مشروعية الخروج إلى العيد ماشيًا
٥٠٠/ ١٦ - عن علي ﵁ قال: " من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا". رواه الترمذي وحسنه.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الترمذي في كتاب " العيدين"، باب " ما جاء في المشي يوم العيد" (٥٣٠) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب، قال: (من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا، وأن تأكل شيئًا قبل أن تخرج).
وهذا إسناد ضعيف جدًا من أجل الحارث هذا، وهو الأعور الهمداني فهو ضعيف جدًا، واتهمه بعضهم، ونقل الجوزجاني أن الشعبي كذبه، ثم قال: (سألت عليًا - يعني ابن المديني - عن عاصم والحارث؟ فقال لي: يا أبا إسحاق، مثلك يسأل عن ذا؟ الحارث كذاب) (١)، والمراد بعاصم: عاصم بن ضمرة.
وفيه أيضًا شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ، وقد تقدم ذكره.
وقد ورد في الباب أحاديث أخرى؛ كحديث ابن عمر، وسعد القرظ، وسعد بن أبي وقاص ﵁، وغيرها، وكلها أحاديث ضعيفة.
стр. 1542
الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب المشي إلى مصلى العيد، قال الترمذي: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا، وأن يأكل شيئًا قبل أن يخرج لصلاة الفطر، وألا يركب إلا من عذر).
ودليل مشروعية المشي، عموما لأدلة؛ كحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار … " (١)، وصلاة العيد داخلة في هذا العموم، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1543
جواز صلاة العيد في المسجد لعذر
٥٠١/ ١٧ - عن أبي هريرة ﵁: " أنهم أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد". رواه أبو داود بإسناد لين.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الصلاة"، باب " يصلي با لناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر" (١١٦٠) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا رجل من الفرويين - وسماه الربيع في حديثه عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة - سمع أبا يحيى عبيد الله التيمي يحدث عن أبي هريرة … ثم ذكره.
وهذا إسناد ضعيف؛ لأن عيسى بن عبد الأعلى مجهول، ولم يرو عنه سوى الوليد بن مسلم، والوليد كثير الرواية عن الضعفاء والمتروكين، قال الذهبي: (لا يكاد يعرف)، ولما ذكر حديثه هذا قال: (وهذا حديث فرد منكر) (١)، وقال ابن القطان: (لا أعلم عيسى هذا مذكورًا في شيء من كتب الرجال ولا في غير هذا الإسناد) (٢).
وكذا أبو يحيى التيمي، واسمه عبيد الله بن وهب بن موهب مجهول، كما قال الشافعي وابن القطان وغيرهما.
والحديث (٣) حسنه النووي، وقال في موضع آخر: (إسناده جيد) (٤)، وهذا فيه نظر، قال الألباني: (وكأنه اعتمد على سكوت أبي داود عليه، وهذا
стр. 1544
ليس بشيء، فإن أبا داود كثيرًا ما يسكت على ما هو بين الضعف) (١).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه إذا وجد عذر يمنع من الخروج إلى مصلى العيد جاز أن تصلى في المسجد، وذلك كوجود مطر أو رياح شديدة أو خوف، ونحو ذلك، كما تقدم، وحديث الباب وإن كان ضعيفًا لكن العمل عليه عند أهل العلم، وقواعد الشريعة وعموماتها تدل على ذلك.
قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال النبي ﷺ : " وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1545
باب صلاة الكسوف
صلاة الكسوف: صلاة تفعل حدوث الكسوف، فإضافتها إليه من إضافة الشيء إلى سببه.
والكسوف والخسوف بمعنى واحد؛ فالكسوف مأخوذ من كسفت حاله؛ أي: تغيرت، والخسوف من خسف الشيء: ذهب إلى الأرض، وقال بعضهم: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان، فيقال: كسوف وخسوف، وقيل: الخسوف في الجميع، والكسوف في بعض (١).
والكسوف: أن ينحجب ضوء الشمس أو القمر كليًا أو جزئيًا، ولا يقع الكسوف إلا بأمر الله تعالى، وقد جعل الله تعالى له سببين:
أحدهما: كوني، يدركه علماء الفلك بالحساب، كما ذكر ذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، فسبب خسوف القمر: توسط الأرض بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يكتسب ضوءه من الشمس، ولهذا لا يقع خسوف القمر إلا في وسط الشهر القمري، حيث يكون القمر مقابلًا للشمس من الناحية الأخرى، فيمكن أن تحول الأرض بينهما.
وأما كسوف الشمس فسببه حيلولة القمر بين الأرض والشمس، ولهذا لا يقع كسوف الشمس إلا في آخر الشهر القمري، حيث يدنو القمر من مدار الشمس، فيمكن أن يحول بينهما وبين الأرض (٢)، ومع ذلك فلا يترتب على خير الفلكيين حكم شرعي؛ لأنها لا تصلي إلا برؤية الكسوف (٣)، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 1546
السبب الثاني: شرعي لا يدركه الناس، وإنما يعلم عن طريق الوحي، وهو إرادة الله تخويف عباده بذلك، إذ قد يكون إيذانًا بعقوبة، فإن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة والآجلة، قال تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ [الإسراء: ٥٩]، نسأل الله تعالى رحمته وعفوه وغفرانه، ولهذا بين النبي ﷺ ما ينبغي فعله عند حدوث الكسوف.
وقد ضعف شأن الكسوف عند كثير من الناس، وصار شيئًا عاديًا لا بسبب خوفًا ولا يدعو إلى الفزع، لما صاروا يعلمونه قبل وقوعه، وهذا جهل ناشئ من اعتقاد أنه لا يمكن اجتماع السبب الكوني والشرعي للكسوف، أو أنه ناشئ عن ضعف الإيمان، وقلة الخوف من الله تعالى، ولا تنافي بين الأسباب الكونية والشرعية، فإن عقوبات الله تعالى لعباده لها أسباب؛ فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، وثوران البراكين لها أسباب، وهكذا.
لقد صار الاهتمام في هذا الزمان بالسبب الكوني وإهمال السبب الشرعي، عكس ما ورد في سنة المصطفى ﷺ ، فإنه لم يرد في السنة بيان السبب الكوني، ولا عنيت الشريعة بتفاصيل ذلك، إذ لا فائدة للأمة من العلم به، والاطلاع عليه، بل نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن هذا علم قليل المنفعة (١)، وقال ابن القيم ﵀: (فشرع النبي ﷺ للأمة عند انعقاد هذا السبب، ما هو أنفع لهم وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وشأن الكسوف وأسبابه) (٢).
لا ريب أن للكسوف أسبابًا، تدرك بالحساب، كما أن الصواعق والعواصف والزلازل المدمرة لها أسباب معلومة عند أهل المعرفة بها، لكن هذا لا يعني إبطال السبب الشرعي الذي هو تخويف العباد، أو محاولة إهماله ونسيانه وإبعاده عن أذهان الناس وعن العمل بمقتضاه، وأنه لا داعي للخوف
стр. 1547
عند حدوثه، إن في هذا ردًا للشرع، وإبطالًا لما أمر به الرسول ﷺ من الفزع إلى أسباب النجاة عند انعقاد أسباب العقوبات.
ثم لماذا هذا الاهتمام بوقت الكسوف والجزم بوقوعه والمبادرة بالإخبار به؟
إن مثل هذا لا نفع فيه، والجزم به من الخطأ البين؛ لأن الحساب يخطئ ويصيب، وقد كان علماء الدعوة في نجد ينكرون الجزم بوقت الكسوف، وينكرون نشره وإفشاءه، وينكرون على من يتوضأ ويستعد لصلاة الكسوف وهو لم يقع بعد (١)، وإذا ترتب على إفشائه مفاسد كما هو واقع الآن كان تركه متعينًا، ولا سيما في حق عامة الناس.
* * *
стр. 1548
الحكمة من الكسوف
وماذا يصنع إذا وقع
٥٠٢/ ١ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا، حتى تنكشف". متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: " حتى تنجلي".
٥٠٣/ ٢ - وللبخاري؛ من حديث أبي بكرة: " فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم".
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث المغيرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب " الكسوف"، باب " الصلاة في كسوف الشمس" (١٠٤٣) من طريق شيبان أبي معاوية، ومسلم (٩١٥) من طريق زائدة، كلاهما عن زياد بن علاقة، قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: … فذكره، وهذا لفظ البخاري إلا قوله: "حتى تنكشف" فقد تفرد به مسلم.
وأما الرواية المذكورة فهي عند البخاري في باب " الدعاء في الخسوف" (١٠٦٠) من طريق زائدة قال: حدثنا زياد به، لكن بلفظ: " حتى ينجلي".
стр. 1549
وأما حديث أبي بكرة ﵁: فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور أولًا (١٠٤٠) من طريق خالد، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فانكسفت الشمس، فقام النبي ﷺ يجر رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال ﷺ : " إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا، حتى يكشف ما بكم".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
• قوله: (انكسفت الشمس) المحققون من أهل العلم على أن الكسوف لم يقع في زمن النبي ﷺ إلا مرة واحدة، وهذا قول ابن تيمية وابن القيم وآخرين، وذهب الإمام الشافعي وابن حزم وجماعة إلى تعدد الكسوف في زمنه ﷺ ، وسيأتي ذلك.
قوله: (يوم مات إبراهيم) أي: ابنه ﷺ إبراهيم، وهو من مارية القبطية ﵂، وكان ميلاده في ذي الحجة سنة ثمان، مات وهو ابن ستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا (١).
قوله: (فقال الناس) أي: بعض الناس.
قوله: (انكسفت الشمس لموت إبراهيم) أي: لعظم المصيبة، وهذا كان من معتقدات الجاهلية، وهو أن الشمس لا تنكسف إلا لموت عظيم، فجاء كسوفها في الوقت المناسب لإبطال هذه العقيدة، وهذا من حكمة الله تعالى.
قوله: (آيتان من آيات الله) أي: علامتان على كمال الله وقدرته وحكمته، وتصرفه في هذا الكون، وقد ورد في حديث أبي مسعود الأنصاري: " يخوف الله بهما عباده".
قوله: (لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) اللام للتعليل، وذكر الحياة لأجل التعميم، وهذا إبطال لاعتقاد الجاهلية، وفيه بيان أن الحوادث الأرضية
стр. 1550
لا توثر في الشمس والقمر شيئًا، فلا ينكسفان لموت عظيم، وإنما ينكسفان بأمر الله تعالى تخويفًا للعباد.
قوله: (فإذا رأيتموهما) وفي رواية: " فإذا رأيتموها" بإفراد الضمير الذي يعود إلى الآية، وأما ضمير التثنية فمعناه: إذا رأيتم كسوف كل واحد منهما، لاستحالة وقوع ذلك فيهما معًا في حالة واحدة عادة.
قوله: (فادعوا الله) أي: بسؤاله الرحمة وكشف ما نزل بكم.
قوله: (وصلوا) أي: صلاة الكسوف، وهذا لفظ مجمل جاء بيانه بفعله ﷺ .
قوله: (حتى تنكشف) هذا اللفظ لمسلم فقط كما تقدم؛ أي: حتى تنكشف الآية، لكن المثبت في مسلم: " ينكشف" بالياء؛ أي: يرتفع ويزول ما حل بكم من الكسوف.
قوله: (حتى تنجلي) هكذا في نسخ " البلوغ"، والذي في البخاري: " حتى ينجلي" بالياء.
و (حتى) يحتمل أن تكون للتعليل، والمعنى: صلوا وادعوا لينكشف ما بكم، ويحتمل أن تكون للغاية، والمعنى: صلوا وادعوا إلى أن ينكشف، ولا مانع من حملها على المعنيين؛ إذ لا منافاة بينهما، والسياق صالح لهما.
قوله: (حتى يكشف ما بكم) أي: ما حلبكم، وأبهمه تفخيمًا لشأنه وتهويلًا لأمره، ولعل الحافظ ذكر هذا القدر من حديث أبي بكرة لهذا الغرض، والله أعلم.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى الدالة على عظم قدرته وكمال تصرفه وواسع علمه ورحمته، وأنهما لا ينكسفان لموت أحد، وإنما حكمة كسوفهما تخويف العباد من آثار ذنوبهم وعقوباتها.
• الوجه الرابع: مشروعية صلاة الكسوف عند رؤيته، ولا يعتمد فيها على حساب الفلكيين؛ لقوله: " فإذا رأيتموهما"، وعلى هذا فلو أخبر بوقوع
стр. 1551
خسوف للقمر، ولكننا لم نره لتراكم السحب فإنها لا تصلى صلاة الخسوف لمجرد قولهم.
وصلاة الكسوف سنة مؤكدة على قول جمهور أهل العلم، بل حكى النووي الإجماع على ذلك (١)، وصرح أبو عوانة بوجوبها (٢).
• الوجه الخامس: ظاهر الإطلاق في قوله: "صلوا" أنها تفعل كل وقت حتى في أوقات النهي، كما لو حصل بعد العصر مثلًا؛ لأنه موضع تشريع وبيان للأمة، ولو كانت لا تفعل في أوقات النهي لبين ذلك لأمته، وهذا قول الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد (٣).
والقول الثاني: أن الكسوف لا تصلى في أوقات النهي، وإنما يشتغلون بالدعاء والاستغفار والصدقة والعتق، وهذا قول أبي حنيفة ومالك، والمشهور عن أحمد (٤)، واستدلوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي.
والقول الأول أرجح؛ لأن الحديث في الكسوف خاص، فيقدم على النهي العام؛ لأن حديث النهي ضعف عمومه بتخصيصه بأحاديث أخرى، كما تقدم في " أوقات النهي"؛ ولأن صلاة الكسوف من ذوات الأسباب.
• الوجه السادس: ظاهر الحديث الأمر بالصلاة والدعاء عند رؤية الكسوف حتى ينكشف ما وقع، ولذا شرعت إطالة صلاة الكسوف، كما سيأتي إن شاء الله، فإن فرغ من الصلاة قبل انجلاء الكسوف، فالمشهور عند أهل العلم أنها لا تعاد؛ بل ينبغي الاشتغال لم يزد على ركعتين؛ ولأن قوله: " فصلوا، وادعوا، حتى يكشف ما بكم" يفيد ذلك، فإن جعل الغاية لمجموع الأمرين من الصلاة والدعاء.
• الوجه السابع: مشروعية الفزع إلى الدعاء عند رؤية الكسوف، لما في
стр. 1552
ذلك من جلب الرحمة ورفع العقوبة، وفي حديث أبي موسى الأشعري ﵁: "فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره" (١)، وفي حديث عائشة ﵁: " فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا، وصلوا وتصدقوا" (٢).
وتأمل قوله: (فافزعوا) فإنه يدل على أمور ثلاثة:
الأول: الشعور بالخوف، فإن الأمر بالفزع يعني: أن نشعر بالخوف، وأن ندرك عظم الأمر حتى يتحقق الفزع، إذ لا يمكن فزع بدون خوف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على قوله ﷺ : " يخوف الله بهما عباده": (هذا بيان منه ﷺ أنهما سبب لنزول عذاب الناس، فإن الله إنما يخوف عباده بما يخافونه إذا عصوه، وعصوا رسله، وإنما يخاف الناس مما يضرهم، فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان في ذلك تخويفًا، قال تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ (٣).
الثاني: المبادرة بأداء المأمور به من الصلاة والدعاء والذكر والصدقة وغيرها.
الثالث: أن الالتجاء إلى الله تعالى والفرار إليه عند حصول المخاوف بالدعاء والاستغفار سبب للرضا ومحو ما فرط من العصيان وزوال المخاوف؛ لأن الذنوب سبب البلايا، والعقوبات العاجلة والآجلة، نسأل الله تعالى أن يلطف بنا (٤).
وتحقيق ما دلت عليه هذه اللفظة لا يكون إلا لمن كمل إيمانه بالله تعالى وبما قاله الرسول ﷺ قلبه من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات، واستقامت حاله، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1553
مشروعية النداء لصلاة الكسوف
والجهر فيها بالقراءة
٥٠٤/ ٣ - عن عائشة ﵂: " أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية له: فبعث مناديا ينادي: " الصلاة جامعة".
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الكسوف" باب " الجهر بالقراءة في الكسوف" (١٠٦٥)، ومسلم (٩٠١)(٥) من طريق ابن شهاب الزهري، يخبر عن عروة، عن عائشة ﵂.
وأما الرواية المذكورة فهي عند مسلم (٩٠١)(٤) بلفظ: (فبعث مناديًا: الصلاة جامعة).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (جهر في صلاة الكسوف) هكذا في نسخ "البلوغ"، والذي في "الصحيحين": (صلاة الخسوف).
قوله: (الصلاة جامعة) يجوز رفعهما على أنهما مبتدأ وخبر، ويجوز نصبهما، الأول بفعل محذوف؛ أي: احضروا الصلاة، والثاني: حال.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الجهر في صلاة الكسوف، سواء أكانت في النهار لكسوف الشمس أم في الليل لخسوف
стр. 1554
القمر، لأنها نافلة شرعت لها الجماعة، فكان من سنتها الجهر؛ كصلاة الاستسقاء، والعيد والتراويح.
والحديث وإن كان واردًا في كسوف الشمس فالقمر مثله، لجمعه ﷺ بينهما في الحكم، حيث قال: " فإذا رأيتموهما"، والأصل استواؤهما في كيفية الصلاة ونحوها.
وهذا قول الإمام أحمد، وإسحاق، وابن حزم، وابن المنذر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من أهل الحديث (١).
والقول الثاني: أنه لا يشرع الجهر في صلاة الكسوف إن كانت نهارية، ويشرع فيها إذا كانت ليلية، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك (٢)، واستدلوا بحديث ابن عباس الآتي: " فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة … "، قالوا: ولو كان النبي ﷺ جهر بالقراءة لذكر ابن عباس ما قرأ به، ولم يقدر ذلك بغيره.
كما احتجوا بحديث سمرة ﵁: (صلى بنا النبي ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتًا) (٣).
والراجح الأول لقوة دليله، وصراحته في المراد، فإنه صريح في الجهر في صلاة كسوف الشمس وهي صلاة نهارية، والقياس على الاستسقاء والعيدين قياس قوي، فقد نقل ابن المنذر قول إسحاق بن راهوية: (لو لم يأت في ذلك سنة لكان أشبه الأمر من الجهر تشبيهًا بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وكل ذلك نهارًا) (٤).
وأما حديث ابن عباس ﵁ فليس صريحًا في نفي الجهر، بل يطرقه
стр. 1555
احتمالات عديدة، منها: أنه يحتمل أن ابن عباس نسي ما قرأ به، وحفظ قدر قراءته، فقدرها بالبقرة، فإن الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه، أو يقال: إنه لا يصح الاستدلال به فإنه ما سبق لموضوع الإسرار، وإنما أراد بيان مقدار قيام النبي ﷺ ، فكيف يقدم هذا اللفظ المجمل على الصريح الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا.
وأما حديث سمرة ﵁ فهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية ثعلبة بن عباد، وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه الأسود بن قيس، كما ذكر الذهبي (١)، ولم يوثقه إلا ابن حبان، ونقل الحافظ أن ابن المديني ذكره في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس (٢)، وبه أعله ابن حزم (٣).
ومثل هذا الحديث لا يصح أن يقف في معارضة ما ثبت في " الصحيحين"، ثم لو صح لم يكن فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنه ﷺ لم يجهر، وإنما فيه: (لا نسمع له صوتًا)، ولا يلزم من نفي سماع الصوت نفي الجهر، ولو كان بحيث يسمعه لسمعه كما سمعته عائشة ﵂ التي كانت قريبًا من القبلة في حجرتها، وكلاهما صادق (٤).
وعلى هذا فأحاديث الجهر صحيحة صريحة، فلا يقدم عليها ما فقد هذين الوصفين.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية النداء لصلاة الكسوف بلفظ: " الصلاة جامعة"، وقد ورد في " الصحيحين" حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إن الصلاة جامعة)، ولم يرد في السنة تحديد عدد مرات النداء، فالظاهر أنه ينادي لها بقدر ما يحصل به إسماع الناس، وليس لها أذان ولا إقامة ولا ينادي لغيرها من النوافل؛ كالعيدين ولا الاستسقاء؛ لأنه لم يرد النداء بهذا اللفظ عن النبي ﷺ إلا في صلاة الكسوف، فيكون النداء لغيرها من البدع المحدثة، وتقدم ذلك في باب "صلاة العيدين"، والله تعالى أعلم.
стр. 1556
كيفية صلاة الكسوف
٥٠٥/ ٤ - عن ابن عباس رصي الله عنه قال: " انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس". متفق عليه، واللفظ للبخاري.
٥٠٦/ ٥ - وفي رواية لمسلم: " صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات".
٥٠٧/ ٦ - وعن علي ﵁، مثل ذلك.
٥٠٨/ ٧ - وله، عن جابر ﵁: " صلى ست ركعات بأربع سجدات".
٥٠٩/ ٨ - ولأبي داود، عن أبي بن كعب ﵁: " صلى، فركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، وفعل في الثانية مثل ذلك".
• الكلام عليها من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث ابن عباس ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب " الكسوف"،
стр. 1557
باب "صلاة الكسوف جماعة" (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧) من طريق مالك قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵁.
وهذا لفظ البخاري كما ذكر الحافظ إلا أن قوله في آخره: (فخطب الناس) ليس من نص الحديث، وإنما هو من كلام الحافظ؛ لأن الذي ورد في مسلم: (ثم انصرف، وقد انجلت الشمس فقال: "إن الشمس والقمر آيتان … " إلخ، فعبر عن ذلك بقوله: فخطب الناس.
وأما رواية مسلم فهي من طريق سفيان، عن حبيب، عن طاوس، عن ابن عباس ﵁.
وهذه الرواية ضعفها ابن حبان، فإنه قال: (خبر حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات، ليس بصحيح؛ لأن حبيبًا لم يسمع من طاوس هذا الخبر) (١).
وضعفه أيضًا البيهقي، فإنه قال: (وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به عن طاووس … ) (٢).
والمقصود أن المحفوظ عن ابن عباس ﵁ في صفة صلاة الكسوف أن النبي ﷺ صلاها أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات، وهو الذي اتفق عليه الشيخان، وهو الموافق لحديث عائشة المتفق عليه أيضًا وما عدا ذلك من حديث ابن عباس فهو شاذ.
وأما حديث علي ﵁، فقد أشار إليه مسلم في آخر سياق حديث ابن عباس الذي قبل هذا، فإنه قال في آخره: (وعن علي مثل ذلك).
فلم يذكر إسناده ولا لفظه، وإنما أحال على ما قبله، وقد أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠) من طريق حنش، عن علي ﵁، وساقه بتمامه.
وهو حديث ضعيف؛ لأن حنش بن المعتمر متكلم فيه، قال ابن حبان:
стр. 1558
(كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي ﵁ بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج به) (١)، وذكره العقيلي في " الضعفاء" (٢)، وقد تفرد بهذا الخبر عن علي ﵁ فيكون ضعيفا.
وأما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه مسلم (٩٠٤)(١٠) من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر ﵁، به.
وأخرجه مسلم أيضًا (٩٠٤)(٩) من طريق إسماعيل بن علية، عن هشام الدستوائي، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله … وساق الحديث إلى أن قال: (فكانت أربع ركعات وأربع سجدات)، وهذا هو المحفوظ عن جابر؛ لأمرين:
الأول: أن رواية هشام أولى، لكونه مع أبي الزبير أحفظ من عبد الملك بن أبي سليمان الذي أخذ عليه الغلط في غير حديث.
الثاني: أن رواية هشام في عدد الركعات موافقة لحديث عائشة وابن عباس ﵁، كما تقدم.
وأما حديث أبي بن كعب، فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الصلاة"، باب "من قال: أربع ركعات (١١٨٢) من طريق الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه أبا جعفر الرازي، واسمه عيسى بن أبي عيسى التميمي، قال عنه الإمام أحمد: (ليس بقوي في الحديث)، وقال أبو زرعة: (شيخ يهم كثيرًا)، وقال ابن حبان: (كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إلا فيما وافق الثقات، ولا يجوز الاعتبار بروايته فيما يخالف الأثبات) (٣).
• الوجه الثاني: دل حديث ابن عباس ﵁ المتفق عليه أن صلاة
стр. 1559
الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان، يطيل فيهما القيام والركوع والسجود والقعود، كل واحد من ذلك أطل مما بعده.
ودل على هذه الصفة أيضًا حديث عائشة ﵂ المتفق عليه، وقد تقدم قبل هذا.
ولا خلاف بين العلماء أن صلاة الكسوف ركعتان، ولم تختلف الأحاديث في ذلك، وإنما اختلف في عدد الركوع في كل ركعة، ففي بعضها في كل ركعة ركوعان، كما في حديث ابن عباس وحديث عائشة ﵂، وفي بعضها في كل ركعة أربع ركوعات، كما في رواية مسلم من حديث ابن عباس وحديث علي ﵁، وفي بعضها: في كل ركعة خمس ركوعات، كما في حديث أبي بن كعب، وهذا أكثر ما ورد، وللعلماء في هذه الأحاديث مسلكان:
الأول: القول بتعدد الكسوف، وأن الرسول ﷺ صلاها عدة مرات بصفات مختلفة، وقد عزى الحافظ القول بالتعدد إلى إسحاق (١)، مع أنه لم يثبت عنه الزيادة على أربع ركوعات، والذي نقله عنه ابن المنذر يفيد أن زيادة الركوعات عند عدم الانجلاء (٢).
لكن يشكل على ذلك أنه ورد في هذه الروايات ذكر موت إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو لم يتعدد، فعلم أن الواقعة واحدة.
الثاني: القول بعدم تعدد الكسوف وترجيح ما عند البخاري ومسلم على ما عند مسلم فقط، فما اتفق عليه الشيخان في صفة صلاة الكسوف مقدم على ما انفرد به مسلم، كما تقدم، فيحكم عليه بالشذوذ؛ لأن الثقة خالف من هو أوثق منه، وتخطئة من دون الأثبات مقدم على تخطئة الأثبات.
ومما يؤيد القول بعدم التعدد أن أحاديث الكسوف دلت بسياقها على أن هذه الصلاة كانت لأول مرة، وأن الصحابة ﵃ لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع الرسول ﷺ في وقتها، والمدة بين كسوفها وموت إبراهيم وبين موت النبي ﷺ
стр. 1560
لا تزيد على أربعة أشهر ونصف، فلو كان الكسوف وقع مرة أخرى وصلي لتواترت الهمم والدواعي على نقل ذلك، كما نقل ما قبله بأسانيد كثيرة.
وأصح حديث في صفة صلاة الكسوف هو حديث عائشة ﵁ الثابت في "الصحيحين"؛ لأنه لم يختلف عليه فيه، وهو الذي ساقه صاحب " العمدة"، أما حديث ابن عباس ﵁ فهو ثابت في " الصحيحين" أيضًا، لكن ورد فيه اختلاف، كما تقدم في رواية مسلم.
• الوجه الثالث: استدل بعض العلماء بقول عائشة ﵂: (ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "هما آيتان … " الحديث (١)، وفي رواية قالت: (فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه … ) الحديث (٢)، على مشروعية الخطبة بعد صلاة الكسوف، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وقول إسحاق، وأكثر أصحاب الحديث (٣).
والقول الثاني: أنه لا يشرع للكسوف خطبة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقول أبي حنيفة، ومالك (٤)؛ لأن الخطبة لم تنقل، وما ورد عنه ﷺ فليس بخطبة، وإنما أراد أن يبين للناس الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس، قالوا: ولأن الرسول ﷺ إنما أمر الناس بالصلاة والدعاء والصدقة والاستغفار، ولم يأمرهم بخطبة، ولو كانت سنة لأمرهم بها.
والقول الأول أظهر، وهو استحباب خطبة بعد الكسوف، أو يلقي الإمام كلمة في وعظ الناس وحثهم على التقوى والاستغفار والصدقة وبيان أن المعاصي أسباب لغضب الله وعقوبته وأن الطاعة سبب للخير، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1561
ما يقال عند هبوب الريح
٥١٠/ ٩ - عن ابن عباس ﵁ قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه، وقال: " اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا". رواه الشافعي، والطبراني.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الشافعي في "مسنده" (١/ ١٩٩ ترتيبه) وفي "الأم" (١/ ٢٨٩) قال: أخبرني من لا أتهم، قال: حدثني العلاء بن راشد، وأخرجه الطبراني في " الكبير" (١١/ ٢١٣ - ٢١٤) من طريق الحسين بن قيس، وفي "الدعاء" (٩٧٧) من طريق حسن بن عبد الله، ثلاثتهم عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: (ما هبت ريح إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال: " اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا").
وهذا الحديث ضعيف جدًا، أما إسناد الشافعي ففيه شيخ الشافعي، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال الربيع بن سليمان: إذا قال الشافعي: (أخبرني من لا أتهم) فإنه يريد بذلك إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم هذا متهم عند الأئمة، وقواه الشافعي.
قال يحيى بن سعيد القطان: (سألت مالكًا عنه: أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه)، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (كان قدريًا معتزليًا جهميًا، كل بلاء فيه)، وفي رواية عنه قال: (لا يكتب حديثه، ترك الناس حديثه، كان يروي أحاديث منكرة لا أصل لها، وكان يأخذ أحاديث الناس
стр. 1562
ويضعها في كتبه) (١).
وأما إسناد الطبراني في " الكبير" ففيه الحسين بن قيس الرحبي، ضعيف جدًا، قال عنه أحمد: (ليس حديثه بشيء، لا أروي عنه شيئًا)، وفي رواية قال: (متروك الحديث)، وضعفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، منكر الحديث) (٢)، وقال البخاري: (أحاديثه منكرة جدًا، ولا يكتب حديثه)، وقال مسلم: (منكر الحديث)، وأما إسناده في "الدعاء" ففيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس وهو ضعيف، كما في " التقريب".
• الوجه الثاني: الحديث دليل على ما ينبغي أن يقال عند هبوب الريح، لأن الريح بلفظ الإفراد لا تأتي إلا بالعذاب، قال تعالى: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا﴾ [القمر: ١٩]، وقال تعالى: ﴿ … إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١]، وأما الرياح فإنها بشائر خير، قال تعالى: ﴿وأرسلنا الريح لواقح … ﴾ [الحجر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات … ﴾ [الروم: ٤٦].
والحديث ضعيف كما تقدم، لكن ورد عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به") (٣)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1563
حكم الصلاة عند الزلزلة وصفتها
٥١١/ ١٠ - وعنه: " أنه صلى في زلزلة ست ركعات وأربع سجدا، وقال: هكذا صلاة الآيات" رواه البيهقي.
٥١٢/ ١١ - وذكر الشافعي؛ عن علي بن أبي طالب ﵁ مثله؛ دون آخره.
• الكلام عليهما من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عباس ﵁، فقد أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى"، في كتاب " صلاة الكسوف"، باب " من صلى في الزلزلة بزيادة عدد الركوع والقيام قياسًا على صلاة الخسوف" (٣/ ٣٤٣) من طريق معمر، عن قتادة وعاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس أنه صلى في الزلزلة بالبصرة، فأطال القنوت ثم ركع، ثم رفع رأسه، فأطال القنوت ثم ركع، ثم رفع رأسه فأطال القنوت، ثم ركع ثم سجد، ثم صلى الثانية، ثم قام في الثانية ففعل كذلك، فصارت صلاته ست ركعات وأربع سجدات، ثم قال: (هكذا صلاة الآيات)، وهذا الأثر صححه البيهقي، وقال: (هو عن ابن عباس ثابت) وله طرق أخرى عن ابن عباس عند عبد الرزاق (١).
أما حديث علي ﵁، فقد أخرجه البيهقي أيضًا من طريق الإمام الشافعي، حيث ذكره بلاغًا عن عباد بن عاصم الأحول، عن قزعة عن
стр. 1564
علي ﵁ أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات، خمس ركعات وسجدتين، وركعة وسجدتين في ركعة.
وهذا الأثر ضعيف؛ لأن فيه من لم يسم، فهو منقطع، ولهذا قال البيهقي عقبه: (قال الشافعي: ولو ثبت هذا الحديث عندنا عن علي ﵁ لقنا به)، وضعفه أيضًا النووي، وقال: (إنه لم يثبت عن علي ﵁ (١).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الصلاة عند حدوث الآيات كالزلزلة، وهي رجفة الأرض واضطرابها، والريح الشديدة غير المعهودة، ونحو ذلك، ويؤيد هذا أن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه من آيات الله يخوف بها عباده، فإذا كانت الصلاة تشرع عند الكسوف؛ لأنه آية، فإنها تشرع عند حدوث الآيات، وظاهر فعل ابن عباس أنه صلى بهم جماعة.
وقد أخرج أبو داود والترمذي من طريق سلم بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: (قيل لابن عباس بعد صلاة الصبح: ماتت فلانة، لبعض أزواج النبي ﷺ فسجد، قيل له: أتسجد هذه الساعة؟ فقال: أليس قد قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم آية فاسجدوا"، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ ") (٢).
وهذا الحديث إسناده حسن، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، وقال النووي: (رواه أبو داود والترمذي في كتاب "المناقب" بإسنادين صحيحين) (٣).
وهذا مشكل على قول الترمذي: (إنه غريب)؛ إلا أن يراد به من رواه عن سلم بن جعفر، وهما شيخا أبي داود والترمذي؛ وإلا فليس له إسناد واحد، والله أعلم.
стр. 1565
والقول بالصلاة عند الزلزلة هو المذهب المنصوص عليه عند الحنابلة، وهو قول الحنفية والظاهرية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
والقول الثاني: أن لا يصلي للزلزلة ولا لغيرها من الآيات سوى الكسوف، وهو قول المالكية والشافعية (٢)، مستدلين بأن هذه الآيات قد كانت، ولم ينقل أن النبي ﷺ صلى لها جماعة غير الكسوف، والقول الأول أرجح؛ لقوة مأخذه، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1566
باب صلاة الاستسقاء
صلاة الاستسقاء من إضافة الشيء إلى سببه؛ أي: الصلاة لأجل الاستسقاء.
والاستسقاء طلب السقيا، سواء أكان من الله تعالى أم من مخلوق، كما لو قلت لشخص: اسقني ماء؛ لأن السين والتاء للطلب، والمراد هنا: سؤال الله تعالى إنزال المطر عند التضرر بفقده.
وهي مشروعة إذا أجدبت الأرض وامتنع المطر، وتضرر الناس، وكذا إذا ضرهم غور ماء العيون أو الأنهار.
والاستسقاء ثلاثة أنواع:
١ - السؤال من كل واحد من الناس، وقد استسقى النبي ﷺ بدون صلاة، كما ورد في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ استسقى فقال: " اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا غدقًا طبقًا عاجلًا غير رائث نافعًا غير ضار" (١).
٢ - سؤال الخطيب حال الخطبة يوم الجمعة، وهذا دل عليه حديث أنس ﵁ الآتي.
٣ - سؤال الخطيب حال خطبة صلاة الاستسقاء، وهذا النوع هو المراد بهذا الباب.
* * *
стр. 1567
مشروعية صلاة الاستسقاء
وكيفية الخروج لها
٥١٣/ ١ - عن ابن عباس ﵁ قال: " خرج النبي صلى الله عيه وسلم متواضعًا، متبذلًا، متخشعًا، مترسلًا، متضرعًا، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه". رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وأبو عوانة، وابن حبان.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الصلاة"، باب "جماع أبوب الاستسقاء وتفريعها" (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨ - ٥٥٩)، والنسائي (٣/ ١٦٣)، وابن ماجه (١٢٦٦)، وأحمد (٣/ ٤٧٨)، وأبو عوانة (٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، وابن حبان (٢٨٦١) كلهم من طريق هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: (ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله ﷺ متواضعًا متبذلًا متخشعًا متضرعًا فصلى ركعتين، كما يصلي في العيدين، ولم يخطب خطبتكم هذه).
هذا لفظ النسائي، ووقع التصريح باسم الأمير عند أبي داود، فقال إسحاق بن عبد الله: (أرسلني الوليد بن عقبة، وهو أمير المدينة).
وهذا الحديث قال عنده الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصححه أبو عوانة (١)، وابن خزيمة (٢)، وابن حبان، وكذا النووي (٣).
стр. 1568
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (خرج النبي ﷺ ظاهر هذا أن المراد خرج إلى الصحراء، وصلاة الاستسقاء تجوز في المساجد، لكنها في الصحراء أبلغ في الخشوع وأقوى من التذلل.
قوله: (متواضعًا) أي: مظهرًا للتواضع.
قوله: (متبذلًا) بمثناة ثم موحدة ثم ذال معجمة، من التبذل: وهو ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع، على خلاف عادته في الجمعة والعيدين.
قوله: (متخشعًا) التخشع: هو التذلل ورمي البصر إلى الأرض وخفض الصوت وسكون الأعضاء، قال الراغب: (أكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب) (١).
قوله: (مترسلًا) من الترسل في المشي؛ أي: متأنيًا في مشيته، عليه سيما السكينة والوقار.
قوله: (متضرعًا) التضرع: هو المبالغة في السؤال والرغبة، والابتهال إلى الله تعالى في الدعاء مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله.
قوله: (لم يخطب خطبتكم هذه) أي: إنه ﷺ لم يخطب في الاستسقاء مثل خطبة الجمعة والعيد، بل خطب خطبة أخرى أكثر فيها من الدعاء والاستغفار والتضرع، كما سيأتي في الحديث الثاني.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية صلاة الاستسقاء عند وجود سببها، وهي ركعتان عند جمهور العلماء، وخالف في هذا الحنيفة على المشهور عندهم فقالوا: لا صلاة في الاستسقاء، إنما فيه الدعاء، قالوا: ولو كانت الصلاة ثابتة لاشتهر نقلها عن النبي ﷺ ، ولم يبلغنا إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به (٢).
стр. 1569
وهذا كلام لا يعول عليه ولا يلتفت إليه، فإن حديث الباب حجة عليهم، وحديث عبد الله بن زيد الذي وصفوه بالشذوذ ثابت في " الصحيحين"، كما سيأتي.
وصفتها كصفة صلاة العيد، فتبدأ بالتكبير، على ما تقدم.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن صلاة الاستسقاء تكون في مصلى العيد في الصحراء. هذا هو الأفضل، ليكون أبلغ في إظهار الافتقار والضراعة إلى الله .
• الوجه الخامس: الحديث دليل على صفة الخروج إلى الاستسقاء، فيخرج على الصفة المذكورة في الحديث، فلا يلبس ثياب الزينة ولا يتطيب، ويكون متخشعًا في مشيته وجلوسه في خضوع وتضرع إلى الله تعالى، الإمام والمأموم في ذلك سواء، والله تعالى أعلم.
стр. 1570
كيفية صلاة الاستسقاء وخطبته
٥١٤/ ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: " إنكم شكوتكم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم".
ثم قال: " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغًا إلى حين".
ثم رفع يديه، فلم يزل حتى رثي بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل، وصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت، وبرقت، ثم أمطرت. رواه أبو داود وقال: غريب، وإسناده جيد.
٥١٥/ ٣ - وقصة التحويل في "الصحيح" من حديث عبد الله بن زيد، وفيه: "فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة".
٥١٦/ ٤ - وللدار قطني من مرسل أبي جعفر الباقر: " وحول رداءه ليتحول القحط".
стр. 1571
الكلام عليها من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الصلاة"، باب " رفع اليدين في الاستسقاء" (١١٧٣) من طريق خالد بن نزار، قال: حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس بن يزيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
وأخرجه أيضًا ابن ح بان (٧/ ١٠٩)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار" (١/ ٣٢٥)، والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٧٦٩ - ١٧٧٠ - ١٧٧١ - ١٧٨٠)، والحاكم (١/ ٣٢٨)، والبيهقي (٣/ ٣٤٩).
قال أبو داود عقبه: (هذا حديث غريب، إسناده جيد)، وغرضه بذلك بيان حال الحديث وأنه صالح للاحتجاج به، وقد، تفرد به خالد بن نزار، وهو يغرب، وقد ذكره ابن حبان في " الثقات"، وقل عنه: (يغرب ويخطئ) (١)، وأخرج له حديثه هذا في " صحيحه" كما تقدم.
وأما حديث عبد الله بن زيد ﵁، فقد أخرجه البخاري في عشرة مواضع من كتاب "الاستسقاء" منها: باب " الجهر بالقراءة في الاستسقاء" (١٠٢٤)، ومسلم (٨٩٤)(٤) من طريق الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد به، وليس عند مسلم ذكر الجهر بالقراءة.
وأما مرسل أبي جعفر، فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦) من طريق حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه … وذكره.
وأبو جعفر الباقر هو محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وبينه وبين النبي ﷺ رجلان فأكثر، فخبره هذا مرسل على اصطلاح المتقدمين، ومعضل على اصطلاح بعض المتأخرين، والمرسل ليس بحجة عند الأكثرين، والمعضل أولى منه بذلك، لكن يستأنس به، إذ ليس في قبوله إثبات حكم شرعي.
стр. 1572
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (شكا الناس) أي: أخبروا النبي ﷺ عن مكروه أصابهم لأجل أن يستسقي لهم.
قوله: (قحوط المطر) بضم القاف والحاء المهملة، مصدر قحط، من باب (خضع) كالقحط، أو هو جمع قحط، وهو انحباس المطر وانقطاعه، وأضيف إلى المطر للإشارة إلى عمومه في بلدان شتى.
قوله: (فأمر بمنبر) من النبر: وهو الرفع؛ لأنه يتخذ للارتفاع عليه وتعلية الصوت، وكل شيء مرتفع فهو منبر، وقد شكك ابن القيم في ثبوت لفظه: (فأمر بمنبر) ولعل وجه ذلك أنه لم يثبت إخراج المنبر، والحديث وإن صححه الحاكم ومن ذكر فإن أبا داود قال: (هذا الحديث غريب، إسناده جيد) كما تقدم، وقد أخرج البخاري في "صحيحه" صلاة عبد الله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵁ فقام لهم على رجليه على غير منبر، ولو كان إخراجه سنة لما تركه، ولو تركه لأنكر عليه الصحابة، ثم إن الاستسقاء فيه زيادة تواضع وتضرع، كما تقدم، وهذا ينافيه الترفع على المنبر.
قوله: (حين بدا حاجب الشمس) بدا: بالألف لا بالهمز؛ أي: ظهر ولاح، وحاجب الشمس: أول ما يبدو من الشمس، والمراد: ظهر شعاعها من الأفق، وسمي حاجبًا لأنه أول ما يبدو منها؛ كحاجب الإنسان، ففيه استعارة.
قوله: (فكبر الله وحمده) هكذا في رواية أبي داود، وكذا البيهقي بذكر التكبير، وعند ابن حبان: (فحمد الله وأثنى عليه)، وعند الطحاوي والطبراني: (فحمد الله)، ولعل هذا هو الأقرب.
قوله: (جدب دياركم) الجدب بإسكان الدال المهملة ضد الخصب، وفي "سنن أبي داود" زيادة: (واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم)، والإبان بكسر الهمزة وتشديد الباء: أول الشيء أو حينه؛ والمعنى: تأخر المطر عن أول وقته.
стр. 1573
قوله: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم) تقدم معنى ذلك في " صفة الصلاة".
قوله: (ملك يوم الدين) ملك: بدون ألف، نص على ذلك أبو داود، فإنه قال عقب هذا الحديث: (أهل المدينة يقرأون: "ملك يوم الدين"، وإن هذا الحديث حجة لهم) وعلى هذه القراءة أكثر السبعة، وقرأ عاصم والكسائي "مالك" بالألف، فهما قراءتان سبعيتان ثابتتان عن رسول الله ﷺ بالتواتر، ولا يتوقف ثبوت أحدهما على الاحتجاج بدليل ظنه كحديث الباب، وقراءة "ملك" أبلغ؛ لأنها أكثر شمولًا من " مالك"؛ لأن الملك يتصرف فيما يملك وفيما لا يملك، بخلاف المالك (١).
قوله: (قوة وبلاغًا إلى حين) أي: أنزل علينا المطر النافع الذي يكون سببًا لنبات الأرزاق، والأرزاق سبب لقوة بني آدم والبهائم، وقوله: " وبلاغًا إلى حين" أي: اجعله كافيًا لنا مدة احتياجنا إليه، والبلاغ: هو ما يتواصل به إلى المطلوب، وفي بعض نسخ أبي داود: "وبلاغًا إلى خير"، أي: إلى خير الدنيا والآخرة.
قوله: (حتى رؤي بياض إبطيه) تقدم معناه في "صفة الصلاة" والذي في " سنن أبي داود": (حتى بدا بياض إبطيه).
قوله: (ثم حول إلى الناس ظهره) أي: صار وجهه إلى القبلة وهو على المنبر، بدليل ما بعده.
قوله: (وقلب رداءه) أي: جعل أيمنه أيسره، وكأن هذا والله أعلم من باب التفاؤل بأن يحول الله الجدب إلى الخصب، والشدة إلى رخاء، كما يدل على ذلك مرسل أبي جعفر الباقر.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه إذا عزم الإمام على الخروج إلى الاستسقاء فإنه يعد الناس يومًا يخرجون فيه، ليتأهبوا للخروج.
стр. 1574
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن شكاية الناس إلى الإمام قحوط المطر لا ينافي التوكل على الله تعالى؛ لأنهم لم يقصدوا الشكوى لذاتها، وإنما قصدوا طلب الاستسقاء من الإمام يصح جماعة وفرادى، ويوم الجمعة على المنبر بدون إذن الإمام.
أما الخروج إلى المصلى فلا يجوز إلا بإذن من الإمام على الأظهر؛ لأن هذا لم يقع في عهد النبي ﷺ ولا عهد أصحابه إلا بإذن الإمام الأعظم، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران: (إني كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا يستسقوا … ) (١)، وهذا رواية عن أحمد، والمذهب أنه لا يشترط لها إذن الإمام، لكن إذا كانوا في بلد قد أمات حكامها الاستسقاء فإنه يشرع لهم أن يصلوها في الصحراء إن تيسر أو في المساجد؛ لأن الرسول ﷺ شرع ذلك لأمته (٢).
• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن وقت صلاة الاستسقاء كوقت صلاة العيد، وذلك حين ترتفع الشمس.
• الوجه السادس: هذا الحديث نص صريح في تقديم خطبة الاستسقاء على الصلاة، ودل على ذلك أيضًا حديث عبد الله بن زيد المذكور بعد حديث عائشة، وفيه: (فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين)، وفي حديث ابن عباس المذكور أول الباب من طريق الثوري، عن عشان بلفظ: (فدعا ولم يخطب خطبتكم هذه، ثم صلى ركعتين كما يصلي العيد).
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وبه قال الليث بن سعد وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم (٣).
والقول الثاني: أن الخطبة بعد الصلاة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة،
стр. 1575
وهو قول الشافعي، ومالك (١)، ونسبه ابن حجر إلى الجمهور (٢)، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ قال: (خرج نبي الله يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله (٣).
والقول الثالث: أن الإمام مخير إن شاء قدم الصلاة، وإن شاء قدم الخطبة، وهذا رواية عن الإمام أحمد (٤)، لورود الأخبار بكلا الأمرين.
والقول الأول أظهر؛ لأنه أصح دليلًا.
• الوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية خطبة واحدة في الاستسقاء، وينبغي أن تشتمل على تنبيه الناس إلى الحاجة التي خرجوا لها، ليجتهدوا في تحريها وتحقيقها، وأن تبدأ الخطبة بالحمد والثناء على الله تعالى مع الاستغفار، وإظهار الافتقار إلى اله تعالى، والمبالغة في التضرع، ثم يشرع في الدعاء ويرفع يديه، وينبغي أن يبالغ في هذا الرفع؛ لحديث أنس الآتي في آخر الباب.
• الوجه الثامن: الحديث دليل على مشروعية تحويل الرداء في الاستسقاء وما يقوم مقامه من الملابس الظاهرة، وقد ورد في حديث عبد الله بن زيد ﵁: (وحول رداءه، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله (٥).
стр. 1576
قال أبو داود: (قلت لأحمد: تقليب الرداء أعني في صلاة الاستسقاء هكذا، وجعلت طرف ردائي الأيمن على اليسار على اليمين؟ قال: نعم (١)).
وهذا قول مالك والشافعي في القديم وهو قول سفيان بن عيينة، وأبي ثور، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهوية (٢).
والقول الثاني: أن تحويل الرداء يكون بتنكيسه، وذلك بجعل أعلاه أسفله، ويزيد على ذلك بأن يجعل ما على الأيمن على الأيسر والعكس، وهذا قول الشافعي في الجديد، مستدلًا بما أخرجه في "الأم" قالت: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن عباد بن تميم قال: (استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه) (٣).
والقول الأول هو الراجح في صفة تحويل الرداء، ثم إن جعل الأسفل هو الأعلى مناسب في الرداء لكن هذا غير مناسب في ألبسة الناس اليوم، كما هو معلوم، وإنما يناسبها جعل ما على الأيمن على الأيسر.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (إن الحديث بذلك أصح وأصرح؛ ولأن فعله أيسر وأسهل، والله أعلم) (٤).
• الوجه التاسع: ظاهر حديث عائشة ﵂ أن تحويل الرداء كان بعد الدعاء، وكذا في حديث عبد الله بن زيد ﵁: (فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه … ) (٥)، وفي حديث عبد الله بن زيد عند
стр. 1577
أبي داود كما تقدم: (وحول رداءه … ثم دعا الله ، وظاهره أن التحويل قبل الدعاء، فإن قيل بالترجيح فتقديم الدعاء على التحويل أرجح؛ لأنه رواية البخاري، وإن قيل بجميع الروايات فالأمر في هذا واسع إن شاء الله تعالى.
• الوجه العاشر: هل تحويل الرداء خاص بالإمام أو عام لجميع الحاضرين؟ ذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد إلى مشروعية تحويل المأمومين أرديتهم كالإمام (١)، واستدلوا بحديث عبد الله بن زيد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر به وفيه: (ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس معه) (٢).
القول الثاني: أن تحويل الرداء خاص بالإمام، وهذا مذهب الحفية (٣)، وحكي عن سعيد بن المسيب وعررة والثوري، وهو قول الليث وأبي يوسف ومحمد بن الحسن (٤).
مستدلين بأنه لم ينقل أن النبي ﷺ أمر الناس بقلب أدرتيهم؛ ولأن الاستسقاء دعاء، فلا يستحب تحويل الداء فيه، كسائر الأدعية.
وقد حكم الألباني على رواية ابن إسحاق بالشذوذ (٥)، وهذا جار على طريقة المحدثين، فإن حديث عبد الله بن زيد ﵁ جاء في " الصحيحين" من رواية سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد، عند البخاري ومسلم (٦)، وكذا جاء في غيرهما، ومن رواية مالك عن عبد الله بن
стр. 1578
أبي بكر عند مسلم (١)، وليس فيه تحويل الناس أرديتهم، وإنما فيه الاقتصار على تحويل النبي ﷺ رداء، وهذا هو المحفوظ، ورواية ابن إسحاق شاذة، لا تقف في مقابلة رواية واحد من هذين الإمامين، فكيف باجتماع روايتهما؟.
والقول الأول لا بأس به؛ لأن القاعدة أن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، كيف وقد عقل المعنى؟
وهو التفاؤل بقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب (٢).
فإذا ضم إلى ذلك رواية ابن إسحاق قوي هذا القول، ويؤيده أيضًا قول أنس ﵁ في استسقاء النبي ﷺ يوم الجمعة على المنبر: (فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون) (٣)، فإذا شاركوا الإمام في رفع الأيدي في الدعاء فما المانع من مشاركته في تحويل الرداء؟.
وقد ذكر ابن مفلح أنهم يتركون الرداء محولًا حتى ينزعوه مع ثيابهم، لعدم نقل إعادته (٤).
وهل يسحب للنساء تحويل الرداء؟ هذا مفرع على القول الأول، قال الشوكاني باستحباب ذلك (٥)، لعموم (وتحول الناس معه) وقال بعض فقهاء المالكية: لا يستحب ذلك في حقهن (٦)، والقول بالتفصيل جيد، وهو أن المرأة إذا كانت تنكشف عند تحويلها للرداء وينظر إليها الرجال فإنها لا تفعل؛ لأن قلب الرداء سنة، والكشف أمام الرجال فتنة ومحرم.
وأما إذا كانت لا تنكشف أو أنها في مكان خاص، كما يوجد في بعض الجوامع لو صليت فيه صلاة الاستسقاء، فالظاهر أن حكمها حكم الرجال؛ لأن هذا هو الأصل، وهو تساوي الرجال والنساء في الأحكام، إلا ما دل الدليل على الاختلاف بينهما فيه، وهذا رأي الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٧)، والله تعالى أعلم.
стр. 1579
حكم الاستسقاء في خطبة الجمعة
٥١٧/ ٥ - عن أنس ﵁ أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، والنبي ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فرفع يديه، ثم قال: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا … "
فذكر الحديث، وفيه الدعاء بإمساكها. متفق عليه.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من " صحيحه"، ومنها في كتاب " الاستسقاء" في عشرة مواضع منها باب " الاستيفاء" في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة" (١٠١٤)، ومسم في كتاب "الاستسقاء" (٨٩٨) من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله ﷺ هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا".
قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ستًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنها، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسم يديه، ثم قال: " اللهم حوالينا ولا
стр. 1580
علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر"، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: سألت أنس بن مالك ﵁: أهو الرجل الأول؟ فقال: ما أدري.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن رجلًا) أي: أعرابيًا، كما ورد في بعض الروايات عند النسائي وغيره.
قوله: (هلكت الأموال) أي: تلفت المواشي، وقد ورد ذلك في بعض الروايات عند البخاري، وعند البخاري ومسلم: " هلكت البهائم"، والمراد بهلاكها: عدم وجود ما تعيش به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
قوله: (انقطعت السبل) أي: توقف السير فيها، لقلة الإبل أو ضعفها، والسبل: الطرق.
قوله: (يغيثنا) أي: يزيل الشدة بإنزال المطر علينا، وهو بالرفع على الاستئناف؛ أي: فهو يغيثنا، وهي رواية الأكثر، وفي رواية: (يغثنا) بالجزم جوابًا للطلب، وفي رواية: (أن يغيثنا).
قوله: (فرفع يديه) وفي رواية: (حتى رأيت بياض إبطيه).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الاستسقاء في خطبة الجمعة وأن الخطيب يرفع يديه غير مستقبل القبلة بدون تحويل الرداء، وأما المأمومون فقد ورد في حديث أنس ﵁: ( … فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون) (١).
• الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تكرار الدعاء ثلاث مرات؛ لقوله: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا"، وقد ورد عند عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا (٢).
• الوجه الخامس: أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل؛ لأن