سليمان بن حرب (٤٥٨)، وأحمد بن واقد (٤٦٠)، ومحمد بن نفيل (١٣٣٧) ثلاثتهم عن حماد.
ورواه عنه أبو كامل وأبو الربيع وروايتهما عند مسلم، ولم يذكر أحد من هؤلاء هذه الزيادة، إلا ما تقدم في رواية أبي كامل.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، فإن كان الميت رجلًا وقف عند رأسه؛ وإن كانت أنثى وقف عند وسط القبر. ومنع من الصلاة على القبر أصحاب مالك، والمشهور عندهم المنع فيمن صلى عليه، والجواز فيمن لم يصل عليه (١)، واستدل ابن القيم للمانعين بحديث أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٢).
واعتذروا عن حديث الباب بأعذار ضعيفة، لا حاجة إلى الاشتغال بها، وقد ذكرها القاضي عياض (٣).
والصواب الجواز مطلقًا، لحديث الباب ولأحاديث أخرى، ومنها: حديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعًا (٤)، وحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قبر بعدما دفن (٥). ومنها مرسل سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليهما، وقد مضى لذلك شهر (٦). وليس فيه تحديد للمدة، وقد احتج به أحمد (٧).
стр. 1682
وأما التفصيل بين من صلي عليه ومن لم يصل عليه فإن الأحاديث ترده؛ لأنها وردت في حق من صلي عليه قبل أن يدفن (١). وأما حديث: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"، فلا يعارض هذه الأحاديث، فإنه لا يراد به صلاة الجنازة، بدليل فعل النبي ﷺ ، وإنما يراد به الصلاة ذات الركوع والسجود؛ فإنها لا تجوز في القبور؛ لأنها ذريعة إلى الشرك، وتقدم ذلك في " الصلاة".
وقد اختلف العلماء في تحديد المدة التي تجوز فيها الصلاة على الميت بعد دفنه على أقوال منها:
القول الأول: أنها تجوز إلى شهر من دفنه، وهذا مذهب الحنابلة وبعض الشافعية (٢)، واستدلوا بمرسل سعيد بن المسيب المذكور.
القول الثاني: عدم التحديد بشهر وأنه يصلى عليه أبدًا، وهو اختيار ابن عقيل الحنبلي، وهو قول عند الشافعية (٣).
القول الثالث: أن يصلى عليه أبدًا، بشرط أن يكون المصلي من أهل الصلاة على هذا الميت يوم موته، أما من ولد بعد موته أو كان حين موته ليس من أهل الصلاة عليه كالصغير والمجنون فلا يصلي على قبره. وهذا قول عند الشافعية، اعتبره النووي هو الأصح (٤)، وفيه وجاهة.
وينبغي أن يعلم أن الأصل عدم الصلاة على القبر؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يصلي على كل قبر، ولم يكن أصحابه ﵁ يفعلون ذلك، وقد دل حديث الباب على أن الإنسان لا يصلي على القبر إلا إذا كان له علاقة بالميت من صداقة أو قرابة ونحو ذلك، وهو ممن يحرص على الصلاة عليه لو كان موجودًا. وأما ما عليه بعض الناس الآن من كونه يصلي على قبر
стр. 1683
فلان أو فلان وهو لا يعرفه، وقد لا يحرص على الصلاة عليه من الناس، فلا أصل له، وقد يكون من البدع؛ لأن النبي ﷺ لم يرشد زائر المقبرة إلى الصلاة، وإنما أرشده إلى الدعاء (١).
والقول بتحديد ذلك بشهر فيه ضعيف؛ لأن الدليل المذكور لا يدل على التحديد؛ لأن فعل وقع اتفاقًا لا قصدًا، وما فعل اتفاقًا لا يصح دليلًا لأنه لم يقصد، والنبي ﷺ لم يثبت عنه تحديد المدة التي تجوز فيها الصلاة على الميت بعد دفنه.
• الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن الصلاة على القبر غير محددة بوقت معين، فيصلى على القبر ولو في أوقات النهي، لعموم: " دلوني على قبرها"، فيصلى على القبر في أوقات النهي الطويلة، أما الأوقات المضيقة التي وردت في حديث عقبة بن عامر ﵁ المتقدم في باب "المواقيت" فلا يصلى فيها على الميت، ولا يدفن فيها، لهذا الحديث (٢).
• الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن احتقار المسلم مهما كان وضعه بين المسلمين لقوله: "دلوني على قبرها"، فإن هذا يتضمن الرد عليهم لما صغروا أمرها؛ إذ لا عبرة بالمظاهر؛ وإنما العبرة بالصلاح والتقوى، قال تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم … ﴾ [الكهف: ٢٨]، وفي هذا أحاديث كثيرة.
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على استحباب السؤال عن الخادم أو الصديق إذا غاب، فلعله يكون مريضًا فيزار، أو مسافرًا فيطمأن على حاله.
وفي السؤال عن حال المرء فوائد عظيمة، منها:
فرح المسؤول عنه إذا علم أن فلانًا يسأل عنه، لا سيما إذا كان السائل من أولي الفضل كالعالم أو طالب العلم.
стр. 1684
ومنها: تطييب خاطر أهله إذا علموا أن فلانًا يسأل عن ابنهم أو والدهم ونحو ذلك.
• الوجه السادس: في الحديث بيان لما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والرفق بأمته وتفقد أحوالهم، ولا سيما من كان يقوم بعمل صالح يزهد فيه الأكثرون، فإنه جدير بأن يشجع ويرفع من شأنه ويسأل عنه إذا فقد، حتى لا يزهد الناس في أعمال الخير التي يترفع عنها كثير من الناس مثل: تنظيف المسجد أو تنظيف الطرقات، ونحو ذلك مما فيه نفع للمسلمين.
• الوجه السابع: في الحديث دليل على استحباب إعلام أقارب الميت وأصدقائه ومن له صلة به بوفاته، لقوله: " أفلا كنتم آذنتموني"، وهذا ليس من النعي المنهي عنه، كما سيأتي قريبًا.
• الوجه الثامن: الحديث دليل على فضل تنظيف المسجد وأنه عمل حسن مندوب إليه؛ فإن هذه المرأة التي كانت تقم المسجد في عهد النبي ﷺ لم يكن حالها يخفى على النبي ﷺ (١).
• الوجه التاسع: ورد في حديث ابن عباس ﵁ في الصحيحين أن الرسول ﷺ صلى على قبر وصفوا خلفه (٢)، ففيه دليل على جواز الصلاة على القبر ممن صلى عليها في المسجد؛ لأن ذلك من زيادة الخير للمصلي وللميت؛ لأن الصحابة هم الذين أخبروا النبي ﷺ بموت هذا الرجل وقيامهم على شأنه، ولأن القاعدة الفقهية: " يصح تبعًا ما لا يصح استقلالًا" تؤيد ذلك.
• الوجه العاشر: اختلف العلماء في حكم الصلاة على الميت في المقبرة قبل دفنه على قولين:
القول الأول: أنها تصح مع الكراهة، وهو رواية عند أحمد، اختارها
стр. 1685
ابن عقيل، وبه قال جماعة من الحنفية والمالكية، وهو مذهب الشافعية، لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة (١).
القول الثاني: تصح من غير كراهة، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو قول جماعة من الحنفية والمالكية، وهو قول الظاهرية (٢). ودلي لذلك ما رواه ابن جريج، قال: قلت لنافع: أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور؟ قال: لقد صلينا على عائشة وأم سلمة ﵂ وسط البقع، والإمام يوم صلينا على عائشة ﵂ أبو هريرة ﵁، وحضر ذلك ابن عمر (٣)، وقال ابن المنذر: (وكان عمر بن عبد العزيز يفعل ذلك) (٤).
كما استدلوا بالقياس على صلاته ﷺ على القبر، قالوا: فلا فرق بين أن يصلى على جنازة مدفونة أو غير مدفونة لأن العلة واحدة، وهو أن هذا الميت الذي يصلى عليه في المقبرة (٥)، وقد أشار ابن القيم إلى ذلك فقال: (لا فرق بين كون الميت على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها) (٦).
وهذا القول وجيه في نظري، لقوة مأخذه؛ ولأن فيه مصلحة للميت بكثرة المصلين عليه، وهو تأخير يسير، وينبغي التنبيه على أنه لا ينبغي للناس أن يعتادوا الصلاة على جنائزهم في المقبرة؛ وإنما المقصود بهذا البحث أنه لو فات بعض الناس الصلاة عليها في المسجد فلا بأس أن يصلوا عليها في المقبرة، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1686
النهي عن النعي
٥٥٧/ ٢٤ - عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ كان ينهى عن النعي. رواه أحمد، والترمذي وحسنه.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣٨/ ٣٠٤) والترمذي في أبواب " الجنائز"، باب " ما جاء في كراهية النعي" (٩٨٦) من طريق حبيب بن سليم العبسي، عن بلال بن يحيى العبسي، عن حذيفة قال: إذا مت فلا تؤذنوا بي، إني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي.
وقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وهذا هو الذي نقله المزي والمنذري عن الترمذي (١)، وكذا الحافظ هنا وفي " فتح الباري" (٢)، ووقع في بعض النسخ: (حسن صحيح).
والحديث في إسناده، حبيب بن سليم، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٣)، وقد روى عنه جمع من الثقات، منهم: عبد الله بن المبارك، ووكيع، وأبو نعيم، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وقال الحافظ في " التقريب": (مقبول).
وله شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية".
стр. 1687
أخرجه الترمذي (٩٨٤) مرفوعًا، وأخرجه موقوفًا، ورجح الموقوف، وكذا رجحه الدارقطني (١)، ومدار الإسنادين على أبي حمزة ميمون الأعور.
قال الترمذي: (وليس بقوي عند أهل الحديث). وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري والدارقطني؛ بل إنه ضعيف جدًا ذاهب الحديث (٢).
• الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بالنهي عن النعي وهو الإخبار بموت الشخص كما سيأتي، وهو الذي كان يفعله أهل الجاهلية من الصياح على أبواب البيوت والأسواق أو فوق الأماكن العالية، وكذا إذا كان لفعل محرم كالمآتم وإظهار الحزن على الميت أو الغلو فيه ونحو ذلك.
وقد ذكر الحافظ ﵀ بعد هذا حديث أبي هريرة ﵁ في النعي الجائز، وهذا ف غاية المناسبة ليعلم ما يتعلق بالأحاديث التي ظاهرها التعارض، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1688
حكم الصلاة على الميت الغائب وكيفيتها
٥٥٨/ ٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف عنهم، وكبر عليه أربعًا. متفق عليه.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز" في عدة أبواب، أولها باب " الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه" (١)(١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١)(٦٢) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، به.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (نعي) أي: أخبر بموت النجاشي، تقول: نعيت الميت نعيًا من باب نفع: أخبرت بموته، فهو منعي.
قوله: (النجاشي) علم جنس لكل من ملك الحبشة. والمرد به هنا: أصحمة. كما ورد في بعض الروايات، ومعناه في اللغة العربية: عطية، وكان النجاشي ملكًا على الحبشة من أوائل عهد النبوة، وآمن بالنبي ﷺ ، وهاجر إليه المسلمون المضطهدون في مكة في أول الإسلام، فأحسن إليهم وآواهم، توفي في رجب سنة تسع من الهجرة.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز نعي الميت، وهو الإخبار
стр. 1689
بموته ووقت ومكان الصلاة عليه، لما في ذلك من المصلحة بالمبادرة لشهود جنازته، والصلاة عليه، والدعاء له وتشييعه وحضور دفنه؛ لأن في ذلك أجرًا للمصلين، ونفعًا للميت، كما أن في ذلك تنفيذ وصاياه وإظهار ديونه وغير ذلك من المصالح والأحكام.
وعلى هذا تحمل أحاديث جواز النعي، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في قصة المرأة التي تقدم المسجد فقال ﷺ : " أفلا كنتم آذنتموني"، أي: أعلمتموني.
وقد يكون النعي واجبًا إذا كان لتحصيل أمر واجب كتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز الصلاة على الميت الغائب، وأن كيفيتها مثل كيفية الصلاة على الميت الحاضر في التكبير أربعًا وغيره، وهذا هو قول الشافعي وأحمد (١).
قالوا: ولأن الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يدعى له وهو غائب.
والقول الثاني: أن الصلاة على الغائب غير مشروعة مطلقًا، وصلاة النبي ﷺ على النجاشي خاصة به، وليس ذلك لغيره؛ لأنه توفي كثير من أصحابه ﷺ ، من أعزهم عليه: القراء، ولم ينقل عنه أنه صلى عليهم، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، ورواية عن أحمد (٢).
والقول الثالث: أن الصلاة على الميت غير مشروعة إلا لمن لم يصل عليه، وهذا قول في مذهب أحمد، وبه قال الخطابي، وصوبه شيخ الإسلام ابن تيمية، وصححه ابن القيم (٣).
стр. 1690
قالوا: لأنه إذا صلي عليه سقط الفرض بصلاة المسلمين عليه.
والقول الرابع: أنه يصلى على الغائب إذا كان قد نفع المسلمين بعلمه أو جاهه أو ماله أو كان له أياد بيضاء في الدفاع عن الإسلام وأهله، وهذه الأوصاف مأخوذة من قصة النجاشي، وقد جاء هذا القول عن الإمام أحمد، فقد نقل ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه قال: إذا مات رجل صالح صلي عليه (١)، واحتج بقصة النجاشي، ورجح هذا القول بعض المتأخرين، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز (٢).
والراجح هو القول الثالث، وهو التفصيل بين من صلي عليه في بلده فلا يصلى عليه، وبين من لم يصل عليه فيصلى عليه، وذلك لقوة مأخذه، والصلاة على النجاشي ليست شرعًا عامًا، وإنما هي قضية عينية مكافأة للنجاشي على صنيعه. والقول بأن النجاشي لم يصل عليه ليس عليه دليل؛ بل هو بعيد جدًا؛ لأن من المعلوم أن الملوك إذا أسلموا يتبعهم أناس، ولا سيما المقربون إليهم.
ويؤيد هذا القول أن كبار الصحابة ﵃ ومنهم الخلفاء الأربعة لم ينقل أنه صلي عليهم في الأمصار الإسلامية صلاة الغائب، والظاهر أن هذا لو وقع لكانت الهمم والدواعي متوفرة على نقله.
• الوجه الخامس: في الحديث معجزة ظاهرة وآية من آيات النبي ﷺ الدالة على نبوته حيث أخبر بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وقد ذكر بعض العلماء أنه بينه وبين النجاشي مسيرة شهر، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1691
استحباب كثرة الجمع على الجنازة
٥٥٩/ ٢٦ - عن ابن عباس ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: " ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه". رواه مسلم.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخرجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب " من صلى عليه أربعون شفعوا فيه" (٩٤٨) من طريق أبي صخر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته. فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ما من رجل مسلم) من: مزيدة لتأكيد الاستغراق، والمعنى: أي رجل مسلم، والتعبير بالرجل خرج مخرج الغالب، وإلا فالمرأة كذلك.
قوله: (لا يشركون بالله شيئًا) نكرة في سياق النفي، فيعم الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ لأن صاحب الشرك الأكبر لا تصح صلاته، وصاحب الشرك الأصغر لا تصح شفاعته هنا؛ لأن الشافع لابد أن يكون سالمًا من كل شائبة تخل بعقيدته.
قوله: (إلا شفعهم الله فيه) بفتح الشين وتشديد الفاء، أي: قبل شفاعتهم فيه.
•
стр. 1692
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تكثير المصلين على الجنازة وأن من صلى عليه هذا العدد وهم أربعون بالوصف المذكور وهو أنهم لا يشركون بالله شيئًا فإن الله تعالى يقبل شفاعتهم فيه، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته بعباده.
وقد ورد في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قالت: " ما من ميت صلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" (١).
وقد ذكر القاضي عياض أن هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله (٢).
وذكر النووي أنه يحتمل أن النبي ﷺ أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به. أو يقال: إن هذا من باب مفهوم العدد، فلا تنافي بينها، ويعمل بجميع الأحاديث، وتقبل الشفاعة بأدناها، فيكون الأقل من العددين متأخرًا عن الأكثر، لأن الله تعالى منعم متفضل إذا وعد المغفرة لمعنى لم يكن من سنته النقصان من الفضل الموعود بعد ذلك بل يزيد تفضلًا، فيدل على زيادة تفضل الله وكرمه على عباده، ولعل الحافظ نظر إلى هذا المعنى عندما ذكر حديث ابن عباس ﵁ وترك حديث عائشة ﵂ في المائة، وكلاهما في " صحيح مسلم".
• الوجه الرابع: الحديث دليل على إثبات الشفاعة للمؤمنين، وأن شفاعة المصلين للميت مقبولة ونافعة بإذن الله تعالى بالوصف المذكور وهو أن يكون الشافع لا يشرك بالله شيئًا والمشفوع فيه كذلك والشفاعة في رفع درجات المؤمنين نوع من أنواع الشفاعة التي يذكرها أهل العلم.
والشفاعة لابد فيها من إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، لكن لما أمر الله تعالى المسلم أن يدعو لأخيه الميت، صار هذا الأمر إذنًا بالشفاعة وزيادة (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 1693
بيان موقف الإمام من جنازة المرأة
٥٦٠/ ٢٧ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها. متفق عليه.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " أين يقوم من المرأة والرجل؟ " (١٣٣٢)، ومسلم (٩٦٤) من طريق عبد الله بن بريدة، حدثنا سمرة بن جندب ﵁ قال: … وذكر الحديث.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (في نفاسها) في: للظرفية؛ أي: ماتت في مدة النفاس، ويجوز كونها سببية، أي: ماتت بسبب نفاسها. والنفاس: دم عادي يخرج بسبب الولادة، وتقدم في آخر باب " الحيض".
قوله: (فقام وسطها) بسكون السين؛ أي: عند منتصف جسمها، هكذا قيده الحفاظ واقتصر عليه النووي (١)، وقيده بعضهم بالفتح أيضًا.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية وقوف الإمام في الصلاة على جنازة المرأة عند وسطها، وأما الرجل فيقف الإمام عند رأسه، وهذا القول بالتفريق قول أحمد وإسحاق، والصحيح من مذهب الشافعية (٢)، لحديث أنس ﵁ أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه، وعلى جنازة امرأة فقام
стр. 1694
وسطها، فقيل له: أهكذا كان النبي ﷺ يفعل، فقال: (نعم) (١).
والقول الثاني: أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في موقوف الإمام، فيقف الإمام في وسط الميت مطلقًا، وهذا قول مالك (٢)، وهو رأي البخاري، كما يفهم من الترجمة المذكورة، وكأنه يشير بها إلى ضعف حديث أنس (٣)، وقال أبو حنيفة: يقف عند صدر الرجل والمرأة لأنهما سواء (٤).
والقول الأول أرجح، لثبوت التفريق، وهذا الخلاف إنما هو في الأفضل، وإلا فحيثما وقف الإمام أجزأ، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1695
جواز الصلاة على الجنازة في المسجد
٥٦١/ ٢٨ - عن عائشة ﵂ قالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد. رواه مسلم.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب " الصلاة على الجنازة في المسجد" (٩٧٣) من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵁ لما توفى سعد بن أبي وقاص ﵁ قالت: (ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه). فأنكر ذلك عليها، فقالت: (والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه)، وفي رواية عنها قالت: (ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بين البيضاء إلا في المسجد).
وقولها: (ابني بيضاء) هما: سهل وسهيل، وأمهم البيضاء، واسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الصلاة على الميت في المسجد، وهذا قول الشافعي وأحمد وجمهور العلماء (١)، وإنكار الصحابة ﵃ ذلك على عائشة ﵂ لأنه لم يكن معروفًا على صفة الدوام.
قال ابن القيم: (ولم يكن من هديه الراتب الصلاة على الميت في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي
стр. 1696
أحيانًا على الميت في المسجد … ) (١).
وقد ذكر ابن المنذر وغيره أن أبا بكر وعمر ﵃ صلي عليهما في المسجد (٢)، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يصلى على الميت في المسجد (٣)، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" (٤).
والراجح القول الأول لقوة دليله. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فعنه ثلاثة أجوبة:
الأول: أنه ضعيف؛ لأنه مما تفرد به صالح مولى التوأمة، والأئمة يتقون ما تفرد به. وقد نقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال: (هو مما تفرد به صالح مولى التوأمة)، وكذا قال ابن المنذر والبيهقي والبغوي وجماعة (٥).
الثاني: أن هذا الحديث مختلف في لفظه، ففي النسخ المشهورة المحققة المسموعة في سنن أبي داود "فلا شيء عليه"، وعند ابن ماجه وأحمد "فليس له شيء" لوجب تأويله على معنى: "فلا شيء عليه" لتتفق الأحاديث ولا تتعارض (٦).
стр. 1697
الثالث: أن هذا الحديث بلفظ: "فلا شيء له" معارض بما هو أصح منه، وهو حديث عائشة المذكور، فلا يقف في مقابلة الحديث الصحيح السالم من الاحتمال (١)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1698
عدد تكبيرات صلاة الجنازة
٥٦٢/ ٢٩ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها. رواه مسلم والأربعة.
٥٦٣/ ٣٠ - وعن علي ﵁ أنه كبر على سهل بن حنيف ستًا، وقال: إنه بدري. رواه سعيد بن منصور.
وأصله في " البخاري".
٥٦٤/ ٣١ - وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكبر على جنائزنا أربعًا بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى. رواه الشافعي بإسناد ضعيف.
• الكلام عليها من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد اختلف في اسم أبيه أبي ليلى، فقيل: يسار، وقيل: بلال، وقيل غير ذلك. وجده الأعلى مالك بن أوس الأنصاري الأوسي، ولد لست بقين من خلافة عمر ﵁، وذكر الذهبي أنه ولد في خلافة الصديق ﵁ أو قبل ذلك. وقد روى عن أبيه وعمر وعثمان وعلي وعدد كثير من الصحابة ﵁، وروى عنه ابنه عيسى وابن ابنه عبد الله بن عيسى والشعبي وعمرو بن مرة وآخرون. قال عنه الحافظ الذهبي: (الإمام العلامة الحافظ). مات سنة ثلاث وثمانين (١)، رحمه الله تعالى.
•
стр. 1699
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقد أخرجه مسلم في كتاب "الجنائز"، باب " الصلاة على القبر" (٩٥٧)، وأبو داود (٣١٩٧)، والترمذي (١٠٢٣)، والنسائي (٤/ ٧٢)، وابن ماجه (١٥٠٥) كلهم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: … الحديث.
وأما حديث علي ﵁، فقد أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٨٠) من طريق ابن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد، قال: سمعت ابن معقل يقول: صلى علي على سهل بن حنيف فكبر ستًا.
ويزيد بن أبي زياد هو القرشي الهاشمي متكلم فيه.
ورواه عبد الرزاق (٣/ ٤٨١) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٦)، وابن حزم (٥/ ١٢٦)، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن معقل، أن علي بن أبي طالب ﵁ صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستًا، ثم التفت إلينا فقال: (إنه بدري).
زاد ابن حزم: قال الشعبي: وقدم علقمة من الشام فقال لابن مسعود: إن إخوانك بالشام يكبرون على جنائزهم خمسًا، فلو وقتم لنا وقتًا نتابعكم عليه. فأطرق عبد الله ساعة، ثم قال: (انظروا جنائزكم، فكبروا عليها ما كبر أئمتكم، لا وقت ولا عدد).
قال ابن حزم: (هذا إسناد في غاية الصحة؛ لأن الشعبي أدرك علقمة، وأخذ عنه وسمع منه).
وأخرج الطحاوي (١/ ٤٩٧)، والدارقطني (٢/ ٧٣) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٧) عن عبد خير، قال: (كان علي ﵁ يكبر على أهل بدر ستًا، وعلى أصحاب النبي ﷺ خمسًا وعلى سائر الناس أربعًا) وسنده صحيح، كما قال الألباني (١).
стр. 1700
وأصل هذا الحديث في البخاري في كتاب المغازي (٤٠٠٤) عن ابن معقل أن عليًا ﵁ كبر على سهل بن حنيف فقال: (إنه شهد بدرًا) وليس فيه ذكر العدد، وهذا قد يستفاد منه إعلال التنصيص على العدد المذكور.
وأما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه الشافعي (١/ ٢١٤ ترتيب مسنده) قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ﵁، به مرفوعًا.
وإسناده ضعيف جدًا من أجل شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو رافضي كذاب كل بلاء فيه، كما تقدم (١)، وقد أعله الصنعاني بابن عقيل (٢)، وهذا فيه نظر، فإن الصواب في ابن عقيل أن حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن إذا لم يخالف؛ لأن الكلام فيه إنما هو من قبل حفظه، وهو في نفسه صدوق، وقد مضى ذكره (٣)، وقد ساق الحافظ هذا الحديث لبيان حاله، وأنه ليس هو العمدة في الباب؛ بل العمدة الحديث الذي بعده.
• الوجه الثالث: اختلف العلماء في عدد التكبير في صلاة الجنازة على قولين:
القول الأول: أن التكبير أربع ولا يزاد عليها، وقد عزاه ابن المنذر إلى أكثر أهل العلم، بل نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك (٤). واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي وائل، قال: كانوا يكبرون في زمن النبي ﷺ سبعًا وخمسًا وأربعًا حتى كان زمن عمر فجمعهم، فسألهم، فأخبره كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم على أربع تكبيرات كأطول الصلاة، يعني الظهر (٥).
والقول الثاني: جواز الزيادة على الأربع؛ لأنه أمر فعله النبي ﷺ ،
стр. 1701
وفعله بعض أصحابه بمحضر بقيتهم ولم ينكر عليه، ولا سيما في حق أهل العلم ومن له جهود في مصالح المسلمين، مثل: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك.
وهذا القول وجيه جدًا، وفيه عمل بجميع الأدلة؛ فإن النبي ﷺ لم يرد عنه المنع مما زاد على أربع؛ بل فعله هو وأصحابه من بعده كما تقدم، فكيف يترك مع ثبوته؟! وما فعله الصحابة ﵃ هو في حكم المرفوع؛ لأن بعض كبار الصحابة أتى بها على مشهد من الصحابة دون أن يعترض عليه أحد منهم.
وأما ما ورد عن عمر ﵁ فلا يعد إجماعًا؛ بل هو من باب تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال بناءً على المصحلة، ولا يعني ذلك تغيير الحكم الثابت أو إلغاءه بصفة دائمة، ومثل ذلك ما فعله عمر ﵁ عندما أمضى الطلاق الثلاث على الناس لما رآهم تتابعوا على إيقاعه.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن صلاة الجنازة أربع تكبيرات، فيقرأ في الأولى الفاتحة، كما سيأتي، وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ كالصلاة عليه في التشهد، وبعد الثالثة يدعو للميت، وإنما كان في الثالثة؛ لأن الدعاء يحتاج إلى ثناء وصلاة على النبي ﷺ ، فناسب ذلك في الثانية ثم يكبر الرابعة ويسلم (١)، وقد ورد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلم في نفسه عن يمينه (٢).
• الوجه الخامس: من فاتته بعض التكبيرات دخل مع الإمام فيما أدركه فيه، معتبرًا ذلك أول صلاته، وما يقضيه بعد سلام إمامه هو آخر صلاته، لعموم: " فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣)، فإذا أدرك الإمام في
стр. 1702
التكبيرة الثانية مثلًا كبر معه وقرأ الفاتحة، فإذا كبر الإمام الثالثة كبر هو وصلى على النبي ﷺ ، فإذا كبر الإمام الرابعة كبر ودعا للميت دعاء موجزًا، فإذا سلم الإمام كبر الرابعة ثم سلم (١).
والقول الثاني: أنه يدخل مع الإمام فيما هو فيه، فإذا أدرمه في الثالثة مثلًا كبر ودعا للميت، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته، فكبر متواليًا إن بقيت الجنازة، وإن رفعت فله أن يسلم مع إمامه، ولا يجب عليه القضاء (٢). والله أعلم.
* * *
стр. 1703
وجوب الفاتحة بعد التكبيرة الأولى
٥٦٥/ ٣٢ - عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: " لتعلموا أنها سنة". رواه البخاري.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري المدني قاضي المدينة زمن يزيد، روى عن عمه عبد الرحمن بن عوف الزهري، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وابن عباس، وآخرين، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي: (ثقة). وكان شريفًا جوادًا حجة إمامًا، يقال له: طلحة الندى، وكان يكتب الوثائق بالمدينة، مات بها سنة تسع وتسعين ﵀ (١).
• الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة" (١٣٣٥) من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: … وذكر الحديث.
وقد أخرجه النسائي (٤/ ٧٤)، وابن الجارود في "المنتقى" (٥٣٧) من طريق إبراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي، عن طلحة، بلفظ: (فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعنا … )، وقد جود ابن المنذر هذه الزيادة (٢)،
стр. 1704
وقال البيهقي: (ذكر السورة فيه غير محفوظ) (١)، ورد عليه ابن التركماني فقال: (بل هو محفوظ) (٢).
وقد اقتصر البخاري على رواية شعبة، عن سعد، وليس فيها ذكر السورة، وترك رواية إبراهيم بن سعد، عن أبيه التي فيها ذكر السورة؛ لأن شعبة أوثق من إبراهيم بن سعد، ومع هذا فقد جودها ابن المنذر، وأثبتها ابن التركماني، وصحح إسنادها النووي (٣)، والألباني (٤)، لكن إعراض البخاري عنها يشعر بضعفها.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى من تكبيرات صلاة الجنازة، لقول ابن عباس ﵁: (لتعلموا أنها سنة) أي: طريقة متبعة وشرع ثابت، وليس المراد بذلك المندوب أو المستحب، فإن هذا اصطلاح حادث عند الفقهاء، واسم السنة يطلق على الواجب وما ليس بواجب (٥).
والسنة في قراءة الفاتحة: المخافتة، وإنما جهر بها ابن عباس لتعليم الناس، كما جهر عمر ﵁ بدعاء الاستفتاح لتعليم الناس.
وليس في صلاة الجنازة دعاء استفتاح لعدم ثبوته، وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود فقال: (سمعت أحمد سئل عن الرجل يستفتح على الجنازة: سبحانك، قال: ما سمعت) (٦).
• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: باستحباب قراءة سورة بعد الفاتحة، بناءً على ثبوت زيادة ذكر السورة، واستحب النووي (٧) أن تكون قصيرة، ولعله بنى ذلك على كون صلاة الجنازة مبنية على التخفيف والاستعجال بالجنازة إلى قبرها؛ وإلا فالحديث ليس فيه ما يدل على كونها قصيرة، والله تعالى أعلم.
стр. 1705
ما يدعى به في صلاة الجنازة
٥٦٦/ ٢٣ - عن عوف بن مالك ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه: " اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار". رواه مسلم.
٥٦٧/ ٣٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة يقول: " اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده". رواه مسلم، والأربعة.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث عوف بن مالك، فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب " الدعاء للميت في الصلاة" (٩٦٣) من طريق ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن حبيب بن عبيد، عن جبير بن نفير، سمعه يقول: سمعت عوف بن مالك يقول: … وذكر الحديث، وفي آخره قال: (حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت).
أما الثاني: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب " الدعاء
стр. 1706
للميت" (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة" (١٠٨٠) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁.
وهذا قد أعل بالإرسال، فقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن وصله، فقال: (هذا خطأ، الحفاظ لا يقولون: أبا هريرة، إنما يقولون: أبا سلمة، أن النبي ﷺ (١).
وقال الترمذي: (روى هشام الدستوائي وعلي بن المبارك (٢) هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلا) (٣)، وصحح الإرسال أيضًا الدارقطني (٤).
وأخرجه الترمذي (١٠٢٤)، والنسائي (٤/ ٧٤)، وأحمد (٢٩/ ٨٧) طريق يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو إبراهيم الأشهلي، عن أبيه قال: … فذكر الحديث.
وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال: (سمعت محمدًا يقول: أصح الروايات في هذا: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، وسألته عن اسم أبي إبراهيم فلم يعرفه). وكذا قال الدارقطني والبيهقي (٥)، وقال أبو حاتم: (لا يدرى من هو ولا أبوه) (٦)، قال الشوكاني: (ولكن جهالة الصحابي غير قادحة) (٧)، وهذا بناء على أنه صحابي.
وأخرجه ابن ماجه (١٤٩٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وهذا معلول، ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، ثم هو أيضًا على خلاف المحفوظ عن أبي سلمة.
стр. 1707
ورواه أحمد في المسند (٢٩/ ٨٨) من طريق همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه مرفوعًا، ورجاله ثقات (١).
ومن هذا البيان الموجز يتبين أن الرواة قد اختلفوا في إسناد هذا الحديث اختلافًا ظاهرًا، وهذا من الاضطراب في الإسناد، ولهذا قال البخاري: (حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وعائشة وأبي قتادة في هذا الباب غير محفوظ، وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك) (٢).
وقد أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة" (١٠٨٧) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂. قال الترمذي: (حديث عكرمة بن عمار غير محفوظ). وذلك لأن أضعف روايات عكرمة روايته عن يحيى بن أبي كثير، كما قال ذلك الإمام أحمد وابن المديني وابن القطان والبخاري وآخرون.
والحديث له شواهد عن ابن عباس عند الطبراني (٣)، وعبد الرحمن بن عوف عند البزار (٤)، وكلها ضعيفة.
وأما عزو الحافظ هذا الحديث لمسلم فالظاهر أنه خطأ من النساخ، لا من الحافظ؛ لأنه لما ذكره في " التلخيص" عزاه إلى السنن ومسند أحمد فقط (٥)، وقد فات الصنعاني أن ينبه على ذلك.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (فحفظت من دعائه) لعله ﷺ جهر به ليحفظ عنه. وقال النووي: (أي: علمنيه بعد الصلاة فحفظته) (٦). لكن يرد هذا رواية الترمذي وغيره: (وسمعت رسول الله ﷺ … ) فالأول أظهر.
قوله: (اللهم اغفر له) المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وتقدم ذلك " صفة الصلاة".
стр. 1708
قوله: (وارحمه) الرحمة صفة تقتضي الإنعام والإحسان إلى المرحوم برفعة درجاته وتحقيق مطلوبه، فهي أبلغ من المغفرة؛ لأن فيها حصول المطلوب بعد زوال المكروه.
قوله: (وعافه) أي: من المؤذيات في القبر من فتنته ووحشته وظلمته وعذابه.
قوله: (واعف عنه) أي: تجاوز عما وقع له من تقصير في الطاعة حال حياته.
قوله: (وأكرم نزله) النزل: بضمتين: ما يهيأ للضيف من الإكرام، أي: اجعل نزله وضيافته عندك كريمة، وأحسن نصيبه من الجنة. وأكرم: بقطع الهمزة.
قوله: (ووسع مدخله) بفتح الميم: مكان الدخول وهو القبر، وبضمها: الإدخال في القبر، والفتح أولى لأنه المناسب للمقام، ليكون المعنى: ووسع مكان الدخول، بأن يفسح له في قبره ويفتح له بابًا إلى الجنة.
قوله: (واغسله بالماء والثلج والبرد) أي: طهره، وليس المراد بالغسل هنا على ظاهره، وإنما هو استعارة بديعة للطهارة العظيمة من الذنوب، والماء معروف، والثلج: الماء المتجمد، والبرد: بالتحريك المطر المنعقد، وجمع بينهما مبالغة في التطهير.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مناسبة تنقية الذنوب بالثلج والبرد مع أن الماء الحار أبلغ في الإزالة؟ فقال: (إن حرارة الذنوب يناسبها شدة برودة الثلج والبرد) (١).
قوله: (ونقه من الخطايا) أي: خلصه ونظفه. والخطايا: آثارها، وهي جمع خطيئة وهي المعصية؛ إما بترك ما يجب أو بفعل ما يحرم.
قوله: (كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) خص الأبيض لأن النقاء
стр. 1709
فيه أبلغ، حيث إن قل دنس يبين فيه. والدنس: هو الوسخ. وهذه الجمل تقدم شرحها في "صفة الصلاة".
قوله: (وأبدله دارًا خيرًا من داره) أبدله: بصيغة الدعاء من الإبدال، أي: عوضه دارًا في الجنة، من القصور ومن سعة القبور خيرًا من داره في الدنيا الفانية.
قوله: (وأهلًا خيرًا من أهله) هذا التبديل إما بالأعيان بأن يعوضه الله عنهم في دار كرامته، أو تبديل أوصاف بأن تكون العجوز شابة، وسيئة الخلق حسنة الخلق، وهو الأقرب لقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم … ﴾ [الطور: ٢١].
قوله: (وزوجًا خيرًا من زوجه) هذه الجملة غير موجودة في نسخ البلوغ، وهو في مسلم ضمن الحديث، والمعنى: أبدله زوجًا من الحور العين أو من نساء الدنيا؛ فإن كانت معه زوجته في الجنة فالظاهر أن المراد إبدال الأوصاف لا إبدال الذوات، لقوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آباءهم وأزواجهم وذريتهم … ﴾ [الرعد: ٢٣]، فالمؤمن إذا دخل الجنة وكانت زوجته صالحة فهي زوجته في الجنة، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المرء لآخر أزواجها" (١)؛ وإن كان الميت امرأة فالمعنى: إبدالها زوجًا من طائفة من الفقهاء أن هذا الدعاء خاص بالرجل، ولا يقال في المرأة: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها، لجواز أن تكون لزوجها في الجنة؛ لأن المرأة لا يمكن الاشتراك فيها، والرجل يقبل ذلك (٢).
وزوج: بغير هاء يقال للذكر والأنثى، وقد يقال للمرأة زوجة بالهاء. وقد جاءت كذلك عند أحمد (٣) والبيهقي (٤).
стр. 1710
قوله: (وأدخله الجنة) أي: ابتداء مع الناجين الفائزين.
قوله: (وقه فتنة القبر) والمراد بها: ما يحصل بعد الموت حين يسأل الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه. والقبر: ما بين الموت وقيام الساعة وإن لم يدفن الميت.
قوله: (وعذاب النار) أي: وقه عذاب النار بعد البعث، إما بإعاذته منها ابتداءً، أو بإنجائه من الخلود فيها.
قوله: (وشاهدنا) أي: حاضرنا.
قوله: (وصغيرنا) إن كان المراد به المكلف فلا إشكال؛ لأن المكلف أنواع منهم الصغير والكهل والشيبة، وهذا أولى أن يفسر به الحديث، وإن كان المراد من دون التكليف فيرد عليه إشكال، وهو كيف يستغفر للصغير مع أنه غير مكلف ولا ذنب له؟ فإما أن يقال: إن المراد بالألفاظ في الحديث الدلالة على الشمول والاستيعاب، كأنه قال: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كلهم أجمعين، أو أنه عام مخصوص بمن سيكبر، أو أنه لا يلزم من طلب المغفرة تقدم ذنب؛ بل قد يكون لرفع الدرجات.
قوله: (فتوفه على الإيمان) أي: التصديق القلبي واليقين. فالإسلام: هو العبادات كلها، والإيمان شرط فيها، ووجودها في الحياة ممكن، بخلاف حالة الموت فإن وجودها متعذر، فلهذا اكتفى بالموت على الإيمان خاصة. وطلب الحياة على الإسلام الذي الإيمان جزء منه.
قوله: (اللهم لا تحرمنا أجره) أي: أجر تجهيزه والصلاة عليه ودفنه وتشييعه، وأجر صبرنا على المصيبة فيه؛ فإن المسلمين في المصيبة كالشيء الواحد، وأما أجر عمله فهو له وليس لنا في شيء.
قوله: (ولا تضلنا بعده) وفي رواية: (ولا تفتنا) أي: بتسليط الشيطان علينا حتى ينال منا مطلوبه. وهذا شامل لفتنة الشبهات وفتنة الشهوات.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الدعاء للميت؛ لأن هذا هو المقصود من الصلاة عليه. وقد ورد في الدعاء للميت أحاديث كثيرة،
стр. 1711
ومنها ما ذكره الحافظ. وقد تقدم قول البخاري: (أصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك). واستحب كثير من الفقهاء أن يبدأ بحديث عوف؛ لأنه دعاء خاص. والأفضل أن يكون بالأدعية المأثورة، ويجوز الدعاء بكل ما يناسب المقام، ومن ذلك الدعاء له بالمغفرة والرحمة، وتنقيته من الذنوب، وإعاذته من عذاب القبر وفتنته، وعذاب النار، وقد جاء الدعاء في حديث عوف بن مالك بلفظ المفرد المذكر، فبغير الدعاء ما يلزم تغييره في حال التأنيث والتثنية والجمع.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الميت ينتفع بالدعاء له إذا تحققت فيه شروط القبول، ولولا أنه ينتفع ما كان لدعائنا له فائدة.
• الوجه الخامس: إذا كان الميت طفلًا قال بعد الدعاء العام: " اللهم اجعله فرطًا لوالديه وذخرًا، وشفيعًا مجابًا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم ﵊، وقه برحمتك عذاب الجحيم"، وهذا ذكره الفقهاء، وليس في ذلك سنة عن الرسول ﷺ ، إلا ما ورد في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعًا: " … والطفل يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" (١).
وذكر البخاري عن الحسن أنه قال: يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب، ويقول: " اللهم اجعله لنا فرطًا وأجرًا وسلفًا" (٢).
وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أنه صلى على المنفوس، ثم قال: " اللهم أعذه من عذاب القبر" (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 1712
الأمر بإخلاص الدعاء للميت
٥٦٨/ ٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء". رواه أبو داود، وصححه ابن حبان.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب " الدعاء للميت" (٣١٩٩)، وابن حبان (٧/ ٣٤٥ - ٣٤٦) من طريق محمد بن سلمة الحراني، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
وهذا سند جيد، ومحمد بن إسحاق صرح يالتحديث عند ابن حبان من طريق أخرى (١).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على انه ينبغي في الصلاة على الميت إخلاص الدعاء له؛ لأنها صلاة مقصودة له، سواء أكان الميت محسنًا أم مسيئًا؛ لأن ملابس المعاصي أحوج الناس إلى دعاء إخوانه المسلمين وشفاعتهم له. ومعنى إخلاصه للميت: أي تخصيصه بالدعاء، فلا يدعى لغيره على وجه الخصوص، وإنما يدعى له مفردًا أو مع غيره، كما في حديث: " اللهم اغفر لحينا … ". وقال المناوي: (أي: ادعوا له بإخلاص وحضور قلب؛ لأن المقصود بهذه الصلاة إنما هو الاستغفار للميت، وإنما يرجى قبولها عند توفر الإخلاص والابتهال) (٢).
стр. 1713
قلت: ولا مانع من اعتبار المعنيين: تخصيص الميت بالدعاء، والدعاء له بإخلاص وحضور قلب، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1714
مشروعية الإسراع بالجنازة
٥٦٩/ ٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم". متفق عليه.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " السرعة بالجنازة" (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤)(٥٠) من طريق سفيان بن عيينة، قال: حفظناه من الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، قال: … وذكر الحديث.
وأخرجه مسلم (٥١) من طريق ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي هريرة ﵁ وفيه: " فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير … ".
قال الحافظ: (وهو محمول على أن للزهري فيه شيخين) (١).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أسرعوا بالجنازة) بفتح الجيم؛ أي: الميت، وهذا الإسراع يفسر بمعنيين:
المعنى الأول: المبادرة بتجهيزها والصلاة عليها، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : " لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" (٢).
стр. 1715
المعنى الثاني: الإسراع بالسير فيها إلى قبرها. قال ابن الملقن: (وهو أطهر، وعليه الجمهور) (١)، ويؤيد هذا ما رواه عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكما نمشي مشيًا خفيفًا، فلحقنا أبو بكرة ﵁ ورفع سوطه فقال: (لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله ﷺ نرمل رملًا) (٢).
وقد رجح النووي هذا المعنى، وقال: إنه الصواب، وأبطل المعنى الأول بقوله: " فشر تضعونه عن رقابكم".
والظاهر أنه لا مانع من حمل الإسراع على المبادرة بتجهيزها، والإسراع بالسير فيها إلى قبرها. قال القرطبي: (لا يبعد أن يكون كل واحد منهما مطلوبًا؛ إذ مقتضاه: مطلق الإسراع؛ فإنه لم يقيده بقيد، والله أعلم) (٣)، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز، (٤) وذلك لأنه إذا كان الإسراع أثناء حملها مأمورًا به، فالإسراع في تجهيزها والصلاة عليها من باب أولى؛ لأن تأخير هذه الأمور يطول أكثر من تأخير الإسراع أثناء الحمل (٥).
وأما رد النووي للمعنى الأول وإبطاله بقوله: " فشر تضعونه عن رقابكم" ففيه نظر، والظاهر أنه لا يفهم منه رد المعنى الأول، لأمرين:
الأمر الأول: أنه قد يعبر بالحمل على الظهر أو العنق عن المعاني دون الذوات، فيقال: حمل فلان على عنقه موضوع كذا. فيصير معنى الحديث: إنكم تستريحون من هذا الأمانة التي حملتم إياها بالإسراع في تجهيزها ودفنها.
الأمر الثاني: أنه ليس كل حاضري الميت يحملونه، وإنما يحمله القليل منهم.
стр. 1716
قوله: (فإنها إن تك صالحة) الجملة تعليل للأمر بالإسراع.
قوله: (فخير تقدمونها إليه) الفاء رابطة لجواب الشرط، و (خير) مبتدأ.
والخير محذوف؛ أي: فلها خير، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فذلك خير.
وجملة (تقدمونها) صفة لخير، والمراد بالخير: نعيم القبر.
قوله: (وإن تك سوى ذلك) أي: غير صالحة، وعبر عنه بـ (سوى ذلك) تحاشيًا لبشاعة اللفظ.
قوله: (فشر تضعونه) الفاء كما تقدم. و (شر): خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فهي شر.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الإسراع في تجهيز الميت والمبادرة بتغسيله والصلاة عليه ودفنه، وذلك لأن الميت إن كان صالحًا فالإسراع بتجهيزه ودفنه من مصلحته، للمبادرة بإيصاله إلى ما أعد الله له من النعيم والسرور في قبره؛ لأن القبر للميت الصالح خير من الدنيا؛ وإن كان الميت غير صالح فالإسراع بتجهيزه ودفنه من مصلحة حامليه ومشيعيه حيث يضعون عن رقابهم شرًا، ويتخلصون منه؛ إذ لا مصلحة لهم فيه.
• الوجه الرابع: أن الإسراع المأمور به في حمله هو ما كان في رفق ولطف لا في هيئة مزرية تؤدي إلى الإضرار بالميت أو سقوطه أو تؤدي إلى إتعاب من يشيعه، وقد يضعف عن مواصلة تشييعه، فالمطلوب مراعاة السنة بالإسراع ومراعاة الرفق بالميت والمشيعين.
وأما ما يفعله كثير من الناس في هذا الزمان من تأخير الميت يومًا أو يومين من أجل حضور بعض أقاربه أو لنقله من بلد إلى آخر فهذا فيه مخالفة واضحة للأمر بالإسراع بتجهيزه ودفنه، وفيه جناية على الميت كما دل عليه الحديث، فينبغي المبادرة به، فمن حضر من أقاربه فذاك، وإلا صلى بعد مجيئه على القبر.
أما تأخير وقتًا يسيرًا كساعة أو ساعتين أو يموت أول النهار فيؤخر إلى الظهر أو إلى صلاة الجمعة مثلًا ليكثر المصلون عليه فلا مانع إن شاء الله
стр. 1717
أو يؤخر لغرض آخر كالبحث في سبب موته إن كان بسب بجناية عليه فلا حرج إن شاء الله؛ لأن في ذلك مصلحة ظاهرة، لا سيما مع وجود أماكن مبردة تحفظ بها الأجساد من الفساد.
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن السنة حمل الميت على الأعناق، ويجوز حلمه على دابة أو سيارة لغرض صحيح؛ كبعد المقبرة أو وجود مطر غزير ونحو ذلك. وأما ما اعتاده الناس اليوم من حملها على سيارة مع قرب المقبرة فينبغي تركه لأمرين:
الأمر الأول: أن فيه مخالفة للسنة.
الأمر الثاني: أن حملها على سيارة يفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكرة الآخرة ومآل الإنسان؛ فإن حمل الميت على الأعناق والذهاب به إلى المقبرة فيه أبلغ عظة وأعظم تذكرة لمن كان له قلب، وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: (عودوا المريض، واتبعوا الجنائز، تذكيركم الآخرة" (١).
وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق باتباع الجنائز، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1718
أجر من اتبع الجنازة
٥٧٠/ ٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان".
قيل: وما القيراطان؟ قال: " مثل الجبلين العظيمين". متفق عليه.
ولمسلم: " حتى توضع في اللحد".
وللبخاري: " من تبع جنازة مسلم إيمانًا، واحتسابًا، وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل أحد".
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " من انتظر حتى تدفن" (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥)(٥٢) من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … الحديث.
وأما رواية مسلم، فقد أخرجها من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁.
وأما رواية البخاري، فقد أخرجها في كتاب " الإيمان"، باب " اتباع الجنائز من الإيمان" (٤٧) من طريق روح، قال: حدثنا عوف، عن الحسن ومحمد، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر الحديث. وتمامه: " ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط"، وقد قرن البخاري فيه بين الحسن وهو البصري، ومحمد هو ابن سيرين، لأنهما حدثا
стр. 1719
به عوفًا، عن أبي هريرة ﵁، إما مجتمعين وإما متفرقين. فأما ابن سيرين فسماعه من أبي هريرة صحيح، وأما الحسن فمختلف في سماعه منه، والأكثرون على نفيه، وهو من ذلك كثير الإرسال. فلا تحمل عنعنته على السماع، وعلى هذا فالاعتماد على ابن سيرين، وقد أورده البخاري كما سمع.
ولعل الحافظ أورد رواية البخاري لاشتمالها على فوائد ليست في الرواية الأولى، وذكر رواية مسلم ليعرف الجمع بينها وبين غيرها، كما سيتبين إن شاء الله تعالى.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من شهد الجنازة) أي: من حضر الجنازة، وهي بفتح الجيم: الميت.
قوله: (حتى يصلى عليها) يصلى: بفتح اللام، وهي رواية الأكثر، كما ذكر الحافظ، وبكسرها في بعض الروايات، ويؤيد رواية الكسر رواية البخاري في الباب المذكور، فإنها بلفظ: " حتى يصلي"، وأما لفظ البلوغ فهو عند مسلم.
و (حتى) للغاية، والمعنى: امتداد شهوده إياها إلى الفراغ من الصلاة عليها.
قوله: (فله قيراط) بكسر القاف: معيار في الوزن وفي القياس، يختلف وزنه بحسب الأمكنة. والمراد هنا: مقدار عظيم من الأجر مثل الجبل، وفي رواية البخاري المذكورة: " كل قيراط مثل أحد"، وعند مسلم: " أحدهما مثل أحد".
قوله: (ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) المراد بذلك: تمام القيراطين، لا أنه يحصل بالصلاة مع حضور الدفن ثلاثة قراريط، والدليل على أن المراد تمام القيراطين رواية البخاري المذكورة: " وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين"، وعند مسلم: " من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر … "، فتكون الأحاديث المطلقة والمحتملة محمولة على الرواية الصريحة (١).
стр. 1720
قوله: (وما القيراطان) سأل عن تعيينها لذكرهما مبهمين، ولم يعين في هذه الرواية القائل ولا المقول له، وأراد بذكر الجبل تعظيم الثواب، فمثله بالجبلين العظيمين.
قوله: (ومن شهدها حتى تدفن) أي: حضرها، والمراد من صلى عليها ثم استمر معها حتى (تدفن) أي: حتى يفرغ من دفنها بدليل رواية البخاري، ورواية مسلم (حتى توضع في اللحد) محمولة على ذلك (١).
قوله: (من تبع) وفي رواية: " من اتبع" والمعنى: لحق الجنازة ومشى خلفها.
قوله: (إيمانًا واحتسابًا) مفعول لأجله أو حال، أي: تصديقًا بوعد الله تعالى الوارد في اتباع الجنائز. (واحتسابًا) أي: طلبًا لثواب الله وتقربًا إليه بأن يتبع الجنازة إخلاصًا لوجه الله تعالى، لا مكافأة ولا مخافة.
قوله: (وكان معه) أي: مع المسلم، وهذه المعية تفيد أنه لابد أن يكون مع الميت في جميع الطريق هذا هو الظاهر، لكن لو كان مع الجنازة جمع كثير وتأخر بسبب كثرة المشيعين حصل له القيراط إذا كان ممن ينتسب إلى المشيعين (٢).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل اتباع الجنازة والصلاة عليها وحضور دفنها، وظاهر الحديث أن الأجر المرتب على ذلك مشروط بقوله: " إيمانًا واحتسابًا" وعلى هذا فمن تبع الجنازة على سبيل المكافأة المتبادلة أو على سبيل المجاملة أو نحو ذلك فقد يؤجر على ذلك، لكن لا ينال الأجر المذكور لفوات ما رتب عليه.
وفي اتباع الجنائز فوائد عظيمة ومصالح جمة منها:
١ - الحصول على هذا الفضل العظيم.