← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

واستدلوا بأن الاستنشاق نُقِلَ من فعله ﷺ ، ومن أمره - كما تقدم - وأما المضمضة فقد نقلت من فعله، ولم تنقل من أمره. والراجح هو القول الأول لقوة دليله، وهو حديث الباب، ولأن كل من وصف وضوء النبي ﷺ مستقصياً ذكر أنه تمضمض واستنشق واستنثر، ومداومته عليهما يدل على وجوبهما؛ لأن فعله ﷺ يصلح أن يكون بياناً وتفصيلاً للوضوء المأمور به في كتاب الله تعالى؛ لأنه هو المبيِّن عن الله مراده، وقد بيَّن أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ المضمضة والاستنشاق مع غسل سائر الوجه، وعلى هذا فلا معارضة. قال ابن القيم: (ولم يتوضأ ﷺ إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ عنه أنه أخلّ به مرة واحدة) (١) وأما كونهما من الفطرة فلا ينفي وجوبهما، لاشتمال الفطرة على الواجب والمندوب، وقد ذكر فيها الختان، وهو واجب. وأما قول أصحاب القول الثالث: إنه لم يثبت الأمر بالمضمضة. فهو إما ذهول منهم عن رواية أبي داود - كما تقدم - وإما أنهم لا يرون صحتها. ولا يصح التفريق بين المضمضة والاستنشاق، فإن النبي ﷺ جمع بينهما - كما تقدم ـ. الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة (سَدِّ الذرائع) وهي جمع ذريعة، وهي الفعل الذي ظاهره مباح، لكنه وسيلة إلى فعل محرم. ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ نهى عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان الإنسان صائماً، فالاستنشاق أمر مشروع في الوضوء، لكنه قد يفضي عند المبالغة فيه إلى إفساد الصوم. كما يستفاد منه أنه ينبغي للصائم أن يتجنب كل ما من شأنه أن يتطرق منه الإفساد للصوم ولو على سبيل الاحتمال. والقول بسد الذرائع هو مذهب المالكية والحنابلة، وقال أبو حنيفة

стр. 177

والشافعي: إن سد الذريعة لا يعتبر أصلاً تُبنى عليه الأحكام. وفي المسألة تفاصيل محلها كتب الأصول، ليتبين محل النزاع، ولأن هناك مسائل اتُفق فيها على سد الذريعة (١)، لكن القول بسد الذرائع هو الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ووجه الدلالة: أن الله تعالى حرم سَبَّ الهة المشركين مع كون السب حميةً لله، وإهانة لآلهتهم، حرم ذلك لكونه ذريعة إلى سب الله تعالى، والمصلحة في ترك مسبتهم أرجح من مصلحة سب الهتم، وهذا دليل على المنع من الجائز، لئلا يؤدي إلى المحرم. ومن السنة: نهي النبي ﷺ أن يجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها في النكاح؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة (٢). الوجه التاسع: يستدل بهذا الحديث على القاعدة الفقهية (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) بمعنى: أن الأمر إذا دار بين درء مفسدة وجلب مصلحة، كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، ووجه دلالة الحديث على ذلك: أن المبالغة في الاستنشاق فيها مصلحة امتثال أمر الشرع - لأنه مصلحة دينية يثاب عليها المكلف، ومصلحة نقاء الأنف ـ، فسقطت هذه المصلحة في مقابل مفسدة الفطر في الصوم، والله أعلم.

стр. 178

حكم تخليل اللحية في الوضوء ٤٠/ ٩ - عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَان يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الوُضُوءِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه الترمذي (٣١) في «أبواب الطهارة» باب «ما جاء في تخليل اللحية»، وابن خزيمة (١٥١، ١٥٢) من طريق عامر بن شقيق، عن أبي وائل - شقيق بن سلمة ـ، عن عثمان ﵁، به. وهذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، ولعل تصحيح الترمذي له من أجل شواهده، وإلا فإن عامر بن شقيق متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وقد روى عنه شعبة، وهو لا يروي إلا عن ثقة، ومثل هذا يكون حديثه حسناً، لكن يشكل على هذا مخالفته لجميع من روى الحديث عن عثمان ﵁، فإنهم لم يذكروا التخليل. وقد نقل الترمذي عن الإمام البخاري أنه قال: (أصح شيء في التخليل عندي حديث عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن) (٢)، ومعلوم أن البخاري لا يريد الحسن بالمعنى الاصطلاحي. ونقل الحافظ تصحيح الحديث عن ابن حبان (٣/ ٣٦٢)، وابن خزيمة

стр. 179

(١٥١)، والحاكم (١/ ١٤٩) (١)، وحسنه ابن الملقن، وذكر له اثني عشر شاهداً، وتكلم عليها، ثم قال: (فهذا اثنا عشر شاهداً لحديث عثمان ﵁، فكيف لا يكون صحيحاً؟ والأئمة قد صححوه .. ) ثم ذكر جماعة ممن صححوا الحديث (٢). وأما ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه من قوله: (لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية حديث) (٣)، وما نقله أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» حيث قال: (قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ فقال: تخليلها قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت فيه حديث) (٤). فقد حمله ابن الملقن على أن المراد بذلك غير حديث عثمان هذا (٥)، وهذا الجواب ليس بناهض عندي، وكلام الأئمة الكبار مقدم على كلام من جاء بعدهم، كما ذكرته فيما تقدم. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (والحق أن أحاديث التخليل يشد بعضها بعضاً، وتدل على شرعية التخليل وأنه سنة، وإن كان النبي ﷺ لا يفعله دائماً .. ). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يخلل) تخليل اللحية: إدخال الأصابع فيها عند غسلها؛ ليبلغ الماء إلى أصول الشعر، وذلك بأن يأخذ كفاً من ماء ويخلله بأصابعه كالمشط، أو يأخذ كفاً من ماء ويجعله تحتها حتى تتخلل به. قوله: (لحيته) اللحية - بكسر اللام - شعر الوجه المعروف، وهو ما نبت على اللحيين وهما عظما الوجه، وما نبت على الذقن، وهو مجتمع اللحيين في أسفل الوجه، فيلتقي رأس هذا إلى رأس هذا، ويعرف بالحنك، فهذا هو الذقن.

стр. 180

الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تخليل اللحية في الوضوء، وذلك إذا كانت اللحية كثيفة وهي التي تستر البشرة. قال ابن القيم: (وكان ﷺ يخلل لحيته أحياناً، ولم يكن يواظب على ذلك .. ) (١) فإذا فعله الإنسان تارة وتركه تارة كان ذلك أقرب إلى السنة والتأسي بالنبي ﷺ عند من يرى الاحتجاج بأحاديث الباب، ولأجل أن يعلم غيره أنه ليس بواجب، والنفوس إذا اعتادت شيئاً قد تلزمه وتجعله واجباً، فما حافظ عليه النبي ﷺ نحافظ عليه، وما فعله تارة وتركه تارة فكذلك نفعله تارة وندعه تارة، وإذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ بحاجة إلى أن يستفيدوا من فعله ﷺ وتركه فكذا الناس بعدهم بحاجة إلى أن يستفيدوا من فعل العلماء وطلبة العلم وأن يفرقوا بين ما كان واجباً وما كان غير واجب. أما اللحية الخفيفة التي لا تستر البشرة فهذه يجب غسلها وما تحتها من البشرة؛ لأنها في حكم الظاهر فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والوجه ما تحصل به المواجهة، وما تحت اللحية إذا كان بادياً تحصل به المواجهة، فيدخل في حكم الوجه، والله أعلم.

стр. 181

مشروعية دلك أعضاء الوضوء ٤١/ ١٠ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٣٧٠) وابن خزيمة (١١٨) من طريق شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد ﵁، به. وهذا لفظ ابن خزيمة إلا أن فيه: (ذراعه) بالإفراد، وقد رواه عن شعبة أبو داود الطيالسي، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ومعاذ العنبري، وخالفهم محمد بن جعفر - كما يأتي ـ. وإسناده صحيح، حبيب بن زيد روى له الأربعة وهو ثقة، وشعبة وعباد من رجال الصحيحين، لكن اختلف فيه على شعبة فرواه غندر - وهو محمد بن جعفر - عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن جدته أم عمارة بنت كعب، كما عند أبي داود (٩٤)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٩٦)، والنسائي في «الصغرى» (١/ ٥٨)، وفي «الكبرى» (٧٦) فجعله غندر من حديث أم عمارة لا من حديث عبد الله بن زيد، وقد ورد في «العلل» لابن أبي حاتم قال: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: (الصحيح عندي حديث غندر) (١). ونقل الحافظ عن عبد الله بن المبارك أنه قال: (إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حَكَمٌ بينهم)، وقال

стр. 182

ابن مهدي: (كنا نستفيد من كتب غندر في شعبة) وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب (١). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بثلثي مد) المد: بضم الميم وتشديد الدال، وحدةُ كيلٍ شرعية، وهي ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما (٢)، والمد ربع الصاع باتفاق الفقهاء، وهو رطل وثلث، بناء على أن الصاع يزن خمسة أرطال وثلث، الرطل، وهذا عند الشافعية والحنابلة والمالكية (٣). قوله: (فجعل يدلك) جعل: من أفعال الشروع، واسمها ضمير مستتر يعود على النبي ﷺ ، وجملة (يدلك) خبر (جعل)، ويدلك: بضم اللام ماضيه دلك، من باب (نصر) والدلك: إمرار اليد الغاسلة على العضو المغسول مع الماء. والغسل: جريان الماء وإسالته على الأعضاء، وعلى هذا فالدلك غسل وزيادة؛ لأن الغسل لا يشترط فيه إمرار اليد على العضو، أما المسح: فهو إمرار اليد على الشيء الممسوح. الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب التقليل في ماء الوضوء ومثله الغسل، وأن هذا هو هدي النبي ﷺ ، وهذا أقل قدر توضأ به النبي ﷺ ، وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، وسيأتي إن شاء الله. ولا خلاف أن هذا القدر ليس بحد لازم لا يجوز تجاوزه، بل العبرة في ذلك بأداء الواجب وعدم الإسراف، وذلك يختلف باختلاف الناس وأجسادهم ولباقتهم، ولذا اختلف المقدار في حديث أنس عن حديث عبد الله بن زيد ﵄. وقد نقل الإجماع غير واحد على أن الطهارة غير مقدرة بقدر معين، قال النووي: (أجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير

стр. 183

مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل وهو جريان الماء على الأعضاء). وقال أيضاً: (أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر) (١). ومما يدل على تحريم الإسراف في الماء حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (٢). فعلى المسلم أن يعوّد نفسه الاقتصاد في الماء، ويحذر من الإسراف الذي وقع فيه كثير من الناس اليوم، بسبب استعمال الأنبوب في الوضوء، ولأجل التعود على الاقتصاد ينبغي للإنسان أن يستعمل إناء يضع فيه ماء الوضوء، لكي يأمن من الإسراف. الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية دلك أعضاء الوضوء، والجمهور من أهل العلم على استحبابه وعدم وجوبه، خلافاً للمالكية (٣)؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل في اية الوضوء، والغسل لا يشترط فيه إمرار اليد، كما قرره طائفة من أهل اللغة؛ لأنه إسالة الماء على العضو، وإذا ثبت ذلك فلا وجه لاشتراطه؛ لأنه أمر زائد على ظاهر القران وعلى الدلالة اللغوية للفظ الغسل. لكن إن كان إتمام الوضوء يتوقف على الدلك كأن يكون الماء قليلاً وجب إمرار اليد على العضو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا يحمل هذا الحديث، فإن وضوء النبي ﷺ بثلثي مد لا يتم إلا بالدلك، وإن كان لا يترتب عليه إتمام الواجب فهو مستحب، لما تقدم، والله أعلم.

стр. 184

مشروعية أخذ ماء جديد للرأس ٤٢/ ١١ - عن عبد الله بن زيد ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لأُذُنَيْه مَاءً خِلافَ المَاءِ الَّذي أَخَذَ لِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهقِيُّ. وَهُوَ عِندَ (مُسْلم) مِنْ هذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيرِ فَضْلِ يَدَيْه، وَهُوَ المَحْفُوظُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث له روايتان: الأولى: أخرجها البيهقي في «سننه» (١/ ٦٥) من رواية الهيثم بن خارجة، عن عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع الأنصاري، أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد، يذكر أنه رأى … الحديث. وقال: (هذا إسناد صحيح). والثانية: أخرجها مسلم (٢٣٦) من طريق هارون بن معروف، وهارون ابن سعيد الأيلي، وأبو الطاهر (١) عن ابن وهب، به. قال الحافظ: وهو المحفوظ، والمحفوظ عند المحدثين ما يقابل الشاذ، فالمحفوظ: ما رواه الأوثق مخالفاً لرواية الثقة، والشاذ ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه. فرواية البيهقي شاذة؛ لأن الهيثم بن خارجة وإن كان ثقة، لكنه مخالف لمن هو أكثر منه، حيث رواه جماعة عن ابن وهب - كما تقدم - بلفظ (أنه

стр. 185

مسح برأسه بماء غير فضل يده)، فتكون روايته غير صحيحة وإن كان رواتها ثقات، لعدم سلامتها من الشذوذ، الذي هو شرط في صحة الحديث، وقد أورد البيهقي لفظ مسلم وقال: (وهذا أصح من الذي قبله). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن مسح الأذنين يكون بفضل ماء الرأس، ولا يؤخذ لهما ماء جديد؛ لأن الأذنين من الرأس - كما تقدم - ولأن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه أخذ ماء جديداً لأذنيه، قال ابن القيم: (ولم يثبت أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديداً) (١). وقد نسب ابن المنذر إلى مالك والشافعي وأحمد أنهم يرون أن يأخذ المتوضئ ماء جديداً لأذنيه، ثم قال: (وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء رسول الله ﷺ أخذه لأذنيه ماء جديداً … ) (٢). لكن لو فرض أن شعره كثيف، وقد استغرق ما في يديه ولم يبق بهما بلل، فلا بأس أن يأخذ لأذنيه ماء جديداً، فإن كانتا رطبتين كفى ذلك لمسح الأذنين. الوجه الثالث: مسح الرأس قد ورد في حديث عثمان ﵁ المتقدم أول الباب، وإنما ذكر الحافظ هذا الحديث لأن فيه بيان مشروعية أخذ ماء جديد للرأس، فهو دليل على أن مسح الرأس يكون بماء جديد غير فضل يديه؛ لأن اليد عضو مستقل، والرأس عضو مستقل، وهذا قول الجمهور من أهل العلم. وفي حديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي ﷺ : (ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه .. ) (٣) وتقدم. قال الترمذي بعد حديث عبد الله بن زيد: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديداً). اهـ (٤).

стр. 186

وجاء في حديث حمران مولى عثمان عن عثمان ﵁ في وصفه وضوءه ﷺ وفيه قال حمران: (ثم أدخل يده فأخذ ماء فمسح برأسه … الحديث (١)). وهكذا جاء في حديث علي ﵁: (ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة) (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن يمسح رأسه بما بقي من أعضائه السابقة، فمنهم من يقول بفضل يديه، ونسبه ابن المنذر إلى الحسن وعروة والأوزاعي (٣)، ومنهم من قال: يمسح رأسه ببلل لحيته، وهو لبعض المالكية، كما ذكر ابن العربي (٤) وابن عبد البر (٥). ولعلهم يستدلون بحديث الرُّبيِّع، وفيه: (ومسح رأسه من فضلِ ماءٍ كان في يده) (٦) ولأن المسح مبني على التخفيف. والقول الأول أرجح، لقوة دليله، فإن حديث عبد الله بن زيد وما ذكر معه حجة على من ذُكر، إلا إن حملوا أفعال النبي ﷺ التي ليست بياناً للمجمل على الندب (٧)، لكن الظاهر أن فعله ﷺ بيان لمجمل كيفية مسح الرأس، والله أعلم. أما حديث الربيع ففي سنده مقال، وفي متنه اضطراب، فهو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تقدم الكلام فيه (٨)، وأما اضطراب متنه فإن ابن ماجه أخرجه من طريق شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع، وفيه: (وأخذ ماء جديداً فمسح به رأسه .. ) (٩) فما في رواية مسلم مقدم عليه عند التعارض.

стр. 187

الوجه الرابع: ورد في حديث ابن عباس ﵄ في بيان الصفة المشروعة في كيفية أخذ الماء الذي يمسح به الرأس، ولفظه قال: (ألا تحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟) وساق الحديث، إلى أن قال: (ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده ثم مسح بها رأسه وأذنيه .. ) (١)، فهذه الصفة الأولى، وهي أن يأخذ بيده اليمنى قبضة من الماء ثم ينفضها ويمسح بما فَضَلَ رأسه. وفيه صفة ثانية وهي أن يغرف غرفة بيده اليمنى ثم يتلقاها بشماله حتى يضعها على رأسه من غير نفض يديه، ودليلها أن معاوية ﵁ توضأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء، فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه (٢). وأما الصفة الثالثة التي عليها أكثر الناس، وهي أن يأخذ غرفة بيمينه ثم يتلقفها بشماله وينفضها نفضاً خفيفاً ثم يمسح بهما معاً، فلم أقف عليها، والظاهر جوازها؛ لأن الله تعالى أمر بمسح الرأس، وهذا قد مسح رأسه بيديه فيجزئ، لكن اتباع الوارد والتأسي بالنبي ﷺ أفضل، والله أعلم.

стр. 188

بيان فضيلة الوضوء وثوابه ٤٣/ ١٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلمٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» «باب فضل الوضوء» (١٣٦) ومسلم (٢٤٦) (٣٥) في «الطهارة»، من طريق نُعيم بن عبد الله المُجْمِرِ، عن أبي هريرة ﵁، وهذا لفظ مسلم كما ذكر الحافظ، وأما لفظ البخاري فهو: «إن أمتي يدعون يوم القيامة … » وباقي الحديث سواء. وفي لفظ لمسلم: (عن نُعيم المجمر قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقد قال رسول الله ﷺ : «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله»). وقوله: (فمن استطاع … إلخ) مدرج من كلام أبي هريرة ﵁، فهمها أبو هريرة من قوله: (غراً محجلين)، أدرجها في الحديث الراوي عنه، وهو نُعيم المجمر، قال الحافظ (ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا

стр. 189

الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نُعيم هذه، والله أعلم) (١). وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده (١٤/ ٣٥٤) من رواية ليث بن أبي سليم، عن كعب المدني (٢)، عن أبي هريرة ﵁ وفي اخره: «فمن استطاع» وإسناده ضعيف، لضعف ليث بن أبي سليم، بسبب اختلاطه، ولجهالة كعب المدني، فيكون روى هذه اللفظة عن أبي هريرة اثنان، وقد خفيت على الحافظ رواية كعب هذه، والله أعلم. وأخرج الحديث - أيضاً - (١٤/ ١٣٦) من طريق فليح بن سليمان، عن نعيم نحوه، وزاد فقال نعيم: (لا أدري قوله: «فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل» من قول رسول الله ﷺ أو من قول أبي هريرة؟) وفليح بن سليمان متكلم فيه من قبل حفظه، وقد احتج به الشيخان. وقد رجح كثير من الحفاظ والمحققين أن هذه اللفظة مدرجة، منهم الحافظ المنذري (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥)، والحافظ ابن حجر، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع. وعلى هذا فتكون اللفظة مدرجة من كلام أبي هريرة ﵁ لما يلي: ١ - أن الحديث رواه عدد من أصحاب النبي ﷺ كابن مسعود وجابر ابن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي أمامة وحذيفة وغيرهم ﵃، ولم يذكروا هذه الزيادة، وهذا يؤيد أنها من كلام أبي هريرة، لا من كلام النبي ﷺ . ٢ - أن إطالة الغرة غير متيسرة؛ لأن الوجه مستقل، والرأس مستقل، فإذا أطال وزاد أخذ من الرأس، والرأس فرضه المسح. ٣ - أن النبي ﷺ لم يحفظ عنه أنه أطال الغرة ولا التحجيل، بل كان

стр. 190

يغسل ذراعيه حتى يشرع في العضد، ورجليه حتى يشرع في الساقين، وذلك لإدخال المرفقين والكعبين في العضد والساق، كما في لفظ مسلم المتقدم، ولم ينقل عنه زيادة على ذلك. ٤ - ما أخرجه مسلم عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة ﵁ وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يديه حتى تبلغ إبطيه، فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فَرُّوخ (١) أنتم هاهنا؟ لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (٢). فهذا ليس فيه جملة «فمن استطاع» ولو كانت من كلام النبي ﷺ لأوردها أبو هريرة محتجاً بها على أبي حازم الذي أظهر له الارتياب من مد يده إلى إبطه، ولم يحتج إلى الاستنباط الذي قد يخطئ وقد يصيب، ثم لو كان صواباً لم يصل إلى درجة النص في قوة الإقناع. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن أمتي) أي: جماعتي، والمراد بهم أمة الإجابة، وهم من امن به واتبعه؛ لأنهم هم الذين يظهر عليهم أثر الوضوء. قوله: (يأتون) هذه رواية مسلم، وفي لفظ البخاري: (يُدعون) كما تقدم، ولعل اللفظ الأول رُتِّبَ على الثاني، أي: يدعون فيأتون، والمعنى - والله أعلم - يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك من مواقف يوم القيامة. والمراد: أنهم يدعون يوم القيامة من بين الأمم، ووجوههم وأيديهم وأرجلهم تتلألأ نوراً وبياضاً من اثار الوضوء الذي يفعلونه في الدنيا تعبداً له تعالى، وتعظيماً لشأن الصلاة.

стр. 191

قوله: (يوم القيامة) أي: يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وهذا اليوم سمي بعدة أسماء فهو يوم القيامة - لما ذكر - وقد ورد بهذا الاسم في كتاب الله تعالى في سبعين اية، واليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، ويوم الآزفة لقربه، ويوم الجمع لأن الله يجمع فيه أهل السماء والأرض، ويوم التغابن، والقارعة، ويوم الفصل، إلى غير ذلك مما ورد في القران صريحاً أو استنباطاً، وكل ما عظم شأنه عند العرب تعددت أسماؤه، والقيامة لما عظم أمرها وكثرت أهوالها سماها الله تعالى بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة. قوله: (غراً) حال من فاعل «يأتون» وهو جمع: أغرّ، والغرة بياض في وجه الفرس يقال: غرَّ وجهه يَغَرُّ - بالفتح - غرراً وغرة وغِرارة: صار ذا غرة، والمعنى: أن أمة محمد ﷺ يأتون يوم القيامة تلمع وجوههم بياضاً ونوراً من اثار الوضوء - نسأل الله بركة ذلك اليوم بمنه وكرمه ـ. قوله: (محجلين) حال ثانية، والتحجيل: بياض في قوائم الفرس كلها، وقيل: في ثلاث قوائم، في رجل ويدين، والمعنى: أن في أيديهم وأرجلهم بياضاً ونوراً من اثار الوضوء. وقد استوفى ﷺ بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرة بياض في الوجه، والتحجيل بياضهم في اليدين والرجلين، والرأس داخل في مسمى الغرة. قوله: (من أثر الوضوء) من: للتعليل، وأثر: بالإفراد رواية مسلم، وفي رواية أخرى: «من اثار»، وهي رواية البخاري، وأثر الشيء: ما يعقبه ناشئاً عنه، والوضوء: بضم الواو، أي: الفعل. قوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل .. ) أي: من قدر منكم أن يمد ويزيد غرته فليفعل، أي: فليطل غرته، وفي لفظ لمسلم: «فليطل غرته وتحجيله» واقتصر على الغرة في لفظ حديث الباب لدلالته على الآخر. الوجه الثالث: الحديث دليل على فضيلة الوضوء وعظم ثوابه وأنه

стр. 192

سبب لاشتهار هذه الأمة من بين الأمم يوم القيامة، وذلك ببياض وجوههم وأيديهم وأرجلهم. وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (١). والمراد: حلية المؤمن في الجنة من مصوغ الذهب وغيره. الوجه الرابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وقد نسبه الحافظ إلى الحَلِيمِي (٢) وهو من محدثي الشافعية وفقهائهم، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ خص الغرة والتحجيل بهذه الأمة، ولو كان الوضوء لغيرهم لثبت لهم ما ثبت لهذه الأمة. والقول الثاني: أن الوضوء ليس مختصاً بهذه الأمة، بل كان موجوداً فيمن قبلهم، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، والدليل على عدم اختصاصها بالوضوء حديث أبي هريرة ﵁ في قصة سارة زوج الخليل ﵊ وفيه أن سارة لما طلبها الجبار وأرسل بها الخليل إليه، فقام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، فقالت: «اللهم إن كنتُ آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليَّ الكافر .. الحديث» (٣). فهذا صريح في العمل بالوضوء قبل هذه الأمة، وكذا ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً - في قصة جريج الراهب، وفيها: «فتوضأ وصلى» (٤). وهذا هو الأظهر - إن شاء الله تعالى - لقوة دليله، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي أبعدُ من أيلةَ من عدن، لهو أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه»،

стр. 193

قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ؟ قال: «نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تَرِدُونَ عليَّ غراً محجلين من أثر الوضوء» (١). فهذا يدل على أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل؛ لأنه جعل ذلك علامة لهم دون غيرهم من الأمم. الوجه الخامس: اختلف العلماء في مجاوزة محل الفرض في الوضوء على قولين: الأول: أنه لا تشرع الزيادة على محل الفرض، وهذا مذهب المالكية والظاهرية، وبعض فقهاء الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه (٢)، واختار هذا القول جمع من المحققين، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وتلميذه ابن القيم (٤). القول الثاني: تشرع الزيادة على المحل المفروض، على تفصيل عندهم في كيفية ذلك، وهذا قول الشافعية (٥)، وطائفة من فقهاء الحنفية (٦)، والحنابلة، وهي رواية ثانية عن الإمام أحمد، وهو مذهب أبي هريرة، وابن عمر ﵄، فقد أخرج ابن أبي شيبة، وأبو عبيد (٧) عن ابن عمر ﵄: (أنه كان يتوضأ في الصيف فربما بلغ في الوضوء إبطيه). قال النووي: (اختلفوا في قدر المستحب على أوجه: أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت، والثاني: يستحب إلى

стр. 194

نصف العضد والساق، والثالث: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا كله .. ) (١). وأما الزيادة في الوجه فهي غسل شيء من مقدم الرأس. واستدل الأولون القائلون بعدم جواز مجاوزة محل الفرض بالكتاب والسنة، والنظر. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ … ﴾ الآية. ووجه الدلالة: أن الله تعالى حد محل الفرض من أعضاء الوضوء المغسولة والممسوحة، والآية من اخر ما نزل من القران، والتحديد يقتضي عدم الزيادة على ما حدد، وإلا لم يكن للتحديد فائدة. وأما السنة فإن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ كعثمان وعلي وعبد الله ابن زيد وغيرهم ﵃ لم يذكر واحد منهم أنه زاد عن المحل الذي أمر بغسله أو مسحه، بل كان يغسل ذراعيه حتى يُشرع في العضد لإدخال المرفقين، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساق لإدخال الكعبين - كما في لفظ مسلم المتقدم - ولم ينقل عنه زيادة على ذلك، ولو كانت الزيادة مشروعة لبينها النبي ﷺ وفعلها ولو مرة واحدة. وأما النظر فمن وجوه: الأول: أن الزيادة على المحل تؤدي إلى تداخل الأعضاء، فإذا زيد في غسل الوجه تعدى إلى الرأس وأصبح الممسوح مغسولاً، والوجه مستقل والرأس مستقل، وإن قيل: الغرة في الوجه أن يغسل إلى صفحتي العنق، فالعنق عضو مستقل ليس من أعضاء الوضوء. الثاني: أن الزيادة تؤدي إلى كون غير المأمور به مأموراً به، كالعضد فإنه ليس من أعضاء الوضوء. الثالث: أن الغرة لا يمكن إطالتها - كما تقدم - فإنها مختصة بالوجه،

стр. 195

فإذا دخلت في الرأس لا تسمى غرة، إذ لا غرَّة في الرأس (١). أما القائلون بمشروعية الزيادة على محل الفرض فعمدتهم قوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) قالوا: فأبو هريرة ﵁ قال ذلك بفهمه، فهو تفسير، وتفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر يجب قبوله، ولأنه لم يفعله من تلقاء نفسه، بل إنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك، كما تقدم في الكلام على تخريج الحديث. والصواب القول الأول، لقوة دليله، وهو أنه لا يزاد على القدر الواجب، إلا لقصد استيعاب محل الفرض، وهو الذي يدل عليه إشراع النبي ﷺ في العضد والساق. وأما حديث الباب فإن قوله: (فمن استطاع) مدرج من كلام أبي هريرة ﵁ كما تقدم - وما فعله اجتهاد منه ﵁، بدليل ما تقدم - أيضاً - في قصته مع أبي حازم. وأما فعل النبي ﷺ فليس من باب مجاوزة محل الفرض، وإنما لاستيعاب الفرض كما تقدم، والله أعلم.

стр. 196

حكم التيمن في الأمور ومنها الوضوء ٤٤/ ١٣ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيمُّن في تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع، وأولها في كتاب «الوضوء» باب «التيمن في الوضوء والغسل» (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨) (٦٧) من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه (١)، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (كان يحب التيمن في شأنه كله، في نعليه وترجله وطهوره). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يعجبه) أي: يسره ويرضيه، وفي لفظٍ: (يحب التيمن) وقد علمت عائشة حبه للتيمن إما بإخباره لها بذلك، أو بالقرائن، قال ابن بطال: (وبدؤه ﵇ بالميامن في شأنه كله - والله أعلم - هو على وجه التفاؤل من أهل اليمين باليمين؛ لأنه ﵇ (كان يعجبه الفأل الحسن)) (٢). قوله: (التيمن) مصدر تيمن تيمُّناً، مثل تعلَّم تعلُّماً، والتيمن من الألفاظ المشتركة فيطلق على التبرك بالشيء من اليُمن - بضم الياء - وهو البركة،

стр. 197

ويطلق على الابتداء باليمين قبل الشمال، وهو المراد هنا، وورد في لفظ: (يحب التيمن ما استطاع) (١) وهذا يفيد محافظته ﷺ على التيمن ما لم يمنع مانع - كما سيأتي إن شاء الله ـ، وقد ورد - أيضاً - عند ابن حبان: (كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله) (٢)، قال المُطَرِّزِي: (يامن وتيامن: أخذ جانب اليمين)، ثم ساق لفظ ابن حبان (٣)، وقال الجوهري: (يقال: يامنْ يا فلان بأصحابك، أي: خذ بهم يمنةً، ولا تقل: تيامن بهم، والعامة تقوله) (٤). قوله: (في تنعله) التَّنَعُّلُ: لبس النعل، وهو مصدر تَنَعَّلَ، كالتقدُّم مصدر تقدَّم. قال في «مختار الصحاح»: (تقول: نَعَلَ وانتعل، أي: احتذى) (٥)، وقد أَهمل المصدر، فلم يذكره، ولعله أُهمل اكتفاء بدلالة فعله عليه، وفي لفظ لمسلم: (في نعله) أي: في لبس نعله. قوله: (وترجله) أي: تسريح شعره ودهنه وتجميله. تقول: رَجَّلْتُ الشعر ترجيلاً: سرحته. سواء أكان شعرك أم شعر غيرك، وترجلت: إذا كان شعر نفسك (٦). قوله: (وطُهوره) بضم الطاء، والمراد به فعل الطهارة في الوضوء والغسل، وأما بالفتح: فهو الماء الذي يتطهر به، كما تقدم. ونقل ابن الأثير وغيره عن سيبويه: أن الطَّهور بالفتح يقع على الماء وعلى المصدر معاً (٧)، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد: التطهُّر، كما مضى. قوله: (وفي شأنه كله) هذا تعميم بعد تخصيص، والشأن: الأمر، أي:

стр. 198

في جميع أموره، و (كله) تأكيد لهذا التعميم، لكن هذا العموم مخصوص بمثل دخول الخلاء والامتخاط والاستنجاء، وغير ذلك مما يكون باليسار، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية البداءة بالرجل اليمنى في لبس النعل ومثلها الجوارب والخفاف، وكذلك لبس الثياب والسراويل فيبدأ بالكم الأيمن ثم الأيسر. أما عند نزع النعل فإنه ينزع اليسرى أولاً؛ لأن الانتعال للرِّجْلِ أفضل من الحفاء، وكذا في نزع الثياب والسراويل، قال الخطابي: (إذا كان معلوماً أن لبس الحذاء صيانة للرجل ووقاية لها، فقد أعلم أن التبدية به لليمنى زيادة في كرامتها، وكذلك التبقية لها بعد خلع اليسرى) (١). الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية البداءة بالجانب الأيمن من الرأس عند ترجيله، وكذا عند حلقه، فيعطي الحالق شقه الأيمن أولاً، ثم شقه الأيسر، وعلى هذا فالتيامن في الحلق منظور فيه إلى المحلوق لا إلى الحالق، وهو الأظهر، لما ورد في حديث أنس ﵁ في حجة النبي ﷺ وفيه: (ثم قال للحلاق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر .. ) (٢). الوجه الخامس: مشروعية البداءة باليمين في الوضوء والغسل، فيغسل في الوضوء اليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى، وفي الغسل يبدأ بغسل الشق الأيمن من البدن قبل الأيسر. قال ابن المنذر: (وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه بدأ فغسل يده اليمنى ثم اليسرى في وضوئه، وكذا يفعل المتوضئ إذا أراد اتباع السنة) (٣). وقال النووي: (أجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه)،

стр. 199

وقال: (ثم اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان والكفان والخدان بل يغسلهما دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين، والله أعلم) (١). الوجه السادس: ظاهر الحديث مشروعية البداءة باليمين في كل شيء، لكن خصَّ العلماء ذلك فيما كان من باب التكريم، كالأخذ والإعطاء، ولبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد وميمنة المسجد، والانتعال، والأكل والشرب وهو واجب باليمين، والمصافحة، والاكتحال، والسواك، وحلق الرأس فيبدأ بالجانب الأيمن. وما كان بخلاف ذلك فله اليسار كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثياب، والسراويل والخف. وقد جاء من أدلة التخصيص حديث حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ (كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك) (٢). وعن عائشة قالت: (كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى) (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 200

الأمر بالبدء بالميامن في الوضوء ٤٥/ ١٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث ساقه الحافظ بلفظ يختلف عما عزاه إليه من كتب السنة، وذلك أن الحديث باللفظ المذكور لابن ماجه فقط (٤٠٢) وأما الباقون فلفظهم يختلف، فأبو داود أخرجه في «كتاب اللباس» (٤١٤١) ولفظه: «إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم». وكذا أخرجه ابن خزيمة بهذا اللفظ في «أبواب الوضوء وسننه» (١/ ٩٠)، والترمذي أخرجه في «اللباس» أيضاً (١٧٦٦) ولفظه: (كان رسول الله ﷺ إذا لبس قميصاً بدأ بميامنه)، وكذا أخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٤٨٢) بهذا اللفظ، كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ وقد رواه عن الأعمش زهير بن معاوية وشعبة. وبهذا يتضح أن الحديث ورد بصيغة الأمر عند أبي داود وابن ماجه وابن خزيمة فهو من السنة القولية، وورد بصيغة الإخبار عن فعل الرسول ﷺ عند الترمذي والنسائي، فهو من السنة الفعلية. وعلى هذا فنسبة الحديث باللفظ المذكور إلى الأربعة وابن خزيمة ليست جيدة؛ ولذا فإن المزي لم يَعْزُ الحديث إلى الترمذي والنسائي (١)، وكذا قال ابن الملقن: (إن الترمذي لم يروه بالكلية بل ذاك حديث اخر) (٢).

стр. 201

والحديث إسناده صحيح، صححه ابن خزيمة، كما ذكر الحافظ، ونقل الزيلعي عن ابن دقيق العيد أنه قال في «الإمام»: (هو جدير بأن يصحح) (١) وصححه أيضاً ابن الملقن (٢)، وقال النووي: (هذا حديث حسن، وإسناد جيد) (٣). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا توضأتم) أي: شرعتم في الوضوء، فيدخل في ذلك ما في بداية الوضوء، كغسل الكفين فيبدأ باليمنى قبل اليسرى، وما في أثناء الوضوء من غسل اليدين والرجلين، لكن تقدم في كلام النووي أن غسل الكفين يكون دفعة واحدة. قوله: (بميامنكم) جمع ميمنة، والمراد: اليمين، والميمنة ضد الميسرة، قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ *وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٨، ٩]. الوجه الثالث: مناسبة ذكر هذا الحديث بعد حديث عائشة المتقدم أنه يدل على البدء باليمين في الوضوء بصيغة الأمر، فهو من السنة القولية، وما تقدم من قبيل السنة الفعلية، لكنه قدم حديث عائشة ﵂، لكونه أصلاً في التيمن على سبيل العموم، ولأنه أقوى من حديث أبي هريرة ﵁. وظاهر هذا الحديث وجوب البداءة باليمين قبل اليسار في غسل اليدين والرجلين، ويؤيد ذلك أن الأصل في الأمر الوجوب، ولأن الرسول ﷺ واظب على البدء باليمين في غسل يديه ورجليه، كما في حديث عثمان وعبد الله بن زيد وعلي، وغيرهم، ﵃، وقوله وفعله ﷺ يفسر قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. وقد اختار القول بالوجوب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ونسبه الرازي إلى أحمد (٤)، قال الزركشي: (وهو منكر) (٥)، ونقله الرافعي من

стр. 202

الشافعية عن أحمد أيضاً (١)، ولم أقف على ذلك فيما اطلعت عليه من كتب الحنابلة، لا سيما «المغني» و «الإنصاف»، بل قال ابن قدامة: (ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى، لا نعلم فيه خلافاً .. ) (٢). وعلى هذا فالجمهور من أهل العلم على أن البداءة باليمين مستحبة، وقد بوّب ابن خزيمة (٣) على هذا الحديث بقوله: (باب الأمر بالتيامن في الوضوء أمر استحباب لا أمر إيجاب)، والأمر في هذا الحديث مصروف عن ظاهره وهو الوجوب إلى الندب، والصارف له الآية الكريمة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فإن الله تعالى أمر بغسل الأيدي والأرجل، ولم يذكر فيه تقديم اليمنى، وذلك يدل على أن الواجب غسل اليدين والرجلين بأي صفة كان. والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضواً، ولا يجب الترتيب في العضو الواحد. ومما صرف الحديث - أيضاً - ما تقدم عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن .. الحديث، فهذا يدل على أن تقديم اليمنى في الطهارة إنما هو على سبيل الحب لذلك والسرور به، لا على سبيل الإيجاب والإلزام، ولو كان ذلك على سبيل الحتم لبيَّنته ﵂؛ لأنها فقيهة عالمة بهدي النبي ﷺ ، وذكر التنعل والترجل مع الطهور دليل على أن الأمر موسع فيه. وقد مضى أن الإجماع قد انعقد على أن البدء باليمين إنما هو على سبيل الندب، كما نقله النووي وابن قدامة، والله أعلم.

стр. 203

الاكتفاء بمسح الناصية مع العمامة ٤٦/ ١٥ - وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالخُفَّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ. يظهر أن الحافظ ساقه لبيان جواز الاكتفاء بمسح بعض الرأس، فإنه استدل به في «فتح الباري» (١) على أن تعميم الرأس بالمسح ليس بفرض، وإلا فموضوع المسح على العمامة والمسح على الخفين سيأتي في باب مستقل بعد باب «الوضوء». ولا حجة في الحديث على ذلك، وقد يبدو عند التأمل أن للحافظ غرضاً غير ما ذكر، فإنه لو كان غرضه مسح الرأس لذكره هناك مع أحاديث مسح الرأس، وهو هاهنا قد ذكره بعد حديث: «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم» وذكر بعده حديث: «ابدؤوا بما بدأ الله به» فذكر الحديث الأول في الترتيب بين الأعضاء المثناة كاليدين والرجلين، ثم ذكر حديث المغيرة في الترتيب بين أجزاء العضو الواحد وهو الرأس، فابتدأ بمسح الناصية، وهي مقدم الرأس، ثم مسح العمامة وهي على وسط الرأس ومؤخره، ثم ذكر حديث جابر في الترتيب بين الأعضاء المختلفة، والله أعلم. والكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي ﵁، أسلم عام الخندق، وقدم مهاجراً، وكان أول غزوة شهدها الحديبية، وكان ممن يخدم النبي ﷺ في وضوئه، روى عنه من أولاده عروة، وحمزة، ومولاه وَرَّاد،

стр. 204

وأبو بردة بن أبي موسى، وكان من دهاة العرب، تولى على البصرة، ثم على الكوفة مرتين، مرة في عهد عمر ﵁، والثانية في عهد معاوية ﵁، ومات بالكوفة سنة خمسين (١). الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٧٤) (٨٣) من رواية بكر ابن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، بلفظ: (وعلى العمامة وعلى الخفين) بزيادة (على) الثانية، خلافاً لما في البلوغ. وقد وهم ابن الجوزي فنسب الحديث إلى الصحيحين (٢)، وقد تعقب ابنَ الجوزي ابنُ عبد الهادي (٣)، وبين أنه من أفراد مسلم، وقد صرح عبد الحق الإشبيلي في «الجمع بين الصحيحين» (٤) أنه من أفراد مسلم، «التلخيص» وذكر ابن الملقن أن النووي وقع في هذا الوهم - أيضاً ـ (٥). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (على ناصيته) الناصية: الشعر الذي يكون في مقدم الرأس، وقيل: مقدم الرأس مطلقاً، سواء أكان فيه شعر أم لا. الوجه الرابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث - كما تقدم - على أنه يجزئ مسح بعض الرأس ولا يلزم تعميمه، وقد يكون المؤلف ذكره هنا لهذا الغرض كما تقدم، ولا حجة فيه - كما ذكرنا في موضوع مسح الرأس - لأنه ﷺ مسح على الناصية وكَمَّلَ على العمامة، فلم يقتصر على الناصية حتى يُحْتَجَّ به على جواز مسح بعض الرأس، بل إذا لبس العمامة مسح عليها وما ظهر من الرأس، وإذا كان مكشوفاً مسحه كله، كما ثبت في حديث عبد الله بن زيد وغيره مما تقدم، قال ابن القيم: (ولم يصحَّ عنه ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة .. ) (٦)، والله تعالى أعلم.

стр. 205

وجوب الترتيب في الوضوء ٤٧/ ١٦ - عَن جَابِرِ بنِ عبد الله ﵄ في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ﷺ : «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، هكذا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلمٍ بِلَفْظِ الْخَبَرِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري السلمي، صحابي، وأبوه صحابي ﵄، من مشاهير الصحابة، ومن المكثرين من الرواية عن رسول الله ﷺ ، روى عن النبي صفة الحج، وعُني بذلك، وحديثه في الحج منسك مستقل، وسيذكره المصنف في كتاب «الحج»، ورد في الصحيح أنه كان مع من شهد العقبة، وغزا مع النبي ﷺ جميع غزواته، سوى غزوة بدر وأحد، حيث منعه أبوه ليكون عند أخواته، فقد أخرج مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة)، قال جابر: (لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، فلما قتل عبد الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط) (١). كان له في مسجد رسول الله ﷺ حلقة يلقي فيها الحديث والعلم، كُفَّ بصره في اخر عمره، وقد ورد ما يدل على ذلك في سياق حجة النبي ﷺ (٢)، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين ﵁ (٣).

стр. 206

الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم (١٢١٨) بطوله في «صفة حج النبي ﷺ » من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁، وقد جاء فيه ولفظه: (فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، «أَبدأُ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا .. الحديث)، وهذا بلفظ الخبر، وأخرجه النسائي في الصغرى (٥/ برقم ٢٩٦٢) بلفظ الأمر، وكذا أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٤) وصححه ابن الملقن (١)، فقال: (رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم) وقد أخرجه - أيضاً - في الكبرى (٢/ ٤١٣)، وعزاه إليه المزي (٢). وأخرجه النسائي أيضاً (٥/ برقم ٢٩٧٠) بلفظ: (نبدأ بما بدأ الله به .. ) وكذا أخرجه أبو داود (١٩٠٥)، والترمذي (٨٦٢)، وابن ماجه (٣٠٧٤). وقدم المصنف رواية النسائي؛ لأنها بصيغة الأمر، وهو يفيد الحتم والإلزام، أما صفة الخبر فهي تدل على أن النبي ﷺ مهتدٍ بهدي القران، وذلك أعم من أن يدل على وجوب أو استحباب. وقد نفى الألباني وجود الحديث في «السنن الصغرى»، وشكك في وجوده بلفظ الأمر في «الكبرى» مع أنه موجود فيهما، كما تقدم. وقد حكم على لفظة (ابدؤوا) بلفظ الأمر بالشذوذ؛ لأنه تفرد بها سفيان الثوري وسليمان بن بلال، مخالفين بقية الثقات الذين رووا الحديث عن جعفر بن محمد بلفظ الخبر .. وهم سبعة، وقد سرد أسماءهم وعزا مروياتهم في «الإرواء» (٣) ومنهم الإمام مالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل المدني وغيرهم، وقد ورد عند الدارقطني (٢/ ٢٥٤) من طريق الهيثم بن معاوية الزمرائي، عن حاتم بن إسماعيل بلفظ الأمر، لكن بقية الرواة عن حاتم رووه بلفظ الخبر، لكن ينبغي أن ينظر في تفرد سفيان

стр. 207

الثوري، فهو إمام حجة، لم يخالفه أحد إلا كان القول قوله، كما قال ابن معين وغيره، وقد يكون الخطأ ممن روى عنه، وهو ابن عيينة وقبيصة كما عند الدارقطني (٢/ ٢٥٤) والفريابي وقبيصة معاً عند البيهقي (١/ ٨٥). وقال ابن دقيق العيد: (والحديث في الصحيح، لكن بصيغة الخبر «نبدأ»، و «أبدأ» لا بصيغة الأمر، والأكثر في الرواية هذا، والمخرج للحديث واحد) (١). وزاد فيما نقل عنه الحافظ: (وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية (نبدأ) بالنون التي للجمع). قال ابن حجر عقبه: (قلت: وهم أحفظ من الباقين) (٢)، وهذا هو الصواب إن شاء الله، إذ لا يمكن القول بتصحيح اللفظ الآخر؛ لأن الحديث واحد، ولم يتكلم به النبي ﷺ إلا مرة واحدة، عند صعوده على الصفا، فلا بد من الترجيح، والله أعلم. الوجه الثالث: هذا الحديث - كما تقدم - ورد في سياق «حجة النبي ﷺ » وقد ساقه الحافظ هنا في باب «الوضوء»، ليستدل به على وجوب الترتيب في غسل الأعضاء فيبدأ أولاً بغسل الوجه ثم اليدين .. إلخ، كما ذكر الله تعالى في القران، فما بدأ الله به خبراً وأمراً، نبدأ به فعلاً وامتثالاً؛ لأن كلامه كلام حكيم، لا يبدأ ذكراً إلا بما يستحق أن يبدأ به فعلاً، وقد رتبها النبي ﷺ هكذا، كما تقدم، فيجب علينا التأسي به ﷺ وأن نرتب أعضاء الوضوء، كما رتبها ﵊. وهذا مبني على القاعدة الأصولية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاللفظ المذكور وإن كان ورد في موضوع السعي بين الصفا والمروة إلا أنه لفظ عام فيعمل بعمومه، وأن كل ما بدأ الله به نبدأ به، وتكون اية الوضوء مندرجة في ذلك العموم، فعلى رواية الأمر يكون الوجوب ظاهراً، وعلى رواية الخبر فلأن الظاهر من فعله ﷺ هو بيان المناسك، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» (٣) لأن الظاهر أن المراد بيان الواجب لا بيان الأفضل، والله أعلم.

стр. 208

الوجه الرابع: اعلم أن الترتيب في الوضوء ثلاثة أنواع: ١ - ترتيب بين فرض وفرض، وهي الأعضاء الأربعة المذكورة في القران، كغسل اليدين بعد غسل الوجه، وهذا محل النزاع. ٢ - ترتيب بين مسنون ومسنون، كالمضمضة قبل الاستنشاق على القول بسنيتهما. ٣ - ترتيب بين مسنون وفرض، كالمضمضة وغسل الوجه، والجمهور على أن الترتيب بين المسنون والمسنون، والمسنون والفرض سنة، وليس بواجب؛ لأن أصل المسنون فعلٌ غيرُ واجب، فإذا انتفى الوجوب عن الأصل، انتفى الوجوب عن كيفية الفعل من باب أولى، لكن على القول بوجوب المضمضة والاستنشاق فإنه يشملهما الخلاف في النوع الأول. وقد ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف في ترتيب أفعال الوضوء أمران: ١ - أن واو العطف قد تفيد الترتيب وقد لا تفيده. ٢ - اختلافهم في أفعال النبي ﷺ هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب (١)؟. فالقول الأول: وجوب الترتيب في الوضوء، فيبدأ بغسل الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين، ومن قدم عضواً على اخر لم يصح وضوؤه، وهذا قول أحمد والشافعي (٢) واختاره أبو عبيد (٣)، واستدلوا بدليلين: ١ - اية المائدة، ووجه دلالتها على الترتيب: أن الله تعالى لما ذكر أعضاء الوضوء الأربعة أدخل الممسوح وهو الرأس بين المغسولين، وهما: اليدان والرجلان، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، ولو لم يكن الترتيب واجباً لجمعت الأشياء المتجانسة، ولم يقطع النظير عن نظيره. ٢ - أن كل من وصف وضوء النبي ﷺ حكاه مرتباً بـ (ثم)، كما في

стр. 209

حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهم ﵃، ولم يذكر أحد منهم أنه قدم عضواً على غيره على خلاف الآية، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى، كما تقدم في الوجه الأول. القول الثاني: أن الترتيب غير واجب، فمن قدم عضواً على اخر فوضوؤه تام، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي (١)، ورواية عن أحمد، ذكرها أبو الخطاب (٢)، وبه قال جماعة من السلف، واختاره ابن المنذر (٣). واستدلوا بدليلين: ١ - حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ في وصف وضوء النبي ﷺ وفيه: (فغسل كفيه ثلاثاً، ووضَّأ وجهه ثلاثاً، ومضمض واستنشق مرة .. ) وفي لفظ: (فيبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثاً، ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثاً، ثم يمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً .. ) (٤). ٢ - أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ممتثلاً. والراجح القول الأول، وهو وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، لقوة دليله، قال أبو داود: (سمعت أحمد قيل له: إذا قدم وضوءه بعضه قبل بعض؟ قال: لا يجوز حتى يأتي به على الكتاب والسنة) (٥). وأما دليل أصحاب القول الثاني وهو حديث الربيِّع فعنه جوابان: الأول: أنه حديث معلول؛ لأنه من رواية محمد بن عبد الله بن عقيل وقد مضى ما فيه. الثاني: على فرض صحته، فتقديم المضمضة والاستنشاق تقديم مسنون

стр. 210

على واجب، والجمهور على جوازه، على القول بسنيتهما، أو أن المضمضة والاستنشاق من الوجه. وأما قولهم: إن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء وعطف بعضها على بعض بالواو فهذا صحيح، لكن بين النبي ﷺ بفعله أن الواو في الآية للترتيب، لا لمطلق الجمع، وفعله ﷺ تفسير لما في كتاب الله تعالى، ويكون محمولاً على الوجوب؛ لأن أفعال النبي ﷺ إذا كانت بياناً لواجب فهي واجبة، ويؤيد ذلك عموم «ابدؤوا بما بدأ الله به» كما تقدم، أما بالنسبة للمضمضة والاستنشاق ففي تقديمها على غسل الوجه قولان: الأول: أنه يستحب البداءة بهما قبل غسل الوجه، وهذا هو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، قالوا: لأن وجوبهما إنما ثبت بالسنة، والترتيب إنما وجب بدلالة القرآن معتضداً بالسنة، ولم يوجد ذلك فيهما. القول الثاني: أنه يجب البداءة بهما قبل الوجه، وهذا قول في مذهب الحنابلة (١)، وذكر النووي أن الترتيب بينهما وبين أعضاء الوضوء شرط (٢). واستدلوا بأن كل من وصف وضوء النبي ﷺ كما في الأحاديث الصحيحة ذكر أنه بدأ بالمضمضة والاستنشاق، وقد رتب الرواة أعضاء الوضوء بـ (ثم) في معرض البيان، وهي للترتيب، والله أعلم.

стр. 211

إدخال المرفقين في الوضوء ٤٨/ ١٧ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في «سننه» (١/ ٨٣ رقم ١٥) من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، عن جده، عن جابر ﵁، به. وإسناده ضعيف جداً، وقد ذكره الحافظ ليُعلم حاله وأنه ضعيف، لكنه لم يذكر ما يقوم مقامه، وضَعْفُهُ من أجل القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، فقد نقل الذهبي عن ابن معين قوله: (ليس بشيء) (١)، وقال أبو حاتم: (متروك الحديث)، وقال الإمام أحمد: (ليس بشيء)، وقال أبو زرعة: (أحاديثه منكرة، وهو ضعيف الحديث) (٢)، وعبد الله بن عقيل تقدم الكلام فيه. والمتروك: من يُتهم بالكذب، ومن يُكثر الغلط، لكن حاله أحسن من حال الوضاع بقليل، فإذا قيل: أطبقوا على تركه، فهذا أشد، بخلاف: تركه فلان. الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب غسل المرفقين في الوضوء؛ لأن النبي ﷺ كان يدير الماء على مرفقيه، وهذا الحكم دل عليه الحديث، وعليه فمتنه صحيح، لكن إسناده ضعيف، ويغني عنه ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁: أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى

стр. 212

حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد .. الحديث، وفي اخره قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ .. الحديث (١). فهذا نص صحيح في دخول المرفقين في غسل اليدين ودخول الكعبين في غسل الرجلين، ويكون دليلاً على دخول الغاية، وتكون (إلى) في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بمعنى (مع)؛ لأن السنة تفسر القران وتبينه، وقد مضى بيان ذلك في حديث عثمان ﵁، ثاني أحاديث باب «الوضوء»، والله أعلم.

стр. 213

حكم التسمية في الوضوء ٤٩/ ١٨ - عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا وُضوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ. ٥٠/ ١٩ - وَلِلترْمِذِيِّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. ٥١/ ٢٠ - وَأَبِي سَعْيدٍ نَحْوُهُ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، كان من السابقين إلى الإسلام، وزوجته فاطمة بنت الخطاب، أخت عمر بن الخطاب، وفي بيته كان إسلام عمر ﵁، شهد المشاهد كلها إلا غزوة بدر؛ لأنه كان غائباً في الشام، وشهد اليرموك وفتح دمشق، وكان من فضلاء الصحابة ﵃، ذكر الذهبي أن لسعيد ثمانية وأربعين حديثاً اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثالث (١) وقصته مع أروى بنت أنيس مشهورة في إجابة دعائه عليها، وهي في «الصحيحين» (٢)،

стр. 214

وسيأتي ذكرها - إن شاء الله - في باب «الغصب» من كتاب «البيوع» مات سنة خمسين ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجها: أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٢٤٣)، وأبو داود (١٠١) في كتاب «الطهارة» باب «التسمية على الوضوء»، وابن ماجه (٣٩٩) من طريق يعقوب بن سلمة الليثي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، ولفظه: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهذا إسناد ضعيف، لأمرين: الأول: جهالة يعقوب بن سلمة الليثي ووالده، وقد ذكر الحافظ أن يعقوب بن سلمة شيخ قليل الحديث، ما روى عنه من الثقات سوى محمد بن موسى بن أبي عبد الله الفطري، وأن أباه مجهول ما روى عنه سوى ابنه (٢)، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (ربما أخطأ) (٣)، وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جداً، كما تقدم. الثاني: أن في اتصاله نظراً، فقد قال البخاري: (لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه) (٤). اهـ. وقد وهم الحاكم فقال: (صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة: دينار) (٥) ووجه الوهم ظَنُّ الحاكم أن يعقوب هو ابن أبي سلمة الماجشون، وليس كذلك، بل هو الليثي، كما تقدم، بإسقاط كلمة (أبي)، قال الذهبي متعقباً الحاكم: (صوابه الليثي .. وإسناده فيه لين (٦)).

стр. 215

وقد ورد للحديث طرق أخرى، وكلها ضعيفة، وله شواهد ذكر منها الحافظ اثنين، وهي: حديث سعيد بن زيد، وحديث أبي سعيد. أما حديث سعيد بن زيد فقد أخرجه الترمذي (٢٥) من طريق أبي ثِفَال المُرِّي، عن رباح بن عبد الرحمن، عن جدته، عن أبيها سعيد بن زيد مرفوعاً: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهذا إسناد ضعيف، فأبو ثِفال - واسمه: ثمامة بن وائل بن حصين - روى عنه جماعة، لكن قال البخاري: (في حديثه نظر)، قال الحافظ: (وهذه عادته فيمن يضعفه) (١)، وقال ابن حبان عن حديثه هذا: (ولكن في القلب من هذا الحديث؛ لأنه قد اختلف على أبي ثفال فيه … ) (٢)، وذكره الذهبي فقال: (ما هو بقوي، ولا إسناده يمضي) (٣)، وقال الحافظ في «التقريب» عن أبي ثفال: (مقبول). وأما رباح بن عبد الرحمن فقد قال عنه أبو حاتم وأبو زرعة: (إنه مجهول) (٤)، أما ابن حبان فقد ذكره في «الثقات» (٥). وأما جدة رباح - واسمها أسماء بنت سعيد بن زيد، كما جاء في رواية الحاكم (٤/ ٦٠)، وكذا عند البيهقي (١/ ٤٣) - فقد ذُكرت في الصحابة، وقد ترجم لها الحافظ في «الإصابة» في القسم الأول منه (٦)، وقال في «التقريب»: (يقال: «إن لها صحبة»)، وقال في «التلخيص»: (وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يُسأل عن حاله) (٧). وذكرها الذهبي في عداد النسوة المجهولات (٨). وقد نقل الترمذي عن البخاري قوله: (أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن) (٩). وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁، فقد أخرجه ابن ماجه (٣٩٧)، وأحمد (١٧/ ٤٦٥)، والترمذي في «العلل الكبير» (١/ ١١٢) وغيرهم من طريق
следующие страницы →