← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وسليمان بن سمرة قال عنه الحافظ أبو الحسن القطان: (لا تعرف له حال) (١)، وقال الحافظ بن " التقريب": (مقبل) أي: في المتابعات. فالحديث ضعيف جدًا. • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة، وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الدعاء في الخطبة واجب، ولم يذكر هؤلاء دليلًا على الوجوب. • القول الثاني: أن الدعاء مستحب وليس بواجب، وهذا قول في مذهب الشافعية، وبه قال فقهاء الحنابلة (٢)، واستدلوا بحديث الباب، قالوا: لأنه فعل النبي ﷺ ، والفعل يدل على الاستحباب في مثل ذلك لا على الوجوب. ولكن تقدم أن الحديث ضعيف جدًا، والأولى الاستدلال بحديث عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: (قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة) (٣)، وفي رواية عند أحمد: (رأيت رسول الله ﷺ وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السبابة وحدها) (٤). وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في "سننه" وبوب عليه: " باب ما يستدل به على أن يدعو في خطبته"، ثم ذكر حديث سهل بن سعد ﵁ قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرًا يديه قط على منبره، ولا على غيره، ولكن رأيته يقول: هكذا، وأشار بالسبابة، وعقد الوسطى بالإبهام)، وفيه ضعف، ثم قال: (والقصد من الحديثين إثبات الدعاء في الخطبة، ثم فيه من السنة أن لا يرفع يديه في حال الدعاء في الخطبة، ويقتصر على أن يشير بإصبعه) (٥). فالدعاء في الخطبة للإسلام والمسلمين أمر مشروع، تأسياً بالنبي ﷺ ،

стр. 1472

وإن لم يرد في السنة بيان ما كان يدعو به، فيكفي ثبوت الأصل، وكذا الدعاء بنصرة المجاهدين في سبيل الله، وكذا الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل، مشروع أيضًا. وإذا دعا الخطيب على المنبر فإن السامع يؤمن سرًا لا جهرًا، وأما الدعاء في الخطبة على سبيل التخصيص كتخصيص الخلفاء الراشدين أو غيرهم فهذا لا أصل له ولا دليل عليه، بل نص جمع من أهل العلم كالشاطبي (١) ومن قبله العز بن عبد السلام (٢) وغيرهما على أنه بدعة، إذ لم يكن ذلك شأن السلف، بل يدعو للمسلمين عامة. لكن إذا كان في المكان شيعة فالدعاء للخلفاء الراشدين أمر حسن، لإغاظة الرافضة وبيان اعتقاد الفرقة الناجية نحو صحابة رسول الله ﷺ ، وهو الترحم عليهم والترضي عنهم (٣)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1473

مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة ٤٦٩/ ٢٥ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس. رواه أبو داود. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في أبواب "الجمعة"، باب " الرجل يخطب على قوس" (١١٠١) من طريق أبي الأحوص، ثنا سماك، عن جابر بن سمرة ﵁، قال: (كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا، يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس). وهذا إسناد صحيح، سماك بن حرب ثقة، لكن تكلم فيه علي بن المديني ويعقوب بن سفيان وغيرهما في روايته عن عكرمة، وقال ابن المبارك: (سماك ضعيف في الحديث)، وقال أبو طالب عن أحمد: (مضطرب الحديث) وقال يعقوب بن شيبة: (قلت أبو طالب عن أحمد: (مضطرب الحديث) وقال يعقوب بن شيبة: (قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة)، وقال يعقوب بن سفيان: (روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قال ابن المبارك إنما نرى أنه فيمن سمع منه بأخرة) (١)، وقال الدارقطني: (سماك بن حرب إذا حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص، فأحاديثهم عنه سليمة، وما كان عن شريك بن عبد الله وحفص بن جميع ونظرائهم ففي بعضها نكارة) (٢).

стр. 1474

وهذا الحديث ليس من روايته عن عكرمة، وإنما هو عن الصحابي الجليل جابر بن سمرة ﵁. وأصل هذا الحديث في مسلم (٨٦٢) بهذا الإسناد عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنت أصلي مع النبي ﷺ فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا) وتقدم هذا الحديث في باب "استحباب تقصير الخطبة". • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية قراءة آيات من القرآن في خطبة الجمعة، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ تقدم الخلاف في ذلك، وترجيح الاستحباب؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك من قبيل الفعل المجرد، ومثل ذلك لا يدل على الوجوب. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي أن يكون قصد الخطيب وعظ الناس وتذكيرهم، وذلك بتعليم قواعد الدين، وذكر الجنة والنار، والأمر بتقوى الله، وبيان مواقع غضبه، وأسباب رضاه، وما في اليوم الآخر من الحساب والجزاء، فهذا هو الذي ينفع الناس ويصلح حالهم، وقد تقدم الكلام على ذلك. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1475

بيان من لا تلزمهم الجمعة ٤٧٠/ ٢٦ - عن طارق بن شهاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض". رواه أبو داود، وقال: لم يسمع طارق من النبي ﷺ . وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى. ٤٧١/ ٢٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس على مسافر جمعة". رواه الطبراني بإسناد ضعيف. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو طارق بن شهاب بن عبد شمس الأحمسي (١) البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية، ورأى النبي ﷺ وهو رجل، لكنه لم يسمع منه شيئًا، فيكون حديثه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حجة، بل حكى غير واحد إجماع أهل العلم على ذلك؛ لأنهم إنما يرسلون عن صحابة، وقد أخرج الإمام أحمد بسنده عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: (رأيت رسول الله ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر وعمر بضعًا وأربعين أو بضعًا

стр. 1476

وثلاثين من بين غزوة وسرية) وسنده حسن (١)، مات سنة اثنتين وثمانين (٢). • الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث طارق، فقد أخرجه أبو داود في أبواب " الجمعة"، باب " الجمعة للملوك والمرأة" (١٠٦٧) من طريق هريم، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن النبي ﷺ ، به مرفوعًا. قال أبو داود عقبه: (طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ ، ولم يسمع منه شيئًا) وغرضه بذلك بيان أن الحديث مرسل؛ لأنه مرسل صحابي، وهو حجة عند الجمهور. وغرض الحافظ من ذكر رواية الحاكم (١/ ٢٨٨) بيان أن الإرسال قد اندفع وصار الحديث موصولًا برواية الحديث من طريق هريم بن سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ بمثله، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعًا على الاحتجاج بهريم، ولم يخرجاه). ولكن هذا الإسناد ضعيف؛ لأن أبا داود قد رواه عن إبراهيم من دون ذكر أبي موسى، فالاختلاف على إبراهيم. ولهذا قال البيهقي: (هذا هو المحفوظ، مرسل، وهو مرسل جيد، وله شواهد ذكرناها في السنن … ) (٣). وعلى هذا فالحديث صحيح، صححه الحافظ ابن حجر (٤)، ولا يضر إرساله؛ لأنه مرسل صحابي، وطارق بن شهاب ممن رأى النبي ﷺ وإن لم يسمع منه، ولحديثه شواهد تؤيده، كما ذكر البيهقي، لكنها ضعيفة. وأما حديث ابن عمر ﵁ فقد أخرجه الطبراني في " الأوسط" (٨٢٢) من طريق عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، به مرفوعًا.

стр. 1477

وهذا إسناد ضعيف جدًا، لضعف عبد الله بن نافع، قال البخاري وأبو حاتم وابن حبان: (منكر الحديث)، وقال البخاري مرة: (يخالف في حديثه)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال في موضع آخر: (ليس بثقة) (١). وقد خالف الثقات في رفع هذا الحديث، قال البيهقي: (الصحيح أنه موقوف على ابن عمر) (٢). * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الجمعة حق لازم على كل مسلم، وأن تؤدى جماعة لا أفرادًا، ويستثنى من هذا الوجوب هؤلاء المذكورون في الحديثين فليس عليهم جمعة، إلا أن حضروها فصلوا مع الناس أجزأتهم، وليس عليهم صلاة ظهر. فالأول: المملوك، وهو الرقيق، فلا تجب عليه جمعة لهذا الحديث، ولأنه محبوس على خدمة سيده، وهذا مذهب الجمهور، وهو المذهب عند الحنابلة (٣). لكن تعليلهم هذا فيه نظر؛ لأن حق الله تعالى مقدم على حق السيد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والقول الثاني: أن الجمعة تلزم المملوك؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]، والحديث الوارد في إسقاطها عنه لا تقوم به حجة، ويؤيد ذلك عموم قوله ﷺ : " رواح الجمعة واجب على كل محتلم" (٤)، وهذا قول الظاهرية (٥)، ورواية عن أحمد (٦)، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (٧).

стр. 1478

والقول الثالث: أن الجمعة تجب على المملوك، إلا أن منعه سيده، فإن أذن له فذاك، وإن منعه أثم السيد وسقط الوجوب عن المملوك، وهذا قال به طائفة، وهو رواية ثالثة عن الإمام أحمد (١)، وهذا القول هو الأقرب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وجوبها على العبد قوي إما مطلقًا، وإما إذا أذن له سيده) (٢)؛ لأن حال الرقيق حال شخص ضعيف مملوك، لا يمكن أن يذهب إلا بإذن سيده، فإلزامه بشيء لا يستطيعه فيه حرج، قد قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]، فهذا القول وسط بين رأي من يلزمه مطلقًا، ورأي من لا يلزمه مطلقًا، وحديث الباب محمول على ذلك. وأما الأجير فيجب عليه حضور الجمعة؛ لأنه وقت الصلاة مستثنى زمن الأجرة، وليس للمستأجر أن يمنعه. ويستثنى من ذلك الحارس ومن في حكمه ممن يخشى على حراسته من الضياع أو الاعتداء، فهذا يعذر بترك الجمعة والجماعة. والثاني: المرأة فليس عليها جمعة؛ لأنها ليست من أهل حضور مجامع الرجال، قال ابن المنذر: (أجمعوا على أنه لا جمعة على النساء، وعلى أنهن إن حضرن الإمام فصلين معه أن ذلك يجزئ عنهن) (٣). والثالث: الصبي: وهو من دون البلوغ من الذكور، فلا تجب عليه الجمعة؛ لأنه غير مكلف، لكن ينبغي إحضار الصبي إلى الجمعة، ليتعلم ويستفيد ويعتاد الصلاة ويرغب في حضورها. والرابع: المريض: وهو من اعتلت صحته، فلا تجب عليه الجمعة لعذر المرض، وكذا ممرض المريض الذي لا يستطيع مفارقته يأخذ حكم مريضه في جواز التخلف عن صلاة الجمعة وكذا صلاة الجماعة، لكن إن تيسر للمريض الحضور وتحامل على نفسه وحضر ليستفيد فهذا خير له، لما ورد في حديث

стр. 1479

الأسود، قال: كنا عند عائشة ﵂ فذكرنا الموظبة على الصلاة والتعظيم … ثم ذكرت مرض النبي ﷺ إلى أن قالت: (فوجد النبي ﷺ من نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع … ) الحديث (١). قال الحافظ ابن حجر: (وفيه تأكيد أمر الجماعة، والأخذ فيها بالأشد وإن كان المرض يرخص في تركها) (٢). وفي حديث ابن مسعود ﵁: " ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف" (٣)، فإذا كان هذا في صلاة الجماعة فالجمعة أولى بذلك، لعظم شأنها. والخامس: المسافر، فليس عليه إقامة جمعة؛ لأن من شرطها الإقامة، ولأن النبي ﷺ كان يسافر هو وأصحابه ﵁ ولم يصل بهم جمعة، ووافق يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة فصلى بهم الظهر والعصر جميعًا، ولم يصل الجمعة، وكذا خلفاؤه الراشدون كانوا يسافرون في الحج وغيره ولم يصل أحد منهم الجمعة في سفره. أما كون المسافر يلزمه أن يصلي الجمعة أو لا يصلي فهذا فيه تفصيل؛ فإن كان المسافر سائرًا في طريقه فهذا لا يلزمه أن يقف ويصلي الجمعة؛ لأن السائر يأخذ ح كم المسافر من كل وجه؛ ولأن المسافر لو حضر الجمعة لتخلف عن رفقته؛ ولأنه بحضورها يحتاج إلى دخول البلد وانتظار الإمام فيلحقه بذلك مشقة وحرج. أما إن كان المسافر نازلًا فالأظهر أن الجمعة تلزمه إذا سمع النداء، لعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] ولعموم الأخبار (٤).

стр. 1480

وقد روي عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: " الجمعة على كل من سمع النداء" (١)، وروى مرفوعًا، وقد يقال: إن الموقوف في قوة المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: " من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له" (٢)، والظاهر أن السفر ليس بعذر، إذا أقام المسافر في بلد تقام فيه الجمعة؛ لأن ظاهر السنة أن الصحابة ﵃ الذين كانوا يفدون على النبي ﷺ ويدركون الجمعة كانوا يصلونها مع النبي ﷺ (٣)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1481

استحباب استقبال الإمام حال الخطبة ٤٧٢/ ٢٨ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. رواه الترمذي، بإسناد ضعيف. ٤٧٣/ ٢٩ - وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في أبواب " الصلاة"، باب " ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب" (٥٠٩) من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: … فذكره. قال الترمذي: (حديث منصور لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضل بن عطية، ومحمد بن الفضل بن عطية ذاهب الحديث عند أصحابنا). فالحديث ضعيف جدًا؛ بل لو قيل موضوع أو كذب لكان أقرب؛ لأن محمد بن الفضل كذبه ابن معين وغيره، وضعفه أحمد، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب) (١). قال الجوزجاني: (كان كذابًا، سألت ابن حنبل عنه، فقال: ذاك عجب، يجيئك بالطامات (٢)، هو صاحب حديث ناقة ثمود، وبلال المؤذن) (٣).

стр. 1482

أما الشاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة فلم أقف عليه في مظانه من "صحيح ابن خزيمة"، وقد أخرجه البيهقي (٣/ ١٩٨) من طريق ابن خزيمة، ثنا إسماعيل بن إسحاق - أصله كوفي - بالفسطاط، ثنا محمد بن علي بن غراب، ثنا أبي، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن عندي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁، قال: (كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر أو قال: قعد على المنبر استقبلناه، بوجوهنا) ثم نقل البيهقي عن ابن خزيمة أنه قال: (هذا الخبر عندي معلول) (١). الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب استقبال الحاضرين الخطيب بوجوههم إذا شرع في الخطبة، سواء كانوا محاذين له أم لا، وليس معنى ذلك أنهم يحقلون حوله، وإنما يبقون على صفوفهم ولو كانت طويلة ويعطي كل واحد منهم وجهه إلى الإمام؛ لأن استقبال الخطيب تهيؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في الاستماع، ولأن ذلك أدعى للفهم، وأحضر للقلب، وأبعد عن الانوم وهو أيضًا أشجع للخطيب إذا رأى المستمع له مصغيًا ومستفيدًا. قال الترمذي بعد حديث الباب: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء). قال الشوكاني: (وأحاديث الباب وإن كانت غير بالغة إلى درجة الاعتبار، فقد عضدها عمل السلف والخلف على ذلك) (٢). قال البخاري: " باب يستقبل الإمام القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب" واستقبل ابن عمر وأنس ﵁ الإمام، ثم ساق حديث أبي سعيد ﵁ قال: (إن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله) (٣).

стр. 1483

ومن هنا يتبين أن ما يفعله بعض الناس من الاعتماد على جدار أو عمود مستدبرين القبلة ووجه الخطيب، أن هذا خلاف الأولى، وانظر كيف أذن الشرع للخطيب أن يستدبر القبلة ليواجه الحاضرين، فكيف ينصرف بعض الناس ويستدبر القبلة والخطيب؟!

стр. 1484

حكم اعتماد الخطيب على عصا أو قوس ٤٧٤/ ٣٠ - عن الحكم بن حزن ﵁ قال: شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ ، فقام متوكئًا على عصًا أو قوسٍ. رواه أبو جاود. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو الحكم بن حزن - بفتح المهملة وسكون الزاي فنون - الكلفي - بفتح اللام على قول السمعاني - وكلفة بطن من تميم، قال ابن عبد البر: (له حديث واحد، ليس له غيره) (١)، والمراد حديث الباب. • الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في أبواب " الجمعة"، باب " الرجل يخطب على قوس" (١٠٩٦) من طريق شهاب بن خراش، حدثني شعيب بن رزيق الطائفي قال: جلست إلى رجل، له صحبة من رسول الله ﷺ يقال له: الحكم بن حزن الكلفي، فأنشأ يحدثنا قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله ﷺ زرناك، فادع لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر، والشأن إذ ذاك دون فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام متوكئًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: " أيها الناس، إنكم لن تطيقوا أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا". وهذا الحديث حسن إسناده الحافظ (٢)، وفي ابن خراش وشعيب كلام

стр. 1485

يسير لا ينزل الحديث به عن رتبة الحسن، فشهاب بن خراش، ثقة، وثقة ابن المبارك، وابن عمار، وابن معين، والعجلي، وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: (صدوق ليس به بأس)، وشعيب بن رزيق قال ابن معين: (ليس به بأس)، وقال أبو حامت: (صالح) (١). • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الاعتماد على عصا أو قوس حال الخطبة، وهذا من باب التأسي بالنبي ﷺ لا أن ذلك سنة دائمة، إذ لم يثبت ذلك في يوم الجمعة في سوى حديث الباب، ولم ينقل ذلك أكابر الرواة؛ كأبي هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة ﵁، ولو كان هذا مما لازمه النبي ﷺ لنقلوه كما نقلوا صفات خطبته، وعلى هذا فالظاهر أنه لم يقع على صفة الدوام. ولع السر في الاتكاء والله أعلم أنه أثبت قيام الخطيب، وأجمع لليدين، وهي عادة عربية عند الخطباء في العصر الجاهلي فما بعده. وليس في الحديث ما يدل على أنه ﷺ كان يأخذ ما يتكئ عليه باليد اليمنى أو اليسرى، فمن أهل العلم من قال: إنه مخير، ومنهم من قال: يأخذه باليد اليسرى، وأما الأخرى فيعتمد بها على حرف المنبر، أو يرسلها (٢). وهذا إذا كان الخطيب يخطب ارتحالًا بدون قراءة ورقة، أما إذا كان يحمل الأوراق بيده، فتكون العصا باليد اليسرى والأوراق باليد اليمنى، فإن لم يعتمد على شيء وضع اليمنى على اليسرى أو أرسلهما، لأن المقصود الخشوع والمنع من العبث (٣). والله أعلم. * * *

стр. 1486

باب صلاة الخوف الخوف: ضد الأمن. وأصله: الفزع والذعر، قال ابن فارس: (الخاء والواو والفاء أصل واحد يدل على الذعر والفزع، يقال: خفت الشيء خوفًا وخيفة … ) (١). والمراد بصلاة الخوف: كيفية أداء الصلاة حال الخوف من العدو، لا أنها صلاة جديدة تشرع بسبب الخوف. وقد أنزل الله تعالى مشروعية صلاة الخوف سنة ست من الهجرة، وأول غزوة صلاها فيها رسول الله ﷺ غزوة ذات الرقاع في قول بعضهم. والقول الثاني: أن أول غزوة صلاها فيها رسول الله ﷺ غزوة عسفان وهي سنة ست، وكانت قبل خبير، أما غزة ذات الرقاع فكانت بعد خيبر وخيبر سنة سبع، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. ومشروعية صلاة الخوف تخفيف من الله تعالى على عباده ورحمة بهم وتحصيل لمصلحتي الصلاة في وقتها وأخذ الحذر من العدو، وهذا يدل على عظم أمر الصلاة وشدة الاهتمام بها والحرص على أدائها في وقتها مع جماعة المسلمين، فإنه إذا لم يعذر المسلم في أدائها جماعة في حال الخوف والكر والفر، فكيف يتخلف عنها من هو آمن في سربه معافى في بدنه! والله المستعان. وصلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا

стр. 1487

أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابًا مهينا﴾ [النساء: ١٠٢]. وأما السنة فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ صلاها بأصحابه مرات متعددة على صفات متنوعة، كما سيأتي. وقد أجمع الصحابة ﵃ على فعلها، وصلوها بعد نبيهم ﷺ ، قال الإمام أحمد: (كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز) (١). وقال: (ستة أوجه أو سبعة يروى فيها) (٢). * * *

стр. 1488

كيفية صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة ٤٧٥/ ١ - عن صالح بن خواتٍ عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: " أن طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصلوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلموا بهم". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. ووقع في " المعرفة " لابن منده: عن صالح بن خوات عن أبيه. ٤٧٦/ ٢ - عن ابن عمر ﵁ قال: " غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فوازينا العدو فصاففناهم، فقام رسول الله ﷺ فصلى بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا، فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين". متفق عليه، وهذا لفظ البخاري. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو صالح بن خوات بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو تابعي مشهور، سمع من جماعة من الصحابة، والحافظ في "التقريب": (ثقة من

стр. 1489

الرابعة) أي: من صغار الطبقة الوسطى من التابعين، وقال في " فتح الباري": (ليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد) (١). وأما أبوه خوات، فهو صحابي جليل، أول مشاهده غزوة أحد، روى له البخاري في " الأدب المفرد"، مات سنة أربعين (٢). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث صالح بن خوات، فقد أخرجه البخاري في كتاب " المغازي"، باب " غزوة الرقاع" (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢) من طريق مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله ﷺ .. فذكره. وأما حديث ابن عمر، فقد أخرجه البخاري في كتاب " الخوف"، باب " صلاة الخوف" (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩) من طريق الزهري، عن سالم أن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (غزوت … ) فذكر الحديث (٣). • الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: • قوله: (عمن صلى مع رسول الله صىل الله عليه وسلم) اختلف العلماء في صحابي هذا الحديث، فقد ورد عند البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة … الحديث. وأخرج ابن منده في " معرفة الصحابي" (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧) عن صالح بن خوات، عن أبيه، فيكون خوات والد صالح هو المبهم، واختار هذا الحافظ في " فتح الباري" (٤)، وذكره هنا في " البلوغ" تفسيرًا لقوله: (عمن صلى مع رسول الله ﷺ ، ووجه ذلك أن سهل بن أبي حثمة كان صغيرًا، فقد جزم الطبري وابن حبان وابن السكن وغير واحد بأن سنة وقت وفاة النبي ﷺ ثمان سنين، وذكر ابن عبد البر وغيره أنه ولد سنة ثلاث من الهجرة، وهذا يبعد معه

стр. 1490

أن يخرج في غزوة ذات الرقاع، وهي سنة ست أو بع - كما تقدم - لكن هذا لا يؤثر، فإنه قد يرويها عن غيره، وتكون من مراسيل الصحابة ﵁. والأقرب هو الأول، لأنه لفظ الصحيحين، وهو الذي صوبه أبو زرعة وأبو حاتم (١)؛ لكن تعيين كونها ذات الرقاع إنما هو في رواية صالح عن أبيه، وليس في رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي ﷺ ، وكان هذا يؤيد ما تقدم من أن سهلًا كان وقت الغزوة صغيرًا. ويحتمل كما قال الحافظ أن صالح بن خوات سمعه من أبيه ومن سهل بن أبي حثمة، فلذلك يبهمه تارة، ويعينه أخرى. قوله: (يوم ذات الرقاع) أي: غزوة ذات الرقاع، سميت بذلك: لأن الصحابة ﵁ رقت أقدامهم من الحفاء، فجعلوا يلفون عليها الخرق كالترقيع لها، هذا هو الصحيح في سبب التسمية، وهو الذي ورد في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (٢)، وكانت سنة سبع بعد خيبر، على القول الراجح الذي جزم به البخاري في "صحيحه" (٣)، وكانت لغزوة بني محارب وبني ثعلبة من غطفان في أعالي نجد. والمشهور عند أهل السير أنها بعد بني النضير، وقبل الخندق، سنة أربع، وقيل: في المحرم سنة خمس. والأظهر أنها بعد الخندق؛ لأن صلاة الخوف لم تكن شرعت في غزوة الخندق، بدليل أن النبي ﷺ أخر الصلاة عن وقتها، كما ثبت في " الصحيحين"، وقد ثبت فعلها في غزوة ذات الرقاع، فدل على تأخرها عن الخندق (٤).

стр. 1491

قوله: (وجاه العدو) بكسر الواو، أي: قبل وجهه، والعدو: لفظ يقع على الواحد والاثنين والجماعة، المذكر والمؤنث بلفظ واحد، قال تعالى: ﴿فإنهم عدو لي﴾ وهو ضد الولي، ويجمع على أعداء، وعدى، وغيرهما. قوله: (وأتموا لأنفسهم) أي: أتم كل واحد الركعة الباقية وحده. قوله: (قبل نجد) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة؛ أي: جهة نجد، والمراد بها: نجد اليمامة، لا نجد العراق التي منها تظهر الفتن. قوله: (فوازينا العدو) أي: قابلنا العدو. • الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية صلاة الخوف عند وجود سببها، تخفيفًا على الأمة، ومعونة لهم على الجهاد، وأداء للصلاة في جماعة، وفي وقتها المحدد، وهذا يدل على أن صلاة الجماعة تجب على الرجال حضرًا وسفرًا في حال الأمن والخوف، إذا كانوا يتمكنون من أداء الصلاة على الكيفيات الواردة في السنة. • الوجه الخامس: أن من أنواع صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة أن يقسم القائد الجيش إلى طائفتين: طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس، فإذا قام للركعة الثانية ثبت قائمًا واستمر على ذلك، وانفردوا عنه، وأتموا صلاتهم، فأتوا بالركعة الثانية ثم سلموا، وانصرفوا فقاموا في وجه العدو، ثم تأتي الطائفة التي كانت تحرس، فتصلي معه الركعة التي بقيت من صلاته، فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا الركعة التي بقيت من صلاتهم، ثم جلسوا للتشهد مع الإمام، ثم سلم بهم، وهذه الصفة هي الموافقة لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من وارئكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢]، ولهذا اختار الإمام أحمد هذه الصفة. ودل حديث ابن عمر ﵁ على صفة أخرى وهي أنه يقسمهم طائفتين: طائفة تقف أمام العدو تحرس، والأخرى تصلي معه ركعة، ثم تذهب فتقف

стр. 1492

أمام العدو تحرس، وهي على صلاتها، ثم تأتي الطائفة التي كانت تحرس فتصلي معه الركعة التي بقيت من صلاته، فإذا سلم قضت ما بقي من صلاتها ثم ذهبت تحرس أمام العدو، ثم ترجع الطائفة الأخرى فتكمل ما بقي من صلاتها ثم تسلم. وسمح لهم بهذا العمل الكثير في الصلاة للضرورة، ولا يخفى أن النوع الأول أرفق وأقرب إلى ضبط الحراسة وإتقان الصلاة، والنوع الثاني جائز. واعلم أنه لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صفة صلاة الخوف تعرض لصلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنه لا يدخلها قصر، فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين فإذا جلس قاموا فأتموا لأنفسهم ركعة، وسلموا، ويصلي بالطائفة الأخرى الركعة الباقية، فإذا قعد أتموا لأنفسهم ركعتين، ثم يسلم ويسلمون (١). • الوجه السادس: في الحديث دليل على حسن تنظيم الإسلام وعدالته، ووجوب اتخاذ الحذر من الأعداء بكل وسيلة، فإن النبي ﷺ صلى بهم، فاختصت الطائفة الأولى في حديث صالح بن خوات بتحريم الصلاة، وهو تكبيرة الإحرام، واختصت الثانية بتحليل الصلاة، وهو السلام، فحصلت صلاة الجماعة، وفوت الفرصة على الأعداء، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 1493

كيفية صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة ٤٧٧/ ٣ - عن جابر ﵁ قال: " شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفنا صفين: صف خلف رسول الله ﷺ ، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى السجود قام الصف الذي يليه … " فذكر الحديث. وفي رواية: " ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قدموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني" وذكر مثله، وفي آخره: " ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا". رواه مسلم. ٤٧٨/ ٤ - ولأبي داود عن أبي عياش الزرقي، مثله، وزاد: " أنها كانت بعسفان". • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عياش: بالشين المعجمة الزرقي الأنصاري نسبة إلى زريق أحد أجداده، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، قال ابن عبد البر: (أكثر أهل الحديث يقولون: زيد بن الصامت)، وقيل غير ذلك، شهد أحدًا وما بعدها، روى عن النبي ﷺ هذا الحديث في باب صلاة الخوف، أخرج حديثه أبو داود

стр. 1494

والنسائي، يقال: إنه عاش إلى خلافه معاوية في حدود سنة أربعين (١). • الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه مسلم في باب " صلاة الخوف" (٨٤٠) (٣٠٧) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف … فذكر الحديث. وتمامه: (فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلم قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا، قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم). وأما رواية مسلم المذكورة: فقد أخرجها من طريق زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: غزنا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة … وذكر الحديث، وفيه تعيين الصلاة وأنها صلاة العصر. ولعل الحافظ أشار إلى هذه الرواية؛ لأن فيها تعيين القوم الذين حاربوهم، وهم من جهينة، ثم أكمل الحافظ المقصود من ألفاظ هذه الرواية، وإلا فهي كذلك في الرواية الأولى. وأما حديث أبي عياش الزرقي: فقد أخرجه أبو داود في باب " صلاة الخوف" (١٢٣٦) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد،

стр. 1495

عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه … وذكر الحديث بمثل حديث جابر ﵁. وهذا الحديث إسناده صحيح، صححه الدارقطني (١)، والبيهقي (٢)، وقال الحافظ: (سنده جيد) (٣)، وقد تكلم بعضهم في سماع مجاهد من أبي عياش الزرقي، والصواب أنه سمع منه، كما ذكر ذلك البيهقي في " السنن" وفي " المعرفة" (٤). ثم إن مجاهدًا لا يعرف بالتدليس، ولا يجوز وصفه به، وسماعه من أبي عياش ممكن، فإنه ولد في خلافة عمر سنة إحدى وعشرين، وأبو عياش مات في خلافة معاوية سنة أربعين، كما تقدم، ولعل الحافظ أورد حديث أبي عياش؛ لأن فيه تعيين محل الصلاة، وهو عسفان. • الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (شهدت مع رسول الله ﷺ أي: حضرت، وكان ذلك في غزو النبي ﷺ لقوم من جهينة، والصلاة صلاة العصر، كما مر في الرواية الثانية لمسلم. قوله: (والعدو بيننا وبين القبلة) جملة حالية تبين مكان العدو حينئذ، وأنه كان في جهة القبلة. قوله: (والصف الذي يليه) بالرفع عطفًا على الناس، وهو الضمير المستتر في قوله: (انحدر) وجاز العطف على الضمير المتصل من دون تأكيد لوجود الفاصل.

стр. 1496

قوله: (في نحر العدو) أي: أمام العدو. قوله: (بعسفان) بضم العين وإسكان السين المهملتين، قرية عامرة بين مكة والمدينة، وتقع الآن على الطريق السريع، وتبعد عن مكة شمالًا بـ (٨٠) كيلًا. وقول المشركين: (قد أصبنا غرة … )، أي: أدركنا من المسلمين غفلة في صلاة الظهر، فلو حملنا عليهم لكان أحسن والمعنى: أنهم يتمنون أنهم حملوا على المسلمين أثناء صلاتهم. قوله: (فنزلت آية القصر) أي: صلاة الخوف من قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة … ﴾ إلى قوله: ﴿عذابًا مهينًا﴾ [النساء: ١٠٢]، وعند النسائي: (فنزلت، يعني صلاة الخوف … ) (١). • الوجه الرابع: الحديث دليل على صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة، وذلك بأن يصف القائد الجيش صفين، فيصلي بهم جميعًا، يكبر ويركع ويرفع بهم جميعًا، فإذا سجد سجد معه الصف الأول، وبقي الصف الثاني واقفًا يحرس، فإذا قام الإمام والصف الأول من السجود سجد الصف الثاني، فإذا قاموا من السجود تقدموا مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول إلى مكانهم، فيركع بهم الإمام جميعًا، ويرفع بهم جميعًا، ثم يسجد هو والصف الذي يليه، فإذا جلسوا للتشهد سجد الصف المتأخر، ثم سلم بهم جميعًا. وهذه هي الصفة الثالثة من صفات صلاة الخوف، وهذا التقدم والتأخر لمراعاة العدل بين الصفين حتى لا يكون الصف الأول في مكانه في جميع الصلاة، وهذه حركة من غير جنس الصلاة، لكنها لمصلحة الصلاة، ولمصلحة الحراسة أيضًا. وليس في هذه الصفة شيء من الحركة أو التنفلات؛ لأن العدو أمامهم، والحراسة إنما هي في حال السجود فقط، دون حال الركوع؛ لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو، وإذا بقي في حال السجود طائفة قائمة وأختها تصلي ركعتها مع الإمام حصل المقصود، والله تعالى أعلم.

стр. 1497

صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين صلاة منفردة ٤٧٩/ ٥ - وللنسائي من وجه آخر عن جابر: " أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بآخرين أيضًا ركعتين، ثم سلم". ٤٨٠/ ٦ - ومثله لأبي داود، عن أبي بكرة. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول في تخريجهما: أما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه النسائي في كتاب " صلاة الخوف" (٣/ ١٧٨) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين … الحديث. وهذا الحديث رجاله ثقات، حماد بن سلمة: ثقة عابد، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وقتادة: ثقة ثبت، وكان يدلس، وعنعنته هنا لا تؤثر؛ لأنه لقي الحسن، وروى عنه (١) والحسن وهو البصري ثقة، يرسل كثيرًا، ويدلس، لكن قال ابن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم: أنه لم ير جابرًا ولم يسمع منه (٢). وهذا الحديث علقه البخاري (٣)، فقال: (وقال أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: … ) فذكر الحديث.

стр. 1498

ووصلاه مسلم (١) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عثمان، حدثنا أبان بن يزيد به. وأخرجه أيضًا من طريق معاوية بن سلام، أخبرني يحيى، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابرًا أخبره … الحديث. وظاهر السياق عند البخاري وعند مسلم على كلا الروايتين أن النبي ﷺ لم يسلم بعد صلاته بالطائفة الأولى، ورواية النسائي صريحة في أنه سلم في كل ركعتين، وكذا حديث أبي بكرة الآتي. وقد فات الحافظ عزة الحديث إلى من هو أعلى من النسائي مع سعة حفظه ﵀، إلا أن يكون المقصود من قوله: (من وجه آخر) هذا الإسناد. أما حديث أبي بكرة، فقد أخرجه أبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٣/ ١٧٨)، وأحمد (٣٤/ ٥٠) من طريق الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة ﵁ بمثل حديث جابر ﵁ أنه صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا، وعلى هذا فحديث أبي بكرة أصله في مسلم. وهذا الحديث إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وقد تكلم العلماء في سماع الحسن من أبي بكرة، فقد نقل العلائي عن الدارقطني أنه قال: (الحسن لم يسمع من أبي بكرة) (٢)، وكذا نقل الحافظ عن أبي حاتم (٣). لكن ظاهر صنيع البخاري أنه سمع منه، فقد أورد عدة أحاديث في " صحيحه" من طريق الحسن، عن أبي بكرة ﵁ (٤). • الوجه الثاني: الحديث دليل على نوع رابع من أنواع صلاة الخوف، وهو أن يصلي الإمام بكل طائفة صلاة منفردة، فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يسلم بها، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بها ركعتين، ثم يسلم بهم.

стр. 1499

وهذا في الصلاة الرباعية، أما المغرب فإنه يصلي بكل طائفة ثلاثًا. والسلام بعد الركعتين في صلاته بالطائفة الأولى جاء صريحًا في رواية أبي داود والنسائي، أما رواية "الصحيحين" فلم يذكر فيهما السلام، ولهذا ظن بعض الفقهاء أن هذا نوع خامس من أنواع صلاة الخوف غير النوع الذي قبله، فذكره مستقلًا، ومنهم ابن قدامة (١). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (إن ذكر السلام هو الصواب، ومن قال: إنه صلى بدون سلام فقد غلط، ومن أهم شيء عند طالب العلم إذا أشكل عليه بعض الأحاديث أن يجمع الروايات وطرقها حتى يتضح له الأمر) (٢). • الوجه الثالث: صلاة النبي ﷺ بكل طائفة ركعتين دليل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن صلاة النبي ﷺ بالأولى فرض وبالطائفة الثانية نفل. وفيه دليل على أن العدل مطلوب حسب الإمكان؛ لأن الذين صلى بهم الفرض أفضل من الطائفة الذين صلى بهم وهي نافلة، ولكن هذا غاية ما يملكه النبي ﷺ من إمكان العدل بينهم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1500

جواز الاقتصار في صلاة الخوف على ركعة واحدة لكل طائفة ٤٨١/ ٧ - عن حذيفة ﵁: " أن النبي ﷺ صلى في الخوف بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، ولم يقضوا". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان. ٤٨٢/ ٨ - ومثله عند ابن خزيمة عن ابن عباس ﵁. ٤٨٣/ ٩ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " صلاة الخوف ركعة على أي وجه كان". رواه البزار بإسناد ضعيف. • الكلام عليها من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث حذيفة فقد أخرجه أحمد (٣٨/ ٣٠٢)، وأبو داود (١٢٤٦)، والنسائي (٣/ ١٦٧ - ١٦٨)، وابن خزيمة (٢/ ٢٩٣)، وابن حبان (٤/ ٣٠٢) (٦/ ١٨٢) من طريق الأشعث بن سليم بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم قال: (كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقام، فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا). هذا لفظ أبي داود، وهذا الحديث إسناده صحيح، صححه ابن خزيمة وابن حبان. وطبرستان بفتح الطاء والباء وكسر الراء: اسم بلاد واسعة تقع ضمن دولة إيران اليوم، وتسمى إقليم: (مازندران) فتحت في خلافة عثمان ﵁ على يد سعيد بن العاص ﵁ سنة تسع وعشرين من الهجرة.

стр. 1501

وأما حديث ابن عباس ﵁ فقد أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٩٣) كما قال الحافظ، وأخرجه النسائي (٣/ ٢٦٩)، وأحمد (٣/ ٤٩٣)، وابن حبان (٧/ ٢٢) من طريق سفيان قال: حدثني أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد وصف الناس خلفه صفين، صفًا خلفه، وصفًا موازي العدو، وصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا. وهذا لفظ النسائي، أما ابن خزيمة فلم يذكر لفظه، وإنما أحال على لفظ حديث حذيفة الذي قبله، وهذا الحديث إسناده صحيح. وعبيد الله بن عبد الله: هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كما ورد التصريح به عند أحمد (٣/ ٤٩٣) (٣٨/ ٣٠١)، والحاكم (١/ ٣٣٥)، وهو ثقة ثبت. وورد مثل ذلك في حديث جابر ﵁ (١). وقوله: (بذي قرد) بفتحتين، موضع على ليلتين من المدينة، بينهما وبين خبير (٢). وأما حديث ابن عمر فقد أخرجه البزار (١/ ٢٩٦) " مختصر زوائده" من طريق محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " صلاة المسايفة ركعة على أي وجه كان الرجل، يجزئ عنه … ". قال البزار: (محمد بن عبد الرحمن أحاديثه مناكير، وهو ضعيف عند أهل العلم) وعلى هذا فالحديث منكر؛ لأن البيلماني هذا متروك، قال ابن معين: (ليس بشيء)، وقال البخاري، وأبو حاتم، والنسائي: (منكر الحديث) (٣).

стр. 1502

ولعل الحافظ ذكر حديث ابن عمر ﵁؛ ليعلم ضعفه، أو يكون شاهدًا لما قبله وإلا ففي الأحاديث المتقدمة ما يغني عنه، بل ويغني عن الجميع حديث ابن عباس ﵁ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة) (١)، وتقدم في "قصر الصلاة"، وكان الأولى بالحافظ أن يذكره هنا، كما فعل ابن عبد الهادي في " المحرر" وغيره. • الوجه الثاني: هذه الأحاديث دليل على أن صلاة الخوف ركعة واحدة، وذلك بأن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة، ثم تذهب ولا تقضي شيئًا، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصف خلفه ويصلي بهم ركعة، ثم يسلم، ولا تقضي شيئًا، فتكون لكل طائفة ركعة، وللإمام ركعتان، وهذا على أن صلاة الخوف تقصر كمية وكيفية، وتكون هذه صفة خامسة، وقد قال بذلك ابن عباس وجابر وأبو هريرة وأبو موسى ﵁ وجماعة من التابعين، قال الموفق ابن قدامة: (وكلام أحمد يقتضي كون هذا الوصف من الوجوه الجائزة، إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، فيدل على أن هذا ليس بمذهب له) (٢)، وذكر المرداوي أنهم حملوا هذه الصفة على شدة الخوف (٣). • وقال أكثر أهل العلم منهم: ابن عمر ﵁، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهم ﵏: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، فلا تنقص عن ركعتين (٤) وحملوا هذه الأحاديث على أن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها المصلي منفردًا، كما جاء في الأحاديث الأخرى، ذكر ذلك النووي، ثم قال: (وهذا التأويل لابد منه للجمع بين الأدلة، والله أعلم) (٥). وهذا التأويل فيه نظر، فإن قوله: (لم يقضوا) نص صريح على أنهم

стр. 1503

اقتصروا على ركعة واحدة، ويؤيده قوله: (فكانت للنبي ﷺ ركعتان، ولهم ركعة واحدة)، كما يرد هذا التأويل حديث ابن عباس ﵁: (صلاة الخوف ركعة)، وعلى هذا فلا داعي لهذا التأويل، فيؤخذ الحديث على ظاهره، وتحمل الأحاديث الدالة على الركعتين على أنها الأكمل، وتجزئ ركعة واحدة؛ لأن صلاة الخوف وردت بكيفيات مختلفة، ومنها الاقتصار على ركعة واحدة، أو يحمل حديث ابن عباس ﵁ على شدة القتال، وهذا أولى (١) والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1504

سقوط سجود السهو في صلاة الخوف ٤٨٤/ ١٠ - وعن ابن عمر ﵁ مرفوعًا: " ليس في صلاة الخوف سهو". أخرجه الداري قطني بإسناد ضعيف. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٨) من طريق بقية ثنا عبد الحميد بن السري الغنوي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره. قال الدارقطني: (تفرد به عبد الحميد بن السري، وهو ضعيف)، وقال أبو حاتم: (هو مجهول، روى عن عبيد الله بن عمر حديثًا موضوعًا) (١). وذكره الذهبي في "الميزان" وقال: (من المجاهيل، والخبر منكر)، ثم ذكر حديثه هذا، ونقل كلام أبي حاتم وتضعيف الدارقطني (٢). • الوجه الثاني: الحديث دليل على سقوط سجود السهو في صلاة الخوف، والحديث وإن كان لا يثبت، لكن المعنى يؤيد ذلك؛ لأن الله تعالى يسر في صلاة الخوف في ترك أشياء كثيرة، منها: الاكتفاء بركعة، ومنها: التأخر في السجود عن الإمام، ومنها: جواز القضاء قبل سلام الإمام، فإذا جاز مثل ذلك فسقوط سجود السهو وجيه، وليس ببعيد. ويرى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ مشروعية سجود السهو في صلاة

стр. 1505

الخوف حيث يقول: (الأصل بقاء سجود السهو، ولا تكون هذه التجاوزات كافية في إسقاطه، فالأصل بقاؤه مع القدرة؛ لعموم الأدلة، فإذا سهى الإمام في صلاة الخوف شرع له سجود السهو، وإذا كان يخشى من سجودهم جميعًا تمكن العدو سجد الصف الأول، ثم سجد الصف الثاني، كما فعلوا في أصل الصلاة، إلا أن يثبت دليل في إسقاطه)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1506

باب صلاة العيدين أي: صفتها وأحكامها، وما يتعلق بذلك. والعيدين: مثنى عيد، وهما عيد الفطر من رمضان: وهو أول يوم من شوال، وعيد الأضحى: وهو العاشر من ذي الحجة. سميا عيدين؛ لأنهما يعودان ويتكرران كل عام، وكل منهما له مناسبة شرعية ومرتبط بعمل جليل وركن من أركان الإسلام، فعيد الفطر مناسبته فراغ المسلمين من صيام شهر رمضان، وعيد الأضحى مرتبط بحج بيت الله الحرام وختام عشر ذي الحجة والتقرب إلى الله تعالى بذبح القربان. وليس في دين الإسلام عيد يتكرر كل عام سوى هذين العيدين، لا عيد ميلاد، ولا عيد معراج، ولا عيد انتصار ولا عيد جلوس على كرسي الملك أو الرئاسة؛ بل كل ذلك مما ابتدعه الناس نتيجة التشبه بالأمم الأخرى، فصار ندًا للأعياد الشرعية. وقد مر بالأمة مناسبات عظيمة من ولادة النبي ﷺ ، وغزوة بدر، والمعراج، وغيرها، ولم يكن لها أعياد مشروعة، فما دونها من باب أولى، ويكفي في ذلك هدي النبي ﷺ فهو خير الهدي. ويوم العيد يوم عبادة وشكر وفرح وسرور، فيه الصلاة وذكر الله تعالى ودعاؤه، وفيه موعظة الناس وتوجيههم، وفيه من الفوائد الاجتماعية والصلات الأسرية والأخوية والفرح والسرور هو المنهج الإلهي الذي جاء من عند الله تعالى لإسعاد البشرية.

стр. 1507

ما جاء من أن الفطر والصوم مع جماعة الناس ٤٨٥/ ١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس". رواه الترمذي. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي (٨٠٢) في كتاب " الصوم" باب " ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون؟ " من طريق يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : … فذكرت الحديث. وهذا الحديث لا بأس برجاله، غير يحيى بن يمان العجلي، فإنه متكلم فيه، قال أحمد: (ليس بحجة)، وقال ابن معين: (أرجو أن يكون صدوقًا)، ومرة قال: (ليس به بأس) (١). وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في نفسه لا يتعمد الكذب، إلا أنه يخطئ ويشتبه عليه) (٢). وقد اختلف في سماع ابن المنكدر من عائشة، لكن قال الترمذي بعد الحديث المذكور: سألت محمدًا يعني البخاري قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: (نعم، يقول في حديثه: سمعت عائشة). وقد ورد حديث الباب عند أبي داود (٢٣٢٤) من طريق أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ﵁ (٣)، وفيه انقطاع، قال ابن معين وأبو

стр. 1508

بكر البزار: (لم يسمع ابن المنكدر من أبي هريرة)، وقال أبو زرعة: (لم يلقه)، وروى الترمذي (٦٩٧) من طريق عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون"، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وفي الأخنس كلام يسير، وقد حسنه أيضًا النووي (١)، فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس، وعلى هذا فلو رأى الهلال وحده وردت شهادته، فإنه لا يصوم إلا مع الناس، ولا يفطر إلا مع الناس. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) لحديث الباب؛ ولأن الشهر هو ما اشتهر وظهر، والهلال ما استهل به وأعلن، وليس ما يظهر في السماء من غير رؤية ولا اشتهار. والقول الثاني: أنه يصوم إذا رأى هلال رمضان، ولا يفطر إذا رأى هلال شوال إلا مع الناس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة (٣)، ووجه ذلك أنه رأى هلال رمضان فلزمه العمل بما رأى، ولأنه يثبت بشهادة واحد، وأما الفطر فلا يفطر؛ لأنه لا يثبت إلا بشاهدين. والقول الثالث: أنه يصوم إذا رأى هلال رمضان، ويفطر إذا رأى هلال شوال سرًا، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه رأى الهلال فيلزمه العمل بما يتقن، ولكن يلزمه سرًا، لئلا يخالف الجماعة (٤). والقول الأول أظهر لقوة دليله، ولأن فيه جمع كلمة المسلمين وعدم تفرقهم، وهذا من أعظم المقاصد الشرعية، والله تعالى أعلم.

стр. 1509

حكم الصلاة إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال ٤٨٦/ ٢ - عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الصحابة: " أن ركبًا جاؤوا فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا، وإذا أصبحوا يغدو إلا مصلاهم". رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه؛ وإسناد صحيح. • الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عمير بن أنس بن مالك، يقال: إن اسمه: عبد الله، وهو أكبر ولد أنس ﵁ كما ورد في "سنن البيهقي" (١) وهو من صغار التابعين، روى له أصحاب السنن غير الترمذي، وتفرد بالرواية عنه أبو بشر جعفر بن إياس أبي وحشية، وصحح حديثه غير واحد من أهل العلم، قال ابن سعد: "كان ثقة قليل الحديث" وذكره ابن حبان في " الثقات"، تفرد ابن عبد البر بتجهيله، ولم يتابع على ذلك؛ لأن من وثقد فقد عرفه، وقد جزم الحافظ في " التقريب" بأنه ثقة (٢). • الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (٣٤/ ١٨٦)، وأبو داود (١١٥٧) في كتاب " الصلاة"، باب " إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد"، والنسائي

стр. 1510

(٣/ ١٨٠) من طريق محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي عمير بن أنس، به. وأخرجه ابن ماجه (١٦٥٣) وفيه: (فجاء ركب من آخر النهار … ). وهذا الحديث إسناده صحيح، صححه إسحاق بن راهويه، والخطابي، والبيهقي، واحتج به أحمد (١)، ونقل الحافظ تصحيحه عن ابن السكن وابن حزم (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الناس إذا لم يعلموا بعيد الفطر إلا بعد الزوال فإنهم يفطرون، ويصلون العيد من الغد في وقتها، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق (٣)، وقال الشافعي: إن عدل الشاهدان قبل الزوال صلوا العيد، وإن عدلا بعد الزوال لم يصلوا يومهم بعد الزوال ولا من الغد (٤)، وقال مالك: تصلي إذا ذهب وقتها (٥). والراجح القول الأول؛ لأن سنة النبي ﷺ أحق أن تتبع، قال ابن المنذر: (حديث أبي عمير بن أنس ثابت، والقول به يجب) (٦)، والله تعالى أعلم. * * *
следующие страницы →