← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وكثيراً ما يُقرن الاستغفار بالتوبة، فيكون الاستغفار حينئذٍ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلب والجوارح. وأما الاستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد، إن شاء الله أجابه، وإن شاء ردَّه، وقد يكون الإصرار مانعاً من الإجابة. والاستغفار: طلب المغفرة؛ لأن السين والتاء للطلب، وسيد الاستغفار: أي سيد صيغ طلب المغفرة. والمغفرة: الستر للذنب، والتجاوز عن الخطايا، والمراد: الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، كما دلت عليه الآية الكريمة، وهو الاستغفار التام الموجب للمغفرة. وأما تفضيل القصر على الإتمام فقد تقدم. وأما تفضيل الفطر في السفر على الصيام، فسيأتي - إن شاء الله تعالى - في كتاب «الصيام»، والله تعالى أعلم. انتهى الجزء الثالث، ويليه بعون الله وتوفيقه الجزء الرابع، وأوله: باب «صلاة الجمعة»

стр. 1402

باب صلاة الجمعة الجمعة: بضم الجيم والميم، ويجوز تسكين الميم تخفيفًا، والأولى هي قراءة الجمهور في الآية الكريمة: ﴿ … إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] وهي مشتقة من الجمع، بمعنى الاجتماع والتأليف ضد التفرق، وسمي بذلك لأن الله تعالى جمع فيه من الأمور الكونية والشرعية ما لم يجمعه في غيره، ففيه كمل خلق السماوات والأرض، وخلق آدم، وفيه تقوم الساعة، ويبعث الناس، وفيه صلاة الجمعة، واجتماع الناس عليها. ويوم الجمعة من أفضل الأيام عند الله تعالى، ادخره الله لهذه الأمة لشرفها وكرمها على الله تعالى، وفيه من الفضائل، وله من الخصائص ما جعل النبي ﷺ يعظمه ويخصه بعبادات ليست لغيره (١). وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون، ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا، هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد" (٢). وعنه أيضًا ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (٣). وإذا كان الله تعالى فضلنا على سائر الأمم بهذا اليوم فعلينا أن نشكره

стр. 1403

على هذه النعمة العظيمة، ومن شكره أن نهتم بهذا اليوم وأن نستشعر عظم هذا العطاء الذي هو زيادة في ثوابنا ورفعة في درجاتنا، وذلك بأن نخص هذا اليوم بمزيد من الطاعة، والإقبال على العبادة بالصلاة، وتلاوة القرآن، والمبادرة إلى حضور الجمعة، وغير ذلك من طرق الخير وسبل الطاعات. وأكثر الناس في زماننا هذا لا يرون يوم الجمعة إلا أنه يوم نوم وكسل، وصار من آثار ذلك السهر في الليل، والنوم في النهار، والتأخر عن الحضور إلى الجمعة كما هو مشاهد، وقد استقر في أذهان الناس أنه أفضل أيام الأسبوع، لكنهم لا يعملون بمقتضى علمهم، وهذا من علامات الحرمات، فالله المستعان. * * *

стр. 1404

الترهيب من ترك الجمعة ٤٤٥/ ١ - [*] عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵁ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين". رواه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الجمعة"، باب " التغليظ في ترك الجمعة" (٨٦٥) من طريق معاوية وهو ابن سلام عن زيد يعني أخاه أنه سمع أبا سلام قال: حدثني الحكم بن ميناء، أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدثاه أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: … الحديث. ووقع عند النسائي في "سنته" (٣/ ٨٨) (ابن عباس) بدل (أبي هريرة)، ورواه ابن خزيمة (٣/ ١٧٥) من طريق الحكم بن ميناء، عن أبي هريرة وأبي سعيد، ولعل الحكم سمعه من الجميع، فأنه قد روى عن المذكورين (١)، وقد تكلم عليه الدارقطني، وذكر الاختلاف في إسناده (٢). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (على أعواد منبره) المنبر: اسم آلة، مأخوذ من النبر وهو الرفع؛ لأنه يتخذ للارتفاع عليه، وتعلية الصوت، وكان منبره ﷺ من أعواد الطرفاء، وهو نوع من الأثل.

стр. 1405

قوله: (عن ودعهم) أي: تركهم، من ودع الشيء: إذا تركه، يقال: ودعته أدعه ودعًا، وزعم النحاة أن العرب أماتت ماضي "يدع" ومصدره، واسم الفاعل، وفي هذا الحديث رد عليهم، فقد ثبت المصدر عن أفصح العرب، وثبت الماضي واسم الفاعل في بعض الأشعار (١)، فلو عبروا بالقلة بدل الإماتة لكان أحسن. قوله: (الجمعات) بضم الجيم والميم، جمع جمعة. قوله: (أو ليختمن الله على قلوبهم) الختم: الطبع والتغطية، وأصل الختم: الاستيثاق من الشيء بوضع الخاتم عليه حتم لا يعلم ما فيه، ومثله الطبع، والقلب إذ ختم عليه لو يع ما ينفعه، ولم يسمع ما يفيده، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وهذا من أكبر الخذلان عياذًا بالله وقد ورد عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة أن رسول الله ﷺ قال: " من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه" (٢). والمراد بالتهاون: الترك من غير عذر، وقيل: التكاسل وعدم الجد في أداء الجمعة لا الاستهانة والاستخفاف فإنه كفر، والمراد بيان كونها معصية عظيمة. قال العراقي: (والمراد بالطبع: أنه يصير قلبه قلب منافق) (٣)، وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣]. قوله: (ثم ليكونن من الغافلين) أي: إذا ختم على القلب وطبع عليه صار صاحبه من الغافلين اللاهين الذين غفلوا عن اكتساب ما ينفعهم وترك ما يضرهم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم شأن صلاة الجمعة وشدة فرضيتها وأن تاركها قد تعرض لعقوبة عظيمة، وهي الختم والطبع على قلبه،

стр. 1406

فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، ولا يعي خيرًا، ولا تغشاه رحمة الله، ولا ألطافه، فلا يزكيه ولا يطهره، بل يبقى دنسًا تغشاه ظلمات الذنوب والمعاصي، ثم يكون من الغافلين الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. قال القاضي عياض: (هذا الحديث حجة بينة في وجوب الجمعة وكونها فرضاً، إذ العقاب والوعيد والطبع والختم إنما يكون على الكبائر) (١). فعلى من كان متساهلًا بهذه الفريضة العظيمة أن يبادر بالتوبة النصوح، وأن يحرص على أدائها والاهتمام بها بالتبكير وسماع الخطبة، والاستفادة منها، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1407

وقت الجمعة زمن النبي ﷺ ٤٤٦/ ٢ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به. متفق عليه. واللفظ للبخاري. وفي لفظ لمسلم: كنا نجمع معه إذا زالت الشمس، ثم نرجع، نتتبع الفيء. ٤٤٧/ ٣ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. متفق عليه، واللفظ لمسلم. وفي رواية: في عهد رسول الله ﷺ . • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: فالأول: هو سلمة بن عمرو بن سنان الأسلمي ﵁، وهو منسوب إلى جده سنان، ولقبه: الأكوع، كان سلمة ﵁ شجاعًا عداءً يسبق الخيل، وأول مشاهده غزة الحديبية، وقد بايع النبي ﷺ فيها على الموت مرتين أو ثلاثا (١)، واستنقذ لقاح النبي ﷺ من أربعين رجلًا من غطفان أغاروا عليها فأخذوها، فلحقهم حتى أدركهم وجعل يرميهم ويرتجز:

стр. 1408

أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع (١) حتى افتكها واستلب منهم ثلاثين بردة ورمحًا، فأعطاه النبي ﷺ سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل (٢)، توفي ﵁ بالمدينة سنة أربع وسبعين (٣). والثاني: هو أبو العباس سهل بن سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي ﵁ كان اسمه حزنًا، فسماه النبي ﷺ سهلًا (٤). روى عنه ابن عباس، وأبو حازم الأعرج، وابن شهاب الزهري، وآخرون، وروى عن النبي ﷺ أحاديث، وهو من مشاهير الصحابة، كان عمره حين توفي النبي ﷺ خمس عشرة سنة، ومات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من توفى منهم بالمدينة على قول بعض المحدثين (٥). • الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث سلمة فقد أخرجه البخاري في كتاب "المغازي"، باب "غزوة الحديبية" (٦) (٤١٦٨)، ومسلم في كتاب "الجمعة"، باب "صلاة الجمعة حين تزول الشمس" (٨٦٠) من طريق يعلى بن الحارث المحاربي، حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع، قال: حدثني أبي وكان من أصحاب الشجرة، قال: … فذكره.

стр. 1409

وهذا لفظ البخاري، كما قال الحافظ، ولفظ مسلم: (فنرجع وما نجد للحيطان فيئًا نستظل به). وفي رواية لمسلم (٨٦٠) (٣١): (كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء)، وسأذكر إن شاء الله غرض الحافظ من إيراد هذه الرواية. وأما حديث سهل، فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجمعة"، باب "قول الله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] " (٩٣٩)، ومسلم في الباب المذكور في الحديث قبله (٨٥٩) من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد، به. وقوله: (واللفظ لمسلم) لا داعي له؛ لأن اللفظ المذكور لهما معًا، لا فرق بينهما فيه. ورواه مسلم (٨٥٩) من طريق علي بن حجر، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، به، وزاد: (في عهد رسول الله ﷺ . ولعل الحافظ ذكر هذه الرواية لبيان أن قيلولتهم وغداءهم بعد الجمعة إنما كان في زمن النبي ﷺ ؛ لأن الرواية الأولى لم تبين ذلك، فيكون إخبارًا عن وقت صلاة النبي ﷺ ؛ لأنه لا يصلي الجمعة في عهده أحد سواه. • الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (ثم ننصرف) أي: إلى بيوتنا بعد الصلاة. قوله: (وليس للحيطان ظل يستظل به) أي: ليس للجدران ظل نتقي به الشمس، وإنما ظلها قصير لا يقي من الشمس، وليس المراد نفي الظل مطلقًا، وإنما المراد نفي ظل طويل يستظل به، بسبب صلاتهم الجمعة في أول وقتها قبل أن يستطيل الظل، بدليل الرواية الثانية التي عند مسلم: (ثم نرجع نتتبع الفيء)، ولعل هذا غرض الحافظ من إيرادها، وهو تأييد أن النفي للقيد، وهو قوله: (نستظل به) لا لأصل الظل، خلافًا لمن حمله على ذلك، كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 1410

قوله: (كنا نجمع) بضم النون وتشديد الميم مكسورة: نصلي الجمعة. قوله: (إذا زالت الشمس) أي: مالت عن وسط السماء نحو المغرب. قوله: (نتتبع الفيء) أي: نتطلبه لنمشي فيه، والفيء: الظل بعد زال الشمس، سمي بذلك لرجوعه. قوله: (ما كنا نقيل) من القيلولة، وهي الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. قوله: (إلا بعد الجمعة) أي: بعد انصرافنا من صلاة الجمعة. • الوجه الرابع: اختلف العلماء في وقت صلاة الجمعة على قولين: الأول: أن وقتها وقت صلاة الظهر، أي: بعد زال الشمس إلى آخر وقت الظهر، فيجب أن تقع الخطبة والصلاة بعد الزوال. وهذا مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها الآجري، ورجحها ابن قدامة والمرداوي (١). واستدلوا بحديث الباب على أن النفي في قوله: (وليس للحيطان ظل نستظل به) نفي للقيد، وهي الظل الذي يستظل به، وليس نفيًا للظل من أصله، وإذا ثبت أن هناك ظلًا دل على أنه ﷺ صلاها بعد الزوال. كما استدلوا بحديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس) (٢). وهذا يشعر بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، كما قال الحافظ، وهو دليل صريح على أن وقت الجمعة عند زوال الشمس، مع أنه يحتمل أن المراد: يفرغ من صلاة الجمعة حين الزوال.

стр. 1411

كما استدلوا بأن الجمعة بدل من صلاة الظهر، والبدل يقوم مقام المبدل منه. القول الثاني: أنه يجوز فعلها قبل الزوال، وهذا مذهب الحنابلة، والمنصوص عن أحمد، والذي عليه الأكثرون منهم أن أول وقتها وقت صلاة العيد، أي: بعد ارتفاع الشمس قدر رمح (١). واستدلوا بحديث الباب على أن النفي راجع لأصل الظل، وليس للقيد الذي هو الاستظلال، والمعنى: وليس للحيطان ظل فنستظل به، فيدل على أنهم فعلوها قبل الزوال. وهذا الاستدلال فيه نظر، والأظهر ما تقدم، وهو أن المراد نفي الظل الطويل الذي يكفي في الاستظلال، بدليل اللفظ الثاني، على أن الحديث لا يدل على الصلاة في أول النهار، بل ضعف ابن قدامة هذا القول، فقال: (وأما فعلها في أول النهار فالصحيح أنه لا يجوز، لما ذكره أكثر العلماء، ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل) (٢). كما استدلوا بحديث سهل بن سعد المذكور، فإنه يدل على أنهم صلوا قبل الزوال؛ لأنه لم يكن الغداء ولا القيلولة بعد الزوال في ذلك الوقت، قال علماء اللغة: القيلولة: النوم نصف النهار، والغداء: هو الطعام الذي يؤكل أول النهار، وهذا فيه نظر، فإنه ليس بصريح على أنهم صلوها قبل الزوال، بل غاية ما يدل عليه أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها. كما استدلوا بحديث جابر ﵁ قال: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ ثم نرجع فنريح نواضحنا) (٣)، وفي رواية: (حين تزول الشمس)، والنواضح: جمع ناضح، وهو الجمل الذي ينضح الماء من البئر.

стр. 1412

فظاهر هذا أنهم يريحونها حين الزوال، فدل على أنهم صلوا الجمعة قبل الزوال، وهذا من أقوى الأدلة للقائلين بأن صلاة الجمعة قبل الزوال؛ لأنه ﷺ كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما، وثبت عنه قراءة (ق)، وكان يصلي بـ ﴿سبح﴾ و ﴿الغاشية﴾، وأحيانًا بـ ﴿الجمعة﴾ و ﴿المنافقون﴾، ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال ما كانت إراحة النواضح عند الزوال بل بعده بكثير. وعن أحمد رواية ذكرها الخرقي في "مختصره" (١) أنه يجوز فعلها في الساعة السادسة، أي: قبيل الزوال، واختارها أيضًا أبو بكر عبد العزيز، وابن شاقلا، والموفق ابن قدامة صاحب "المغني"، والشارح عبد الرحمن بن قدامة صاحب "الشرح الكبير" (٢)، وهذه الرواية أظهر مما قبلها، فتصلى قرب الزوال لا أول النهار، ويؤيد ذلك حديث جابر المذكور، فإنه يدل على أنهم صلوها قبيل الزوال. وهذا القول قوي جدًا؛ لأن الرسول ﷺ لما ذكر الساعات الخمس في حضور الناس إلى الجمعة، قال بعدها: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" (٣)، فظاهر هذا أن الإمام يخرج في الساعة السادسة (٤). ويؤيد ذلك حديث جابر المذكور فهو صريح في صلاتها قبل الزوال، وحديث سلمة يدل بظاهره على صلاتها قريب من الزوال، ولا داعي لتأويل هذه الأحاديث، فإن الأدلة التي تدل على صلاتها بعد الزوال لا تنافي أدلة جواز صلاتها قبل الزوال. على أن الأفضل والأحوط صلاتها بعد الزوال مع المبادرة بها رفقًا بالناس؛ لأنهم ينتظرونها فيشق عليهم التأخير؛ لأمرين:

стр. 1413

الأول: اتفاق الجميع على أن الأفضل بعد الزوال، حتى من يقول: إن وقتها قبل الزوال. الثاني: أن هذا هو الوقت الذي كان النبي ﷺ يفعلها فيه غالبًا. قال ابن قدامة: (الأولى أن لا تصلى إلا بعد الزوال، ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي ﷺ يفعلها فيه في أكثر أوقاته، ويعجلها في أول وقتها؛ لأن النبي ﷺ كان يعجلها، ولأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها، فلو انتظر الإبراد بها لشق على الحاضرين … ) (١)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1414

صحة الجمعة باثني عشر رجلًا ٤٤٨/ ٤ - عن جابر أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا. رواه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب " الجمعة" باب "إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة" (٩٣٦)، ومسلم (٨٦٣) من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان يخطب … فذكره. وفي آخره قال: فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ [الجمعة: ١١]. وقد وهم الحافظ في عزو الحديث لمسمل فقط، فإنه عند البخاري أيضًا كما تقدم، وقد قال في "التلخيص": (متفق عليه من حديث جابر) (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كان يخطب) رواية البخاري في الباب المذكور: (بينما نحن نصلي)، وفي رواية: (ونحن نصلي) وهذا ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة، لكن الأظهر أن انفضاضهم كان في الخطبة بدلالة الآية. وقد جمع الحافظ بين الروايتين بأن قوله: (نصلي) أي: ننتظر الصلاة، أو يكون المراد بالصلاة الخطبة، من تسمية الشيء بما يقاربه.

стр. 1415

قوله: (عير) بكسر العين، اسم جمع لا مفرد له من لفظه، وهي الإبل التي تحمل التجارة من طعام أو غيره، وقد ورد عند البخاري: (غير تحمل طعامًا)، وقد دلت الروايات في غير " الصحيحين" أن التجارة كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان دحية الكلبي هو السفير فيها (١). قوله: (فانفتل الناس إليها) أي: انصرفوا وانفضوا إليها وخرجوا من المسجد لينالوا من هذه التجارة، والراجح أن هذا الانفضاض كان في الخطبة كما تقدم، لقوله تعالى: ﴿وتركوك قائما﴾. والظاهر أن انصرافهم هذا كان قبل أن يعلموا الحكم الشرعي بوجوب البقاء في المسجد وسماع الخطبة فظنوا أن هذا جائز، مع ما هم عليه من الحاجة وضيق العيش، وما لقدوم التجارات من وقع في نفوسهم، ومع هذا فإن الله تعالى عاتبهم عتابًا لينًا فقال: ﴿وإذا رأوا﴾ أي: أبصروا، والضمير للصحابة ﵁، ﴿تجارة﴾ أي: سلعة يتجر بها، ﴿أو لهوًا﴾ أي: عملًا يلهي من التصفيق ودق الطبول عند قدوم عير التجارة، ﴿انفضوا إليها﴾ أي: تفرقوا ذاهبين إليها، وأفرد الضمير مع تقدم التجارة واللهو إما لأن التجارة هي المقصود فعاد الضمير إليها، أو يعود الضمير إلى ما رأوه، ﴿وتركوك قائمًا﴾ أي: واقفًا تخطب، وقد جاء في "مراسيل أبي داود" بإسناده عن مقاتل أن خروجهم إنما كان بعد الصلاة؛ لأن الرسول ﷺ كان يصلي الجمعة قبل الخطبة، ولكنه مرسل لا تقوم به حجة، قال الحافظ: (إن ثبت هذا أزال الإشكال، لكنه مع شذوذه معضل) (٢). قوله: (لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا) بالرفع على أنه فاعل؛ لأن الاستثناء مفرغ، وفي رواية لمسلم: (فيهم أبو بكر وعمر)، وفي رواية له أيضًا من حديث جابر: (أنا فيهم). وقد ورد في رواية العقيلي عن ابن عباس: (أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأناسًا من الأنصار)، قال الحافظ: (وهذا

стр. 1416

أقوى وأشبه بالصواب) (١). • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية كون الخطيب قائمًا، وسيأتي ذلك إن شاء الله في حديث جابر بن سمرة ﵁ بعد حديث. • الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث المالكية على أن العدد الذي تنعقد به الجمعة اثنا عشر رجلًا (٢)، وهذا فيه نظر، فإن هذه واقعة عين لا حجة فيها، وأكثر ما فيها هو أنهم انفضوا وبقي اثنا عشر، وتمت بهم الجمعة، وليس فيها أنه لو بقي أقل من هذا العدد لم تتم بهم، وسيأتي الكلام في هذه المسألة إن شاء الله. * * *

стр. 1417

حكم من أدرك ركعة من صلاة الجمعة ٤٤٩/ ٥ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته". رواه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني، واللفظ له، وإسناده صحيح، لكن قوي أبو حاتم إرساله. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه النسائي في كتاب "المواقيت"، باب "من أدرك ركعة من الصلاة" (١/ ١٧٤ - ٢٧٥)، وابن ماجه (١١٢٣)، والدارقطني (٢/ ١٢) من طريق بقية بن الوليد، ثنا يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكر الحديث. قال الدارقطني: (قال لنا ابن أبي داود: لم يروه عن يونس إلا بقية)، والحديث رجاله ثقات، إلا بقية بن الوليد فهو صدوق مدلس، وإن سلم الحديث من تدليسه حيث صرح بالتحديث، ففيه تدليس التسوية؛ لأنه عنعن لشيخه. والحديث ذكره ابن عبد الهادي وقال: (إسناده جيد) (١)، وقد خالف بقية سليمان بن بلال، فروى الحديث مرسلًا عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد

стр. 1418

أدركها إلا أنه يقضي ما فاته" رواه النسائي (١/ ٢٧٥)، فهذا المرسل يدل على خطأ بقية في وصل الحديث، كما يدل على خطئه في ذكر لفظة: "الجمعة"، ولهذا أعله أبو حاتم باختلاف السند والمتن، فقال: (هذا خطأ المتن والإسناد) (١)، فاختلاف السند هو: وصله، واختلاف المتن: ذكر لفظة: "الجمعة". والمحفوظ في هذا ما أخرجه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٢)، ولا ريب أن الجمعة مندرجة تحت لفظ: " الصلاة"، وقد تقدم في المرسل عند النسائي: "من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها". • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة، وعليه أن يضيف إليها أخرى، وتتم جمعته وإن لم يدرك من الخطبة شيئًا، وهذا قول جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة وجماعة من الصحابة والتابعين. وذهب جماعة من التابعين منهم عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول كما ذكر ابن المنذر إلى أن إدراك شيء من الخطبة شرط لا تصح الجمعة إلا به، فمن لم يدرك الخطبة صلى أربعًا (٣)، وهذا قول مرجوح لأمرين: الأول: أنه مخالف لعموم حديث أبي هريرة: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". الثاني: أن اشتراط الخطبة لصحة الصلاة يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل عدم اشتراطه حتى يقوم عليه دليل.

стр. 1419

الوجه الثالث: مفهوم الحديث أن من أدرك من الجمعة أقل من ركعة لم يكن مدركًا للصلاة، كأن يدرك الإمام بعد الرفع من الركوع أو في السجود من الثانية أو في التشهد فهذا يصليها ظهرًا أربع ركعات، وينويها ظهرًا بعد سلام الإمام، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد (١). وقال أبو حنيفة وجماعة منهم: الحكم، وحماد، وابن حزم (٢): إذا أدرك الإمام في التشهد صلى ركعتين، واستدلوا بحديث: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا أو فأتموا" (٣). قالوا: ومن أدرك الإمام ساجدًا أو جالسًا أو في التشهد يسمى مدركًا، فيقضي ما فاته أو يتمه وهو ركعتان، فكيف يؤمر بأربع؟ وأجابوا عن حديث: "من أدرك ركعة" بأن الاستدلال به وبأمثاله هو من باب المفهوم، وهو ليس بحجة عند الأكثرين، ذكر هذا ابن التركماني (٤). والصواب قول الجمهور؛ لأن العمل بالمفهوم طريق من طرق الاستدلال عند الكثيرين، ويؤيد هذا أنه قول جماعة من الصحابة ﵃؛ كابن عمر وابن مسعود وغيرهما، ولا مخالف لهم في عصرهم، وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: " إذا أدرك الرجل يوم الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإن وجدهم جلوسًا صلى أربعًا" (٥). وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طريق أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: "من أدرك الركعة فقد أدرك

стр. 1420

الجمعة، ومن لم يدرك الجمعة فليصل أربعًا" (١)، وله طريق أخرى عند ابن أبي شيبة (٢). لكن من فاتته الجمعة اشترط في حقه دخول وقت الظهر، لاحتمال أن يكون إمامه صلى الجمعة قبل الزوال، فإن لم يدخل الوقت أتمها مع إمامه نفلًا، ثم إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1421

مشروعية قيام الخطيب وجلوسه بين الخطبتين ٤٥٠/ ٦ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن أنبأك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب. أخرجه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الجمعة"، باب "ذكر الخطبتين وما فيهما من الجلسة" (٨٦٢) (٣٥) من طريق سماك بن حرب، قال: أنبأني جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا … الحديث، وفي آخره: (فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة)، وقد جاء في "صحيح مسلم" (نبأك) بدل (أنبأك). • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية خطبتين لصلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة يجتمع لها الناس فكان من الحكمة أن يكون فيها خطبة توجه الناس لما فيه الخير، وتعظهم بالتزامه، وتحذرهم من الشر وتعظهم بالبعد عنه، وقد واظب النبي ﷺ عليهما فلم يتركهما أبدًا. وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أنه يشترط للجمعة خطبتان، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة من التابعين، قال القاضي عياض: (وإليه ذهب كافة العلماء) (١)، وقال ابن قدامة: (لا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن) (٢)، والمراد أنه لا يرى الاشتراط، كما عزاه إليه ابن

стр. 1422

المنذر (١)، وقد رواه عنه عبد الرزاق (٢)، لكن أخرج ابن أبي شيبة من طريق يونس عنه قال: (الإمام إذا لم يخطب صلى أربعًا) (٣)، وهذه الرواية عنه توافق مذهب الجمهور، لكن لا نعلم أيهما المتأخر. وقد استدل القائلون بشرطية الخطبتين بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]، وقد ذكر المفسرون أن المراد بـ ﴿ذكر الله﴾: الخطبة والصلاة. ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالسعي إلى ذكره، ومنه الخطبة، وهذا يتضمن الأمر بها من باب أولى؛ لأن ما كان السعي إليه واجبًا يكون واجبًا، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية. ٢ - أن النبي ﷺ واظب عليهما مواظبة غير منقطعة، وهذا قد يكو بيانًا للآية الكريمة، وعلى هذا فلا يقال: إنه لا دليل على الوجوب إلا الفعل المجرد، وهو لا ينتهض لإثبات الوجوب، بل الدليل الآية والفعل البياني. والقول الثاني: أن الخطبة ليست شرطًا، فتصح الجمعة بدونها، وهذا أحد قولي الحسن، وقول داود، ورواية عن مالك، لعدم الدليل على شرطيتها (٤). • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية كون الخطيب يوم الجمعة قائمًا؛ لأن ذلك أشد في وعظه، وأشمل في صوته. قال ابن عبد البر: (أجمع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن قدر على القيام … ) (٥)، وقال ابن رجب: (لعله أراد إجماعهم على استحباب ذلك، فإن الأكثرين على أنها تصح من الجالس مع القدرة على القيام مع الكراهة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والمشهور عن أحمد، وعليه

стр. 1423

أصحابه، وقول إسحاق أيضًا) (١). وقد دل حديث جابر بن سمرة على وجوب القيام في الخطبة وهو قول الشافعي، ومالك في رواية (٢) من وجهين: الأول: مشروعية الجلوس بينهما، ولو كان القعود مشروعًا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بينهما بجلوس. الثاني: قول جابر: (فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي مرة). وقد روى ابن عمر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما)، وفي رواية: (كان النبي ﷺ يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن) (٣). • الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الجلوس بين الخطبتين؛ ليحصل الفصل بين الخطبتين، ولئلا يتعب الخطيب، ويمل السامع. وهذا الجلوس سنة عند الجمهور؛ لأن مجرد الفعل لا يفيد إلا الندب، وقالت الشافعية بوجوبه (٤)، والواجب الفصل بين الخطبتين ولو بغير الجلوس، لكن الجلوس أفضل. وليس في هذا الجلوس ذكر مشروع، وليس له مقدار معين على القول الراجح، وإنما يحصل المقصود بمقدار ما يحصل الفصل، وقيل: بقدر سورة الإخلاص (٥)، ولا دليل عليه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1424

بعض صفات الخطبة والخطيب ٤٥١/ ٧ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب، احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: " أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". رواه مسلم. وفي رواية له: كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته. وفي رواية له: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له". وللنسائي: " وكل ضلالة في النار". • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب " الجمعة"، باب "تخفيف الصلاة والخطبة" (٨٦٧) من طريق عبد الوهاب بن حميد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: … فذكر الحديث. إلا أن الحافظ حذف منه بعض الجمل وهي: (ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعية السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد … "). ورواه مسلم أيضًا من طريق سليمان بن بلال، حدثني جعفر بن

стр. 1425

محمد، عن أبيه قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: (كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله … ) الحديث. ورواه أيضًا من طريق وكيع، عن سفيان، عن جعفر بن حمد، عن أبيه، عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس، يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله". ورواه النسائي (٣/ ١٨٨ - ١٨٩) من طريق ابن المبارك، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، وفيه: " وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (صبحكم ومساكم) أي: نزل بكم العدو صباحًا ومساءً، فاحتفظوا منه. قوله: (أما بعد) أما: كلمة يؤتى بها عند الدخول في الموضوع الذي يقصد، وهي حروف متضمنة للشرط، ولهذا تدخل الفاء في جوابها، وحذفها كثير إذا دخلت على قول محذوف، وقليل فيما عدا ذلك، وهي قائمة مقام أداة الشرط وفعل الشرط، ولهذا قدرها النحويون بـ (مهما يكن من شيء)، والتقدير: مهما يكن من شيء بعد حمد الله فخير الحديث كتاب الله. وبعد: ظرف مبني على الضم في محل نصب، وهو ملازم للإضافة منصوب بالفتحة، فإذا قطع عن الإضافة لفظًا لا معنى بني على الضم. قوله: (خير الهدي هدي محمد) خير: بالنصب عطفًا على اسم إن، وبالرفع عطفًا على محل إن واسمها (١). والهدى: ضبط بضم الهاء وفتح الدال بمعنى: الدلالة والإرشاد، وضبط بفتح الهاء وسكون الدال، بمعنى: أحسن الطريقة والأخلاق، والأول هو

стр. 1426

الذي يضاف إلى الرسل والقرآن، قال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢] وقال تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩]. قوله: (وشر الأمور محدثاتها) الأمور: جمع أمر، وهو الحال والشأن، والمحدثات: بفتح الدال، جمع محدثة، والمراد: كل ما أحدث في دين الله على خلاف ما شرع الله، وهي المسماة بالبدع. قوله: (وكل بدعة ضلالة) البدعة في اللغة: اسم من الابتداع، يقال: بدع الشيء يبدعه وابتدعه: أنشأه وبدأه. وأما في الاصطلاح: فهي طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشريعة، يقصد بها التقرب إلى الله تعالى، ولم يقم على صحتها دليل شرعي صحيح (١)، وهي التي قال فيها النبي ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٢)، وعلى هذا فما كان له أصل يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة؛ كقول عمر ﵁ في صلاة التراويح خلف إمام واحد: (نعمت البدعة هذه) (٣)، فهذه هي البدعة اللغوية، وليست الشرعية؛ لأن قيام رمضان مشروع بنص حديث رسول الله ﷺ كما ثبت في "الصحيحين"، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، ولكن تسميتها بدعة لغوية فيه نظر، وذكر الشاطبي أن تسميتها بدعة باعتبار ظاهر الحال؛ لأن الرسول ﷺ تركها، ولم تقع في زمان أبي بكر ﵁ (٥). وأما ما ليس له أصل من أصول الشرع فهو بدعة؛ كالاجتماع في الذكر على صوت واحد، والاحتفال بيوم مولد النبي ﷺ ، أو بليلة الإسراء والمعراج، أو التزام صيام النصف من شعبان، أو قيام ليلته، والتلحين في

стр. 1427

القراءة والأذان، وزخرفة المساجد، ونحو ذلك، وعلى هذا فالبدعة اللغوية أعم من البدعة الشرعية. والضلالة: ضد الهداية، وهي البعد عن الحق؛ لأن الحق ما جاء به الشرع نصًا أو استنباطًا، فما لا يرجع إليه يكون بدعة وضلالة، قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]. • الوجه الثالث: الحديث دليل على ما ينبغي أن يتصف به الخطيب، وما ينبغي أن تكون عليه خطبته، لأجل أن يؤثر في السامعين ويستفاد منه، وذلك بمراعاة أمور كثيرة منها: أولًا: صفته حال إلقاء الخطبة: وذلك بأن يكون جيد الإلقاء، بعيدًا عن الأخطاء النحوية، بعيدًا عن السجع المتكلف، والعبارات المترادفة، والألفاظ الغريبة. وعليه أن يشد انتباه الحاضرين، ويثير حماسهم لمتابعته حتى يستفيدوا منه، وذلك بأن يكون حال الإلقاء متحمسًا، ليكون لكلامه وقع، فيصل إلى المسامع ويهز القلوب. ثانيًا: انتفاء الموضوع، فعلى الخطيب أن يُعنى بما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وذلك بأن يكثر من حثهم على العمل بكتاب الله تعالى الذي أنزله الله هداية للعباد إلى ما فيه صلاحهم في دينهم ودنياهم وفلاحهم وسعادتهم، وبحثهم على تحقيق التوحيد، واتباع هدي النبي ﷺ ، فهي التي تصل بسالكها إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويحذرهم من البدع في الدين، سواء ابتدع الإنسان عبادة لم يشرع الله ورسوله جنسها أصلًا؛ كأذكار أو صلوات، وكالتقرب بسجدة منفردة، كما تفعل بعض الفرق الضالة، أو ابتدعها على وجه يغير به ما شرعها الله ورسوله؛ كالذكر الجماعي، والتكبير الجماعي، ونحو ذلك. ويذكرهم بالموت والقبر وأهوال يوم القيامة والجنة والنار والثواب والعقاب، فإن ذلك من أعظم الأسباب لترغيب الناس في فعل الطاعات رجاء الثواب، وترهيبهم من المعاصي خوف العقاب. ويحسن بالخطيب مراعاة المناسبات؛ كرمضان والحج أو الأمور

стр. 1428

العارضة التي تستدعي معالجة ما يعانيه الناس؛ لأن ملاءمة الخطبة للأحداث الجارية والملابسات التي قد تقع في دنيا الناس له أثر كبير على نفوس السامعين وشد انتباههم واستفادتهم. ثالثًا: عدم تطويل الخطبة، والكلام على ذلك في الحديث الآتي. • الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية حمد الله تعالى والثناء عليه في خطبة الجمعة، وقد ذهب الجمهور إلى وجوب الحمد في الخطبة، كما ذكر ذلك الشوكاني (١). وقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء" (٢). • الوجه الخامس: الحديث دليل على ذم البدع والتحذير منها، حيث وصف البدعة بأنها ضلالة وأنها في النار، وهذا نص صريح لا يقبل التأويل ولا يدخله التخصيص، قال الحافظ ابن حجر: (وهذه الجملة قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها فكأن يقال: (حكم كذا بدعة، وكل بدعة ضلالة)، فلا تكون من الشرع؛ لأن الشرع كله هدى، فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان، وأنتجتا المطلوب) (٣). وأما تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة، أو محمودة ومذمومة، أو تقسيمها إلى أقسام الأحكام التكليفية فهو تقسيم مخترع، وليس عليه دليل شرعي، فإن الأدلة جاءت عامة، وليس فيها استثناء شيء من ذلك البتة، ومن القواعد الأصولية المقررة أن النصوص العامة يجب العمل بها على عمومها، وليس لأحد أن يخصصها إلا بدليل من كتاب أو سنة.

стр. 1429

ثم إن هذا التقسيم نفسه متدافع؛ لأن البدعة لا يدل عليها دليل شرعي، ولو كان هناك دليل على الوجوب أو الندب لما كان ذلك بدعة! وقد أخرج اللالكائي عن ابن عمر ﵁ قال: (كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة) (١)، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية، وهي قوله: " كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذه إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل … ) (٣)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1430

استحباب تقصير الخطبة وإطالة الصلاة ٤٥٢/ ٨ - عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه". رواه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجمعة"، باب "تخفيف الصلاة والخطبة" (٨٦٩) من طريق عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، عن أبيه، عن واصل بن حيان قال: (قال أبو وائل خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا"). وكان الولى بالحافظ أن يذكر بقية الحديث؛ لأنه بصيغة الأمر. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لو كنت تنفست) أي: أطلت قليلًا. قوله: (مئنة) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشدودة، أي: علامة ودليل. قوله: (وإن من البيان لسحرًا) من: للتبعيض، والبيان هنا يراد به: الفصاحة التامة والبلاغة القوية، وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه، والسحر: هو الصرف والعطف، والبيان من حيث هو لا مدح فيه ولا ذم، ولكن ينظر

стр. 1431

إلى أثره ومقصوده، فإن قصد به رد الحق وإثبات الباطل فهو مذموم، وإن قصد به إثبات الحق وإبطال الباطل فهو ممدوح. • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تقصير خطبة الجمعة وعدم إطالتها، وذلك لئلا يمل الناس ويسأموا، ويضعفوا عن مواصلة الاستماع والاستفادة؛ لأنهم إذا ملوا وضعفوا لم يستفيدوا من الخطبة، بل تضيع عليهم، أما إذا كانت قصيرة فإنهم يحفظونها ويستفيدون منها. وهذه صفة خطبة النبي ﷺ كما قال جابر بن سمرة ﵁: (كنت أصلي مع النبي ﷺ ، فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا) (١)، قال الحافظ ابن حجر: (القصد: الوسد، أي: لا قصيرة، ولا طويلة) (٢). وعنه قال: (كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات) (٣). وتقصير الخطبة مع الإتيان بالمقصود وهو الوعظ والإرشاد دليل على فقه الخطيب وفهمه، حيث استطاع أن يأتي بمعاني الخطبة في ألفاظ قليلة، قال الشافعي: (وأحب أن يكون كلامه أي الخطيب قصدًا بليغًا جامعًا) (٤). أما إطالة الخطبة فهي دليل على عدم فقه الخطيب، وليست دليلًا على علمه ولا بلاغته؛ لأن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال ومراعاة حال المخاطب. • الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية إطالة صلاة الجمعة، وذلك بالتأسي بالنبي ﷺ فيما يقرأ فيها مع الطمأنينة، والمراد أنها طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا أنه طول يشق على المأمومين، لئلا يكون ذلك مخالفًا للأحاديث الصحيحة في الأمر بتخفيف الصلاة. وقد كان ﷺ يقرأ يوم الجمعة بـ (سبح) و (الغاشية)، أو بـ (الجمعة) و (المنافقين)، كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 1432

استحباب قراءة سورة ﴿ق﴾ في خطبة الجمعة ٤٥٣/ ٩ - عن أم هشام بنت حارثة ﵂ قالت: ما أخذت: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي أم هشام بنت حارثة بن النعمان الأنصارية، صحابية مشهورة -كما قال الحافظ في "التقريب" وهي مذكورة في الكنى؛ لأنه لم يشتهر اسمها، نقل ابن عبد البر عن أحمد بن زهير (١)، قال: (سمعت أبي يقول: أم هشام بنت حارثة بايعت بيعة الرضوان) (٢)، وقد روى مسلم في حديثها المذكور في إحدى روايته أنها قالت: (وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا، سنتين أو سنة وبعض سنة) (٣). • الوجه الثاني: في تخريجه: أخرجه مسلم في كتاب " الجمعة"، باب "تخفيف الصلاة والخطبة" (٨٧٣) (٥٢) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن أم

стр. 1433

هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: (لقد كان تنورنا وتنتور رسول الله ﷺ واحدًا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ … ) الحديث. ورواه من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن أخت لعمرة بنحوه، ولعل المراد بذلك أنها أخت لها من أمها كما ذكر البيهقي، وقيل غير ذلك (١)، والله أعلم. وقولها: (لقد كان تنورنا … إلخ) قصدت به الإشارة إلى حفظها ومعرفتها بأحوال النبي ﷺ وقربها من منزله، ذكره النووي. • الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب قراءة سورة ﴿ق﴾ في خطبة الجمعة، وذلك والله أعلم لما اشتملت عليه من ذكر ابتداء الخلق، والموت وسكراته، والبعث وما فيه من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وما اشتملت عليه من المواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة، ومن ذلك ما يتعلق بحفظ اللسان، فهي خير ما يوعظ به السامعون؛ لأن أنفع ما يوعظ به عامة الناس هو ذكر الموت وسكراته، وذكر البعث وما فيه من الأهوال، وذكر الجنة والنار. • ولم يبين في هذا الحديث محل قراءتها هل هو في الخطبة الأولى أو الثانية، لكن لو قرأها في الأولى وفسرها تفسيرًا موجزًا في الثانية لكان حسنًا؛ لأن الناس بحاجة إلى تفسيرها، لا سيما في مثل زماننا هذا. • الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن سورة ﴿ق﴾ تقرأ كل جمعة؛ لأن قولها: (كل جمعة) صيغة عموم، لكن الظاهر أن هذا محمول على الغالب، أو أنه من العام المخصوص؛ لأنه ورد ما يدل على أن النبي ﷺ كان لا يلازم سورة معينة أو آية مخصوصة، يدل على ذلك حديث جابر بن سمرة ﵁ الآتي أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس (٢).

стр. 1434

الوجه الخامس: اختلف العلماء في حكم القراءة في خطبة الجمعة على قولين: الأول: وجوب قراءة القرآن في الخطب ولو آية واحدة إذا كانت تستقل بالمعنى، وهذا قول الشافعي، وأحمد، واستدلوا بحديث جابر بن سمرة قال: (كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس) (١). القول الثاني: أن القراءة غير واجبة في الخطبة، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة (٢)، وهذا هو الراجح؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لا تفيد الوجوب، وإنما الاستحباب؛ لأنها من قبيل الفعل المجرد، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، ورجح ذلك الشوكاني (٣). • الوجه السادس: الحديث دليل على أن تكرير بعض المواعظ من كتاب الله تعالى شيء مستحسن، لقولها: (يقرؤها كل جمعة)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1435

وجود الإنصات لخطبتي الجمعة ٤٥٤/ ١٠ - عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة". رواه أحمد، بإسناد لا بأس به، وهو يفسر. ٤٥٥/ ١١ - عن أبي هريرة ﵁ في " الصحيحين " مرفوعًا: " إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت". • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول فقد أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٥) من طريق مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره. وإسناده ضعيف، لضعف مجالد بن سعيد الهمداني، ضعفه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن معين، والنسائي، وغيرهم، قال البخاري: (كان يحيى القطان يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه … )، وقال أحمد: (مجالد ليس بشيء) (١). وأما قول الحافظ: (بإسناد لا بأس به) ففيه نظر، لما تقدم، وقد أورده ابن عبد الهادي في (التنقيح) وقال: (هذا الحديث لم يخرجه أصحاب السنن، ومجالد ليس بالقوي) (٢)، وبه أعله أيضًا في كتابه "المحرر" (٣)، وقد ذكر الحافظ أنه مفسر لحديث أبي هريرة المذكور بعده.

стр. 1436

أما الثاني فقد أخرجه البخاري في كتاب "الجمعة"، باب "الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كمثل الحمار يحمل أسفارًا) الأسفار: جمع سفر - بكسر السين وإسكان الفاء - وهو الكتاب، وقيل: الكتاب الكبير، وقد شبه من حضر وتكلم والإمام يخطب بالحمار الذي يحمل كتبًا؛ لأنه قد فاته الانتفاع وسماع الذكر مع تكلفه مشقة التهيؤ للجمعة والحضور إليها، وهو تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من صور متعددة. قوله: (ليست له جمعة) قيل: ليس له جمعة كاملة، فيأثم بالكلام لكن لا تبطل جمعته، ولا يؤمر بإعادتها، ذكره النووي (١)، وقال ابن حزم: (معناه: بطلت وعليه إعادتها في الوقت؛ لأنه لم يصلها) (٢)، ويؤيد الأول حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا" (٣)، ومعناها: أن صلاته هذه مثل صلاة الظهر في الثواب، فيحرم فضيلة الجمعة، لكن هذا إذا جمع بين اللغو والتخطي. قوله: (إذا قلت لصاحبك) أي: من بينك وبينه صحبة وملازمة، وذكره هنا للتغليب؛ لأن غير الصاحب مثل الصاحب في ذلك. قوله: (أنصت) فعل أمر من أنصت الرباعي، ومعناه: اسكت عن الكلام. قوله: (يوم الجمعة) ظرف متعلق بـ (قلت).

стр. 1437

قوله: (والإمام يخطب) جملة في محل نصب على الحال، مشعرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة لا من خروج الإمام. قوله: (فقد لغوت) أي: وقعت في اللغو، وهو الكلام الباطل الذي تفوت به فضيلة الجمعة، وقد دل على هذا التفسير حديث ابن عباس الذي قبله؛ لأن قوله: " ليست له جمعة " يفسر قوله: "فقد لغوت" كما ذكر الحافظ. • الوجه الثالث: دل الحديثان على وجوب الإنصات لخطبتي الجمعة وتحريم الكلام والإمام يخطب؛ لأن الخطبة شرعت لمصلحة الحاضرين وإفادتهم وتذكيرهم، ولا يحصل ذلك إلا بالاستماع للخطيب والإصغاء له، وعلى هذا فلا يليق بأحد أن يتكلم أو يتشاغل بشيء في هذه الحال، بل عليه أن ينصت ويحضر قلبه للاستفادة. والإنصات للخطيب واجب إذا سمعه على الصحيح من قولي أهل العلم، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه، ورواية في مذهب الشافعي، وهو قول ابن حزم (١)، واستدلوا بهذا الحديث. والقول الثاني: أنه لا يجب الإنصات بل يستحب، وهذا هو الراجح من مذهب الشافعي، كما ذكر النووي (٢)، ورواية عن أحمد حكاها ابن قدامة (٣)، واستدلوا بقصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ : (ادع الله أن يسقينا … ) الحديث بطوله في " الصحيحين"، وقول الآخر له: (متى الساعة؟) كما ثبت في " الصحيحين" أيضًا. قالوا: ولم ينكر عليهم النبي ﷺ كلامهم، ولو كان حرامًا لأنكره عليهم. والراجح هو الأول كما تقدم لقوة دليلهم، وأما دليل القول الثاني فإنه مختص بمن كلمهم الإمام أو كلم الإمام؛ لأنه لا يشغل بذلك عن

стр. 1438

سماع خطبته، وبهذا تجتمع الأخبار وتتفق الأدلة، فإن قدر التعارض فحديث الباب أقوى؛ لأنه قول ونص، وذلك سكوت، والنص أقوى من السكوت. • الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم جميع أنواع الكلام والإمام يخطب ولو كان أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر، كقوله لصاحبه: أنصت، وإذا كان من يتكلم بمثل ذلك يعد لاغيًا، فغيره من باب أولى. لكن استثنى العلماء الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر أو من يخاف عليه نارًا أو حية أو نحو ذلك، فهذا يجوز؛ لأنه إذا جاز في الصلاة مع إفسادها به فجوازه حال الخطبة من باب أولى. وقد اختلف العلماء في رد السلام وتشميت العاطس أثناء الخطبة على قولين: الأول: أن ذلك يجوز، وهو قول لبعض الشافعية، وأبي يوسف من الحنفية، وابن حزم (١)، ورواية عن أحمد هي الصحيح في المذهب (٢)، واستدلوا بالأدلة التي توجب رد السلام وتشميت العاطس، وكل ذلك واجب بالإجماع، قالوا: والإنصات لاستماع الخطبة فيه خلاف كما تقدم؛ ولأنه يجوز تكليم الخطيب وإجابته، ويجوز صلاة التحية للداخل، فصح أن الكلام المأمور به مغلب على الإنصات فيها. القول الثاني: أن المستمع للخطبة لا يرد السلام ولا يشمت العاطس، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد (٣)، واستدلوا بحديث الباب، ووجه الدلالة: أن المستمع منهي حتى عن إنكار المنكر، فكذا رد السلام وتشميت العاطس، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.

стр. 1439

وقد نقل ابن القيم عن " مسائل أحمد وإسحاق" قلت: (إذا عطس الرجل يوم الجمعة؟ قال: لا تشمته) (١)، وهكذا نقله عنه أبو داود (٢)، وأبو طالب (٣). أما من أراد الإنكار على من يتكلم أو نحوه فإنه يشير إليه بالسكوت، قال أبو داود: (سمعت رجلًا قال لأحمد: أرى الرجل يتكلم والإمام يخطب؟ قال: أشر إليه أو أوح إليه) (٤). • الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الكلام بين الخطبتين؛ لأن قوله: "والإمام يخطب" تقيد للنهي في حال الخطبة، فدل على أن الكلام بين الخطبتين جائز، وكذا الكلام قبل شروعه في الخطبة، والإنصات أحسن؛ لأنه ربما تكلم قبل الشروع في الخطبة فاستمر به الكلام والإمام قد بدأ في خطبته، فالسكوت أولى. ولا يجوز الكلام حتى لو شرع الخطيب في الدعاء؛ لأن الخطبة اسم لمجموع ذلك كله، والدعاء ما دام متصلًا بالخطبة فهو منها، والمذهب عند الحنابلة جواز الكلام حال دعاء الخطيب (٥)، لأن الدعاء ليس من أركان الخطبة، والصواب الأول، والله أعلم. * * *

стр. 1440

حكم تحية المسجد وقت الخطبة ٤٥٦/ ١٢ - عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال: "صليت؟ "، قال: لا، قال: "قم فصل ركعتين". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجمعة"، باب " إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين" (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥) (٥٥) من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵁، به، وأخرجاه أيضًا من طريق سفيان، عن عمرو، عن جابر، به. وأخرجه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه تسمية الرجل يسليك الغطفاني. • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية صلاة ركعتين لمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب؛ لأن الخطبة لا تمنع من التحية، وقد ورد عند الإمام مسلم من طريق آخر: "وليتجوز فيهما"، فهذا يدل على أنه يستحب له أن يخففهما ليفرغ لسماع الخطبة. وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حزم (١)، وفقهاء المحدثين، وجماعة من السلف.
следующие страницы →