← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قال أبو داود: (قلت لأحمد: تقليب الرداء أعني في صلاة الاستسقاء هكذا، وجعلت طرف ردائي الأيمن على اليسار على اليمين؟ قال: نعم (١)). وهذا قول مالك والشافعي في القديم وهو قول سفيان بن عيينة، وأبي ثور، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهوية (٢). والقول الثاني: أن تحويل الرداء يكون بتنكيسه، وذلك بجعل أعلاه أسفله، ويزيد على ذلك بأن يجعل ما على الأيمن على الأيسر والعكس، وهذا قول الشافعي في الجديد، مستدلًا بما أخرجه في "الأم" قالت: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن عباد بن تميم قال: (استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه) (٣). والقول الأول هو الراجح في صفة تحويل الرداء، ثم إن جعل الأسفل هو الأعلى مناسب في الرداء لكن هذا غير مناسب في ألبسة الناس اليوم، كما هو معلوم، وإنما يناسبها جعل ما على الأيمن على الأيسر. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (إن الحديث بذلك أصح وأصرح؛ ولأن فعله أيسر وأسهل، والله أعلم) (٤). • الوجه التاسع: ظاهر حديث عائشة ﵂ أن تحويل الرداء كان بعد الدعاء، وكذا في حديث عبد الله بن زيد ﵁: (فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه … ) (٥)، وفي حديث عبد الله بن زيد عند

стр. 1577

أبي داود كما تقدم: (وحول رداءه … ثم دعا الله ، وظاهره أن التحويل قبل الدعاء، فإن قيل بالترجيح فتقديم الدعاء على التحويل أرجح؛ لأنه رواية البخاري، وإن قيل بجميع الروايات فالأمر في هذا واسع إن شاء الله تعالى. • الوجه العاشر: هل تحويل الرداء خاص بالإمام أو عام لجميع الحاضرين؟ ذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد إلى مشروعية تحويل المأمومين أرديتهم كالإمام (١)، واستدلوا بحديث عبد الله بن زيد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر به وفيه: (ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس معه) (٢). القول الثاني: أن تحويل الرداء خاص بالإمام، وهذا مذهب الحفية (٣)، وحكي عن سعيد بن المسيب وعررة والثوري، وهو قول الليث وأبي يوسف ومحمد بن الحسن (٤). مستدلين بأنه لم ينقل أن النبي ﷺ أمر الناس بقلب أدرتيهم؛ ولأن الاستسقاء دعاء، فلا يستحب تحويل الداء فيه، كسائر الأدعية. وقد حكم الألباني على رواية ابن إسحاق بالشذوذ (٥)، وهذا جار على طريقة المحدثين، فإن حديث عبد الله بن زيد ﵁ جاء في " الصحيحين" من رواية سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد، عند البخاري ومسلم (٦)، وكذا جاء في غيرهما، ومن رواية مالك عن عبد الله بن

стр. 1578

أبي بكر عند مسلم (١)، وليس فيه تحويل الناس أرديتهم، وإنما فيه الاقتصار على تحويل النبي ﷺ رداء، وهذا هو المحفوظ، ورواية ابن إسحاق شاذة، لا تقف في مقابلة رواية واحد من هذين الإمامين، فكيف باجتماع روايتهما؟. والقول الأول لا بأس به؛ لأن القاعدة أن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، كيف وقد عقل المعنى؟ وهو التفاؤل بقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب (٢). فإذا ضم إلى ذلك رواية ابن إسحاق قوي هذا القول، ويؤيده أيضًا قول أنس ﵁ في استسقاء النبي ﷺ يوم الجمعة على المنبر: (فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون) (٣)، فإذا شاركوا الإمام في رفع الأيدي في الدعاء فما المانع من مشاركته في تحويل الرداء؟. وقد ذكر ابن مفلح أنهم يتركون الرداء محولًا حتى ينزعوه مع ثيابهم، لعدم نقل إعادته (٤). وهل يسحب للنساء تحويل الرداء؟ هذا مفرع على القول الأول، قال الشوكاني باستحباب ذلك (٥)، لعموم (وتحول الناس معه) وقال بعض فقهاء المالكية: لا يستحب ذلك في حقهن (٦)، والقول بالتفصيل جيد، وهو أن المرأة إذا كانت تنكشف عند تحويلها للرداء وينظر إليها الرجال فإنها لا تفعل؛ لأن قلب الرداء سنة، والكشف أمام الرجال فتنة ومحرم. وأما إذا كانت لا تنكشف أو أنها في مكان خاص، كما يوجد في بعض الجوامع لو صليت فيه صلاة الاستسقاء، فالظاهر أن حكمها حكم الرجال؛ لأن هذا هو الأصل، وهو تساوي الرجال والنساء في الأحكام، إلا ما دل الدليل على الاختلاف بينهما فيه، وهذا رأي الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٧)، والله تعالى أعلم.

стр. 1579

حكم الاستسقاء في خطبة الجمعة ٥١٧/ ٥ - عن أنس ﵁ أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، والنبي ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فرفع يديه، ثم قال: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا … " فذكر الحديث، وفيه الدعاء بإمساكها. متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من " صحيحه"، ومنها في كتاب " الاستسقاء" في عشرة مواضع منها باب " الاستيفاء" في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة" (١٠١٤)، ومسم في كتاب "الاستسقاء" (٨٩٨) من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله ﷺ هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ستًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنها، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسم يديه، ثم قال: " اللهم حوالينا ولا

стр. 1580

علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر"، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: سألت أنس بن مالك ﵁: أهو الرجل الأول؟ فقال: ما أدري. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن رجلًا) أي: أعرابيًا، كما ورد في بعض الروايات عند النسائي وغيره. قوله: (هلكت الأموال) أي: تلفت المواشي، وقد ورد ذلك في بعض الروايات عند البخاري، وعند البخاري ومسلم: " هلكت البهائم"، والمراد بهلاكها: عدم وجود ما تعيش به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. قوله: (انقطعت السبل) أي: توقف السير فيها، لقلة الإبل أو ضعفها، والسبل: الطرق. قوله: (يغيثنا) أي: يزيل الشدة بإنزال المطر علينا، وهو بالرفع على الاستئناف؛ أي: فهو يغيثنا، وهي رواية الأكثر، وفي رواية: (يغثنا) بالجزم جوابًا للطلب، وفي رواية: (أن يغيثنا). قوله: (فرفع يديه) وفي رواية: (حتى رأيت بياض إبطيه). • الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الاستسقاء في خطبة الجمعة وأن الخطيب يرفع يديه غير مستقبل القبلة بدون تحويل الرداء، وأما المأمومون فقد ورد في حديث أنس ﵁: ( … فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون) (١). • الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تكرار الدعاء ثلاث مرات؛ لقوله: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا"، وقد ورد عند عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا (٢). • الوجه الخامس: أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل؛ لأن

стр. 1581

الرسول ﷺ أجاب الرجل، ودعا الله تعالى، لكن مقام التفويض إلى الله تعالى أفضل؛ لأن النبي ﷺ كان عالمًا بما وقع لهم من الجدب، وأخر السؤال في ذلك تفويضًا لربه، ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه لبيان الجواز، ولتقرير سنة الاستسقاء. • الوجه الخامس: الحديث آية عظيمة للنبي ﷺ دالة على صدقه وكرامته على ربه، وأنه رسول الله ﷺ حقًا حيث أجاب الله دعوته في الحال، ونزل المطر الكثير ثم أجاب الله دعوته في الاستصحاب حتى خرجوا يمشون في الشمس. • الوجه السابع: الحديث دليل على جواز الدعاء بالاستصحاء، وهو الدعاء بإمساك المطر حيث يكون به ضرر، لكن ينبغي أن يكون بدعاء النبي ﷺ فإن دعا ربه بإمساك المطر عما فيه الضرر، وإبقائه على ما لا ضرر فيه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1582

حكم الاستسقاء بدعاء الصالحين ٥١٨/ ٦ - عن أنس ﵁ أن عمر ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: " اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ فيسقون). رواه البخاري. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الاستسقاء"، باب" سؤال الناس الإمام والاستسقاء إذا قحطوا" (١٠١٠) من طريق ثمامة بن عبد الله بن أنسو عن أنس، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: … الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (قحطوا) بضم القاف وكسر المهملة، أي: أصابهم القحط، وهو إمساك المطر عنهم. قوله: (يستسقي بالعباس … ) الاستسقاء: طلب السقيا كما تقدم، والمعنى: أن عمر ﵁ طلب من العباس ﵁ أن يدعو الله بإنزال الغيث، ولعل عمر ﵁ كان يستسقي بالعباس لقرابته من النبي ﷺ من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية أخرى. وظاهر قوله: (كان إذا قحطوا) أنه فعل ذلك مرارًا كثيرة، كما يدل عليه لفظ (كان)، فإن صح أنه لم يقع منه ذلك إلا مرة واحدة، كانت (كان) مجردة عن معناها الذي هو الدلالة على الاستمرار.

стр. 1583

والعباس بن عبد المطلب: هو أحد أعمام النبي ﷺ ، ولد قبله بسنتين، وهو من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام، وكانت له السقاية، حضر بيعة العقبة قبل أن يسلم ليتوثق للنبي صلى اله عليه وسلم وألقى كلمته المذكورة في كتب السير، وشهد بدرًا مع المشركين، وأسر فافتدى نفسه ورجع إلى مكة فبقي فيها، أسلم عام الفتح فهاجر، والتقى بالنبي ﷺ في الجحفة، فرجع معه إلى مكة، وشهد الفتح، وثبت في حنين، وكان سديد الرأي، واسع العقل، يشاوره الصحابة ﵃ ويأخذون برأيه، مات في شعبان سنة اثنتين وثلاثين ﵁. قوله: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) أصل التوسل: التقرب إلى الشيء المطلوب، والوصول إليه برغبة، يقال: وسل: إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله ، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة … ﴾ [المائدة: ٣٥] أي: اطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. والتوسل الشرعي: هو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة مشروعة؛ كأسماء الله وصفاته والأعمال الصالحة. والتوسل البدعي: هو التوسل إلى الله تعالى بوسيلة غير مشروعة؛ كالتوسل بالذات أو بالجاه، ونحو ذلك. • الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز التوسل بدعاء الرجل الصالح، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حال حياته، ويقولون: ادع الله أن يغثنا، فكان يدعو وهم يؤمنون على دعائه، فلما مات جاءوا إلى العباس ﵁ وطلبوا منه أن يدعو الله أن يغيثهم. وقد أخرج يعقوب بن سفيان عن سليم بن عامر الخبائري: أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية، فصعد المنبر، فقعد معاوية عند رجليه، فقال معاوية:

стр. 1584

اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن فارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح فسقينا، حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم (١). • الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث أهل البدع وأرباب التوسل على جواز التوسل بذوات الصالحين، وهذا استدلال باطل من وجهين: الأول: أن التوسل في هذا الحديث ليس من التوسل بالذوات، وإنما هو توسل بدعاء العباس ﵁؛ لأن عمر ﵁ قال: (اللهم إنا كانا نستسقي بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) ولا شك أن هذا التوسل من نوع واحد، فإذا كان التوسل بدعاء النبي ﷺ فكذا التوسل بالعباس ﵁. الثاني: أنه لو كان التوسل بالذوات جائزًا لكان النبي ﷺ أولى بذلك من العباس؛ لأن حرمة النبي ﷺ ميتًا كحرمته حيًا، فلما عدلوا إلى التوسل بالعباس علم من ذلك أنهم لا يريدون التوسل بذات النبي ﷺ . • الوجه الخامس: اعلم أن التوسل نوعان: ١ - توسل مشروع. ٢ - توسل ممنوع. والتوسل المشروع ثلاثة أقسام: ١ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، فيتوسل بالاسم المقتضي لمطلوبه، أو الصفة المقتضية له، نحو: يا رحمن ارحمني، يا رزاق ارزقني، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوا بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ٢ - التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وبطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، فيذكر من الأعمال الصالحة التي فعلها ابتغاء وجه الله تعالى، قال تعالى عن أولي

стр. 1585

الألباب: ﴿ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا﴾ [آل عمران: ١٦]، ومن ذلك توسل أصحاب الغار الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة باب الغار، فتوسل أحدهم إلى الله تعالى ببر الوالدين، والثاني بعفته عن الزنا، والثالث بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم (١). ٣ - التوسل إلى الله تعالى بدعاء رجل صالح ترجى إجابته؛ كطلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ أن يستسقي لهم، كما في حديث أنس ﵁ المتقدم، وقول عكاشة للنبي ﷺ : (ادع الله أن يجعلني منهم)، ومنه التوسل بالعباس، كما في حديث الباب. وشرط هذا أن يكون في حياة الداعي لا بعد موته؛ لأن الصحابة ﵃ لم يلجأوا إلى النبي ﷺ بعد وفاته ليدعو لهم، كما كان يدعو في حال حياته، بل طلبوا من العباس أن يدعو لهم بالسقيا؛ لأنه حي حاضر يدعو لهم ويؤمنون على دعائه. على أن بعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية منع طلب الدعاء من الرجل الصالح (٢)، لما فيه من ضعف النفس، وقلة التوكل على الله تعالى، ومفسدة الافتقار إلى غير الله تعالى وإيذاء المسؤول، كما أن فيه فتحًا لباب الغرور على من يطلب منه الدعاء، فالأولى أن يسأل الإنسان ربه تعالى بنفسه دون أن يجعل بينه وبين ربه واسطة؛ لأن ذلك أقوى في الرجاء وأقرب إلى الخشية. وأما التوسل الممنوع فهو نوعان: ١ - توسل إلى الله تعالى بوسيلة أبطلها الشرع، وذلك كالاستغاثة بالأموات والأولياء، وتوسل المشركين بآلهتهم، بطلان هذا النوع ظاهر. ٢ - توسل إلى الله بوسيلة غير مشروعة، كالتوسل بذات النبي ﷺ أو بجاهه أو بغيره من الأنبياء أو التوسل بذوات الصالحين أو بجاه فلان، فهذا

стр. 1586

توسل بدعي ووسيلة من وسائل الشرك؛ لأمرين: الأول: أنه إثبات لسبب لم يجعله الشرع. الثاني: أن الوسيلة إلى الشيء ما كان موصلًا إليه، والتوسل بالشيء الذي لا يوصل إلى المطلوب نوع من العبث، وذات الرجل الصالح ليست وسيلة للشيء، إذ لا علاقة بين الدعاء وذات الصالح، فلا يليق بالعبد أن يتخذه فيما بينه وبين الله تعالى، ولو كان مثل هذا النوع جائزًا لفعله الصحابة ﵃، لكن لم يفعلوه كما تقدم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1587

استحباب التعرض للمطر ٥١٩/ ٧ - عن أنس ﵁ قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر ثوبه، حتى أصابه من المطر، وقال: " إنه حديث عهد بربه". رواه مسلم. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب " صلاة الاستسقاء"، باب " الدعاء في الاستسقاء" (٨٩٨) من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁، به. وهذا الحديث أعله أبو الفضل الشهيد بتفرد جعفر بن سليمان به من بين أصحاب ثابت، وجعفر متكلم فيه، قال ابن المديني: (أما جعفر بن سليمان، فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير) وقال الذهبي: (هو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث عدت مما ينكر، واختلف في الاحتجاج بها … ) وذكر هذا منها (١). • الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب التعرض لأول المطر، وذلك بأن يحسر ثوبه ويكشف عن بعض بدنه؛ كرأسه أو ذراعه أو ساقه ونحو ذلك، ليصيبه المطر، وذلك من الفرح بنعمة الله تعالى؛ ولأن المطر لا يزال على طهارته ونقاوته لم تصبه الأرض ولم يختلط بغيره، وهذا معنى قوله: " إنه حديث عهد بربه"، أي: إنه قريب العهد بتكوين ربه وخلقه له، والله تعالى أعلم.

стр. 1588

استحباب الدعاء عند نزول المطر ٥٢٠/ ٨ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "اللهم صيبًا نافعًا". أخرجاه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الاستسقاء"، باب " ما يقال إذا أمطرت" (١٠٣٢) من طريق نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا. وعزو الحافظ الحديث إلى " الصحيحين" وهم منه ﵀، وإنما هو عند البخاري فقط، كما فعل المزي في " تحفة الأشراف" (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (صيبًا) اسم على وزن (فيعل) أصله: صيوب، اجتمعت الياء والواو وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء؛ لأنه من صاب يصوب، إذا نزل، ومعناه: منهمرًا متدفقًا، وهو منصوب بفعل محذوف تقديره: اجعله صيبًا. قوله: (نافعًا) صفة، واحترز به من الصيب الضار، ويجوز أن يكون احترازًا عن مطر لا يترتب عليه نفع، فيكون أعم من أن يترتب عليه ضرر (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الدعاء عند نزول المطر بهذا الدعاء الجامع، وهو أن يجعله الله تعالى مطر رحمة ونفع، لا مطر عذاب ولا هدم ولا غرق، وهذا هو الصيب النافع، والله تعالى أعلم.

стр. 1589

حكم الاستسقاء بدون صلاة ٥٢١/ ٩ - عن سعد ﵁ أن النبي ﷺ دعا في الاستسقاء: " اللهم جللنا سحابًا، كثيفًا قصييفًا، دلوقًا، ضحوكًا، تمطرنا منه رذاذاً، قطقطًا، سجلًا، يا ذا الجلال والإكرام". رواه أبو عوانة في " صحيحه". • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو عوانة في " صحيحه" (٢/ ١١٩) من طريق عبد الله بن محمد الأنصاري، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عائشة بنت سعد، حدثته أن أباها حدثها: أن رسول الله ﷺ نزل واديًا دهسًا لا ماء فيه، وسبقه المشركون إلى القلاب، فنزلوا عليها، وأصاب العطش المسلمين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، ونجم النفاق، فقال بعض المنافقين: لو كان نبيًا كما يزعم لاستسقى لقومه، كما استسقى موسى لقومه. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " أو قالوها؟! عسى ربكم أن يسقيكم"، ثم بسط يديه، وقال: " اللهم جللنا سحابًا كثيفًا قصيفًا دلوقًا حلوقًا ضحوكًا زبرجًا تمطرنا فيه رذاذًا قطقطًا سجلًا بعاقًا، يا ذا الجلال والإكرام"، فما رد يديه من دعائه حتى أظلتنا السحابة التي وصفت، تتلون في كل صفة وصف رسول الله ﷺ من صفات السحاب، ثم أمطرنا كالغروب التي سألها رسول الله ﷺ ، فأفعم السيل الوادي، فشرب الناس من الوادي وارتووا. وهذا سند فيه نظر، عبد الله بن محمد بن عبد الله الأنصاري ذكره ابن

стр. 1590

حبان في " الثقات"، وقال الحافظ في " التقريب": (مقبول) (١). وإبراهيم بن سعد: هو ابن إبراهيم بن عوف الزهري، قال عنه في " التقريب: (ثقة، حجة، تكلم فيه بلا قادح). ومحمد بن إسحاق: صرح بالسماع من الزهري، وهو صدوق، وقد زال ما يخشى من تدليسه، لكنه تفرد به عن أصحاب الزهري. وعائشة بنت سعد: ذكرها ابن حبان في " الثقات" (٢)، وقال العجلي: (تابعية ثقة) (٣). وقد سكت الحافظ هنا عن هذا الحديث، وضعفه في " التلخيص" حيث قال: (وفيه غريبة كثيرة، أخرجه أبو عوانة بسند واهٍ) (٤). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (جللنا) بالجيم، من التجليل. يقال: جلل المطر الأرض، بالتثقيل: عمها وطبقها فلم يدع شيئًا إلا غطى عليه، ومنه يقال: جللت الشيء: إذا غطيته. قوله: (كثيفًا) أي: متكاثفًا متراكمًا بعضه فوق بعض. قوله: (قصيفًا) بالقاف، هو ما كان رعده شديد الصوت، وقد يكون ذلك من أمارات قوة المطر وكثرته. قوله: (دلوقًا) بفتح الدال وضم اللام وسكون الواو فقاف، هو المنهمر بغزارة والمندفع بشدة، يقال: خيل دلوق، أي: مندفعة شديدة الدفعة، ويقال: دلق السيل على القوم: هجم. قوله: (ضحوكًا) بفتح أوله، أي: ذا برق. قوله: (رذاذًا) الرذاذ: بفتح الراء، كسحاب: المطر الضعيف أو الساكن الدائم الصغير كأنه الغبار.

стр. 1591

قوله: (قطقطًا) بكسر القاف وإسكان الطاء، أصغر من الرذاذ، قال أبو زيد: القطقط أصغر المطر، ثم الرذاذ، وهو فوق القطقط، ثم الطش وهو فرق الرذاذ. قوله: (سجلًا) مصدر سجلت الماء سجلًا، إذا صببته صبًا، وصف به السحاب مبالغة في كثرة ما يصب منها من الماء حتى كأنها نفس المصدر، والمعنى أنه سأل أنواع المطر؛ لأنه أبلغ في نفع الأرض. قوله: (يا ذا الجلال والإكرام) هذا توسل بهذين الاسمين العظيمين. • الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الاستسقاء بدون صلاة؛ لأن الظاهر من سياق الحديث أنه ﷺ استسقى في هذا الوادي بدون صلاة، وقد تقدم في أول الباب أنواع الاستسقاء، وهذا واحد منها. الوجه الرابع: في الحديث ظهور آية عظيمة للنبي ﷺ دالة على صدقه وكرامته على ربه ، وأن الله تعالى يستجيب دعاءه، لكن هذا ليس على إطلاقه، فقد يستجاب دعاؤه وقد لا يستجاب والله عليم حكيم، وقد ثبت أن النبي ﷺ دعا في الصلاة على أناس من كفار قريش وخلفه الصحابة يؤمنون على دعائه، وهو أشرف الخلق، وهم صفوة الخلق بعد الرسل ومع ذلك أنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨] فلم يستجب دعاؤه فيهم، وأسلموا وحسن إسلامهم. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل، فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف إلينا، فقال ﷺ : " سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة … " الحديث (١). والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1592

وجود الاستسقاء في الأمم السابقة ٥٢٢/ ١٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " خرج سليمان ﵇، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم". رواه أحمد، وصححه الحاكم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦)، والحاكم (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) من طريق محمد بن عون، عن أبيه، قال: حدثنا ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وهذا سند فيه، محمد بن عون، وقد سكت عنه البخاري ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (١)، وقال أحمد: (رجل معروف) (٢)، وذكره ابن حبان في " الثقات" (٣). ووالده عون مولى أم حكيم بنت يحيى بن الحكم ذكره ابن أبي حاتم ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا (٤)، وذكره ابن حبان في " الثقات" (٥)، وذكره البخاري في " التاريخ الكبير" (٦)، وأعل روايته عن الزهري فقال: ( … عن الزهري مرسل، روى عنه الماجشون).

стр. 1593

وظاهر الإسناد الذي معنا يرد هذا، فإنه قد صرح عون بسماعه من الزهري، فإن أخذ بهذا الظاهر وإلا فالمعول على ما قاله البخاري. ثم إن للحديث طريقًا آخر، فقد رواه الطحاوي (١)، والخطيب (٢)، وأبو الشيخ (٣)، من طريق محمد بن عزير، حدثنا سلامة بن روح، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁، به. وإسناده ضعيف، لضعف سلامه، وهو ابن روح بن خالد، قال أبو حاتم: (ليس بالقوي، محله عندي الغفلة)، وقال أبو زرعة: (ضعيف منكر الحديث)، وقال الآجري عن أبي داود: (كان أحمد بن صاح كتب عنه ثم تركه) (٤)، وقال الحافظ في " التقريب": (صدوق له أوهام، وقيل: لم يسمع من عمه عقيل بن خالد، وإنما يحدث من كتبه). ومحمد بن عزيز مختلف فيه، وفي سماعه من ابن عمه سلامة نظر، كما ذكر الحافظ في "التقريب" وله طريق ثانٍ رواه ابن حبان (٥)، وابن أبي حاتم (٦)، وأبو نعيم (٧)، والطبراني (٨) من طريق مسعر بن كدم عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، قال: خرج سليمان … فذكره. وهذا سند ضعيف، لضعف زيد العمي. وله طريق ثالث مرسل أخرجه عبد الرزاق (٩)، ومن طريقه الطبراني (١٠)، عن معمر، عن الزهري أن سليمان بن داود … وإسناده صحيح إلى الزهري، ولعل هذا الصواب في الحديث، أنه من مرسل الزهري، ومراسيله ضعيفة، قال ابن معين ويحيى بن سعيد القطان والشافعي مرسل الزهري ليس بشيء (١١).

стр. 1594

وقد عزى الحافظ هذا الحديث في " البلوغ" وعزاه في " التلخيص" (١) إلى أحمد، والمراد " المسند" عند الإطلاق، ولم أجده فيه عن طريق الفهارس، وإنما هو في كتاب " الزهد" (٢)، وعزاه الحافظ ابن كثير (٣) إلى ابن أبي حاتم، ولو كان في " المسند" لكان عزوه إليه أهم. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الاستسقاء كان موجودًا في الأمم الماضية، فهو شريعة من قبلنا، وذلك لأن الاستسقاء عند حصول القحط والجدب هو لجميع الخلق، فهو رحمة للجميع من الإنسان والحيوان والطير، وقد جاء القرآن، ﴿وإذ استسقى موسى لقومه … ﴾ [البقرة: ٦٠]، أي: طلب لقومه ماء يشربون منه. • الوجه الثالث: استدل بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة وغيرهم بهذا الحديث على مشروعية إخراج البهائم إلى المصلى للاستسقاء، وكذا قال الصنعاني (٤)، وعللوا لذلك بأن الجدب قد أصابها. والقول الثاني: أنه لا يسن إخراجها؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولأن فيه إتعابها واشتغالًا بها وانشغالًا بأصواتها. وأما حديث الباب فلا حجة فيه، لما تقدم من الكلام في إسناده، ولأن سليمان ﵇ لم يخرج بالنمل تستسقي، وإنما مر على نملة تستسقي. • الوجه الرابع: الحديث دليل على إثبات علو الله على خلقه، لقوله: " رافعة قوائمها إلى السماء"، والله تعالى فطر الخلق كلهم العرب والعجم حتى البهائم على الإيمان بالله تعالى وبعلوه، فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة إلا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو وارتفاع قلبه إلى السماء، لا يلتفت إلى غيره يمينًا ولا شمالًا، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء، وهذه الحشرة التي رفعت قوائمها إلى السماء

стр. 1595

تدعو الله تعالى، عندها فطرة غريزية أن الله تعالى في السماء، فهذه النملة أعقل وأسلم فطرة من الجهمية الذين ينكرون علو الله على خلقه، ويقولون: إن الله ليس في السماء، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولو وصف العدم لم يوصف بأكثر من هذا. وهدى الله تعالى سلف هذه الأمة، فأجمعوا على ثبوت علو الله تعالى على خلقه وكونه في السماء فوق جميع مخلوقاته على ما يليق بجلاله، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 1596

مشروعية رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ٥٢٣/ ١١ - عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء. أخرجه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب " صلاة الاستسقاء" باب " رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء" (٨٩٦) من طريق الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁. • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، وكذلك المأمومون كما تقدم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، وهو المراد بقوله: (فأشار بظهر كفيه إلى السماء)، وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث على قولين: الأول: أن الحديث على ظاهره، وأن معناه: أنه جعل ظهورهما نحو السماء، قالوا: وهذا يدل على أن كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه، فإن الداعي يجعل باطنهما إلى الأرض وظاهرهما إلى السماء، وكل دعاء لسؤال شيء وتحصيله يجعل ظاهر كفيه إلى الأرض، وباطنهما إلى السماء. الثاني: أن المراد بالحديث المبالغة في رفعهما، وأنه لشدة الرفع انحنت يداه؛ لأن الرفع إذا قوي صارت أصابع اليدين نحو السماء مع نوع من

стр. 1597

الانحناء، حتى كأن الرائي يرى ظهورهما نحو السماء لا أنه قصد ذلك، والله تعالى أعلم. ولفظ الحديث ليس بصريح فيما ذكره الأولون؛ لأن النصوص إذا جمعت تدل على أن الدعاء ببطون الأكف لا بظهورها، وقد أخرج أبو داود (١) عن مالك بن يسار السكوني ثم العوفي أن النبي ﷺ قال: " إذا سألتم الله، فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" (٢). ثم إن الداعي إنما يرفع يديه يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره. وهذا المعنى اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وكذا الشيخ عبد العزيز بن باز، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1598

باب اللباس اللباس: بكسر اللام اسم لما يلبس، وأصله اسم مصدر من قولك: لبس الثوب لبسًا ولباسًا، أي: استتر به. واللباس: ما يلبس على الجسم ليستره أو يدفئه. وهو من نعم الله تعالى على عباده؛ لأنه يستر أعضاء مخصوصة من بدن الإنسان ويحفظه من عاديات الجو وتقلباته، إضافة إلى أنه زينة وجمال، قال تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦]. فذكر تعالى اللباس البدني الضروري: ﴿لباسًا يواري سوءاتكم﴾، واللباس التكميلي الذي هو زينة وجمال: ﴿وريشًا﴾ أي: وأنزلنا عليكم ريشًا: وهي ثياب الزينة والجمال، واللباس المعنوي، ﴿ولباس التقوى﴾ وهو: التخلق بتقوى الله تعالى، وهو طاعته بفعل المأمور واجتناب المحظور، سمي لباسًا؛ لأنه يستر عورات الذنوب، ﴿ذلك خير﴾ أي: أفضل وأنفع من لباس البدن. وهذا الباب عقده الحافظ لبيان ما يحل وما يحرم من اللباس، ومناسبته بعد أبواب الصلاة من جهة أن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فناسب ذكره لذلك. والأصل في اللباب: الحل كغيره من أنواع المباحات، كالمآكل والمشارب والمراكب والمساكن، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢].

стр. 1599

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة" (١). والإسلام لم يقرر نوعًا من اللباس لا يجوز تخطيه، بل أجاز كل لباس ما دام متفقًا مع القواعد والضوابط التي حددها الإسلام في موضع اللباس والتي جاءت النصوص الشرعية ببيانها. * * *

стр. 1600

تحريم الحرير والديباج على الرجال ٥٢٤/ ٤ - عن أبي عامر الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير". رواه أبو داود، وأصله في البخاري. ٥٢٥/ ٢ - وعن حذيفة ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه". رواه البخاري. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عامر الأشعري، مختلف في اسمه، فقيل: عبد الله بن هانئ، وجزم البخاري بأنه عبيد بن وهب، وقيل غير ذلك، ذكره خليفة بن خياط في من نزل الشام من الصحابة من قبائل اليمن، بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان (١). • الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث أبي عامر، فقد أخرجه أبو داود في كتاب " اللباس"، باب " ما جاء في الخز" (٤٠٣٩) من طريق عطية بن قيس قال: سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك، والله ما كذبني، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ليكونن من أمتي قوم يستحلون الخز والحرير"، وذكر كلامًا قال: " يمسخ آخرون قردة وخنازير إلى يوم القيامة".

стр. 1601

وهذا الحديث إسناده صحيح، ولا يضر التردد في اسم الصحابي لثبوت عدالتهم مطلقًا، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري من كبار التابعين، ثقة جليل كبير القدر. والحديث أصله في البخاري معلقًا من طريق عطية بن قيس الكلابي، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" (١). وقد علقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار قال: وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية … فهذا السياق سياق تعليق؛ لأن البخاري لم يذكر صيغة (قال فلان) في "صحيحه" إلا في التعاليق، لكن يشكل على ذلك أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري، لقيه وسمع منه، وخرج عنه حديثين غير هذا محتجًا به، يقول فيهما: حدثنا هشام بن عمار (٢). وقد التمس الحافظ سبب تعليق البخاري لهذا الحديث على الرغم مما ذكر، فقال: (والذي يظهر لي أنه لقصور في سياقه، وهو هنا تردد هشام في اسم الصحابي). ولا ضير في ذلك ما دام أن الحديث ورد موصولًا من طرق عن هشام بن عمار عن أبي داود وغيره، وبهذا يتبين أن إعلال ابن حزم لهذا الحديث بأن البخاري قد علقه، قول مردود (٣).

стр. 1602

وأما حديث حذيفة، فقد أخرجه البخاري في كتاب " اللباس"، باب " افتراش الحرير"، (٥٨٣٧) من طريق وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن حذيفة ﵁، مرفوعًا. لكن ذكر الحافظ أن حديث حذيفة قد جاء في " الصحيحين" من عدة أوجه، وليس فيها لفظة: (وأن نجلس عليه) (١)، وتوضيح ذلك أن الحديث ورد عند مسلم (٢٠٦٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، وليس فيه هذه اللفظة، وسفيان أوثق من جرير بن أبي حازم، فتقدم روايته على رواية جرير، ثم إن الحديث له طرق أخرى في " الصحيحين" ليس فيه لفظة: (وأن نجلس عليه) فتكون شاذة على قواعد المحدثين. • الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون) الظاهر أن المراد أمة الإجابة، وهذا الاستحلال إما أن المراد به أنهم يعتقدون حلهما، لا أنهم يستحلونهما؛ لأن من استحل محرمًا مجمعًا عليه فهو كافر، فلما صاروا يداومون عليها صاروا كالمستحلين لها، أو أن المراد الاسترسال في استعمالهما والتساهل كالاسترسال في الحلال، وذلك لضعف إيمانهم، وقلة مبالاتهم في آخر الزمان، لقلة العلم وغلبة الجهل والإعراض عن دين الله (٢). قوله: (الحر) هكذا بالحاء المهملة المكسورة بعدها راء مخففة، وأصله: جرح بكسر الحاء المهملة وسكون الراء، وجمعه: أحراح، وهو الفرج (٣)، يريد أن يكثر فيهم الزنا. ووقع في بعض نسخ أبي داود (الخز) بالخاء والزاي المعجمتين مع التشديد، قال الحافظ: (كذا هو في معظم الروايات من " صحيح البخاري"، ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره، وقال: إنه هو الراجح) (٤).

стр. 1603

قال ابن الأثير: (الخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم … ) (١). قوله: (والحرير) على رواية: " الخز" بالخاء يكون هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن الحرير أعم من الخز، أما على رواية: " الحر" بالحاء، فهو من عطف المغاير. والحرير: اسم عربي، والمراد الحرير الأصلي، وهو خيط دقيق تفرزه دودة القز، وهي دودة الحرير (٢)، سمي بذلك: لأنه من خالص الإبريسم، وكل خالص فهو محرر، ومنه طين حر؛ لأنه لم يخالطه رمل. قوله: (والديباج) بكسر الدال على المشهور، عجمي معرب، وهو ما غلظ من ثياب الحرير، وذكره بعد الحرير وإن كان نوعًا منه هو من باب ذكر الخاص بعد العام. • الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الأمور المذكورة في الحديث من الحرير والزنا والخز والمعازف، وأن هذه المعاصي العظيمة سبب للعقوبات البالغة. ولقد كثر في آخر الزمان تعاطي هذه المنكرات، فانتشر الزنا، وشربت الخمور، واستعملت المعازف، ولا سيما في زماننا هذا، لضعف الإيمان، وقلة الوازع، وكثر الجهل، وهذا من دلائل نبوته ﷺ ، نسأل الله السلامة. • الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم الحرير وأنه لا يجوز لبسه، وهو مختص بالرجال دون النساء، كما سيأتي إن شاء الله، ولا فرق في تحريم لبس الحرير بين الصغير والكبير (٣)؛ لأن الصغير الذكر داخل في قوله ﷺ : " هذان حرام على ذكور أمتي" وسيأتي إن شاء الله، والمراد الحرير الخالص، فإن كان مشوبًا بغيره فسيأتي أيضًا إن شاء الله.

стр. 1604

وهذا قول الجمهور، وحكى النووي وابن قدامة، وغيرهما الإجماع على ذلك (١)، وفيه نظر. وقد ورد حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة" (٢). وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ يقول: قال النبي ﷺ : " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٣). فهذه الأحاديث وغيرها تدل دلالة ظاهرة على تحريم لبس الحرير على الرجال، لما فيها من الوعيد الشديد الذي لا يكون إلا في محرم شديد الحرمة. والحكمة من تحريمه والله أعلم: ١ - أن في لبسه تشبهًا بالكفار، كما في حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا، ولكن في الآخرة" (٤). ٢ - أن في لبسه تشبهًا بالنساء. ٣ - أنه شعار النعومة واللين، والمبالغة في ذلك ليس من صفات الرجال، بل المطلوب من الرجال التزين بما لا مبالغة فيه، حتى يكون أهلًا لتحمل مشاق الأمور. * الوجه السادس: الحديث دليل على تحريم افتراش الحرير والديباج، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وبعض الحنفية (٥).

стр. 1605

واستدلوا بقوله: (وأن نجلس عليه)، وهذا اللفظ وإن كان فيه المقال المتقدم فإن جمهور أهل العلم على العلم على العمل به، يدل لذلك حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تركبوا الخز ولا النمار" (١). ويؤيد ذلك ما يلي: ١ - أن سبب تحريم اللبس موجود في الافتراش. ٢ - أنه إذا حرم اللبس مع الحاجة فغيره أولى. ٣ - أنه ليس من المعقول أن يحرم الشرع لبس ما زاد على أربع أصابع كما يأتي ثم يجيز الافتراش الذي هو أكثر من ذلك بكثير، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1606

مقدار ما يباح من الحرير ٥٢٦/ ٣ - عن عمر ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع". متفق عليه، واللفظ لمسلم. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " اللباس"، باب " لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه" (٥٨٢٨)، ومسلم في " اللباس والزينة" (٢٠٦٩) (١٤) من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا عثمان النهدي، قال: (جاءنا كتاب عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد أو بالشام؛ أما بعد: فإن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا: إصبعين) وهذا لفظ مسلم. وأخرجه مسلم أيضًا (١٥) من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عامر الشعبي، عن سويد بن غفلة، أن عمر بن الخطاب خطب الجابية فقال: (نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع). • الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم الحرير على الرجال، إلا الشيء اليسير كموضع إصبع أو إصبعين أو أربعة فهذا يباح؛ لأن صاحبه لا يعد لابسًا للحرير، وذلك كالعلم في الثوب أو القطعة يرقع بها الثوب أو تطريز جيب القميص أو الأكمام، ونحو ذلك، وذلك من سماحة الشريعة وتوسعتها؛ لأن الرجل قد يحتاج الشيء القليل مما ذكر ونحوه، والله تعالى أعلم.

стр. 1607

جواز لبس الحرير للتداوي به ٥٢٧/ ٤ - عن أنس ﵁: " أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في سفر من حكة كانت بهما". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجهاد"، باب " الحرير في الحرب" (٢٩١٩)، وفي " اللباس"، باب "ما يرخص للرجال من الحرير للحكة" (٥٨٣٩)، ومسلم (٢٠٧٦) من طريق قتادة، عن أنس ﵁، مرفوعًا. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (رخص) الترخيص معناه: التسهيل في الأمر والتيسير، والرخصة: هي الحكم الذي ثبت على خلاف الدليل لعذر. قوله: (لعبد الرحمن بن عوف) هو أبو محمد، عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي، أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، أسلمت أمه الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث وهاجرت، وأسلم هو على يد أبي بكر الصديق ﵁، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وثبت معه يوم أحد، وصلى خلفه النبي ﷺ في غزوة تبوك، وأتم ما فاته، وهو أحد المشهور لهم بالجنة، وكان من أغنياء المسلمين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، مات سنة إحدى وثلاثين، وقيل: اثنتين، ﵁ (١).

стр. 1608

قوله: (والزبير) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي الصحابي الشجاع، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ ، أسلمت وأسلم هو قديمًا على يد أبي بكر الصديق ﵁، وهو ابن ست عشرة سنة، وعذب ليترك دينه، فلم يفعل، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وثبت معه في أحد، قتل يوم الجمل قرب البصرة، سنة ست وثلاثين ﵁ (١). قوله: (في سفر) جاء في بعض الروايات: (فرأيته عليهما في غزاة). قوله: (من حكة … ) من: للتعليل؛ أي: لأجل حكة حصلت بأبدانهما، والحكة: بكسر الحاء، التهاب في الجلد يحمل صاحبه على كثرة حكه، وهي أنواع أشدها الجرب، نسأل الله العافية. وقد ورد في رواية: (أنهما شكوا إلى رسول الله ﷺ القمل، فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما) (٢)، ويجمع بينهما بأن الحكة حصلت من القمل، فنسبت العلة تارة إلى المسبب وهي الحكة، وتارة إلى السبب (٣)، وهو القمل. • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الحرير على الرجال؛ لأن المشهور عند الأصوليين أن الترخيص لا يكون إلا في مقابل عزيمة. • الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز لبس الحرير للتداوي به من الحكة أو القمل، ونحو ذلك؛ لأن ما ثبت في حق صحابي ثبت في حق غيره ما لم يقل دليل على اختصاصه، وهذا مذهب الجمهور، والمشهور عندهم أنه ليس خاصًا بالسفر، بل يجز في الخصر. وقد ذكر النووي وغيره أن الحكمة في لبس الحرير للحكة لما فيه من البرودة (٤)، وتعقب بأن الحرير حار، والصواب: أن الحكمة لخاصة فيه، وهي دفع ما تنشأ عنه الحكة كالقمل، والله أعلم.

стр. 1609

والقول بالإباحة يدخل تحت قاعدة: " الضرورات تبيح المحظورات"، فإن قيل: قد نهي عن التداوي بالمحرمات؛ لأنها مستخبثة لا علاج فيها؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ لم يحرم لبس الحرير لخبث في ذاته، بل هو من أفضل الألبسة، ولذا أحل للنساء كما سيأتي، وجاز لمسه وبيعه والانتفاع بثمنه (١). الثاني: أن المراد بالنهي عن التداوي بالمحرمات ما يدخل إلى الجوف، وأما الأمور الظاهرة فلا تدخل في هذا، وبهذا أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1610

إباحة الحرير للنساء ٥٢٨/ ٥ - عن علي ﵁ قال: " كساني النبي ﷺ حلة سيراء، فخرجت فيها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " اللباس"، باب " الحرير للنساء"، (٥٨٤٠)، ومسلم (٢٠٧١) (١٩) من طريق غندر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، عن علي بن أبي طالب ﵁، مرفوعًا. وقول الحافظ: (وهذا لفظ مسلم) لا فائدة فيه؛ لأن لفظ الحديث واحد عندهما. وأخرجه مسلم أيضًا (٢٠٧١) (١٧) من طريق شعبة، عن أبي عون قال: سمعت أبا صالح يحدث عن علي قال: … فذكره. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كساني) أي: ألبسني، والمراد: أعطاني. قوله: (حلة سيراء) الحلة: بضم الحاء المهملة، ثوبان إزار ورداء ساترًا لجميع البدن، والسيراء بكسر السين المهملة آخره ألف ممدودة: هي برود مضلعة بالحرير، وقيل: حرير خالص، وعليه أكثر الشراح، وقال الصنعاني: (هو الأقرب)، وقال الحافظ ابن حجر: إن السيراء قد تكون حريرًا صرفًا، كالتي

стр. 1611

في قصة عمر ﵁ كما سيأتي، وقد تكونه حريرًا غير خالص كالتي في قصة علي ﵁، ولهذا لم يقع الوعيد على لبسها، كما في قصة عمر ﵁ (١). ويجوز في (حلة) التنوين، ويكون قوله: (سيراء) عطف بيان أو نعتًا، كقولهم: ناقة عشراء، ويجوز تركه على الإضافة، من إضافة الشيء لصفته، كقولهم: ثوب خز، وعزاه النووي إلى المحققين (٢). قوله: (فخرجت فيها) يظهر من ذلك أن عليًا ﵁ فهم من إهداء هذه الحلة له أنه يلبسها، مع أن ذلك غير مراد؛ لما ورد في بعض الروايات عند مسلم من طريق شعبة، عن أبي عون به بلفظ: (فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء)، وفي لفظ: (شققه خمرًا بين الفواطم). قوله: (فشققتها بين نسائي) أي: قطعتها ففرقتها وقسمتها بين نسائي، والمراد بهن: الفواطم كما في الرواية المتقدمة وهي فاطمة بنت النبي ﷺ زوج علي، وفاطمة بنت أسد بن هشان والدة علي، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب بنت عمه، وفاطمة بنت شيبة بن ربيعة امرأة عقيل أخيه (٣). • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الحرير على الرجال؛ بناء على أن الحلة المذكورة حرير خالص. • الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة الحرير للنساء، وقد انعقد الإجماع على ذلك، كما نقله غير واحد، ومنهم: ابن عبد البر (٤)، والنووي (٥). • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن النبي ﷺ إذا أرسل إلى شخص لباسًا، فإنه لا يدل على حل لبسه إذا كان الشرع قد حرمه، ولا يلزم من ذلك أن يلبسه؛ لأنه يمكن أن ينتفع به بوجوه أخرى؛ كإعطائه زوجته إذا كان يباح لها، أو بيعه والانتفاع بثمنه، ونحو ذلك.

стр. 1612

ومثل هذا الحديث حديث ابن عمر ﵁ أن عمر رأى على رجل من آل عطارد قباء من ديباج أو حرير، فقال لرسول الله ﷺ : لو اشتريته، فقال: " إنما يلبس هذا من لا خلاق له"، فأهدي إلى رسول الله ﷺ حلة سيراء، فأرسل بها إلي، قال: قلت: أرسلت بها إلي، وقد سمعتك قلت فيها ما قلت؟ قال: " إنما بعثت بها إليك لتستمع بها"، وفي رواية: "تبيعها وتصيب منها حاجتك" (١). ومثل ذلك الذهب لو أهدي لرجل فليس معنى هذا أنه يلبسه، وإنما يعطيه من يباح له أو يبيعه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1613

إباحة الحرير والذهب للنساء وتحريمهما على الذكور ٥٢٩/ ٦ - عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورهم". رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٢/ ٢٧٦)، والترمذي (١٧٢٠) في أبواب " اللباس" باب " ما جاء في الحرير والذهب" من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى ﵁، ورواه النسائي (٨/ ١٦١) من طريق أيوب، عن نافع به. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). وهذا الحديث صحيح لما له من الشواهد كما سيأتي، أما هذا الإسناد ففيه انقطاع؛ لأن سعيد بن أبي هند لم يلق أبا موسى، على ما ذكره أبو حاتم، فقد قال ابنه: سمعت أبي يقول: (لم يلق سعيد بن أبي هند أبا موسى الأشعري) (١). ومن شواهده حديث علي ﵁ قال: إن النبي ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي" (٢).

стр. 1614

الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم الذهب والحرير على الذكور، أما الحرير فتقدم ما يتعلق به، وأما الذهب فقد نقل ابن عبد البر (١)، والنووي (٢)، وغيرهما الإجماع على تحريم لبس الذهب على الرجال للأحاديث الصحيحة. وقد ورد عن البراء بن عازب ﵁ قال: (نهانا النبي ﷺ عن سبع؛ نهى عن خاتم الذهب، أو قال: حلقة الذهب … ) (٣). ويحرم إلباس الصبي شيئًا من الحرير أو الذهب؛ لأن النبي ﷺ أدار الحكم على الذكورة، ولفظ الذكر شامل للصغير والكبير من هذا الجنس، ولا يجوز إخراج الصبي من هذا العموم إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. • الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة الحرير والذهب للنساء، أما الحرير فتقدم الكلام عليه، وأما الذهب فقد قال البيهقي: (واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة) (٤). وقال ابن عبد البر: (لا خلاف أن لباس الحرير والذهب للنساء حلال) (٥)، وقال النووي: (أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي والفضة، والذهب جميعًا؛ كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال، ولا خلاف في شيء من هذا) (٦).

стр. 1615

ومما يؤيد القول بالعموم في المحلق وغير المحلق، قوله تعالى: ﴿أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف: ١٨]، فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن مجاهد أنه قال: (رخص للنساء في الحرير والذهب، ثم قرأ: ﴿أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾) (١). وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة تدل على الإباحة، ومنها حديث ابن عباس ﵁ في صلاة النبي ﷺ يوم الفطر وخطبته بالرجال ثم بالنساء وحثهن على الصدقة، وفيه: (قال: "فتصدقن" وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال) (٢). وقد استمر الإجماع على ذلك حتى جاء الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ وقال: (إنه يحرم على النساء لبس الذهب المحلق خاصة)، ولم ينسب ذلك لأحد من السلف أو الخلف، وأنكر دعوى النسخ، بحجة أن شروطه غير متحققة، وأن الجمع ممكن، والصواب القول بالنسخ، كما حكاه البيهقي وابن شاهين والنووي وغيرهم، والله تعالى أعلم. * * *
следующие страницы →