ويحيى بن أبي كثير: معروف بالإكثار من التدليس على ثقته، كما قال ذلك الحافظ (١)، والعلائي (٢)، وقد ورى الحديث بالعنعنة.
وسعد بن عبد الله الأودي في حكم المجهول؛ لأن ابن أبي حاتم ذكره في " الجرح والتعديل" وقال: (سعيد الأزدي)، فلم ينسبه لأبيه، فضلًا عن جده، وذكر روايته عن أبي أمامة، وبيض له (٣).
فالحديث ضعيف، وفي متنه نكارة من وجوه عديدة، ولهذا قال العز بن عبد السلام: (لم يصح في التلقين شيء، وهو بدعة) (٤)، وقال الصنعاني: (ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف، والعمل به بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله) (٥).
وقد ذكره الشوكاني ضمن كتابه: " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (٦).
وأما قول الحافظ في " التلخيص": (إسناده صالح … وله شواهد) (٧)، فإنه يعارضه قوله في "نتائج الأفكار": (حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جدًا) (٨). ولا ريب أن هذا هو المعول عليه لأمرين:
الأمر الأول: أن هذا هو الموافق لقواعد النقد وأصول الجرح والتعديل وكلام الأئمة، كما تقدم.
الأمر الثاني: أن كلامه في " النتائج" متأخر، فإنه فرغ من " التلخيص" سنة (٨٢٠ هـ) بينما استمر في " أمالي الأفكار" إلى سنة (٨٥٢)، وأما قوله: إن الحديث له شواهد، ففيه تسامح واضح، فإن الأحاديث التي ذكرها ليست
стр. 1752
من باب التلقين، وإنما هي من باب الدعاء، إلا ما ورد عن ضمرة بن حبيب، وتقدم أنه مقطوع لا يحتج به.
• الوجه الثالث: استدل بالحديث بعض الفقهاء على استحباب تلقين الميت بعد دفنه؛ لأنه وإن كان ضعيفًا فإنه يؤخذ في فضائل الأعمال.
وذهب جمع من المحققين إلى أن التلقين لا يجوز بل هو من البدع؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله ولا فعله خلفاؤه من بعده؛ فإنه لو كان ثابتًا لسارع الصحابة ﵃ إلى العمل به، لأن الموت واقعة حاصلة كل يوم في الغالب، والهمم والدواعي تتوفر على نقل مثل ذلك لو حصل، فالحاصل أنه من البدع التي يجب نبذها وإنكارها، ومما يدل على بطلانه:
أولًا: أنه مخالف للنصوص الشرعية الدالة على أن الأموات لا يسمعون، إلا ما ورد في الحديث المتقدم أنهم يسمعون قرع النعال إذا تولى الناس عنهم.
ثانيًا: أن الميت قد انقطع عمله وختم عليه، فلا يمكنه استدراك التثبت بعد الموت، وإنما المعول على ما قدمه في حياته مما يكون سببًا في ثباته.
ثالثًا: أن النبي ﷺ علمنا الدعاء للميت بعد وضعه في قبره، ولو كان التلقين مشروعًا لعلمه الأمة، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1753
استحباب زيارة القبور للرجال
٥٨٥/ ٥٢ - عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". رواه مسلم.
زاد الترمذي: " فإنها تذكر الآخرة".
٥٨٦/ ٥٣ - زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود: " وتزهد في الدنيا"؟
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما"
أما حديث بريدة ﵁ فقد أخرجه مسم في كتاب " الجنائز"، باب "استئذان النبي ﷺ ربه زيارة قبر أمه" (٩٧٧) من طريق محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث وتمامه: "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا".
وأخرجه الترمذي (١٠٥٤) من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة". وقال الترمذي: (حديث بريدة حديث حسن صحيح).
وأما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه ابن ماجه (٥١٧١) من طريق ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن ابن مسعود ﵁، مرفوعًا بلفظ: " فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر بالآخرة".
стр. 1754
وهذا الحديث رجاله ثقات، إلا أيوب بن هانئ فهو متكلم فيه، قال الحافظ في "التقريب": (صدوق فيه لين).
وفيه تدليس ابن جريج، فإنه لم يصرح بالتحديث.
وقد أخرجه مسلم في " صحيحه" (٩٧٦)(١٠٨) من طريق يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزورا القبور فإنها تذكر الموت".
• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه قد نهى في أول الإسلام عن زيارة القبور، وهذا والله أعلم خشية أن تكون زيارتها سببًا في التعلق بالأموات والأضرحة، فيؤدي ذلك إلى عبادتها كما وقع في الجاهلية، فلما رسخت العقيدة في القلوب وفقه الناس دينهم وعرفوا معنى الزيارة الشرعية والغرض منها نسخ النهي، وهذا من باب نسخ السنة بالسنة، وفي هذا النص اجتمع الناسخ والمنسوخ معًا.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب زيارة القبور. وقد نقل النووي وغيره الإجماع على استحبابها في حق الرجال دون النساء، كما سيأتي إن شاء الله.
وقد قرن الأمر بزيارة القبور ببيان الحكمة من ذلك وما فيه من الفوائد الكثيرة والمصالح العظيمة، ولا ريب أن الحكم إذا قرن بالعلة زاد المسلم طمأنينة، وعرف بذلك سمو الشريعة وموافقتها للحكمة، إضافة إلى أن النفس العاملة تزداد نشاطًا وإقبالًا على الطاعة. ومن هذه المصالح:
١ - أنها تذكر الآخرة، فيعلم الإنسان أنه مرتحل لا محالة عن دار الدنيا؛ وأنه سائر إلى الآخرة، والقبر أول منازل الآخرة.
٢ - أنها تذكر الموت؛ فإن الإنسان إذا رأى الموتى وقد صاروا تحت أطباق الثرى علم أن الموت نهاية كل حي.
стр. 1755
٣ - أنها تزهد في الدنيا؛ لأن الإنسان إذا رأى الموتى وما صاروا إليه بعد جمع الدنيا وحطامها قلت رغبته في الدنيا، فلم يحرص عليها أو ينهمك في الانقطاع إليها؛ لأنه رأى أنها إلى زوال.
• الوجه الرابع: هذه الزيارة المأمور بها هي الزيارة الشرعية التي قصد بها الشارع أمرين:
الأمر الأول: يرجع إلى الزائر، وهو ما نص عليه الحديث من تذكر الآخرة وتذكر الموت والزهد في الدنيا.
الأمر الثاني: يرجع إلى الميت، وهو السلام عليه والدعاء له، كما سيأتي إن شاء الله.
وشرط هذه الزيارة ألا يلزم منها شد رحل، فإن لزم لم يجز ذلك؛ لقول ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (١).
ولأن الزيارة الشرعية لا تحتاج إلى شد رحل؛ وإنما يفعل ذلك ضعاف الإيمان أو أهل التوسل الذين يقصدون قبورًا معينة.
أما النوع الثاني: فهي الزيارة البدعية، وهي زيارتها لأجل الصلاة عندها والطواف بها وتقبيلها واستلامها ودعاء أهلها والاستعانة بهم في تفريج الكربات وقضاء الحاجات، وغير ذلك مما هو بدعة أو شرك على حسب الفعل والقصد، وهذا من جنس ما يفعله عباد الأوثان، نسأل الله العافية.
* * *
стр. 1756
تحريم زيارة القبور للنساء
٥٨٧/ ٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور. أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الترمذي في أبواب " الجنائز"، باب " ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء" (١٠٥٦)، وابن حبان (٧/ ٤٥٢) من طريق قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور. هذا لفظ الترمذي.
وقال: (حديث حسن صحيح). ولفظ ابن حبان: " لعن الله زائرات القبور"، وهو لفظ البلوغ.
وهذا الحديث سنده حسن، فيه عمر بن أبي سلمة، وهو مختلف فيه كما تقدم في غير موضع وحديثه لا يرقى إلى درجة الصحة، بل هو من قبيل الحسن، لا سيما أن هذا الحديث له شواهد؛ كحديث ابن عباس عند أبي داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٤/ ٩٥)، وابن ماجه (١٥٧٥)، وأحمد (١/ ٢٢٩) كلهم من طريق محمد بن جحادة قال: سمعت أبا صالح يحدث عن ابن عباس قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج".
وهذا الحديث على شهرته فهو بهذا التمام ضعيف جدًا؛ لأن فيه أبا صالح وهو مولى أم هانئ، واسمه باذام، ضعفه جمهور النقاد، قال الإمام مسلم: (هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه،
стр. 1757
ولا يثبت له سماع من ابن عباس) (١).
ومن شواهد حديث الباب حديث حسان بن ثابت ﵁ أخرجه ابن ماجه (١٥٧٤)، والحاكم (١/ ٣٧٤)، والبيهقي (٤/ ٧٨) من طريق عبد الله بن خثيم، عن عبد الرحمن بن بهمان، عن عبد الرحمن بن حسان، عن أبيه قال: " لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور".
قال البوصيري: (إسناده صحيح، ورجاله ثقات) (٢). لكن فيه عبد الرحمن بن بهمان، قال ابن المديني (لا نعرفه) (٣)، وذكر ابن حبان في "الثقات" ووثقه العجلي (٤). وقال الحافظ في " التقريب" (مقبول).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لعن رسول الله) اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى: (لعن رسول الله) أي: دعا عليهم باللعنة.
قوله: (زائرات القبور) جمع زائرة، والزيارة هنا: الخروج إلى المقابر.
والرواية الثانية: " زوارات" بضم الزاي أو فتحها مع تشديد الواون. أما الضم فهو جمع زوار، جمع زائرة سماعًا وزائر قياسًا، مثل: كاتب وكتاب (٥)، وأما بالفتح فهي إما صيغة مبالغة، لكن لا يراد بها المبالغة، وهو الإكثار من الزيارة؛ لأن الرواية الأخرى تحدد المراد، فإننا لو حملناها على المبالغة ما كان للرواية الثانية فائدة في حين أنها أفادت أن المحذور يحصل بزيارة واحدة، ففيها زيادة علم.
وقد يحمل التضعيف على كثرة الفاعلين وتعددهم، لا على كثرة الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ [ص: ٥٠]، والأبواب لا تفتح إلا مرة واحدة (٦)، أو تكون بالفتح صيغة نسب، أي: ذوات زيارة
стр. 1758
القبور، والمقصود أن رواية: " زائرات"نص صريح في أن زوارات ليست للمبالغة، لأنها تدل على أن النهي يحصل بزيارة واحدة.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم زيارة القبور للنساء وأن ذلك من كبائر الذنوب لثبوت اللعن على ذلك، ولا فرق في ذلك بين قبر النبي ﷺ أو غيره من القبور؛ لعموم الأدلة، وهذا قول المحققين من أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب بعض المالكية والشافعية والحنفية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والنووي والشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعة (١).
وذهب أكثر الحنفية والمالكية إلى أن زيارة القبور للنساء مباحة بلا كراهة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). واستدلوا بحديث بريدة المتقدم: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، قالوا: فهذا خطاب عام فيتناول النساء، ولأنه علل زيارتها بأمر يشترك فيه الرجال والنساء وهو تذكر الآخرة.
وبما أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ وساق الحديث، وفي آخره: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: " قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المتقدمين منا والمتأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" (٣).
كما استدلوا بحديث أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: " اتق الله واصبري … " (٤).
وذهب فريق من أهل العلم إلى أن زيارة القبور للنساء مكروهة من غير تحريم، وهذا هو منصوص الإمام أحمد، وبه قال أكثر الشافعية، وبعض
стр. 1759
الحنفية، وبعض المالكية (١). واستدلوا بحديث أم عطية ﵂ المتقدم: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) والزيارة من جنس الاتباع، فيكون كل منهما مكروهًا غير محرم.
والراجح القول بالتحريم لما يلي:
أولًا: أن أحاديث النهي صريحة في المراد، فإن الرسول ﷺ لعن النساء على الزيارة، وهذا من أوضح الأدلة على التحريم؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة.
ثانيًا: أن سد الذرائع ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإذا كان المقصود من الزيارة تذكر الآخرة والدعاء للميت، وهذا أمر مظنون من المرأة، ومن المؤكد حصول الجزع وقلة الصبر، وقد تشق الجيب وتلطم الخد وما أشبه ذلك، والدعاء يحصل في البيت كما يقول ابن تيمية (٢) وتذكر الآخرة يحصل بأمور أخرى؛ كالوعظ وذكر الموت ونحو ذلك، فما يحصل لهن بالزيارة من المفاسد أعظم مما يحصل من مصلحة يسيرة، والشريعة تحرم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته.
ثالثًا: أن الأحاديث التي يستدل بها يجيز الزيارة ليست صريحة في دلالتها كصراحة أحاديث النهي، وبيان ذلك فيما يلي:
أما حديث: " فزوروها" وأنه عام يشمل الرجال والنساء، فعنه جوابان:
الجواب الأول: سلمنا أنه عام، لكنه دخله التخصيص بمثل حديث ابن عباس ﵁ فتخرج النساء من هذا الإذن، وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على ذلك.
الجواب الثاني: أن الظاهر عدم دخول النساء لأمرين:
стр. 1760
الأمر الأول: أن قوله: " فزوروها" صيغة تذكير، فتتناول الرجال بالوضع، ولا يدخل فيه النساء.
الأمر الثاني: أن الرسول ﷺ علل الأمر بشيء لا يكون من المرأة، وهو تذكر الموت وترقيق القلب، وإنما يكون منها الجزع وقلة الصبر.
وأما حديث عائشة ﵂ فليس في ألفاظه ما يدل على التصريح بالزيارة، بل إنه محمول على ما إذا اجتازت في طريقها بمقبرة جاز لها أن تدعو بهذا الدعاء في هذه الحالة، ولا تسمى زائرة حينئذ، ويحتمل أنه كان قبل النهي عن زيارة النساء وأنه كان على البراءة الأصلية، والمقصود أن الحديث ليس بصريح، فلا يقدم على ما هو صريح.
وأما حديث أنس ﵁ فدلالته على المنع أقرب من دلالته على الجواز؛ لأن النبي ﷺ لم يقر المرأة؛ بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن زيارة النساء القبور، وقال لها: " اصبري" ومعلوم أن مجيئها للقبر وبكاءها مناف للصبر، فهذا منه ﷺ إنكار لحالها من الزيارة والبكاء، ويدل عليه أنها لما علمت أن الآمر لها من تجب طاعته انصرفت مسرعة وجاءت تعتذر إليه، ثم إن القضية قد تكون قبل لعن زائرات القبور، وعلى هذا فلا يعارض بها أحاديث المنع (١)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1761
تحريم النياحة على الميت
٥٨٨/ ٥٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ النائجة، والمستمعة. أخرجه أبو داود.
٥٨٩/ ٥٦ - وعن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ أا ننوح. متفق عليه.
٥٩٠/ ٧٥ - وعن عمر ﵂ عن النبي ﷺ قال: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" متفق عليه.
٥٩١/ ٥٨ - ولهما: نحون عن المغيرة بن شعبة.
• الكلام عليها من وجوه:
أما حديث أبي سعيد ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب " في النوح" (٣١٢٨) من طريق محمد بن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن جده، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف جدًا، آفته آل عطية الثلاثة وهم:
محمد بن الحسن، فقد قال عنه أبو زرعة: (لين الحديث)، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث)، وقال البخاري: (لم يصح حديثه). وقال ابن حبان: (كوفي منكر الحديث جدًا) (١).
стр. 1762
وأبوه الحسن بن عطية، قال عنه أبو حاتم: (ضعيف الحديث)، وقال ابن حبان: (أحاديثه ليست بنقية)، وقال البخاري: (ليس بذاك) (١).
وجده عطية العوفي، قال عنه الإمام أحمد وأبو حاتم والنسائي: (ضعيف الحديث)، وقال أبو زرعة: (لين) (٢).
وأما حديث أم عطية ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك" (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة ألا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سيرة امرأة معاذ، وامرأتين، أو ابنة أبي سيرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.
وأما حديث عمر ﵁ (٣)، فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " ما يكره من النياحة على الميت" (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧)(١٧) من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن عمر ﵁، به مرفوعًا.
وأما حديث المغيرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (١٢٠١)، ومسلم (٩٣٣) من طريق سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن المغيرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من نبح عليه يعذب بما نبح عليه"، وعند مسلم: " فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لعن رسول الله ﷺ اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله،
стр. 1763
وتقدم ذلك، ومعنى (لعن رسول الله) أي: دعا على النائحة والمستمعة بذلك.
قوله: (النائحة) اسم فاعل من ناح على الميت ينوح نياحة. والنياحة: رفع الصوت بالندب وتعديد محاسن الميت على سبيل النوح كنوح الحمام، وهو من أعمال الجاهلية، كأن تقول: واجبلاه، واناصراه، واكاسياه، ونحو ذلك.
قوله: (والمستمعة) أي: القاصدة لسماع النياحة.
قوله: (آخذ علينا رسول الله ﷺ أي: عند البيعة كما تقدم في سياق الحديث، وذلك لما بايعهن رسول الله ﷺ على الإسلام، ولعل ذكر النياحة مع البيعة والله أعلم لأنهن اعتدن ذلك؛ لقلة صبرهن وجزعهن، فكان النهي عنها عند البيعة من الأهمية بمكان، ولهذا لم يف أغلبهن بذلك، كما تقدم في سياق الحديث، إما لمجاملة أو لمحبة أو نحو ذلك.
قوله: (الميت يعذب) استشكل العلماء ذلك لأنه تعذيب بفعل غيره، والله تعالى يقول: ﴿ولا تزر وازرة وز أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقد تنوعت طرقهم في الخروج من هذا الاستشكال، فمنهم من أنكر الحديث، وغلط الرواة، ومن هؤلاء عائشة ﵂، فقد روى البخاري ومسلم أنها قالت: (رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: " أنتم تبكون وإنه ليعذب"، وهذا اللفظ لمسلم (١).
ومنهم من أول الحديث بتأويلات كثيرة، ومنها: أنه خاص بمن أوصى أن يناح عليه، فيكون النوح بسبب فعله، وهذا ضعيف؛ لأن اللفظ عام؛ ولأن الصحابة ﵃ فهموا من الحديث حصول التعذيب وإن لم يوص الميت بالنوح. وقيل غير ذلك (٢). ولعل أقربها ما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه ابن القيم وهو أن المراد بقوله: "يعذب"، أي: يتألم ويتأذى بنوحهم عليه، بدل دعائهم
стр. 1764
واستغفارهم له. ولم يقل: يعاقب. والعذاب أعم من العقاب، ولهذا قال النبي ﷺ : " السفر قطعة من العذاب" (١)، فسمى السفر عذابًا، وليس هو عقابًا على ذنب (٢).
وأما تخطئة عائشة ﵂ لابن عمر ﵁ فهو ليس في محله، فإن الحديث لم ينفرد به ابن عمر، بل رواه أبوه عمر والمغيرة بن شعبة، كما تقدم، وأبو موسى، وحفصة بنت عمر، وصهيب ﵁، وهذه الأحاديث لا ترد بمثل قول عائشة ﵂، فإنه من المحال أن يكون كل هؤلاء وهموا في الحديث. ولها نظائر من تأويلاتها واجتهاداتها ﵂ (٣).
• والوجه الثالث: هذه الأحاديث دليل على تحريم النياحة على الميت برفع الصوت بتعديد شمائله ومحاسن أفعاله، وهي من أمر الجاهلية، وهي من كبائر الذنوب، لما فيها من المفاسد العظيمة، ومنها:
١ - أنها لا تزيد النائح إلا شدة وحزنًا.
٢ - أنها تسخط من قضاء الله وقدره واعتراض عليه، وقلة صبره، وكأن النائحة تقول: لا ينبغي أن يموت من كان كذا، وكان كذا.
٣ - أنها تهيج الأحزان.
٤ - أنها تؤذي الميت، كما دل عليه الحديث.
٥ - أنها مع هذه المفاسد لا ترد القضاء ولا ترفع ما نزل.
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"، وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" (٤)، وهذا يؤيد ما تقدم
стр. 1765
من أن النياحة من الكبائر؛ لأن هذا وعيد شديد لمن مات على النياحة، وكذا قوله: "إذا لم تتب قبل موتها" فهو دليل على أنها من الكبائر؛ لأن شرطها التوبة.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الاستماع إلى النائحة، وأن المستمعة شريكة للنائحة في اللعن. والحديث وإن كان ضعيفًا كما تقدم لكن عموم الشريعة وقواعدها تدل على ذلك، فهما كالمغتاب والمستمع، شريكان في الوزر، ويقابل ذلك القارئ والمستمع شريكان في الأجر.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم﴾ [النساء: ١٤٠].
قال القرطبي: (فدل بهذا على وجب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم … فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهله هذه الآية … ) (١).
فالواجب على من حضر منكرًا إما الإنكار على الفاعل، أو الانصراف إذا لم يكن له قدرة على الإنكار، والله المستعان.
• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الميت يعذب بسبب النياحة عليه، بمعنى أنه يتأذى ويتألم، وهذا يفيد أنه يجب على أولياء الميت ترك النياحة والمنع من وقوعها، لئلا يعذب الميت بذلك.
ثم إنه إذا كان المقصود من النياحة محبة الميت والتأسف على فقده فكيف ترضى أن تفعل شيئًا يضره؟! فهذا مما ينفر من النياحة.
وأما كيفية تعذيبه بالنياحة فالله أعلم بها، وقد ورد عن النعمان بن
стр. 1766
بشير ﵁ قال: (أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه. فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك؟)، وفي رواية: (فلما مات لم تبك عليه) (١)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1767
جواز البكاء على الميت بدون رفع صوت
٥٩٢/ ٥٩ - عن أنس ﵁ قال: شهدت بنتًا للنبي ﷺ تدفن، ورسول الله ﷺ جالس عند القبر؛ فرأيت عينيه تدمعان. رواه البخاري.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الجنائز"، باب " قول النبي ﷺ : " يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته" (١٢٨٥)، وفي باب " من يدخل قبر المرأة" (١٣٤٢) من طريق فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: (شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان. قال: فقال: " هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟ "، فقال أبو طلحة: أنا، قال: " فانزل"، قال: فنزل في قبرها).
وفليح بن سليمان متكلم فيه، وقد لخص الحافظ حاله في " التقريب" فقال: (صدوق كثير الخطأ). وقد تقدم أن البخاري يتتبع أحاديث أمثال فليح ممن طعن فيه أئمة الجرح والتعديل فلا يخرج له إلا ما وافقه عليه غيره أو علم أنه أتقنه.
وقوله: " لم يقارف الليلة" نقل البخاري عن فليح أنه قال: (أراه يعني الذنب). وقيل: لم يقرب أهله، بدليل أنه ذكر الليل، وبهذا جزم ابن حزم، وقال: (معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنه لم يذنب تلك الليلة) (١).
стр. 1768
وقال الحافظ: (يقويه أن في رواية ثابت المذكورة في " التاريخ الأوسط" للبخاري، والحاكم في "المستدرك" بلفظ: " لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة، فتنحى عثمان" (١).
• الوجه الثاني: الحديث دلي على جواز البكاء على الميت، بشرط ألا يصحب ذلك رفع الصوت أو شق الجيوب أو ضرب الخدود، ونحو ذلك مما يدل على الجزع والسخط وعدم الرضا بالقضاء مما هو صنيع أهل الجاهلية.
لما ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (٢).
وذكر البخاري تعيقًا عن عمر ﵁ أنه قال: دعهن يبكين على أبي سليمان يعني خالد بن الوليد ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت (٣).
وفي حديث ابن عمر ﵁ أنه ﷺ قال: " إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم" (٤).
وفي حدي ثأنس ﵁ في موت ابنه ﷺ قال: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون" (٥).
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن السنة أن ينزل المرأة قبرها من لم يقارف تلك الليلة، أي: لم يجامع أهله وإن كان أجنبيًا منها؛ لأن أبا طلحة هو الذي أنزل ابنة الرسول ﷺ في قبرها مع أنه ليس من محارمها.
стр. 1769
قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث جواز إدخال الرجال المرأة قبرها، لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار العهد عند الملاذ في مواراة الميت ولو كان امرأة على الأب والزوج) (١)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1770
حكم الدفن في الليل
٥٩٣/ ٦٠ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا". أخرجه ابن ماجه. وأصله في " مسلم"، لكن قال: زجر أن يقبر الرجل بالليل، حتى يصلى عليه.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه (١٥٢١) من طريق إبراهيم بن يزيد المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ … وذكره.
وهذا الحديث رجاله ثقات، إلا إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي المكي، فقد قال عنه أحمد: (متروك الحديث). وكذا قال النسائي، وقال ابن معين: (ليس بثقة، وليس بشيء). وقال أبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني: (منكر الحديث). وقال البخاري: (سكتوا عنه) (١).
والحديث أصله في مسلم (٩٤٣) كما تقدم في أحاديث "الكفن"، من طريق ابن جريج، قال: (أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يحدث أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك … ) الحديث. وكان الأولى بالمصنف أن يذكر هذه الزيادة: (إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن دفن الميت في الليل، وقد
стр. 1771
أخذ بهذا ابن حزم الظاهري، وروى كراهة الدفن ليلًا عن سعيد بن المسيب، وأجاب بأن من دفن ليلًا كان لضرورة (١).
والقول الثاني: أنه يجوز الدفن ليلًا ولا كراهة فيه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم لحديث ابن عباس ﵁ في قصة الرجل الذي دفن في الليل، فقال النبي ﷺ : "أفلا آذنتموني" (٢)، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ دفنهم إياه في الليل، وإنما أنكر عليهم عدم أعلامه بأمره.
ومما يؤيد ذلك أن الصحابة ﵃ دفنوا أبا بكر ﵃ ليلًا، كما ورد في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ وفيه: " ودفن أبو بكر قبل الصبح".
قال الحافظ: (وهذا كالإجماع عائشة ﵁ وفيه: " ودفن أبو بكر قبل الصبح" (٣). قال الحافظ: (وهذا كالإجماع من الصحابة على الجواز) (٤)، يعني بذلك أنه أمر مشهور بينهم، وليس فيه نكير.
وأما حديث الباب فهو ضعيف لا تقوم به حجة، وأما حديث مسلم ففيه ذكر سبب النهي، وهو أن الدفن نهارًا يحضره كثير من الناس ويصلون عليه، ولا يحضره في الليل إلا أفراد، وأن الصحابي لما قبض كفن بكفن غير طائل، وعلى هذا فالأقرب ما حرره العلامة ابن القيم، وهو أنه إذا كان الدفن ليلًا لا يفوت به شيء من حقوق الميت، والصلاة عليه فلا بأس، وعليه تدل أحاديث الجواز، وإن كان يفوت بذلك حقوقه وتمام القيام عليه، نهي عن ذلك، وعليه يدل الزجر (٥)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1772
استحباب إعداد الطعام لأهل الميت
٥٩٤/ ٦١ - عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ : " اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم". أخرجه الخمسة، إلا النسائي.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمته الراوي:
وهو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي، ولد في أرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها، وعداده في صغار الصحابة، كفله النبي ﷺ بعد استشهاد أبيه في مؤتة سنة ثمان، ونشأ في حجرة. قال عنه الذهبي: (كان كبير الشأن كريمًا جوادًا يصلح للإمامة)، مات سنة ثمانين، وقيل بعدها (١).
• الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرج أبو داود في كتاب " الجنائز"، باب " صنعة الطعام لأهل الميت" (٣١٣٢)، والترمذي (٩٩٨)، وابن ماجه (١٦١٠)، وأحمد (٣/ ٢٨٠) من طريق سفيان بن عيينة، حدثني جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث.
وقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وفي بعض نسخ الترمذي: (حسن صحيح) والصحيح الأول، وهو الذي نقله عنه الذهبي (٢) ونفى تصحيحه، وكذا
стр. 1773
نقله الشوكاني (١) والألباني (٢)؛ لأن خالد بن سارة والد جعفر روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وحسن له الترمذي حديثه هذا، وقال الحافظ في " التقريب": (صدوق)، وحسن الحديث ابن كثير في " الإرشاد" (٤).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لما جاء نعي جعفر) أي: خبر موته. وجعفر هو: جعفر بن أبي طالب أخو علي ابن أبي طالب ﵁، ذو الجناحين، وصاحب الهجرتين، أسلم قديمًا، وكان أشبه الناس خلقًا وخلقًا برسول الله ﷺ ، زوجته أسماء بنت عميس، قتل شهيدًا يوم مؤتة سنة ثمان، ولد إحدى وأربعون سنة ﵁ (٥).
قوله: (حين قتل) أي: في غزوة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة.
قوله: (اصنعوا لآل جعفر) هذا الخطاب لأهله ﷺ ، ويتناول أقارب الميت أو جيرانه ونحوهم. والمراد بآله: زوجته أسماء بنت عميس وأولاده.
قوله: (فقد أتاهم ما يشغلهم) لفظ أبي داود: " فقد أتاهم أمر شغلهم".
وقوله:: ما يشغلهم" بفتح الياء والغين، ماضية شغل من باب (نفع). ويجوز ضم الأول وكسر الثالث، والشغل والشغل: هو الأمر العارض الذي يذهل الإنسان، وهذا سيق مساق التعليل، والمعنى أنه نزل بهم أمر شغلهم وألهاهم عن صنع طعام ياكلونه، فيحصل لهم ضرر وهم لا يشعرون.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تقديم الطعام لأهل الميت في يوم مصيبتهم رفقًا بهم مراعاة لحالهم، وهذا من محاسن الإسلام، ومؤكدات الإخوة بين المسلمين، ومشروعية المشاركات عند نزول الحاجات.
ولم يذكر في الحديث مدة الإطعام، فمن أهل العلم من قال: يوم وليلة؛ لأن الغالب أن الحزن الشاغل عن إعداد الطعام لا يستمر أكثر من
стр. 1774
يوم، ومنهم من قال: ثلاثة أيام، وهو المذكور في كتب الحنابلة وغيرهم (١)، وكأنهم نظروا إلى مدة العزاء، وهي ثلاثة أيام حسب ما ذكروا.
ولا يجوز الإسراف في إعداد هذا الطعام، كما يفعله كثير من الناس اليوم، فإن الإسراف مذموم شرعًا، وليكن الطعام إلى أهل الميت بقدر حاجتهم، ويجوز لمن حضر أهل الميت أن يأكل معهم من هذا الطعام؛ لأنهم لم يصنعوه بأنفسهم وإنما صنع لهم.
أما أهل الميت فلا يجوز لهم صنع الطعام للناس؛ لأن هذا من البدع، وفيه مفاسد عظيمة:
أولًا: أنه عمل مخالف للسنة، فإن السنة أن الناس يصنعون لأهل الميت طعامًا، وما خالف السنة فهو بدعة.
ثانيًا: أن فيه إعانة على أمر نهى عنه أهل العلم، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت، وقد قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) (٢).
стр. 1775
ثالثًا: أن هذا الصنيع فيه إنفاق للمال في أمر محرم، فيكون من باب الإسراف والتبذير، ويأثم الوالي إذا كان هذا الطعام من تركه الميت؛ لأنه إجحاف بالورثة وتعد على حقوقهم، لا سيما إذا كان فيهم سفهاء أو صغار.
رابعًا: أن هذا العمل مع كونه بدعة فيه أيضًا تكليف أهل الميت وإتعابهم مع مصيبتهم، وهذا أمر لا يقره الشرع، ولا يرضى به العقل.
ومثل هذا ما يوجد في بعض الجهات من إرسال الذبائح إلى أهل الميت، فإن هذا خلاف السنة، وقد يكون وسيلة لكون أهل الميت يصنعون للناس طعامًا، فمن أراد إطعام أهل الميت فإنه يبعث إليهم طعامًا حتى يريحهم من تعب الطبخ، لا أن يرسل إليهم ذبائح يشق عليهم بذبحها وطبخها، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1776
ما يقال عند دخول المقبرة
٥٩٥/ ٦٢ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكن العافية". رواه مسلم.
٥٩٦/ ٦٣ - وعن ابن عباس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: " السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكن، أنتم سلفنا ونحن بالأثر". رواه الترمذي، وقال: حسن.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو سليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أخو عبد الله بن بريدة، وكان توأمين، والدا على عهد عمر بن الخطاب ﵁ لثلاث خلون من خلافته، روى عن أبيه وعن عمران بن حصين وعائشة وجماعة. روى له مسلم والأربعة، وهو ثقة، وفضله وكيع وابن عيينة والعجلي على أخيه عبد الله، وقالوا: (إنه أوثق منه). مات سنة خمس ومئة، وله تسعون عامًا (١).
• الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث بريدة ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب " الجنائز"، باب " ما يقال عند دخول القبر والدعاء لأهلها " (٩٧٥) قال: حدثنا أبو بكر بن
стр. 1777
أبي شيبة وزهير بن حرب، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول في رواية أبي بكر: السلام على أهل الديار، وفي رواية زهير: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين … ) الحديث.
وأخرج مسلم أيضًا (٩٧٤) حديث عائشة ﵁ في خروج النبي ﷺ إلى البقيع وفيه: " ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين".
وأما حديث ابن عباس ﵁ فقد أخرجه الترمذي (١٠٥٣) متفردًا به عن بقية أصحاب الكتب الستة، في أبواب "الجنائز"، باب " ما يقول الرجل إذا دخل المقابر" من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس ﵁، به مرفوعًا.
وهذا الحديث حسنة الترمذي كما نقله الحافظ وهذا في بعض نسخ الترمذي، وفي بعضها: (حديث ابن عباس حديث غريب).
والحديث فيه قابوس بن أبي ظبيان، واسمه حصين بن جندب، وهو متكلم فيه وفي روايته عن أبيه، فقد قال أحمد عنه: (ليس بذاك)، وقال ابن معين: (ضعيف الحديث)، وروي عنه أنه ثقة، كما وثقه يعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: (لا يحتج به)، وضعفه النسائي والدارقطني، وقال ابن حبان: (كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المراسيل، وأسند الموقوف، وأبوه ثقة) (١)، ولعل الحافظ لخص حاله في "التقريب" عندما قال: (فيه لين).
والفرق بين الحديثين أن الحديث الأول ليس فيه خطاب، والثانية فيه خطاب، وكأن غرض الحافظ أن الأول زيارة عامة، والثاني في زيارة خاصة (٢).
стр. 1778
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (أهل الديار) بالنصب، منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير: يا أهل الديار، والديار جمع دار، وهي محل الإقامة، والمراد: المقابر. وفيه جواز إطلاق الأهل على ساكني المكان من أحياء أو أموات.
قوله: (من المؤمنين والمسلمين) هذا من عطف المغاير؛ لأنه إذا اجتمع وصف الإيمان ووصف الإسلام فسر الإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها، والإسلام بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح، وإذا ذكر الإسلام وحده شمل الدين كله، فيدخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، وهذا قول المحققين، كما قال ابن رجب (١).
ولما كانت المقبرة تجمع المسلمين والمؤمنين والدعاء لهما جميعًا ذكر الطائفتين بوصفيهما.
قوله: (وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) إنا: مبتدأ، للاحقون، خبره، واللام مؤكدة في خبر (إن) وقوله: " إن شاء الله" معترضة بين اسم إن وخبرها.
وقد اختلف العلماء في وجه هذا الاستثناء، وهو أن الموت أمر محقق، فكيف يعلق بالمشيئة والمحقق لا يعلق بها؟ فقيل: المراد وقت الموت، والمعنى: إذا شاء الله، أي: سنحلق بكم في الوقت الذي يشاء الله أن نلحق، وقيل: المراد الاستثناء: في الوفاة على الإيمان، لقوله: " دار قوم مؤمنين". وقيل: المرد امتثال قول الله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وقيل غير ذلك.
стр. 1779
قوله: (أنتم سلفنا) بفتح السين المهملة واللام بعدها. وسلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وأقربائه وإخوانه وأقرانه، ولذا سمي الصدر الأول بالسلف الصالح، فهم متقدمون علينا في هذا السفر.
قوله: (ونحن بالأثر) بفتحتين، أي: عقبكم تابعون لكم من ورائكم لاحقون بكم.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب زيارة القبور والسلام على أهلها والدعاء لهم بسؤال الله تعالى العاقبة للأحياء من أمراض الأبدان وأمراض القلوب التي هي أشد من أمراض الأبدان، وللأموات من عذاب القبر ومن عذاب النار، وهذه هي الحكمة من زيارة القبور، وهي تتعلق بالأموات.
وأما الحكمة الثانية وهي المتعلقة بالأحياء فهي تذكر الموت لقوله: " وإنا إن شاء الله بكم للاحقون"، وفي هذا فائدة عظيمة وهي أن الإنسان إذا أيقن باللحاق بالأموات ولا يدري في أي وقت يكون ذلك، وجب عليه أن يستعد، ويتهيأ لئلا يفاجئه الموت على غرة وغفلة، فاللبيب من تفكر في مآله، والحازم من تزود لارتحاله، والعاقل على غرة وغفلة، فاللبيب من تفكر في مآله، والحازم من تزود لارتحاله، والعاقل من جد في أعماله، نظر في المصير، وجانب التقصير، نسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغفلة، ويوفقنا للاستعداد قبل النقلة، ما دمنا في وقت المهملة.
وليس للزيارة وقت معين، بل تستحب كل وقت، ليلًا ونهارًا، ولهذا ورد في صحيح مسلم حديث عائشة ﵂ في زيارة النبي ﷺ قبور البقيع ليلا.
وأما تخصيص الزيارة بيوم الجمعة وأيام الأعياد فلا أصل له في دين الله تعالى.
• الوجه الخامس: ورد في صحيح مسلم كما تقدم حديث عائشة ﵂ في زيارة الرسول ﷺ أهل البقيع، وفيه: (حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع ثلاث مرات … )، الحديث، ففيه دليل على استحباب رفع اليدين في الدعاء لأهل القبور، وأن دعاء القائم أكمل من
стр. 1780
دعاء الجالس في المقبرة (١).
• الوجه السادس: استدل العلماء بهذا الحديث على أن الميت ينتفع بدعاء الأحياء؛ إذا لو لم يكن ينتفع لما كان لهذا الدعاء فائدة، وقد مضت هذه المسألة ومضى نقل الإجماع فيها.
كما استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الميت ترد روحه عند السلام عليه، وأنه يسمع في الجملة كلام الحي، وليس سماعًا دائمًا؛ بل قد يسمع في حال دون حال، وهذا قول ابن تيمية وجماعة كابن القيم (٢).
• الوجه السابع: استدل الصنعاني بحديث ابن عباس ﵁ على أن المار بالمقبرة يسلم على الأموات وإن لم يقصد الزيارة (٣)، وهذا فيه نظر، والحديث ضعيف، ولعل ما ذكره الصنعاني ومن قبله من أهل العلم باعتبار أن المقابر لم تكن في الزمن القديم مسورة، والمار بها يشاهد القبور ولم لم يقصد الزيارة، أما في زماننا هذا فالمقابر مسورة، فالظاهر أن السلام لا يشرع إلا للداخل، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الأفضل أن يسلم ولو كان مارًا، ولكن قصد الزيارة أفضل وأكمل) (٤). والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1781
النهي عن سب الأموات
٥٩٧/ ٦٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا". رواه البخاري.
٥٩٨/ ٦٥ - وروى الترمذي: عن المغيرة نحوه، لكن قال: " فتؤذوا الأحياء".
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في آخر الكتاب " الجنائز"، باب "ما ينهى من سب الأموات" (١٣٩٣) من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا.
وأما حديث المغيرة ﵁، فقد أخرجه الترمذي في أبواب "البر والصلة"، باب "ما جاء في الشتم" (١٩٨٢) من طريق أبو داود الحفري عن سفيان، عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء".
والحديث صحيح، قال النووي: (رواه الترمذي بإسناد حسن أو صحيح) (١). وصححه الألباني (٢). وقد ذكر الترمذي والدرقطني أن في إسناده اختلافًا، وذكر هذا الاختلاف. وكذا ذكره الدارقطني، وبين المحفوظ منه (٣).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم سب الأموات والوقع في
стр. 1782
أعراضهم؛ لأن النهي في قوله: " لا تسبوا" للتحريم، كما هو الأصل في النهي، وقد استدل بالحديث من منع سب الأموات مطلقًا، سواء أكان الميت مسلمًا أم كافرًا، عدلًا أم فاسقًا، بناء على أن (أل) للاستغراق.
وقال آخرون: إن الحديث مختص بأموات المسلمين، وأن (أل) في (الأموات) عهدية وليست استغراقية؛ لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم، ولأنه قال: " قد أفضوا إلى ما قدموا" وهذا فيه إشعار بأن المراد المسلم.
وذهب فريق ثالث إلى التفصيل في المسألة، وهو أن أموات الكفار يجوز ذكر مساوئهم بشرط ألا يتأذى به قريبه الحي المسلم، فإن كان لا يتأذى بسبه أحد، أو كان الكافر مؤذيًا للمسلمين متعرضًا لحرماتهم فلا مانع من سبه.
وأما المسلم فلا يجوز سبه والوقوع في عرضه؛ لأن له حرمة، وهذا من باب الغيبة؛ إلا أن كان فاسقًا وظهرت مصلحة راجحة في سبه؛ فإنه يجوز ذكر مساوئه للتحذير منه والتنفير عنه، لا لقصد سب الأموات، ولكن لقصد تنفير الأحياء عنه وتحذيرهم منه، وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث أنس الآتي.
وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء أو أمواتًا؛ لأن المصلحة في حفظ السنة تقتضي ذلك. فإن لم يكن مصلحة وجب الكف عنه؛ لأنه أفضى إلى ما قدم
• الوجه الثالث: أشار الحديث إلى الحكمة التي من أجلها نهي عن سب الأموات، وهي أنهم قد أفضوا ووصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر، فلا ينفع سبهم فيهم، كما ينفع في الحي؛ لأن الحي ينزجر ويرتدع عن المعصية إذا انتقد فيها، ويحذر الناس منه، وأما بعد موته فقد أفضى إلى ما قدم.
والحكمة الثانية: أن سب الأموات قد يفضي إلى إيذاء الأحياء من أقاربهم، كما في حديث المغيرة. ولا يفهم من ذلك جواز سب الأموات عند عدم تأذي الأحياء؛ كمن لا قرابة له، أو له ولكن لا يبلغهم ذلك؛ لأن سب
стр. 1783
الأموات منهي عنه للحكمة الأولى فإذا أدى إلى أذية الأحياء كان محرمًا من جهتين.
والحكمة الثالثة: أن سب الأموات من باب الغبة التي وردت الآيات والأحاديث بتحريمها؛ لأن قوله ﷺ : " الغيبة ذكرك أخاك بما يكره" يدخل فيه الحي والميت، وقد بوب البخاري في كتابه " الأدب المفرد"، باب " الغيبة للميت" (١). قال ابن بطال: (سب الأموات يجري مجرى الغيبة في الأحياء) (٢).
• الوجه الرابع: ورد في صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : "وجبت"، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: "وجبت". فقال عمر ﵁: ما وجبت؟ قال: " هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (٣).
وهذا فيه دليل على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم ذلك، ولعل هذا الذي أثنى عليه شرًا كان مشهورًا بفسقه وفساده، فيخشى أن يقتدى بشره، فيكون ذلك من باب التحذير منه والتنفير عنه.
قال البيهقي: (وكأن الذي أثنوا عليه شرًا كان معلنًا بشره، فأراد النبي ﷺ زجر أمثاله عن شرورهم وعن إطالة الألسنة في أنفسهم، فقال ما قال، والله أعلم) (٤). ومثل ذلك قال الشراح؛ كالإمام النووي والقرطبي والحافظ ابن حجر وجماعة آخرين، واختاره الشيخ عبد العزيزبن باز وقال: (إن ذلك فيه جمع بين الأخبار)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1784
كتاب الزكاة
الزكاة: في اللغة: النماء والطهارة وصفوة الشيء، يقال: زكا الزرع يزكو زكوا، من باب قعد، إذا نما وزاد وصلح.
وشرعًا: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة.
والحكمة من مشروعيتها: تطهير النفس من الشيح والبخل، وتطهير نفس الفقير من الحسد والضغينة على الأغنياء، وسد حاجة الإسلام والمسلمين، وتطهير المال، وحصول الآثار الطيبة على البلاد والعباد.
وهي أحد أركان الإسلام، من جحد فريضتها فهو كافر إجماعًا، ومن أقر بها ومنعها بخلًا فليبشر بعذاب أليم، قال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وقد دل مفهوم قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١] على أنه يكفر تاركها بخلًا، وهو دليل من قال بذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد، قواها بعض الأصحاب (١)، والأظهر أنه لا يكفر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لما ذكر عقوبة مانع الزكاة قال: " فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" (٢)، ولو كان كافرًا ما كان له سبيل إلى الجنة، فيكون منطوق هذا الحديث مقدمًا على مفهوم آية التوبة.
وأظهر الأقوال في وقت فرضيتها ما ذكره ابن كثير من أن أصل الزكاة فرض في مكة، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]،
стр. 1785
وقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ [المؤمنون: ٤] وهذه آيات مكية، وأما فرضها في المدينة فهو فرض ذات النصب والمقادير الخاصة، وأما في مكة فكانت زكاة مطلقة من القيود والحدود، موكولة إلى إيمان الأفراد وشعورهم بواجب الأخوة الإسلامية (١)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1786
ما جاء في وجوب الزكاة
٥٩٩/ ١ - عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن … فذكر الحديث، وفيه: " أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم". متفق عليه، واللفظ للبخاري.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في أول كتاب " الزكاة"، باب " الزكاة" (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن عبد الله بن عباس ﵁ أن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن فقال: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم"، هذا أحد ألفاظ البخاري، والحديث له ألفاظ متعددة وطرق كثيرة.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية بعث الدعاء إلى الإسلام في أطراف الأرض، لينشروا دين الله، ويعلموا الناس شريعة ربهم وأحكام دينه.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الداعية يبدأ في دعوته بالأهم فالأهم؛ وأنه لا ينتقل إلى مرتبة حتى يلتزم المدعوون بما قبلها، وقد ذكر في الحديث أن مراتب الدعوة هي:
стр. 1787
الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لأن ذلك من أفرض الفرائض، فإن الشهادة أساس الدين الذي لا تصح العبادات إلا به.
٢ - الدعوة إلى الصلاة الخمس؛ لأنها أكد العبادات البدنية.
٣ - الدعوة إلى الزكاة؛ لأنها أوكد العبادات المالية.
ولم يرد في هذا الحديث ذكر للصيام والحج مع أنهما من أركان الإسلام، والأقرب والله أعلم أنه لما كان بعث معاذ في ربيع الأول سنة عشر، وليس وقتًا للصيام ولا للحج أخرت الدعوة لهما إلى وقتيهما؛ ليستقر الإيمان في قلوبهم، فيسهل عليهم القبول.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد من الأصناف الثمانية، وهو قول الجمهور، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وإن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١ [، فلم يذكر في الآية إلا مصرفًا واحدًا وهم الفقراء، والصدقة متى أطلقت في القرآن أو السنة فهي صدقة الفرض، وأما قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء .. ﴾ التوبة: ٦٠] فهذا قد استدل به من قال: بوجوب تعميم الأصناف الثمانية.
والأول أظهر، وأما آية التوبة فإن معناها أن جنس الصدقات لجنس هذه الأصناف، ولو قيل بوجوب الاستيعاب لكان ذلك مع ما فيه من الحرج والمشقة مخالفًا لما عليه المسلمون سلفًا وخلفًا، وقد يكون الحاصل شيئًا قليلًا لو قسم عليهم لما حصل منه فائدة تذكر.
• الوجه الخامس: استدل بالحديث من قال: بأنه لا يجوز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر (١)؛ لأن قوله: "على فقرائهم" أي: فقراء أهل اليمن على أحد القولين في مرجع الضمير، أما على القول بأن الضمير يعود على
стр. 1788
فقراء المسلمين فلا دليل فيه، قالوا: ولأن المقصود بالزكاة إغناء الفقراء، ولو جاز نقلها لأفضى ذلك إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين.
والقول الثاني: أنه يجوز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر لمصلحة راجحة، كفقراء أشد حاجة، أو لقريب محتاج، أو طالب علم صاحب حاجة، أو نحو ذلك، وهذا قول الجمهور (١)، وهو الأظهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء … ﴾ [التوبة: ٦٠] أي: لهم في كل مكان، كما يدل على ذلك حديث قبيصة بن المخارق ﵁ الآتي في آخر " الزكاة".
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن تحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي) (٢)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1789
أحكام زكاة الإبل والغنم
٦٠٠/ ٢ - عن أنس ﵁؛ أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب له: " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله:
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم: في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة. فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها.
ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان
стр. 1790
من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق.
وفي الرقة: ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين" رواه البخاري.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري مفرقًا في عدة مواضع من كتاب " الزكاة"، وغيره، وأكثر ألفاظه في باب "زكاة الغنم" (١٤٥٤) من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدثه، أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين … " الحديث.
وقد تتبع الحافظ روايات الحديث وجمعها في سياق واحد، وإلا فليس في البخاري رواية بهذا السياق والتمام.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الزكاة في الإبل إذا بلغت خمسًا وأن فيها شاة، وفي العشرين أربع شياه، وإنما أوجب الشارع الحكيم فيما دون خ مس وعشرين من الإبل زكاة من الغنم، مع أن زكاة كل مال من جنسه، نظرًا لقلة الإبل عند صاحبها، فخمس من الإبل مال عظيم، ففي إخائه عن الواجب إضرار بالفقراء، وفي إيجاب منه إجحاف بأرباب الأموال، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء