← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

مقدار زكاة الحبوب والثمار ٦١٥/ ١٧ - عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: " فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريًا: العشر، وفيما سقي بالنضح، نصف العشر". رواه البخاري. ولأبي داود: " أو كان بعلًا: العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح: نصف العشر". • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري" (١٤٨٣) من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره. وعند أبي داود (١٥٩٦): " فيما سقت السماء والأنهار العيون أو كان يعلا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر". ولعل الحافظ أورد هذا اللفظ؛ لأن فيه زيادة بيان على ما في لفظ البخاري. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: • قوله: (فيما سقت السماء العشر) ما: اسم موصول يفيد العموم في القليل والكثير، وقد دخله التخصيص كما سيأتي، والجار والمجرور خبر مقدم، وقوله: (العشر) مبتدأ مؤخر، والسماء: المطر، من باب المجاز المرسل تسمية للحال باسم المحل؛ لأنه ينزل منها، قال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].

стр. 1822

قوله: (والعيون) جمع عين، وهي الينابيع التي تنبع من الأرض أو من سفوح الجبال. قوله: (أو كان عثريًا) العثري: بفتح المهملة والمثلثة، هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي؛ كأنه عثر على الماء عثرًا بلا عمل من صاحبه. قوله: (بالنضح) بفتح النون وسكون الضاد، مصدر نضح البعير الماء: حمله من نهر أو بئر لسقي الزرع فهو ناضح، والأنثى ناضحة، سمي ناضحًا؛ لأنه ينضح العطش، أي: يبله بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير وإن لم يحمل الماء، ومنه قول جابر ﵁: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فتخلف ناضحي … ) أي: بعيري (١)، وحديث: " أطعمه ناضحك"، أي: بعيرك، فالمراد بالنضح هنا: سقي الزرع بالماء الذي ينضحه الناضح، ويدخل في ذلك السقي بالآلات الحديثة المعروفة. قوله: (أو كان بعلًا) اسم كان يعود على السياق، أي: أو كان المسقي بعلًا، والبعل: بفتح فسكون، هو الشجر أو الزرع الذي ينبت بماء السماء من غير سقي، وهو مقارب لمعنى العثري ومرادف له. قوله: (السواني) جمع سانية، يقال: سنت الناقة تسنو: سقت الزرع، وهو سانية، وهو الدابة من الإبل أو الحمير ذاهبة وآيبة تخرج الماء من البئر بالغرب وأدواته. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الواجب في الحبوب والثمار التي سقيت بلا مؤنة وإنما سقتها الأمطار، أو العيون الجارية، أو البعل الشارب بعروقه، أن فيها العشر، وذلك لأن الثمرة حصلت بلا كلفة ولا مؤنة؛ لأن أصل الكلفة سقي الماء. وظاهر قوله: (فيما سقت السماء العشر) أن العشر واجب في كل ما سقته السماء قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأن (ما) من صيغ العموم كما تقدم، لكنه

стр. 1823

خص بحديث أبي سعيد المتقدم: " ليس فيما دون خمس أوسق صدقة". • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الواجب في الحبوب والثمار التي تسقى بكلفة ومؤنة كالنواضح والآلات الحديثة التي ترفع الماء من باطن الأرض إلى ظاهرها بالكهرباء أو غيرها من وسائل الوقود، أن فيها نصف العشر؛ لأنها تحتاج إلى مؤنة، فتحتاج إلى كهرباء وصيانة، وتحتاج زيوت وأدوات، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1824

ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار ٦١٦/ ١٨ - عن أبي موسى الأشعري، ومعاذ ﵁؛ أن النبي ﷺ قال لهما: " لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر". رواه الطبراني، والحاكم. ٦١٧/ ١٩ - وللدار قطني، عن معاذ: فإما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ . وإسناده ضعيف. • الكلام عليهما من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي موسى ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٨)، والحاكم (٤/ ٤٠١)، والبيهقي (٤/ ١٢٥) من طريق سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵁ حين بعثهما رسول الله ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم: " لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة .. " الحديث. قال الحاكم: (إسناده صحيح)، وسكت عنه اذهبي، وقال البيهقي: (رواته ثقات، وهو متصل). وأما حديث معاذ ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٧) من طريق عبد الله بن نافع الصائغ، حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبدي الله، عن عمه موسى بن طلحة، عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر" يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر فعفو، عفا عنه رسول الله ﷺ .

стр. 1825

وهذا الحديث إسناده ضعيف - كما قال الحافظ - بل ضعيف جدًا، فيه عبد الله بن نافع، وهو متكلم فيه، قال عنه أحمد: (لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفًا فيه)، وقال أبو حاتم: (ليس بالحافظ، هو لين في حفظه، وكتابه أصح)، وقال أبو زرعة والنسائي: (لا بأس به) (١). وفيه إسحاق بن يحيى. قال عنه أحمد: (منكر الحديث)، ومرة قال: (متروك الحديث)، وقال ابن معين: (ضعيف ليس بشيء، ولا يكتب حديثه) (٢)، قال ابن عبد الهادي: (إسحاق تركه غير واحد. وعبد الله بن نافع هو الصائغ: صدوق، في حفظه شيء، وقد روى له مسلم في "صحيحه") (٣). • الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الزكاة في هذه الأصناف الأربعة، وهي: الحنطة والشعير من الحبوب، والزبيب والتمر من الثمار، وهذا محل اتفاق في هذه الأربعة، وإنما الخلاف في غيرها. فمن أهل العلم من رأى عدم وجوب الزكاة في غيرها، وهذا مذهب ابن عمر (٤)، وبه قال بعض التابعين، كالحسن وابن سيرين وجماعة، ورواية عن أحمد، واختاره أبو عبيد، والصنعاني (٥)، والشوكاني (٦)، والألباني (٧). واستدلوا بهذا الحديث، وبأن غير هذه الأربعة ليس فيه نص ولا إجماع ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها وكثرة نفعها ووجودها، فلم يصح قياسها عليها؛ ولأن الرسول ﷺ حين خص هذه الأصناف الأربعة وأعرض عما سواها يعلم أن الناس أموالًا وأقواتًا مما تخرج الأرض سواها، فتركه لها وإعراضه عنها دليل على أنه لا زكاة فيها.

стр. 1826

والقول الثاني: أن الزكاة تجب في غير هذه الأربعة، وهذا مذهب الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة، لكنهم يختلفون في العلة. فقالت المالكية والشافعية: كل ما يقتات ويدخر وييبس فيه الزكاة؛ كالحنطة والشعير والشافعية: كل ما يقتات ويدخر وييبس فيه الزكاة؛ كالحنطة والشعير والذرة والأرز، وما أشبه ذلك، بخلاف الجوز واللوز والفستق والترمس، ونحوها مما يدخر، ولكنه ليس يقوت، فلا زكاة فيه، وكذا الفواكه مثل: التفاح والرمان والكمثرى، ومثلها البصل؛ لأنها مما لا ييبس ولا يدخر (١). وقالت الحنابلة: تجب الزكاة في كل ما يكال ويبقى وييبس من الحبوب والثمار مما ينبته الآدميون، سواء كان قوتًا؛ كالحنطة والشعير والأرز والذرة والفول والعدس والماش والحمص، أو من الأبازير كالكمون، أو حب البقول كالرشاد والحلبة والحبة السواداء، وكذا ما جمع هذه الأوصاف في الثمار كالتمر والزبيب ونحوهما، بخلاف سائر الفواكه والخضار التي تؤكل في الحال ولا تدخر ولا تكال، فهذه لا زكاة فيها إلا العنب إذا كان يتخذ منه الزبيب (٢). واستدلوا بحديث: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، فدل الحديث على انتفاء الزكاة عما لا توسيق فيه، أي: لا كيل. والقول الثالث: أن الزكاة تجب في كل ما يخرج من الأرض مما يزرعه الآدمي. وهذا قول أبي حنيفة وداود الظاهري وابن حزم (٣). واستدلوا بالعمومات؛ كقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله ﷺ : " فيما سقت السماء العشر … ". والقول بأن الزكاة تجب في كل ما يكل ويدخر قوي، لأمرين:

стр. 1827

الأول: أن قوله: " ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة" يشمل الحبوب التي توسق، أي: تكال. الثاني: أن القول بالعموم لا يخلو من المشقة، فإن الخضروات حاصلات عاجلة، ومنافعها حاضرة، فلا زكاة فيها؛ لأنها ليست محل مواساة، بخلاف ما يكال ويدخر؛ فإن النعمة به أبلغ وأكثر، ثم الخضروات ليست من الغذاء الضروري، وإنما هي للتنعم والتفكه، وهذا هو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج؛ هو الادخار، لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة (١)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1828

ما جاء في خرص الثمار وما يترك لأرباب الأموال ٦١٨/ ٢٠ - عن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ : "إذا خرصتم، فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع". رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم. ٦١٩/ ٢١ - وعن عتاب بن أسيد ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ : " أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا". رواه الخمسة، وفيه انقطاع. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو سهل بن أبي حثمة بفتح الحاء وإسكان الثاء المثلثة اختلف في اسم أبيه فقيل: عبد الله بن ساعدة، وقيل: عامر بن ساعدة الأنصاري الأوسي، ولد سنة ثلاث من الهجرة، وكانت سنة عند وفاة النبي ﷺ سبع سنين أو ثمان، لكنه حفظ عنه، فروى وأتقن، سكن الكوفة، ومات في المدينة ﵁ (١). الراوي الثاني: هو عتاب بتشديد التاء بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي ﷺ على مكة عام الفتح حين خروجه إلى حنين، فأقام

стр. 1829

للناس الحجة تلك السنة، وهي سنة ثمان، وقبض النبي ﷺ وهو عامل عليها، وأقره أبو بكر ﵁ عليها إلى أن مات بها في سنة ثلاث عشرة يوم موت أبي بكر ﵁، كان من سادات قريش، صالحًا، خيرًا، فاضلًا ﵁ (١). • الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث سهل بن أبي حثمة، فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " في الخرص" (١٦٠٥)، والنسائي (٥/ ٤٢)، والترمذي (٦٤٣)، وأحمد (٢٤/ ٤٥٨)، وابن حبان (٣٢٨٠)، والحاكم (١/ ٤٠٢) من طريق شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مسعود قال: جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا قال: أمرنا رسول الله ﷺ [قال]: " إذا خرصتم فخذا، ودعوا الثالث، فإن لم تدعوا أو تجدوا الثلث فدعوا الربع" قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد). وهذا فيه نظر؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، قال عنه ابن القطان: (لا يعرف حاله) (٢)، وقال الذهبي: (لا يعرف، وقد وثقه ابن حبان على قاعدته) (٣)، وقال عنه الحافظ: (مقبول). وخبيب بن عبد الرحمن، هو ابن خبيب بن يساف، ثقة. والحديث له شواهد، ومنها حديث أبي حميد الساعدي ﵁ في خرص النبي ﷺ حدقة المرأة في طريقهم إلى تبوك (٤). ومنها بعثة ﷺ عبد الله بن رواحة ﵁ إلى خبير ليخرص على اليهود نخيلهم، كما ورد في حديث ابن عباس ﵁ (٥)، وحديث عائشة ﵂ (٦). وأما حديث عتاب بن أسيد ﵁، فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " في خرص العنب" (١٦٠٣ - ١٦٠٤)، والنسائي (٧/ ١٠٩)،

стр. 1830

والترمذي (٦٤٤)، وابن ماجه (١٨١٩) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد ﵁، قال: … وذكر الحديث. وهذا سند منقطع كما قال الحافظ، قال أبو داود عقبه: (سعيد لم يسمع من عتاب شيئًا). والحديث مداره على سعيد بن المسيب، عن عتاب، ووجه انقطاعه أن مولد سعيد ﵁ في خلافة عمر ﵁، وقد تقدم أن عتاب بن أسيد مات سنة ثلاث عشرة، يوم مات أبو بكر ﵁. وعزو الحديث إلى الخمسة، ومنهم: أحمد، وهم من الحافظ ﵀، فإنه ليس في " المسند"، وليس لعتاب مسند ضمن "مسند الإمام أحمد" المطبوع. وقد رجعت إلى كتاب ابن عساكر "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند" فلم أر مسند عتاب فيه، والله أعلم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية خرص الثمار، كالنخل والعنب، وذلك إذا بدأ صلاح الثمار، فيأتي الخارص ويقدر ما على النخل من الرطب تمرًا، وما على شجر العنب زبيبًا، فيطوف بالنخل، ويرى جميع ثمرتها، ثم يقول: خرصها كذا وكذا رطبًا، ويجيء كذا وكذا يابسًا، وكذا العنب. فيقدر بذلك من غير وزن ولا كيل، ليعرف مقدار الزكاة فيه، فإذا جفت الثمار أخذت منها الزكاة التي سبقت تقدرها بالخرص. والعمل بالخرص ثابت، وليس هو ظنًا وتخمينًا؛ بل هو اجتهاد في معرفة مقدار الثمار من العارفين الثقات، ويكفي خارص واحد. وإدراك الثمر بالخرص نوع من المقادير والمعايير، كما يعلم ذلك بالمكاييل والموازين؛ وإن كان بعضها أحصر من بعض. وإن تركوا بلا خرص صح ذلك، لكن الخرص فيه فائدة عظيمة، وهي التوسعة على أهله بحيث يتصرفون، فيبيعون، ويتصدقون، ويهدون؛ لأنهم عرفوا ما فيه من الزكاة؛ لأنه لو منع أرباب الأموال من الانتفاع بثمارهم إلى أن تبلغ غايتها في الصلاح، لأضر ذلك بهم، ولو انبسطت أيديهم فيه لأخل ذلك بحق الفقراء، ولما كانت

стр. 1831

الأمانة غير متحققة عند كل واحد من أرباب الأموال جاءت مشروعية الخرص. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يشرع ترك ثلث الثمرة أو ربعها للمالك، والمراد بذلك أن يترك الخارص ثلث الثمرة أو ربعها فلا يؤخذ عليه زكاة، رأفةً بأرباب الأموال، وتوسعة عيهم؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم، ويطمعون جيرانهم، وأهلهم وأصدقاءهم، وسؤالهم، ويكون في الثمرة الساقطة، وينتابها الطير، ويأكل منه المارة، فلو استوفى العامل الكل منهم أضر بهم؛ فإذا ترك الثلث أو الربع نظر في الباقي؛ فإن بلغ نصابًا وإلا فلا زكاة فيه. وقيل: يترك الثلث أو الربع من العشر أو نصف العشر لأهل المال، ليتولوا توزيعه بأنفسهم على الفقراء المستحقين. وتخيير الخارص بين الثلث والربع راجع إلى نظر الخارص واجتهاده في تحقيق المصلحة على حسب كثرة الثمرة وقلتها، وعلى حسب حال أهلها وسخائهم، وكثرتهم وكثرة أضيافهم وأتباعهم، أو نحو ذلك. فالخارص يترك الثلث، فإن كان الثلث كثيرًا فيدع الربع. أما ما لم يخرص من الثمار وترك لأمانة أهله، فإنه يجوز لهم أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله ولا يحتسب عليهم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1832

حكم زكاة الحلي ٦٢٠/ ٢٢ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ ، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: " أتعطين زكاة هذا؟ "، قالت: لا، قال: " أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ "، فألقتهما. رواه الثلاثة، وإسناده قوي. ٦٢١/ ٢٣ - وصححه الحاكم: من حديث عائشة. ٦٢٢/ ٢٤ - وعن أم سلمة ﵂، أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فقالت: يا رسول الله! أكنز هو؟ فقال: " إذا أديت زكاته، فليس بكنز". رواه أبو داود، والدارقطني، وصححه الحاكم. • الكلام عليها من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث عمرو بن شعيب فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الزكاة"، باب " الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي" (١٥٦٣)، والنسائي (٥/ ٣٨) من طريق خالد بن الحارث، حدثنا حسين وهو المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، به. وأخرجه الترمذي (٦٣٧) من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وقد ضعف الترمذي هذا الإسناد؛ لأنه من رواية ابن لهيعة، وذكر أنه جاء من رواية المثنى بن الصباح، عن عمر بن شعيب به، وهذا

стр. 1833

أخرجه عبد الرزاق (١). والمثنى بن الصباح ضعيف، كما تقدم. وظاهر صنيع الترمذي أنه لم يتعرض لرواية حسين المعلم، ولذا قال بعد ذكرها: (ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء). ولعله كما قال المنذري قصد الطريقين، اللذين ذكرهما، وإلا فطريق أبي داود من رواية حسين المعلم لا مقال فيه، ولا ينزل عن درجة الحسن، إلا أن النسائي أعله بالإرسال، فقد رواه في " السنن الصغرى" (٥/ ٣٨) من طريق المعتمر بن سليمان، قال: سمعت حسينًا قال: حدثني عمرو بن شعيب قال: جاءت امرأة … فذكره مرسلًا. قال في "الكبرى" (٣/ ٢٧ - ٢٨): (خالد بن الحارث أثبت عندنا من المعتمر، وحديث المعتمر أولى بالصواب) والجملة الثانية غير مثبتة في " الصغرى". وقد صحح الحديث جمع من أهل العلم، منهم: أبو الحسن بن القطان (٢)، وابن الملقن (٣)، والصنعاني (٤)، وأحمد شاكر (٥)، وحسن إسناده النووي (٦)، والألباني (٧). أما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه أبو داود (١٥٦٥)، والحاكم (١/ ٣٨٩) من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ فقالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى في فتخات من ورق، فقال: " ما هذا يا عائشة؟ "، فقالت: صنعتهن أتزين لك فيهن يا رسول الله، فقالت: " أتؤدين زكاتهن؟ "، فقلت: لا، أو ما شاء الله من ذلك. قال: " هي حسبك من النار". وهذا الحديث صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، ورجاله ثقات غير يحيى بن أيوب الغافقي، فهو متكلم فيه، ولا ينزل حديثه عن رتبة الحسن.

стр. 1834

وقد نقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد أنه قال: (هو على شرط مسلم) (١). وقال في " التلخيص": (إسناده على شرط الصحيحح) (٢). وقال النووي: (رواه أبو داود بإسناد حسن) (٣)، لكنه معلول بما ثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تلي بنات أخيها لهن الحلي فلا تزكية (٤)، هكذا أعله البيهقي، وابن عبد البر (٥). والحافظ قد عز الحديث إلى الحاكم مع أنه عند أبي داود، كما تقدم، إلا إن كان مراده بيان تصحيح الحاكم، لكن هذا لا يمنع من عزوه لأبي داود. وأما حديث أم سلمة ﵂ فقد أخرجه أبو داود (١٥٦٤)، والدارقطني (٢/ ١٠٥)، والحاكم (١/ ٣٩٠) من طريق عتاب بن بشير، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة ﵂، وهذا لفظ الدارقطني والحاكم، ولفظ أبي داود: " ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى فليس بكنز". والحديث قوى إسناده جماعة، منهم: ابن دقيق العيد، وصححه ابن القطان، وحسنه النووي. وفيه: عتاب بن بشير، متكلم فيه، قال في "التقريب": (صدوق يخطئ). وفيه: ثابت بن عجلان. تفرد به كما قال البيهقي والذهبي، وهو متكلم فيه أيضًا، ثم إنه منقطع بين عطاء، وهو ابن أبي رباح، وأم سلمة، فإنه لم يسمع منها، كما نص على ذلك ابن المديني (٦)، ونقله عنه ابن أبي حاتم (٧)، لكنه صحيح بما له من شواهد، ومنها ما تقدم. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (مسكتان) بفتح الميم والسين المهملة، تثنية مسكة بفتح الميم والسين المهملة: وهي السوار من الذهب والخلاخيل.

стр. 1835

قوله: (فتخات) هذا لفظ أبي داود، وهي بالفتح جمع فتخة بسكون التاء وفتحها، وهي الخوام. والورق: الفضة، كما تقدم، وعند الحاكم: (سخابًا من ورق) والسخاب ككتاب: خيط ينضم فيه خرز ويلبس الجواري. قوله: (أوضاح) جمع وضح بفتحتين نوع من حلي الفضة، سمي بذلك لبياضه، ولكنه هنا مستعمل فيما عمل من الذهب. • الوجه الثالث: استدل بهذه الأحاديث من قال بوجوب الزكاة في الحلي إذا كان معدًا للاستعمال أو العارية، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وداود (١)، وابن حزم (٢)، وجماعة من المتأخرين، منهم: الصنعاني (٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين (٤). وهو ظاهر اختيار الحافظ، حيث اقتصر على أدلة هذا القول. ومن أدلتهم أيضًا قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣٤]. وقول النبي ﷺ : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار … " (٥). قالوا: فدلت الآية والحديث على وجوب زكاة الحلي، لعمومها لجميع أنواع الذهب والفضة، ومن ادعى خروج الحلي المباح من هذا العموم فعليه الدليل، وقالوا: إن المراد بالكنز في الآية ما لم تؤد زكاته، كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره (٦). وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الحلي المعد للاستعمال ليس فيه

стр. 1836

زكاة، ومنهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو ثابت عن سبعة من الصحابة: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأنس، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وأختها أسماء، وأسماء بنت عميس ﵃ (١)، ولم يثبت لهم مخالف إلا ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قول آخر له، لكن قال الحافظ: إسناده ضعيف جدًا (٢). واختار هذا القول ابن خزيمة (٣)، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وتلميذه ابن القيم (٥)، واختاره من المتأخرين الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦)، والشوكاني (٧)، والشيخ محمد بن إبراهيم (٨)، والشيخ عبد الله بن حميد (٩)، وآخرون. وألف عدد من المعاصرين رسائل نصروا فيها القول بأن الحلي المعد للاستعمال لا زكاة فيه، وهي رسائل مطبوعة. واستدلوا بما يلي: ١ - حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " ليس في الحلي زكاة". أخرجه البيهقي (١٠) والديلمي (١١)، وابن الجوزري (١٢)، من طريق إبراهيم بن أيوب، عن عافية بن أيوب، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، به. وهذا الإسناد لا بأس به، يرتقي إلى درجة الحسن لغيره؛ لأن إبراهيم بن أيوب، وهو الحوراني مختلف فيه، ولعل ما قيل فيه من ثناء محمول على

стр. 1837

عدالته في دينه، وما قيل فيه من تضعيف محمول على ضعف حفظه وضبطه. وعافية بن أيوب، قال فيه أبو زرعة: (لا بأس به). وهو ليس بمجهول، كما قال البيهقي، ولا ثقة، خلافًا لمن توسع في التعبير، وقد أعله البيهقي بالوقف (١)، فقد رواه ابن أبي شيبة موقوفًا على جابر ﵁ بإسناد صحيح على شرط مسلم (٢). وهذا لا يؤثر عند من يستدل به، لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة، ويفتي به مرة أخرى. لكن قد يعل الحديث بتفرد عافية، وأنه يبعد أن يتفرد به أصحاب القرن الخامس فمن بعدهم دون المتقدمين! ٢ - أنه لم يرد في الحلي دليل صحيح بوجوب زكاته، والأصل براءة الذمة من الواجب حتى يثبت دليل ناقل عن ذلك، قال الحافظ ابن رجب: (وفي المسألة أحاديث من الطرفين لا يثبت منها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ … ) (٣) ولا تكفي العمومات في زكاة الذهب والفضة؛ لأنها ليست نصًا في المسألة لما يطرقها من تخصيص. ٣ - أن الزكاة فرضت في الأموال المعدة للنماء دون ما أعد للقنية والانتفاع؛ كمركون الإنسان وأثاب بيته، ونحو ذلك مما هو معد للاستعمال والقنية لا للتجارة والنماء كما تقدم والحلي داخل في ذلك، فإنه لا ينمو بل ينقص. وهذه قاعدة الزكاة فهي لا تجب إلا في الأموال النامية، فما خرج عن ذلك فلا زكاة فيه، وما ذلك إلا ليبقى الأصل وتؤخذ الزكاة من النماء والفضل، وهذا لا ينطبق على حلي المرأة. وأجابوا عن أدلة القائلين بالوجوب بما يلي: أولًا: أما الآية الكريمة، فعنها ثلاثة أجوبة: ١ - لا نسلم أن الآية تدل على وجوب زكاة الحلي؛ لأن منطوقها يفيد

стр. 1838

تحريم اكتناز اذهب والفضة إذا لم تؤد زكاتهما؛ لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] ومفهومها يدل على أن غير المكنوز منهما لا يجب إنفاق شيء منه، وما أعد للبس والاستعمال كالحلي والخاتم ونحوها لا يعد كنزًا؛ لأنه خرج بالاستعمال عن حد الاكتناز. ٢ - أن المراد بالذهب والفضة في الآية: الدراهم والدنانير، وقد نقل ذلك عن ابن مسعود ﵁ (١)، وذلك لأن النقود هي التي تكنز وتنفق، أما الحلي المعتاد المستعمل فلا يعتبر كنزًا، كما أنه ليس معدًا للإنفاق بطبيعته؛ بل هو معد للزينة. ٣ - سلمنا أن الآية دلت بعمومها على زكاة الحلي، لكن دخلها التخصيص بحديث جابر: " ليس في الحلي زكاة"، وعلى فرض أن الحديث فيه مقال فهو مؤيد بعمل الصحابة ﵃، كما دخلها التخصيص بالقياس كما تقدم فإنه من مخصصات العموم، كما في الأصول. ثانيًا: حديث أبي هريرة: " ما من صاحب ذهب ولا فضة … " عنه ثلاثة أجوبة: ١ - أن الحق المطلوب تأديته مجمل، والمجمل لا يعمل به قبل بيانه، ولم يرد في السنة ما يبين نوع الحق الواجب في الحلي، وإنما البيان الوارد فيما يتعلق بالأثمان من الذهب وهي الدنانير، والفضة وهي الورق والرقة والدراهم. وأما الحلي فهو خارج عن ذلك؛ لأن المراد به الزينة والتحلي لا الثمنية. ٢ - أن هذا الحديث جاء فيه ذكر الإبل والبقر والغنم، وهم لا يقولون بعمومه في ذلك وإلا لوجبت الزكاة في كل ما شمله بهيمة الأنعام من قليل أو كثير، سائمة ومعلوفة؛ لإطلاق الحديث وعدم تقييده، وعدم بيان القدر المطلوب، فقد ورد فيه لفظ: " لا يؤدي حقها" في الذهب والإبل … إلخ.

стр. 1839

ثم قال في بيان حق الإبل والبقر والغنم: " إطراق فحلها، وإعارة دلها، ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله"، فهذا يدل على أن الحق أعم من الصدقة المفروضة شرعًا، وهو تقديم نوع من أنواع الانتفاع، والأولى أن يكون معنى الحق واحدًا في الذهب والفضة، وفي الإبل والبقر والغنم، أما التفريق فلا دليل عليه. ولا ريب أن إعارة الحلي فيها نفع كبير للفقراء والمحاويج، بل نفع إعارته قد يفوق نفع دفع جزء منه. ٣ - أن الحديث على فرض شموله لزكاة الحلي فقد دخله التخصيص بما خصت به الآية، كما تقدم. أما الأحاديث الثلاثة، وهي أحاديث البلوغ فقد تكلم العلماء في صحتها بناء على ما تقدم من الكلام في رواتها، فمنهم من ضعفها؛ كالشافعي والترمذي وابن العربي وابن حزم وابن الجوزي وآخرين (١). وقالوا: هذه الأحاديث لا تقوم بها حجة، ولا يصح في هذا الباب شيء. ومنهم من صححها، وعلى ذلك فتكون عدم دلالتها على وجوب زكاة الحلي متجهًا إلى متنها لا إلى سندها، وذلك كما يلي: ١ - أن ما ذكر من المسكتين وهما السواران والفتخات والأوضاح لا يبلغ النصاب ولا يقاربه، فقد تقدم أن النصاب من عيار (٢١) مثلًا (٧٠ × ٢٤= ٨٠ غرامًا)، ولهذا روى أبو داود عن سفيان الثوري في حديث الفتخات، أنه سئل: كيف تزكي المرأة الخاتم وهو لم يبلغ النصاب؟ فقال: تضمه إلى غيره. ٢ - أن هذه الأحاديث فيها إجمال فلم يبين فيها مقدار الزكاة المأمور بأدائها، ولم يذكر فيها اشتراط النصاب ولا حولان الحول؛ بل ظاهر حديث عائشة أن اتخاذها للفتخات كان قريبًا من رؤية النبي ﷺ فلم يحل عليها الحول.

стр. 1840

٣ - في حديث عمرو بن شعيب غرابة ونكارة في قوله: (فألقتهما) ولا يصح أن المال المزكى يدفع بكامله، والنبي ﷺ نهى معاذًا ﵁ عن أخذ كرائم الأموال. والأظهر والله أعلم أن الحلي ليس فيه زكاة مفروضة لأمرين: ١ - أنه قد انعقد الإجماع على أن الشرع قد عفا عن زكاة المنازل السكنية وأثاثها وعبيد الخدمة والبقر والإبل والعوامل، ومثلها سيارات الاستعمال ونحوها، والحلي داخل في ذلك، فيكون ملحقًا بثياب المرأة وأدوات زينتها، وملحق بالأواني التي تستعمل للطبخ والشرب وما أشبه ذلك لو كانت ثمينة، فالحلي متاع شخصي، وليس مالًا مرصدًا للنماء. ٢ - أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًا تنقله الأمة، ولو كانت زكاة الحلي واجبة ما اقتصر الرسول ﷺ على أن يقول ذلك لامرأة يخصها به عند رؤية الحلي عليها دون الناس، بل يكون حكمه حكم بقية الأموال الزكوية التي بينها لأمته، وبعث عماله لقبضها بعد بيان أنصبتها، وقد كان الحلي من فعل الناس في آباد الدهر، ومع ذلك لم يرد له ذكر في كتب الصدقات. وقد أفتى عدد من الأئمة على أن زكاة الحلي عاريته، منهم الإمام أحمد (١)، ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال: (خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لسي في الحلي زكاة، ويقولون: زكاته عاريته) (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1841

زكاة عروض التجارة ٦٢٣/ ٢٥ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع. رواه أبو داود، وإسناده لين. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " العروض إذا كانت للتجارة هل فيها زكاة؟ " (١٥٦٢) من طريق جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (أما بعد؛ فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا … ) الحديث. وهذا سند ضعيف، انفرد به أبو داود عن بقية أصحاب الكتب الستة، وفي إسناده مجاهيل، وهم: جعفر بن سعد بن سمرة، وشيخه خبيب بن سليمان، وشيخ شيخه سليمان بن سمرة، وقد ذكر الذهبي هذا الإسناد، وقال: (وبكل حال هذا إسناد مظلم، لا ينهض بحكم) (١)، وقال الحافظ: (في إسناده جهالة) (٢)، وهو قريب من قوله هنا: (وإسناده لين). على أن ابن حبان ذكر هؤلاء الرواة الثلاثة في " الثقات"، وقد نقل الزيلعي تحسين الحديث عن ابن عبد البر (٣)، وجاء في " سنن الدارقطني" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨) ما يدل على أن هذا الحديث كان مكتوبًا مضبوطًا، ومعنى هذا أن سنده سند نسخة تداولها أهل بيت صاحبها، وهو الصحابي

стр. 1842

سمرة ﵁، ومن هنا رأى بعض الباحثين أنه لا يضر جهالة حالة رواتها؛ لأن الاعتماد حينئذ على النسخة لا على حفظ الصدر (١)، فإن كان هذا وجيهًا وإلا فالمعول على ما تقدم، وللحديث ما يؤيده من إجماع الصحابة ﵁، وما ورد عنهم من آثار، كما سيأتي إن شاء الله. • الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة، وهي كل ما أعد للبيع والشراء يقصد الربح إذا بلغ نصاب أحد النقدين، من أي نوع من أنواع التجارة، سواء في السيارات أو الأطعمة أو الملابس أو الأواني أو المجوهرات أو العقار أو الحيوان أو أسهم الشركات، أو غير ذلك مما يدخل تحت هذا المعنى. والحديث وإن كان ضعيفًا، لكن يؤيده عمومات، كقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿والذين في أمواله حق معلوم﴾ [المعارج: ٢٤]، ومال التجارة أعم الأموال؛ لأنه يشمل كل مال يتجر فيه من حيوان وسيارات وأقمشة وأطعمة، ونحو ذلك، فكانت أولى بالدخول. كما يؤيده قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم … ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقد ذكر عامة أهل التفسير؛ كابن جرير الطبري والجصاص، وابن العربي، وغيرهم أن المراد بهذه الآية: زكاة العروض (٢)، فإنها مما كسبه الإنسان، وأعظم الإنفاق وأوجبه هو الزكاة، وقد بوب البخاري في كتاب " الزكاة"، باب "صدقة الكسب والتجارة" ثم ذكر الآية (٣). وقد ورد عن الصحابة ﵁ آثار تدل على وجوب زكاة العروض، فقد ورد عن عمر وابن عمر وابن عباس ﵁ بأسانيد صحيحة، والظاهر أن مثل

стр. 1843

ذلك لا يقال بالرأي، ثم إنه لم ينقل ما يخالف ذلك عن صحابة آخرين، كما ذكر ابن عبد البر (١)، وهذا أمر مشتهر تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فعدم نقل الإنكار يؤكد إجماعهم. ونقل ابن المنذر الإجماع على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول (٢). ونقله عنه ابن قدامة (٣)، وأقره. وذهبت الظاهرية إلى أن عروض التجارة ليس فيها زكاة (٤)، ووافقهم على ذلك الشوكاني (٥)، وتبعهم على ذلك الألباني (٦). وحجتهم أنه لم يثبت دليل في إيجاب زكاة العروض، والأصل براءة الذمة. والصواب القول الأول؛ لقوة أدلته، وأما القول الثاني فقد ذكر أبو عبيد أنه ليس من مذاهب أهل العلم (٧). قال الخطابي: (وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهرية أنه لا زكاة فيها، وهو مسبوق بالإجماع) (٨). وعلى هذا فلا اعتبار بمخالفة الظاهرية في هذه المسألة، لأنهم سبقوا بالإجماع، وقد قرر أهل العلم أنه لا عبرة بخلافهم المبني على أصولهم التي يخالفون فيها عامة أهل العلم (٩). وخلافهم هنا مبني على استصحاب براءة الذمة مع أنه وجد الدليل الناقل عنها، ثم إن القياس والاعتبار كما يقول ابن رشد يؤيد القول بوجوب زكاة العروض من وجهين: الأول: أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الماشية والحرث والنقدين، بل غالب أموال الناس تجارة، فلو قلنا: ليس فيها زكاة، لسقطت الزكاة في جزء كبير من أموال المسلمين (١٠).

стр. 1844

الثاني: أن العروض المتداولة للاستغلال هي نقود في المعنى، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي أثمانها، فلو لم تجب الزكاة في التجارة لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم الاتجار بنقودهم لئلا تلزمهم الزكاة. وعلى ذلك فتقوم العروض من عقارات، وسيارات، وأدوات كهربائية، وملابس، وأواني منزلية، وأدوات مدرسية، ونحو ذلك، ويكون تقويمها آخر الحول، وتعرف قيمتها ثم يخرج ربع العشر من قيمتها، قياسًا على النقدين، ويكون تقويمها بالأحظ لأهل الزكاة من ذهب أو فضة. وربح التجارة تابع للأصل، فلا يشترط له حولًا جديدًا؛ لأن المسلمين ما زالوا يخرجون زكاة تجارتهم دون أن يحذفوا ربح التجارة؛ ولأن الربح فرع، والفرع تابع للأصل. ومثال ذلك: لو أن شخصًا اشترى أرضًا بمائة ألف، وعرضها للبيع، وقبل تمام الحول صارت تساوي مائة وخمسين، فيزكي عن مائة وخمسين، مع أن الربح ما حال عليه الحول؛ لأنه يتبع الأصل، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1845

زكاة الركاز ٦٢٤/ ٢٦ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " وفي الركاز: الخمس". متفق عليه. ٦٢٥/ ٢٧ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي ﷺ قال في كنز وجده رجل في خربةٍ: " إن وجدته في قربة مسكونة، فعرفه، وإن وجدته في قربة غير مسكونة، ففيه وفي الركاز: الخمس". أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن. • الكلام عليهما من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " في الركاز" (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " العجماء جيار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" وهذا لفظ البخاري. وأما حديث عمرو بن شعيب، فقد أخرجه الشافعي (١/ ٢٣٨ ترتيب مسنده)، والحاكم (٢/ ٥٦)، والبيهقي (٤/ ١٥٤)، والبغوي في "شرح السنة" (٦/ ٥٨) كلهم من طريق سفيان، عن داود بن سابور ويعقوب بن عطاء، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.

стр. 1846

والحديث سنده حسن، قال الحافظ: (رواته ثقات) (١)، وأما غزوه لابن ماجه فهو وهم، من الحافظ، فإن الحديث ليس عند ابن ماجه، ولهذا لم يخرجه المزي في "تحفة الأشراف"، والحافظ في "التلخيص" عزاه الشافعي، ولم يعزه لابن ماجه (٢). • الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الخمس في الركاز، وهو بكسر الراء، من ركزت الشيء: إذا دفنته. وقد اختلف الفقهاء في معناه فالجمهور من الشافعية، والمالكية، والحنابلة أنه المال المدفون في الجاهلية (٣)، وهم من كانوا قبل الإسلام، سواء أكان ذهبًا أم فضة أم غيرهما، وذك بأن توجد عليه علامات الجاهلية؛ كاسم ملك، أو مدة زمنية، ونحو ذلك؛ فإن لم يكن كذلك فإن عرف صاحبه أعلم به، وإلا فهو لقطة يأخذ حكمها، فيجب تعريفه سنة، لقوله: " وإن وجدته في قرية مسكونة فعرفه". وعند الحنفية وآخرين، هو المال المركوز في الأرض، فيعم المعدم (٤)، وعلى هذا فلا فرق عندهم بين الركاز والمعدن كما سيأتي إن شاء الله، لكن قوله: " والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" يقتضي أن الركاز غير المعدن؛ لأن الرسول ﷺ فرق بينهما بالعطف المقتضي للمغايرة. فالركاز فيه الخمس في الحال في قليله وكثيره، سواء أكان واجده مسلمًا أم ذميًا، صغيرًا أم كبيرًا، عاقلًا أم مجنونًا؛ لأن الحديث الذي أوجب الخمس فيه لم يفرق بين واجد وواجد، ولا يشترط له النصاب، ولا يعتبر له حول، لعدم الكلفة فيه، وقد جرت عادة الشرع أن ما عظمت كلفته خفف عنه في قدر الزكاة، وما خفت زيد فيه؛ لقوله: " وفي الركاز الخمس" وباقيه ملك لواجده.

стр. 1847

والظاهر أن مصرفه مصرف الفيء، مرجعه إلى رأي إمام المسلمين يضعه حيثما تقتضيه مصلحة الدولة، وهو اختيار أبي عبيد (١)، وقيل: مصرفه مصرف الزكاة (٢)، وعلى أي حال فالركاز أمر نادر الوقوع، فنكتفي بما ذكرنا، والله أعلم. * * *

стр. 1848

زكاة المعادن ٦٢٦/ ٢٨ - عن بلال بن الحارث ﵁ أن رسول الله ﷺ : أخذ من المعادن القبلية الصدقة. رواه أبو داود. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني المدني، وفد على النبي ﷺ في وفد زينة سنة خمس، وسكن بالأشعر وراء المدينة وهو عبارة عن سلسلة جبلية مجاورة لينبع النخل من غريبه (١)، ثم تحول إلى البصرة. وكان أحد من يحمل لواء مزينة يوم الفتح، روى عنه ابنه الحارث، وعلقمة بن وقاص، وعمرو بن عوف، مات سنة ستين، وله ثمانون سنة، ﵁ (٢). • الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مالك في " الموطأ" (١/ ٢٤٨)، ومن طريقه أبو داود في كتاب "الخراج والإمارة والفيء"، باب "في إقطاع الأرض" (٣٠٦١) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد، أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. وهذا خير مرسل؛ لأن قوله: (عن غير واحد) لفظ عام يحتمل أن الذين حدثوه صحابة، ويحتمل أنهم غير صحابة. وقد ورد عند البغوي: (عن غير

стр. 1849

واحد من علمائهم … ) (١)، فهذا يدل على أنهم ليسوا بصحابة. قال ابن عبد البر: (هكذا هو في الموطأ عند جميع الرواة مرسلًا، ولم يختف فيه عن مالك) (٢). ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: (ليس هذا مما يثبت أهل الحديث، ولو أثبتوه لم تكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا إقطاعه، فأما الزكاة في المعادن دون الخمس، فليست مروية عن النبي ﷺ فيه) (٣). وقال ابن حجر: (وفي الموطأ منقطعًا … ) (٤) ثم ذكره. والحديث جاء موصولًا، كما ذكر ابن عبد البر، والبيهقي، لكنه ضعيف جدًا. • الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (اقطع بلال بن الحارث) أي: جعل له غلتها، يقال: قطع السلطان لفلان كذا، وأقطعه كذا، فتكون الهمزة معاقبة للام، والأشهر: قطعه. قوله: (معادن) جمع معدن، بفتح الميم وكسر الدال، وهو لغة: المكان والموضع الذي تستخرج منه جواهر الأرض، مأخوذ من الإقامة، من عدن بالمكان: أقام به، ثم اشتهر إطلاقه على نفس الأجزاء المستقرة في الأرض. وعند الفقهاء: كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة. وهذا تعريف الحنابلة (٥)، وهو تعريف جيد، وبه يتبين الفرق بين الركاز وبين المعدن، فإن الركاز: ما كان بفعل آدمي، من ركزت الشيء إذا دفنته. والمعدن: نبات أنبته الله في الأرض وليس بوضع آدمي، وهذا التفريق هو رأي الجمهور. أما لحنفية ومن وافقهم فيرون أن المعدن ركاز، كما تقدم، ولذا يرون فيه الخمس.

стр. 1850

والمعدن قد يكون صلبًا يذوب بالإذابة وينطبع بالنار (١)؛ كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس، ونحو ذلك، وقد يكون صلبًا لا يذوب؛ كالياقوت والكحل، ونحو ذلك، وقد يكون مائعًا، كالنفط والغاز (٢). قوله: (القبلية) بفتح القاف والباء، مثل عربية؛ كأنه نسبة إلى القبل محركة وهو النشز من الأرض يستقبلك، موضع بناحية ساحل البحر الأحمر من منطقة الفرع في بلاد مزينة (٣). والفرع: بضم أوله وسكون ثانيه، وآخره عين مهملة، وقيل: بضم أوله وثانيه، اسم قرية ذات نخيل ومياه، بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة (٤)، ولا يزال معروفًا حتى اليوم على الطريق السريع بين مكة والمدينة. • الوجه الرابع: استدل بالحديث من قال بوجوب الزكاة في المعادن المستخرجة من الأرض، والحديث تقدم ضعفه، لكن يدل على وجوب زكاة المعدن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال القرطبي: (يعني: النبات، والمعادن، والركاز) (٥)، وقد نقل النووي الإجماع على وجوب الزكاة في المعادن (٦). فتجب الزكاة في كل أنواع المعادن المتقدمة، وهي كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة؛ لعموم الآية؛ ولأن هذا يتمشى مع أحكام الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، وقد حصل في هذا العصر من الثروات المعدنية التي يقوم عليها اقتصاد العالم الشيء الكثير الذي لم يكن معروفًا من قبل، ولا سيما المعادن السائلة؛ كالنفط (البترول) والغاز، وهذا مذهب الإمام أحمد، كما تقدم في تعريف المعدن، وعند مالك والشافعي

стр. 1851

والظاهرية لا يجب في شيء من المعدن زكاة غير الذهب والفضة (١)، وعند أبي حنيفة تجب الزكاة في المعادن التي تذوب وتنطبع بالنار؛ كالذهب والفضة والحديد والرصاص، ولا تجب في السائلة، ولا في الصلبة التي لا تنطبع بالنار كالياقون والكحل (٢). وقول الحنابلة أقوى؛ فإنه مؤيد بالمعنى اللغوي كما تقدم، كما أنه مؤبد بالاعتبار الصحيح؛ إذ لا فرق بين ما ينطبع وما لا ينطبع، فكلها أموال ذات قيمة، ولو عاش أئمتنا ﵏ حتى أدركوا هذه الثروات المعدنية العظيمة، لصار لها موقف آخر مغعاير لاجتهادهم الأول. والراجح اعتبار النصاب في المعدن، وذلك بأن يبلغ الخارج ما قيمته نصاب النقود، لكن لا يشترط في نصاب المعدن أن يخرج دفعة واحدة؛ بل ما نيل بدفعات يضم بعضه إلى بعض في الجملة؛ لأن المعدن لا ينال إلا هكذا غالبًا، ويبعد استخراج النصاب دفعه واحدة، والواجب فيه ربع العشر قياسًا على الواجب في النقدين؛ ولأن في إخراجه كلفة ومؤنة، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1852

باب صدقة الفطر المراد بصدقة الفطر: الصدقة التي يخرجها المسلم عن نفسه أو عن غيره في نهاية شهر رمضان، وقد وردت تسميتها بصدقة الفطر في حديث ابن عمر ﵁ كما في بعض رواياته. وقد أضيفت إلى الفطر، من باب إضافة الشيء إلى وقته؛ لأنه وقت وجوبها، كما يقال: صلاة الفجر وصلاة المغرب، وليست الإضافة بسبب الفطر كما قيل لأن سبب الوجوب كأنها عبادة لله، وطهرة للصائم، وطعمة للمساكين، كما سيأتي في آخر أحاديث الباب. وتسمى زكاة الفطر، كما في حديث ابن عمر الآتي، وتسمى زكاة رمضان، كما في حديث أبي هريرة ﵁: " وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان … " الحديث (١). ويطلق عليها عموم الناس كلمة (الفطرة) بكسر الفاء ويرى النووي أنها كلمة اصطلاحية للفقهاء؛ وكأنها مأخوذة من الفطرة التي هي الخلقة؛ أي: زكاة البدن (٢)، فليست الكلمة مما تحلن به العامة، كما قال بعضهم. ويذكرها المحدثون والفقهاء في كتاب " الزكاة" دون كتاب " الصيام" مع ارتباطها به؛ لأنها من الوظائف المالية، لكنها تختلف عن بقية الزكوات؛ لأنها متعلقة بالأشخاص، وتلك متعلقة بالأموال، ولهذا لا يشترط لها ما يشترط للزكوات الأخرى من النصاب والحول، ونحو ذلك.

стр. 1853

وقد فرضت صدقة الفطر مع فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة (١)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1854

حكم زكاة الفطر ومقدارها ونوعها ٦٢٧/ ١ - عن ابن عمر ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير: على العبد والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. متفق عليه. ٦٢٨/ ٢ - ولابن عدي من وجه آخر، والدارقطني بإسناد ضعيف: " أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم". ٦٢٩/ ٣ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب. متفق عليه. وفي وراية: أو صاعًا من أقط. قال أبو سعيد: " أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله ﷺ . ولأبي داود: لا أخرج أبدًا إلا صاعًا. • الكلام عليها من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث ابن عمر ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " فرض صدقة الفطر" (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤) من طريق نافع، عن ابن عمر، به مرفوعًا، وهذا لفظ البخاري.

стр. 1855

وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه ابن عدي في " الكامل" (٧/ ٥٥) والدارقطني (٢/ ١٥٢)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" ص (١٣١)، من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن تخرج صدقة الفطر … وساق الحديث إلى أن قال: وكان رسول الله ﷺ يقسمها قبل أن ينصرف من المصلى، ويقول: "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم". وهذا سند ضعيف كما قال الحافظ، ولعل المراد ضعف هذه الزيادة فيه، وإلا فالحديث أصله صحيح كما تقدم، نبه على ذلك ابن عدي، والحديث فيه أبو معشر، وهو نجيح السندي المدني، ضعفه غير واحد، قال الأثرم عن أحمد: (حديثه عندي مضطرب، لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به)، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال ابن معين: (كان أميًا ليس بشيء) (١)، وهذه الزيادة معناها صحيح، كما سيأتي إن شاء الله. وأما حديث أبي سعيد ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، في مواضع منها باب " صاع من زبيب" (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥) من طريق زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، أنه سمع أبا سعيد ﵁ يقول: … وذكر الحديث، وهذا لفظ البخاري. وأخرجه البخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥) من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، به، وفيه: (أو صاعًا من أقط)، وقول أبي سعيد: (أما أنا … ) إلخ هو عند مسلم، من طريق داود بن قيس، عن عياض، به، ولفظه: (قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عشت)، وله من طريق ابن عجلان، عن عياض: (لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ … ). وعند أبي داود (١٦١٨) من طريق ابن عجلان سمع عياض قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: (لا أخرد أبدًا إلا صاعًا … ) الحديث.

стр. 1856

الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (فرض) أي: أوجب إيجابًا مؤكدًا؛ لأن الفرض في اللغة معناه: القطع والحز والتقدير. قوله: (صاعًا من تمر) بدل أو عطف بيان من (زكاة الفطر)، والصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمد: يزن خمسمائة وستين جرامًا من البر الجيد، فيكون الصاع كيلوين وربع الكيلو، وتقدم ذكر ذلك. قوله: (أن تؤدى) أي: أن توصل إلى مستحقيها قبل خروج الناس إلى صلاة العيد. قوله: (كنا نعطيها) أي: نعطي زكاة الفطر الفقرء. قوله: (صاعًا من طعام) أي: مما يطعمه الناس، وهو مجمل يفسره ما بعده. قوله: (من زبيب) هو العنب الجاف بمنزلة التمر في ثمر النخل. قوله: (اقط) بفتح الهمزة وكسف القاف أو سكونها: لبن الغنم المطبوخ المجفف. قوله: (لا أخرج أبدًا إلا صاعًا) أي: إن أبا سعيد التزم ألا يخرج إلا صاعًا، سواء أكان من بر أم من غيره، وغرضه بذلك بيان أنه لا يوافق معاوية على ما رآه من إجزاء نصف صاع من قمح، كما ورد في الصحيحين من حديث أبي سعيد وفيه: (فلما جاء معاوية وجاءت السمراء، قال: أرى مدًا من هذه يعدل مدين … )، والمعنى: أنه لما جاء معاوية إلى المدينة حاجًا أو معتمرًا أثناء خلافته، وكثرت السمراء، وهي حنظة تأتي من الشام لونها أسمر رأى معاوية أن مدًا من هذه الحنطة يعادل مدين من غيرها؛ لكوها نفيسة عند الناس، فيكون نصف الساع منها مجزئًا في الفطرة، لكن أبا سعيد ﵁ أنكر هذا … والتزم بالاستمرار على إخراج صاع من أي طعام كان، كما كان يخرجه على عهد رسول الله ﷺ . * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن زكاة الفطر فرض على كل

стр. 1857

مسلم، ذكرًا كان أم أنثى، حرًا أو عبدًا، صغيرًا أو كبيرًا، وهذا أمر مجمع عليه، كما نقله ابن المنذر (١). • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مقدار زكاة الفطر صاع من طعام، سواء كان تمرًا أو شعيرًا، أو زبيبًا، أو أقطًا. ويجزئ كل طعام يقتاته الناس كالأرز، وإنما خصت الأصناف الأربعة بالذكر؛ لأنها كانت طعام الناس في عهد النبي صلى الله عله وسلم، لما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا من الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر) (٢). • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن إخراج غير الطعام من الدراهم وغيرها لا يجزئ في الفطرة، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ من الأصناف المذكورة أو من الطعام عمومًا؛ ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة ﵃؛ ولأن ذلك يخرج زكاة الفطر عن كونها شعرية من شعائر الإسلام الظاهرة إلى كونها شعيرة خفية؛ ولأن الرسول ﷺ ذكر أشياء مختلفة القيمة، فدل على أن المراد بها الأعيان لا ثمنها (٣). وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري (٤)؛ لعموم: " أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، والإغناء يتحقق بالقيمة كما يتحقق بالطعام. • الوجه السادس: الحديث دليل على وجوب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد؛ لقوله: " وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة"، والأفضل أن تكون في صباح يوم العيد؛ لأن المقصود الأعظم منها استغناء

стр. 1858

الفقراء بها عن السؤال يوم العيد، ومشاركة الأغنياء في الفرح بهذا اليوم. ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين، لحديث ابن عمر ﵁ المتقدم، وفيه: (وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1859

بيان الحكمة من زكاة الفطر ووقت إخراجها ٦٣٠/ ٤ - عن ابن عباس ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر؛ طهرة للصائم من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم. • الكلام عله من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب "زكاة الفطر" (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩) من طريق، مروان بن محمد، ثنا أبو يزيد الخولاني، وكان شيخ صدق (١)، وكان ابن وهب يروي عنه، ثنا سيار بن عبد الرحمن، قال محمود: الصدفي (٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، به مرفوعًا، ورواه ابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩) من طريق مروان بن محمد، به. وهذا سند حسن، كما قال ابن قدامة (٣)، والنووي (٤)،

стр. 1860

وابن الملقن (١)، ورجاله لا بأس بهم، قال الدارقطني: (ليس فيهم مجروح) (٢). وأما قول الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه) ففيه نظر؛ لأن أبا يزيد الخولاني وسيار بن عبد الرحمن لم يخرج لهما الشيخان. • الوجه الثاني: الحديث دليل على الحكمة من مشروعية زكاة الفطر، وهما حكمتان عظيمتان: الأولى: تتعلق بالصائم، وهي تطهيره من اللغو، وهو كل ما لا فائدة فيه من القول أو الفعل تعود على الشخص في الدين أو الدنيا، مكروهًا كان أو مباحًا؛ كالهزل واللعب والمبالغة في الشهوات، وغير ذلك. وتطهيره من الرفث: وهو الفحش في القول، وهو المراد هنا، ويطلق على الجماع أيضًا. وكانت زكاة الفطر طهرة للصائم مما ذكره؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. الثانية: تتعلق بالمجتمع، وهي قوله: " طعمة للمساكين" وطعمة بضم الطاء وسكون العين: وهو الطعام الذي يؤكل. وفي هذا إشاعة المحبة والفرح بين أفراد المجتمع، ولا سيما المساكين وأهل الحاجة. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن وقت إخراج زكاة الفطر هو ما قبل صلاة العيد، فمن أخرجها فهي زكاة مقبولة يثاب عليها ثوابًا كاملًا؛ لأنه امتثل أمر النبي ﷺ ، كما تقدم في قوله: "وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". وأما من أداها بعد الصلاة فليست بزكاة فطر؛ وإنما هي صدقة من سائر الصدقات، والله تعالى أعلم. * * *
следующие страницы →