبي ﷺ ، مرسلاً، رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤). قال النووي: (الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، ولا يقدح فيه تفرد معمر، فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة) (١). وهذا فيه نظر؛ لأمرين: الأول: أن أبا داود أراد بقوله: (غير معمر لا يسنده) إعلال الحديث، ولا يخفى على مثله - وهو من أئمة هذا الفن - أن معمراً ثقة، ومع ذلك أعله بالتفرد بالوصل، فالرد عليه بأن معمراً ثقة لا يكفي. الثاني: أن الظاهر عند التأمل ترجيح رواية علي بن المبارك وهي الإرسال؛ لأن روايته عن يحيى بن أبي كثير مقدمة على رواية غيره، حاشا رواية هشام الدستوائي والأوزاعي، قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح: (عليُّ بن المبارك ثقة، كانت عنده كتب، بعضها سمعها من يحيى بن أبي كثير، وبعضها عرض) (٢)، وقال ابن عدي: (ولعليٍّ أحاديث، وهو ثبت في يحيى مقدم فيه) (٣). الوجه الثاني: هذه الأحاديث فيها دليل على أن المسافر إذا أقام في مكانٍ ما إقامة غير مقصودة ولا يعلم نهايتها، بل إن حاله وواقعه اقتضى أن يقيم فله أن يقصر ما أقام أبداً، ولا يتقيد ذلك بمدة معينة. وهذا مذهب مالك، والشافعي - في أحد الأقوال - وأحمد وأبي ثور، والقول الثاني للشافعية: أنه يقصر إلى ثمانية عشر يوماً فقط، وهو المشهور عندهم، والقول الثالث: إلى تمام أربعة أيام فقط (٤). والظاهر أن التحديد في مثل هذه الأحوال والأوصاف غير وجيه، فإن

стр. 1388

النبي ﷺ أقام في مكة عام الفتح وفي تبوك إقامة طارئة غير مقصودة، وغير معلومة البداية ولا محددة النهاية، وإنما اقتضتها مصالح الجهاد وتأسيس قواعد الإسلام وإزالة آثار الشرك، فهو ﷺ لم ينو مدة معلومة، وعليه فلا يصح في ما ورد في ذلك أن يقال فيه: إنه أقل مدة للقصر أو أقصى مدة للإقامة، بل يقال: كل من أقام مدة غير معلومة فإن إقامته لا تكون قاطعة للسفر. ويقاس على ذلك كل من قدم إلى بلد لقضاء عمل معين لا يدري متى ينتهي؛ كمن نزل بلداً لتجارة أو مرافعة أو ملازمة غريم أو زيارة أو نزهة أو مراجعة الجهات الحكومية أو الأهلية، ونحو ذلك مما لا يعتبر المسافر معها قاطعاً لسفره. فالذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه لا توقيت للقصر بشيء من المدة المختلفة التي أقامها الرسول ﷺ في أسفاره في بعض المواطن، مثل إقامته في مكة وتبوك، فإن ذلك واقع على ما اقتضاه الحال من الحاجة إلى تلك المدة التي أقامها، ولو دعت الحاجة إلى الزيادة عليها لاستمر القصر إلى فراغه، فهي إقامات وقعت اتفاقاً، وما وقع اتفاقاً لا يصح أن يكون حدّاً كما هو معلوم، وهذا ما فهمه عنه بعض أصحابه ﵃، فهذا ابن عمر ﵄ أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وكان يقول: (إذا أزمعت إقامة أُتم) (١). فقد بقي ابن عمر هذه المدة يقصر؛ لأنه لم يقصد الإقامة بل كان مكرهاً عليها؛ لأنه حاصره الثلج فمنعه من السفر، ودلَّ قوله ذلك على أن المسافر يقصر ما لم يعزم على الإقامة. وبهذا يتم الجمع بين ما اختلف من الروايات في مدة إقامته ﷺ ، وأن الصواب أن مدة الإقامة غير محددة بأيام معينة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.

стр. 1389

حكم الجمع بين الظهر والعصر في السفر ٤٣٨/ ١٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة الْحَاكِمِ فِي «الأَرْبَعِينَ» بِإِسْنَاد الصَّحِيح: صلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ رَكِبَ. وَلأَبِي نُعَيْمٍ فِي «مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ»: كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، ثُمَّ ارْتَحَلَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة»، باب «يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس» (١١١١، ١١١٢)، ومسلم (٧٠٤) من طريق المفضل بن فضالة، عن عُقيل بن خالد بن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس ﵁، به. والحديث بهذا السياق (صلّى الظهر ثم ركب) يدل على أنه ﷺ لم يكن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى جمع تقديم، وإنما في وقت الثانية، وهو دليل من منع جمع التقديم - كما سيأتي ـ. لكن جاء في كتاب «الأربعين» للحاكم، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسحاق الصنعاني - وهو أحد شيوخ مسلم ـ، عن حسان بن عبد الله، عن المفضل بالإسناد المذكور بلفظ: (صلّى الظهر والعصر

стр. 1390

ثم ركب)، وقد ذكر الحافظ - هنا - أن هذه الزيادة بإسناد الصحيح؛ أي بإسنادِ صحيحِ البخاري ومسلم، وفي أكثر نسخ «البلوغ»: (بإسنادٍ صحيح)، وهذا هو الأقرب والموافق لما في «التلخيص» (١)، وممن صححها - أيضاً - المنذري والعلائي (٢)، مع أن الحافظ تردد في ثبوتها في شرح الصحيح (٣)، والذي يظهر أنها زيادة منكرة؛ لإعراض البخاري ومسلم عنها مع أنهما قد أخرجا أصل الحديث، فيدل ذلك على أنها زيادة معلولة، قال ابن تيمية لما تكلم عن شرط البخاري ومسلم: (وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح، وليس الأمر كذلك) (٤). وقال ابن رجب في أثناء كلامه على «الصحيحين»: (فَقَلَّ حديث تركاه إلا وله علة خفية، لكن لعزة من يعرف العلل كمعرفتهما وينقده، وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الأعصار المتباعدة، صار الأمر في ذلك إلى الاعتماد على كتابيهما والوثوق بهما والرجوع إليهما، ثم بعدهما إلى بقية الكتب المشار إليها) (٥). وهذا الحديث أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه» (٦): حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ومخلد بن جعفر، قالا: ثنا جعفر الفريابي، ثنا إسحاق بن راهويه، ثنا شبابة … إلخ إسناد مسلم (٧٠٤) (٤٧)، وشيخ مسلم عمرو الناقد قال: حدثنا شبابة … وأُعلَّت هذه الرواية بتفرد إسحاق عن شبابة، وبتفرد الراوي عن إسحاق، وهو جعفر الفريابي، لكن قال الحافظ: (ليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان) (٧).

стр. 1391

ومع أن هذه الزيادة في جمع التقديم ضعيفة إلا أن جمع التقديم ثبت في أحاديث أخرى، ومنها حديث جابر ﵁ في جمع النبي ﷺ في عرفات جمع تقديم (١)، وكذا حديث ابن عباس ﵄ الآتي، وورد في حديث معاذ ﵁ الآتي - أيضاً - من رواية أبي داود والترمذي وأحمد في غزوة تبوك. الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير في وقت العصر إذا غادر المسافر مكانه قبل الزوال؛ لأنه لم يدخل وقت الظهر، فيؤخرها مع العصر. الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم في وقت الظهر إذا ارتحل المسافر بعد الزوال من مكانه، وهذا إنما يتم بالنسبة لهذا الحديث إن صحت زيادة: (صلّى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل) وإلا فهو خاص بجمع التأخير، كما تقدم. وأما جمع التقديم فقد دل عليه أحاديث أخرى، كما تقدم في الجمع بعرفة بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وكذا حديث ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء … ) (٢)، فهو يدل بعمومه على جمع التقديم وجمع التأخير، وكذا حديث معاذ ﵁: (أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجَّل العصر إلى الظهر وصلّى الظهر والعصر جميعاً ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب) (٣).

стр. 1392

وقد أجمع العلماء على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، والجمع بين المغرب والعشاء ليلة مزدلفة، وممن حكى الإجماع ابن المنذر، وابن قدامة، والنووي، وابن رشد، وغيرهم (١)، ثم اختلفوا فيما عدا ذلك، فمنهم من منع الجمع إلا فيما ذُكِرَ، وهم الحنفية وبعض التابعين (٢)، واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر واحد، وحملوا أحاديث الجمع على الجمع الصوري، وهو أن يصلي الأولى في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها. وهذا مذهب ضعيف لا يعوّل عليه، فإن الجمع ليس تركاً لأدلة المواقيت، لكنه تخصيص لها في بعض الحالات بسنة الرسول ﷺ ، وأما قولهم بالجمع الصوري فهو ضعيف أيضاً؛ لأن الجمع رخصة، وإيقاع كل صلاة في وقتها أهون مما ذكروه وضيقوا به. ومن أهل العلم من قال بالجمع ثم اختلفوا على أقوال: الأول: جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر السفر جمع تقديم أو جمع تأخير، وهذا قول الشافعي، وأحمد في المشهور، ومالك في رواية (٣)، واستدلوا بحديث أنس على جمع التأخير، وحديث معاذ (٤) على جمع التقديم. والقول الثاني: أن الجمع مختص بحالة الجد في السفر، وهو المشهور عن مالك في رواية ابن القاسم عنه (٥)، لحديث ابن عمر ﵄ قال: (كان

стр. 1393

النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير) (١)، وهذا قول مرجوح. والقول الثالث: جواز جمع التأخير ومنع جمع التقديم، وهذا رواية عن أحمد (٢)، وهو قول ابن حزم الظاهري (٣)، بشرط الجد في السفر، واستدلوا بحديث أنس المذكور في «الصحيحين»، وليس فيه ذكر جمع التقديم. والقول الأول هو الراجح في هذه المسألة، لقوة أدلتهم، فإن أدلة جمع التقديم وإن كان فيها مقال لكن باجتماعها تقوى، وتؤيدها أدلة أخرى؛ كجمع عرفة، وعمومات جاءت في الجمع، إضافة إلى حكمة التشريع، وذلك مما يتمشى مع يسر الشريعة الإسلامية ورفع الحرج عن المكلفين. وعلى المسافر أن يفعل الأرفق به، فإن كان الأرفق جمع التقديم قدم العصر مع الظهر والعشاء مع المغرب، وإن كان الأرفق به جمع التأخير أخر الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء، فإن استويا فالتأخير أفضل؛ لأن أحاديثه أصح، ولأن تأخير الصلاة عن وقتها لعذر أخف من تقديمها على وقتها، والله تعالى أعلم.

стр. 1394

حكم جمع المسافر سائراً أو نازلاً ٤٣٩/ ١١ - عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (٧٠٦) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «جواز الجمع بين الصلاتين في السفر» من طريق زهير، حدثنا أبو الزبير، عن أبي الطفيل عامر، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: … فذكره. وأخرجه من طريق قرة بن خالد، حدثنا أبو الزبير، حدثنا عامر بن واثلة أبو الطفيل، حدثنا معاذ بن جبل، بنحوه، وفي آخره قال: (فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد ألا يحرج أمته). الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر، سواء أكان المسافر سائراً أم نازلاً، وتستفاد دلالته على جمع النازل من أن الرسول ﷺ مكث في تبوك عشرين ليلة، كما تقدم. وقد رواه مالك (١/ ١٤٣) ومن طريقه مسلم (٤/ ١٧٨٤) ولفظه: (فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً). وهذا يدل على أنه جَمَعَ وهو نازل غير سائر؛ لأن قوله: (دخل ثم خرج) لا يكون إلا في حال النزول.

стр. 1395

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجمع على ثلاث درجات: الأولى: إذا كان سائراً في وقت الأولى ونزل وقت الثانية، فهذا هو الجمع الذي ثبت في «الصحيحين» - يعني جمع التأخير - من حديث أنس وابن عمر ﵃، وهو نظير جمع مزدلفة. الثانية: إذا كان وقت الثانية سائراً أو راكباً فجمع في وقت الأولى، فهذا نظير الجمع بعرفة، وعليه يدل حديث معاذ ﵁. الثالثة: إذا كان نازلاً في وقتهما جميعاً نزولاً مستمراً، فهذا - كما يقول عنه ابن تيمية ـ: (ما علمت عليه دليلاً إلا حديث معاذ هذا، فإن ظاهره أنه كان نازلاً، وهذا في تبوك، وهي آخر غزوات النبي ﷺ ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع، ولم ينقل أنه جمع إلا في عرفة ومزدلفة، وأما منى فكان يقصر الصلاة ولا يجمع، فهذا يدل على أنه كان يجمع أحياناً في السفر، وأحياناً لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره) (١). وعلى هذا فالجمع مشروع عند الحاجة إليه، سواء أكان المسافر سائراً أم نازلاً، والغالب أن المحتاج للجمع هو السائر، أما النازل فالأفضل ألا يجمع، إلا إن احتاج لذلك؛ كأن يحتاج لنوم أو استراحة أو أكل فله الجمع؛ لأن المسافر وإن كان نازلاً قد يعرض له أحوال يحتاج معها إلى الجمع بين الصلاتين. وينبغي أن يعلم أن الجمع ليس خاصّاً بالسفر، بل يجوز في الحضر عند الحاجة إليه؛ كمريض احتاج للجمع، أو برد شديد نزل بالناس، ونحو ذلك مما يتحقق به رفع الحرج عن الأمة، وقد دل على ذلك حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر)، قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: (أراد ألا يحرج أمته)، وفي رواية: (من غير خوف ولا سفر) (٢)، قال الشيخ عبد العزيز بن

стр. 1396

باز: (الصواب حمل الحديث على أنه ﷺ جمع بين الصلوات المذكورة لمشقة عارضة ذلك اليوم من مرض غالب، أو برد شديد، أو وحل ونحو ذلك، ويدل على ذلك قول ابن عباس ﵄ لما سئل عن علة هذا الجمع قال: (لئلا يحرج أمته)، وهو جواب عظيمٌ سديدٌ شافٍ، والله أعلم) (١).

стр. 1397

تحديد مسافة القصر ٤٤٠/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفانَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٣٨٧) ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٣٧ - ١٣٨) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه وعطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄، مرفوعاً. وإسناده ضعيف جدّاً لأمرين: الأول: أن إسماعيل بن عياش إذا روى عن غير الشاميين كالحجازيين فروايته ضعيفة، وهذا منها. الثاني: عبد الوهاب بن مجاهد: متروك الحديث. ولا يصح هذا الخبر إلا موقوفاً، كما قال البيهقي، والحافظ ابن حجر. وقد ذكره البخاري معلقاً موقوفاً في باب «كم يقصر الصلاة؟» فقال: (وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً) (١)، وقد وصله البيهقي (٣/ ١٣٧) بإسناد صحيح، وأخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٢٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥) عن عطاء عن ابن عباس

стр. 1398

قال: (لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عُسفان والطائف وجُدَّة) قال الحافظ: (إسناده صحيح) (١). الوجه الثاني: تقدم أن الجمهور استدلوا بهذا الحديث على أن مسافة القصر أربعة برد فصاعداً، وهي بضعة وثمانون كيلاً. وقد تقرر أن الحديث ضعيف جدّاً، وصح موقوفاً على ابن عباس وابن عمر ﵃، لكن له ما يعارضه، كما تقدم في حديث أنس: (أنه ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة). كما أن ما ورد عن ابن عباس وابن عمر ﵃ في أربعة برد، ورد عنهما ما يخالف ذلك، فقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إذا كان سفرك يوماً إلى العتمة فلا تقصر الصلاة، فإن جاوزت ذلك فاقصر) (٢) وورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (لو خرجت ميلاً لقصرت الصلاة) (٣)، وورد عنه روايات كثيرة مختلفة، ولهذا رجحنا أن السفر يُرجع في تحديده إلى عرف الناس، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1399

القصر في السفر أفضل من الإتمام ٤٤١/ ١٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «خَيْرُ أُمَّتي الَّذِينَ إِذَا أَسَاءوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأوْسَطِ» بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَهُوَ في مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مُخْتَصَر. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧/ ٢٨٦) وفي «الدعاء» (٣/ ١٦٠٥) من طريق عبد الله بن يحيى بن معبد المرادي، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي الذين إذا أساءوا استغفروا، وإذا أحسنوا استبشروا، وإذا سافروا قصروا وأفطروا». قال الطبراني: (لم يَروِ هذا الحديث عن أبي الزبير إلا ابن لهيعة، تفرد به عبد الله بن يحيى بن معبد المرادي). وهذا إسناد ضعيف؛ لحال ابن لهيعة، فإنه سيئ الحفظ، وتلميذه عبد الله بن يحيى لم أجد له ترجمة. وقد أخرجه أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (١/ ٢٥٥) من طريق خالد العبد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ ، به. وهذا سند ضعيف جدّاً؛ لأن خالد العبد ترجم له ابن عدي، وذكر أنه متهم بالوضع (١).

стр. 1400

وقد ذكر البخاري في «تاريخه» هذا الحديث بهذا الإسناد، ثم قال عن خالد: (منكر الحديث) (١). وقول الحافظ: (وهو في مرسل سعيد عند البيهقي مختصر)، لعله يقصد أنه عند البيهقي في «المعرفة» (٢)، فقد أخرجه من طريق الربيع، أخبرنا به الشافعي، عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : «خياركم الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا» أو قال: «لم يصوموا»، وهو في مسند الشافعي (٣). الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الاستغفار بعد الإساءة، وعلى أن القصر في السفر أفضل من الإتمام، وأن الفطر فيه أفضل من الصيام، والحديث ضعيف جدّاً كما تقدم، وهذه المسائل الثلاث دل عليها أدلة أخرى صحيحة. أما الاستغفار بعد الإساءة فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقد تكرر في القرآن الكريم ذكر التوبة والاستغفار والأمر بهما والحث عليهما ومدح المستغفرين، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ووعد بالمغفرة لمن استغفره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي ذر ﵁: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم … » (٤)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مئة مرة» (٥).

стр. 1401

وكثيراً ما يُقرن الاستغفار بالتوبة، فيكون الاستغفار حينئذٍ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلب والجوارح. وأما الاستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد، إن شاء الله أجابه، وإن شاء ردَّه، وقد يكون الإصرار مانعاً من الإجابة. والاستغفار: طلب المغفرة؛ لأن السين والتاء للطلب، وسيد الاستغفار: أي سيد صيغ طلب المغفرة. والمغفرة: الستر للذنب، والتجاوز عن الخطايا، والمراد: الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، كما دلت عليه الآية الكريمة، وهو الاستغفار التام الموجب للمغفرة. وأما تفضيل القصر على الإتمام فقد تقدم. وأما تفضيل الفطر في السفر على الصيام، فسيأتي - إن شاء الله تعالى - في كتاب «الصيام»، والله تعالى أعلم. انتهى الجزء الثالث، ويليه بعون الله وتوفيقه الجزء الرابع، وأوله: باب «صلاة الجمعة»

стр. 1402

باب صلاة الجمعة الجمعة: بضم الجيم والميم، ويجوز تسكين الميم تخفيفًا، والأولى هي قراءة الجمهور في الآية الكريمة: ﴿ … إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] وهي مشتقة من الجمع، بمعنى الاجتماع والتأليف ضد التفرق، وسمي بذلك لأن الله تعالى جمع فيه من الأمور الكونية والشرعية ما لم يجمعه في غيره، ففيه كمل خلق السماوات والأرض، وخلق آدم، وفيه تقوم الساعة، ويبعث الناس، وفيه صلاة الجمعة، واجتماع الناس عليها. ويوم الجمعة من أفضل الأيام عند الله تعالى، ادخره الله لهذه الأمة لشرفها وكرمها على الله تعالى، وفيه من الفضائل، وله من الخصائص ما جعل النبي ﷺ يعظمه ويخصه بعبادات ليست لغيره (١). وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون، ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا، هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد" (٢). وعنه أيضًا ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (٣). وإذا كان الله تعالى فضلنا على سائر الأمم بهذا اليوم فعلينا أن نشكره

стр. 1403

على هذه النعمة العظيمة، ومن شكره أن نهتم بهذا اليوم وأن نستشعر عظم هذا العطاء الذي هو زيادة في ثوابنا ورفعة في درجاتنا، وذلك بأن نخص هذا اليوم بمزيد من الطاعة، والإقبال على العبادة بالصلاة، وتلاوة القرآن، والمبادرة إلى حضور الجمعة، وغير ذلك من طرق الخير وسبل الطاعات. وأكثر الناس في زماننا هذا لا يرون يوم الجمعة إلا أنه يوم نوم وكسل، وصار من آثار ذلك السهر في الليل، والنوم في النهار، والتأخر عن الحضور إلى الجمعة كما هو مشاهد، وقد استقر في أذهان الناس أنه أفضل أيام الأسبوع، لكنهم لا يعملون بمقتضى علمهم، وهذا من علامات الحرمات، فالله المستعان. * * *

стр. 1404

الترهيب من ترك الجمعة ٤٤٥/ ١ - [*] عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵁ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين". رواه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الجمعة"، باب " التغليظ في ترك الجمعة" (٨٦٥) من طريق معاوية وهو ابن سلام عن زيد يعني أخاه أنه سمع أبا سلام قال: حدثني الحكم بن ميناء، أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدثاه أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: … الحديث. ووقع عند النسائي في "سنته" (٣/ ٨٨) (ابن عباس) بدل (أبي هريرة)، ورواه ابن خزيمة (٣/ ١٧٥) من طريق الحكم بن ميناء، عن أبي هريرة وأبي سعيد، ولعل الحكم سمعه من الجميع، فأنه قد روى عن المذكورين (١)، وقد تكلم عليه الدارقطني، وذكر الاختلاف في إسناده (٢). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (على أعواد منبره) المنبر: اسم آلة، مأخوذ من النبر وهو الرفع؛ لأنه يتخذ للارتفاع عليه، وتعلية الصوت، وكان منبره ﷺ من أعواد الطرفاء، وهو نوع من الأثل.

стр. 1405

قوله: (عن ودعهم) أي: تركهم، من ودع الشيء: إذا تركه، يقال: ودعته أدعه ودعًا، وزعم النحاة أن العرب أماتت ماضي "يدع" ومصدره، واسم الفاعل، وفي هذا الحديث رد عليهم، فقد ثبت المصدر عن أفصح العرب، وثبت الماضي واسم الفاعل في بعض الأشعار (١)، فلو عبروا بالقلة بدل الإماتة لكان أحسن. قوله: (الجمعات) بضم الجيم والميم، جمع جمعة. قوله: (أو ليختمن الله على قلوبهم) الختم: الطبع والتغطية، وأصل الختم: الاستيثاق من الشيء بوضع الخاتم عليه حتم لا يعلم ما فيه، ومثله الطبع، والقلب إذ ختم عليه لو يع ما ينفعه، ولم يسمع ما يفيده، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وهذا من أكبر الخذلان عياذًا بالله وقد ورد عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة أن رسول الله ﷺ قال: " من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه" (٢). والمراد بالتهاون: الترك من غير عذر، وقيل: التكاسل وعدم الجد في أداء الجمعة لا الاستهانة والاستخفاف فإنه كفر، والمراد بيان كونها معصية عظيمة. قال العراقي: (والمراد بالطبع: أنه يصير قلبه قلب منافق) (٣)، وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣]. قوله: (ثم ليكونن من الغافلين) أي: إذا ختم على القلب وطبع عليه صار صاحبه من الغافلين اللاهين الذين غفلوا عن اكتساب ما ينفعهم وترك ما يضرهم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم شأن صلاة الجمعة وشدة فرضيتها وأن تاركها قد تعرض لعقوبة عظيمة، وهي الختم والطبع على قلبه،
следующие страницы →