← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

قوله: (فإنها إن تك صالحة) الجملة تعليل للأمر بالإسراع. قوله: (فخير تقدمونها إليه) الفاء رابطة لجواب الشرط، و (خير) مبتدأ. والخير محذوف؛ أي: فلها خير، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فذلك خير. وجملة (تقدمونها) صفة لخير، والمراد بالخير: نعيم القبر. قوله: (وإن تك سوى ذلك) أي: غير صالحة، وعبر عنه بـ (سوى ذلك) تحاشيًا لبشاعة اللفظ. قوله: (فشر تضعونه) الفاء كما تقدم. و (شر): خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فهي شر. • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الإسراع في تجهيز الميت والمبادرة بتغسيله والصلاة عليه ودفنه، وذلك لأن الميت إن كان صالحًا فالإسراع بتجهيزه ودفنه من مصلحته، للمبادرة بإيصاله إلى ما أعد الله له من النعيم والسرور في قبره؛ لأن القبر للميت الصالح خير من الدنيا؛ وإن كان الميت غير صالح فالإسراع بتجهيزه ودفنه من مصلحة حامليه ومشيعيه حيث يضعون عن رقابهم شرًا، ويتخلصون منه؛ إذ لا مصلحة لهم فيه. • الوجه الرابع: أن الإسراع المأمور به في حمله هو ما كان في رفق ولطف لا في هيئة مزرية تؤدي إلى الإضرار بالميت أو سقوطه أو تؤدي إلى إتعاب من يشيعه، وقد يضعف عن مواصلة تشييعه، فالمطلوب مراعاة السنة بالإسراع ومراعاة الرفق بالميت والمشيعين. وأما ما يفعله كثير من الناس في هذا الزمان من تأخير الميت يومًا أو يومين من أجل حضور بعض أقاربه أو لنقله من بلد إلى آخر فهذا فيه مخالفة واضحة للأمر بالإسراع بتجهيزه ودفنه، وفيه جناية على الميت كما دل عليه الحديث، فينبغي المبادرة به، فمن حضر من أقاربه فذاك، وإلا صلى بعد مجيئه على القبر. أما تأخير وقتًا يسيرًا كساعة أو ساعتين أو يموت أول النهار فيؤخر إلى الظهر أو إلى صلاة الجمعة مثلًا ليكثر المصلون عليه فلا مانع إن شاء الله

стр. 1717

أو يؤخر لغرض آخر كالبحث في سبب موته إن كان بسب بجناية عليه فلا حرج إن شاء الله؛ لأن في ذلك مصلحة ظاهرة، لا سيما مع وجود أماكن مبردة تحفظ بها الأجساد من الفساد. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن السنة حمل الميت على الأعناق، ويجوز حلمه على دابة أو سيارة لغرض صحيح؛ كبعد المقبرة أو وجود مطر غزير ونحو ذلك. وأما ما اعتاده الناس اليوم من حملها على سيارة مع قرب المقبرة فينبغي تركه لأمرين: الأمر الأول: أن فيه مخالفة للسنة. الأمر الثاني: أن حملها على سيارة يفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكرة الآخرة ومآل الإنسان؛ فإن حمل الميت على الأعناق والذهاب به إلى المقبرة فيه أبلغ عظة وأعظم تذكرة لمن كان له قلب، وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: (عودوا المريض، واتبعوا الجنائز، تذكيركم الآخرة" (١). وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق باتباع الجنائز، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1718

أجر من اتبع الجنازة ٥٧٠/ ٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: " مثل الجبلين العظيمين". متفق عليه. ولمسلم: " حتى توضع في اللحد". وللبخاري: " من تبع جنازة مسلم إيمانًا، واحتسابًا، وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل أحد". • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " من انتظر حتى تدفن" (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥) (٥٢) من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … الحديث. وأما رواية مسلم، فقد أخرجها من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁. وأما رواية البخاري، فقد أخرجها في كتاب " الإيمان"، باب " اتباع الجنائز من الإيمان" (٤٧) من طريق روح، قال: حدثنا عوف، عن الحسن ومحمد، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر الحديث. وتمامه: " ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط"، وقد قرن البخاري فيه بين الحسن وهو البصري، ومحمد هو ابن سيرين، لأنهما حدثا

стр. 1719

به عوفًا، عن أبي هريرة ﵁، إما مجتمعين وإما متفرقين. فأما ابن سيرين فسماعه من أبي هريرة صحيح، وأما الحسن فمختلف في سماعه منه، والأكثرون على نفيه، وهو من ذلك كثير الإرسال. فلا تحمل عنعنته على السماع، وعلى هذا فالاعتماد على ابن سيرين، وقد أورده البخاري كما سمع. ولعل الحافظ أورد رواية البخاري لاشتمالها على فوائد ليست في الرواية الأولى، وذكر رواية مسلم ليعرف الجمع بينها وبين غيرها، كما سيتبين إن شاء الله تعالى. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من شهد الجنازة) أي: من حضر الجنازة، وهي بفتح الجيم: الميت. قوله: (حتى يصلى عليها) يصلى: بفتح اللام، وهي رواية الأكثر، كما ذكر الحافظ، وبكسرها في بعض الروايات، ويؤيد رواية الكسر رواية البخاري في الباب المذكور، فإنها بلفظ: " حتى يصلي"، وأما لفظ البلوغ فهو عند مسلم. و (حتى) للغاية، والمعنى: امتداد شهوده إياها إلى الفراغ من الصلاة عليها. قوله: (فله قيراط) بكسر القاف: معيار في الوزن وفي القياس، يختلف وزنه بحسب الأمكنة. والمراد هنا: مقدار عظيم من الأجر مثل الجبل، وفي رواية البخاري المذكورة: " كل قيراط مثل أحد"، وعند مسلم: " أحدهما مثل أحد". قوله: (ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) المراد بذلك: تمام القيراطين، لا أنه يحصل بالصلاة مع حضور الدفن ثلاثة قراريط، والدليل على أن المراد تمام القيراطين رواية البخاري المذكورة: " وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين"، وعند مسلم: " من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر … "، فتكون الأحاديث المطلقة والمحتملة محمولة على الرواية الصريحة (١).

стр. 1720

قوله: (وما القيراطان) سأل عن تعيينها لذكرهما مبهمين، ولم يعين في هذه الرواية القائل ولا المقول له، وأراد بذكر الجبل تعظيم الثواب، فمثله بالجبلين العظيمين. قوله: (ومن شهدها حتى تدفن) أي: حضرها، والمراد من صلى عليها ثم استمر معها حتى (تدفن) أي: حتى يفرغ من دفنها بدليل رواية البخاري، ورواية مسلم (حتى توضع في اللحد) محمولة على ذلك (١). قوله: (من تبع) وفي رواية: " من اتبع" والمعنى: لحق الجنازة ومشى خلفها. قوله: (إيمانًا واحتسابًا) مفعول لأجله أو حال، أي: تصديقًا بوعد الله تعالى الوارد في اتباع الجنائز. (واحتسابًا) أي: طلبًا لثواب الله وتقربًا إليه بأن يتبع الجنازة إخلاصًا لوجه الله تعالى، لا مكافأة ولا مخافة. قوله: (وكان معه) أي: مع المسلم، وهذه المعية تفيد أنه لابد أن يكون مع الميت في جميع الطريق هذا هو الظاهر، لكن لو كان مع الجنازة جمع كثير وتأخر بسبب كثرة المشيعين حصل له القيراط إذا كان ممن ينتسب إلى المشيعين (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل اتباع الجنازة والصلاة عليها وحضور دفنها، وظاهر الحديث أن الأجر المرتب على ذلك مشروط بقوله: " إيمانًا واحتسابًا" وعلى هذا فمن تبع الجنازة على سبيل المكافأة المتبادلة أو على سبيل المجاملة أو نحو ذلك فقد يؤجر على ذلك، لكن لا ينال الأجر المذكور لفوات ما رتب عليه. وفي اتباع الجنائز فوائد عظيمة ومصالح جمة منها: ١ - الحصول على هذا الفضل العظيم.

стр. 1721

٢ - القيام بحق الميت من الدعاء له والصلاة عليه. ٣ - أداء حق أهله وجبر خاطرهم عند مصيبتهم في ميتهم ومشاركتهم في ذلك؛ فإن هذا له تأثير ملحوظ. ٤ - إعانة أهل الميت على حمله وحفر قبره والإعانة على دفنه. ٥ - حصول العظة والعبرة بمشاهدة الموتى والمقابر، ففي ذلك ترقيق القلوب وتذكيرها بالآخرة، وتذكر الموت. فعلى المسلم أن يحرص على تشييع الجنائز مطلقًا، عرفهم أو لم يعرفهم حسب الإمكان، وغالب الناس في هذا الزمان لا يشيعون إلا إذا كانوا يعرفون الميت، لقرابة أو صداقة ونحو ذلك. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من اتبع الجنازة حتى يصلى عليها فله من الأجر قيراط، ومن استمر معها حتى تدفن فله قيراط آخر، وفي رواية البخاري: " ويفرغ من دفنها"، ولمسلم: "حتى يفرغ منها"، وهذا يفيد أن حصول قيراط الدفن متوقف على الفراغ من دفنها، وهو تسوية القبر، ورجح هذا النووي، ومن بعده الحافظ ابن حجر (١)، قال النووي: (وأكمل مراتب الانصراف عن الجنازة أن يمكث عقب الفراغ من دفنها، ويستغفر للميت، ويدعو له، ويسأل له التثبيت) (٢). • الوجه الخامس: ظاهر رواية البخاري: " من تبع جنازة مسلم … وكان معه حتى يصلى عليها" أن حصول القيراط يختص بمن شيعها وصلى عليها، وفي رواية عند مسلم: " من خرج مع جنازة من بيتها … ". وجاء عند مسلم من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من صلى على جازة ولم يتبعها فله قيراط … " الحديث (٣)، وظاهر ذلك أن القيراط يحصل بمجرد الصلاة عليها ولو لم يتبعها قبل ذلك،

стр. 1722

وهو صنيع أكثر الناس اليوم، حيث يحضرون إلى المسجد يصلون، ثم يتبعونه. والجواب كما ذكره ابن الملقن (١) ومن بعده الحافظ (٢) أن القيراط يحصل لمن صلى فقط ولو لم يتبعها من عند أهلها ولم يتبعها قبل الصلاة، لكن قيراط من تبعها وشيعها قبل الصلاة ثم صلى عليها أكمل وأعظم، وذلك لأن القراريط تتفاوت، كما تقدم في رواية مسلم: " أصغرهما مثل أحد". • الوجه السادس: في الحديث دليل على أن القيراط الثاني مقيد لمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن لقوله: " وكان معها". قال النووي: (فلو صلى وذهب إلى القبر وحده، ومكث حتى جاءت الجنازة بعد ذلك وحضر الدفن لم يحصل لها القيراط الثاني، وكذا لو حضر الدفن ولم يصل، أو اتبعها ولم يصل، فليس في الحديث حصول القيراط له، إنما جعل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، لكن له أجر في الجملة) (٣). • الوجه السابع: الحديث دليل على عظيم فضل الله تعالى وتكريمه للمسلم حيث أثاب من اتبع جنازته حتى يصلى عليها أو تدفن بهذا الأجر العظيم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1723

مكان المشاة مع الجنازة ٥٧١/ ٣٨ - عن سالم، عن أبيه ﵁: أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، يمشون أمام الجنازة، رواه الخمسة. وصححه ابن حبان، وأعله النسائي وطائفة بالإرسال. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عمر أو أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، الإمام الزاهد، الحافظ، مفتي المدينة، مولده في خلافة عثمان ﵁، قال ابن سعد: (كان سالم ثقة، كثير الحديث، عاليًا من الرجال، ورعًا) وقال ابن حبان: (كان يشبه أباه في السمت والهدي)، وقال ابن المسيب: (كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به) وقد أخرج له الستة، مات في آخر سنة ست ومائة على الصحيح (١). • الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب " المشي أمام الجنازة" (٣١٧٩)، والرمذي (١٠٠٧ - ١٠٠٨)، والنسائي (٤/ ٥٦)، وابن ماجه (١٤٨٢)، وابن حبان (٧/ ٣١٧) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، به.

стр. 1724

وهذا الحديث رواه ابن جريج وزياد بن سعد وابن عيينة وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، هكذا موصولًا. ورواه معمر ويونس بن يزيد ومالك وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة … هكذا مرسلًا. قال الترمذي: (أهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح)، وممن رجح إرساله: ابن المبارك، والإمام أحمد، والبخاري، وأبو حاتم، والنسائي، والدارقطني (١). وقد ذكر البيهقي أن علي بن المديني قال لسفيان: (يا أبا محمد، إن معمرًا وابن جريج يخالفانك في هذا أي: يرسلان الحديث فقال: استيقن، الزهري حدثنيه، سمعته من فيه، يعيده ويبديه، عن سالم عن أبيه … ) وقصده بذلك تأكيد أن الحديث موصول وليس بمرسل. وقد رجح البيهقي الموصول؛ لأنه من رواية ابن عيينة، قال: (وهو حجة ثقة) (٢). وممن رجح الموصول الألباني فإنه قال: (إن توهيم سفيان بن عيينة لا وجه له عندي؛ لأنه لم يتفرد بوصله) (٣)، ثم ذكر من وصله مع ابن عيينة. لكن يقال: إن الأئمة الكبار من علماء هذا الفن حكموا بأن المرسل أصح، وهم أعلم بعلل الأحاديث، فإنهم عاصروا الرواية وعرفوا الشيوخ وأحاديثهم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الماشي مع الجنازة يكون أمامها وهذا مذهب جماعة من الصحابة، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وأبو هريرة ﵃ (٤)، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة من السلف (٥). والقول الثاني: أن الماشي يكون خلف الجنازة، وهذا قول أبي حنيفة

стр. 1725

وأصحابه (١)، وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري وإسحاق (٢)، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي (٣)، واستدلوا بما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: " من تبع جنازة مسلم"، ولا يقال: تبعه إلا إذا صار خلفه. والقول الثالث: أن الماشي مخير بين أن يمشي أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن يسارها، وهذا قول أنس ﵁، فقد ذكر البخاري عنه تعليقًا أنه قال: ( … أنتم مشيعون، وامش بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها) (٤)، وقد وصله ابن المنذر وغيره، وروي هذا القول عن إسحاق وجماعة. ودليل ذلك حديث المغيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها … " (٥)، وهذا هو الأظهر إن شاء الله تعالى لأمور ثلاثة: الأول: أنه ورد الدليل بهذا وهذا، فقد ورد في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها (٦). الثاني: أن فيه توسعة على الناس؛ لأن الناس يتفاوتون في المشي، وإلزامهم بجهة معينة قد يكون فيه مشقة على بعضهم. الثالث: أن ذلك يوافق سنية الإسراع بالجنازة وأنهم لا يلزمون مكانًا واحدًا يمشون فيه، وهذا هو ظاهر اختيار البخاري، فإنه لما بوب للسرعة بالجنازة ذكر أثر أنس ﵁ المتقدم. وأما الراكب فإنه لا يسير إلا خلفها لحديث المغيرة ﵁، والله تعالى أعلم.

стр. 1726

نهي النساء عن اتباع الجنائز ٥٧٢/ ٣٩ - عن أم عطية ﵂ قالت: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا. متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " اتباع النساء الجنائز" (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨) من طريق حفصة، عن أم عطية ﵂. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قولها: (نهينا) أي: معشر النساء، والناهي هو النبي ﷺ ؛ لأن هذه الصيغة لها حكم الرفع، والنهي: طلب الكف عن المنهي عنه ممن هو أعلى من المنهي حقيقة أو حكمًا. قولها: (عن اتباع الجنائز) أي: تشييع الجنائز والمشي معها. قولها: (ولم يعزم علينا) بضم الياء وفتح الزاي: لم يؤكد علينا النهي، وهذا من فهمها ﵂. فقد فهمت أن النهي ليس من عزائم المنهيات التي لابد من اجتنابها، وإنما هو نهي تنزيه. • الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي النساء عن اتباع الجنائز، سواء إلى مكان الصلاة أو إلى المقبرة، وقد اختلف في هذا النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟ على قولني: القول الأول: أنه نهي تنزيه، فيكره لهن اتباع الجنائز، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول

стр. 1727

الشافعية والحنابلة وابن حبيب من المالكية (١). واستدلوا بما فهمته أم عطية ﵂ في قولها: (ولم يعزم علينا) فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. والقول الثاني: أنه نهي تحريم، وهذا قول الحنفية (٢)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الأصل في النهي هو التحريم، ولا صارف له. وأما قولها: (ولم يعزم علينا) فهذا شيء فهمته إما لأنه لم يرد فيه وعيد، أو لكونه لم يشدد عليهن فيه، أو نحو ذلك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قول أم عطية: (ولم يعزم علينا) فقد يكون مرادها لم يؤكد النهي، وهذا لا يقتضي التحريم. وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي ﷺ لا في ظن غيره) (٣)، فالقول بالتحريم قوي جدًا، لأمرين: الأمر الأول: أن خروجهن يؤدي إلى الفتنة والهلع والحزن بما يشاهدن من الجنازة حال حملها ودفنها والانصراف عنها. الأمر الثاني: ما يترتب على ذلك من مخالطة الرجال ومزاحمتهم، فإن هذا أمر واقع ولابد، إما في الطريق أو في المقبرة لضيق المكان، ولا ريب أن مخالطة النساء الرجال منكر عظيم، وكل ما كان وسيلة إليه فهو محرم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1728

حكم القيام للجنازة ٥٧٣/ ٤٠ - عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال" (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩) (٧٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعًا. وهذا لفظ مسلم، ومثله لفظ البخاري إلا أن عنده: " فلا يقعد" يدل " فلا يجلس". • الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب القيام عند رؤية الجنازة، لقوله: " فقوموا" وهذا أمر، والأمر للوجوب. وقد ورد عن جابر ﵁ قال: مرت جنازة فقام لها رسول الله ﷺ وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله! إنها يهودية فقال ﷺ : " إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا" (١). وفي حديث أنس ﵁ فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: " إنما قمنا للملائكة" (٢). وهذا القيام للجنازة مراد به تهويل أمر الموت وأنه فزع، وأنه أمر جدير

стр. 1729

بأن يقام له. والقيام للفزع من الموت فيه تعظيم لله تعالى وتعظيم للقائمين بأمره وهم الملائكة، كما ورد في بعض الروايات. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من تبع جنازة وشيعها فإنه لا يجلس حتى توضع الجنازة على الأرض، وهذا قول جماعة من الصحابة؛ كابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد ﵁، وجماعة من التابعين؛ كالنخعي، والشعبي، وابن سيرين، والأوزاعي (١)، وهو قول الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة. وقد عبروا باستحباب القيام وكراهة الجلوس (٢). والقول الثاني: أن الجلوس جائز، وهو قول المالكية والشافعية، وقالوا: إن الحديث الوارد بالأمر بالقيام منسوخ، سواء في ذلك قيام مشيعها، أو قيام من مرت به، أو قيام المشيع على القبر (٣)، وذلك بما أخرجه مسلم عن علي ﵁ قال: رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا؛ يعني في الجنازة (٤). فقالوا: إن القعود كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، فيكون ناسخًا للأمر بالقيام، كما في حديث أبي سعيد وحديث جابر ﵁. والأظهر والله أعلم أن الأمر بالقيام مراد به الاستحباب، وأن القعود في حديث علي ﵁ محمول على بيان الجواز، وهذا اختيار ابن حزم، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وجماعة آخرين (٥)، وهذا القول فيه جمع بين الأدلة، وهو مطلوب متى أمكن، وأما القول بالنسخ فهو قول مرجوح؛ لأن النسخ له شرطان: الشرط الأول: عدم إمكان الجمع، وهنا قد أمكن، فيكون هو المتعين. الشرط الثاني: معرفة التاريخ: وهو تقدم المنسوخ وتأخر الناسخ، وهذا غير ممكن.

стр. 1730

وقد استثنى بعض الفقهاء من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه (١)، قال الترمذي: (قد روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أنهم كانوا يتقدمون الجنازة فيقعدون قبل أن تنتهي إليهم الجنازة) (٢). • الوجه الرابع: جاء في حديث الباب (حتى توضع)، وجاء من طريق أبي معاوية، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: " حتى توضع في اللحد" وجاء من طريق الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: " حتى توضع على الأرض" (٣). وقد رجح أبو داود هذه الرواية على ما قبلها؛ لأن الثوري أحفظ من أبي معاوية، وتبويب البخاري الذي تقدم في التخريج يدل على ذلك، فإنه قال: " حتى توضع عن مناكب الرجال". ويؤيد ذلك عمل الصحابة ﵁ مع النبي ﷺ فقد كانوا يجلسون إذا وضعت الجنازة على الأرض ولو لم توضع في اللحد. كما في حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولم يلحد، فجلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير … ) الحديث (٤)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1731

كيفية إدخال الميت قبره ٥٧٤/ ٤١ - عن أبي إسحاق، أن عبد الله بن يزيد ﵁ أدخل الميت من قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السنة. أخرجه أبو داود. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي بفتح السين وكسر الباء الكوفي، من مشاهير التابعين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، قال الذهبي: (حديث أبي إسحاق محتج به في دواوين الإسلام)، وقال الحافظ في "التقريب": (ثقة، مكثر، عابد، اختلط بأخرة)، وقد وصفه بالتدليس جماعة من الأئمة المتقدمين كالنسائي، والذهبي، والعلائي وغيرهم. مات سنة مائة وتسعة وعشرين (١). وأما عبد الله بن يزيد فهو عبد الله بن يزيد بن زيد الخطمي الأنصاري من الأوس، مختلف في صحبته، قال أبو حاتم: (كان صغيرًا على عهد النبي ﷺ فإن صحت رؤيته فذاك) وقال الدارقطني: (له ولأبيه صحبة)، شهد بيعة الرضوان وهو صغير، وكان كثير الصلاة، سكن الكوفة، وكان أميرًا عليها في عهد ابن الزبير ﵁، ومات في ذلك العهد (٢). • الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب " في الميت يدخل من

стр. 1732

قبل رجليه" (٣٢١١) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: (أوصى الحارث (١) أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد ﵁، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: (هذا من السنة). وهذا إسناد صحيح كما قال البيهقي (٤/ ٨٩)، وله حكم الرفع؛ لأن القائل: (هذا من السنة) هو عبد الله بن يزيد، وهو صحابي، كما تقدم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يستحب أن يدخل الميت في قبره سلًا من جهة رجلي القبر، والمراد به: موضع رجلي الميت منه عند وضعه فيه (٢)، فيجعل رأس الميت في المواضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يسل سلًا رفيقًا. • وقال بعض العلماء: يدخل من جهة القبلة، معترضًا إذ هو أيسر، واستدلوا بأن عليًا ﵁ أدخل يزيد من المكفف من قبل القبلة (٣)، وقال آخرون: يسل من قبل رأس القبر. والذي يظهر أن الأمر فيه سعة، وقد جاء في " مسائل الإمام أحمد لأبي داود" قال: (قلت لأحمد: في الميت يسل أو يؤخذ من قبل القبلة، قال: كل لا بأس به إن شاء الله تعالى) (٤). والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1733

ما يقال عند إدخال الميت قبره ٥٧٥/ ٤٢ - عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ". أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، وأعله الدارقطني بالوقق. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٨/ ٤٣٠)، وأبو داود في كتاب " الجنائز"، باب " الدعاء للميت إذا وضع في قبره" (٢٣١٣)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة" (١٠٨٨)، وابن حبان (٧/ ٣٧٦) من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر ﵁، مرفوعًا، وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود وابن حبان: " وعلى سنة رسول الله"، لكن أبا داود ما ساق الحديث على أنه قول، وإنما على أنه فعل، ولفظه: (أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: … ) الحديث. وقد أعله الدارقطني بالوقف، وقال: (إنه هو المحفوظ) وتبعه على ذلك البيهقي فقال: (الحديث يتفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد، وهو ثقة إلا أن شعبة وهشام الدستوائي روياه موقوفًا على ابن عمر ﵄ (١). وقد أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة" (١٠٨٩) من طريق شعبة،

стр. 1734

عن قتادة، به موقوفًا. ووجه ترجيح الوقف أن شعبة وهشامًا أوثق في الرواية عن قتادة من همام بن يحيى. ويرى آخرون أن القول برفعه قوي، كما هو رأي ابن حبان وجماعة، لأمرين: الأمر الأول: أنه قد رواه ابن أبي شيبة (١) من طريق هشام الدستوائي، وأخرجه ابن حبان (٢) من طريق شعبة كلاهما، عن قتادة، به مرفوعًا، فشعبة وهشام روياه تارة مرفوعًا وتارة موقوفًا، لكن ينبغي النظر في الرواية الراجحة عنهما، فلا يعنى ذلك الاستدلال برفعه. الأمر الثاني: أن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع. • الوجه الثاني: أن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع. • الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الدعاء المذكور عند وضع الميت في القبر، وهو أن يقول عند مواراة الميت: (بسم الله وعلى ملة رسول الله) أو (وعلى سنة رسول الله) أي: شريعته وطريقته. والملة: اسم لما شرعه الله تعالى على لسان أنبيائه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1735

تحريم كسر عظم الميت ٥٧٦/ ٤٣ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " كسر عظم الميت ككسره حيًا". رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم. ٥٧٧/ ٤٤ - وزاد ابن ماجه من حديث أم سلمة: " في الإثم". • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب "الحفار يجد العظيم هل يتنكب ذلك المكان؟ " (٣٢٠٧) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن سعد يعني ابن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا. وفي إسناده سعد بن سعيد الأنصاري أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو وإن كان من رجال مسلم إلا أنه سيئ الحفظ، وقد ضعفه الإمام أحمد، وابن معين في رواية، وفي رواية أخرى قال: (صالح). وقال النسائي: (ليس بالقوي). وقال الترمذي: (تكلموا فيه من قبل حفظه) (١). وقد حكى النووي توثيقه عن الأكثرين وقال: (روى له مسلم في صحيحه، وهو كاف في الاحتجاج به، ولم يضعفه أبو داود) (٢). ثم إنه لم يتفرد به، فقد تابعه أخوه يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن به، أخرجه ابن حبان (٧/ ٤٣٧) وإسناده صحيح، لكن وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف كثير، بسطه الدارقطني (٣).

стр. 1736

وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه ابن ماجه (١٦١٧) من طريق عبد الله بن زياد، أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أمه، عن أم سلمة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم". وهذا إنساد ضعيف، عبد الله بن زياد قال عنه البوصيري: (مجهول، ولعله عبد الله بن زياد بن سمعان المدني أحد المتروكين) (١). والمحفوظ في هذا هو رواية يحيى بن سعيد، عند ابن حبان، كما تقدم. • الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت؛ لأنه شبهه بعظم الحي في الحرمة والاحترام وعدم التعرض له؛ لأنه معصوم في حياته وبعد مماته ولو كان لا حياة فيه. وقوله: (في الإثم) إشارة إلى أن كسر عظم الميت لا يوجب القصاص أو الدية، ولكنه يوجب الإثم، ويستحق صاحبه التعزيز إذا فعل ذلك عند عمد. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه لا يجوز تشريح الميت المسلم للأغراض العلمية، لما في ذلك من امتهان كرامته. وإذا كان المقصود يتم بتشريح جثة الميت غير المعصوم كالمرتد والحربي تعين ذلك. أما التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية لمعرفة أسباب الموت أو الجريمة التي أدت إلى القتل، فهذا يجوز؛ لأن المصلحة المقصودة مقدمة على المفسدة الناتجة عن التشريح. وكذا يجوز التشريح للتحقق من أمراض وبائية فتاكة لوقاية المجتمع منها واتخاذ الدواء المناسب له، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1737

صفة القبر والدفن . ٥٧٨/ ٤٥ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا على اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ . رواه مسلم. ٥٧٩/ ٤٦ - وللبيهقي عن جابر نحوه، وزاد: ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. وصححه ابن حبان. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب "في اللحد ونصب اللبن على الميت" (٩٦٦) من طرق عن عبد الله بن جعفر المسوري، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: (الحدوا لي لحدًا، وانصبوا علي اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ . وأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه ابن حبان (١٤/ ٦٠٢) والبيهقي (٣/ ٤١٠)، من طريق الفضيل بن سليمان، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ ألحد له ونصب عليه اللبن نصبًا، ورفع قبره من الأرض نحوًا من شبر. وإسناده صحيح على شرط مسلم، لكنه روي مرسلًا من طريق عبد العزيز، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن النبي ﷺ رش على قبره الماء، ووضع عليه حصباء من حصباء العرصة (١)، ورفع قبره قدر شبر. أخرجه البيهقي.

стр. 1738

الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما قوله: (الحدوا لي لحدًا) يجوز أن تكون الهمزة همزة وصل، وتفتح الحاء من لحد الثلاثي يقال: لحد يلحد كذهب يذهب، ويجوز أن تكون همزة قطع مفتوحة وتكسر الحاء من ألحد الرباعي: إذا حفر اللحد. واللحد: هو الشق الذي يعمل في جانب القبر من جهة القبلة لوضع الميت، سمي بذلك لأنه أميل عن وسط القبر إلى جانبه. قوله: (وانصبوا علي اللبن) بفتح اللام وكسر الباء جمع لبنة: وهو المضروب من الطين يبنى به دون أن يطبخ. قوله: (قدر شبر) بكسر الشين وسكون الباء، ما بين طرفي الإصبع الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأفضل في القبر أن يكون ملحدًا، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في قرار القبر في جانبه مما يلي القبلة؛ لأن قبر النبي ﷺ كان هكذا، وهو الذي اختاره الله تعالى لنبيه ﷺ على يد أصحابه ﵃، ولا يختار الله لنبيه إلا الأفضل، وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " اللحد لنا والشق لغيرنا" (١). قال النووي: (أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد والشق جائزان، لكن إذا كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل لما سبق من الأدلة، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل) (٢). والشق: أن يحفر حفرة في وسط القبر ويوضع فيه الميت. • الوجه الرابع: في كيفية دفن الميت، وذلك بأن يدخل من رجلي القبر كما تقدم، ويقول عند إدخاله ما تقدم أيضًا، ثم يوضع على جنبه

стр. 1739

الأيمن؛ لأنه يشبه النائم، وهذه سنته، ويكون موجهًا إلى القبلة، ثم ينصب عليه اللبن نصبًا؛ لئلا يسقط في اللحد، ويتعاهد خلال اللبن بالطين؛ لئلا ينهال التراب على الميت، ثم يهال عليه التراب، إسراعًا بتكميل الدفن. • الوجه الخامس: الحديث دليل على انه ينبغي أن يرفع القبر عن الأرض قليلًا بنحو شبر؛ ليعرف أنه قبر، فيحترم ولا يهان بوطء أو غيره، أما الزيادة على ذلك فهي لا تجوز. ولا يزاد على تراب القبر الذي خرج منه؛ لأن الزيادة عليه بمنزلة البناء، والبناء محرم، كما سيأتي إن شاء الله. • الوجه السادس: أجاز العلماء رش تراب القبر بالماء ووضع الحصباء أو الخرسانة على ظهره، كما في المرسل المتقدم؛ لأن ذلك أثبت للقبر وأبعد لدروسه، وأمنع لترابه من أن تذهب به السيول والرياح، ولا بأس أن يعلم القبر بحجر ونحوه مما لا محذور فيه، لمعرفته عند الزيارة أو لدفن قريبه بجانبه، لفعله ﷺ في قبر عثمان بن مظعون عندما وضع حجرًا عند رأسه وقال: " أتعلم بها قبر أخي، أدفن إليه من مات من أهلي" (١). وظاهره أنه يكتفى بحجر واحد عند رأسه تأسيًا بالنبي ﷺ . وهذه هي السنة كما قال النووي (٢)، وإن عرف القبر بدون وضع حجر كفى، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1740

النهي عن تجصيص القبر والبناء والقعود عليه ٥٨٠/ ٤٧ - ولمسلم عن جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب " النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه" (٩٧٠) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: … فذكره. ورواه أيضًا من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، بمثله. والحديث أخرجه أبو داود (٣٢٢٥)، والترمذي (١٠٥٢)، والنسائي (٤/ ٨٦) من طريق ابن جريج، عن سليمان بن موسى وأبي الزبير، عن جابر، بزيادة: " وأن يكتب عليها". إلا أن الترمذي لم يذكر سليمان بن موسى، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وقد صرح أبو داود والنسائي بأن الكتابة من زيادة سليمان بن موسى، وروايته عن جابر مرسلة (١). وفيه عنعنة أبي الزبير، وقد تكلم العلماء في تدليسه، لكنه صرح بالسماع عند مسلم، فانتفت شبهة تدليسه مع أنه قليل التدليس، بل منهم من نفاه عنه، وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، حافظ مكثر، وثقة متقن، وهو من أحفظ أصحاب جابر ﵁ وأكثر من روى عنه.

стр. 1741

وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧٠) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم؛ عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور والكتاب فيها والبناء عليها والجلوس عليها. • الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم تجصيص القبور، وهو وضع الجص عليها. والجص بكسر الجيم: مادة بيضاء تزخرف بها المباني، وإنما كان النهي للتحريم؛ لأن هذا هو الأصل ولا صارف له، ومن قال: للتنزيه، فلا وجه له. • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم القعود على القبر؛ لما في ذلك من الاحتقار والامتهان وعدم المبالاة. وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" (١). وهذا يدل على أن الجلوس على القبر من كبائر الذنوب لثبوت هذا الوعيد فيه. • الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم البناء على القبور لما في البناء عليها من المفاسد العظيمة، ومنها: ١ - أن البناء على القبور من أعظم الوسائل إلى عبادتها؛ لأن البناء يعني تعظيم صاحب القبر والغلو فيه، وهذا من أسباب الشرك والإلحاد. ٢ - أن البناء على القبور فيه تشبه بعباد الأصنام وعباد القبور من الروافض والصوفية الذين يضعون القباب على قبور الأولياء والصالحين. ٣ - أن هـ ذا الفعل فيه مخالفة صريحة لما بعث الله به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام من نشر التوحيد ومحاربة الشرك ووسائل الشرك. وقد ورد في حديث أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن

стр. 1742

أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته) (١). ٤ - أن البناء على القبور فيه إسراف وتضييع للمال في غير فائدة، وهذا أمر محرم شرعًا. ٥ - أن في البناء تضييقًا في المقابر وتغييرًا لها عن هيئتها. • الوجه الخامس: ورد في بعض الروايات، كما تقدم النهي عن الكتابة على القبر، وهذه الزيادة غير محفوظة، كما تقدم، والقول بتحريم الكتابة على القبر وجيه جدًا من باب سد الذرائع، فإن المكتوب إن كان اسمًا لصاحب القبر وكان محبوبًا فقد يكون ذلك من أسباب الغلو فيه، وإن كان مكروهًا فقد يذم ويمتهن، فلا وجه لكتابة الأسماء على القبور وإن كان المقصود معرفة القبر أمكن ذلك بوضع حجر عند رأسه كما تقدم أو الاستدلال عليه بعلامة. ولا فرق في النهي عن الكتابة على القبر وبين الكتابة على الحجر الذي يوضع عند رأس الميت، أو الكتابة في لوحة، أو إيجاد صبة إسمنتية ثم الكتابة عليها، كل ذلك لا يجوز لما فيها من المفاسد العظيمة، وكذا لا يجوز كتابة شيء من الآيات لما في ذلك من امتهان القرآن واستعماله في غير ما أنزل له. ويرى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أنه لا ينبغي كتابة دعاء دخول المقبرة عند بوابة المقبرة؛ لأنه لا أصل له، ولأنه يخشى أن يكون ذلك وسيلة إلى الكتابة على القبور (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1743

حكم الحثو في القبر ٥٨١/ ٤٨ - عن عامر بن ربيعة ﵁ أن النبي ﷺ صلى على عثمان بن مظعون، وأتى القبر، فحثى عليه ثلاث حثيات، وهو قائم. رواه الدارقطني. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٦) من طريق القاسم بن عبد الله العمري، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: (رأيت النبي ﷺ حين دفن عثمان بن مظعون صلى عليه وكبر عليه أربعًا، وحتى على قبره بيده ثلاث حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه). وهذا إسناد ضعيف جدًا، لأمرين: ١ - القاسم العمري؛ فقد قال عند أحمد: (أف، أف، ليس بشيء)، ومرة قال: (هو عندي كذاب). وقال أبو زرعة وأو حاتم والنسائي: (متروك) (١). ٢ - عاصم بن عبيد الله؛ قال عنه أحمد: (ليس بذاك). وقال ابن معين: (ضعيف). وقال البخاري وأبو حاتم: (منكر الحديث) (٢). ولعل الحافظ ذكره ليعلم حاله. ويغني عنه ما أخرجه ابن ماجه من طريق سلمة بن كلثوم، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،

стр. 1744

عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا (١). وهذا الحديث حسنه ابن القطان (٢)، وصححه النووي (٣)، والبوصيري (٤). وقال الحافظ: (إسناده ظاهره الصحة) (٥). وصححه الألباني (٦)، وقال في " أحكام الجنائز": (الحديث قوي بما له من الشواهد) (٧). وسئل عنه أبو حاتم فقال: (هذا حديث باطل) (٨). ولعل وجه بطلانه أمران: الأمر الأول: أن الأوزاعي إمام، فكيف يتفرد بالرواية عنه سلمة بن كلثوم الشامي، وأين بقية الرواة عن الأوزاعي عن هذا الحديث؟! وقال الدارقطني: (رواه سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وزاد فيه ألفاظًا لم يأت بها غيره، وهو قوله: (إنه أتى القبر فحثى عليه ثلاثًا، وكبر على الجنازة أربعًا)، ووافقه محمد بن كثير عن الأوزاعي على الإسناد، ولم يذكر هذه الألفاظ) (٩). وقد نقل الحافظ عن الدارقطني أنه قال عن سلمة: (شامي يهم كثيرًا) (١٠). الأمر الثاني: عنعنة الأوزاعي، وعنعنة شيخه يحيى بن أبي كثير، وهذا ذكره الحافظ في "التلخيص" (١١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عثمان بن مظعون) هو أبو السائب عثمان بن مظعون الجمحي

стр. 1745

القرشي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان قد حرم الخمر في الجاهلية، وهو أول من مات من المهاجرين في المدينة، وكان عابدًا مجتهدًا، مات بعد ثلاثين شهرًا أو اثنين وعشرين شهرًا من الهجرة ﵁ (١). قوله: (وحثا على قبره) حثا الرجل التراب يحثوه حثوًا، ويحثيه حثيًا من باب "رمى": إذا هاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده ثم رماه (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الحثو في القبر ثلاث حثيات من تراب القبر اقتداءً بالنبي ﷺ ومشاركة في أجر دفن الميت، وفي ذلك أقوى عبرة وأعظم تذكر للموت ومآل الإنسان لمن كان له قلب، وقد قال أكثر الفقهاء باستحباب الحثو من تراب القبر بعد سد اللحد، استنادًا لما ورد في هذا الباب من الأحاديث، ورأوا أن بعضها يقوي بعضًا، مع ما ورد من الآثار عن الصحابة ﵃ (٣)، لكن من الملاحظ أن الناس يزدحمون على القبر من أجل الحثو مع ما فيه ويتركون أشياء من السنة الثابتة، ومن أهمها: الوقوف على القبر للدعاء للميت بالثبات، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1746

استحباب الدعاء للميت بعد الفراغ من دفنه ٥٨٢/ ٤٩ - عن عثمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من فدن الميت وقف عليه وقال: " استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل". رواه أبو داود، وصححه الحاكم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب " الاستغفار عند القبر للميت" (٣٢٢١)، والحاكم (١/ ٣٧٠) من طريق هشام بن يوسف، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان ﵁، به. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الإسناد، ولم يخرجاه). وسكت عنه الذهبي. وقال النووي: (إسناده جيد) (١). وقال: (رواه أبو داود بإسناد حسن) (٢). • الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الوقوف على القبر بعد إكمال دفن الميت والدعاء له بالمغفرة والثبات عند السؤال؛ فيقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته، ونحو ذلك، وينبغي أن يؤمر الحاضرون بذلك، والميت في تلك الحال أحوج إلى الدعاء منه قبل الدفن؛ لأنه معرض للسؤال والفتنة (٣)، وليس لهذا الدعاء مدة معينة، أما ما ورد في " صحيح مسلم" عن

стр. 1747

عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: ( … إذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر الجزور ويقسم لحمها … ) (١)، فهذا كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز قاله باجتهاده ﵁ ولم يرد عن الرسول ﷺ تحديد مدة في ذلك، والتقدير بابه التوقيف. وقد دل على مشروعية الوقوف على القبر القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يصلى عليه ويقام على قبره؛ إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يخصوا بالنهي، ولم يعلل ذلك بكفرهم، ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة … ) (٢). وقد سئل الشيخ عبد الله أبا بطين عن رفع اليدين حال القيام على القبر بعد الدفن، فأجاب بأنها: لا ترفع؛ لعدم وروده (٣)، وقد ورد في "صحيح مسلم" من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ زار قبور أهل البقيع رفع يديه ودعها لأهلها (٤)، فإن أخذ هذا الحديث على عمومه (٥) وإلا فالأمر كما قال الشيخ عبد الله أبا بطين. • الوجه الثالث: الحديث دليل على إثبات سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والصحيح أن السؤال عام للمؤمن والكافر، لقوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقد ورد عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا … ﴾ " (٦).

стр. 1748

وعن أنس ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : " إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، قال: يأتيه ملكان فيقعدانه … " الحديث (١). والقول بأن السؤال عام هو اختيار جمع من المحققين؛ كالقرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وآخرين (٢). • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الميت ينتفع بالدعاء والاستغفار له، ولو كان لا ينتفع بذلك لما كان في الأمر بالدعاء والاستغفار له معنى، وقد نقل النووي إجماع أهل العلم على أن الدعاء للأموات بنفعهم ويصلهم ثوابه (٣)، وكذا نقل الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية، ووصف من خالف ذلك بأنه من أهل البدع (٤)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]، وقوله: تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]. وحديث: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث … أو ولد صالح يدعو له" (٥). والناس اليوم أو أكثرهم في غفلة عن ذلك، فتراهم يهتمون بتعزية قريب الميت ويتزاحمون على ذلك، ثم ينصرفون دون أن يقفوا على القبر، والميت في هذه اللحظات أحوج ما يكون للدعاء كما تقدم فصار ترك السنة سببًا لاندراسها ونسيانها إلا من القليل. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على إثبات الأخوة الإسلامية بين المسلمين القائمة على رابطة الدين والعقيدة، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة … ﴾ [الحجرات: ١٠]، ومن ثمار هذه الأخوة الحث على الدعاء للميت حتى يخلصوا له الدعاء والاستغفار، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1749

حكم تلقين الميت بعد دفنه ٥٨٣/ ٥٠ - عن ضمرة بن حبيب أحد التابعين قال: كانوا يستحبون إذا سوى على الميت قبره، وانصرف الناس عنه، أن يقال عند قبره: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، ثلاث مرات، يا فلان! قل: ربي الله، وديني الإسلام ونبي محمد ﷺ . رواه سعيد بن منصور موقوفًا. ٥٨٤/ ٥١ - وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعًا مطولًا. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي الحمصي، قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: (ثقة). وقال أبو حاتم: (لا بأس به). وكان مؤذن المسجد الجامع بدمشق، مات سنة (١٣٠ هـ) (١). • الوجه الثاني: في تخريجهما: أما أثر ضمرة بن حبيب فقد عزاه الحافظ إلى " سنن سعيد بن منصور"، ولم أقف على إسناده، وهو كلام تابعي، فيكون من قبيل المقطوع الذي لا يحتج به، وما ذكره فهو من صنيع أهل الشام، فلا يعل عليه، وقول الحافظ: (موقوفًا) مخالف للمشهور من أن الموقوف ما أسند إلى الصحابي، وأما ما أضيف إلى التابعي فهو مقطوع، إلا إذا قيد فإنه يطلق على التابعي فيقال: هذا حديث وقفه فلان على الزهري أو على عطاء، ونحو ذلك.

стр. 1750

أما حديث أبي أمامة ﵁، فقد أخرجه الطبراني في " الدعاء" (١٢١٤) و "المعجم الكبير" (٧٩٧٩) من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد بن عبد الله الأودي قال: شهدت أبا أمامة ﵁ وهو في النزع قال: (إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله ﷺ : " إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلان، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلان، فإنه يستوي قاعدًا، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشد رحمك الله. ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وبالقرآن إمامًا، فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق، ما نقعد عند من قد لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما". فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه؟ قال: " ينسبه إلى حواء ﵍ يا فلان ابن حواء". وهذا الحديث إسناده ضعيف (١)، وقال ابن الصلاح: (ليس إسناده بالقائم)، وقال ابن القيم: (هذا الحديث متفق على ضعفه) (٢). إسماعيل بن عياش: ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، والظاهر أن عبد الله القرشي حجازي وليس شاميًا، وقد تفرد به عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى له أصحاب أئمة، وهذا مظنة النكارة، ثم هو ليس بالمشهور في الرواية، وقد سمي بهذا الاسم كثير من الرواة، وقول الهيثمي: (في إسناده جماعة لم أعرفهم) (٣) يدل على ذلك.

стр. 1751

ويحيى بن أبي كثير: معروف بالإكثار من التدليس على ثقته، كما قال ذلك الحافظ (١)، والعلائي (٢)، وقد ورى الحديث بالعنعنة. وسعد بن عبد الله الأودي في حكم المجهول؛ لأن ابن أبي حاتم ذكره في " الجرح والتعديل" وقال: (سعيد الأزدي)، فلم ينسبه لأبيه، فضلًا عن جده، وذكر روايته عن أبي أمامة، وبيض له (٣). فالحديث ضعيف، وفي متنه نكارة من وجوه عديدة، ولهذا قال العز بن عبد السلام: (لم يصح في التلقين شيء، وهو بدعة) (٤)، وقال الصنعاني: (ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف، والعمل به بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله) (٥). وقد ذكره الشوكاني ضمن كتابه: " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (٦). وأما قول الحافظ في " التلخيص": (إسناده صالح … وله شواهد) (٧)، فإنه يعارضه قوله في "نتائج الأفكار": (حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جدًا) (٨). ولا ريب أن هذا هو المعول عليه لأمرين: الأمر الأول: أن هذا هو الموافق لقواعد النقد وأصول الجرح والتعديل وكلام الأئمة، كما تقدم. الأمر الثاني: أن كلامه في " النتائج" متأخر، فإنه فرغ من " التلخيص" سنة (٨٢٠ هـ) بينما استمر في " أمالي الأفكار" إلى سنة (٨٥٢)، وأما قوله: إن الحديث له شواهد، ففيه تسامح واضح، فإن الأحاديث التي ذكرها ليست

стр. 1752

من باب التلقين، وإنما هي من باب الدعاء، إلا ما ورد عن ضمرة بن حبيب، وتقدم أنه مقطوع لا يحتج به. • الوجه الثالث: استدل بالحديث بعض الفقهاء على استحباب تلقين الميت بعد دفنه؛ لأنه وإن كان ضعيفًا فإنه يؤخذ في فضائل الأعمال. وذهب جمع من المحققين إلى أن التلقين لا يجوز بل هو من البدع؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله ولا فعله خلفاؤه من بعده؛ فإنه لو كان ثابتًا لسارع الصحابة ﵃ إلى العمل به، لأن الموت واقعة حاصلة كل يوم في الغالب، والهمم والدواعي تتوفر على نقل مثل ذلك لو حصل، فالحاصل أنه من البدع التي يجب نبذها وإنكارها، ومما يدل على بطلانه: أولًا: أنه مخالف للنصوص الشرعية الدالة على أن الأموات لا يسمعون، إلا ما ورد في الحديث المتقدم أنهم يسمعون قرع النعال إذا تولى الناس عنهم. ثانيًا: أن الميت قد انقطع عمله وختم عليه، فلا يمكنه استدراك التثبت بعد الموت، وإنما المعول على ما قدمه في حياته مما يكون سببًا في ثباته. ثالثًا: أن النبي ﷺ علمنا الدعاء للميت بعد وضعه في قبره، ولو كان التلقين مشروعًا لعلمه الأمة، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1753

استحباب زيارة القبور للرجال ٥٨٥/ ٥٢ - عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". رواه مسلم. زاد الترمذي: " فإنها تذكر الآخرة". ٥٨٦/ ٥٣ - زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود: " وتزهد في الدنيا"؟ • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما" أما حديث بريدة ﵁ فقد أخرجه مسم في كتاب " الجنائز"، باب "استئذان النبي ﷺ ربه زيارة قبر أمه" (٩٧٧) من طريق محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث وتمامه: "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا". وأخرجه الترمذي (١٠٥٤) من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة". وقال الترمذي: (حديث بريدة حديث حسن صحيح). وأما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه ابن ماجه (٥١٧١) من طريق ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن ابن مسعود ﵁، مرفوعًا بلفظ: " فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر بالآخرة".

стр. 1754

وهذا الحديث رجاله ثقات، إلا أيوب بن هانئ فهو متكلم فيه، قال الحافظ في "التقريب": (صدوق فيه لين). وفيه تدليس ابن جريج، فإنه لم يصرح بالتحديث. وقد أخرجه مسلم في " صحيحه" (٩٧٦) (١٠٨) من طريق يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزورا القبور فإنها تذكر الموت". • الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه قد نهى في أول الإسلام عن زيارة القبور، وهذا والله أعلم خشية أن تكون زيارتها سببًا في التعلق بالأموات والأضرحة، فيؤدي ذلك إلى عبادتها كما وقع في الجاهلية، فلما رسخت العقيدة في القلوب وفقه الناس دينهم وعرفوا معنى الزيارة الشرعية والغرض منها نسخ النهي، وهذا من باب نسخ السنة بالسنة، وفي هذا النص اجتمع الناسخ والمنسوخ معًا. • الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب زيارة القبور. وقد نقل النووي وغيره الإجماع على استحبابها في حق الرجال دون النساء، كما سيأتي إن شاء الله. وقد قرن الأمر بزيارة القبور ببيان الحكمة من ذلك وما فيه من الفوائد الكثيرة والمصالح العظيمة، ولا ريب أن الحكم إذا قرن بالعلة زاد المسلم طمأنينة، وعرف بذلك سمو الشريعة وموافقتها للحكمة، إضافة إلى أن النفس العاملة تزداد نشاطًا وإقبالًا على الطاعة. ومن هذه المصالح: ١ - أنها تذكر الآخرة، فيعلم الإنسان أنه مرتحل لا محالة عن دار الدنيا؛ وأنه سائر إلى الآخرة، والقبر أول منازل الآخرة. ٢ - أنها تذكر الموت؛ فإن الإنسان إذا رأى الموتى وقد صاروا تحت أطباق الثرى علم أن الموت نهاية كل حي.

стр. 1755

٣ - أنها تزهد في الدنيا؛ لأن الإنسان إذا رأى الموتى وما صاروا إليه بعد جمع الدنيا وحطامها قلت رغبته في الدنيا، فلم يحرص عليها أو ينهمك في الانقطاع إليها؛ لأنه رأى أنها إلى زوال. • الوجه الرابع: هذه الزيارة المأمور بها هي الزيارة الشرعية التي قصد بها الشارع أمرين: الأمر الأول: يرجع إلى الزائر، وهو ما نص عليه الحديث من تذكر الآخرة وتذكر الموت والزهد في الدنيا. الأمر الثاني: يرجع إلى الميت، وهو السلام عليه والدعاء له، كما سيأتي إن شاء الله. وشرط هذه الزيارة ألا يلزم منها شد رحل، فإن لزم لم يجز ذلك؛ لقول ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (١). ولأن الزيارة الشرعية لا تحتاج إلى شد رحل؛ وإنما يفعل ذلك ضعاف الإيمان أو أهل التوسل الذين يقصدون قبورًا معينة. أما النوع الثاني: فهي الزيارة البدعية، وهي زيارتها لأجل الصلاة عندها والطواف بها وتقبيلها واستلامها ودعاء أهلها والاستعانة بهم في تفريج الكربات وقضاء الحاجات، وغير ذلك مما هو بدعة أو شرك على حسب الفعل والقصد، وهذا من جنس ما يفعله عباد الأوثان، نسأل الله العافية. * * *
следующие страницы →