← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

باب صلاة العيدين أي: صفتها وأحكامها، وما يتعلق بذلك. والعيدين: مثنى عيد، وهما عيد الفطر من رمضان: وهو أول يوم من شوال، وعيد الأضحى: وهو العاشر من ذي الحجة. سميا عيدين؛ لأنهما يعودان ويتكرران كل عام، وكل منهما له مناسبة شرعية ومرتبط بعمل جليل وركن من أركان الإسلام، فعيد الفطر مناسبته فراغ المسلمين من صيام شهر رمضان، وعيد الأضحى مرتبط بحج بيت الله الحرام وختام عشر ذي الحجة والتقرب إلى الله تعالى بذبح القربان. وليس في دين الإسلام عيد يتكرر كل عام سوى هذين العيدين، لا عيد ميلاد، ولا عيد معراج، ولا عيد انتصار ولا عيد جلوس على كرسي الملك أو الرئاسة؛ بل كل ذلك مما ابتدعه الناس نتيجة التشبه بالأمم الأخرى، فصار ندًا للأعياد الشرعية. وقد مر بالأمة مناسبات عظيمة من ولادة النبي ﷺ ، وغزوة بدر، والمعراج، وغيرها، ولم يكن لها أعياد مشروعة، فما دونها من باب أولى، ويكفي في ذلك هدي النبي ﷺ فهو خير الهدي. ويوم العيد يوم عبادة وشكر وفرح وسرور، فيه الصلاة وذكر الله تعالى ودعاؤه، وفيه موعظة الناس وتوجيههم، وفيه من الفوائد الاجتماعية والصلات الأسرية والأخوية والفرح والسرور هو المنهج الإلهي الذي جاء من عند الله تعالى لإسعاد البشرية.

стр. 1507

ما جاء من أن الفطر والصوم مع جماعة الناس ٤٨٥/ ١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس". رواه الترمذي. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي (٨٠٢) في كتاب " الصوم" باب " ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون؟ " من طريق يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : … فذكرت الحديث. وهذا الحديث لا بأس برجاله، غير يحيى بن يمان العجلي، فإنه متكلم فيه، قال أحمد: (ليس بحجة)، وقال ابن معين: (أرجو أن يكون صدوقًا)، ومرة قال: (ليس به بأس) (١). وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في نفسه لا يتعمد الكذب، إلا أنه يخطئ ويشتبه عليه) (٢). وقد اختلف في سماع ابن المنكدر من عائشة، لكن قال الترمذي بعد الحديث المذكور: سألت محمدًا يعني البخاري قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: (نعم، يقول في حديثه: سمعت عائشة). وقد ورد حديث الباب عند أبي داود (٢٣٢٤) من طريق أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ﵁ (٣)، وفيه انقطاع، قال ابن معين وأبو

стр. 1508

بكر البزار: (لم يسمع ابن المنكدر من أبي هريرة)، وقال أبو زرعة: (لم يلقه)، وروى الترمذي (٦٩٧) من طريق عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون"، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وفي الأخنس كلام يسير، وقد حسنه أيضًا النووي (١)، فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس، وعلى هذا فلو رأى الهلال وحده وردت شهادته، فإنه لا يصوم إلا مع الناس، ولا يفطر إلا مع الناس. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) لحديث الباب؛ ولأن الشهر هو ما اشتهر وظهر، والهلال ما استهل به وأعلن، وليس ما يظهر في السماء من غير رؤية ولا اشتهار. والقول الثاني: أنه يصوم إذا رأى هلال رمضان، ولا يفطر إذا رأى هلال شوال إلا مع الناس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة (٣)، ووجه ذلك أنه رأى هلال رمضان فلزمه العمل بما رأى، ولأنه يثبت بشهادة واحد، وأما الفطر فلا يفطر؛ لأنه لا يثبت إلا بشاهدين. والقول الثالث: أنه يصوم إذا رأى هلال رمضان، ويفطر إذا رأى هلال شوال سرًا، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه رأى الهلال فيلزمه العمل بما يتقن، ولكن يلزمه سرًا، لئلا يخالف الجماعة (٤). والقول الأول أظهر لقوة دليله، ولأن فيه جمع كلمة المسلمين وعدم تفرقهم، وهذا من أعظم المقاصد الشرعية، والله تعالى أعلم.

стр. 1509

حكم الصلاة إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال ٤٨٦/ ٢ - عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الصحابة: " أن ركبًا جاؤوا فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا، وإذا أصبحوا يغدو إلا مصلاهم". رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه؛ وإسناد صحيح. • الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عمير بن أنس بن مالك، يقال: إن اسمه: عبد الله، وهو أكبر ولد أنس ﵁ كما ورد في "سنن البيهقي" (١) وهو من صغار التابعين، روى له أصحاب السنن غير الترمذي، وتفرد بالرواية عنه أبو بشر جعفر بن إياس أبي وحشية، وصحح حديثه غير واحد من أهل العلم، قال ابن سعد: "كان ثقة قليل الحديث" وذكره ابن حبان في " الثقات"، تفرد ابن عبد البر بتجهيله، ولم يتابع على ذلك؛ لأن من وثقد فقد عرفه، وقد جزم الحافظ في " التقريب" بأنه ثقة (٢). • الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (٣٤/ ١٨٦)، وأبو داود (١١٥٧) في كتاب " الصلاة"، باب " إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد"، والنسائي

стр. 1510

(٣/ ١٨٠) من طريق محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي عمير بن أنس، به. وأخرجه ابن ماجه (١٦٥٣) وفيه: (فجاء ركب من آخر النهار … ). وهذا الحديث إسناده صحيح، صححه إسحاق بن راهويه، والخطابي، والبيهقي، واحتج به أحمد (١)، ونقل الحافظ تصحيحه عن ابن السكن وابن حزم (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الناس إذا لم يعلموا بعيد الفطر إلا بعد الزوال فإنهم يفطرون، ويصلون العيد من الغد في وقتها، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق (٣)، وقال الشافعي: إن عدل الشاهدان قبل الزوال صلوا العيد، وإن عدلا بعد الزوال لم يصلوا يومهم بعد الزوال ولا من الغد (٤)، وقال مالك: تصلي إذا ذهب وقتها (٥). والراجح القول الأول؛ لأن سنة النبي ﷺ أحق أن تتبع، قال ابن المنذر: (حديث أبي عمير بن أنس ثابت، والقول به يجب) (٦)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1511

الأكل يوم الفطر قبل الخروج ٤٨٧/ ٣ - عن أنس ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات". أخرجه البخاري. وفي رواية معلقة - ووصلها أحمد -: "ويأكلهن أفرادًا". • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " العيدين"، باب " الأكل يوم الفطر قبل الخروج" (٩٥٣) من طريق سعيد بن سليمان، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس ﵁ قال: … فذكره. وقال البخاري عقبه: (وقال مرجى بن رجاء: حدثني عبيد الله، قال: حدثني أنس عن النبي ﷺ : " ويأكلهن وترًا"). وهذه الرواية المعلقة وصلها الإمام أحمد (١٩/ ٢٨٧) فقال: حدثني حرمي بن عمارة، قال: حدثني مرجى بن رجاء به، إلا أنه قال: " يأكلهن أفرادًا". وبهذا يتبين وهم الحافظ ﵀ في عزو اللفظ المذكور في " البلوغ" إلى البخاري وأحمد، وإنما هو لأحمد فقط، وأما لفظ البخاري فكما تقدم. • الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب أكل تمرات يوم عيد الفطر قبل الخروج إلى مصلى العيد، هذا هو الأفضل في وقتها أخذًا بظاهر الحديث، فإن أكلها قبل أن يصلي الفجر حصل المقصود؛ لأنه أكلها في النهار، ويستحب أن تكون وترًا، ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك

стр. 1512

يقطعها على وتر؛ لأن الله تعالى وتر يحب الوتر، كما ثبت في " الصحيحين"، ولعل الحكمة من ذلك والله أعلم إظهار المبادرة إلى فطر هذا اليوم الذي أوجب الله فطره، وشكر لله تعالى على إنعامه وفضله، كما أن في ذلك تمييز هذا اليوم بالأكل عن الأيام التي قبله التي كان المسلم فيها صائمًا. وفي ذلك فوائد صحية، فإن المعدة بعد النوم تكون فارغة من الطعام، والجسم قد تحللت مواد عناصره، ويحتاج إلى سرعة إسعاف بما يرد إليه قوته ونشاطه، واسرع مفعول لذلك هو التمر، ولهذا ينبغي الاقتصار عليه، فإن لم يجد تمرًا أكل غيره لتحصل السنة بالأكل قبل الخروج، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1513

حكم الأكل يوم الأضحى قبل الخروج ٤٨٨/ ٤ - عن ابن بريدة عن أبيه قال: " كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي". رواه أحمد، والترمذي، وصححه ابن حبان. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٨/ ٨٧)، والترمذي (٥٤٢) في أبواب " الصلاة"، باب " ما جاء في الأكل يوم الفطر قبل الخروج"، وابن حبان (٢٨١٢) من طريق ثواب بن عتبة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: … فذكره. وهذا الحديث إسناده حسن؛ لأن ثواب بن عتبة صدوق حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح، والحديث صححه ابن حبان، والحاكم (١)، وابن القطان (٢)، قال الحاكم: (هذه سنة عزيزة من طريق الرواية، مستفيضة في بلاد المسلمين). • الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يستحب في يوم الفطر أن يأكل قبل الخروج إلى المصلى كما تقدم؛ وأما في يوم الأضحى فيستحب ألا يأكل شيئًا حتى يصلي. قال ابن القيم: (وكان ﷺ يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمرات، ويأكلهن وترًا، وأما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلى،

стр. 1514

فيأكل من أضحيته) (١)، وقال الشوكاني: (والحكمة في تأخير الفطر يوم الأضحى أنه يوم تشرع فيه الأضحية، والأكل منها، فشرع له أن يكون فطره على شيء منها) (٢)، لكن شرعية أن يكون فطره على شيء منها يحتاج إلى دليل. وقيده كثير من الفقهاء بما إذا كان له أضحية فإنه لا يأكل حتى يضحي، فإن لم يكن لديه أضحية لم يشرع له الإمساك عن الأكل قبل الصلاة، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1515

حكم خروج النساء لصلاة العيد ٤٨٩/ ٥ - عن أم عطية ﵁ قالت: " أمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين؛ يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من " صحيحه"، منها: كتاب " العيدين"، باب "خروج النساء والحيض إلى المصلى" (٩٧٤)، ومسلم (٨٩٠) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية ﵂ قالت: (أمرنا تعني النبي ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين) وهذا لفظ مسلم. والحديث له عدة طرق بألفاظ متعددة، ويبدو أن الحافظ قد تصرف في لفظ الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (العواتق) جمع عاتق، وهي الأنثى التي قاربت البلوغ. قوله: (وذوات الخدور) أي: صاحبات الخدور، وهي جمع خدر، وهو ستر يجعل ناحية البيت للبكر تستتر به. قوله: (الحيض) بضم الحاء وتشديد الياء، جمع حائض، وهي التي أصابها الحيض.

стр. 1516

قوله: (يعتزلن مصلى المسلمين) أي: يتنحين عن مصلى المسلمين، وهو مكان صلاتهم العيد. • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية خروج النساء لصلاة العيد، وظاهره أنه لا فرق بين العجائز والشابات، بشرط أن يكون ذلك على وجه تؤمن معه الفتنة بهن ومنهن، فيخرجن غير متطيبات، ولا متبرجات بزينة، بعيدات عن أماكن الرجال. وخروجهن لصلاة العيد سنة بالشرط المذكور وليس بواجب؛ لأن من جملة من أمر بالخروج من ليس بمكلف وهن الحيض، ولا أعلم أحدًا قال بوجوبها على النساء، ولو قيل بذلك لحصل حرج عظيم، ولا سيما في زماننا هذا. • الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب صلاة العيد على الرجال. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر النساء بحضور صلاة العيد وإخراج العواتق وذوات الخدور، بل أمر من لها جلباب أن تلبس من لا جلباب لها، كما في بعض روايات حديث أم عطية في " الصحيحين"، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلبات، قال: "لتلبسها أختها من جلبابها"، وإذا ثبت هذا في حق النساء فالرجال من باب أولى. وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، واختار هذا القول الصنعاني (٤)، والشوكاني (٥)، وابن سعدي (٦)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٧). وقد نوزع في هذا الاستدلال من وجهين:

стр. 1517

الأول: أن الحديث لا يدل على وجوب صلاة العيد؛ لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن المقصود منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة في الاجتماع، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (١). الثاني: سلمنا أن الأمر للوجوب لكنه مصروف إلى الاستحباب بحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد … " الحديث (٢)، وكذا حديث أنس ﵁ في قصة الأعرابي، وهو ضمام بن ثعلبة، لما سأل رسول الله ﷺ عما يجب عليه من الصلاة، فأجابه ﷺ : " الصلوات الخمس"، فقال: هل علي غيرها؟ قال: " لا، إلا أن تطوع" (٣)، ومثله حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ (٤). والقول الثاني: أن صلاة العيد فرض كفاية، فإذا حضرها بعد الناس سقط الإثم عن الباقين، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وهو من المفردات. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالصلاة: صلاة العيد، والأمر للوجوب؛ ولأن النبي ﷺ داوم على فعلها، وهي من أعلام الدين الظاهرة؛ كالجمعة، وأما كونها غير واجبة على الأعيان فدليله ما تقدم من حديث عبادة وأنس ﵁. والقول الثالث: أن صلاة العيد سنة، وهذا ظاهر قول المالكية والشافعية ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث عبادة وحديث أنس ﵁، وهما يدلان على أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس. والذي يظهر والله أعلم أن صلاة العيد سنة مؤكدة في حق الرجال ينبغي حضورها إلا لعذر شرعي، لمواظبة النبي ﷺ عليها وعدم تركها، إذ ليس مع القائلين بالوجوب دليل قوي، والله تعالى أعلم.

стр. 1518

الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يجوز للحائض المكث في المسجد؛ لأن الرسول ﷺ أمر الحيض أن يعتزلن المصلى، وهذا يدل على أن مصلى العيد مسجد، له حكم المساجد، ولو لم يكن كذلك لما منعت منه الحائض. وأجيب عن ذلك بأن أمر الحيض باعتزال المصلى إنما هو حال الصلاة؛ ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن، فإذا جلست الحائض خلفهن أو قريبًا منهن فلا حرج، ما دام أنها لم تأخذ مكانًا من أمكنة المصلين، وعلى هذا فالاستدلال به على أنه مصلي العيد مسجد غير ظاهر (١)، والله أعلم. * * *

стр. 1519

تقديم الصلاة على الخطبة يوم العيد ٤٩٠/ ٦ - عن ابن عمر ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " العيدين" باب " الخطبة بعد الصلاة" (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: … فذكر الحديث. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن سنة النبي ﷺ وخليفتيه أبي بكر وعمر ﵁ تقديم صلاة العيد على الخطبة، وقد استمر العمل على ذلك حتى جاء مروان فخرج وخطب قبل الصلاة كما سيأتي إن شاء الله، قال ابن قدامة: (وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين، إلا عن بني أمية … ولا يعتد بخلاف بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وقد أنكر عليهم فعلهم، وعد بدعة، ومخالفًا للسنة) (١). وفائدة ذكر أبي بكر وعمر ﵁، بيان أن الحكم لم ينسخ وأنه سنة النبي ﷺ وخليفته ﵁. • الوجه الثالث: قد يأخذ بظاهر هذا الحديث من يقول بأن خطبة العيد واحدة (٢)؛ لقوله: (بعد الخطبة)؛ لأن النبي ﷺ بعد أن أنهى خطبته توجه إلى

стр. 1520

النساء ووعظهن، إما لعدم وصول الخطبة إليهن، أو لأنه أراد أن يخصهن بأمور تناسبهن، أو لكلا الأمرين. والمشهور عند الفقهاء أن للعيد خطبتين، ويستدلون على ذلك بحديث جابر ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ يوم فطر أو أضحى فخطب قائمًا ثم قعد قعدة ثم قام) (١)، وبما أخرجه الشافعي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد الفقهاء السبعة زمن التابعين أنه قال: (السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس) (٢). كما استدلوا بالقياس على الجمعة، قالوا: والقياس يقوي مرسل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ذكر ذلك الشوكاني (٣). وظاهر الأحاديث الصحيحة أن خطبة العيد واحدة، لكن مضى سلف هذه الأمة على أنهما خطبتان، وقد نقل ابن حزم أن هذا مما لا خلاف فيه (٤). وأما ما استدل به الفقهاء فهو غير ناهض على مشروعية الخطبة الثانية؛ لأن حديث جابر منكر سندًا ومتنًا، فإن المحفوظ أن ذلك في خطبة الجمعة، وفي سنده إسماعيل بن مسلم، وقد أجمعوا على ضعفه، كما قال البوصيري (٥)، وفيه أبو الزبير، وهو مدلس، وقد عنعن. وأما المرسل فقد قال عنه النووي: إنه ضعيف (٦)، ومع ضعفه فلا دلالة فيه على الصحيح؛ لأن عبيد الله تابعي كما تقدم والتابعي إذا قال: من السنة كذا، فهو من قبيل الموقوف، لا من قبيل المرفوع، فيكون قول صحابي لم يثبت انتشاره، فلا يحتاج به على الصحيح، وحتى على القول بأنه مرفوع مرسل لا يحتج به. وأما القياس، ففيه نظر، وعلى هذا فالمعول في أن للعيد خطبتين على ما نقله ابن حزم، وما فهمه فقهاء سلف هذه الأمة من النصوص الصحيحة، والله تعالى أعلم.

стр. 1521

حكم النافلة قبل صلاة العيد وبعدها ٤٩١/ ٧ - عن ابن عباس ﵁: " أن النبي ﷺ صلى يوم العيد ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها". أخرجه السبعة. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "العيدين" في عدة مواضع، منها: باب " الصلاة قبل العيد وبعدها" (٩٦٩)، ومسلم (٨٨٤)، وأبو داود (١١٥٩)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٢٩١)، وأحمد (٥/ ٢٤٥) من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، وفي آخره زيادة: (ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خرصها وتلقي سخابها). • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية صلاة النافلة قبل صلاة العيد ولا بعدها؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولا أمر به، فليس بمشروع في حقه فلا يكون مشروعًا في حقنا. وهذا قول جماعة من الصحابة والتابعين، منهعم: ابن عمر وعلي وابن مسعود ﵁، والحسن وسعيد رحمهما الله، وغيرهم، كما حكاه ابن المنذر (١). والقول الثاني: جواز الصلاة في مصلى العيد قبل الصلاة وبعدها إذا دخل المصلي بعد ارتفاع الشمس؛ لأن الصلاة مباحة في كل وقت إلا في

стр. 1522

أوقات النهي، ولم يثبت في المنع دليل، وهذا مروي عن أنس بن مالك وأبي هريرة ﵁ كما حكاه ابن المنذر، وهو منصوص الإمام الشافعي (١)، واختيار ابن المنذر (٢)، وابن حزم (٣). وهذا هو الراجح، فإن المنع ليس عليه دليل، والنبي ﷺ لم ينه عن التنفل في المصلى، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، فمن دخل مصلى العيد صلى تحية المسجد مطلقًا، فإن لم يكن وقت نهي جاز له أن يتنفل. وأما حديث الباب فلا حجة فيه؛ لأنه وارد في حق الإمام، فإن ابن عباس ﵁ إنما نفى صلاة النبي ﷺ وقبلها أو بعدها، وقد أجمع العلماء على أنه ﷺ لم يكن يصلي قبل العيد ولا بعدها في موضعها، وأما المأموم فلم يرد في حقه على منعه من التنفل فيبقى على الأصل. فإن صليت العيد في بعض المساجد كما يحصل في زماننا هذا شرع للداخل أن يؤدي تحية المسجد، كما لو دخل لغير صلاة العيد قولًا واحدًا، بناءً على القول بجواز ذوات الأسباب في أوقات النهي، كما تقدم في " المواقيت" والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1523

ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد ٤٩٢/ ٨ - وعنه ﵁: " أن النبي ﷺ بلا أذان ولا إقامة". أخرجه أبو داود، وأصله في البخاري. • الكلام على وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الصلاة"، باب " ترك الأذان في العيد" (١١٤٧) من طريق يحيى، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة وأبا بكر وعمر أو عثمان. شك يحيى، وهو ابن سعيد القطان، قال الحافظ: (إسناده صحيح) (١). وهذا الحديث أصله في البخاري (٩٥٩)، ومسلم (٨٨٦) من طريق ابن جريج أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له، أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر، فلا يؤذن لها، قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير، وأرسل مع ذلك، إنما الخطبة بعد الصلاة … • الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة، ولا نداء بأي لفظ كان، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الاتفاق على أنه لم يفعل شيء من ذلك في عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين، وقد حكى ذلك الإمام مالك في " موطئه"، وقد قدم في باب الأذان حديث جابر بن

стр. 1524

سمرة ﷺ قال: صليت مع النبي ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة (١)، وقد مضى الكلام على هذه المسألة في باب "الأذان"، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 1525

جواز التطوع بركعتين بعد الرجوع من المصلى ٤٩٣/ ٩ - عن أبي سعيد ﵁ قال: " كان النبي ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين". رواه ابن ماجه بإسناد حسن. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب " إقامة الصلاة"، باب " ما جاء في الصلاة قبل العيد وبعدها" (١٢٩٣) وأحمد (١٧/ ٣٢٣ - ٣٢٤) وابن خزيمة (١٤٦٩) والحاكم (١/ ٢٩٧) من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به. وهذا سند حسن كما قال الحافظ؛ لأن فيه ابن عقيل وهو متكلم فيه، كما تقدم (١)، وخلاصة ما قيل فيه: إنه صدوق، في حديثه لين، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن إذا لم يخالف، لكن يبدو أنه قد اضطرب في هذا الحديث، فقد رواه أحمد بن عبد الملك بن واقد، عن عبيد الله به، ولفظه (كان رسول الله ﷺ يأكل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى) (٢)، وأحمد ثقة، فترجح روايته على رواية ابن عقيل؛ لما تقدم، ولما قال الحاكم: (سنة

стр. 1526

عزيزة بإسناد صحيح) قال الحافظ ابن رجب: (كذا قال وابن عقيل مختلف فيه) (١). • الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية التطوع بصلاة ركعتين في البيت بعد الرجوع من مصلى العيد، وهذا لا يعارض ما تقدم من حديث ابن عباس أنه ﷺ لم يصل قبل العيد ولا بعدها؛ لأن الصلاة المنفية هي ما كانت في مصلى العيد، وفي هذا الحديث أنه صلى في منزله، فإذا رجع الإنسان إلى منزله وأراد أن يصلي فلا بأس؛ لهذا الحديث، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1527

مشروعية صلاة العيد في المصلى وخطبة الناس ٤٩٤/ ١٠ - وعنه؛ قال: " كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " العيدين"، باب " الخروج إلى المصلى بغير منبر"، (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩) من طريق عياض بن عبد الله بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم، ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف). قال أبو سعيد: (فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان - وهو أمير المدينة - في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإن مروان يريد أن يرتقيه أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال أبا سعيد: قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة). هذا لفظ البخاري. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن السنة في صلاة العيد أن تكون

стр. 1528

في المصلى لا في المسجد؛ لأن النبي ﷺ خرج إلى المصلى وترك مسجده مع ما ثبت فيه من الأجر العظيم، وكان مصلى العيد في عهده ﷺ إلى الجهة الشرقية من المسجد النبوي، كما يفيده حديث البراء ﵁ (١)، بينه وبين المسجد ألف ذراع، ولا شقة في الخروج لها العدم تكررها. ولعل من حكمة هذا الخروج والله أعلم إظهار شعائر الإسلام، وكثرة المسلمين في صعيد واحد خلف إمام واحد، يكبرون ويهللون ويدعون الله تعالى فرحين مستبشرين بهذه النعم العظيمة. وسن في هذا الاجتماع الصلاة والخطبة، لئلا يكون شيء من اجتماعهم بغير ذكر الله تعالى وتنويه بشعائر الدين. وظاهر الحديث أنه عام في جميع البلدان، إلا أن الجمهور استثنوا مكة شرفها الله تعالى، فقالوا: تصلى العيد في المسجد الحرام؛ لأنه خبر بقاع الأرض، ولأنه لا يوجد ساحة قريبة من المساكن أقرب من ساحة البيت الحرام؛ لأن مكة جبال وأودية فيشق على الناس أن يخرجوا، ولهذا لم ينقل أن أهل مكة خرجوا عن المسجد الحرام لصلاة العيد، وقد أشار الشافعي ﵀ إلى هذا المعنى (٢). فإن وجد عذر يمنع من الخروج إلى المصلى من مطر أو خوف أو ريح شديدة أو شدة برد أو نحو ذلك من الأعذار صليت في المسجد، كما سيأتي إن شاء الله. • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية صلاة العيد، وقد قام الإجماع على أنها ركعتان، كما تقدم في حديث ابن عباس ﵁. أما من فاتته صلاة العيد فمن أهل العلم من قال: تقضي ركعتين كهيئتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وبه قال أنس بن مالك ﵁، كما ذكر

стр. 1529

البخاري عنه معلقًا (١)، ووصله ابن أبي شيبة (٢)، وحكاه ابن المنذر (٣) عن النخعي وابن سيرين وعطاء ومجاهد وعكرمة، وذكر ابن أبي شيبة بعض هذه الآثار (٤)، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وهو رواية عن أحمد (٥). والقول الثاني: أنها تصلى أربعًا، وبه قال جماعة: منهم عبد الله بن مسعود ﵁، فقد روي عنه ذلك بأسانيد صحيحة، وهو قول الإمام أحمد (٦). والقول الثالث: أنها تصلى أربعًا، وبه قال جماعة: منهم عبد الله بن مسعود ﵁، فقد روي عنه ذلك بأسانيد صحيحة، وهو قول الإمام أحمد. والقول الثالث: أنها لا تصلى إذا فاتت، وبه قالت الحنفية (٧)، وهو قول المزني (٨)، واختاره ابن عثيمين، وعزاه إلى ابن تيمية (٩)، إذا لم يرد دليل عليه قضائها، ولأنها صلاة ذات اجتماع معين، فلا تشرع إلا على هذا الوجه. والقول الأول اختاره ابن المنذر، وفيه وجاهة. • الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية خطبة العيد؛ لأن الناس يجتمعون لصلاة العيد أكثر من اجتماعهم لصلاة الجمعة، لكونهم في مكان واحد، فناسب أن يقوم الإمام بوعظ الناس وتذكيرهم بأوامر الله تعالى ونواهيه، وتحذيرهم من المنكرات والمحدثات التي انتشرت بين المسلمين، كما ينبغي أن تكون الخطبة مناسبة للوقت والحال، فيذكر في كل وقت وحال ما يناسبها. وخطبة العيد كسائر الخطب، تفتتح بالحمد والثناء على الله تعالى، فإنه لم ينقل أنه ﷺ كان يفتتح خطبة العيد بالتكبير، كما ذكر ذلك ابن القيم (١٠). وينبغي للخطيب تخصيص النساء بخطبة إذا لم يسمعن خطبة الرجال، تأسيًا بالنبي ﷺ ، أما إذا سمعن بواسطة مكبرات الصوت فلا داعي

стр. 1530

لتخصيصهن بخطبة، لكن يشير في خطبته إلى بعض ما يتعلق بالنساء من آداب وأحكام. وحضور الخطبة ليس واجبًا، لكن ينبغي للمسلم أن يحضرها وأن يستفيد منها علمًا وعملًا، وقد روى عبد الله بن السائب ﵁ قال: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ فلما قضى الصلاة، قال: " إنا نخطب فمن أحب أن يجلس فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب" (١)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1531

التكبير في صلاة العيد وعدده ٤٩٥/ ١١ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال نبي الله ﷺ : "التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما". أخرجه أبو داود، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الصلاة"، باب " التكبيرات في العيدين" (١١٥١) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال نبي الله ﷺ : … فذكره. وأخرجه أيضًا (١١٥٢) على أنه سنة فعلية من طريق سليمان بن حيان، عن عبد الله الطائفي به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يكبر في الفطر في الأول سبعًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، ثم يقوم فيكبر أربعًا، ثم يقوم ثم يركع، قال أبو داود: (رواه وكيع وابن المبارك قالا: سبعًا وخمسًا). ومقصود أبي داود بهذا بيان ضعف رواية سليمان بن حيان التي فيها أن التكبير في الثانية أربع. وحديث الباب سنده حسن، وعبد الله الطائفي مختلف فيه، قال فيه أبو حاتم: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ضعيف)، وقال في موضع آخر: (صويلح)، وقال ابن عدي: (يروي عن عمرو بن شعيب أحاديثه مستقيمة،

стр. 1532

وهو ممن يكتب حديثه) (١)، وقال الحافظ في " التقريب": (صدوق، يخطئ، ويهم)، وقد نقل الترمذي عن البخاري أنه صحح هذا الحديث. (٢) ونقل الحافظ تصحيحه أيضًا عن أحمد وعلي بن المديني (٣). ويشهد له عمل الصحابة ﵃، ومن ذلك ما أخرجه مالك، عن نافع مولى عبد الله بن عمر أنه قال: (شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة ﵁ فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة)، وإسناد صحيح، قال الإمام مالك عقبة: (وهو الأمر عندنا) (٤). وكذا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵁: (أنه كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح، وفي الآخرة ستًا بتكبيرة الركعة، كلهن قبل القراءة) (٥). • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية افتتاح صلاة العيد بالتكبير، فيقول: (الله أكبر) في الركعة الأولى ست مرات غير تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس مرات غير تكبيرة الانتقال من السجود إلى القيام، ثم يتعوذ ويقرأ الفاتحة، وهذه التكبيرات سنة إجماعًا؛ لأنه ذكر مشروع بين تكبيرة الإحرام والقراءة، أشبه دعاء الاستفتاح. ويرفع يديه مع كل تكبيرة هذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول أبي حنيفة، وعزاه ابن المنذر إلى عطاء والأوزاعي والشافعي، ثم اختار القول به (٦)؛ لعموم الأحاديث الدالة على أنه ﷺ يرفع يديه في تكبيرات الصلاة، ولا سيما في حالة القيام، وقال مالك: لا يرفع إلا عند تكبيرة الإحرام (٧)، ولأنها تكبيرات في أثناء الصلاة فأشبهت تكبيرات السجود، وقال الباجي:

стр. 1533

وقد روي عن مالك أنه خير في رفع اليدين مع كل تكبيرة من الزوائد) (١). والأول أرجح، وأما تشبيهها بتكبيرات السجود ففيه نظر؛ لأن شبهها بتكبيرات القيام أقرب؛ لأنها بمنزلة تكبيرة الافتتاح. وليس في الحديث ما يدل على شرعية ذكر معين بين التكبيرات، لكن ورد عن ابن مسعود ﵁ ما يدل على أنه بين كل تكبيريتن حمد لله وثناء على الله (٢)؛ كأن يقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، والأمر في هذا واسع، فإن فعل فهو خير، وإن ترك فلا بأس؛ لأن الإمام قد يوالي بين التكبيرات فلا يكون هناك محل لذكر بينهما، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1534

ما يقرأ به في صلاة العيد ٤٩٦/ ١٢ - عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: " كان النبي ﷺ يقرأ في الأضحى والفطر بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقتربت﴾. أخرجه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو واقد بالقاف بعدها دال مهملة الليثي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه واسم أبيه، فقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث، ذكر ابن سعد أنه أسلم قديمًا، قيل: إنه شهد بدرًا، وقيل: لم يشهدها وأنه أسلم عام الفتح أو قبيل لك، بدليل قوله يوم خيبر: (ونحن حديثو عهد بكفر)، وقد رجح هذا أبو نعيم، ورد على من قال: إنه شهد بدرًا (١)، يعد في أهل المدينة، وجاور بمكة سنة، ومات بها سنة ثمان وستين ﵁ (٢). • الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب " صلاة العيدين"، باب " ما يقرأ به في صلاة العيدين" (٨٩١) من طريق مالك، عن ضمرة بن سعد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ و ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾. وهذا سند منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك

стр. 1535

أيام عمر ومسألته أبا وقد، لكن أخرجه مسلم من طريق ضمرة بن سعد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي واقد الليثي قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله ﷺ في العيد … (١). وهذا سند متصل؛ لأن عبيد الله أدرك أبا واقد بلا شك، وسمعه بلا خلاف. • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية القراءة بهاتين السورتين في صلاة العيد، وهما سورة ﴿ق﴾ و ﴿اقتربت الساعة﴾، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم ما اشتملت عليه السورتان من الإخبار عن ابتداء الخلق وذكر البعث والنشور وأحوال القيامة، كما أن فيهما الإخبار عن القرون الماضية وإهلاك المكذبين، وفي قراءتهما أيضًا تشبيه بروز الناس للعيد وخروجهم إلى المصلى ببروزهم للبعث وخروجهم كأنهم جراد منتشر، وكل ذلك فيه عظة للسامعين، وتوجيههم إلى الخير، وتذكيرهم بأهوال يوم القيامة. وقد تقدم في باب " الجمعة" حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين) (٢). • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من تواضع العالم الكبير أن يسأل من هو دونه؛ لأن عمر ﵁ سأل أبا واقد الليثي مع أن عمر ﵁ أقدم منه إسلامًا وأعلم منه وأكثر ملازمة للنبي ﷺ ، وقد ذكر العلماء؛ كالقرطبي والنووي وغيرهما احتمالات عديدة لسؤال عمر أبا واقد، فمنها: أن عمر شك في ذلك فاستثبته من أبي واقد، أو أراد إعلام الناس بذلك، أو أنه نسي فاستذكر بسؤاله، وقيل غير ذلك (٣)، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1536

مشروعية مخالفة الطريق إذا خرج للعيد ٤٩٧/ ١٣ - عن جابر ﵁ قال: " كان رسول الله صلى الله عليه إذا كان يوم العبيد خالف الطريق". أخرجه البخاري. ٤٩٨/ ١٤ - ولأبي داود؛ عن ابن عمر … نحوه. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب " العيدين"، باب "من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد" (٩٨٦) من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح، عن فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن جابر ﵁، به. وفليح بن سليمان متكلم فيه، فقد قال الحافظ: (إنه مضعف عند ابن معين والنسائي وأبي داود، ووثقة آخرون، فحديثه من قبيل الحسن، لكن له شواهد … يعضد بعضها بعضًا، فعلى هذا من القسم الثاني من قسمي الصحيح) (١)، ويقصد الصحيح لغيره. وقد ذكر الحافظ (٢) أن البخاري لا يخرج لمن تكلم العلماء فيهم، أمثال: فليح بن سليمان، وإسماعيل بن أبي أويس بعد تتبع مروياتهم وانتفاء ما تبين أنه ضبطه وشارك فيه الثقات. وقد أخرج الترمذي هذا الحديث (٥٤١) وابن ماجه (١٣٠١) وأحمد

стр. 1537

(١٤/ ١٦٦) والدارمي (١/ ٣١٧) وابن خزيمة (١٤٦٨) وابن حبان (٧/ ٥٤) من طريق محمد بن الصلت، عن فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن أبي هريرة ﵁، به. قال البخاري: (وحديث جابر أصح)، وقال الترمذي: (وحديث جابر كأنه أصح). ومنهم من رجح حديث أبي هريرة؛ كأبي مسعود الدمشقي والبيهقي، قال الحافظ: (ولم يظهر لي ترجيح) (١)، ولماذا لا يكون سعيد بن الحارث روى الحديث عن أبي هريرة وجابر؟ ومما يقوي ذلك اختلاف اللفظين، كما أشار إلى ذلك الحافظ، وقد ذكر الحافظ ابن رجب الاختلاف على فليح في إسناد هذا الحديث (٢). وأما حديث ابن عمر ﵁، فقد أخرجه أبو داود (١١٥٦) من طريق عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع من طريق آخر). وهذا الحدي رجاله ثقات إلا عبد الله بن عمر العمري المكبر فهو ضعيف، وقد أعله الإمام أحمد وغيره بالوقف، وضعفه النووي (٣)، لكن يشهد له الحديث الذي قبله، ولعل الحافظ ذكره؛ لأنه مفسر للحديث الذي قبله وإن لم يذكر بلفظه خشية لإطالة. • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية مخالفة الطريق يوم العيد، وذلك بأن يذهب للمصلى من طريق ويرجع من آخر، وقد ذكر العلماء لهذا حكمًا كثيرة، فقيل: ليسلم على أهل الطريقين، وقيل: ليظهر شعائر الإسلام، وقيل: لإغاظة المنافقين، وقيل: ليشهد له الطريقان، وقيل غير ذلك، والأقرب أنه خالف الطريق لحكم كثيرة؛ لأن حكم الشارع لا تعد ولا تحصى، قال النووي: (وإذا لم يعم السبب استحب التأسي مطلقًا، والله أعلم) (٤).

стр. 1538

الوجه الثالث: الظاهر أن مخالفة الطريق تشريع عام، فيكون مستحبًا للإمام والمأموم، وهذا قول جمهور العلماء (١). • وهل يلحق بالعيد الجمعة وجميع الصلوات؟ قولان، والأظهر أن المخالفة في العيد شرعت لمعنى خاص فلا يلحق به غيره، فإنه لو كان النبي ﷺ يخالف في الجمعة لنقل إلينا، والترك حجة شرعية، ثم إن المخالفة في الجمعة غير واردة؛ لقرب منزله ﷺ ، بخلاف العيد، فإنه ﷺ كان يخرج إلى المصلى، فتمكن المخالفة، والله أعلم. * * *

стр. 1539

استحباب إظهار السرور في العيدين ٤٩٩/ ١٥ - عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: " قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر". أخرجه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الصلاة"، باب " صلاة العيدين" (١١٣٤) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن حميد … ، وأخرجه النسائي (٣/ ١٧٩ - ١٨٠) قال: حدثنا علي بن حجر، قال: أنبأنا إسماعيل، قال: حدثنا حميد، به. وهذا الحديث إسناده صحيح، ورواته كلهم ثقات حفاظ، وقد اتلف حماد بن سلمة وإسماعيل بن جعفر في الرواية عن حميد الطويل، وحميد رواه عن أنس ﵁. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (قدم رسول الله ﷺ أي: لما هاجر ﷺ إلى المدينة. قوله: (ولهم يومان) أي: لأهل المدينة قبل مجي الرسول ﷺ إليهم، وهما: يوم النيروز، والمهرجان، والنيروز أول يوم تتحول فيه الشمس إلى برج الحمل، وهو أول السنة الشمسية، كما أن غرة محرم أول السنة القمرية، والمهرجان: أول يوم من برج الميزان، كما يظهر من مقابلته بالنيروز؛ لأن بينهما ستة أشهر.

стр. 1540

قوله: (أبدلكم الله بهما) أي: في مقابلتهما، والمعنى: أن الله تعالى أبطل ما كانوا يعملون في هذين اليومين من أعمال الجاهلية، وشرع في مقابلتهما يومي العيدين. قوله: (خيرًا منهما) هذا أفعل تفضيل ليس على بابه، إذ لا خيرية في يوميهما، وهذا يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الله تعالى جعل يوم الفطر ويوم الأضحى يومي بهجة وفرح وسرور واجتماع على طاعة الله تعالى بدلًا من أعياد الجاهلية القائمة على اللعب واللهو والغفلة. فيوما الفطر والأضحى يومان عظيمان، فيهما شكر الله تعالى على ما من به من صيام رمضان وقيامه، وأداء ما تيسر من المناسك والأضاحي، وذلك كله خير عظيم. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن إظهار السرور في العيدين أمر مندوب إليه، وذلك من يسر الشريعة التي شرعها الله تعالى لعباده، فإن النبي ﷺ لما أبطل عيدي الجاهلية ذكر البديل عنهما لئلا تبقى النفوس متطلقة إليهما، ويأتي من يروج لهما، وذلك أن كل قوم لهم يوم يتخذونه عيدًا يتجملون فيه ويخرجون من بلادهم بزينتهم، العرب والعجم في ذلك سواء، فشرع الله تعالى للمسلمين هذين العيدين العظيمين. وإظهار الفرح والسرور في العيدين مقيد بما ليس بمحظور أو شاغل عن طاعة الله تعالى، مما عليه كثير من الناس في هذا الزمان، وقد ورد عن عائشة ﵁ قالت: (دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار به يوم بعاث، وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : " يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا") (١).

стр. 1541

مشروعية الخروج إلى العيد ماشيًا ٥٠٠/ ١٦ - عن علي ﵁ قال: " من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا". رواه الترمذي وحسنه. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في كتاب " العيدين"، باب " ما جاء في المشي يوم العيد" (٥٣٠) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب، قال: (من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا، وأن تأكل شيئًا قبل أن تخرج). وهذا إسناد ضعيف جدًا من أجل الحارث هذا، وهو الأعور الهمداني فهو ضعيف جدًا، واتهمه بعضهم، ونقل الجوزجاني أن الشعبي كذبه، ثم قال: (سألت عليًا - يعني ابن المديني - عن عاصم والحارث؟ فقال لي: يا أبا إسحاق، مثلك يسأل عن ذا؟ الحارث كذاب) (١)، والمراد بعاصم: عاصم بن ضمرة. وفيه أيضًا شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ، وقد تقدم ذكره. وقد ورد في الباب أحاديث أخرى؛ كحديث ابن عمر، وسعد القرظ، وسعد بن أبي وقاص ﵁، وغيرها، وكلها أحاديث ضعيفة.

стр. 1542

الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب المشي إلى مصلى العيد، قال الترمذي: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا، وأن يأكل شيئًا قبل أن يخرج لصلاة الفطر، وألا يركب إلا من عذر). ودليل مشروعية المشي، عموما لأدلة؛ كحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار … " (١)، وصلاة العيد داخلة في هذا العموم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1543

جواز صلاة العيد في المسجد لعذر ٥٠١/ ١٧ - عن أبي هريرة ﵁: " أنهم أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد". رواه أبو داود بإسناد لين. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الصلاة"، باب " يصلي با لناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر" (١١٦٠) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا رجل من الفرويين - وسماه الربيع في حديثه عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة - سمع أبا يحيى عبيد الله التيمي يحدث عن أبي هريرة … ثم ذكره. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن عيسى بن عبد الأعلى مجهول، ولم يرو عنه سوى الوليد بن مسلم، والوليد كثير الرواية عن الضعفاء والمتروكين، قال الذهبي: (لا يكاد يعرف)، ولما ذكر حديثه هذا قال: (وهذا حديث فرد منكر) (١)، وقال ابن القطان: (لا أعلم عيسى هذا مذكورًا في شيء من كتب الرجال ولا في غير هذا الإسناد) (٢). وكذا أبو يحيى التيمي، واسمه عبيد الله بن وهب بن موهب مجهول، كما قال الشافعي وابن القطان وغيرهما. والحديث (٣) حسنه النووي، وقال في موضع آخر: (إسناده جيد) (٤)، وهذا فيه نظر، قال الألباني: (وكأنه اعتمد على سكوت أبي داود عليه، وهذا

стр. 1544

ليس بشيء، فإن أبا داود كثيرًا ما يسكت على ما هو بين الضعف) (١). • الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه إذا وجد عذر يمنع من الخروج إلى مصلى العيد جاز أن تصلى في المسجد، وذلك كوجود مطر أو رياح شديدة أو خوف، ونحو ذلك، كما تقدم، وحديث الباب وإن كان ضعيفًا لكن العمل عليه عند أهل العلم، وقواعد الشريعة وعموماتها تدل على ذلك. قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال النبي ﷺ : " وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1545

باب صلاة الكسوف صلاة الكسوف: صلاة تفعل حدوث الكسوف، فإضافتها إليه من إضافة الشيء إلى سببه. والكسوف والخسوف بمعنى واحد؛ فالكسوف مأخوذ من كسفت حاله؛ أي: تغيرت، والخسوف من خسف الشيء: ذهب إلى الأرض، وقال بعضهم: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان، فيقال: كسوف وخسوف، وقيل: الخسوف في الجميع، والكسوف في بعض (١). والكسوف: أن ينحجب ضوء الشمس أو القمر كليًا أو جزئيًا، ولا يقع الكسوف إلا بأمر الله تعالى، وقد جعل الله تعالى له سببين: أحدهما: كوني، يدركه علماء الفلك بالحساب، كما ذكر ذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، فسبب خسوف القمر: توسط الأرض بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يكتسب ضوءه من الشمس، ولهذا لا يقع خسوف القمر إلا في وسط الشهر القمري، حيث يكون القمر مقابلًا للشمس من الناحية الأخرى، فيمكن أن تحول الأرض بينهما. وأما كسوف الشمس فسببه حيلولة القمر بين الأرض والشمس، ولهذا لا يقع كسوف الشمس إلا في آخر الشهر القمري، حيث يدنو القمر من مدار الشمس، فيمكن أن يحول بينهما وبين الأرض (٢)، ومع ذلك فلا يترتب على خير الفلكيين حكم شرعي؛ لأنها لا تصلي إلا برؤية الكسوف (٣)، كما سيأتي إن شاء الله.
следующие страницы →