أما الثاني فقد أخرجه البخاري في كتاب "الجمعة"، باب "الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كمثل الحمار يحمل أسفارًا) الأسفار: جمع سفر - بكسر السين وإسكان الفاء - وهو الكتاب، وقيل: الكتاب الكبير، وقد شبه من حضر وتكلم والإمام يخطب بالحمار الذي يحمل كتبًا؛ لأنه قد فاته الانتفاع وسماع الذكر مع تكلفه مشقة التهيؤ للجمعة والحضور إليها، وهو تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من صور متعددة.
قوله: (ليست له جمعة) قيل: ليس له جمعة كاملة، فيأثم بالكلام لكن لا تبطل جمعته، ولا يؤمر بإعادتها، ذكره النووي (١)، وقال ابن حزم: (معناه: بطلت وعليه إعادتها في الوقت؛ لأنه لم يصلها) (٢)، ويؤيد الأول حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا" (٣)، ومعناها: أن صلاته هذه مثل صلاة الظهر في الثواب، فيحرم فضيلة الجمعة، لكن هذا إذا جمع بين اللغو والتخطي.
قوله: (إذا قلت لصاحبك) أي: من بينك وبينه صحبة وملازمة، وذكره هنا للتغليب؛ لأن غير الصاحب مثل الصاحب في ذلك.
قوله: (أنصت) فعل أمر من أنصت الرباعي، ومعناه: اسكت عن الكلام.
قوله: (يوم الجمعة) ظرف متعلق بـ (قلت).
стр. 1437
قوله: (والإمام يخطب) جملة في محل نصب على الحال، مشعرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة لا من خروج الإمام.
قوله: (فقد لغوت) أي: وقعت في اللغو، وهو الكلام الباطل الذي تفوت به فضيلة الجمعة، وقد دل على هذا التفسير حديث ابن عباس الذي قبله؛ لأن قوله: " ليست له جمعة " يفسر قوله: "فقد لغوت" كما ذكر الحافظ.
• الوجه الثالث: دل الحديثان على وجوب الإنصات لخطبتي الجمعة وتحريم الكلام والإمام يخطب؛ لأن الخطبة شرعت لمصلحة الحاضرين وإفادتهم وتذكيرهم، ولا يحصل ذلك إلا بالاستماع للخطيب والإصغاء له، وعلى هذا فلا يليق بأحد أن يتكلم أو يتشاغل بشيء في هذه الحال، بل عليه أن ينصت ويحضر قلبه للاستفادة.
والإنصات للخطيب واجب إذا سمعه على الصحيح من قولي أهل العلم، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه، ورواية في مذهب الشافعي، وهو قول ابن حزم (١)، واستدلوا بهذا الحديث.
والقول الثاني: أنه لا يجب الإنصات بل يستحب، وهذا هو الراجح من مذهب الشافعي، كما ذكر النووي (٢)، ورواية عن أحمد حكاها ابن قدامة (٣)، واستدلوا بقصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ : (ادع الله أن يسقينا … ) الحديث بطوله في " الصحيحين"، وقول الآخر له: (متى الساعة؟) كما ثبت في " الصحيحين" أيضًا.
قالوا: ولم ينكر عليهم النبي ﷺ كلامهم، ولو كان حرامًا لأنكره عليهم.
والراجح هو الأول كما تقدم لقوة دليلهم، وأما دليل القول الثاني فإنه مختص بمن كلمهم الإمام أو كلم الإمام؛ لأنه لا يشغل بذلك عن
стр. 1438
سماع خطبته، وبهذا تجتمع الأخبار وتتفق الأدلة، فإن قدر التعارض فحديث الباب أقوى؛ لأنه قول ونص، وذلك سكوت، والنص أقوى من السكوت.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم جميع أنواع الكلام والإمام يخطب ولو كان أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر، كقوله لصاحبه: أنصت، وإذا كان من يتكلم بمثل ذلك يعد لاغيًا، فغيره من باب أولى.
لكن استثنى العلماء الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر أو من يخاف عليه نارًا أو حية أو نحو ذلك، فهذا يجوز؛ لأنه إذا جاز في الصلاة مع إفسادها به فجوازه حال الخطبة من باب أولى.
وقد اختلف العلماء في رد السلام وتشميت العاطس أثناء الخطبة على قولين:
الأول: أن ذلك يجوز، وهو قول لبعض الشافعية، وأبي يوسف من الحنفية، وابن حزم (١)، ورواية عن أحمد هي الصحيح في المذهب (٢)، واستدلوا بالأدلة التي توجب رد السلام وتشميت العاطس، وكل ذلك واجب بالإجماع، قالوا: والإنصات لاستماع الخطبة فيه خلاف كما تقدم؛ ولأنه يجوز تكليم الخطيب وإجابته، ويجوز صلاة التحية للداخل، فصح أن الكلام المأمور به مغلب على الإنصات فيها.
القول الثاني: أن المستمع للخطبة لا يرد السلام ولا يشمت العاطس، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد (٣)، واستدلوا بحديث الباب، ووجه الدلالة: أن المستمع منهي حتى عن إنكار المنكر، فكذا رد السلام وتشميت العاطس، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
стр. 1439
وقد نقل ابن القيم عن " مسائل أحمد وإسحاق" قلت: (إذا عطس الرجل يوم الجمعة؟ قال: لا تشمته) (١)، وهكذا نقله عنه أبو داود (٢)، وأبو طالب (٣).
أما من أراد الإنكار على من يتكلم أو نحوه فإنه يشير إليه بالسكوت، قال أبو داود: (سمعت رجلًا قال لأحمد: أرى الرجل يتكلم والإمام يخطب؟ قال: أشر إليه أو أوح إليه) (٤).
• الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الكلام بين الخطبتين؛ لأن قوله: "والإمام يخطب" تقيد للنهي في حال الخطبة، فدل على أن الكلام بين الخطبتين جائز، وكذا الكلام قبل شروعه في الخطبة، والإنصات أحسن؛ لأنه ربما تكلم قبل الشروع في الخطبة فاستمر به الكلام والإمام قد بدأ في خطبته، فالسكوت أولى.
ولا يجوز الكلام حتى لو شرع الخطيب في الدعاء؛ لأن الخطبة اسم لمجموع ذلك كله، والدعاء ما دام متصلًا بالخطبة فهو منها، والمذهب عند الحنابلة جواز الكلام حال دعاء الخطيب (٥)، لأن الدعاء ليس من أركان الخطبة، والصواب الأول، والله أعلم.
* * *
стр. 1440
حكم تحية المسجد وقت الخطبة
٤٥٦/ ١٢ - عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال: "صليت؟ "، قال: لا، قال: "قم فصل ركعتين". متفق عليه.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجمعة"، باب " إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين" (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥)(٥٥) من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵁، به، وأخرجاه أيضًا من طريق سفيان، عن عمرو، عن جابر، به.
وأخرجه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه تسمية الرجل يسليك الغطفاني.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية صلاة ركعتين لمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب؛ لأن الخطبة لا تمنع من التحية، وقد ورد عند الإمام مسلم من طريق آخر: "وليتجوز فيهما"، فهذا يدل على أنه يستحب له أن يخففهما ليفرغ لسماع الخطبة.
وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حزم (١)، وفقهاء المحدثين، وجماعة من السلف.
стр. 1441
وقال أبو حنيفة، ومالك، وجماعة من الفقهاء، إن الداخل في هذه الحال يجلس ولا يركع أثناء خطبة الإمام (١)، واستدلوا بحديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس فقد آذيت"، وفي رواية: "وآنيت" (٢).
ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمره بالجلوس ولم يأمره بتحية المسجد، فدل على أنها غير واجبة.
واعتذروا عن حديث الباب بأعذار غير ناهضة، لا داعي لشغل الأوقات والأوراق بها، والراجح هو القول الأول، لقوة دلالته؛ فإن أمر الرسول ﷺ سليكًا بتحية المسجد بعدما جلس وقطع الخطبة لأجل سؤاله وأمره بالصلاة دليل واضح على أن الداخل يصلي ولا يجلس، ولو سقطت تحية المسجد في حال لكان هذا الحال أولى بها، فإنه مأمور باستماع الخطبة، فلما ترك لها استماع الخطبة دل على تأكيدها، ولذا قال النووي: (هذا نص صريح لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحًا فيخالفه) (٣).
وأما حديث عبد الله بن بسر فلا دلالة فيه على أن التحية لا تشرع حال الخطبة؛ لاحتمال أن المراد اجلس؛ أي: لا تتخط، ولم يقصد ترك التحية، أو أن المراد اجلس بشرط الجلوس المفهوم في قوله: " فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، ولاحتمال أنه صلاها في مكان آخر من المسجد قبل وقوع التخطي منه، ولهذا سأله الرسول ﷺ هل صلى أو لا؟ أو أن ذلك قبل الأمر بها، وعلى أي حال فحديث جابر أصح وأقوى دلالة؛ لأن حديث عبد الله بن بسر يدل على عدم وجوبها، وحديث جابر يدل على مشروعيتها، فتكون دلالته
стр. 1442
مقدمة، ثم إن حديث جابر فيه بيان عام للأمة وهو قوله: " إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصل ركعتين" (١).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز تكلم الخطيب يوم الجمعة مع غيره للحاجة أو المصلحة؛ كالإنكار على سائل يتخطى رقاب الناس ويشوش عليهم، أو رجل دخل ولم يصل تحية المسجد، أو انقطع مكبر الصوت فأمر المسؤول بإصلاحه، أو انقطع التيار الكهربائي والناس في شدة الحر، ونحو ذلك مما قد يعرض، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1443
ما يقرأ في صلاة الجمعة
٤٥٧/ ١٣ - عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين. رواه مسلم.
٤٥٨/ ١٤ - وله: عن النعمان بن بشير: كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.
• الكلام عليهما من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عباس، فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجمعة"، باب "ما يقرأ في يوم الجمعة" (٨٧٩) من طريق مخول بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿ألم * تنزيل﴾ السجدة، و ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقون).
وأما حديث النعمان، فقد أخرجه أيضًا في الكتاب المذكور، باب "ما يقرأ في صلاة الجمعة" (٨٧٨) من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير ﵁ به مرفوعًا، وفي آخره قال: " وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين"، وليت أن الحافظ ذكر هذه الزيادة لفائدتها.
• الوجه الثاني: دل الحديثان على استحباب قراءة سورة الجمعة وسورة المنافقين في صلاة الجمعة بعد الفاتحة، أما سورة الجمعة فمناسبتها ظاهرة، وذلك لما فيها من أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالمبادرة إلى الخطبة والصلاة
стр. 1444
لما فيهما من ذكر الله تعالى والتذكير بآياته وترك البيع والشراء عند النداء الثاني، وذلك خير لهم، لما فيه من الثواب الجزيل والأجر العظيم، كما أن فيها ذكر من حملوا التوراة ولم يعملوا بها، وفيه تحذير المسلمين من أن يتركوا العمل بكتاب ربهم.
أما سورة المنافقين فلعل مناسبتها توبيخ حاضريها من المنافقين وتنبيههم على التوبة، وغير ذلك مما جاء فيها؛ لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها، كما أن فيها التحذير من النفاق والمنافقين، وقج جاءت الإشارة إلى هذه الحكمة فيما أخرجه الطبراني بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ مما يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة، فيحرض به المؤمنين، والثانية بسورة المنافقين فيفزع به المنافقين) (١).
وكذلك يستحب أن يقرأ في بعض الأحيان في الركعة الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي الثانية ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ كما دل على ذلك حديث النعمان ﵁، وفي رواية عند مسلم مفادها: في الأولى بالجمعة، والثانية بالغاشية، وذلك والله أعلم لأن سورة الأعلى فيها تقرير التوحيد وتعظيم الرب وتنزيهه وإثبات كمال قدرته، كما أن فيها حث الناس على الاستفادة من الخطبة، وأن هذا شأن من يخشى الله تعالى، كما أن فيها حث الناس على الإقبال على الدار الآخرة، لأن نعيمها لا يزول، بخلاف نعيم الدنيا.
وأما الغاشية فلأن فيها ذكر يوم القيامة وأحوال أهلها من السعداء والأشقياء، وفيها الحث على التفكر في مخلوقات الله تعالى المشاهدة، كما أن فيها بيان مهمة الداعية إلى الله تعالى وطريق الدعوة، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1445
سقوط الجمعة عمن صلى العيد إذا اجتمعا
٤٥٩/ ١٥ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: صلى النبي ﷺ العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: " من شاء أن يصلي فليصل". رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في أبواب الجمعة، باب " إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد" (١٠٧٠)، والنسائي (٣/ ١٩٤)، وابن ماجه (١٣١٠)، وأحمد (٣٢/ ٦٨)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥٩) من طريق إسرائيل، حدثنا عثمان بن المغيرة، عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم، قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: " من شاء أن يصلي فليصل".
وهذا الحديث رجاله ثقات، إلا إياس بن أبي رملة، فهو مجهول، كما قاله ابن المنذر، ونقله عنه الذهبي (١)، وكذا ابن القطان (٢)، ثم قال: (وهو كما قال)، وكذا قال الحافظ في " التقريب".
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، ونقل الحافظ في "التلخيص" (٤) عن
стр. 1446
علي بن المديني أنه صحح الحديث، وقد نقل ابن عبد البر عن علي بن المديني أنه قال: (في هذا الباب غيرما حديث عن النبي ﷺ بإسناد جيد) (١). وقال النووي: (إسناده حسن) (٢).
والحديث له شواهد، ومنها: ما رواه أبو داود (١٠٧٣)، وابن ماجه (١/ ٤١٦) من طريق بقية، حدثنا شعبة، عن المغيرة الضبي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون). وفي سنده ضعف، ورواه عبد الرزاق (٣/ ٣٠٤) وغيره من طريق الثوري وغيره عن ابن رفيع، عن ذكوان مرسلًا. وقد صحح إرساله أحمد والدارقطني (٣) ومن شواهده ما أخرجه أبو داود (١٠٧٢) من طريق ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: (اجتمع يوم الجمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة، فلم يزد عليهما حتى صلى العصر). وإسناده صحيح، وفي متنه اضطراب.
وفي رواية لأبي داود: وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: (أصاب السنة)، وأخرجه الفريابي في "العيدين" (١٥٣) بلفظ: فذكر ذلك لابن عباس وقال: (أصاب) ولم يذكر (السنة).
وعلى هذا فأحاديث الباب كلها معلولة - كما يقول ابن عبد البر - ومن يستدل بها يرى أنها باجتماعها يقوي بعضها بعضًا، ويرى أن تصحيح ابن المديني لحديث الباب - على ما نقله الحافظ - يرفع جهالة إياس بن أبي رملة، على ما هو مقرر في "علوم الحديث".
وأما قول الحافظ: (وصححه ابن خزيمة) ففيه نظر، فإن ابن خزيمة لم يصحح الحديث، وإنما علق صحته بعدالة إياس، فقال: (إن صح الخبر، فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالة وجرح).
стр. 1447
الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة يجوز فعلها ويجوز تركها، لقوله: " من شاء أن يصلي فليصل" وهذا في حق من صلى العيد، وذلك إذا اجتمعا في يوم واحد؛ لأنهما عيدان اجتمع فيهما عبادتان من جنس واحد، فدخلت إحداهما في الأخرى، ولأن في إيجابهما على الناس تفويتًا لمقصود عيدهم وما سن لهم فيه من السرور والانبساط (١).
لكن من لم يصل الجمعة وجب عليه أن يصلي ظهرًا، على قول جمهور أهل العلم؛ لأن الأدلة مستفيضة في أن صلاة الجمعة إذا فاتت أقيمت مكانها صلاة الظهر، فإن حضر جماعة فذاك وإلا صلى وحده، وإن حضر الجمعة فهو أفضل.
وقاء عطاء: تسقط صلاة الظهر، ولا صلاة بعد العيد إلا العصر، واعتمد في ذلك على روايته لفعل ابن الزبير حين قال: (لم يزد عليهما حتى صلى العصر)، ورجح هذا الشوكاني (٢)، وهذا فيه نظر، فإن الحديث قد سكت عن صلاة الظهر، ولعل ابن الزبير صلاها في بيته، فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في هذه الحال غير صحيح (٣).
وأما من لم يصل العيد فإن الجمعة تلزمه، ولا تقوم الظهر مقامها في حقه؛ لأنه لم يصل العيد، والقول بأن العيد يجزئ عن الجمعة هو قول الحنابلة، وهو مروي عن الشعبي والنخعي (٤).
والقول الثاني: أن الجمعة تسقط عمن هو خارج المصر، لأنه يشق عليهم العود لبعد منازلهم، وهذا مذهب عثمان ﵁، وتبعه الشافعي (٥)، لما روى أبو عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان، وكان
стр. 1448
ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: (يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت) (١).
والقول الثالث: أن الجمعة واجبة على من صلى العيد، ولا تسقط عنه بحضور العيد، وهذا قول مالك وأبي حنيفة (٢)، وهو ظاهر اختيار ابن المنذر وجزم به ابن حزم (٣)؛ لعموم الأدلة في وجوب الجمعة، وحملوا أدلة الترخيص على ما فيها من مقال على من حضر العيد من أهل البوادي (٤).
وينبغي لأئمة الجوامع إقامة الجمعة ليحضرها من لم يصل العيد، وكذا من صلى العيد وأراد زيادة الخير بحضور الجمعة؛ لأن بعض العلماء أوجب الجمعة على الإمام (٥)، وقد ذكر ابن رجب روايتين عن الإمام أحمد في سقوطها عن الإمام، وفي إقامة الإمام لها اقتداء بالنبي ﷺ حيث أقام الجمعة.
وذهب فريق من أهل العلم إلى أن الجمعة تسقط عن الإمام أيضًا؛ لأن الترخيص عام لكل أحد، وقد ترك ابن الزبير الجمعة وهو الإمام كما تقدم ورجح هذا الشوكاني (٦)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1449
الصلاة بعد الجمعة
٤٦٠/ ١٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا". رواه مسلم.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجمعة"، باب " الصلاة بعد الجمعة" (٨٨١) من طريق خالد بن عبد الله، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية أربع ركعات بعد صلاة الجمعة، وظاهر الحديث الوجوب، لقوله: " فليصل"، لكن روى مسلم من طريق جرير وسفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا"، فهذا دليل على أن الأمر في حديث الباب للاستحباب، وليس للوجوب.
• الوجه الثالث: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الأربع في المسجد أو في البيت، وقد تقدم في حديث ابن عمر ﵁ في باب " التطوع" - ذكر صلاة النبي ﷺ ، وفيه: " وركعتين بعد الجمعة في بيته" (١)، وعن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٢)، وقد اختلف أهل العلم في ذلك:
стр. 1450
فمنهم من قال: إن صليت سنة الجمعة في المسجد فهي أربع، وإن كانت في البيت فهي ركعتان، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (١)، وكأن هذا لأجل العمل بالحديثين.
وقال آخرون: أقلها ركعتان، وأكثرها أربع، سواء صلاها في المسجد أم في البيت، وهذا قول الشافعي وأحمد، واختاره الشوكاني (٢)، والأربع أفضل؛ لأنها أكثر عملًا، ولأنه تعلق بها الأمر، كما في حديث الباب، ولأن القول مقدم على الفعل، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز.
وعموم الأدلة في فضل النافلة في البيت يدل على أن الأفضل أن تكون سنة الجمعة في البيت، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي النوافل في بيته كما تقدم لكن لو صلاها في المسجد أحيانًا فلا بأس، أخذًا بظاهر حديث أبي هريرة الذي في هذا الباب.
• الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الأربع تصلى بسلام واحد، وهو قول أهل الرأي وإسحاق بن راهويه، واختاره الشوكاني (٣)؛ لأنه ورد في الأربع بدون فصل في الظاهر دليل خاص، وبناء العام على الخاص واجب.
وقال الشافعي والجمهور: يفصل بين كل ركعتين بسلام، واستدلوا بحديث: " صلاة النهار مثنى مثنى"، وقد تقدم في باب " التطوع".
والذي يظهر أن الأمر فيه سعة؛ فإن صلاها بسلام واحد فله أن يتشهد تشهدًا واحدًا أو تشهدين؛ لأن الحديث مطلق، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1451
مشروعية الفصل بين الفريضة والنافلة
٤٦١/ ١٧ - عن السائب بن يزيد، أن معاوية قال له: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة، حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك: أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج. رواه مسلم.
• الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي
وهو أبو يزيد السائب بن يزيد الكندي في الأشهر؛ ولد في السنة الثانية من الهجرة، وروى البخاري من طريق محمد بن يوسف عن السائب قال: حج بي مع النبي ﷺ وأنا ابن سبع سنين (١)، قال الذهبي: (له نصيب من صحبة ورواية)، وروى البخاري أيضًا عن الجعيد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: (ذهبت بن خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وقع، وفي رواية: (وجع)، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه) (٢).
قال ابن عبد البر: كان عاملًا لعمر على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقد اختلف في وفاته، فقيل: سنة اثنتين وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين، وقيل غير ذلك (٣).
стр. 1452
* الوجه الثاني، في تخريجه:
أخرجه مسلم في كتاب "الجمعة"، باب "الصلاة بعد الجمعة" (٨٨٣) من طريق ابن جريج قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخُوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد بن أخت نور يسأله عن شيءٍ رآه منه معاوية في الصلاة (١)، فقال: نعم صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي فقال: لا تَعُدّ لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (معاوية) تقدمت ترجمته عند الحديث (٨٠).
قوله: (في المقصورة) هي الحجرة التي تكون في المسجد للإمام، وأول من أحدثها من الخلفاء معاوية حين طعنه الخارجي، ثم استمر العمل عليها تحصينًا للأمراء.
قوله: (قمت في مقامي) أي: فصليت النافلة في مقامي من غير فاصل بينها وبين الفرض
قوله: (فلا تصلها بصلاة) بفتح التاء من المضارع، من الوصل، والمعنى: لا تصل صلاة الجمعة بصلاة بعدها بدون فاصل.
قوله: (أمرنا بذلك أن لا نصل) هكذا لفظ "البلوغ": (أن لا نصل) بالنون، والذي في مسلم كما تقدم: (أن لا توصل) بالتاء المثناة من فرق، وأن ما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل أو عطف بيان الاسم الإشارة قبله.
قوله: (حتي نتكلم أو نخرج) بيان للفاصل، وهو إما كلام كالأذكار المشروعة أو خروج من المسجد.
стр. 1453
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الفصل بين صلاة الفريضة وصلاة النافلة، وذلك إما بالكلام وهي الأذكار المشروعة بين الصلاة، أو بأي كلام آخر يحصل فيه الفصل، أو بالتحول، والانتقال من مكان إلى مكان آخر وذلك ليحصل تمييز الفريضة عن النافلة، لئلا يزاد في الفريضة ما ليس منها، وقد أخرج ابن المنذر (١)، والبيهقي (٢) - بإسناد صحيح - عن ابن عمر أنه رأى رجلاً يصلي بعد الجمعة ركعتين في مقامه، فدفعه، وقال: (تصلي الجمعة أربعًا؟)، وهذا له نظائر في الشريعة، كتعجيل الإفطار وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، والنهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين، فهذا كله للفصل بين المأمور به وغير المأمور به، والفصل بين العادة وغيرها.
وقد ذكر العلماء حكمة أخرى وهي تكثير مواضع العبادة، نسب ذلك الشوكاني إلى البخاري والبغوي (٣)؛ لأن مواضع العبادة تشهد للعابد، أخذًا من عموم قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ [الدخان: ٢٩]؛ أي: إن الأرض تبكي على صاحب الطاعة، كما ذكر ابن كثير (٤)، وكذا قوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ [الزلزلة: ٤]؛ لأن الأرض من جملة الشهود على العباد بأعمالهم، كما أخرجه الترمذي وأحمد من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف (٥)، وورد في آية سورة "الدخان" أحاديث؛ كحديث أنس عند الترمذي وإسناهد ضعيف (٦) أيضًا.
وأكمل أنواع الفصل أن يتحول الإنسان إلى بيته فيصلي فيه النافلة، لحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: " صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة؛ صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" متفق عليه، وتقدم في صلاة "التطوع".
وصلاة المرء في بيته النافلة فيها مصالح عظيمة تقدم ذكرها في الباب
стр. 1454
المذكور، إلا ما شرع له الجماعة؛ كالتراويح، والكسوف، والاستسقاء، وإذا صلى النافلة في المسجد، كراتبة الظهر أو المغرب عند قوم يجهلون هذه الأمور ليعملوا أنها مشروعة، فهذا قد يؤجر عليه أكثر من صلاته في البيت.
وليست مشروعية الفصل خاصة بصلاة الجمعة، وإنما ذلك عام في جميع الصلوات، ولهذا استدل الراوي على تخصيصه بذكر الجمعة بحديث يعمها وغيرها، وفي هذا دليل على أن الصحابة ﵃ يستدلون بالعام على الخاص.
أما وصل النافلة بنافلة فمن أهل العلم من خصه بالفريضة والنافلة، استنادًا إلى التعليل المتقدم، وهو لئلا يزاد في الفريضة ما ليس منها، وعلى هذا فيجوز وصل النافلة بالنافلة ولا يلزم الفصل بينهما بكلام ولا تحول.
وقال آخرون: يشرع الفصل حتى في النوافل وذلك بالانتقال من مكان إلى آخر، والعلة في هذا تكثير مواضع العبادة، كما تقدم، وقد يستدل عليه بعموم حديث الباب، لكن الجمهور خصوا ذلك بالفريضة والنافلة، كما تقدم، والله أعلم.
* * *
стр. 1455
فضل يوم الجمعة
٤٦٢/ ١٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت، حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي منعه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام". رواه مسلم.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجمعة"، باب " فضل من استمع وأنصت للخطبة" (٨٥٧)(٢٦) من طريق يزيد يعني ابن زريع، حدثنا روح، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الغسل يوم الجمعة، وأنه من الأوصاف التي ترتبت عليها المغفرة الموعود بها، ولا خلاف بين العلماء في استحباب الغسل يوم الجمعة، وإنما الخلاف في وجوبه، إما على الإطلاق، وهذا هو القول الثاني، وإما على من به رائحة يحتاج إلى إزالتها، وهذا هو القول الثالث، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب " الغسل" من كتاب "الطهارة"، والقول بالاستحباب هو قول الجمهور من أهل العلم.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يستحب لمن دخل المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة أن يتنفل حتى يخرج الإمام، وأن هذا التنفل ليس له عدد محدود، لقوله: " فصلى ما قدر له"، وفي حديث سلمان: " ثم يصلي ما
стр. 1456
كتب له" (١)، وهذا من النفل المطلق، إذ ليس للجمعة سنة راتبة قبلية مقدرة بعدد معين، كما في الصلوات الأخرى؛ لأن السنن إنما تثبت بقول النبي ﷺ أو فعله، وهو لم يسن للأمة في ذلك شيئًا لا بقوله ولا بفعله، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم (٢).
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المغفرة الموعودة بها مرتبة على هذه الأمور؛ وهي: الغسل، والتنفل، والإنصات، والصلاة مع الإمام، وهي مغفرة ما بين الجمعة والجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي تفعل فيه هذه الأفعال الجليلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها، وقد ورد في أحاديث أخرى زيادة أوصاف مثل: التطيب، وعدم التفريق بين اثنين، وذلك بالقعود بينهما، أو إخراج أحدهما والقعود في مكانه، كما في حديث سلمان ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (٣)، وجاء في حديث أبي أيوب: " وليس من أحسن ثيابه، ولم يؤذ أحدًا" (٤).
فينبغي للمسلم أن يحرص على جميع ما وردت به الأحاديث، فيأتي بما طلب منه الغسل والطيب ولبس أحسن الثياب والتبكير والتنفل والإنصات والصلاة مع الإمام، ويبتعد عما نُهي عنه من التفرقة بين الاثنين والأذية وتخطي الرقاب، ويجتنب الكبائر.
• الوجه الخامس: الجمهور من أهل العلم على أن المراد بالمغفرة؛ مغفرة الصغائر دون الكبائر، فهذه لابد فيها من التوبة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
стр. 1457
رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر" (١)، فهذا نص صريح في أن المراد مغفرة الصغائر لا الكبائر.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الكبائر تغفر بالأعمال الصالحة، كالطهارة، والصلاة، والصيام ونحوها (٢)، وسأذكر هذا في آخر كتاب " الصيام" إن شاء الله تعالى.
وقال النووي: إن المراد الصغائر، فإن لم يوجد صغائر رجي أن يخفف من الكبائر، فإن لم تكن رفعت له درجات (٣)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1458
ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة
٤٦٣/ ١٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه"، وأشار بيده يقللها. متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: " وهي ساعة خفيفة".
٤٦٤/ ٢٠ - وعن أبي بردة، عن أبيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة". رواه مسلم، ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة.
٤٦٥/ ٢١ - وفي حديث عبد الله بن سلام عند ابن ماجه.
٤٦٦/ ٢٢ - وجابر عند أبي داود، والنسائي: أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقد اختلفت فيها على أكثر من أربعين قولًا، أمليتها في "شرح البخاري".
• الكلام عليها من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو بردة بضم الباء الموحدة، وسكون الراء عامر بن عبد الله بن قيس، وأبوه عبد الله، هو أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل، ولد لما كان أبوه أميرًا في البصرة في خلافة عمر أو عثمان ﵁.
стр. 1459
حدث عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة ﵁ وآخرين، قال ابن سعد: (كان ثقة كثير الحديث)، وقال العجلي: (كوفي تابعي ثقة)، وقال الذهبي: (كان من أوعية العلم، حجة باتفاق) مات سنة أربعة ومائة، وقيل: ثلاث ومائة (١)، وأما أبوه فقد تقدمت ترجمته في "مواقيت الصلاة".
وأما عبد الله بن سلام، فهو أبو يوسف عبد الله بن سلام بتخفيف اللام الخزرجي الإسرائيلي الأنصاري، أسلم وقت قدوم النبي ﷺ المدينة، كما أخرج ذلك البخاري في قصة طويلة (٢)، وهو أحد من شهد له النبي ﷺ بالجنة، كما ثبت في صحيح البخاري أيضًا (٣).
روى عنه ابناه: يوسف ومحمد، وأنس بن مالك وأبو هريرة ﵁ وآخرون، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين ﵁ (٤).
• الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجمعة"، باب " الساعة التي في الجمعة" (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢)، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
ورواه مسلم من طريق الربيع يعني ابن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه قال: وهي ساعة خفيفة".
أما حديث أبي بردة عن أبيه، فقد أخرجه مسلم في الباب المذكور (٨٥٣) من طريق (٥) ابن وهب، أخبرنا مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر، أسمعت إباك يحدث عن
стр. 1460
رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة"، وهذا الحديث معلول بعلتين:
الأولى: الانقطاع فإن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما كان يري من كتب أبيه، قال أبو طالب: سألت أحمد عنه فقال: (ثقة لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما كان يروي من كتاب أبيه)، وكذا قال ابن معين.
وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي، هذه كتبه.
فإن قيل: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة وهو موجود هنا؟ فالجواب: أن هذا صحيح، ولكن وجود التصريح من مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه شيئًا كافٍ في دعوى الانقطاع، ثم إن مسلمًا لا يخرج حديث من ثبت عدم سماعه، ومخرمة بشهادته على نفسه لم يسمع من أبيه، ولهذا استدرك الدارقطني على مسلم هذا الحديث.
العلة الثانية: أنه موقوف على أبي بردة من قوله، وقد تفرد برفعة بكير بن الأشج، وهو مدني ثقة كما في " التقريب"، لكن أبا بردة كوفي، وقد روى أهل الكوفة هذا الخبر عن أبي بردة من قوله موقوفًا عليه، ومنهم أبو إسحاق السبيعي، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة، وغيرهم، فهم أعلم بحديثه من بكير المدني؛ لأن رواية الكوفي عن الكوفي أثبت من رواية المدني عن الكوفي، ثم إن هؤلاء عدد وكبير واحد، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب (١)، كما ذكر الحافظ هنا.
وخالف في هذا الإمام بناء على قاعدته وهي أن ما وصله الثقات فهو مقدم، وتبعه على هذا الشيخ عبد العزيز بن باز؛ لأن الزيادة من الثقة
стр. 1461
تقبل، فيقدم قول من رفعه على من وقفه، ثم إن هذا ليس مما يدخله الرأي إذ لا مسرح للاجتهاد في تعيين أوقات العبادات، فجزمه بهذا يدل على تأييد رواية الرفع، وهذا إنما يتم على رأي من يقول: إن قول التابعي مما لا مجال للاجتهاد فيه مرفوع.
وأما حديث عبد الله بن سلام، فقد أخرجه ابن ماجه (١١٣٩)، وأحمد (٣٩/ ١٩٨) من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله ﷺ جالس: إنا لنجد في كتابنا في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي، يسأل الله فيها شيئًا إلا قضى له حاجته، قال عبد الله: فأشار إلي رسول الله ﷺ : " أو بعض ساعة"، فقلت: صدقت، أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال: " هي آخر ساعات النهار"، قلت: إنها ليست ساعة صلاة، قال: " بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة".
قال البوصيري: (إسناده صحيح، ورجاله ثقات) (١)، والضحاك هو ابن عثمان بن عبد الله الحزامي، وثقه أحمد وابن معين، وغيرهما، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو صدوق) (٢)، وأبو النضر: هو سالم بن أبي أمية.
وأما حديث جابر، فقد أخرجه أبو داود (١٠٤٨)، والنسائي (٣/ ٩٩ - ١٠٠) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو - يعني ابن الحارث - عن الجلاح مولى عبد العزيز حدثه أن أبا سلمة يعني عبد الرحمن حدثه عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " يوم الجمعة ثنتا عشرة - يريد ساعة - لا يوجد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه الله ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر"، قال النووي: (إسناده صحيح) (٣)، وقال الحافظ: (إسناده حسن) (٤)، ولعل هذا هو الصواب؛ لأن في إسناده الجلاح الأموي مولاهم المصري، قال عنه الحافظ في "القريب": (صدوق).
стр. 1462
وأما قول الحافظ - هنا -: (وفي حديث جابر أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس)، فليس في شيء من ألفاظ الحديث كما تقدم، فلعله عبر بالمعنى.
• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (فيه ساعة) المراد بالساعة هنا: الجزء من الزمان، وفي حديث جابر: "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة" أي: إن النهار ثنتا عشرة ساعة، والمراد بها: الجزء، طال أو قصر، ومن ذلك حديث أبي هريرة: " ثم راح في الساعة الأولى" فالمراد بذلك: الزمن، فيقسم ما بين طلوع الشمس ودخول الإمام إلى خمسة أجزاء صيفًا وشتاءً.
وقد جاءت الساعة في هذه الرواية مبهمة، بل جميع روايات " الصحيحين" من حديث أبي هريرة، ولعل الحكمة من إخفائها ليجتهد الناس في هذا اليوم ويستوعبوه بالدعاء، ولو عرفت لخصوها بالدعاء وأهملوا ما سواهما، ومثل ذلك إخفاء ليلة القدر.
وجاء تعيينها في روايات أخرى - كما تقدم في التخريج - ولا معارضة في ذلك فتحمل الأحاديث المطلقة على المقيدة، وهذا متعين، كما في الأصول.
قوله: (لا يوافقها عبد مسلم) أي: يصادفها، وهذه اللفظة تشمل ما إذا قصدها وتحراها، أو وقع له الدعاء فيها اتفاقًا بدون قصد.
قوله: (وهو قائم يصلي يسأل الله) هذه الجمل كلها أحوال من قوله: "عبد" الموصوف بـ "مسلم"، وهي أحوال مترادفة أو متداخلة.
وقد استشكل بعض الصحابة ﵃؛ كأبي هريرة (١) على القول بأنها آخر ساعة بعد العصر أو وقت الخطبة أنه جاء في الحديث: "وهو قائم يصلي" وهذا الوقت ليس وقت صلاة، وكذا وقت الخطبة، فسأل عبد الله بن سلام
стр. 1463
وقال له: (كيف تكون آخر ساعة من يوم الجمعة) وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يصادفها عبد مسلم يصلي"، وتلك ساعة لا يصلي فيها؟)، وكذا سأل عبد الله بن سلام أحد رواة الحديث، كما في رواية عند أحمد.
والجواب: أن قوله: " وهو قائم" ليس المراد به القيام حقيقة، وإنما المراد به ملازمة الطاعة والمواظبة عليها، مثل قوله تعالى: ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ ﴿آل عمران: ٧٥] أي: ملازمًا له تطالبه به ليل نهار.
ومعنى: " يصلي": يدعو؛ لأن الصلاة تطلق على الدعاء لغة، أو أن منتظر الصلاة في صلاة، كما مر في حديث عبد اللن بن سلام، ومما يدل على صحة هذا التأويل أن أبا هريرة سلم لابن سلام تأويله ولم يعترض عليه، قاله ابن عبد البر (١).
وعلى هذا فالصلاة محمولة على مدلول شرعي وهو الانتظار، لكنه ليس المدلول الحقيقي، وإنما هو مجاز شرعي، أو مدلول لغوي وهو الدعاء، وظاهر سياق الحديث عند ابن ماجه يدل على أن السائل هو عبد الله بن سلام، والمسؤول هو النبي ﷺ ؛ لأن الحديث على لسان عبد الله بن سلام من أوله إلى آخره.
قوله: (شيئًا) أي: مما يليق أن يدعو به المسلم، وفي رواية للبخاري (٢) وكذا مسلم كما تقدم: "يسأل خيرًا" (٢)، فيخرج بذلك الشر؛ كالدعاء بالإثم، وقطيعة الرحم.
قوله: (وأشار بيده يقللها) كذا في هذه الرواية بإبهام الفاعل، وفي رواية: (وأشار رسول الله ﷺ والمعنى أن وقتها قليل، والغرض من ذلك الترغيب فيها والحث على اغتنامها، ولم يبين في هذه الرواية كيفية الإشارة، وقد جاء في رواية عند البخاري: (وقال بيده ووضع أنملته على بطن الوسطى،
стр. 1464
والخنصر، قلنا: يزهدها) (١).
قوله: (وهي ساعة خفيفة) أي: قصيرة غير طويلة، كما جاء في رواية (يزهدها) أي: يقللها.
• الوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على أن الله تعالى قد خص يوم الجمعة من بين سائر الأسبوع بساعة شريفة يستجاب فيها الدعاء، فلا يوافق هذه الساعة عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا من أمور الدنيا أو الآخرة إلا أعطاه إياه عاجلًا أو آجلًا.
وقد وقع الخلاف في تعيين هذه الساعة على أقوال كثيرة، ذكر ابن القيم بعضها (٢)، وأوصلها الحافظ ابن حجر (٣) إلى ثلاثة وأربعين قولًا، وذكر أنها أقوال متداخلة ويمكن ضم بعضها إلى بعض، وقد لا تزيد على عشرة أقوال، وسبب الخلاف تعدد الروايات والآثار، ومعظم هذه الأقوال استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، وأرجح هذه الأقوال كما قال ابن القيم قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر، ويلاحظ أن الحافظ في "البلوغ" اقتصر على أحاديث هذين الوقتين، وكأنهما الأرجح دليلًا.
الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، ودليل هذا حديث أبي بردة المتقدم بناءً على سلامته مما علل به، وإلا فلا يصح الاستدلال به؛ لأنه قول تابعي.
وقد رجح هذا القول الإمام مسلم، فقد أخرج البيهقي عن أحمد بن سلمة (٤) قال: (سمعت مسلم بن الحجاج يقول: وذاكرته بحديث مخرمة هذا، فقال: هذا أجود حديث وأصحه في بيان الجمعة) (٥).
стр. 1465
وهذا القول موافق لظاهر لفظ "الصحيحين"، كما تقدم: " وهو قائم يصلي" فلا يحتاج إلى تأويل.
وقال القرطبي: (وحديث أبي موسى نص في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره، والله أعلم) (١)، وقال أيضًا: (إن رواية: "وهي ساعة خفيفة" يدل على أنها ليست من بعد العصر إلى غروب الشمس لطول هذا الوقت)، وقال النووي: (والصحيح بل الصواب ما رواه مسلم من حديث أبي موسى … ) (٢).
وصحح هذا ابن العربي وقال: (وبه أقول؛ لأن ذلك العمل من ذلك الوقت كله صلاة، فينتظم به الحديث لفظًا ومعنى) (٣).
والقول الثاني: أنها آخر ساعة بعد العصر لحديث عبد الله بن سلام وما جاء في معناه، وهذا قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، فقد نقل عنه الترمذي أنه قال: (أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر) (٤)، وهو قول أكثر السلف.
وقد روى سعيد بن منصور عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة (٥).
فإن قيل بالترجيح فلا شك أن الأحاديث الدالة على أنها آخر ساعة بعد العصر أرجح لقوتها، ولأنه لم يختلف في رفعها، ولأنه قول جمهور الصحابة والتابعين، كما قال ابن القيم، ورجح هذا الشوكاني (٦).
وأما حديث أبي موسى ففيه مرجح واحد، وهو كونه في أحد "الصحيحين" دون بقية الأحاديث، لكن عارض ذلك ما تقدم من إعلاله
стр. 1466
بالانقطاع والوقف على أبي بردة، والترجيح بما في "الصحيحين" أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ؛ كحديث أبي موسى هذا، وإن قيل بالجمع وهو مسلك ابن القيم وتبعه على ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز (١) - فيقال: إن ساعة الإجابة منحصرة في أحد هذين الوقتين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر، لاحتمال أن يكون النبي ﷺ دل على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر.
قال ابن عبد البر: (والذي ينبغي لكل مسلم الاجتهاد في الدعاء للدين والدنيا في الوقتين المذكورين رجاء الإجابة، فإنه لا يخيب إن شاء الله) (٢).
يقول العراقي: (إن من كان مطلبه خطيرًا عظيمًا كسؤال المغفرة والنجاة من النار ودخول الجنة ورضى الله تعالى عنه لجدير أن يستوعب جميع عمره بالطلب والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال في يوم واحد، كما قال عبد الله بن عمر ﵁: إن طلب حاجة في يوم يسير … ) (٣).
فعلى المسلم من رجل أو امرأة أن يعتني بهذه الساعة وأن يجتهد في الدعاء في جميع يوم الجمعة، ويكثر من ذلك لعله أن يصادف هذه الساعة، ويخص ما بعد العصر ووقت جلوس الخطيب إلى نهاية الصلاة بمزيد عناية؛ لأنها أخص الأوقات وأرجاها، فإن فاتته ساعة الصلاة فعليه أن يحرص على ما بعد العصر، والله الموفق.
* * *
стр. 1467
اشتراط العدد في الجمعة
٤٦٧/ ٢٣ - عن جابر ﵁ قال: مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدا جمعة. رواه الدارقطني بإسناد ضعيف.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٣ - ٤) من طريق إسحاق بن خالد البالسي، ثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن، ثنا خصيف، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (مضت السنة أن في كل ثلاثة إمام (١)، أو في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرًا، وذلك أنهم جماعة).
وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ لأن فيه عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي، قال عنه أحمد: (اضرب على أحاديثه، هي كذب، أو قال: موضوعة)، وقال النسائي وغيره: (ليس بثقة) (٢).
وقال ابن حبان: (يأتي بالمقلوبات عن الثقات فيكثر، والملزقات بالأثبات فيفحش)، ثم ذكر حديث هذا، ثم قال: (كتبناه عن عمر بن سنان، عن إسحاق بن خالد البالسي، عنه بنسخ شبيهًا بمائة حديث مقلوبة، منها ما لا أصل له، ومنها ما هو ملزق بإنسان، ليس يروي ذلك الحديث البتة، لا يحل الاحتجاج به بحال) (٣).
стр. 1468
الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث فقهاء الشافعية والحنابلة على أن صلاة الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا (١)، واستدلوا أيضًا بما رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره، عن أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال: نقيع الخضمات (٢)، قلت: كم أنتم يؤمئذ؟ قال: أربعون (٣).
ومسألة العدد في الجمعة فيها خلاف بين أهل العلم إلى أربعة عشر قولًا أو تزيد، وأكثرها ليس عليه حجة قائمة.
وأرجح الأقوال في هذه المسألة أن الجمعة تنعقد بأقل عدد يطلق عليه الجمع، وهو ثلاثة على الراجح، أو اثنان على القول الثاني، لعموم الأدلة وعدم وجود نص يدل على اشتراط عدد معين.
والقول بأنها تنعقد بثلاثة رواية عن الإمام أحمد، كما في مسائل ابن هانئ، فقد نقل عن أحمد قوله: (إذا فاتت الرجل الجمعة فأدرك رجلين، فيصلون جميعًا، ويؤمهم واحد، ويقوم وسطهم، كذا فعل ابن مسعود بعلقمة والأسود) (٤).
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز، ومما يؤيد ذلك ما يلي:
стр. 1469
١ - أنه لو كان الأربعون أو غيره من الأعداد شرطًا لبينه النبي ﷺ للأمة بيانًا عامًا، لحاجة الناس إليه، إذا كانت الصلاة لا تنعقد إلا به.
٢ - أن اسم الجمع يتناول الثلاثة، وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] وهذه صيغة جمع، وقد ورد في حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم" (١)، وهذا نص عام.
وأما حديث كعب بن مالك، فعنه جوابان:
الأول: أنه واقعة عين، فلا تدل على أنهم لو كان أقل من هذا العدد لم يقيموا الجمعة؛ لأن هذا العدد وقع لهم صدفة لا قصدًا، وقد تقرر عند الأصوليين أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم.
الثاني: أن هذا الحديث معارض بما تقدم أول الباب من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فدل على أن الجمعة تنعقد بمثل هذا العدد (٢)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1470
مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة
٤٦٨/ ٢٤ - عن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة. رواه البزار بإسناد لين.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البزار (٤٥١) "مختصر زوائده": حدثنا خالد بن يوسف السمتي، حدثني أبي يوسف بن خالد حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات كل جمعة. قال البزار: (لا نعلمه عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد).
وهذا إسناد ضعيف جدًا، بل هو إلى الوضع أقرب؛ لأنه حديث مسلسل بالضعفاء والمجاهيل، فخالد بن يوسف السمتي ضعيف، ووالده يوسف بن خالد ضعيف، بل متهم بالوضع والكذب (١).
وجعفر بن سعد جزم ابن حزم بأنه مجهول (٢)، وذكره ابن حبان في " الثقات" (٣)، وقال الحافظ في "التقريب": (ليس بالقوي).
وخبيب بن سليمان مجهول، كما قال ابن حزم (٤)، وقال عبد الحق: (ليس بقوي)، وقال الذهبي: (لا يعرف، وقد ضعف) (٥).
стр. 1471
وسليمان بن سمرة قال عنه الحافظ أبو الحسن القطان: (لا تعرف له حال) (١)، وقال الحافظ بن " التقريب": (مقبل) أي: في المتابعات.
فالحديث ضعيف جدًا.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة، وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الدعاء في الخطبة واجب، ولم يذكر هؤلاء دليلًا على الوجوب.
• القول الثاني: أن الدعاء مستحب وليس بواجب، وهذا قول في مذهب الشافعية، وبه قال فقهاء الحنابلة (٢)، واستدلوا بحديث الباب، قالوا: لأنه فعل النبي ﷺ ، والفعل يدل على الاستحباب في مثل ذلك لا على الوجوب.
ولكن تقدم أن الحديث ضعيف جدًا، والأولى الاستدلال بحديث عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: (قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة) (٣)، وفي رواية عند أحمد: (رأيت رسول الله ﷺ وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السبابة وحدها) (٤).
وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في "سننه" وبوب عليه: " باب ما يستدل به على أن يدعو في خطبته"، ثم ذكر حديث سهل بن سعد ﵁ قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرًا يديه قط على منبره، ولا على غيره، ولكن رأيته يقول: هكذا، وأشار بالسبابة، وعقد الوسطى بالإبهام)، وفيه ضعف، ثم قال: (والقصد من الحديثين إثبات الدعاء في الخطبة، ثم فيه من السنة أن لا يرفع يديه في حال الدعاء في الخطبة، ويقتصر على أن يشير بإصبعه) (٥).
فالدعاء في الخطبة للإسلام والمسلمين أمر مشروع، تأسياً بالنبي ﷺ ،
стр. 1472
وإن لم يرد في السنة بيان ما كان يدعو به، فيكفي ثبوت الأصل، وكذا الدعاء بنصرة المجاهدين في سبيل الله، وكذا الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل، مشروع أيضًا.
وإذا دعا الخطيب على المنبر فإن السامع يؤمن سرًا لا جهرًا، وأما الدعاء في الخطبة على سبيل التخصيص كتخصيص الخلفاء الراشدين أو غيرهم فهذا لا أصل له ولا دليل عليه، بل نص جمع من أهل العلم كالشاطبي (١) ومن قبله العز بن عبد السلام (٢) وغيرهما على أنه بدعة، إذ لم يكن ذلك شأن السلف، بل يدعو للمسلمين عامة.
لكن إذا كان في المكان شيعة فالدعاء للخلفاء الراشدين أمر حسن، لإغاظة الرافضة وبيان اعتقاد الفرقة الناجية نحو صحابة رسول الله ﷺ ، وهو الترحم عليهم والترضي عنهم (٣)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1473
مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة
٤٦٩/ ٢٥ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس. رواه أبو داود.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في أبواب "الجمعة"، باب " الرجل يخطب على قوس" (١١٠١) من طريق أبي الأحوص، ثنا سماك، عن جابر بن سمرة ﵁، قال: (كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا، يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس).
وهذا إسناد صحيح، سماك بن حرب ثقة، لكن تكلم فيه علي بن المديني ويعقوب بن سفيان وغيرهما في روايته عن عكرمة، وقال ابن المبارك: (سماك ضعيف في الحديث)، وقال أبو طالب عن أحمد: (مضطرب الحديث) وقال يعقوب بن شيبة: (قلت أبو طالب عن أحمد: (مضطرب الحديث) وقال يعقوب بن شيبة: (قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة)، وقال يعقوب بن سفيان: (روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قال ابن المبارك إنما نرى أنه فيمن سمع منه بأخرة) (١)، وقال الدارقطني: (سماك بن حرب إذا حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص، فأحاديثهم عنه سليمة، وما كان عن شريك بن عبد الله وحفص بن جميع ونظرائهم ففي بعضها نكارة) (٢).
стр. 1474
وهذا الحديث ليس من روايته عن عكرمة، وإنما هو عن الصحابي الجليل جابر بن سمرة ﵁.
وأصل هذا الحديث في مسلم (٨٦٢) بهذا الإسناد عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنت أصلي مع النبي ﷺ فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا) وتقدم هذا الحديث في باب "استحباب تقصير الخطبة".
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية قراءة آيات من القرآن في خطبة الجمعة، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ تقدم الخلاف في ذلك، وترجيح الاستحباب؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك من قبيل الفعل المجرد، ومثل ذلك لا يدل على الوجوب.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي أن يكون قصد الخطيب وعظ الناس وتذكيرهم، وذلك بتعليم قواعد الدين، وذكر الجنة والنار، والأمر بتقوى الله، وبيان مواقع غضبه، وأسباب رضاه، وما في اليوم الآخر من الحساب والجزاء، فهذا هو الذي ينفع الناس ويصلح حالهم، وقد تقدم الكلام على ذلك. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1475
بيان من لا تلزمهم الجمعة
٤٧٠/ ٢٦ - عن طارق بن شهاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض". رواه أبو داود، وقال: لم يسمع طارق من النبي ﷺ .
وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى.
٤٧١/ ٢٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس على مسافر جمعة". رواه الطبراني بإسناد ضعيف.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو طارق بن شهاب بن عبد شمس الأحمسي (١) البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية، ورأى النبي ﷺ وهو رجل، لكنه لم يسمع منه شيئًا، فيكون حديثه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حجة، بل حكى غير واحد إجماع أهل العلم على ذلك؛ لأنهم إنما يرسلون عن صحابة، وقد أخرج الإمام أحمد بسنده عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: (رأيت رسول الله ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر وعمر بضعًا وأربعين أو بضعًا