← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

في قصة عمر ﵁ كما سيأتي، وقد تكونه حريرًا غير خالص كالتي في قصة علي ﵁، ولهذا لم يقع الوعيد على لبسها، كما في قصة عمر ﵁ (١). ويجوز في (حلة) التنوين، ويكون قوله: (سيراء) عطف بيان أو نعتًا، كقولهم: ناقة عشراء، ويجوز تركه على الإضافة، من إضافة الشيء لصفته، كقولهم: ثوب خز، وعزاه النووي إلى المحققين (٢). قوله: (فخرجت فيها) يظهر من ذلك أن عليًا ﵁ فهم من إهداء هذه الحلة له أنه يلبسها، مع أن ذلك غير مراد؛ لما ورد في بعض الروايات عند مسلم من طريق شعبة، عن أبي عون به بلفظ: (فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء)، وفي لفظ: (شققه خمرًا بين الفواطم). قوله: (فشققتها بين نسائي) أي: قطعتها ففرقتها وقسمتها بين نسائي، والمراد بهن: الفواطم كما في الرواية المتقدمة وهي فاطمة بنت النبي ﷺ زوج علي، وفاطمة بنت أسد بن هشان والدة علي، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب بنت عمه، وفاطمة بنت شيبة بن ربيعة امرأة عقيل أخيه (٣). • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الحرير على الرجال؛ بناء على أن الحلة المذكورة حرير خالص. • الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة الحرير للنساء، وقد انعقد الإجماع على ذلك، كما نقله غير واحد، ومنهم: ابن عبد البر (٤)، والنووي (٥). • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن النبي ﷺ إذا أرسل إلى شخص لباسًا، فإنه لا يدل على حل لبسه إذا كان الشرع قد حرمه، ولا يلزم من ذلك أن يلبسه؛ لأنه يمكن أن ينتفع به بوجوه أخرى؛ كإعطائه زوجته إذا كان يباح لها، أو بيعه والانتفاع بثمنه، ونحو ذلك.

стр. 1612

ومثل هذا الحديث حديث ابن عمر ﵁ أن عمر رأى على رجل من آل عطارد قباء من ديباج أو حرير، فقال لرسول الله ﷺ : لو اشتريته، فقال: " إنما يلبس هذا من لا خلاق له"، فأهدي إلى رسول الله ﷺ حلة سيراء، فأرسل بها إلي، قال: قلت: أرسلت بها إلي، وقد سمعتك قلت فيها ما قلت؟ قال: " إنما بعثت بها إليك لتستمع بها"، وفي رواية: "تبيعها وتصيب منها حاجتك" (١). ومثل ذلك الذهب لو أهدي لرجل فليس معنى هذا أنه يلبسه، وإنما يعطيه من يباح له أو يبيعه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1613

إباحة الحرير والذهب للنساء وتحريمهما على الذكور ٥٢٩/ ٦ - عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورهم". رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٢/ ٢٧٦)، والترمذي (١٧٢٠) في أبواب " اللباس" باب " ما جاء في الحرير والذهب" من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى ﵁، ورواه النسائي (٨/ ١٦١) من طريق أيوب، عن نافع به. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). وهذا الحديث صحيح لما له من الشواهد كما سيأتي، أما هذا الإسناد ففيه انقطاع؛ لأن سعيد بن أبي هند لم يلق أبا موسى، على ما ذكره أبو حاتم، فقد قال ابنه: سمعت أبي يقول: (لم يلق سعيد بن أبي هند أبا موسى الأشعري) (١). ومن شواهده حديث علي ﵁ قال: إن النبي ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي" (٢).

стр. 1614

الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم الذهب والحرير على الذكور، أما الحرير فتقدم ما يتعلق به، وأما الذهب فقد نقل ابن عبد البر (١)، والنووي (٢)، وغيرهما الإجماع على تحريم لبس الذهب على الرجال للأحاديث الصحيحة. وقد ورد عن البراء بن عازب ﵁ قال: (نهانا النبي ﷺ عن سبع؛ نهى عن خاتم الذهب، أو قال: حلقة الذهب … ) (٣). ويحرم إلباس الصبي شيئًا من الحرير أو الذهب؛ لأن النبي ﷺ أدار الحكم على الذكورة، ولفظ الذكر شامل للصغير والكبير من هذا الجنس، ولا يجوز إخراج الصبي من هذا العموم إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. • الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة الحرير والذهب للنساء، أما الحرير فتقدم الكلام عليه، وأما الذهب فقد قال البيهقي: (واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة) (٤). وقال ابن عبد البر: (لا خلاف أن لباس الحرير والذهب للنساء حلال) (٥)، وقال النووي: (أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي والفضة، والذهب جميعًا؛ كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال، ولا خلاف في شيء من هذا) (٦).

стр. 1615

ومما يؤيد القول بالعموم في المحلق وغير المحلق، قوله تعالى: ﴿أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف: ١٨]، فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن مجاهد أنه قال: (رخص للنساء في الحرير والذهب، ثم قرأ: ﴿أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾) (١). وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة تدل على الإباحة، ومنها حديث ابن عباس ﵁ في صلاة النبي ﷺ يوم الفطر وخطبته بالرجال ثم بالنساء وحثهن على الصدقة، وفيه: (قال: "فتصدقن" وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال) (٢). وقد استمر الإجماع على ذلك حتى جاء الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ وقال: (إنه يحرم على النساء لبس الذهب المحلق خاصة)، ولم ينسب ذلك لأحد من السلف أو الخلف، وأنكر دعوى النسخ، بحجة أن شروطه غير متحققة، وأن الجمع ممكن، والصواب القول بالنسخ، كما حكاه البيهقي وابن شاهين والنووي وغيرهم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1616

استحباب إظهار نعمة الله تعالى من اللباس وغيره ٥٣٠/ ٧ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه". رواه البيهقي. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٣/ ١٥٩)، والبيهقي (٣/ ٢٧١) من طريق شعبة، عن الفضيل بن فضالة، عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين، وعليه مطرف (١) خز، فقلنا: يا صاحب رسول الله ﷺ تلبس هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يحب … " فذكر الحديث. والحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير فضيل بن فضالة، فقد روى له النسائي، وهو ثقة، والحديث له شواهد منها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (٢). وعن أبي الأحوص الجشمي عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ في ثوب دون، فقال: " ألك مال؟ "، قال: نعم، قال: " من أي المال؟ " قال: قد أتاني

стр. 1617

من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: " فإذا أتاك الله مالًا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته" (١). • الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب إظهار نعمة الله على عبده إذا أعطاه الله تعالى ووسع عليه، فيظهر أثر النعمة في لباسه ومأكله ومسكنه، وهذا نوع من شكر الله تعالى على نعمه، ولهذا كان محبوبًا لله تعالى، ولا يتشبه بالفقراء والمعدمين؛ لأن هذا نوع جحد لنعمة الله تعالى وإظهار شكوى، ودعوى للفقر؛ لأن لسان الحال كلسان المقال، وهذا الإظهار المطلوب مقيد بقيدين دلت عليهما نصوص الشريعة: الأول: ألا يصل إلى حد الإسراف. الثاني: ألا يكون بقصد الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء واحتقارهم. وقد دل قوله: (إذا أنعم على عبد نعمة) أن المراد بالحديث من عنده سعة من المال، أما من ليس عنده مال فلا يبنغي أن يقترض ويتظاهر أمام الناس بما ليس له حقيقة، فإن هذا من الزور. وأما حديث أبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان" (٢)، والمراد بالبذاذة: رثاثة الهيئة والتواضع في اللباس، وأن ذلك من أخلاق أهل الإيمان، فلا تعارض بين هذا الحديث وحديث الباب؛ لأن معنى هذا الحديث والله أعلم أنه إذا ترك التجمل في بعض الأحيان وأظهر البذاذة فلا بأس به من باب التواضع وكسر النفس عن تكبرها وترفعها على غيرها، فإذا فعله من هذا الباب كان حسنًا، لكن لا يكون عادة دائمة.

стр. 1618

وقال الطحاوي: إن المراد: البذاذة التي لا تبلغ بصاحبها نهاية البذاذة التي لا يعرف بها صاحب النعمة من غيره. وأما حديث الباب فمراد به النعمة التي ترى على صاحبها بلا خيلاء ولا إسراف، فاللباس المحمود هو البذاذ التي لا بذاذة أقل منها ولا يدخل صاحبه في أكمل اللباس، فيكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ [الفرقان: ٦٧] (١)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1619

النهي عن لبس القسي والمعصفر ٥٣١/ ٨ - عن علي ﵁: " أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القسي والمعصفر". رواه مسلم. ٥٣٢/ ٩ - وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: رأى علي النبي ﷺ ثوبين معصفرين، فقال: " أملك أمرتك بهذا؟ ". رواه النسائي. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث علي ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب " اللباس والزينة"، باب " النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر" (٢٠٧٨) من طريق مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن حنين، عن أبيه، عن علي ﵁، مرفوعًا، وتمامه: (وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع). وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵁ فأخرجه مسلم أيضًا في الباب المذكور (٢٠٧٧) من طريق سليمان الأحول، عن طاوس، عن عبد الله بن عمرو، وفي آخره: قلت: أغسلهما؟ قال: " بل أحرقهما". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (القسي) بفتح القاف وتشديد السين المكسورة بعدها ياء النسبة، ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير، منسوبة إلى القس: موضع بمصر على الساحل من جهة الشام، وذكر أبو عبيد أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها (١).

стр. 1620

قوله: (المعصفر) بصيغة اسم المفعول من الرباعي، وهو الثوب المصبوغ بالعصفر، وهو بضم العين والفاء، نبات يستخرج من أزهاره صبع أحمر، يصيغ به الحرير ونحوه. قوله: (أمك أمرتك بهذا؟) استفهام إنكاري، ومعناه: أن هذا من لبس النساء وزيهن أخلاقهن. • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بس الثياب المضلعة بالحرير على الرجال، وهذا مراد به إذا كان أكثره حريرًا. • الوجه الرابع: في الحديثين دليل على أن الرجل منهي عن لبس الثوب المعصفر، وهذا قول للحنفية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١)، لكنهم يعبرون عن النهي بالكراهة، وهي كراهة التنزيه، كما هو اصطلاح المتأخرين. والصواب القول بالتحريم لما ورد في حديث عبد الله بن عمرو ﵁: " إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما" (٢)، فعلل ذلك بأنها من لباس الكفار، ولأنه أمره بإحراقهما. وذهب الجمهور، ومنهم: الشافعية والحنفية والمالكية إلى جواز لبس المعصفر، واستدلوا بأنه ﷺ لبس حلة حمراء، كما ورد في حديث أبي جحيفة (٣)، وقال البراء ﵁: (كان النبي ﷺ مربوعًا، وقد رأيته في حلة حمراء، ما رأيت شيئًا أحسن منه) (٤). وقد نقل البيهقي عن الشافعي ما يفيد أن النهي خاص بعلي ﵁ لما جاء في بعض الروايات أنه قال: (نهاني ولا أقول: نهاكم) (٥). والصواب القول الأول، وهو الذي رجحه البيهقي في " المعرفة"، وقال بعد أن حكى قول من كرهه ومن أجازه: (والسنة ألزم) (٦)؛ لأنه قد تقرر في

стр. 1621

الأصول أن خطاب النبي ﷺ لواحد من الصحابة خطاب لبقية الأمة على الصحيح، ما لم يدل دليل على التخصيص، وقد تقدم ذلك. وأما حديث أبي جحيفة فلا دليل فيه على لبس المعصفر؛ لأمرين: الأول: أن الحلة لم تكن حمرتها خالصة، وإنما هي منسوجة بخطوط حمر مع الأسود، وهذا جواب ابن القيم (١)، وقد تعقبه الشوكاني (٢). الثاني: أن النهي مختص بما صبغ بالعصفر، ولا يلحق به غيره كاللون الأحمر؛ لأنه ﷺ لبس الحلة الحمراء، وهذا جواب الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وقد ذكره من قبل الحافظ ضمن الأقوال السبعة في حكم لبس الأحمر (٣)، واختاره الشوكاني (٤). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وقد أخذ أهل العلم من ذلك حل الألوان من أسود وأخضر وأحمر وغيرها). والذي يظهر لي القول بالإباحة كما قال الشيخ ما لم يكن ثوب شهرة يخالف زي أهل بلده، فيترك لذلك. • الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز العقوبة بالمال؛ لأن الرسول ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بإحراق ثوبيه، وهذا من باب التعزير بالمال، ذكر ذلك ابن تيمية (٥)، قال القاضي عياض: (لعل ذلك على وجه التغليظ والعقوبة في المال) (٦). • الوجه السادس: الحديث دليل على تحريم التشبه بالكفار، وأنه يقع في اللباس وفي غيره. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1622

جواز لبس الثوب الذي فيه يسير الحرير ٥٣٣/ ١٠ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: " أنها أخرجت جبة رسول الله ﷺ مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج". رواه أبو داود. وأصله في مسلم وزاد: " كانت عند عائشة حتى قبضت، فقبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفى بها". وزاد البخاري في " الأدب المفرد": " وكان يلبسها للوفد والجمعة". • الكلام عليه من وجوه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " اللباس"، باب " الرخصة في العلم وخيط الحرير" (٤٠٥٤) من طريق عيسى بن يونس، ثنا المغيرة بن زياد، ثنا عبد الله أبو عمر مولى أسماء بنت أبي بكر، قال: رأيت ابن عمر في السوق اشترى ثوبًا شاميًا، فرأى فيه خيطًا أحمر فرده، فأتيت أسماء فذكرت ذلك لها، فقالت: يا جارية، ناوليني جبة رسول الله ﷺ ، فأخرجت جبة طيالسة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج. وهذا الحديث في سنده المغيرة بن زياد، وهو متكلم فيه، قال ابن حبان: (كان ممن ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، فوجب مجانبة ما انفرد من الروايات، وترك الاحتجاج بما خالف الأثبات، والاعتبار بما وافق الثقات من الروايات (١))، وقال الحافظ في " التقريب": (صدوق له

стр. 1623

أوهام)، وقال الألباني: (لا يحتج به عند المخالفة) (١)، وفي روايته هنا مخالفة لغيره بالزيادة التي ذكرها. والحديث أصله في مسلم (٢٠٦٩) من طريق خالد بن عبد الله، عن عبد الملك، عن عبد الله مولى أسماء، وساق الحديث بنحوه وزاد: (فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) (٢). ورواه البخاري في " الأدب المفرد" (٣٨٤)، قال: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن عبد الملك العرزمي، قال: حدثنا عبد الله مولى أسماء، وساق الحديث، وفيه: (كان يلبسها للوفود ويوم الجمعة) (٣)، وهذا سند حسن؛ لأن عبد الملك العرزمي صدوق له أوهام، كما في " التقريب". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (جبة طيالسة) الجبة: ثوب واسع مفتوح من الأمام، يلبس فوق الثياب، وهي بدون تنوين للإضافة، والطيالسة: جمع طيلسان، وهو كساء غليظ، والمرد أن الجبة غليظة كأنها من طيلسان. قوله: (مكفوفة الجيب … ) الكف عطف أطراف الثوب، والمراد أن الجبة في أطرافها وجوانبها علم من الديباج، وهو من غلظ من الحرير، فيكون ما استدار حول الذيل والأكمام والجيب من الديباج. قوله: (والجيب) بفتح فسكون، هو الشق الذي يكون حول العنق في القميص ليسهل خلعه في الرأس. قوله: (والكمين) تثنية كم، وهو مدل اليد ومخرجها من القميص ونحوه.

стр. 1624

قوله: (والفرجين) تثنية فرج، والفرج في الثوب هو الشق الذي يكون أمام الثوب وخلفه في أسفله. قوله: (للوفد) بفتح الواو وسكون الفاء، جماعة الكرام تذهب إلى أمير أو كريم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا بأس أن يخاط جيب القميص أو الجبة بشيء من الديباج وهو ما غلظ من الحرير، وكذا الكم ونحوه، وهذا محمول على ما تقدم من أنه لا يباح من الحرير إلا بمقدار أربعة أصابع فأقل، جمعًا بين النصوص، وحملًا للمطلق والمجمل على المقيد والمبين. • الوجه الرابع: استحباب التجمل لصلاة الجعة واستقبال الوفود وحضور المحافل والاجتماعات العامة، وهذا أمر دلت عليه النصوص. • الوجه الخامس: جواز التبرك والاستشفاء بآثار النبي ﷺ وما مس جسده حتى بعد وفاته، لما جعل الله فيه من البركة، وقد وقع ذلك في أحاديث كثيرة، لكن لا يقاس عليه غيره من الصحابة، فضلًا عمن دونهم ممن يظن به الصلاح، كما جرى عليه كثير من الشراح كالنووي وغيره، فصاروا يذكرون في مثل هذا الموضع التبرك بآثار الصحابة، وهذا غير صحيح؛ لأمرين: الأول: أن الصحابة ﵁ وهو أعلم الناس ما فعلوه مع غير النبي ﷺ ، فلم يفعلوه مع أبي بكر ولا عمر ﵁ ولا غيرهما، فلو كان مثل ذلك جائزًا لفعلوه مع هؤلاء الأخيار والبررة الأطهار. الثاني: أن فتح هذا الباب قد يفضي إلى الغلو والشرك. نسأل الله تعالى السلامة، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1625

كتاب الجنائز الجنائز: بفتح الجيم لا غير، جمع جنازة بالفتح والكسر، وهو الميت، وقيل: الجنازة بفتح الجيم للميت، وبكسرها للنعش وعليه الميت، فالفتح للأعلى والكسر للأسفل. قال ابن دريد: (جنزت الشيء، أجنزه جنزًا: إذا سترته، وزعم قوم أن منه اشتقاق الجنازة، ولا أدري ما صحته) (١). وهذا الكتاب عقده المؤلف للأحاديث الواردة في أحكام الأموات من الغسل، والتكفين، والصلاة، والحمل، والدفن، وما يتبع ذلك كالتعزية، وزيارة القبور، وسب الأموات، وغير ذلك مما سيأتي إن شاء الله، وذكر في أوله الأحاديث المتعلقة بذكر الموت وتمنيه، وما يفعله حاضر الميت. وقد سرد الحافظ في كتاب " الجنائز" خمسة وستين حديثًا دون أن يذكر أي باب في أثناء ذلك، إلا أن ذلك في قوة المبوب؛ لأنه راعى في سرد الأحاديث الترتيب الفعلي الذي يصنع بالميت، وإن كان وجد في ثنايا ذلك أحاديث ليست في محلها. وذكر الجنائز في آخر كتاب " الصلاة"؛ لأن الصلاة على الميت أهم ما يفعل به، وأنفع ما يكون له؛ لأن فائدتها أخروية، وهي الدعاء له والشفاعة، لعل الله تعالى أن يرحمه ويتجاوز عنه، كما سيأتي إن شاء الله وإلا فحقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض. * * *

стр. 1626

الأمر بإكثار ذكر الموت ٥٣٤/ ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت". رواه الترمذي، والنسائي، وصححه ابن حبان. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في أبواب " الزهد"، باب " ما جاء في ذكر الموت" (٢٣٠٧)، والنسائي (٤/ ٤)، وابن حبان (٧/ ٢٥٩) من طريق الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا، وقد جاء عند ابن حبان زيادة: " فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقه عليه". وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب). وذلك لأن محمد بن عمرو بن علقمة مختلف فيه، فقد وثقه النسائي، ومرة قال: (لا بأس به). وقال عنه الذهبي: (شيخ مشهور حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قد أخرج له الشيخان متابعة) (١)، وقال عنه الحافظ في " التقريب": (صدوق له أوهام). وهذا هو الذي استقر عليه رأي المحدثين من المحققين الذين درسوا أقوال الأئمة فيه. فالرجل صدوق لكنه يهم ويخطئ، فحديثه في رتبة الحسن.

стр. 1627

وروى الحديث ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلًا. وقد أنكر الإمام أحمد توصيله كما في " المسائل" وقال الدارقطني: (والصحيح المرسل) (١). وقد ورد في الباب حديث أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بقوم من الأنصار يضحكون، فقال: " أكثروا ذكر هادم اللذات" (٢). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أكثروا) هذا أمر بالإكثار. والأصل فيه الوجوب ما لم توجد قرينة تصرفه عن ذلك. قوله: (هاذم اللذات) بالذل المعجمة بمعنى: قاطعها؛ لأن ذكر الموت يقطع لذائذ الدنيا ويزهد الرجل فيها، ويروى بالمهملة (هادم) من هدم البناء، ففيه تشبيه للذائذ الدنيا بالبناء المنهدم، ومزيلها هو الموت. ويروى: (هازم) بالزاي. ومعناه: القهر والغلبة. قوله: (الموت) بالجر عطف بيان، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الموت، وبالنصب على تقدير: أعني، وهو بيان للهاذم. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يكثر من ذكر الموت ولا يغفل عنه؛ لأن الموت حق، ولا بد منه، فينبغي أن يكون على بال المؤمن دائمًا، حتى يستعد له؛ لأن تذكره يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، فيستكثر القليل، ويستقل الكثير، ويتخفف من تعلقه بالدنيا وشهواتها والإسراف في طلبها، بخلاف ما إذا غفل عن ذكر الموت فإنه تشتد نهمته في

стр. 1628

طلب الدنيا ويرغب في جمعها وإنفاق الوقت والجهد في طلبها، وذكر الموت يحث العبد على الطاعة واجتناب المعصية خشية أن يفجأه الأجل. قال ثابت البناني: (طوبى لمن ذكر ساعة الموت، وما أكثر عبد ذكر الموت إلا رؤي ذلك في عمله) (١). وعن شرحبيل: (أن أبا الدرداء ﵁ كان إذا رأى جنازة قال: اغدوا؛ فإنا رائحون، أو: روحوا؛ فإنا غادون، موعظة بليغة، وغفلة سريعة، كفى بالموت واعظًا، يذهب الأول فالأول، ويبقى الآخر لا حلم له) (٢). * * *

стр. 1629

حكم تمني الموت ٥٣٥/ ٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر ينزل به، فإن كان لابد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب " المرضى"، باب "تمني المريض الموت" (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠) من طريق إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك ﵁، به مرفوعًا. ورواه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠) أيضًا من طريق عن ثابت البناني، عن أنس رض الله عنه، به. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يتمنين) بنون التوكيد. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: " لا يتمنين أحدكما لموت ولا يدع به قبل أن يأتيه" (١)، فجمع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق بالدعاء به. قوله: (أحدكم) الخطاب للصحابة ﵁، والمراد: هم ومن بعدهم من المسلمين عمومًا. قوله: (لضر ينزل به) الضر بضم الضاد المعجمة: الفقر والفاقة

стр. 1630

وهو اسم، وبفتحها مصدر ضره يضره من باب (قتل) إذا فعل به: مكروهًا. قوله: (فإن كان لابد متمنيًا) أي: فإن كان لا محالة ولا غنى له عن فعل التمني لغلبة نفسه وهواه حتى منعاه من اجتناب المنهي عنه. وقوله: (لابد) لا: نافية للجنس، وبد: اسمها، وخبرها محذوف، أي: لابد موجود. و (متمنيًا) خبر كان. قوله: (فليقل) هذا أمر إباحة؛ لأنه بعد حظر. قوله: (ما كانت الحياة خيرًا لي) أي: مدة كونها خيرًا لي من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة شبه خالية عن الفتنة والمحنة. قوله: (ما كانت الوفاة خيرًا لي) أي: من الحياة إذا كان الأمر على ما تقدم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن تمني الموت بسبب ضر ينزل به من فقر أو فاقة أو دين أو مرض أو جراحات وغير ذلك؛ لأمرين: الأمر الأول: أن هذا يدل على الجزع من البلاء وعدم الرضا بالقضاء، وفيه اعتراض على القدر المحتوم، والواجب الرضا بالقضاء والتسليم لأمر الله تعالى. الأمر الثاني: أنه ليس في الدعاء بالموت مصلحة، بل فيه مفسدة ظاهرة، وهي طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد، وقد قال النبي ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب" (١)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به قبل أن يأتيه، إنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا" (٢).

стр. 1631

الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الضر عام في الدنيوي والأخروي، وقد حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي الفتنة في دينه لم يدخل في النهي. وقد ورد حديث أنس عند النسائي من طريق حميد عنه بلفظ: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا" (١). والاستدلال به على أن (في) سببية، أي: بسبب أمر من أمور الدنيا (٢). وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه" (٣). وفي حديث معاذ الطويل عن النبي ﷺ وفيه: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون" (٤). • الوجه الخامس: النهي عن تمني الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة: " اللهم أحيني … " إلخ؛ لأن في هذه الصيغة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء، والله تعالى هو العالم بحقائق الأمور وعواقبها، وقد دعا النبي ﷺ بذلك كما في حديث عمار بن ياسر ﵁ وفيه: " اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي … " الحديث (٥). • الوجه السادس: قد امتثل الصحابة ﵃ هذا النهي، فهذا أنس ﵁

стр. 1632

يقول: (لولا أني سمعت رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به) (١). وعن قيس بن حازم قال: أتينا خباب بن الأرت نعوده وقد اكتوى سبعًا، فقال: (لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به) (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1633

موت المؤمن بعرق الجبين ٥٣٦/ ٣ - عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " المؤمن يموت بعرق الجبين". رواه الثلاثة، وصححه ابن حبان. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في أبواب " الجنائز"، باب " ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبين" (٩٨٢)، والنسائي (٤/ ٥ - ٦)، وابن ماجه (١٤٥٢) وابن حبان (٧/ ٢٨١) من طريق المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: … فذكره. وقد أعل هذا الحديث بأنه لا يعرف لقتادة سماع من عبد الله بن بريدة. قال الترمذي: (هذا حديث حسن، قال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعًا من عبد الله بن بريدة)، وهذا قول البخاري (١)، مع أن عبد الله بن بريدة قد تأخرت وفاته إلى سنة (١١٥ هـ)، وقتادة سنة (١١٧ هـ) فعاصره جل عمره. فاحتمال اللقاء بينهما وارد، لكن هذا فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: أن البخاري نفى سماعه، والبخاري من أعلم خلق الله بالرواة وعصورهم، وقد يؤيد ذلك بعد البلدين، فقتادة بصري، وابن بريدة خراساني. الوجه الثاني: أن قتادة مدلس، ومن يقول: يكتفى بإمكان اللقاء، بشترط سلامة الراوي من التدليس.

стр. 1634

وقد توبع قتادة في روايته، فرواه كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به، أخرجه النسائي (٤/ ٦)، وكهمس هو ابن الحسن التميمي، ثقة من رجال الجماعة، والحديث إسناده صحيح. وقد مر في مقدمة " البلوغ" أن مراد الحافظ بالثلاثة: أبو داود والترمذي والنسائي، وهذا الحديث رواه ابن ماجه، ولم يروه أبو داود. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المؤمن يموت بعرق الجبين. والعرق بالفتح: الماء الذي يخرج من الجسد عند المشقة أو الحرارة. وقد عد الألباني (١) ذلك من علامات حسن الخاتمة، وقد فسر الحديث بمعنيين: المعنى الأول: أن الحديث كناية عن كد المؤمن ومشقته في طلب الحلال وأداء الصوم والصلاة ومراعاة أحكام الدين حتى الموت. المعنى الثاني: أنه كناية عن الشدة والمشقة التي يلقاها المؤمن عند الموت وسكراته تطهيرًا له من الذنوب، وهذا هو الأقرب. وقد ورد الحديث عند أحمد (٢) وغيره بالطريق المذكور عن ابن بريدة عن أبيه، أنه كان بخراسان، فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت؛ وإذا هو يعرق جبينه، فقال: (الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " موت المؤمن بعرق الجبين"). فهذا يؤيد المعنى الثاني؛ ولأن شدة النزع أمر ثابت. وقد ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: (لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه؛ فإذا اغتم بها كشفها … ) الحديث (٣). فالموت له سكرات لكنها قد تخفف على إنسان وتشدد على آخر، نسأل الله أن يعيننا على الموت، ويخفف عنا سكراته. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1635

مشروعية تلقين المحتضر "لا إله إلا الله " ٥٣٧/ ٤ - عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله" رواه مسلم، والأربعة. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا المتن عبارة عن حديثين بإسنادين: الأول: حديث أبي سعيد ﵁. وقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب " تلقين الموتى لا إله إلا الله" (٩١٦)، وأبو داود (٣١١٧)، والترمذي (٩٧٦)، والنسائي (٤/ ٥)، وابن ماجه (١٤٤٥) من طريق عمارة بن غزية، حدثنا يحيى بن عمارة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: … فذكره مرفوعًا. وأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه مسلم (٩١٧)، وابن ماجه (١٤٤٤) من طريق زيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره. • الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية تلقين المحتضر (لا إله إلا الله) والمراد بقوله: (لقنوا) أي: ذكروا الميت: لا إله إلا الله. وقد حمل الجمهور من أهل العلم الأمر في هذا الحديث على الاستحباب، كما ذكره النووي وغيره، وظاهر الوجوب؛ لأنه الأصل، ولا صارف له، ولهذا قال الشوكاني بعد أن ذكر القول بالندب: (ولكن ينبغي أن ينظر ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب؟) (١).

стр. 1636

وهذا التلقين إنما هو عند الاحتضار. والمراد بقوله: (موتاكم): من حضره الموت، لا من مات. وأما التلقين بعد الموت ووضعه في القبر فهذا بدعة، وسيأتي في موضعه إن شاء الله. وحكمة هذا التلقين لأجل أن تكون هذه الكلمة العظيمة آخر كلامه من الدنيا فيدخل الجنة. وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ زيادة عند البزار وابن حبان: (فإنه من كان آخر كلمته: لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه" (١). والمراد بالتلقين: أن يأمر المحتضر بقول: لا إله إلا الله، وهذا إذا كان قويًا يتحمل؛ فإن كان لا يستطيع لضعفه فإنه يقولها عنده بحيث يسمعها ويكفي، وقد ورد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من الأنصار، وفي رواية: من بني النجار، فقال: " يا خال، قل: لا إله إلا الله"، فقال: أخال أم عم؟ فقال: " لا، بل خال"، قال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله. فقال ﷺ : "نعم" (٢). والتلقين يكون مرة واحدة لحصول المقصود، ولئلا يضجره فيقول: لا أقول، أو يتكلم بغيرها مما لا يليق، لضيق حاله وشدة كربه. فإن تكلم بعد التلقين أعاد تلقينة مرة أخرى، لحديث معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٣). الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب حضور المحتضر لتذكيره وتأنيسه وإماض عينيه والقيام بحقوقه. وقد يكون واجبًا بناءً على ما تقدم، والله تعالى أعلم.

стр. 1637

حكم قراءة ﴿يس﴾ على المحتضر ٥٣٨/ ٥ - عن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: " اقرأوا على موتاكم ﴿يس﴾. رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو معقل بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف ابن يسار بن عبد الله المزني. ومزينة المنسوب إليها: هي والدة أحد أجداده، وهو عثمان بن عمرو، نسبوا إليها، وكنيته أبو علي، وقيل: أبو عبد الله، وقيل غير ذلك. أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة الرضوان، وهو الذي حفر في البصرة نهر معقل بأمر من عمر ﵁ فنسب إليه (١). روى عنه عمران بن حصين، والحسن البصري، والحكم بن الأعرج، وآخرون، نزل البصرة، وبني بها دارًا، ومات بها في خلافة معاوية ﵁ (٢). • الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب "القراءة عند الميت" (٣١٢١)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٧٤)، وابن حبان (٧/ ٢٦٩) من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان، وليس بالنهدي، عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال: قال النبي ﷺ : … فذكره، ولم يقل النسائي وابن حبان: عن أبيه.

стр. 1638

وهذا الإسناد ضعيف لأمرين: ١ - الاضطراب في إسناده، فقد روي عن أبي عثمان، عن أبيه، عن معقل مرفوعًا، وروي عن أبي عثمان، عن معقل مرفوعًا، بإسقاط (عن أبيه)، وروي عن رجل، عن أبيه، عن معقل مرفوعًا، وروي عن معقل موقوفًا. وقد نقل الحافظ عن ابن القطان أنه أعله بالاضطراب، والوقف، وجهالة أبي عثمان وأبيه (١). ٢ - أن أبا عثمان هذا مجهول، وكذا أبوه، كما ذكر الذهبي (٢)، وقال ابن المدين في أبي عثمان هذا: (لم يرو عنه غير سليمان التيمي، وهو مجهول)، وقد ذكره ابن حبان في " الثقات" (٣). والتنصيص في الإسناد على أن أبا عثمان ليس هو النهدي ملحظ دقيق؛ لأن سليمان التيمي معروف بالرواية عن أبي عثمان النهدي، وهو عبد الرحمن بن مل، وهو ثقة، ثبت، عابد، كما في "التقريب"، وقد نقل الحافظ في " التلخيص" (٤) عن ابن العربي عن الدارقطني أنه قال: (هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث)، وهذا مقالة يوقف عندها؛ لأنها من إمام نقاد وبصير بالعلل وأحوال الرجال. • الوجه الثالث: هذا الحديث يستدل به الفقهاء على استحباب قراءة سورة ﴿يس﴾ عند المحتضر، ولهذا يذكرونه في أول " الجنائز"، وقد فسر ابن حبان هذا الحديث بهذا المعنى، لا أن الميت يقرأ عليه، وقد أيد ابن القيم هذا القول من خمسة أوجه (٥)، لكن الصواب أن قراءتها غير مشروعة، لضعف الحديث، ويقتصر في ذلك على ما ثبت في السنة، وهو تلقينه لا إله إلا الله، كما تقدم.

стр. 1639

وقد ذكر العلماء أن حكمة قراءتها لما فيها من التوحيد والمعاد، وذكر البشري بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه، بقوله تعالى: ﴿يا ليت قومي يلعمون (٢٦) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (٢٧)﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]، ذكر ذلك ابن القيم (١)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1640

ما ينبغي فعله لحاضر الميت ٥٣٩/ ٦ - عن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة ﵂ وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: " إن الروح إذا قبض اتبعه البصر"، فضج ناس من أهله، فقال: " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون"، ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبة". رواه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب " في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر" (٩٢٠) من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة … الحديث، وفي سياقه اختلاف، ولفظه كما في " الصحيح": " … فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" ثم قال: " اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابربن، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (على أبي سلمة) هو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، مشهور بكنيته، من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأول من هاجر بظعينته (١) إلى

стр. 1641

أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكان أخًا للنبي ﷺ من الرضاعة، كما في الصحيحين، وتزوج أم سلمة، ثم صارت بعده إلى النبي ﷺ ، أصابه سهم في أحد، ثم انتقض جرحه سنة أربع من الهجرة فمات منه ﵁ (١). قوله: (وقد شق بصره) بفتح الشين وبصره برفع الراء فاعل، والمعنى: شخص وانفتح؛ لأنه يتبع الروح وينظر أين نذهب؟. قال النووي: (هكذا الرواية فيه باتفاق الحفاظ وأهل الضبط) (٢)، ويجوز ضبط (بصره) بالنصب وهو صحيح أيضًا يقال: شق الميت بصره: إذا شخص. قوله: (فأغمضه) أي: أطبق أجفانه لئلا يتشوه منظره. قوله: (إن الروح إذا قبض اتبعه البصر) أي: إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرًا أين يذهب؟ وفي (الروح) لغتان: التذكير والتأنيث، وهذا الحديث دليل التذكير. والروح: جسم نوراني علوي خفيف متحرك ينفذ في الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في العود (٣)، وهذا الحديث يدل على ذلك، فإن القبض لا يكون إلا لجسم، والبصر لا يتبع إلا شيئًا مرئيًا هو الجسم. وقوله: (اتبعه) هذا لفظ البلوغ، والمثبت في مسلم المطبوع: " تبعه". قوله: (فضج ناس) أي: صرخ ناس جزعًا على موته، لما قال لهم الرسول ﷺ ذلك. قال ابن الأثير: (الضجيج: الصياح عند المكروه والمشقة والجزع) (٤). قوله: (فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) هذا يشعر بأنه وقع منهم دعاء على أنفسهم من هول ما سمعوا.

стр. 1642

قوله: (فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون) أي: فإن الملائكة الحاضرين حينئذ (تؤمن) أي: يقولون: آمين، أي: استجب، على ما تقولون من الدعاء فلا تدعو إلا بخير ليحصل تأمينهم عليه فيستجاب. قوله: (اللهم اغفر لأبي سلمة) ذكره بكنيته دون اسمه؛ لأنه اشتهر بها، كما تقدم، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه. قوله: (وارفع درجته في المهديين) أي: اجعل له درجة علية عندك في المهديين، وهم الذين هداهم الله بالإسلام سابقًا وبالهجرة إلى خير الأنام لاحقًا. وهذا الدعاء مع ما قبله في غاية المناسبة والترتيب؛ لأن الأول من باب التخلية بالمعجمة والثاني من باب التحلية بالمهملة. قوله: (واخلفه) بهمزة الوصل، وضم اللام، أي: كن له خلفًا وخليفة. قوله: (في عقبه) بفتح فكسر، ويجوز إسكانها للتخفيف: هو الولد وولد الولد. قوله: (في الغابرين) أي: الباقين، وهو بدل بإعادة العامل، والمعنى: كن خليفة له في ذريته بحفظك لهم وبركتك فيهم. قوله: (واغفر لنا وله) بتقديم النفس قبل الدعاء للآخر. قوله: (يا رب العالمين) مناسبة ختم الدعاء بذلك أن من كان خالق العالمين ومالكهم ومدبر شؤونهم هو الذي يطلب منه ذلك. والعالمين: كل من سوى الله تعالى، وصفوا بذلك؛ لأنهم علم على خالقهم ﷺ . • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يستحب لحاضر الميت إغماض عينيه، لئلا تبقى مفتوحة فيتشوه منظره، وكذا ينبغي شد لحييه بعصابة عريضة تربط فوق رأسه؛ لأنه لو ترك لصار كربه المنظر. • الوجه الرابع: النهي عن الضجيج والصراخ ورفع الصوت عند مصيبة الموت؛ لأن الملائكة تؤمن على ما يقال، فالواجب في هذه الحال الدعاء بكل خير، ليحظى الداعي بتأمين الملائكة واستجابة الدعاء. •

стр. 1643

الوجه الخامس: أنه يستحب لحاضر الميت أن يشتغل بالدعاء لنفسه وللميت بالرحمة والمغفرة ورفع الدرجات في الجنة، وصلاح أهله وذريته؛ لأن الدعاء له عند أهله وبحضرتهم مما يخفف المصيبة، ويسلي المصابين، ويدل على مشاركتهم في مصيبتهم، فالدعاء في هذا الموطن في غاية المناسبة. • الوجه السادس: استحباب البدء بالنفس قبل الغير في الدعاء لقوله: " واغفر لنا وله يا رب العالمين"، وقد ورد في حديث أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه (١)، ولكن هذا ليس عادة لازمة، كما ذكر العلماء (٢). • الوجه السابع: إثبات نعيم القبر من اتساعه للميت وتنويره له، فيكون عليه روضة من رياض الجنة، نسأل الله الكريم من فضله. * * *

стр. 1644

استحباب تغطية الميت قبل تجهيزه ٥٤٠/ ٧ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببرد حبرة. متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في كتاب "اللباس"، باب " البرود والحبر والشملة" (٥٨١٤)، ومسلم (٩٤٢) من طريق الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ … الحديث. وهذا لفظ البخاري. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (سجي) بضم السين وكسر الجيم المشددة، مبني للمجهول، أي: غطي جميع بدنه ﷺ . قوله: (ببرد) البرد: بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة ثم دال مهملة، كساء له أعلام، جمعه: برود وأبراد. قوله: (حبرة) بالإضافة لما قبلها، أو بالوصف، وهي بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وتاء التأنيث، وهي برود اليمن تصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تغطية جسد الميت كله، وعدم ترك وجهه وأطرافه مكشوفة، صيانة للميت عن الانكشاف والاطلاع على صورته المتغيرة بوفاته، وهذا يكون قبل تغسيله وتكفينه، ويستثنى من ذلك المحرم، كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 1645

جواز تقبيل الميت ٥٤١/ ٨ - عن عائشة ﵂ أن أبا بكر الصديق ﵁ قبل النبي ﷺ بعد موته. رواه البخاري. • الكلام عليه من وجهين: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب "الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه" (١٢٤١) من طريق عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني معمر ويونس، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته قالت: (أقبل أبو بكر ﵁ على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيم النبي ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى … ) الحديث. * الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تقبيل الميت لمن يجوز له تقبيله في حال الحياة والنظر إلى وجهه. والظاهر من السياق أن أبا بكر ﵁ قبل النبي ﷺ تقبيل المحب لحبيبته، وهذا دليل واضح على شدة محبة أبي بكر الصديق ﵁ للنبي ﷺ ، ولم يفعله أبو بكر ﵁ تبركًا، كما يقول بعض الشراح؛ ليأخذوا منه جواز تقبيل الميت تبركًا؛ فإن هذا لا دليل عليه، بل السياق يدل على أنه محبة لا تبرك، ولو كان تبركًا لفعله بقية الصحابة ﵃، ولو سلمنا أنه فعله تبركًا لكان خاصًا بالنبي ﷺ ، وليس لأحد غيره، تقول عائشة ﵂: (ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى، فقال: بأبي وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها … ) الحديث.

стр. 1646

وجوب المبادرة بقضاء دين الميت ٥٤٢/ ٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يقضي عنه". رواه أحمد، والترمذي وحسنه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٤٢٥)، والترمذي (١٠٧٨) (١٠٧٩) من طريق سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وذلك لأن في إسناده عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المخزومي. قال ابن الميدني عن يحيى بن سعيد: (كان شعبة يضعف عمر بن أبي سلمة)، وقال أحمد: (صالح)، وقالا بن معين: (ليس به بأس) وفي رواية: (ضعيف الحديث)، وقال البخاري: (ليس بالقوي)، وكذا قال النسائي، ونقل الحافظ عن البخاري أنه قال: (صدوق إلا أنه يخالف في حديثه) (١). وقريب منه قول أبي حاتم، وقال الحافظ في " التقريب": (صدوق يخطئ). وعلى هذا فيقبل حديثه ما لم يخالف؛ فإن خالف ترك، وهنا يقبل حديثه؛ لأنه لم يتفرد به، فقد أخرجه ابن حبان (٧/ ٣٣١) من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا،

стр. 1647

وهذا إسناد رواته كلهم ثقات، لكن قد يعل بتفرد عبد الله بن محمد الأزدي شيخ ابن حبان لأنه وإن كان ثقة، لكن عنده غرائب (١). • الوجه الثاني: الحديث دليل على عظم شأن الدين أن نفس المؤمن محبوسة ومرهونة به مهما كان صلاحها واستقامتها حتى يقضى عنه، وهذا والله أعلم لأن حقوق الآدميين مبنية على الشح ودم السماح بها. ويستفاد من هذا أنه ينبغي التخلص من الدين قبل الموت، ومما يؤسف عليه أن نجد بعض الناس عليه ديون، وله رصيد من المال في أحد المصارف يستفيد منه صاحب المصرف، وهو محروم من الانتفاع به، وأي نفع أعظم من قضاء الدين منه؟! قال العراقي في معنى الحديث: (أي: إن أمرها موقوف، لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا؟) (٢). ومما يدل على عظم شأن الدين ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين"، وفي رواية له: " القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: "صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته" (٤). وإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه، وعن طريق المعاملة المباحة، فكيف بما أخذ نهبًا أو غصبًا أو سلبًا؟! • الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب المبادرة بقضاء دين الميت

стр. 1648

وتخليص ذمته منه، وهذا من أهم ما يفعل عنه بعد وفاته، سواء كان هذا الدين لله؛ كالزكاة والكفارة والنذر وما أشبه ذلك، أو للآدميين، كالقرض وثمن المبيع والأجرة ونحو ذلك. والظاهر أن هذا محمول على من له مال يقضى منه دينه؛ وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، وهو ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" (١)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1649

ما يصنع بالميت إذا كان محرمًا ٥٤٣/ ١٠ - عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال في الذي سقط عن راحلته فمات: " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، ومنها: كتاب " الجنائز"، في عدة أبواب، أولها: باب " الكفن في ثوبني" (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) (٩٤) من طريق حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ قال: بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال: فأوقصته. فقال النبي ﷺ : " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" هذا لفظ البخاري في الباب المذكور، ورواه البخاري (١٨٥١) ومسلم (١٢٠٦) (٩٩) من طريق أبي بشر، ورواه مسلم أيضًا (١٢٠٦) (٩٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو كلاهما عن سعيد، عن ابن عباس بلفظ: " وكفنوه في ثوبيه". وجاء في رواية عند مسلم " في الحج" (٩٨) من طريق سفيان، عن عمر بن دينار، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁: " ولا تخمروا رأسه ولا وجهه". وهذه الزيادة ضعفها الإمام البخاري فقال: (والصحيح لا تخمروا رأسه) (١)، كما ضعفها البيهقي، فقال بعد ذكر رواية أبي الزبير عن سعيد

стр. 1650

بلفظ: " وأن يكشفوا وجهه حسبته قال: ورأسه": (ذكر الوجه فيه غريب ورواية الجماعة الذين لم يشكوا، وساقوا المتن أحسن سياقة، أولى بأن تكون محفوظة) (١)، وممن ضعفها الحاكم (٢)، وتعقبه الزيلعي (٣)، وصحح الزيادة الحافظ (٤)، والألباني (٥). • الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب تغسيل الميت، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك. • الوجه الثالث: استدل العلماء بقوله: " وكفنوه في ثوبيه" على أن الكفن مقدم على الميراث وعلى الدين؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه، ولو اختلف الحال لسأل. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، وهما إزار ورداء، ويكون التكفين بالثلاثة كما سيأتي محمولًا على الاستحباب (٦). • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الميت إذا كان محرمًا يصنع به ما يصنع في الميت غير المحرم من التغسيل والتكفين، إلا أنه يجنب ما يجتنبه المحرم من الطيب وتغطية الرأس، ويشرع تكفينه بثوبي إحرامه، لرواية: " وكفنوه في ثوبيه" ولا يزاد على ذلك، تكرمةً له. • الوجه السادس: مشروعية خلط الماء بالسدر في تغسيل الميت، والسدر: شجر النبق. والمراد هنا: ورقه، فيدق ويخلط بالماء، وذلك لأن السدر أبلغ في التنظيف وتصليب بدن الميت. • الوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية تحنيط الميت، والحنوط: أخلاط من طيب تعد للأموات خاصة، يذر بين الأكفان ويجعل منه في قطن على منافذ وجهه ومواضع سجوده.
следующие страницы →