ما جاء في وجوب الزكاة
٥٩٩/ ١ - عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن … فذكر الحديث، وفيه: " أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم". متفق عليه، واللفظ للبخاري.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في أول كتاب " الزكاة"، باب " الزكاة" (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن عبد الله بن عباس ﵁ أن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن فقال: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم"، هذا أحد ألفاظ البخاري، والحديث له ألفاظ متعددة وطرق كثيرة.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية بعث الدعاء إلى الإسلام في أطراف الأرض، لينشروا دين الله، ويعلموا الناس شريعة ربهم وأحكام دينه.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الداعية يبدأ في دعوته بالأهم فالأهم؛ وأنه لا ينتقل إلى مرتبة حتى يلتزم المدعوون بما قبلها، وقد ذكر في الحديث أن مراتب الدعوة هي:
стр. 1787
الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لأن ذلك من أفرض الفرائض، فإن الشهادة أساس الدين الذي لا تصح العبادات إلا به.
٢ - الدعوة إلى الصلاة الخمس؛ لأنها أكد العبادات البدنية.
٣ - الدعوة إلى الزكاة؛ لأنها أوكد العبادات المالية.
ولم يرد في هذا الحديث ذكر للصيام والحج مع أنهما من أركان الإسلام، والأقرب والله أعلم أنه لما كان بعث معاذ في ربيع الأول سنة عشر، وليس وقتًا للصيام ولا للحج أخرت الدعوة لهما إلى وقتيهما؛ ليستقر الإيمان في قلوبهم، فيسهل عليهم القبول.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد من الأصناف الثمانية، وهو قول الجمهور، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وإن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١ [، فلم يذكر في الآية إلا مصرفًا واحدًا وهم الفقراء، والصدقة متى أطلقت في القرآن أو السنة فهي صدقة الفرض، وأما قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء .. ﴾ التوبة: ٦٠] فهذا قد استدل به من قال: بوجوب تعميم الأصناف الثمانية.
والأول أظهر، وأما آية التوبة فإن معناها أن جنس الصدقات لجنس هذه الأصناف، ولو قيل بوجوب الاستيعاب لكان ذلك مع ما فيه من الحرج والمشقة مخالفًا لما عليه المسلمون سلفًا وخلفًا، وقد يكون الحاصل شيئًا قليلًا لو قسم عليهم لما حصل منه فائدة تذكر.
• الوجه الخامس: استدل بالحديث من قال: بأنه لا يجوز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر (١)؛ لأن قوله: "على فقرائهم" أي: فقراء أهل اليمن على أحد القولين في مرجع الضمير، أما على القول بأن الضمير يعود على
стр. 1788
فقراء المسلمين فلا دليل فيه، قالوا: ولأن المقصود بالزكاة إغناء الفقراء، ولو جاز نقلها لأفضى ذلك إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين.
والقول الثاني: أنه يجوز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر لمصلحة راجحة، كفقراء أشد حاجة، أو لقريب محتاج، أو طالب علم صاحب حاجة، أو نحو ذلك، وهذا قول الجمهور (١)، وهو الأظهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء … ﴾ [التوبة: ٦٠] أي: لهم في كل مكان، كما يدل على ذلك حديث قبيصة بن المخارق ﵁ الآتي في آخر " الزكاة".
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن تحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي) (٢)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1789
أحكام زكاة الإبل والغنم
٦٠٠/ ٢ - عن أنس ﵁؛ أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب له: " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله:
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم: في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة. فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها.
ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان
стр. 1790
من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق.
وفي الرقة: ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين" رواه البخاري.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري مفرقًا في عدة مواضع من كتاب " الزكاة"، وغيره، وأكثر ألفاظه في باب "زكاة الغنم" (١٤٥٤) من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدثه، أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين … " الحديث.
وقد تتبع الحافظ روايات الحديث وجمعها في سياق واحد، وإلا فليس في البخاري رواية بهذا السياق والتمام.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الزكاة في الإبل إذا بلغت خمسًا وأن فيها شاة، وفي العشرين أربع شياه، وإنما أوجب الشارع الحكيم فيما دون خ مس وعشرين من الإبل زكاة من الغنم، مع أن زكاة كل مال من جنسه، نظرًا لقلة الإبل عند صاحبها، فخمس من الإبل مال عظيم، ففي إخائه عن الواجب إضرار بالفقراء، وفي إيجاب منه إجحاف بأرباب الأموال، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء
стр. 1791
صاحبها، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى، وهي ما استكمل من الإبل السنة الأولى ودخل في الثانية، سميت بذلك لأن أمها غالبًا قد حملت، والماخض: الحامل التي دنت ولادتها، وليس كون أمها ماخضًا شرطًا، وإنما ذكر تعريفًا لها بغالب أحوالها، فإن لم تكن عنده فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى؛ وهي من الإبل ما استكمل الثانية ودخل الثالثة، سميت بنت لبون لأن أمها وضعت غالبًا، فهي ذات لبن.
فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حقة، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سميت بذلك لأنها استحقت أن تركب وأن يحمل عليها، واستحقت أن يطرقها الفحل.
فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، وهي التي أتى عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة، سميت بذلك لأنها تجذع إذا سقطت سنها، وهذا أعلى سن يجب في الزكاة، فهو غاية كمالها؛ لأنه غاية الحسن دار ونسلًا وقوة، واعتبر في الجميع الأنوثة لما فيها من رفق الدر والنسل.
فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، فإذا زادت على عشرين ومائة استقرت الفريضة، في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ابتداء من مائة وثلاثين، ففيها حقة وبنتا لبون، وكلما زادت عشرًا تتغير الفريضة، وما دون العشر عفو، ففي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاثة حقاق، وهكذا …
• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الزكاة في الغنم، وشرط ذلك: أن تكون سائمة، ولم يذكر السوم في الإبل في حديث أنس ﵁، ولعله ترك لأن الغالب أن الإبل لا تكون إلا سائمة، بخلاف الغنم، وقد رد في حديث بهز بن حكيم الآتي: " وفي كل إبل سائمة"، والسوم: معناه الرعي، أي: رعي الغنم في المراعي دون شراء العلف، أو دفع قيمة الزرع الذي ترعاه، وشرط الفقهاء أن ترعى أكثر الحول؛ كسبعة أشهر مثلًا؛ لأن الأكثر له حكم الكل، وهذا بخلاف المعلوفة فلا زكاة فيها إن لم تكن
стр. 1792
عرض تجارة لأنها تكثر مؤنتها فيشق على النفوس إخراج الزكاة منها، بخلاف السائمة.
فإذا بلغت الغنم أربعين إلى عشرين ومائة فيها شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت استقرت الفريضة في كل مائة شاة.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على وجود الوقص في بهيمة الأنعام وهو بفتحتين وقد تسكن القاف، والوقف: هو ما بين الفريضتين، فما بين خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين وقص ليس فيه شيء، وكذا الغنم على ما تقدم، وذلك من باب الرفق بالمالك؛ لأن بهيمة الأنعام تحتاج إلى مؤنة كثيرة، من رعي وسقي وحفظ وعلاج وحلب ونحو ذلك، وهو خاص ببهيمة الأنعام، أما غيرها كالذهب والفضة والحبوب والثمار فما زاد زادت الزكاة، ولا وقص فيه.
• الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم الحيل المفضية إلا إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، وذلك بأن يكون لشخص أربعون شاة، فإذا علم بمجيء المصدق جعل عشرين في مكان وعشرين في مكان آخر، حتى لا تجب عليه الزكاة، وكذا لو كان لثلاثة أشخاص مائة وعشرون شاة، لكل واحد أربعون في مكان، فيجمعونها في مكان واحد ليكون فيه شاة واحدة بدل ثلاث شياه.
• الوجه السادس: الحديث دليل على إثبات الخلطة، وهي الشركة في المواشي دون غيرها من الأموال، وأن لها تأثيرًا في الزكاة إيجابًا وإسقاطًا، وتغليظًا وتخفيفًا؛ لأنها تجعل الأموال كالمال الواحد في حكم الزكاة.
فلو ورث شخصان أربعين من الغنم لكل واحد عشرون، ففيها شاة واحدة، إذا أخذت من أحدهما رجع على الآخر بقيمة نصيبه من الفرض، وهو نصف شاة، ولو اشترى شخصان أربعين من الغنم لأحدهما الثالث وللآخر الثلثان فأخذ الفرض من مالك صاحب الثلث، رجع بثلثي قيمة المخرج على صاحبه، وهكذا …
•
стр. 1793
الوجه السابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز إخراج الهرمة - بفتح الهاء وكسر الراء: وهي المسنة التي سقطت أسنانها من الكبر، ولا ذات عوار - بفتح العين المهملة وبضمها: وهي المعيبة والمريضة البين مرضها؛ كالجرب ونحوه، وفي البخاري: " ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا ما شاء المصدق".
واختلف في ضبط " المصدق" فالأكثر على أنه بتشديد الصاد والدال المكسورة، والمراد به المزكي، وهو مالك الماشية؛ لأن المصدق أصله المتصدق، فحصل الإدغام، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ تيس، وهو فحل الغنم إلا برضا المالك، لكونه يحتاج إليه، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث فقط، وهو التيس.
ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد " المصدق"، اسم فاعل من صدق، أي: آخذ الصدقة، والمراد به العامل والساعي، فيجتهد في الأصلح، فله أن يأخذ التيس إذا رأى فيه مصلحة، أو الهرمة إذا كانت سمينة وفيها مصلحة للفقراء، أو ذات العوار، وهذا أظهر؛ لأن المصدق وهو المالك، لا يؤمن في الغالب أن يجحف بالفقراء فلا يقبل قوله، أما الساعي فهو كالوكيل، وهو مظنة أن يسعى لهم ويحرص على مصلحتهم.
• الوجه الثامن: الحديث دليل على وجوب الزكاة في الفضة، لقوله: "وفي الرقة ربع العشر" والرقة: بكسر الراء المهملة المشددة، وفتح القاف المخففة، هي الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة (١)، ونصاب الفضة: مائتا درهم، لحديث: " ليس فيما دون خمس أواق صدقة … " وسيأتي، والأوقية: أربعون درهمًا بالاتفاق، وفيها ربع العشر، وما كان أقل من ذلك فلا زكاة فيه، لقوله: " فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها".
• وليس معنى ذلك أنها إذا زادت على التسعين ومائة أن فيها زكاة، وإنما
стр. 1794
ذكر التسعين لأنه آخر العقود قبل المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئين والألوف، فذكر التسعين ليدل على أنه لا صدقة فيما نقص على المائتين، ويدل على ذلك الحديث المتقدم: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة".
• الوجه التاسع: الحديث دليل على أن من وجب عليه سن معين وعدمه كمن وجبت عليه جذعة ولست عنده، وعنده أقل منها وهو الحقة؛ فإنها تقبل منه ويدفع جبرانًا؛ شاتين أو عشرين درهمًا، وكذا من عليه صدقة الحقة وليست عنده، وعنده أعلى منها وهي الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين.
والظاهر أن العشرين درهمًا تقويم مقابل الشاتين وليس تعيينًا، فلو كانت قيمة الشاتين مائتي درهم مثلًا أعطاه مائتي درهم، وليس في غير الإبل جبران بل هو خاص بها؛ لأن السنة وردت به فقط، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1795
ما جاء في زكاة البقر
٦٠١/ ٣ - عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر.
رواه الخمسة، واللفظ لأحمد، وحسنه الترمذي، وأشار إلى اختلاف في وصله، وصححه ابن حبان، والحاكم.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب في " زكاة السائمة" (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٥/ ٢٥ - ٢٦)، وابن ماجه (١٨٠٣)، وأحمد (٣٦/ ٣٣٨ - ٣٣٩) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ﵁، به مرفوعًا.
والحديث حسنه الترمذي، كما قال الحافظ، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الترمذي إرساله، فقال: (هذا حديث حسن، وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ … وهذا أصح)، وممن صحح المرسل الدارقطني (١)، وقد أخرجه مرسلًا الطيالسي (١/ ٤٦١)، وأبو عبيد في "الأموال" ص (٣٨٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٢٦)، وغيرهم، من طريق شعبة، عن الأعمش، به مرسلًا.
стр. 1796
ورجح بعضهم الرواية المتصلة؛ لأنها من رواية جماعة من الحفاظ، منهم الثوري، وأبو معاوية، وهما أثبت أصحاب الأعمش (١).
قال الخلال: (أحمد لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في حديث الأعمش، إلا أن يكون الثوري) (٢).
وممن رجح الوصل ابن عبد البر، حيث قال: (روى عن معاذ هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت) (٣)، كما رجح الوصل أيضًا الشيخ عبد العزيز بن باز.
وقد اختلف في سماع مسروق عن معاذ، وسماعه من وارد؛ لإمكانه زمانًا ومكانًا، فمسروق من كبار التابعين، وهو ثقة، فقيه، عابد، لا يجزم بروايته عن معاذ إلا وقد سمعه، وقد ولد عام الهجرة، وكان في اليمن وقت وجود معاذ فيها، والله أعلم (٤).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (بعثه إلى اليمن) وذلك في ربيع الأول سنة عشر، كما تقدم في أول حديث، وبقي فيها داعيًا ومعلمًا وقاضيًا، وعاد إلى المدينة في خلافة أبي بكر ﵁.
قوله: (تبيعًا أو تبيعة) التبيع: هو الذي أتم الحول الأول ودخل في الثاني، والأنثى تبيعة، سمي بذلك لأنه لا يزال يتبعه أمه.
قوله: (مسنة) هي التي أتمت الثانية ودخلت في الثالثة.
قوله: (ومن كل حالم دينارًا) الحالم: اسم فاعل من حلم الصبي فهو حالم، ويقال: احتلم فهو محتلم، أي: بلغ مبلغ الرجال.
والدينار: اثنتان وسبعون حبة شعير عند المتقدمين، وهو ما يقارب ثلاث
стр. 1797
جرامات ونصف الجرام، أو ثلاثة أرباع الجرام، بالأوزان المعروفة عند أصحاب الذهب، والمعنى: أن البالغ الذي لم يسلم يؤخذ منه الجزية دينار.
قوله: (أو عدله معافر) العدل بفتح العين وسكون الدال: أي: ما يساوي قيمة الشيء ومقداره.
والمعافر بفتح الميم والعين وكسر الفاء: ثياب تنسج في اليمن، نسبت إلى معافر على وزن مساجد، وهم حي من همدان في اليمن.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الزكاة في البقر إذا بلغت ثلاثين، وفيها تبيع أو تبيعة على التخيير، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، فإذا بلغت ستنين ففيها تبيعان، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة، فإذا كانت ثمانين ففيها مسنتان، وهكذا، وإذا نقصت عن ثلاثين فليس فيها صدقة عند الجمهور.
قال ابن عبد البر: (لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ هذا؛ وأنه النصاب المجتمع عليه فيها) (١).
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الذمي ليس بمطالب بالزكاة، وإنما تؤخذ منه الجزية إذا بلغ الحلم، عن كل رأس دينار أو ما يقابله من غير النقد كالثياب وغيرها، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب " الجهاد إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1798
مشروعية بعث السعاة لقبض الزكاة
٦٠٢/ ٤ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " تؤخذ صدقات المسلمين على مياهم". رواه أحمد.
٦٠٣/ ٥ - ولأبي داود: " ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم".
• الكلام عليهما من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما الأول فقد أخرجه أحمد (١١/ ٣٤٣) من طريق عبد الله بن المبارك، حدثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر الحديث.
وهذا الحديث سنده حسن، أسامة بن زيد، هو الليثي متكلم فيه كثيرًا، والذي يظهر أنه حسن الحديث (١).
وأخرجه أبو داود (١٥٩١)، وأحمد (١١/ ٢٨٨) من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو في حديث طويل، وفيه: " ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم".
وهذا إسناد حسن أيضًا، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث عند أحمد (٢)، وعند البيهقي (٣)، والبغوي (٤)، وقد توبع أيضًا، تابعه عبد الرحمن بن الحارث، عن أحمد (٥)، وتابعه أسامة بن زيد، كما تقدم.
стр. 1799
ولعل الحافظ أورد رواية أبي داود؛ لأن رواية أحمد خاصة بزكاة الماشية؛ لقوله: " على مياههم" ولفظ أبي داود عام لكل صدقة.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن عمال الزكاة يقصدون أرباب الأموال من الإبل والغنم ونحوهما على مياههم وفي دورهم لقبض الزكاة منهم، ولا يكلف صاحب المال أن يأتي بصدقته إلى بيت المال، لما في ذلك من المشقة. وقد كان النبي ﷺ يبعث عماله لقبض الزكاة، ثم تفريقها على مستحقيها.
وهذا من أدلة القائلين بجواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر للمصلحة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1800
حكم زكاة الرقيق والخيل
٦٠٤/ ٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة". رواه البخاري.
ولمسلم: " ليس في العب صدقة إلا صدقة الفطر".
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " ليس على المسلم في عبده صدقة" (١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.
وأخرجه مسلم من طريق مخرمة، عن أبيه، عن عراك بن مالك قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ قال: " ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".
• الوجه الثامن: الحديث دليل على عدم وجوب الزكاة فيما اختصه المسلم لنفسه، من الرقيق والخيل، قال ابن الملقن: (هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا تجب زكاتها) (١)، وذلك لأنه اختصه لنفسه لا للنماء، وليس هو مما تجب الزكاة في عينه، فلم يكن محتملًا لأخذ الزكاة منه، وهذا دليل على يسر الإسلام، وسهولة تشريعاته.
ويدخل في الحديث كل ما اختصه الإنسان لنفسه إما لاستعماله؛
стр. 1801
كالسيارات، والأواني، والفرش، أو ما اختصه لنفسه ليستغله بما يحصل فيه من أجرة؛ كسيارات الأجرة، وسيارات النقل، وآلات النجارة والحدادة، وآلات المطابع، والمغاسل، وإنما تجب الزكاة في الأجرة وما ينتج عن هذه الآلات إذا تم عليه الحول.
ومفهوم الحديث أنه إذا كان الرقيق أو الخيل معدًا للتجارة ففيه الزكاة؛ لأنه نفي الزكاة فيما أضافه الإنسان إلى نفسه إضافة اختصاص، ومعلوم أن المعد للتجارة لم يختصه مالكه لنفسه، وليس له غرض في عينه، وإنما غرضه في قيمته وربحه.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب زكاة الفطر في الرقيق وإن لم يكن للتجارة؛ لأن زكاة الفطر زكاة بدن، وليست زكاة تجارة، فوجبت بكل حال، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1802
حكم مانع الزكاة
٦٠٥/ ٧ - عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " في كل سائمة إبل: في أربعين بنت لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمةً من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم، وعلق الشافعي القول به على ثبوته.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة بفتح الحاء بن معاوية القشيري، روى عن أبيه وغيره، وروى عنه سليمان التيمي، وابن عون وآخرون، وهو متكلم فيه، فقال أبو حاتم: (شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال الشافعي: (ليس بحجة)، وقال ابن معين: (ثقة)، وكذا قال النسائي (١)، وقال ابن حبان: (كان يخطئ، فأما أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم رحمهما الله فهما يحتجان به، ويرويان عنه، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث: " إنا آخذوها وشطر إبله، عزمه من عزمات ربنا" لأدخلناه في " الثقات"، وهو ممن أستخير الله فيه) (٢).
وقال الذهبي: (ما تركه عالم قط، إنما توقفوا في الاحتجاج به) (٣)،
стр. 1803
وقال ابن كثير: (الأكثرون يحتجون به؛ كأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، وابن معين، وأبي داود، والنسائي … ) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق).
أما أبوه حكيم بن معاوية، فهو تابعي، وثقه العجلي (٢)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣).
وأما جده، وهو معاوية بن حيدة، فهو صحابي سمع النبي ﷺ ، معدود في أهل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها، روى عنه ابنه حكيم وعروة بن رويم اللخمي وحميد اليزني، أخرج له أصحاب السنن، وعلق له البخاري في "الطهارة" و "النكاح" (٤).
• الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "الزكاة" باب "في زكاة السائمة" (١٥٧٥)، والنسائي (٥/ ١٥ - ٢٥، ١٧)، وأحمد (٣٣/ ٢٢٠)، والحاكم (١/ ٣٩٨) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، به مرفوعًا.
وهذا الحديث سنده حسن لما تقدم في الكلام على بهز بن حكيم وأبيه وهما صدوقان.
وكل جملة في الحديث لها شاهد، بعضها مضى، وبعضها سيأتي، إلا قوله: " ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله .. "، ولهذا نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: (لا يثبت أهل العلم بالحديث أن تؤخذ الصدقة وشطر إبل الغال لصدقته، ولو ثبت لقلنا به) (٥).
• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون) هذا ليس على ظاهره
стр. 1804
لما تقدم في حديث أنس ﵁، وإنما هذا محمول على ما إذا زادت عن مائة وعشرين، كما تقدم.
قوله: (لا تفرق إبل عن حسابها) أي: إن الخليطين لا يفرقان ماليهما خشية الصدقة، كما تقدم عند قوله: "لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة"، أو أن المعنى: أن الكل تحسب في الأربعين، ولا يترك هزيل ولا سمين ولا صغير ولا كبير، والعامل لا يأخذ إلا الوسط.
قوله: (مؤتجرًا بها) بالهمزة، أي: قاصدًا الأجر من الله تعالى بإعطائه الزكاة.
قوله: (وشطر ماله) بالنصب عطفًا على ضمير (آخذوها) لأنه في محل نصب باسم الفاعل، ويجوز جره عطفًا على لفظ المضاف إليه؛ لأنه مجرور لفظًا منصوب محلًا.
قوله: (عزمة من عزمات ربنا) عزمة: بالرفع، خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: ذلك عزمة، وبالنصب على المصدرية، وهو مصدر مؤكد لنفسه، والناصب له فعل محذوف يدل عليه جملة " فإنا آخذوها"، والعزمة: العزيمة والجد في الأمر الواجب المتحتم، والمعنى: إنا آخذون ذلك بجد وعزم؛ لأنه واجب مفروض وحق من حقوق ربنا.
قوله: (لآل محمد) المراد بهم: من تحرم عليهم الصدقات من بني هشام، وهم: آل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وسيأتي ذلك إن شاء الله في آخر " الزكاة".
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن في كل أربعين سائمة من الإبل بنت لبون، وقد تقدم في حديث أنس ﵁ أن بنت اللبون تجب من ستة وثلاثين إلى خمس وأربعين، فهو يصدق على أنه يجب في الأربعين بنت لبون، ومفهوم العدد هنا متروك زيادة ونقصانًا؛ لأنه عارضه المنطوق الصريح، وهو حديث أنس ﵁، أو أنه محمول على ما زاد على مائة وعشرين، كما تقدم.
•
стр. 1805
الوجه الخامس: تحريم التفريق بين المالين الخليطين من الماشية فرارًا من الزكاة، كما تقدم في حديث أنس ﵁.
• الوجه السادس: الحديث دليل على أن من أدى الزكاة عن طيب نفس طالبًا الأجر من الله تعالى فله أجره، ومن منعها فعليه وزره؛ لأنه هدم ركنًا من أركان الإسلام وحسابه على الله تعالى.
• الوجه السابع: جواز أخذ الزكاة قهرًا ممن منعها بإجماع أهل العلم.
• الوجه الثامن: استدل بهذا الحديث من أجاز التعزيز بالمال، وذلك أن أخذ شطر مال مانع الزكاة هو من باب التعزير بالمال، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (١)، وابن فرحون من المالكية (٢).
وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يجوز التعزير بالمال (٣)؛ لأن في ذلك مخالفة للنصوص الدالة على حرمة مال المسلم، وعدم جواز أخذه بغير حق.
قالوا: وهذا الحديث قد طعن فيه أئمة الجرح والتعديل، وتكلموا في بهز بن حكيم، كما تقدم، وليس لنا أن نأخذ شطر ماله؛ إلا بحجة قوية لا شبهة فيها؛ وإن كان بعض الأئمة قد وثق بهزًا، لكن المقام مقام عظيم، مخالف للأصول في حال مال المسلم، ولم يأت من تابع بهزًا في هذا حتى يقوى أمره، وقد يكون المال عظيمًا، فأخذ شطره لا يثبت بمثل هذا الحديث المقابل للأصول العظيمة في حرمة مال المسلم؛ بل قد يكون فيه شيء من الشبهة، والأقرب والله أعلم أنه يعاقبه ولي الأمر بما يردعه، وأما أخذ شطر المال فالأولى ألا يفعل، وهذا اختيار الصنعاني (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز، ولهذه المسألة ذكر في باب " السرقة" من كتاب " الحدود" والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1806
اشتراط الحول لوجوب الزكاة
٦٠٦/ ٨ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليها الحول". رواه أبو داود، وهو حسن، وقد اختلف في رفعه.
٦٠٧/ ٩ - وللترمذي؛ عن ابن عمر: " من استفاد مالًا، فلا زكاة عليه حتى يحول الحول". والراجح وقفه.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث علي ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " في زكاة السائمة" (١٥٧٣) من طريق ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، وسمى آخر (١)، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي ﵁، به مرفوعًا.
وهذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه، فرواه أبو داود، وكذا البيهقي (٤/ ٩٥) مرفوعًا.
ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٥٨ - ١٥٩) موقوفًا من طريق سفيان الثوري
стр. 1807
وشريك، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي ﵁ قال: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول).
وكذا رواه موقوفًا عبد الله في " زوائد المسند" (٢/ ٤١٤) من طريق عثمان بن أبي شيبة، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، به.
وتابع سفيان وشريكًا على وقفه زكريا بن أبي زائدة. أخرجه الدارقطني (٢/ ٩١)، ونقل الحافظ في " التلخيص" وقفه أيضًا عن شعبة ومعمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم، ثم قال: (وكذا كل ثقة رواه عن عاصم) (١)، فهؤلاء الحفاظ خالفوا جريرًا، فرووه عن أبي إسحاق موقوفًا عن علي ﵁.
ولعل الحافظ نص على أنه حسن؛ لأن بعض العلماء ضعفه ظنًا منه أنه من رواية الحارث الأعور، وهو ضعيف، والصواب أنه ليس من روايته وحده، كما تقدم، بل رواه معه عاصم بن ضمرة، وقد وثقه أحمد، وابن معين، وابن المديني، والعجلي، والنسائي، وتكلم فيه ابن حبان، وابن عدي، والبيهقي (٢)، فحديثه من قبيل الحسن، قال الزيلعي: (ولا يقدح فيه ضعف الحارث لمتابعة عاصم له) (٣).
وأما حديث ابن عمر ﵁ فقد أخرجه الترمذي (٦٣١) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، به مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، ضعفه أحمد، وابن المديني، والنسائي، وأبو زرعة، وقال ابن خزيمة: (ليس هو ممن يحتج أهل الحديث بحديثه لسوء حفظه، هو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس الحديث) (٤).
وقد أخرجه الترمذي (٦٣٢)، والبيهقي (٤/ ١٠٣) من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.
стр. 1808
قال الترمذي: (هذا أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم)، وكذا أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٢) عن معتمر، عن عبيد الله، عن نافع به موقوفًا. وعلى هذا فالعمدة في هذا الباب على الموقوف.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن نصاب الفضة مائتا درهم، وهذا مجمع عليه؛ وإنما الخلاف في قدر الدرهم، وهو يزن عند المتقدمين إحدى وخمسين حبة شعير، وهي تساوي جرامين وثلاثة من عشرة؛ فإذا ضربت في مائتي درهم، كان الحاصل أربع مائة وستين جرامًا، وهذا نصاب الفضة؛ فإذا عرف قيمة جرام الفضة بالريالات المتداولة؛ سهل معرفة النصاب، يضرب هذا النصاب بقيمة جرام الفضة، والناتج هو النصاب، فيخرج ربع العشر منه؛ لأن العملة المتداولة مقومة بالفضة؛ لأنها نائبة عنها في التعامل.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن نصاب الذهب عشرون دينارًا، وهي تساوي: أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع جنيه سعودي. والنصاب بالجرام: يساوي سبعين جرامًا من الذهب، حاصل ضرب عشرين مثقالًا بثلاثة جرامات ونصف الجرام؛ لأن هذا وزن المثقال، وهو الدينار، بالأوزان المعاصرة.
لكن ينبغي أن يعلم أن الذهب الموجود بأيدي الناس ليس ذهبًا خالصًا، بل يضاف إليه شيء من النحاس، والذهب الخالص هو عيار (٢٤)، وما كان أقل ففيه إضافة، والطريقة أن تضرب النصاب الخالص (٧٠ × ٢٤) مقدار العيار، والناتج هو النصاب).
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النقدين ليس فيهما وقص في الزكاة، فكل ما زاد فهو بحسابه، قليلًا كان الزائد أو كثيرًا.
• الوجه الخامس: الحديث دليل على اشتراط الحول لوجوب الزكاة، وهو أن يمر على المال في ملك صاحبه اثنا عشر شهرًا، وهذا خاص ببهيمة الأنعام والنقود والسلع التجارية، أما الزروع والثمار، وكذا العسل على القول بأن فيه زكاة فلا يشترط لها حول.
стр. 1809
والحكمة من اشتراط الحول، هو أن ما اعتبر له الحول مرصد للنماء، والحول مظنة النماء في الماشية، وعروض التجارة، والأثمان، فيكون إخراج الزكاة من الربح؛ لأنه أيسر وأسهل؛ ولأن الزكاة وجبت مواساة.
أما الزروع والثمار، فلا يشترط لها الحول؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] فأثبت الوجوب وقت حصولها؛ لأن الحبوب والثمار نماء في نفسها، تؤخذ الزكاة عند وجودها، ثم لا تجب ثانية؛ لأنها تبدأ في انقص لا في النماء، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1810
ما جاء في أن الماشية التي أعدت للعمل لا زكاة فيها
٦٠٨/ ١٠ - عن علي ﵁ قال: ليس في البقر العوامل صدقه. رواه أبو داود، والدارقطني، والراجح وقفه أيضًا.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " زكاة السائمة" (١٥٧٢) والدارقطني (٢/ ١٠٣) من طريق زهير، ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، وعن الحارث الأعور، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: " ليس في البقر العوامل شيء".
وهذا الحديث سنده حسن، لما تقدم في الكلام على عاصم بن ضمرة، وأن حديثه من قبيل الحسن.
وأبو إسحاق السبيعي اختلط بأخرة، وزهير بن معاوية سمع منه بعد الاختلاط، كما قال أبو زرعة (١).
واللفظ المذكور ليس من حديث علي ﵁، وإنما هو من حديث ابن عباس ﵁، أخرجه الدارقطني (٢/ ١٠٣) من طريق سوار بن مصعب، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، به مرفوعًا. وإسناده ضعيف، سوار بن مصعب: متروك، وليث: ضعيف.
стр. 1811
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن البقر العوامل التي تستعمل في حرث الزرع أو سقيه ليس فيها زكاة؛ لأنها آلة عمل، وليست من الأموال النامية حتى تجب فيها الزكاة.
ويدخل في ذلك ما تقدم من آلات النجارة، والحدادة، وآلات المطابع، والمغاسل، ونحو ذلك مما أعد للاستفادة من ريعه وإنتاجه، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1812
ما جاء في زكاة مال اليتيم
٦٠٩/ ١١ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " من ولي يتيمًا له مال، فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة". رواه الترمذي، والدارقطني، وإسناده ضعيف.
٦١٠/ ١٢ - وله شاهد مرسل عند الشافعي.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث عمرو بن شعيب، فقد أخرجه الترمذي في أبواب " الزكاة"، باب " ما جاء في زكاة مال اليتيم" (٦٤١)، والدارقطني (٢/ ١٠٩ - ١١٠) من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به مرفوعًا.
وحديث عمرو بن شعيب من قبيل الحسن، كما تقدم، لكن في هذا الإسناد المثنى بن الصباح اليماني. قال عنه الترمذي: (يضعف في الحديث) وقد ضعفه الأكثرون. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه (لا يساوي حديثه شيئًا، مضطرب الحديث) (١).
وأما المرسل فقد أخرجه الشافعي (١/ ٢٣٥ ترتيب مسنده) من طريق ابن جريج، عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: " ابتغوا في مال اليتيم أو في مال اليتامى لا تذهبها أو لا تستأصلها الصدقة".
стр. 1813
وهذا سند ضعيف، ابن جريج مدلس، وقد عنعنه، وأما يوسف بن ماهك فهو تابعي، ثقة، كما في "التقريب" لكنه مع ضعفه تعضده العمومات، وتقويه الشواهد وأقوال الصحابة ﵃.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية تنمية مال اليتيم بالتجارة وغيرها مما يظن الولي أنه يحقق له ربحًا وفائدة وزيادة في ماله.
والحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح؛ فإن هذا من الإصطلاح المأمور به لليتيم. قال تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ [النساء: ٢].
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: (وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم؛ لأن تمام إيتائه ماله حفظه، والقيام بما يصلحه وينميه، وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار) (١).
وقال تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٢]، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: (وفي هذا دلالة على أن اليتيم قبل بلوغ الأشد محجور عليه، وأن وليه يتصرف في ماله بالأحظ، وأن هذا الحجر ينتهي ببلوغ الأشد) (٢).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الزكاة في مال اليتيم إذا بلغ نصابًا، وهذا قول الجمهور، ويدل على ذلك أيضًا عموم الأدلة في وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبًا مطلقًا؛ كقوله تعالى: ﴿خذ من أمواله صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد صح عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله ﵁ وجوب الزكاة في مال اليتيم، كما يؤيد ذلك المعنى المقصود من شرعية الزكاة، وهو سد خلة الفقراء من مال الأغنياء شكرًا لله تعالى، وتطهيرًا للمال، ومال اليتيم قابل لذلك، وعلى هذا فالمخاطب بإخراجها هو وليه، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1814
استحباب الدعاء للمزكي
٦١١/ ١٣ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: " اللهم صل عليهم". متفق عليه.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة"، ومسلم (١٠٧٨) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: " اللهم صل على آل فلان" فأتاه أبي بصدقته، فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى".
• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الدعاء لمن أخرج زكاة مال بصلاة الله تعالى عليه، فيقال: اللهم صل على آل أبي فلان، اللهم بارك لهم فيما أعطيتهم، اللهم أعنهم به على طاعتك، ونحو ذلك من الدعوات الطيبة، وليس في ذلك شيء محدود، وهذا يدل عليه صنيع البخاري في ترجمته السابقة عندما عطف الدعاء على الصلاة، وفائدة هذا الدعاء له تسكين نفسه ليهون عليه بذل المال المحبوب إليها، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقد امتثل النبي ﷺ أمر ربه أن يصلي على من زكى ماله عند دفعه الزكاة، فكان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: " اللهم صل عليهم" أي: اثن عليهم في الملأ الأعلى.
стр. 1815
والمراد بقوله: " اللهم صل على آل أبي أوفى"، هو اللهم صل على أبي أوفى نفسه، فقد ذكر الطحاوي أن العرب تجعل آل الرجل الرجل نفسه، ثم احتج بهذا الحديث (١).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الصلاة على غير الأنبياء، والجمهور على أن ذلك مكروه؛ لأن الصلاة شعار للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب كقوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ ومن السنة كحديث الباب على الدعاء لهم، ولهذا لم تثبت الصلاة على آل أبي أوفى شعارًا لهم. قال ابن كثير: (وهذا مسلك حسن) (٢)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1816
حكم تعجيل الزكاة
٦١٢/ ١٤ - عن علي ﵁ أن العباس ﵁ سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك. رواه الترمذي، والحاكم.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الترمذي في أبواب " الزكاة"، باب " ما جاء في تعجيل الزكاة" (٦٧٨)، والحاكم (٣/ ٣٣٢) من طريق إسماعيل بن زكريا، عن الحجاج بن دينار، عن الحكم بن عتيبة، عن حجية (١) بن عدي، عن علي ﵁، به مرفوعًا.
وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقد روى الحديث أيضًا أبو داود (١٦٢٤)، وابن ماجه (١٧٩٥)، وأحمد (٢/ ١٩٢) بهذا الإسناد.
والحديث حسنه البغوي (٢)، والشيخ أحمد شاكر (٣)، والألباني (٤). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هو حديث جيد لا بأس بإسناده). مع أن في إسناده حجية بن عدي الكندي، قال فيه أبو حاتم: (شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه بالمجهول) (٥)، وقريب منه قول ابن معين (٦). وقال العجلي: (تابعي
стр. 1817
ثقة) (١). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). وقال الحافظ في (التقريب): (صدوق يخطئ).
ثم إن الحديث في إسناده اختلاف على الحكم بن عتيبة، كما ذكر الدارقطني، ومن بعده البيهقي، قال أبو داود: روى هذا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم، عن النبي ﷺ ، وحديث هشيم أصح، وكذا رجح المرسل الدارقطني (٣) والبيهقي (٤).
• الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على جواز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول، وهذا قول أكثر العلماء، وقيده الفقهاء بما إذا كان هناك مصلحة تقتضي التعجيل؛ كأن يوجد مجاعة أو يوجد حاجة تنزل بالناس.
والتعجيل إحسان ومعروف من المعجل، فهو جدير بأن يكون عمله جائزًا ومقبولًا، لما فيه من طيب النفس في تقديم المال قبل وجوبه، وما فيه من الجود والكرم ومراعاة المصالح التي تعم المسلمين، فهذا شيء جيد، وصاحبه مشكور على عمله.
وشرط التعجيل أن يكون بعد وجوب النصاب؛ لأنه سبب الوجوب، فإن عجلها قبل وجود النصاب لم يصح؛ لأن السبب هو الموجب للزكاة، وهو لم يوجد. وأما تقديمها قبل الحول، فهو من تقديم العبادة على شرط وجوبها، وهو جائز، وهذا مبني على قاعدة ذكرها ابن رجب، وهي أنه لا يجوز تقديم العبادة على سبب وجبها، ويجوز تقديمها على شرطها، وذكر من فروعها؛ هذه المسألة (٥)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1818
نصاب زكاة الحبوب والثمار
٦١٣/ ١٥ - عن جابر بن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة". رواه مسلم.
٦١٤/ ١٦ - وله من حديث أبي سعيد: " ليس فيما دون خمس أوساق من تمر ولا حب صدقة".
وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه مسلم في أول كتاب " الزكاة" (٩٨٠) من طريق ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، به مرفوعًا.
وأما حديث أبي سعيد ﵁، فأخرجه مسلم أيضًا في أول "الزكاة" (٩٧٩)(٤) من طريق محمد بن يحيى بن حبان (١)، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدري، به مرفوعًا.
ولعل الحافظ ذكر حديث أبي سعيد؛ لأن فيه بيان المكيل بالأوسق، وأنه من التمر والحب، بخلاف رواية الصحيحين، فلفظها: " ليس فيما دون
стр. 1819
خمسة أوسق صدقة" بدون بيان للمكيل، وهذه إحدى روايات البخاري الموافقة لرواية مسلم.
والحديث أصله عند البخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩) من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
• قوله: (أواق) جمع أوقية، وهي أربعون درهمًا بالاتفاق، ومما يدل على ذلك حديث أنس المتقدم في أول "الزكاة"، وفيه: "وفي الرقة ربع العشر فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء … "، فهذا الحديث مفسر لهذا الحديث.
قوله: (من الورق) بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح الواو وكسرها، قال الأكثرون من أهل اللغة: هي الدراهم المضروبة، وقال بعضهم: هي الفضة كانت مضروبة كالدرهم أو لا (١).
قوله: (صدقة) أي: زكاة، والصدقة إذا أطلقت في القرآن أو السنة فالمراد بها صدقة الفرض، كما تقدم أول "الزكاة".
قوله: (ذود من الإبل) الذود: اسم لا واحد له من لفظه، وهو من الواحد إلى العشر من الإبل، والمعنى: ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، بديل ما تقدم في حديث أنس أول " الزكاة".
قوله: (أوسق) جمع وسق بفتح الواو (٢) وإسكان السين ويجوز كسر الواو، وجمعه حينئذ على أوساق، كما في الرواية الأخرى؛ كحمل وأحمال، والوسق: الحمل من الحب والتمر. وقدره ستون صاعًا بصاع
стр. 1820
النبي ﷺ بالاتفاق، كما ذكره علماء اللغة والشرع، وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي أن الصاع حرر تحريرًا تامًا، وهو ثمانون ريالًا فرنسيًا (١)، وقد قمت بنفسي بوزن الريال الفرنسي عند باعة الذهب، وفكان وزنه (٢٨) جرامًا، والصاع أربعة أمداد إجماعًا، فيكون المد = ٢٠ × ٢٨ = ٦٥٠ جرامًا، ويكون الصاع بالجرامات (٥٦٠ × ٤=٢٢٤٠) أي: (٢، ٢٥ كيلو) ويكون نصاب الزروع والثمار (٣٠٠ × ٢، ٢٥= ٦٧٥ كيلو جرام).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الزكاة على من عنده الأنصبة المذكورة أو شيء منها، وذلك لأن الزكاة مبناها على المواساة بين الأغنياء والفقراء، فمن قصر ماله عن هذه التحديدات لم تجب عليه الزكاة؛ لأن الأقل من ذلك لا يحتمل أن تؤخذ منه الزكاة، فنصاب الفضة مائتا درهم، وفيها ربع العشر كما تقدم، ونصاب الإبل خمس وفيها شاة كما مضى، ونصاب الحبوب والثمار: خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي، وتساوي بالكيلو (٦٧٥) كيلو جرام على ما تقدم، وسيأتي إن شاء الله مقدار الواجب في الحبوب والثمار.
وإنما اشترط النصاب في الحبوب والثمار؛ لأن الزكاة شرعت لأجل المواساة، والقليل لا مواساة فيه.
وتضم أنواع الحبوب بعضها إلى بعض في تكميل النصاب؛ كأنواع القمح مثلًا، بخلاف الأجناس فلا يضم جنس إلى آخر؛ كالشعير والحنطة، وتضم أنواع الثمار إلى بعضها؛ كالسكري مع الشقراء مثلًا في تكميل النصاب.
وتجب الزكاة في النخيل الموجود في الأحواش أو المستراحات ونحو ذلك، بشرط أن يبلغ نصابًا، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1821
مقدار زكاة الحبوب والثمار
٦١٥/ ١٧ - عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: " فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريًا: العشر، وفيما سقي بالنضح، نصف العشر". رواه البخاري.
ولأبي داود: " أو كان بعلًا: العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح: نصف العشر".
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري" (١٤٨٣) من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره.
وعند أبي داود (١٥٩٦): " فيما سقت السماء والأنهار العيون أو كان يعلا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر".
ولعل الحافظ أورد هذا اللفظ؛ لأن فيه زيادة بيان على ما في لفظ البخاري.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
• قوله: (فيما سقت السماء العشر) ما: اسم موصول يفيد العموم في القليل والكثير، وقد دخله التخصيص كما سيأتي، والجار والمجرور خبر مقدم، وقوله: (العشر) مبتدأ مؤخر، والسماء: المطر، من باب المجاز المرسل تسمية للحال باسم المحل؛ لأنه ينزل منها، قال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
стр. 1822
قوله: (والعيون) جمع عين، وهي الينابيع التي تنبع من الأرض أو من سفوح الجبال.
قوله: (أو كان عثريًا) العثري: بفتح المهملة والمثلثة، هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي؛ كأنه عثر على الماء عثرًا بلا عمل من صاحبه.
قوله: (بالنضح) بفتح النون وسكون الضاد، مصدر نضح البعير الماء: حمله من نهر أو بئر لسقي الزرع فهو ناضح، والأنثى ناضحة، سمي ناضحًا؛ لأنه ينضح العطش، أي: يبله بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير وإن لم يحمل الماء، ومنه قول جابر ﵁: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فتخلف ناضحي … ) أي: بعيري (١)، وحديث: " أطعمه ناضحك"، أي: بعيرك، فالمراد بالنضح هنا: سقي الزرع بالماء الذي ينضحه الناضح، ويدخل في ذلك السقي بالآلات الحديثة المعروفة.
قوله: (أو كان بعلًا) اسم كان يعود على السياق، أي: أو كان المسقي بعلًا، والبعل: بفتح فسكون، هو الشجر أو الزرع الذي ينبت بماء السماء من غير سقي، وهو مقارب لمعنى العثري ومرادف له.
قوله: (السواني) جمع سانية، يقال: سنت الناقة تسنو: سقت الزرع، وهو سانية، وهو الدابة من الإبل أو الحمير ذاهبة وآيبة تخرج الماء من البئر بالغرب وأدواته.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الواجب في الحبوب والثمار التي سقيت بلا مؤنة وإنما سقتها الأمطار، أو العيون الجارية، أو البعل الشارب بعروقه، أن فيها العشر، وذلك لأن الثمرة حصلت بلا كلفة ولا مؤنة؛ لأن أصل الكلفة سقي الماء.
وظاهر قوله: (فيما سقت السماء العشر) أن العشر واجب في كل ما سقته السماء قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأن (ما) من صيغ العموم كما تقدم، لكنه
стр. 1823
خص بحديث أبي سعيد المتقدم: " ليس فيما دون خمس أوسق صدقة".
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الواجب في الحبوب والثمار التي تسقى بكلفة ومؤنة كالنواضح والآلات الحديثة التي ترفع الماء من باطن الأرض إلى ظاهرها بالكهرباء أو غيرها من وسائل الوقود، أن فيها نصف العشر؛ لأنها تحتاج إلى مؤنة، فتحتاج إلى كهرباء وصيانة، وتحتاج زيوت وأدوات، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1824
ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار
٦١٦/ ١٨ - عن أبي موسى الأشعري، ومعاذ ﵁؛ أن النبي ﷺ قال لهما: " لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر". رواه الطبراني، والحاكم.
٦١٧/ ١٩ - وللدار قطني، عن معاذ: فإما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ . وإسناده ضعيف.
• الكلام عليهما من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي موسى ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٨)، والحاكم (٤/ ٤٠١)، والبيهقي (٤/ ١٢٥) من طريق سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵁ حين بعثهما رسول الله ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم: " لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة .. " الحديث.
قال الحاكم: (إسناده صحيح)، وسكت عنه اذهبي، وقال البيهقي: (رواته ثقات، وهو متصل).
وأما حديث معاذ ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٧) من طريق عبد الله بن نافع الصائغ، حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبدي الله، عن عمه موسى بن طلحة، عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر" يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر فعفو، عفا عنه رسول الله ﷺ .
стр. 1825
وهذا الحديث إسناده ضعيف - كما قال الحافظ - بل ضعيف جدًا، فيه عبد الله بن نافع، وهو متكلم فيه، قال عنه أحمد: (لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفًا فيه)، وقال أبو حاتم: (ليس بالحافظ، هو لين في حفظه، وكتابه أصح)، وقال أبو زرعة والنسائي: (لا بأس به) (١).
وفيه إسحاق بن يحيى. قال عنه أحمد: (منكر الحديث)، ومرة قال: (متروك الحديث)، وقال ابن معين: (ضعيف ليس بشيء، ولا يكتب حديثه) (٢)، قال ابن عبد الهادي: (إسحاق تركه غير واحد. وعبد الله بن نافع هو الصائغ: صدوق، في حفظه شيء، وقد روى له مسلم في "صحيحه") (٣).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الزكاة في هذه الأصناف الأربعة، وهي: الحنطة والشعير من الحبوب، والزبيب والتمر من الثمار، وهذا محل اتفاق في هذه الأربعة، وإنما الخلاف في غيرها.
فمن أهل العلم من رأى عدم وجوب الزكاة في غيرها، وهذا مذهب ابن عمر (٤)، وبه قال بعض التابعين، كالحسن وابن سيرين وجماعة، ورواية عن أحمد، واختاره أبو عبيد، والصنعاني (٥)، والشوكاني (٦)، والألباني (٧).
واستدلوا بهذا الحديث، وبأن غير هذه الأربعة ليس فيه نص ولا إجماع ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها وكثرة نفعها ووجودها، فلم يصح قياسها عليها؛ ولأن الرسول ﷺ حين خص هذه الأصناف الأربعة وأعرض عما سواها يعلم أن الناس أموالًا وأقواتًا مما تخرج الأرض سواها، فتركه لها وإعراضه عنها دليل على أنه لا زكاة فيها.