← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وجوب المبادرة بقضاء دين الميت ٥٤٢/ ٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يقضي عنه". رواه أحمد، والترمذي وحسنه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٤٢٥)، والترمذي (١٠٧٨) (١٠٧٩) من طريق سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وذلك لأن في إسناده عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المخزومي. قال ابن الميدني عن يحيى بن سعيد: (كان شعبة يضعف عمر بن أبي سلمة)، وقال أحمد: (صالح)، وقالا بن معين: (ليس به بأس) وفي رواية: (ضعيف الحديث)، وقال البخاري: (ليس بالقوي)، وكذا قال النسائي، ونقل الحافظ عن البخاري أنه قال: (صدوق إلا أنه يخالف في حديثه) (١). وقريب منه قول أبي حاتم، وقال الحافظ في " التقريب": (صدوق يخطئ). وعلى هذا فيقبل حديثه ما لم يخالف؛ فإن خالف ترك، وهنا يقبل حديثه؛ لأنه لم يتفرد به، فقد أخرجه ابن حبان (٧/ ٣٣١) من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا،

стр. 1647

وهذا إسناد رواته كلهم ثقات، لكن قد يعل بتفرد عبد الله بن محمد الأزدي شيخ ابن حبان لأنه وإن كان ثقة، لكن عنده غرائب (١). • الوجه الثاني: الحديث دليل على عظم شأن الدين أن نفس المؤمن محبوسة ومرهونة به مهما كان صلاحها واستقامتها حتى يقضى عنه، وهذا والله أعلم لأن حقوق الآدميين مبنية على الشح ودم السماح بها. ويستفاد من هذا أنه ينبغي التخلص من الدين قبل الموت، ومما يؤسف عليه أن نجد بعض الناس عليه ديون، وله رصيد من المال في أحد المصارف يستفيد منه صاحب المصرف، وهو محروم من الانتفاع به، وأي نفع أعظم من قضاء الدين منه؟! قال العراقي في معنى الحديث: (أي: إن أمرها موقوف، لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا؟) (٢). ومما يدل على عظم شأن الدين ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين"، وفي رواية له: " القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: "صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته" (٤). وإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه، وعن طريق المعاملة المباحة، فكيف بما أخذ نهبًا أو غصبًا أو سلبًا؟! • الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب المبادرة بقضاء دين الميت

стр. 1648

وتخليص ذمته منه، وهذا من أهم ما يفعل عنه بعد وفاته، سواء كان هذا الدين لله؛ كالزكاة والكفارة والنذر وما أشبه ذلك، أو للآدميين، كالقرض وثمن المبيع والأجرة ونحو ذلك. والظاهر أن هذا محمول على من له مال يقضى منه دينه؛ وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، وهو ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" (١)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1649

ما يصنع بالميت إذا كان محرمًا ٥٤٣/ ١٠ - عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال في الذي سقط عن راحلته فمات: " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، ومنها: كتاب " الجنائز"، في عدة أبواب، أولها: باب " الكفن في ثوبني" (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) (٩٤) من طريق حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ قال: بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال: فأوقصته. فقال النبي ﷺ : " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" هذا لفظ البخاري في الباب المذكور، ورواه البخاري (١٨٥١) ومسلم (١٢٠٦) (٩٩) من طريق أبي بشر، ورواه مسلم أيضًا (١٢٠٦) (٩٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو كلاهما عن سعيد، عن ابن عباس بلفظ: " وكفنوه في ثوبيه". وجاء في رواية عند مسلم " في الحج" (٩٨) من طريق سفيان، عن عمر بن دينار، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁: " ولا تخمروا رأسه ولا وجهه". وهذه الزيادة ضعفها الإمام البخاري فقال: (والصحيح لا تخمروا رأسه) (١)، كما ضعفها البيهقي، فقال بعد ذكر رواية أبي الزبير عن سعيد

стр. 1650

بلفظ: " وأن يكشفوا وجهه حسبته قال: ورأسه": (ذكر الوجه فيه غريب ورواية الجماعة الذين لم يشكوا، وساقوا المتن أحسن سياقة، أولى بأن تكون محفوظة) (١)، وممن ضعفها الحاكم (٢)، وتعقبه الزيلعي (٣)، وصحح الزيادة الحافظ (٤)، والألباني (٥). • الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب تغسيل الميت، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك. • الوجه الثالث: استدل العلماء بقوله: " وكفنوه في ثوبيه" على أن الكفن مقدم على الميراث وعلى الدين؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه، ولو اختلف الحال لسأل. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، وهما إزار ورداء، ويكون التكفين بالثلاثة كما سيأتي محمولًا على الاستحباب (٦). • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الميت إذا كان محرمًا يصنع به ما يصنع في الميت غير المحرم من التغسيل والتكفين، إلا أنه يجنب ما يجتنبه المحرم من الطيب وتغطية الرأس، ويشرع تكفينه بثوبي إحرامه، لرواية: " وكفنوه في ثوبيه" ولا يزاد على ذلك، تكرمةً له. • الوجه السادس: مشروعية خلط الماء بالسدر في تغسيل الميت، والسدر: شجر النبق. والمراد هنا: ورقه، فيدق ويخلط بالماء، وذلك لأن السدر أبلغ في التنظيف وتصليب بدن الميت. • الوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية تحنيط الميت، والحنوط: أخلاط من طيب تعد للأموات خاصة، يذر بين الأكفان ويجعل منه في قطن على منافذ وجهه ومواضع سجوده.

стр. 1651

ووجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ عن تحنيط المحرم دليل على أن تحنيط الميت أمر متبع. • الوجه الثامن: اختلف العلماء في حكم تغطية وجه المحرم على قولين: الأول: أن تغطية الوجه ليس من محظورات الإحرام، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول الشافعي، وعزاه ابن حجر إلى الجمهور (١)، واختاره ابن حزم، وابن القيم (٢). القول الثاني: أن تغطية الوجه من محظورات الإحرام، وهو قول أبي حنيفة ومالك (٣)، ورواية عن أحمد، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز (٤)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٥)، استدلالًا برواية: " ولا تخمروا رأسه ولا وجهه". وسبب الخلاف اختلاف العلماء في صحة هذه اللفظة: " ولا وجهه"، فمن صححها أخذ بها، واستدل أيضًا بقول ابن عمر ﵂: (ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم) (٦)، ومن ضعفها وقال: إنها غير محفوظة (٧)، قال: يجوز للمحرم أن يغطي وجهه، وأن يغطي أنفه، وأن يلبس الكمامة

стр. 1652

المعروفة التي تغطي الفم والأنف، والمحرم قد يحتاج إلى تغطية وجهه إذا نام عن الضوء، أو عن الذباب ونحو ذلك (١). واستدل أيضًا بمفهوم قوله ﷺ : " ولا تخمروا رأسه"، فإنه لو كان تغطية الوجه حرامًا لنهى عنه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما استدل بآثار عن الصحابة ﵃، فقد ورد عن عثمان ﵁ أنه غطى وجهه وهو محرم (٢). كما ورد أيضًا عن جابر (٣)، وزيد بن ثابت، وابن الزبير ﵃ (٤).

стр. 1653

الوجع التاسع: الحديث دليل على أن الإحرام لا يبطل بالموت؛ لأنه ﷺ نهاهم أن يقربون طيبًا أو يغطوا رأسه، وقال: " إنه يبعث يوم القيامة ملبيًا". • الوجه العاشر: الحديث دليل على أن المحرم بحج أو عمرة إذا مات قبل إتمام نسكه أنه لا كمل عنه لو كان فرضًا، لأنه ﷺ لم يأمر أحدًا بإتمام نسكه، ولأنه لو قضي عنه لانتهى منه، فلم يبعث يوم القيامة ملبيًا، فكونه يبعث ملبيًا دليل على أنه باق على نسكه، وقد ذهب الجمهور إلى القول بعموم الحديث لكل من مات محرمًا، وهو قول عثمان وعلي وابن عباس وغيرهم ﵃، وهو مذهب أحمد والشافعي وإسحاق. وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أن هذا الحديث خاص بذلك الرجل لقوله: " فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، ولم يقل: فإن المحرم، وأما غيره فإن إحرامه ينقطع بموته، ويصنع به كما يصنع بالحلال؛ لأنه بالموت انقطع التكليف. وأجاب الجمهور بأن العلة هي الإحرام، وهي عامة لكل محرم، والتلبية شعار الإحرام، ولو كان مختصًا بذلك الرجل لم يشر إلى العلة، ولا سيما إن قيل: لا يصح التعليل بالعلة القاصرة، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه ﷺ فهو ثابت لغيره إلا بدليل يدل على تخصيصه به (١). ويدل لذلك حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يبعث كل عبد على مات عليه" (٢). • الوجه الحادي عشر: أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رجى له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، والله تعالى أعلم.

стр. 1654

حكم تجريد الميت عند غسله ٥٤٤/ ١١ - عن عائشة ﵂ قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري، نجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا، أم لا؟ … الحديث. رواه أحمد، وأبو داود. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٤٣/ ٣٣١)، وأبو داود في كتاب "الجنائز"، باب "في ستر الميت عند غسله" (٣١٤١) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجلًا إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو؟ أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم. وكانت عائشة ﵂ تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. وهذا إسناد جيد. محمد بن إسحاق صرح بالتحديث، فانتفت شبهة تدلسه، وبقية رجاله ثقات. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن تغسيل الميت أمر معروف عند الصحابة ﵃، وأن الميت يجرد عن الثياب عند غسله؛ لأن تجريده أمكن في تغسيله وأبلغ في تطهيره، وتلف خرقة على فرجه.

стр. 1655

ووجه الاستدلال: أن قوهم: (أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا؟) دلل على أنهم كانوا يجردون موتاهم. وأما ستر عورته فلقوله ﷺ : " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة … " (١)، والأولى أن يكون تغسيله تحت سقف ونحوه. • الوجه الثالث: أن الصحابة ﵃ وقع بينهم اختلاف في تغسيل النبي ﷺ هل يجرد من ثيابه كغيره من الموتى أو لا؟ فألقى الله عليهم النعاس فسمعوا من ينادي بتغسيله في ثيابه، فاتفقوا على ذلك، مما يدل على أن النبي ﷺ ليس كغيره من الموتى، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1656

حكم تغسيل الميت وصفته ٥٤٥/ ١٢ - عن أم عطية ﵂ قالت: دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: " اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور". فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه. فقال: " أشعرنها إياه" متفق عليه. وفي رواية: " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". وفي لفظ للبخاري: " فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، فألقيناه خلفها". • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الوضوء"، ثم في كتاب " الجنائز" في أحد عشر بابًا متوالية، أولها باب " غسل الميت ووضوئه" (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩) (٣٦) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية ﵂ قالت: … فذكرت الحديث. وأخرجه البخاري في كتاب " الوضوء"، باب " التيمن في الوضوء والغسل" (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩) (٤٢ - ٤٣) من طريق إسماعيل بن علية، قال: حدثنا خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية ﵂، وذكرت الحديث. وفيه " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". وأخرجه البخاري في " الجنائز"، باب " يلقى شعر المرأة خلفها" (١٢٦٣) من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام بن حسان، قال: حدثنا حفصة، عن أم عطية ﵂ وذكرت الحديث، وفيه " فضفرنا شعرها … ".

стр. 1657

وهذا الحديث هو الأصل في أحكام تغسيل الميت، قال ابن المنذر: (ليس في غسل الميت حديث أعلى من حديث أم عطية) (١). وقال ابن عبد البر: (كان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عن أم عطية غسل الميت) (٢). وقال ابن حجر: (ومدار حديث أم عطية على محمد وحفصة ابني سيرين، وحفظت منه حفصة ما لم يحفظه محمد) (٣). قوله: (ونحن نغسل ابنته) لم يرد تسميتها في جميع روايات البخاري، وقد وردت تسميتها في إحدى روايات مسلم (٤)، وأنها زينب، وهي امرأة أبي العاص، وقد مضى ذكرها في آخر باب " شروط الصلاة (٥). قوله: (اغسلنها) أمر لأم عطية ومن معها، ومنهن صفية بنت عبد المطلب، وأسماء بنت عميس ﵅. قوله: (ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر) منصوب على المفعول المطلق، أي: غسلًا ثلاثًا. وقوله: (أو أكثر) أي: من خمس، وقد وقع في إحدى الروايات: " اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك … " (٦). قوله: (إن رأيتن ذلك) أي: أكثر من خمس، ومفعول رأى الثاني محذوف، تقديره: إن رأيتن ذلك لازمًا أو نحوه. قوله: (بماء وسدر) الجار والمجرور متعلق بالفعل (اغسلنها)، وتقدم معنى السدر، وفائدته في غسل الميت. قوله: (في الآخرة) أي الغسلة الآخرة، وهي آخر الغسلات. قوله: (كافورًا) نوع من الطيب أبيض زجاجي، يدق ويجعل في الإناء الذي يغسل به آخر غسلة.

стр. 1658

قوله: (أو شيئًا من كافور) أو: للشك من الراوي هل قال: كافورًا أو قال: شيئًا من الكافور، والفرق بينهما أن الثاني يشعر بقلة الكافور المجعول، وقيل: لا فرق بينهما؛ لأن الأول نكرة في سياق الإثبات ويصدق بكل شيء منه. قوله: (فألقى إلينا حقوه) بفتح الحاء وكسرها، وهو ما فوق الورك، والمراد به هنا: الإزار، وإطلاق الحقو عليه للمجاورة، وقد جاء في رواية البخاري: " فنزع من حقوه إزاره" (١). قوله: (أشعرنها إياه) أي: اجعلنه شعارًا لها، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد. والمعنى: اجعلنه يلي جسدها ثم فوقه الأكفان. قوله: (ابدأن بميامنها) جمع ميمنة، وهو الجانب الأيمن، والمعنى: اغسلن الأيمن من جسدها قبل الأيسر. قوله: (ثلاثة ثرون) جمع قرن، وهو الشعر المفتول. وفي رواية "نقضنه ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون"، وفي رواية: "ناصبتها وقرنيها"، وفي رواية: " ألقيناها خلفها". وظاهر الحديث أن أم عطية ﵂ مشطت ابنة النبي ﷺ من تلقاء نفسها، وعند ابن حبان من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب: " … واجعلن لها ثلاثة قرون" (٢)، وظاهر هذا أنه بأمر النبي ﷺ ، والمحفوظ الأول، وأما هذا اللفظ فلعله وهم من حماد بن سلمة، فإنه وإن كان ثقة إلا أن له بعض الأوهام، ولعل هذا منها. • الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب تغسيل الميت، وقد نقل النووي الإجماع على أن تغسيل الميت فرض كفاية (٣)، مع أنه روي عن الإمام مالك بأنه سنة مؤكدة (٤)، كما نقله القرطبي ورجحه (٥)، فيكون القول بأنه

стр. 1659

فرض كفاية هو مذهب الجمهور، وهو الصواب بلا ريب. • الوجه الثالث: الحديث دليل على صفة تغسيل الميت، وذلك بأن يبدأ بغسل أعضاء الوضوء مقدمًا اليمنى من اليدين والرجلين على اليسرى، ثم بغسل سائر جسده مقدمًا اليمين على اليسار، ويستعمل أثناء الغسل السدر أو ما يقوم مقامه في التنظف كالصابون، قال ابن قدامة: (فإن لم يجد السدر غسله بما يقوم مقامه ويقرب منه، كالخطمي (١) ونحوه؛ لأن المقصود يحصل منه، وإن غسله بذلك مع وجود السدر جاز؛ لأن الشرع ورد بهذا لمعنى معقول، وهو التنظيف، فيتعدى إلى كل ما وجد فيه المعنى) (٢). ويكرر التغسيل حسبما تقتضيه المصلحة، ويرجع ذلك إلى نظر الغاسل، لقوله: " إن رأيتن ذلك"، والموتى يختلفون، فقد يكون في الجسد أوساخ لطول المرض أو أثر لصوقات أو نحو ذلك فيحتاج إلى مزيد من العناية، وقد يكون جسده طيبًا نظيفًا فلا يحتاج إلى زيادة بينة. ويقطعه على وتر ثلاث أو خمس أو سبع أو أكثر، ولا ينبغي الاقتصار على غسلة واحدة لقوله: "اغسلنها ثلاثًا"، ولأنه لا يحصل بها كمال الإنقاء. وقد ذهب فريق من أهل العلم وهم الكوفيون وأهل الظاهر والمزني إلى وجوب الثلاث أخذًا بظاهر اللفظ وذهب الجمهور إلى أن الثلاث مستحبة، وأن الواجب مرة واحدة (٣). ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا يدق ويخلط بالماء لتطييب رائحة بدن الميت وتصليبه وطرد الهوام عنه في قبره، ولذا جعل في الأخيرة لأجل أن يبقى، وإنما اختير من بين سائر الأطياب لأنه بارد ولخصائصه المذكورة.

стр. 1660

فإن كان الميت امرأة نقض رأسها وغسل، ثم جعل ثلاثة قرون الناصبة والجانبين، وألقي خلفها، وفائدة النقض تبليغ الماء البشرة، وتنظيف الشعر من الأوساخ. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النساء لا يغسلن إلا النساء، ويستثنى من ذلك الزوج فيجوز أن يغسل زوجته، وسيأتي بحث هذه المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى. • الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز التعاون في تغسيل الميت، وقد ذكر أهل العلم أنه لا يحضر عند التغسيل سوى الغاسل ومن يعاونه في تقليب الميت أو صب الماء أو نحو ذلك، لعدم الحاجة إلى حضور غير معين الغاسل، ولأنه ربما كان في الميت ما لا يحب اطلاع أحد عليه، فيتحدث به، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1661

ما يكفن فيه الرجل ٥٤٦/ ١٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب " الجنائز"، وأولها: باب " الثياب البيض للكفن" (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، به، وهذا لفظ مسلم. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أثواب) جمع ثوب، وهو ما يلبس من إزار أو رداء أو غيرهما، وقد يطلق على المخيط كالقميص وغيره (١). والمراد هنا: قطعة القماش قبل تفصيلها وخياطتها. قوله: (سحولية) بالفتح: نسبة إلى سحول قرية باليمن، وقد ضبطها البكري بفتح أوله وضم ثانيه، قال: وإليها تنسب الثياب السحولية … ثم ذكر الحديث (٢)، ويروى بضم السين، وهي الثياب البيض النقية، ولا تكون إلا من القطن، وسحول: مفردها سحل بالفتح كفلس وفلوس، وقد نسبت إلى الجمع (٣). قوله: (من كرسف) بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء ساكنة، هو: القطن.

стр. 1662

(قوله: ليس فيها قميص ولا عمامة) الجملة صفة لثلاثة: أي: قد انتفى عنها القميص والعمامة، فلم يكفن فيهما، والقميص: ثوب ذو أكمام والعمامة: ما يلبس على الرأس دائرًا عليه. • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تكفين الرجل في ثلاثة أثواب، أي: ثلاث لفائف، تبسط بعضها فوق بعض، تحتها ثلاثة أحزمة من قبل الرأس والوسط والأرجل؛ لتعقد على الكفن؛ لئلا تنتشر اللفائف وتتفرق، وتحل في القبر، ويجعل الحنوط فيما بين اللفائف كما تقدم. فيؤتى بالميت مستورًا وجوبًا من السرة إلى الركبة، ويوضع فوق اللفائف مستلقيًا؛ لأنه أسهل لإدراجه فيها؛ إذ لو وضع على جنبه لانقلب، وصار في إدراجه شيء من الصعوبة، ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر، ثم تسحب السترة، حيث يصبح جسد الميت قط غطي، وهذا هو الأفضل في عدد الأثواب التي يكفن فيها الرجل، فإن كفن في ثوب واحد يستر جميعه أجزأ ذلك، وقد تقدم في حديث الذي وقع عن راحلته في عرفة أنه كفن في ثوبين، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1663

جواز التكفين في القميص ٥٤٧/ ١٤ - عن ابن عمر ﵁ قال: لما توفى عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه إياه. متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " الكفن في القميص" (١٢٦٩)، ومسلم (٢٤٠٠) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي ﷺ قميصه، فقال: " آذني أصلي عليه"، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁ فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: " أنا بين خيرتين" قال تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ فصلى عليه، فنزلت: ﴿ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا﴾. • الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز التكفين في القميص لغرض شرعي، وإلا فالأولى تركه؛ لأن النبي ﷺ لم يكفن في قميص، والقميص كما تقدم ثوب ذو أكمام. وقد أخرج البخاري بسنده عن جابر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ بعد الله بن أبي بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه (١).

стр. 1664

وظاهر هذا أنه معارض لحديث ابن عمر ﵁، فإن حديث ابن عمر يدل على أن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلب من النبي ﷺ قميصه، ليكفن فيه أباه فأعطاه إياه، وحديث جابر يدل على أن النبي ﷺ ألبسه قميصه بعدما دفن حيث نبشه ونفث فيه من ريقه، ثم ألبسه قميصه. والجواب كما قال الحافظ (١) أن معنى قوله في حديث ابن عمر: (فأعطاه)، أي: أنعم له بذلك، فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا لتحقق وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر: (بعدما دفن) أي: دلي في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازًا لوعده في تكفينه في قميصه، وقيل: أعطاه ﷺ أحد قميصيه أولًا: ثم لما حفر أعطاه الثاني لسؤال ولده. وسبب ذلك ما أخرجه البخاري من حديث جابر ﵁ قال: لما كان يوم بدر أتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا، فوجدوا قميص بعد الله بن أبي يقدر (٢) عليه فكساه النبي ﷺ إياه، فلذا نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه. قال ابن عيينة أحد رواة الحديث: (كانت له عند النبي ﷺ يد، فأحب أن يكافئه) (٣)، فيكون الغرض من تكفينه في قميص أمرين: الأمر الأول: مكافأة ابن سلول لما أحسن إلى عمه العباس بكسائه له. الأمر الثاني: تطييب خاطر ابنه عبد الله الصحابي الجليل ﵁ لما طلب ذلك من النبي ﷺ ، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1665

استحباب التكفين في الثوب الأبيض ٥٤٨/ ١٥ - عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم". رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٥/ ١٦١)، وأبو داود في كتاب " اللباس"، باب "في البياض" (٤٠٦١)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (٣٥٦٦) كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ مرفوعًا، وتمامه: "وإن خير أكحالكم الإثمد: يجلو البصر، وينبت الشعر". هذا لفظ أبي داود وأحمد. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وهذا الحديث إسناده حسن، ورجاله ثقات، وعبد الله بن خثيم متكلم فيه، فقد قال عنه ابن معين: (ثقة حجة)، وعنه: (أحاديثه ليست بالقوية) وقال العجلي: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (ما به بأس، صالح الحديث)، وقال النسائي: (ثقة) (١)، وقال مرة: (ليس بالقوي في الحدث)، وذلك عند سياق حديثه في كتاب "الحج"، ثم قال: (إن علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكأن علي ابن المديني خلق للحديث) (٢). وقد ذكره ابن حبان في

стр. 1666

" الثقات" وقال: (وكان يخطئ) (١)، وقال عنه الحافظ في " التقريب": (صدوق). وقد أعل هذا الحديث بالوقف (٢)، وله شاهد من حديث سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" (٣). • الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب لبس الثوب الأبيض في حال الحياة، فيدخل في ذلك لبس القميص الأبيض والغترة البيضاء، لقوله: " فإنها من خير ثيابكم" وهذه صيغة تفضيل، وفي حديث سمرة ﵂: " فإنها أطهر وأطيب"، وذلك لأنه يظهر فيها أدنى وسخ فيزال، فتكون أطهر، ولكن هذا لا يعني كراهاة اللباس غير الأبيض، فقد لبس النبي ﷺ غير الأبيض، كما تقدم في باب " اللباس"، وهذا هو الذي صرف الأمر في قوله: " البسوا" عن الوجوب إلى الندب، وإلا فظاهره الوجوب. • الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تكفين الميت بالثوب الأبيض وأنه أفضل من غيره؛ لأنه أطيب وأطهر؛ ولأن الله تعالى اختاره في ثلاثة أثواب بيض. ولو كفن الميت في غير الأبيض فلا حرج، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1667

استحباب تحسين الكفن ٥٤٩/ ١٦ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" رواه مسلم. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الجنائز"، باب " في تحسين كفن الميت" (٩٤٣) من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن النبي ﷺ خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه". * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن تحسين كفن الميت أمر مطلوب، وذلك بأن يكون حسنًا في ذاته، فيكون أبيض نظيفًا ساترًا لجميع بدن الميت، ويكون حسنًا في صفة إدراج الميت فيه على الصفة المتقدمة. قال البغوي: (المراد من هذا التحسين هو البياض والنظافة لا كونه مرتفعًا ثمينًا) (١). وقال النووي: (المراد بإحسان الكفن: نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه، وليس المراد بإحسانه: السرف والمغالاة) (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1668

جواز تكفين الاثنين في ثوب ودفنهما في قبر واحد ٥٥٠/ ١٧ - عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: " أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ "، فيقدمه في اللحد، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. رواه البخاري. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الجنائز" في عدة مواضع، وأولها باب: " الصلاة على الشهيد" (١٣٤٣) من طريق الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله ﵁ قال: … وذكر الحديث. وآخره كما في البخاري: (فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: " أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم). • الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز دفن الاثنين في القبر الواحد إذا دعت الحاجة إلى ذلك، مثل كثرة الموتى وقلة من يدفنهم، أو ضعف من يدفنهم لمرض أو جراحات أو نحو ذلك؛ أما إذا لم يوجد حاجة فالأصل أن يدفن كل ميت في قبر مستقل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كراهة دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (١). • الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز جمع الاثنين في ثوب واحد

стр. 1669

عند التكفين، وهذا أحد الاحتمالين في الحديث، وعليه يدل قول جابر ﵁: "فكفن أبي وعمي في نمرةٍ واحدة" (١). والاحتمال الثاني: أن المراد قطع الثوب الواحد بينهما نصفين، ويكفن كل واحد على حدة؛ لأن في ذلك ستر العورة، وعدم التقاء بشرة الميتين. الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تقديم أصحاب الفضل على غيرهم إذا جمعوا في قبر واحد، ويكون التقديم إلى جهة القبلة، فيقدم قارئ القرآن على غيره، وهذا يدل على أن القرآن يرفع مقام الإنسان ويعلي مرتبته إذا تعلمه لوجه الله تعالى، وهذا لا يلزم منه الأفضلية في الدار الآخرة، فقد يكون المؤخر أفضل عند الله تعالى من المقدم، وإنما هذا اترتيب حسب المنزلة في دار الدنيا. • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن شهيد المعركة لا يغسل، والمرد به شهيد المعركة في حرب الكفار، وهذا مذهب الجمهور. والحكمة من كونه لا يغسل: ما ورد في حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أحد: " لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة" ولم يصل عليهم (٢). وأما غير شهيد المعركة كالمبطون والمطعون والمرأة تموت في نفاسها وصاحب الهدم والغريق والحريق (٣) فإنه يغسل كسائر موتى المسلمين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (٤)؛ لأن هؤلاء شهداء في ثوب الآخرة، لا في أحكام الغسل والصلاة، لاختلاف أحكامهم عن أحكام شهيد المعركة. * الوجه السادس: الحديث دليل على أن الشهيد لا يصلى عليه، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد (٥).

стр. 1670

والقول الثاني: أنه يصلى عليه، وهذا قول أبي حنيفة (١)، ورواية عن أحمد، ذكرها ابن قدامة وقال: (إنها محمولة على الاستحباب؛ لأن كلام أحمد يشير إلى ذلك) (٢). واستدلوا بحديث عقبة بن عامر ﵁: " خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت … " الحديث (٣). وفي رواية للبخاري: " صلى رسول الله صلى الله عله وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين؛ كالمودع للأحياء والأموات … " للحديث (٤). وعن عبد الله بن الزبير ﵁: أن رسول الله ﷺ أمر يوم أحد بحمزة فسجى ببردة، ثم صلى عليه تسع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يصفون، يصلي عليهم وعليه معهم (٥). والأظهر في هذه المسألة أن الإمام مخير بين الصلاة على الشهيد وتركها، لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٦). وأما حديث عقبة فهو ظاهر في أن الرسول ﷺ صلى عليهم مثل صلاته على الميت، لكن الأظهر أنها صلاة مودع، لا الصلاة على الجنازة، لأنها تكون قبل الدفن؛ وأما القول بأن المراد الدعاء فظاهر الحديث يرده، والله تعالى أعلم.

стр. 1671

النهي عن المغالاة في الكفن ٥٥١/ ١٨ - عن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سريعًا" رواه أبو داود. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب "كراهية المغالاة في الكفن" (٣١٥٤) من طريق عمرو بن هاشم أبي مالك الجنبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي، عن علي ﵁ قال: لا تغال لي في كفن، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلبه سلبًا سريعًا". وهذا إسناد ضعيف للأمرين: الأمر الأول: ضعف عمرو بن هاشم. قال فيه البخاري: (فيه نظر) (١)، وقال مسلم: (ضعيف الحديث) (٢). وقال أحمد: (صدوق، ولم يكن صاحب حديث) (٣). وقال ابن حبان: (كان ممن يقلب الأسانيد، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره) (٤). الأمر الثاني: الانقطاع، ذكر ذلك الحافظ في " التلخيص" ونقل عن الدارقطني أنه قال: (إن الشعبي لم يسمع من علي سوى حرف واحد) (٥).

стр. 1672

الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن المغالاة في الكفن، وهي المبالغة في زيادة قيمته وتجاوز الحد فيه، واختياره من الثياب الفاخرة والأقمشة الغالية، وذلك لأن الكفن يبلى في الأرض سريعًا ويضيع، فيكون ذلك من باب إضاعة المال، ومن باب السرف والخيلاء. وقد جاء في حديث عائشة ﵂ أن أبا بكر ﵁ نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع (١)، من زعفران، فقال: (اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما، قلت: إن هذا خلق، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو اللمهلة … ) الحديث (٢). قال الحافظ ابن حجر: (وظاهره أن أبا بكر كان يرى عدم المغالاة في الكفن، ويؤيده قوله بعد ذلك: " إنما هو للمهلة" (٣)). ولا يعارض ذلك حديث تحسين الكفن فقد تقدم معناه، وقد حمل بعض العلماء حديث أبي بكر ﵁ على ما إذا أوصى أن يكفن بغير الجديد فإنها تنفذ وصيته، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1673

جواز تغسيل الرجل زوجته ٥٥٢/ ١٩ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: " لو مت قبلي فغسلتك" الحديث. رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان. ٥٥٣/ ٢٠ - وعن أسماء بنت عميس ﵁ أن فاطمة ﵍ أوصت أن يغسلها علي ﵁. رواه الدارقطني. • الكلام عليهما من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه أحمد (٤٣/ ٨١)، والنسائي في " الكبرى" (٦/ ٣٨١)، وابن ماجه (١٤٦٥)، وابن حبان (١٤/ ٥٥١) من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبدي الله بن عبد الله، عن عائشة ﵂ قالت: (رجع إلى رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، قال: "بل أنا وارأساه"، ثم قال: " ما ضرك لو مت قبل، فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك"، قلت: لكني أو لكأني بك والله لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه) هذا لفظ أحمد، والحافظ ساق القدر المراد. وهذا إسناد حسن، كما قال الألباني (١)، ومحمد بن إسحاق صرح بالتحديث عند ابن هشام في "السيرة" (٢) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣) فانتفت شبهة تدليسه على ما يظهر.

стр. 1674

والحديث أخرجه البخاري (٥٦٦٦) من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة ﵂: وارأساه … وساق الحديث، وليس فيه ذكر التغسيل، وهذا يشعر بإعلال هذه اللفظة، لما تقدم من إعراض الشيخين عم المعلول من الأحاديث والروايات، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن رجب وغيرهما. قال ابن الجوزي: (لم يق: "وغسلتك" إلا محمد بن إسحاق) (١)، وقد رواه صالح بن كيسان عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ بلفظ: " فهيأتك ودفنتك … "، أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦/ ٣٨١ - ٣٨٢) وأحمد (٤٢/ ٥٠) وإسناده صحيح على شرط الشيخين، كما قال الألباني. وقوله: "فهيأتك" لفظ عام يشمل كل ما يلزم الميت قبل الدفن من الغسل وتوابعه، لكن لا تطمئن النفس لتفرد هؤلاء عن أصحاب الزهري بهذه الألفاظ. وأما حديث أسماء، فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٩) من طريق عبد الله بن نافع المديني، عن محمد بن موسى، عن عون بن محمد، عن أمه، عن أسماء ﵂، به. وهذا إسناد ضعيف لأمرين: الأمر الأول: ضعف عبد الله بن نافع المدني، ضعفه ابن معين، ومرة قال: (يكتب حديثه). وقال ابن المديني: (روى أحاديث منكرة). وقال البخاري: (يخالف في حديثه)، وقال مرة: (فيه نظر) (٢). وقد أعل الحديث ابن الجوزي بابن نافع، وذكر أن الإمام أحمد أنكر هذا الحديث (٣)، لكن قال الحافظ: (قد احتج بهذا الحديث أحمد وابن المنذر، وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما) (٤).

стр. 1675

الأمر الثاني: أن أم عون بن محمد ويقال لها: أم جعفر غير معروفة. ولذا قال ابن التركماني: (في سنده من يحتاج إلى كشف حاله … ) (١)، وقد تابع عبد الله بن نافع: قتيبة بن سعيد، ثنا محمد بن موسى به. أخرجه البيهقي (٣٩٦٣)، وقد حسن الحافظ هذا الحديث، وتابعه الألباني (٢). • الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تغسيل الزوج زوجته، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الإمام مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وجماعة من السلف (٣)، كما استدلوا بالقياس على غسل المرأة زوجها، لأنهما زوجان. والقول الثاني: ليس للزوج غسل زوجته، وهذا قول أبي حنيفة، والثوري، ورواية عن أحمد (٤)، لبطلان النكاح بينهما؛ لأن الموت فرقة تبيح له أختها، وأربعًا سواها، فحرمت النظر واللمس، فلا يغسلها، والراجح قول الجمهور، لقوة ما استدلوا به. وأما تغسيل الزوجة زوجها فهو جائز، لما ت قدم من قول عائشة ﵂: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول ﷺ إلا نساؤه) (٥). قال البيهقي: (فتلهفت على ذلك، ولا يتلهف إلا على ما يجوز) (٦). وقد ورد آثار كثيرة تصح بمجموعها أن نساء أبي بكر ﵁ وعنهن قمن يتغسيله بوصية منه (٧).

стр. 1676

وقد نقل ابن المنذر، وكذا ابن عبد البر الإجماع على جواز غسل المرأة زوجها (١)، إثر كلامهما على حديث أسماء في تغسيلها أبا بكر ﵁ (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1677

حكم الصلاة على من قتل في حد ٥٥٤/ ٢١ - عن بريدة ﵁ في قصة الغامدية التي أمر النبي ﷺ برجمها في الزنا - قال: ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت. رواه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الحدود"، باب "من اعترف على نفسه بالزنا" (١٦٩٥) من طريق بشير بن المهاجر، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه … وساق الحديث بطوله. وبشير بن المهاجر وثقه جماعة؛ كابن معين والعجلي، وقال البخاري: (يخالف في بعض حديثه) (١). وقال الذهبي: (ثقة فيه شيء) (٢). وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق الحديث، لين الحديث)، وقد أخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول. وقد خولف في هذا الحديث، فإن مسلمًا أخرج الحديث بطوله من طريق غيلان بن جامع المحاربي، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبه، وليس فيه ذكر الصلاة عليها. وقد ذكره أولًا، ثم أردفه بحديث بشير بن المهاجر بناء على منهجه كما في أول " الصحيح". وغيلان بن جامع ثقة، كما في "التقريب". وله شاهد من حديث عمران بن حصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت

стр. 1678

النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا … الحديث، وفيه: ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها … الحديث (١). • الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية الصلاة على من أقيم عليه حد الرجم، وعلى جوازها من الإمام كبقية موتى المسلمين. قال الإمام أحمد: (ما نعلم أن النبي ﷺ ترك الصلاة على أحد، إلا على الغال وقاتل نفسه) (٢)، وهذا قول الشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي، واختاره ابن المنذر (٣). والقول الثاني: أنه لا يصلي الإمام على من أقيم عليه الحد، ويصلي على الناس غير الإمام، وهذا قول مالك (٤)؛ لأن الرسول ﷺ لم يصل على ماعز ﵁ ولم ينه عن الصلاة عليه (٥). قالوا: ولأن في ترك الصلاة عليه من قبل الإمام ردعًا وزجرًا لأمثاله ممن تسول له نفسه أن يقترف هذا الفعل. والراجح القول الأول لقوة دليله، وإن أخذنا بظاهر الحديث فإن الإمام لا يصلي إلا على من جاء تائبًا. وأما كون النبي ﷺ لم يصل على ماعز ﵁ فقد ضعفه المنذري فقال: (في إسناده مجاهيل) (٦) وقد جاء في بعض الروايات أنه صلى عليه، ولهذا الموضوع زيادة تأتي في كتاب " الحدود" إن شاء الله. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1679

حكم الصلاة على من قتل نفسه ٥٥٥/ ٢٢ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه. رواه مسلم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب "ترك الصلاة على القاتل نفسه (١٩٧٨) من طريق زهير، عن سماك، عن جابر بن سمرة ﵁، به. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بمشاقص) جمع مشقص بكسر الميم وفتح القاف، وهو نصل عريض، والنصل: حديدة الرمح والسهم والسكين. قوله: (فلم يصل عليه) لفظ أبي داود بعد سياق قصة الرجل: " إذن لا أصلي عليه"، وعند النسائي: " أما أنا فلا أصلي عليه". • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يشرع للإمام ومن هو قدوة للناس ترك الصلاة على من قتل نفسه، لعصيانه بهذا الفعل، وليكون ردعًا لغيره من الإقدام على هذه الجريمة العظيمة. وقد دلت رواية أبي داود والنسائي على أنه لا مانع من الصلاة عليه؛ لأنه بعمله هذا من العصاة الذين هم أحوج وأحق بشفاعة المسلمين بصلاتهم عليهم من غيرهم. والظاهر أن هذا الحكم وهو امتناع الإمام من الصلاة على قاتل نفسه يتعدى إلى غير الإمام ممن يكون في امتناعه من الصلاة عليه ردع ونكال، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 1680

حكم الصلاة على الميت بعد دفنه ٥٥٦/ ٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد - قال: فسأل عنها النبي ﷺ فقالوا: ماتت، فقال: " أفلا كنتم آذنتموني"؟ فكأنهم صغروا أمرها، فقال: " دلوني على قبرها"، فدلوه فصلى عليها. متفق عليه. وزاد مسلم: ثم قال: " إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم". • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الصلاة" (٤٥٨) ثم أخرجه في كتاب " الجنائز"، باب " الصلاة على القبر بعدما يدفن" (١٣٣٧)، ومسلم (٩٥٦) من طريق حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁، به. وأما زيادة مسلم، فقد جاءت من طريق أبي كامل عن حماد به، وقد ذكر الدارقطني أن هذه الجملة مدرجة في الحديث من كلام ثابت البناني (١)، وذكر الحافظ أن البخاري أعرض عنها؛ لأنها مدرجة في الإسناد، وهي من مراسيل ثابت (٢)، وعلى هذا فهي زيادة شاذة؛ لأن الحديث عند البخاري رواه

стр. 1681

سليمان بن حرب (٤٥٨)، وأحمد بن واقد (٤٦٠)، ومحمد بن نفيل (١٣٣٧) ثلاثتهم عن حماد. ورواه عنه أبو كامل وأبو الربيع وروايتهما عند مسلم، ولم يذكر أحد من هؤلاء هذه الزيادة، إلا ما تقدم في رواية أبي كامل. • الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، فإن كان الميت رجلًا وقف عند رأسه؛ وإن كانت أنثى وقف عند وسط القبر. ومنع من الصلاة على القبر أصحاب مالك، والمشهور عندهم المنع فيمن صلى عليه، والجواز فيمن لم يصل عليه (١)، واستدل ابن القيم للمانعين بحديث أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٢). واعتذروا عن حديث الباب بأعذار ضعيفة، لا حاجة إلى الاشتغال بها، وقد ذكرها القاضي عياض (٣). والصواب الجواز مطلقًا، لحديث الباب ولأحاديث أخرى، ومنها: حديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعًا (٤)، وحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قبر بعدما دفن (٥). ومنها مرسل سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليهما، وقد مضى لذلك شهر (٦). وليس فيه تحديد للمدة، وقد احتج به أحمد (٧).

стр. 1682

وأما التفصيل بين من صلي عليه ومن لم يصل عليه فإن الأحاديث ترده؛ لأنها وردت في حق من صلي عليه قبل أن يدفن (١). وأما حديث: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"، فلا يعارض هذه الأحاديث، فإنه لا يراد به صلاة الجنازة، بدليل فعل النبي ﷺ ، وإنما يراد به الصلاة ذات الركوع والسجود؛ فإنها لا تجوز في القبور؛ لأنها ذريعة إلى الشرك، وتقدم ذلك في " الصلاة". وقد اختلف العلماء في تحديد المدة التي تجوز فيها الصلاة على الميت بعد دفنه على أقوال منها: القول الأول: أنها تجوز إلى شهر من دفنه، وهذا مذهب الحنابلة وبعض الشافعية (٢)، واستدلوا بمرسل سعيد بن المسيب المذكور. القول الثاني: عدم التحديد بشهر وأنه يصلى عليه أبدًا، وهو اختيار ابن عقيل الحنبلي، وهو قول عند الشافعية (٣). القول الثالث: أن يصلى عليه أبدًا، بشرط أن يكون المصلي من أهل الصلاة على هذا الميت يوم موته، أما من ولد بعد موته أو كان حين موته ليس من أهل الصلاة عليه كالصغير والمجنون فلا يصلي على قبره. وهذا قول عند الشافعية، اعتبره النووي هو الأصح (٤)، وفيه وجاهة. وينبغي أن يعلم أن الأصل عدم الصلاة على القبر؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يصلي على كل قبر، ولم يكن أصحابه ﵁ يفعلون ذلك، وقد دل حديث الباب على أن الإنسان لا يصلي على القبر إلا إذا كان له علاقة بالميت من صداقة أو قرابة ونحو ذلك، وهو ممن يحرص على الصلاة عليه لو كان موجودًا. وأما ما عليه بعض الناس الآن من كونه يصلي على قبر

стр. 1683

فلان أو فلان وهو لا يعرفه، وقد لا يحرص على الصلاة عليه من الناس، فلا أصل له، وقد يكون من البدع؛ لأن النبي ﷺ لم يرشد زائر المقبرة إلى الصلاة، وإنما أرشده إلى الدعاء (١). والقول بتحديد ذلك بشهر فيه ضعيف؛ لأن الدليل المذكور لا يدل على التحديد؛ لأن فعل وقع اتفاقًا لا قصدًا، وما فعل اتفاقًا لا يصح دليلًا لأنه لم يقصد، والنبي ﷺ لم يثبت عنه تحديد المدة التي تجوز فيها الصلاة على الميت بعد دفنه. • الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن الصلاة على القبر غير محددة بوقت معين، فيصلى على القبر ولو في أوقات النهي، لعموم: " دلوني على قبرها"، فيصلى على القبر في أوقات النهي الطويلة، أما الأوقات المضيقة التي وردت في حديث عقبة بن عامر ﵁ المتقدم في باب "المواقيت" فلا يصلى فيها على الميت، ولا يدفن فيها، لهذا الحديث (٢). • الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن احتقار المسلم مهما كان وضعه بين المسلمين لقوله: "دلوني على قبرها"، فإن هذا يتضمن الرد عليهم لما صغروا أمرها؛ إذ لا عبرة بالمظاهر؛ وإنما العبرة بالصلاح والتقوى، قال تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم … ﴾ [الكهف: ٢٨]، وفي هذا أحاديث كثيرة. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على استحباب السؤال عن الخادم أو الصديق إذا غاب، فلعله يكون مريضًا فيزار، أو مسافرًا فيطمأن على حاله. وفي السؤال عن حال المرء فوائد عظيمة، منها: فرح المسؤول عنه إذا علم أن فلانًا يسأل عنه، لا سيما إذا كان السائل من أولي الفضل كالعالم أو طالب العلم.

стр. 1684

ومنها: تطييب خاطر أهله إذا علموا أن فلانًا يسأل عن ابنهم أو والدهم ونحو ذلك. • الوجه السادس: في الحديث بيان لما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والرفق بأمته وتفقد أحوالهم، ولا سيما من كان يقوم بعمل صالح يزهد فيه الأكثرون، فإنه جدير بأن يشجع ويرفع من شأنه ويسأل عنه إذا فقد، حتى لا يزهد الناس في أعمال الخير التي يترفع عنها كثير من الناس مثل: تنظيف المسجد أو تنظيف الطرقات، ونحو ذلك مما فيه نفع للمسلمين. • الوجه السابع: في الحديث دليل على استحباب إعلام أقارب الميت وأصدقائه ومن له صلة به بوفاته، لقوله: " أفلا كنتم آذنتموني"، وهذا ليس من النعي المنهي عنه، كما سيأتي قريبًا. • الوجه الثامن: الحديث دليل على فضل تنظيف المسجد وأنه عمل حسن مندوب إليه؛ فإن هذه المرأة التي كانت تقم المسجد في عهد النبي ﷺ لم يكن حالها يخفى على النبي ﷺ (١). • الوجه التاسع: ورد في حديث ابن عباس ﵁ في الصحيحين أن الرسول ﷺ صلى على قبر وصفوا خلفه (٢)، ففيه دليل على جواز الصلاة على القبر ممن صلى عليها في المسجد؛ لأن ذلك من زيادة الخير للمصلي وللميت؛ لأن الصحابة هم الذين أخبروا النبي ﷺ بموت هذا الرجل وقيامهم على شأنه، ولأن القاعدة الفقهية: " يصح تبعًا ما لا يصح استقلالًا" تؤيد ذلك. • الوجه العاشر: اختلف العلماء في حكم الصلاة على الميت في المقبرة قبل دفنه على قولين: القول الأول: أنها تصح مع الكراهة، وهو رواية عند أحمد، اختارها

стр. 1685

ابن عقيل، وبه قال جماعة من الحنفية والمالكية، وهو مذهب الشافعية، لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة (١). القول الثاني: تصح من غير كراهة، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو قول جماعة من الحنفية والمالكية، وهو قول الظاهرية (٢). ودلي لذلك ما رواه ابن جريج، قال: قلت لنافع: أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور؟ قال: لقد صلينا على عائشة وأم سلمة ﵂ وسط البقع، والإمام يوم صلينا على عائشة ﵂ أبو هريرة ﵁، وحضر ذلك ابن عمر (٣)، وقال ابن المنذر: (وكان عمر بن عبد العزيز يفعل ذلك) (٤). كما استدلوا بالقياس على صلاته ﷺ على القبر، قالوا: فلا فرق بين أن يصلى على جنازة مدفونة أو غير مدفونة لأن العلة واحدة، وهو أن هذا الميت الذي يصلى عليه في المقبرة (٥)، وقد أشار ابن القيم إلى ذلك فقال: (لا فرق بين كون الميت على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها) (٦). وهذا القول وجيه في نظري، لقوة مأخذه؛ ولأن فيه مصلحة للميت بكثرة المصلين عليه، وهو تأخير يسير، وينبغي التنبيه على أنه لا ينبغي للناس أن يعتادوا الصلاة على جنائزهم في المقبرة؛ وإنما المقصود بهذا البحث أنه لو فات بعض الناس الصلاة عليها في المسجد فلا بأس أن يصلوا عليها في المقبرة، والله تعالى أعلم. * * *
следующие страницы →