إدخال المرفقين في الوضوء
٤٨/ ١٧ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه الدارقطني في «سننه» (١/ ٨٣ رقم ١٥) من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، عن جده، عن جابر ﵁، به.
وإسناده ضعيف جداً، وقد ذكره الحافظ ليُعلم حاله وأنه ضعيف، لكنه لم يذكر ما يقوم مقامه، وضَعْفُهُ من أجل القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، فقد نقل الذهبي عن ابن معين قوله: (ليس بشيء) (١)، وقال أبو حاتم: (متروك الحديث)، وقال الإمام أحمد: (ليس بشيء)، وقال أبو زرعة: (أحاديثه منكرة، وهو ضعيف الحديث) (٢)، وعبد الله بن عقيل تقدم الكلام فيه.
والمتروك: من يُتهم بالكذب، ومن يُكثر الغلط، لكن حاله أحسن من حال الوضاع بقليل، فإذا قيل: أطبقوا على تركه، فهذا أشد، بخلاف: تركه فلان.
الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب غسل المرفقين في الوضوء؛ لأن النبي ﷺ كان يدير الماء على مرفقيه، وهذا الحكم دل عليه الحديث، وعليه فمتنه صحيح، لكن إسناده ضعيف، ويغني عنه ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁: أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى
стр. 212
حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد .. الحديث، وفي اخره قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ .. الحديث (١).
فهذا نص صحيح في دخول المرفقين في غسل اليدين ودخول الكعبين في غسل الرجلين، ويكون دليلاً على دخول الغاية، وتكون (إلى) في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بمعنى (مع)؛ لأن السنة تفسر القران وتبينه، وقد مضى بيان ذلك في حديث عثمان ﵁، ثاني أحاديث باب «الوضوء»، والله أعلم.
стр. 213
حكم التسمية في الوضوء
٤٩/ ١٨ - عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا وُضوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
٥٠/ ١٩ - وَلِلترْمِذِيِّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
٥١/ ٢٠ - وَأَبِي سَعْيدٍ نَحْوُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، كان من السابقين إلى الإسلام، وزوجته فاطمة بنت الخطاب، أخت عمر بن الخطاب، وفي بيته كان إسلام عمر ﵁، شهد المشاهد كلها إلا غزوة بدر؛ لأنه كان غائباً في الشام، وشهد اليرموك وفتح دمشق، وكان من فضلاء الصحابة ﵃، ذكر الذهبي أن لسعيد ثمانية وأربعين حديثاً اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثالث (١) وقصته مع أروى بنت أنيس مشهورة في إجابة دعائه عليها، وهي في «الصحيحين» (٢)،
стр. 214
وسيأتي ذكرها - إن شاء الله - في باب «الغصب» من كتاب «البيوع» مات سنة خمسين ﵁ (١).
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٢٤٣)، وأبو داود (١٠١) في كتاب «الطهارة» باب «التسمية على الوضوء»، وابن ماجه (٣٩٩) من طريق يعقوب بن سلمة الليثي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، ولفظه: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهذا إسناد ضعيف، لأمرين:
الأول: جهالة يعقوب بن سلمة الليثي ووالده، وقد ذكر الحافظ أن يعقوب بن سلمة شيخ قليل الحديث، ما روى عنه من الثقات سوى محمد بن موسى بن أبي عبد الله الفطري، وأن أباه مجهول ما روى عنه سوى ابنه (٢)، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (ربما أخطأ) (٣)، وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جداً، كما تقدم.
الثاني: أن في اتصاله نظراً، فقد قال البخاري: (لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه) (٤). اهـ.
وقد وهم الحاكم فقال: (صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة: دينار) (٥) ووجه الوهم ظَنُّ الحاكم أن يعقوب هو ابن أبي سلمة الماجشون، وليس كذلك، بل هو الليثي، كما تقدم، بإسقاط كلمة (أبي)، قال الذهبي متعقباً الحاكم: (صوابه الليثي .. وإسناده فيه لين (٦)).
стр. 215
وقد ورد للحديث طرق أخرى، وكلها ضعيفة، وله شواهد ذكر منها الحافظ اثنين، وهي: حديث سعيد بن زيد، وحديث أبي سعيد.
أما حديث سعيد بن زيد فقد أخرجه الترمذي (٢٥) من طريق أبي ثِفَال المُرِّي، عن رباح بن عبد الرحمن، عن جدته، عن أبيها سعيد بن زيد مرفوعاً: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهذا إسناد ضعيف، فأبو ثِفال - واسمه: ثمامة بن وائل بن حصين - روى عنه جماعة، لكن قال البخاري: (في حديثه نظر)، قال الحافظ: (وهذه عادته فيمن يضعفه) (١)، وقال ابن حبان عن حديثه هذا: (ولكن في القلب من هذا الحديث؛ لأنه قد اختلف على أبي ثفال فيه … ) (٢)، وذكره الذهبي فقال: (ما هو بقوي، ولا إسناده يمضي) (٣)، وقال الحافظ في «التقريب» عن أبي ثفال: (مقبول).
وأما رباح بن عبد الرحمن فقد قال عنه أبو حاتم وأبو زرعة: (إنه مجهول) (٤)، أما ابن حبان فقد ذكره في «الثقات» (٥).
وأما جدة رباح - واسمها أسماء بنت سعيد بن زيد، كما جاء في رواية الحاكم (٤/ ٦٠)، وكذا عند البيهقي (١/ ٤٣) - فقد ذُكرت في الصحابة، وقد ترجم لها الحافظ في «الإصابة» في القسم الأول منه (٦)، وقال في «التقريب»: (يقال: «إن لها صحبة»)، وقال في «التلخيص»: (وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يُسأل عن حاله) (٧). وذكرها الذهبي في عداد النسوة المجهولات (٨).
وقد نقل الترمذي عن البخاري قوله: (أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن) (٩).
وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁، فقد أخرجه ابن ماجه (٣٩٧)، وأحمد (١٧/ ٤٦٥)، والترمذي في «العلل الكبير» (١/ ١١٢) وغيرهم من طريق
стр. 216
كثير بن زيد، ثنا رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، وهذا سند صالح.
فإن كثير بن زيد وثقه ابن حبان (١) وابن عمار الموصلي، وقال أحمد وابن معين وابن عدي: (لا بأس به)، وقال أبو زرعة: (صدوق فيه لين)، وقال أبو حاتم: (صالح، ليس بالقوي، يكتب حديثه)، وضعفه النسائي وابن معين في رواية، والطبري (٢).
ويستفاد من هذه الأقوال أن كثير بن زيد: هو إلى القوة أقرب منه إلى الضعف؛ لأن القاعدة في الرواة المختلف فيهم هو اعتبار الجرح والتعديل في الراوي، فحيث يستويان فحديثه يكون حسناً في الشواهد، وإن غلب جانب الجارحين ضُعِّفَ، وإن غلب جانب المعدلين مع عدم تفسير الجرح كان أقرب إلى القوة، وهذا هو حال كثير بن زيد.
أما ربيح بن عبد الرحمن فوثقه ابن حبان (٣)، وقال ابن عدي: (أرجو أنه لا بأس به) (٤)، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: (شيخ) (٥)، قال ابن أبي حاتم: (إذا قيل في الراوي: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يُكتب حديث ويُنظر فيه) (٦). اهـ.
وقال الإمام أحمد: (ربيح رجل ليس بالمعروف) نقله ابن عدي (٧)، وهذا كما قال ابن الملقن وغيره ليس بقادح (٨)، فقد عرفه غيره، وروى عنه جماعة كثيرة، ومن عرف حجة على من لم يعرف.
ونقل الترمذي أن البخاري قال فيه: (منكر الحديث) (٩). وقال الحافظ في «التقريب» (مقبول) يعني عند المتابعة، وإلا فليِّن الحديث كما نص عليه في مقدمته.
стр. 217
وقد نقل ابن عدي عن أحمد بن حفص قال: (سئل أحمد بن حنبل - يعني وهو حاضر - عن التسمية في الوضوء: فقال: (لا أعلم فيه حديثاً يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وربيح رجل ليس بالمعروف) (١)، وقد تعقب الحافظ ابن حجر الإمام أحمد فقال: (قلت: لا يلزم من نفي العلم نفي الثبوت، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت، ثبوت الضعف، لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم بالحسن، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع) (٢).
ونقل العقيلي عن أبي بكر الأثرم - وهو أحمد بن محمد بن هانئ - أنه قال: (قلت لأبي عبد الله بن حنبل: التسمية في الوضوء؟ فقال: (أحسن شيء فيه حديث ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري) (٣).
وهذا لا يعارض ما تقدم، فقد قال النووي: (لا يلزم من هذه العبارة أن يكون الحديث صحيحاً، فإنهم يقولون: هذا أصح ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفاً، ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفاً .. ) (٤).
وقال إسحاق بن راهويه: (هو أصح ما في الباب) نقله عنه ابن كثير (٥).
وقد ورد في الباب أحاديث أخرى لا تخلو أسانيدها من مقال، إلا أن بعضها يقوي بعضاً، قال المنذري: (ولا شك أن الأحاديث التي وردت في التسمية وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة، والله أعلم) (٦). اهـ.
وقال الحافظ: (والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة، تدل على أن له أصلاً) (٧).
стр. 218
وقال ابن كثير: (وقد روي من طرق أُخر، يشد بعضها بعضاً، فهو حديث حسن أو صحيح) (١)، وقد صرح في «تفسيره» بأنه حديث حسن (٢)، وقال ابن القيم: (أحاديث التسمية عند الوضوء أحاديث حسان) (٣).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا صلاة لمن لا وضوء له) لا: لنفي الجنس، وصلاة: اسمها وخبرها الجار والمجرور المتعلق بمحذوف، والتقدير: لا صلاة صحيحة لمن لا وضوء له؛ لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة بإجماع المسلمين.
قوله: (ولا وضوء) لا: نافية للجنس، ووضوء: اسمها، وخبرها الجار والمجرور المتعلق بمحذوف، وتقديره: لا وضوء صحيح أو كامل، وإنما كان لنفي الكمال أو نفي الصحة؛ لأن نفي الذات متعذر، فإن من توضأ ولم يذكر اسم الله يصح أنه توضأ بالفعل؛ لأن أفعال الوضوء قد وجدت.
فعند الحنفية أن هذا النص وما ماثله يعتبر من قبيل المجمل الذي لم تتضح دلالته، لتردده بين الاحتمالين المذكورين، نفي الصحة أو نفي الكمال.
وقال الجمهور من أهل العلم: إن النفي إذا كان مسلطاً على الحقائق الشرعية؛ - لأن اللفظ جاء على لسان الشرع - فلا يعتبر مجملاً، بل يحمل على مراده؛ لأن الأصل إعمال الدليل الشرعي، والشرع ما خاطب بهذه الألفاظ إلا وهو يريد أن يرتب عليها أحكاماً.
والأصل أن النفي في نصوص الشرع مراد به نفي الصحة؛ لأنه مقدم على نفي الكمال، إلا إن وجد دليل يدل على أن المراد نفي الكمال عمل به، كما هنا؛ لأنه إن حمل على نفي الصحة عارض الأحاديث الصحيحة، كما سيأتي إن شاء الله، وإن حمل على نفي الكمال وافق الأحاديث الصحيحة، فيحمل على ذلك لتتوافق النصوص الشرعية ولا تتعارض.
قوله: (اسم الله): أي: إن التسمية على الوضوء أن يقول: بسم الله، لا
стр. 219
يقوم غيرها مقامها، وموضعها بعد النية قبل أفعال الطهارة كلها، والمطلوب الاقتصار على (باسم الله) وأما زيادة (الرحمن الرحيم) فقد قال بها جماعة من الفقهاء، والظاهر أنه استحسان، وليس عليه دليل، فالاقتصار على الوارد عن رسول الله ﷺ أولى وأفضل.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث وجوب التسمية في الوضوء بناء على أن الأصل في النفي الصحة لكونه أقرب إلى نفي الذات وأكثر لزوماً للحقيقة؛ أي: لا وضوء صحيح لمن لم يذكر اسم الله عليه.
وهذا قول الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه، وهو قول إسحاق (١)، على خلاف بينهم، هل تسقط بالنسيان أو لا؟
والقول الثاني: أن التسمية سنة، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد، اختارها الخرقي، وأبو محمد ابن قدامة (١)، وجماعة من الحنابلة وذكروا أن هذا هو المذهب الذي استقر عليه قول أحمد، ورجحه ابن المنذر (٢)، وأبو عبيد، وابن حزم (٣)، وابن كثير (٤)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٦)، واستدلوا بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ … ﴾ الآية، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالغسل، ولم يأمر بالتسمية، ولو كانت واجبة لأمر الله بها، كما أمر بها في الصيد في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: على الجارح، وفي الذكاة في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: ٣٦].
وقد قال أبو زرعة الدمشقي: (قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فما وجه قوله: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»؟! قال: فيه أحاديث ليست
стр. 220
بذاك، وقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فلا أُوجبُ عليه، وهذا التنزيل، ولم تثبت سنة) (١).
٢ - ما ورد في حديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته، وفيه: «فتوضأ كما أمرك الله جل وعز» (٢).
ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ أحاله في كيفية الوضوء على الآية الكريمة، وليس فيها ذكر التسمية.
٣ - أن الصحابة ﵃ وصفوا وضوء النبي ﷺ وصفاً كاملاً - كما تقدم في أحاديثهم - ولم يذكر أحد منهم أنه سَمَّى في أول وضوئه، ولو كانت التسمية واجبة لم يتركها ﷺ .
وهذا القول هو الراجح، إن شاء الله، وهو أن التسمية سنة، تنبغي عند الوضوء وتتأكد، ولا ينبغي تعمد تركها، فإن تركها صح وضوؤه، وقد أفتى بذلك إمام السنة أحمد بن حنبل، قال أبو داود: (قلت لأحمد: التسمية في الوضوء؟ قال: (أرجو ألا يكون عليه شيء، ولا يعجبني أن يتركه خطأ ولا عمداً، وليس فيه إسناد) (٣) ـ يعني الحديث ـ.
وأما الأدلة فلا تنهض على الوجوب؛ لأن غاية ما تصل إليه أنها من قبيل الحسن لغيره، لتعاضدها واجتماعها، وقد عورضت بما هو أصح منها مما اتفق عليه الشيخان من وصف وضوء النبي ﷺ ، إضافة إلى دلالة الآية، والقاعدة أنه إذا تعارض الحسن والصحيح قدم الصحيح، وهذا من فوائد تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن، وهذا الجواب عن الحديث من جهة الإسناد.
أما من جهة المتن فإن قوله: (لا وضوء) محمول على نفي الكمال، لا نفي الصحة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
стр. 221
كيفية المضمضة والاستنشاق
٥٢/ ٢١ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه قَال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بَينَ المضْمَضَةِ وَالاستِنْشَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
٥٣/ ٢٢ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ في صِفَةِ الْوُضُوءِ ـ: ثمَّ تَمضْمَضَ ﷺ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثاً، يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ مِنَ الْكَفِّ الذِي يَأْخُذُ مِنْهُ المَاءَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
٥٤/ ٢٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ في صِفَةِ الْوضُوءِ ـ: ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدةٍ، يَفْعَلُ ذلِكَ ثَلَاثاً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، طلحة بن مُصَرِّف بن كعب اليامي الهمداني الكوفي، أحد الأعلام الأثبات من التابعين، وكان يقال له: سيد القراء، وهو ثقة من رجال الشيخين (١)، قال في التقريب: (ثقة قارئ فاضل).
وأبوه مصرف بن عمرو بن كعب، وبه جزم ابن القطان، ويقال: إنه ابن كعب بن عمرو الكوفي، روى عن أبيه، عن النبي ﷺ في مسح الرأس عند
стр. 222
أبي داود (١)، وعنه ابنه طلحة، وجده: أي جد طلحة، وهو عمرو بن كعب، أو كعب بن عمرو، وقد اختلف في صحبته، وأكثر المحدثين على أن له صحبة، قال ابن عبد البر: (له صحبة، ومنهم من ينكرها، ولا وجه لإنكار من أنكرها)، ثم ساق حديثه عند أبي داود (١٣٢) في مسح النبي ﷺ رأسه حتى بلغ القَذَالَ، وهو أول القفا، ثم قال: (وقد اختلف فيه، وهذا أصح ما قيل فيه). اهـ (٢).
والأكثرون من أهل العلم على أن والد طلحة، وهو مصرف مجهول، قاله ابن القطان، كما نقله عنه الحافظ ابن حجر (٣)، وذكر ذلك في «التقريب»، ويؤيد ذلك أن أبا داود قال: (سمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره، ويقول: أيشٍ (٤) هذا طلحة عن أبيه عن جده) (٥). ومعناه: أن هذا الإسناد ليس بشيء؛ لأنه يرويه طلحة عن أبيه عن جده، وهما لا يعرفان، وكذا حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني، ونقل ابن أبي حاتم عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: (سألت أبي قلت: طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده له صحبة؟ وما اسم جده؟ قال: لا أدري، وقد بلغنا عن سفيان بن عيينة أنه أنكر أن يكون له صحبة) (٦).
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث طلحة فقد أخرجه أبو داود (١٣٩) من طريق معتمر بن سليمان، قال: سمعت ليثاً يذكر عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: «دخلت
стр. 223
ـ يعني على النبي ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق»، وسكت عنه أبو داود، وهذا إسناد ضعيف لعلتين:
الأولى: لأنه من رواية ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف عند الجمهور، بل نقل النووي اتفاق العلماء على ضعفه (١)، قال ابن الملقن: (وفيه وقفة) (٢)، ضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال أبو داود: سألت يحيى عن ليث، فقال: (لا بأس به)، وذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً (٣)، وقال أحمد: (مضطرب الحديث، ولكن حدث الناس عنه)، ذكر ذلك الذهبي (٤) والحافظ ابن حجر (٥)، وقال ابن حبان: (كان من العباد، ولكن اختلط في اخر عمره، حتى كان لا يدري ما يحدث به، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات ما ليس من حديثهم، كل ذلك كان منه في اختلاطه .. ) (٦)، وقال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به، وهو مضطرب الحديث) (٧)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق اختلط جداً ولم يتميز حديثه فترك)، وهذه خلاصة ما قيل فيه، وأن روايته مردودة بسبب اختلاطه، ولم يُمَيَّزْ حديثه بحيث يعرف من روى عنه قبل اختلاطه فتقبل روايته، ومن روى عنه بعد الاختلاط فترد روايته.
والعلة الثانية: الاختلاف في طلحة وأبيه وجده، فقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن هذا الحديث فلم يثبته، وقال: (طلحة هذا يقال: إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: هو طلحة بن مصرف، ولو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه)) (٨).
وفي «المراسيل» له قال: سئل أبو زرعة عن طلحة هذا، فقال: (لا
стр. 224
أعرف أحداً سَمَّى والد طلحة، إلا أن بعضهم يقول: ابن مصرف) (١).
ووالد طلحة مجهول عند أهل العلم، كما تقدم عن ابن عيينة، وحكى ابن حجر عن ابن القطان أنه قال: (علة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو والد طلحة (٢)) وجَدُّ مصرف مختلف في اسمه - كما تقدم - ومختلف في صحبته، وقد مضى ذكر ذلك.
وخلاصة ذلك أن هذا الإسناد مختلف فيه، والأكثرون على عدم إثباته، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.
وأما الحديث الثاني وهو حديث علي ﵁ فقد أخرجه أبو داود (١١١) بطوله، وأخرجه النسائي (١/ ٦٨)، وقد مضى تخريجه، وهو الحديث الثالث من أحاديث الوضوء، وقد ساق الحافظ في الموضعين موضع الاستدلال الذي يريده.
وأما الحديث الثالث وهو حديث عبد الله بن زيد فقد أخرجه البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥) وقد مضى تخريجه، وهو الحديث الرابع من أحاديث الوضوء، واللفظ المذكور أخرجاه من طريق خالد بن عبد الله الطحان، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، وقد بوّب عليه البخاري بقوله: (بابُ مَنْ مضمض واستنشق من غرفة واحدة) (برقم ١٩١).
الوجه الثالث: في هذه الأحاديث الثلاثة جاءت كيفية المضمضة والاستنشاق على ثلاث صفات:
الأولى: الفصل بين المضمضة والاستنشاق، وذلك بأن يأخذ لكل منهما ماء على حدة، فيتمضمض ثلاثاً بثلاث غرفات، ويستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات، فيكون المجموع ست غرفات، ليكون أسبغ في الوضوء، ودليل ذلك حديث طلحة، وهو حديث ضعيف، كما تقدم، لا تقوم به حجة، لكن ورد ما يؤيد ذلك، كما سيأتي إن شاء الله، وقد قال بهذه الصفة فقهاء الحنفية، وأكثر
стр. 225
فقهاء الشافعية، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد (١)، وقد ذكر ابن الملقن أن الفصل يصدق على أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثاً، وغرفة أخرى يستنشق منها ثلاثاً (٢).
الثانية: المضمضة والاستنشاق ثلاثاً من كف واحدة، بغرفة واحدة، مراعاةً للاقتصاد في ماء الوضوء، ولأن الفم والأنف جزءان من عضو واحد وهو الوجه، ودل على ذلك حديث علي ﵁، وهو قوله: (إن النبي ﷺ تمضمض واستنثر ثلاثاً، يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء) لكنه غير صريح في ذلك، بل يحتمل أنه كان يأخذ كف الماء ثم يتمضمض ويستنثر، ثم يأخذ كفاً اخر .. يفعل ذلك ثلاث مرات، ولعل هذا هو الأقرب، ليتفق مع حديث عبد الله بن زيد الآتي، وقد جاء في حديث علي ﵁ ولفظه: (ثم تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً) (٣)، وظاهر هذا الفصل، كما سيأتي، ثم إن الصفة المذكورة قد تكون متعذرة، إذ يعسر أن يبقى الماء في كف الإنسان يتمضمض منه ثلاثاً، ويستنشق منه ثلاثاً، وفي رواية: (ثم مضمض واستنشق بكف واحد ثلاثاً) (٤).
الصفة الثالثة: المضمضة والاستنشاق من كف واحدة بثلاث غرفات، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين: (فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء)، وفي رواية لهما: (مضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثاً) (٥)، وهذا قول الشافعي في الجديد، ورواية عن الإمام مالك، ذكرها القاضي عياض (٦)، ورواية عن الإمام أحمد نَصَّ عليها (٧).
стр. 226
قال الأثرم: (سمعت أبا عبد الله يُسأل: أيُّما أعجب إليك؛ المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، أو كل واحدة منهما على حدة؟ قال: بغرفة واحدة) (١).
والراجح من هذه الصفات الأخيرة، لورودها في حديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين، وعليها يحمل حديث علي ﵁، كما تقدم، وقد رجحها النووي (٢)، أما رواية الفصل فهي ضعيفة، لضعف حديث طلحة، كما تقدم.
لكن ذكر ابن الملقن (٣) وصاحب «عون المعبود» (٤) أن أبا علي بن السَّكَن - وهو من الأئمة الحفاظ - روى في سننه المسماة: «الصحاح المأثورة» من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة قال: (شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضآ ثلاثاً ثلاثاً وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله ﷺ توضأ). ثم قال: (روي عنهما من وجوه). فهذا صريح في الفصل بينهما، وشقيق بن سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وروى عن الخلفاء الأربعة وعدد من الصحابة ﵃.
وقد جاء من طريق عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سئل ابن أبي مليكة عن الوضوء، فقال: (رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء فدعا بماء، فأُتي بميضأة، فأصغى على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً .. الحديث) (٥)، وظاهر ذلك أنه أخذ ماء للمضمضة بمفردها، ثم ماء اخر للاستنشاق بمفرده؛ لأن الاستنثار يلزم منه الاستنشاق.
قال الصنعاني: (ومع ورود الروايتين: الجمع وعدمه، فالأقرب التخيير، وأن الكل سنة، وإن كانت رواية الجمع أكثر وأصح .. ) (٦). والله تعالى أعلم.
стр. 227
حكم الموالاة في الوضوء
٥٥/ ٢٤ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ المَاءُ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوَءَكَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (١٧٣) في كتاب «الطهارة» باب «تفريق الوضوء»، من طريق ابن وهب، عن جرير بن حازم، أنه سمع قتادة بن دِعَامة، حدثنا أنس بن مالك: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقد توضأ وترك على قدمه مثل الظفر، فقال له النبي ﷺ : «ارجع فأحسن وضوءك»، قال أبو داود: (وهذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب).
ومراد أبي داود بيان أن هذا الحديث لم يروه أحد عن جرير إلا عبد الله بن وهب، وهو تعليل لكونه غير معروف، قال الدارقطني: (تفرد به جرير بن حازم عن قتادة، وهو ثقة، ولم يروه عنه إلا ابن وهب) (١). فعلم بذلك أن الحديث غريب؛ لأنه لم يروه عن قتادة إلا جرير، ولم يروه عن جرير إلا ابن وهب، وهذا التفرد من جرير يعتبر علة، لأنه وإن كان ثقة إلا أنه يحدث عن قتادة بأحاديث مناكير، قال ابن عدي: (جرير بن حازم له أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره) (٢).
стр. 228
ولم أقف على الحديث في سنن النسائي، وقد عزاه المزي (١) لأبي داود فقط، فالظاهر أن الحافظ وَهِمَ في عزوه للنسائي، والله أعلم. وقد أخرجه - أيضاً - ابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد (١٩/ ٤٧١).
وقد ورد عن جابر ﵁ قال: أخبرني عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ ، فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، فرجع ثم صلى. أخرجه مسلم (٢٤٣)، وأبو داود (١٧٣).
وورد من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة).
أخرجه أبو داود (١٧٥)، وأحمد (٢٤/ ٢٥١)، قال الأثرم: (قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيد؟ قال: (نعم) (٢).
وقد أعله الترمذي بأن بقية مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن بحير بن سعد، وأجاب ابن القيم عن ذلك بأن بقية صرح بالتحديث عند أحمد (٣)، وهذا فيه نظر، فإن بقية صرح بالتحديث من شيخه، وعنعن في شيخ شيخه، وهذا لا يقبل ممن يدلس تدليس التسوية أمثال بقية.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (مثل الظفر) بضم الظاء المُشَالة والفاء، وبه جاء القران الكريم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، ويجوز إسكان الفاء، ويجوز كسر الظاء وإسكان الفاء، وكسرهما معاً، ويجمع على أظفار، وجمع الجمع: أظافير.
قوله: (ارجع فأحسن وضوءك) أي: ائت به على أتم الوجوه وأكملها، فيكون أَمَرَهُ بغسل ما ترك.
ويحتمل أن معناه: استأنف وضوءك من أوله، قال الخطابي: (إن هذا
стр. 229
هو ظاهر معناه) (١)، ويؤيده ما تقدم في حديث ابن معدان ﵁: (فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة).
الوجه الثالث: استدل العلماء بهذا الحديث على وجوب استيعاب جميع أجزاء أعضاء الوضوء، وأن من ترك منها شيئاً ولو قليلاً فإن وضوءه لا يصح؛ لأن النبي ﷺ أمر من رأى على قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء بإحسان الوضوء وإتمامه وإسباغه، والحديث نص في القَدَمِ، ويقاس عليه غيره من الأعضاء، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبه فقال: «ويل للأعقاب من النار»، وفي لفظ: (أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم قال: «ويل للأعقاب من النار») (٢).
الوجه الرابع: يستدل بالحديث على وجوب إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، كالعجين أو الجص أو مادة صمغية كالغراء ونحوه؛ لأن الماء لا يصل لما تحتها، فيبقى غير مغسول فلا تتم الطهارة.
ويدخل في ذلك ما تفعله النساء من وضع صبغ الأظفار المسمى بالمناكير أو غيره، فإنه يمنع وصول الماء إلى البشرة.
الوجه الخامس: اختلف العلماء في وجوب الموالاة في الوضوء، والموالاة معناها: التتابع، وموالاة الوضوء: تتابعه، والمراد متابعة غسل الأعضاء بعضها إثر بعض بحيث يُغسل العضو قبل أن يجف الذي قبله في زمن معتدل، فلا اعتداد بتسارع الجفاف لشدة الحر، أو لوجود الهواء الشديد، أو لحال المحموم مع قلة الماء، ولا بتأخر الجفاف لشدة البرد.
ولا يقطع الموالاة الاشتغال في العضو الآخر بسنة كتخليل أو إزالة شيء على اليد كدهان متجمد ونحوه، أو انقطع الماء فانتقل المتوضئ من أنبوب إلى اخر، أو كون الماء لا يحصل إلا متفرقاً فكل ذلك لا يضر؛ لأنه أمر متعلق بالطهارة.
стр. 230
وفي حكم الموالاة ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب الموالاة في الوضوء مطلقاً، وهذا قول الإمام أحمد، وهو المذهب، وقول الأوزاعي، وأحد قولي الشافعي، وهو قوله القديم.
وعلى هذا القول فلا تسقط الموالاة بالنسيان على الصحيح من المذهب (١).
القول الثاني: أن الموالاة سنة وليست واجبة، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي، فإنه لم يذكرها في فروض الوضوء، وهو القول الجديد للشافعي، وبه قالت الظاهرية (٢).
القول الثالث: أن الموالاة فرض مع الذكر ومع القدرة، ساقطة مع النسيان، ومع الذكر عند العذر، كنقصان الماء، أو كونه لا يحصل إلا متفرقاً، وهذا قول مالك (٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤).
واستدل الأولون بما يأتي:
١ - اية الوضوء، ووجه الدلالة: أنها سيقت مساق الشرط ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وجواب الشرط إن تعدد يكون متتابعاً لا يتأخر، ضرورة أن المشروط يلي الشرط.
٢ - حديث الباب، وحديث عمر عند مسلم: «فأحسن وضوءك» وحديث خالد بن معدان: (فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة)، فإن حُمِلَ اللفظ الأول على الثاني فالأمر واضح، وإن لم يحمل أحدهما على الآخر فدلالة الثاني واضحة؛ لأنه أمره أن يعيد الوضوء، ولو لم تكن المولاة واجبة لأمره أن
стр. 231
يغسل موضع اللمعة، ولم يأمره بإعادة الوضوء، وأما دلالة الأول فإما أن يراد بإحسان الوضوء: غسل ما ترك دون ما سبق، أو يحمل على إعادة الوضوء في تمام، بل قال الخطابي: (إن هذا هو ظاهر معناه) - كما تقدم - لتتفق الألفاظ.
٣ - أن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ ذكروا أنه توضأ متوالياً، ولم يكن يفصل بين أعضاء وضوئه.
٤ - أن الوضوء عبادة واحدة، فإذا فرق بين أجزائها لم تكن كذلك.
أما القائلون بأن الموالاة سنة، فاستدلوا بما يلي:
١ - اية الوضوء، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، فكيفما غسل جاز، فَرَّقَ بين الأعضاء أو نسَّق.
٢ - أن الوضوء إحدى الطهارتين فلم تجب الموالاة فيها كالغسل، وقالوا: إن المراد بإحسان الوضوء تكميل ما نقص منه، وأما أمره بالإعادة في حديث ابن معدان فلأنه يحتمل أنه أراد التشديد عليه في الإنكار والتنبيه على أن من ترك شيئاً فكأنه تارك للكل، أو أنه سمَّى غَسْلَ ما تركه: إعادة، باعتبار ظن المتوضئ.
أما القائلون بأنه إن تعمد التفريق بطل وضوؤه وإلا فلا، فاستدلوا بأدلة الأولين، كما استدلوا بعموم الأدلة على أن الناسي معفو عنه، كقوله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١).
وهذا القول هو الراجح - إن شاء الله تعالى - لقوة الدليل على ذلك، وهي الأحاديث الثلاثة المذكورة: حديث أنس، وحديث عمر، وحديث خالد بن معدان، ولعلها باجتماعها يقوي بعضها بعضاً، وكذا ما جاء في معناها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه
стр. 232
بأصول الشريعة وبأصول مذهب أحمد وغيره، وذلك أن أدلة الوجوب لا تتناول إلا المفرط، لا تتناول العاجز عن الموالاة .. ) (١).
وهذا كله مبني على طول الفصل، أما لو تبين له في الحال أن في قدمه شيئاً لم يصبه الماء أو في يده غَسَلَ ما ترك وأتى بما بعده ليكون مرتباً.
أما إجابة أصحاب القول الثاني عن أحاديث الباب فلا تخلو من ضعف، فإنَّ حَمْلَ الأمر بإعادة الوضوء على التشديد فيه نظر، فإن المقام مقام تعليم وبيان للأمة، ثم هو صرف للحديث عن ظاهره بلا دليل، والمجمل من النصوص يرد إلى المُبَيَّنِ، والله أعلم.
الوجه السادس: في الحديث دليل على أنه يشرع للمسلم إذا رأى من أخيه تقصيراً أو خطأ في واجب أن ينبهه عليه، لتصحيح عبادته؛ لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، والله تعالى أعلم.
стр. 233
قدر الماء الذي يكفي في الوضوء والغسل
٥٦/ ٢٥ - وعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «الوضوء بالمد» (٢٠١)، وأخرجه مسلم (٣٢٥)(٥١)، من طريق مِسْعَرٍ قال: حدثني ابن جبر قال: سمعت أنساً يقول: … وذكر كحديث، واللفظ لمسلم.
وقد تقدم حديث عبد الله بن زيد، وهو الحديث العاشر من أحاديث الوضوء، وفيه: (أن النبي ﷺ أُتي بثلثي مُدٍّ فجعل يدلك ذراعيه). أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن مقدار المد من الماء يكفي في الوضوء، وأن مقدار الصاع أو خمسة أمداد يكفي في الغسل، وهذا يدل على مشروعية الاقتصاد في ماء الوضوء والغسل، وعدم الإسراف ولو كان الماء متيسراً، وما ذكر في الحديث تقريب لا تحديد؛ لأن الناس يتفاوتون في ذلك، وقد مضى الكلام على ذلك عند حديث عبد الله بن زيد ﵁، ولله الحمد.
стр. 234
ما يقول بعد الوضوء
٥٧/ ٢٦ - وعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.
وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «اللهمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو: أبو حفص (١) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ﵁ أمير المؤمنين، وثاني خلفاء هذه الأمة، كان من أشراف قريش، أسلم في السنة الخامسة أو السادسة بعد البعثة، فكان في إسلامه عِزٌّ للمسلمين، لقوته وشدته على الكفار، قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (٢)، هاجر إلى المدينة متقدماً على هجرة النبي ﷺ ، شهد المشاهد كلها، وتولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق ﵄ بعهد منه، فسار بأحسن سيرة، وزيَّن الإسلام بعدله، وفتح الله به الفتوح كبيت المقدس وجميع الشام فاتسعت رقعة الإسلام، وفي اخر ذي الحجة لأربع ليال بقين منه، طعنه
стр. 235
أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر ذي رأسين وهو في صلاة الصبح حين كَبَّرَ، وتوفي بعد ثلاث ليال سنة ثلاث وعشرين، ودفن مع النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ في حجرة عائشة خلف أبي بكر، ورأسه بحذاء صدر أبي بكر، فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأياماً، ﵁ وأرضاه (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٣٤) من طريق معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر، ورواه أيضاً معاوية بن صالح، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، فيقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة». قال: فقلت: ما أجود هذا! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر، قال: إني قد رأيتك جئت انفاً، قال: … فذكر الحديث. وفي اخره: «إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء».
ومعاوية بن صالح هو: ابن حُدير، وأبو عثمان قال عنه الذهبي: (لا يُدرى من هو؟ وخَرَّجَ له مسلم متابعة) (٢)، وذكر ابن منجويه أنه يشبه أن يكون سعيد بن هانئ الخولاني المصري (٣)، وقال ابن حبان بعدما أخرج هذا الحديث: (أبو عثمان هذا يشبه أن يكون - حريز، بفتح الحاء - ابن عثمان الرحبي) (٤). اهـ. وكلاهما ثقة لا أثر له على إسناد الحديث.
وأخرجه مسلم - أيضاً - من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحُباب بهما.
وقد ورد في الحديث زيادة: «ثم رفع نظره إلى السماء» وهي عند أحمد
стр. 236
(٢٨/ ٥٩٣)، وأبي داود (١٧٠)، وابن السني رقم (٣١) من رواية أبي عقيل، واسمه زهرة بن معبد، عن ابن عمه، عن عقبة بن عامر ﵁، به، وهذه زيادة منكرة، تفرد بها ابن عم أبي عقيل هذا، وهو مجهول، قال الحافظ: «إن زهرة روى عن ابن عمه ولم يسمه» (١)، وزهرة من رجال البخاري، وباقي رجال إسناد أحمد رجال الشيخين.
وقد أخرجه الترمذي (٥٥) بالزيادة المذكورة عن جعفر بن محمد بن عمران التغلبي، عن زيد بن الحُباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن زيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب، ولم يذكر عقبة بن عامر في الإسناد.
قال الترمذي: (وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء).
ومراده بالاضطراب أنه أسقط في الإسناد الأول بين أبي إدريس وبين عمر: عقبة بن عامر، فصار من حديث عمر: وليس كذلك، وأسقط في الثاني بين أبي عثمان وبين عمر، جبير بن نفير وعقبة فصار منقطعاً بل معضلاً، وقد خالف جعفرَ بنَ محمدٍ كلُّ من رواه عن معاوية بن صالح، ثم عن زيد بن الحُباب. قاله الحافظ (٢).
وكلام الترمذي هذا فيه نظر، فإن الحديث صحيح مستقيم الإسناد، أخرجه مسلم في صحيحه، قال الحافظ: (لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض) (٣).
فالحق أنه لا اضطراب في الحديث، فإن جميع الرواة عن معاوية بن صالح متفقون على إسناد الحديث وأن صحابيه عقبة بن عامر، وإنما جاء الاضطراب في الأسانيد التي نقلها الترمذي - منه أو ممن حدثه بها - وذلك في رواية زيد بن الحُباب دون باقي الروايات، ثم إن زيد بن الحُباب قد روى
стр. 237
الحديث عن معاوية بالطريقين - طريق ربيعة بن زيد، وطريق أبي عثمان - عند مسلم - كما تقدم - فترجحت روايته هذه لكونها عن الثقات الأثبات، أما روايته الأخرى المخالفة لذلك كرواية الترمذي فلا يُدرى هل الاضطراب فيها من زيد نفسه أو من الرواة عنه؟ وقد رجح أبو علي الغساني في «تقييد المهمل» (١) أن شيخ الترمذي لم يضبط إسناده عن زيد، وحمل الترمذي في ذلك على زيد بن الحُباب، وهو بريء من ذلك، والوهم في ذلك من الترمذي أو من شيخه الذي حدثه به؛ لأنه تقدم أن الحديث رواه عن زيد أئمة حفاظ مثل أبي بكر بن أبي شيبة، بما يخالف ما ذكره الترمذي.
وقد جزم الحافظ ابن حجر بأن محمد بن جعفر شيخ الترمذي لم يضبط الإسناد (٢).
وهذه الزيادة لم ترد في جميع الروايات، إلا في رواية الترمذي وحدها، وقد علمت أنها مضطربة، فلا حجة فيها لإثبات هذه الزيادة، كما قال الشيخ أحمد شاكر (٣).
وقد صححها الألباني، قال: (لأنه اضطراب مرجوح) (٤)، وذكر له شاهداً من حديث ثوبان عند الطبراني (٥)، وابن السني (٦)، من طريق أبي سعد البقال الكوفي الأعور، قال الهيثمي: (والأكثر على تضعيفه) (٧)، ووثقه بعضهم (٨)، ولفظ الطبراني ليس فيه جملة: «اللهم اجعلني .. »، وصححها - أيضاً - الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: (هذه الرواية عند الترمذي سندها جيد) (٩).
وللحديث بهذه الزيادة طريق أخرى عند الطبراني (١٠) من رواية الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، وهو إسناد ضعيف، سالم لم يسمع من
стр. 238
ثوبان، والراوي عن الأعمش وهو مسور بن مُوَرِّع العنبري ليس بالمشهور.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (ما منكم من أحد يتوضأ) ما: نافية، ومنكم: خبر مقدم، ومن: حرف جر زائد للتوكيد، وأحد: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
ولفظ: (من أحد) من صيغ العموم؛ لأنها نكرة في سياق النفي، وزيدت عليها (من) للاستغراق، والمعنى: أيُّ واحد منكم، فيشمل الرجل والمرأة.
قوله: (فيسبغ الوضوء) تقدم أن الإسباغ يطلق ويراد به استيعاب محل الفرض، ويطلق ويراد به ما زاد على الواجب من الغسلة الثانية والثالثة، والظاهر أن هذا هو المراد هنا، والفاء هنا للترتيب الذكري، لا للترتيب الزمني؛ لأن الإسباغ لا يتأخر عن الوضوء، وإنما يقارن كل عضو من الأعضاء.
قوله: (ثم يقول .. ) أي: بعد نهاية الوضوء مباشرة بدون فاصل، وثم: للتراخي الزمني، وهو في كل موضع بحسبه.
قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) معنى (أشهد): أي أقر بقلبي ناطقاً بلساني، كالمشاهد بما أقر به، فالشهادة: الاعتقاد الجازم الذي يعبر عنه اللسان، و (أن) مخففة من الثقيلة، ولذا تكتب مفصولة عن (لا) النافية، للتفرقة بينهما وبين (أن) الناصبة للمضارع، فإنها تكتب موصولة، نحو: أُحِبُّ ألا تتأخر.
وخبر (لا) النافية للجنس محذوف، تقديره: حق ونحوه، والمعنى: لا معبود بحق إلا الله .. ولفظ (الله) بدل من الضمير في الخبر، فالله تعالى هو الإله الحق، لكمال ذاته وصفاته، أما من عُبِدَ من دونه فليس بإله وإن سُمِّي به، ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].
قوله: (وحده لا شريك له) وحده: حال مؤكدة لمعنى الإثبات، ولا شريك له: توكيد للنفي، والشريك: المعاون والمساعد في الشيء.
стр. 239
قوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) أي: المتذلل له بالطاعة وبتبليغ الرسالة والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، ورسوله؛ أي: المرسل من عنده بشرعه إلى جميع العالمين.
قوله: (إلا فتحت له أبواب الجنة) أي: الثمانية كما هو لفظ مسلم. وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريَّان، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل غيرهم» (١). وفتح أبواب الجنة لصاحب هذا الفضل يحمل على أمرين:
أحدهما: تيسير الأعمال الموصلة إلى تلك الأبواب، بمعنى أن الله يهيئ له أسباب الأعمال الصالحة التي تبلغه هذه الأبواب.
الثاني: أن المراد ستفتح له يوم القيامة، فوضع الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوعه، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
قوله: (اللهم) هذا منادى، والميم المشددة عوض عن حرف النداء والأصل: يا الله، فحذف حرف النداء، وعوضت عنه الميم.
قوله: (اجعلني من التوابين) جمع تواب: وهي صيغة مبالغة من تاب يتوب، أي: اجعلني من الذين يكثرون التوبة والاستغفار مما قارفوه من معاصٍ وذنوب.
قوله: (واجعلني من المتطهرين) جمع متطهر، والتطهر: التنزه، أي: اجعلني من الذين يتنزهون من الذنوب والأحداث والأنجاس، وجمع بينهما إلماماً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ولما كانت التوبة طهارة الباطن عن أدران الذنوب، والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث والأنجاس التي تمنع من التقرب إلى الله تعالى ناسب الجمع بينهما.
الوجه الرابع: استحباب هذا الذكر الجليل المشتمل على الشهادتين عند نهاية الوضوء؛ لأنه سبب للسعادة الأبدية، وهي دخول الجنة من أي
стр. 240
أبوابها شاء، وهذا فضل عظيم فإنه ورد أن للصلاة باباً، وللصدقة باباً، وللجهاد باباً، وللصيام باباً - كما تقدم ـ، وقائل هذه الكلمة العظيمة بعد الوضوء تفتح له جميع الأبواب يدخل من أيها شاء، فهذا الفضل العظيم مرتب على هذا الذكر، لا على الوضوء بدون الذكر، لئلا يتعارض ذلك مع ما ورد من أن الصلاة لها باب، والوضوء الذي هو وسيلة إلى الصلاة بهذه الفضيلة، فيقال في الجواب ما تقدم.
وفي هذا الذكر مناسبة عظيمة، فإن المتوضئ لما أكمل ظاهره بالتطهير بالماء وإسباغ الوضوء، كَمَّلَ باطنه بعقيدة التوحيد وكلمة الإخلاص التي هي أشرف الكلمات.
قال الصنعاني: (ولا يخفى حسن ختم المصنف باب الوضوء بهذا الدعاء، الذي يقال عند تمام الوضوء فعلاً، فقاله عند تمام أدلته تأليفاً .. ) (١).
وقد ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم يكسر إلى يوم القيامة» (٢)، والله أعلم.
стр. 241
باب المسح على الخفين
ذكر الحافظ هذا الباب بعد باب «الوضوء» للمناسبة بينهما، لأن المسح على الخفين يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء.
والمسح: إمرار اليد على الخفين مبلولة بالماء، والمراد بالخفين: ما يلبس على القدم من الجلد ساتراً لها، جاء في «المعجم الوسيط» (١): (الخف: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق). والخف يجمع على خِفَافٍ، وأما خف البعير فيجمع على أخفاف (٢)، وتقاس عليها الجوارب وهي ما تكون من غير جلد كالخرق وشبهها، وهي الشرَّاب، أو تلحق بها عن طريق العموم اللفظي، كما في حديث ثوبان ﵁ الآتي: (أمرهم أن يمسحوا على التساخين)، وهي تعم كل ما يسخن القدم، وسيأتي لذلك مزيد عند الكلام على حديث ثوبان، إن شاء الله.
والمسح على الخفين ثابت في القران والسنة المتواترة عن رسول الله ﷺ ، وقد أجمع عليه المسلمون، خلا الشيعة، ولا يعتد بهم.
أما القران فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] على قراءة الجر في قوله: «وأرجلِكم» وهي قراءة سبعية، فتكون معطوفة على
стр. 242
قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لأنها أقرب إلى الأرجل من الوجوه، والعطف على الأقرب معروف في لغة العرب، والمراد بذلك المسح على الخفين على أحد الأوجه التي قيلت في قراءة الجر؛ لأن جميع من وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه كان يمسح رجليه بدون أن يكون عليهما خف، بل كان يغسلهما، فتعين حملها على مسح الخفين، كما بينته السنة، وبذلك يتم ثبوت المسح بالقران، وهو أحسن الوجوه التي توجه بها قراءة الجر، كما قال الصنعاني (١).
وأما السنة فقد ثبت جواز المسح على الخفين عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً، حضراً وسفراً، وبلغت الأحاديث في ذلك حد التواتر، فقد نقل ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: (حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين) (٢)، وذكر أبو القاسم بن منده في «تذكرته» من رواه فبلغ ثمانين (٣)، وكذا ذكرهم ابن الملقن وبلَّغهم ثمانين (٤)، ومن هؤلاء الرواةِ العشرةُ المبشرون بالجنة، ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك أنه قال: (ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز) (٥)، ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد قوله: (ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله ﷺ ، ما رفعوا إلى النبي، وما وقفوا) (٦).
والمسح على الخفين من الرخص الدالة على كمال الدين الإسلامي ويسر تشريعاته، وبُعدها عن الحرج، فإن الإنسان يحتاج للمسح على الخفين، لا سيما في فصل الشتاء، وفي البلاد الباردة.
واعلم أن بعض العلماء قد ذكر موضوع المسح على الخفين في كتب العقائد مثل الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي ﵀ في «العقيدة الطحاوية»، مع أن المسح على الخفين من المسائل العملية، وليس من المسائل العلمية، وذلك لأمرين:
стр. 243
١ - بيان معتقد أهل السنة والجماعة، والرد على من خالف في ذلك من طوائف أهل البدع؛ كالشيعة والخوارج، فصار المسح شعاراً لأهل السنة، وعدم المسح شعاراً لغيرهم من أهل البدع (١).
٢ - بيان أن أحاديث المسح بلغت حد التواتر الذي لا ينكره إلا معاند مكابر.
وهؤلاء المخالفون يحتجون بأن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ نص على مباشرة الرجلين بالماء، قالوا: وأحاديث المسح منسوخة باية المائدة، وهذا غير صحيح؛ لأن المسح ثابت في غزوة تبوك سنة تسع، واية المائدة نزلت في غزوة المريسيع وهي سنة ست، فهي قبل تبوك اتفاقاً، ولو سُلّمَ تأخر اية المائدة فلا منافاة بينها وبين أحاديث المسح، فإن الأمر بالغسل متوجه إلى من لا خف له، والرخصة في المسح إنما هي للابس الخف، والله أعلم.
стр. 244
بيان حكم المسح على الخفين
٥٨/ ١ - عَنِ المُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النبِيّ ﷺ ، فَتَوَضّأَ، فَأَهْوَيْتُ لأنزِعَ خُفّيهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فَمَسحَ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان» (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤)(٧٩) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه ﵁.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن زكريا مدلس، وأنه لم يروه من حديث عامر إلا بالعنعنة (١)، وفاته أنه أخرجه أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٢٥٥) من ثلاثة طرق عن زكريا، قال: ثنا عامر، فقد صرح بالتحديث (٢) فزال بذلك ما يخشى من تدليسه، ثم إن المشهور عند أكثر العلماء أن رواية المدلس في الصحيحين بلفظ العنعنة حكمها الصحة والاتصال، وتحمل على ثبوت السماع لدى الشيخين من جهة أخرى، إحساناً للظن بهما أو لأمور أخرى ذكرها أهل العلم (٣).
وذكر الحافظ أن الحديث له طرق كثيرة عن المغيرة، ونقل عن البزار أنه
стр. 245
رُويَ عن المغيرة من نحو ستين طريقاً (١)، فهو من أشهر أحاديث المسح على الخفين.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كنت مع النبي ﷺ فتوضأ) هكذا في نسخ «البلوغ» (فتوضأ)، وعند البخاري: (في سفر) مكان: (فتوضأ)، ومعنى (فتوضأ): أخذ في الوضوء، لا أنه استكمله، بدليل سياق الحديث، والمراد بالسفر: سفر غزوة تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة، وكان ذلك قبل صلاة الفجر، كما ورد في «المغازي» (٢).
قوله: (فأهويت): أي: انحنيت ماداً يدي، يقال: أهوى بيده إلى كذا ليأخذ، وأهويت: قصدت الهواء من القيام إلى القعود، وهذا في الرباعي، وأما في الثلاثي: فهوى - بفتح الواو - يهوي: إذا سقط.
قوله: (لأنزع) بكسر الزاي، من باب ضرب يضرب، أي: أخلع، وهذا الصنيع من المغيرة ﵁ يحتمل أنه لم يكن قد علم برخصة المسح، أو علمها وظن أنه ﷺ سيفعل الأفضل على القول بأن الغسل أفضل.
قوله: (دعهما) الضمير يعود على الخفين، أي: اتركهما، أو يعود على القدمين، والأول أظهر.
قوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) الضمير في قوله: (أدخلتهما) يعود على القدمين، بدليل رواية أبي داود: «دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان» (٣)، و (طاهرتين) حال من الهاء في (أدخلتهما)، والجملة تعليلية لقوله: (دعهما)، وجاء في رواية يحيى بن سعيد القطان عن زكريا، عند أحمد بلفظ: «أدخلتهما وهما طاهرتان» (٤)، وسيأتي - إن شاء الله - الفرق بين اللفظين.
стр. 246
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المسح على الخفين في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك في السفر لهذا الحديث، وفي الحضر لحديث علي ﵁ الآتي. ومثله حديث حذيفة ﵁ (١).
ولا فرق في جواز المسح أن يكون لحاجة أم لا، فيجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والمريض الذي لا يمشي، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (٢).
ويقاس على الخفين كل ما يستر الرجلين من الشراب واللفائف ونحو ذلك، كما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المسح على الخفين لمن كان لابساً لهما أفضل من خلعهما وغسل الرجلين، لقوله: (دعهما)، ولأن المسح من السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وقد طعن فيها طوائف من أهل البدع، فكان إحياء ما طعن فيه المخالفون من السنة أفضل من إماتته (٣).
ومن يخلع خفيه عند كل وضوء فقد خالف السنة، ويخشى أن يكون فعله هذا تشبهاً بالرافضة.
وأما مع عدم اللبس فالأفضل الغسل، ولا يلبس ليمسح؛ لأن الغسل هو الأفضل حينئذٍ.
الوجه الخامس: الحديث دليل أن المسح يكون على مطلق الخف، فما سمي خفاً جاز المسح عليه، ولو كان فيه خرق أو شق على الصحيح من قولي أهل العلم؛ لأن السنة وردت بالمسح على الخفين مطلقاً دون تقييده بأوصاف زائدة، ولأن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها من فتق أو خرق، لا سيما مع تقادم عهدها، وكان كثير من الصحابة ﵃ فقراء لا يمكنهم تجديد ذلك، فما أطلقه الشرع لم يجز لأحد تقييده إلا بدليل شرعي، والصحابة ﵃
стр. 247
لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفاف مع علمهم بأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقاً (١).
فعلى هذا لا يصح اعتبار شروط لا أصل لها في الشرع، وتعود على مقصود الرخصة بالإبطال.
الوجه السادس: استدل بعض العلماء بقوله: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان» على أن إكمال الطهارة شرط في صحة المسح على الخفين، وأنه لا يلبسهما إلا بعد طهارة الرجلين جميعاً؛ لأن قوله: «وهما طاهرتان»، حال من كل واحدة من الرجلين، فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال طهارتها، وذلك إنما يكون بإكمال الطهارة، وعلى هذا فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها، ثم اليسرى وأدخلها لم يصح المسح؛ لأنه لم يدخلهما وهما طاهرتان، بل أدخل الأولى قبل طهارة الثانية، وهذا قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد (٢)، وعند هؤلاء لو حصل ما ذكر وجب عليه أن يخلع اليمنى، ثم يلبسها مرة أخرى، ليكون لبسها بعد كمال الطهارة.
والقول الثاني: أن من غسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل الأخرى ولبس الخف أن طهارته كاملة، ويجوز له المسح، وهذا قول الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، قالوا: لأنه إذا غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل إحدى رجليه فقد طهرت رجله التي غسلها، فإذا أدخلها في الخف فقد أدخلها وهي طاهرة، ثم إذا غسل الأخرى من ساعته وأدخلها الخف فقد أدخلها وهي طاهرة، فقد أدخل مَنْ هذه صفته رجليه الخف وهما طاهرتان.
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن هذا الصواب
стр. 248
بلا شك) (١)، كما اختاره ابن القيم، وقال: (إنه أصح القولين) (٢).
وقوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) ليس نصاً فيما ذكره الأولون، بل يحتمل أن المعنى ما ذكر، ويحتمل أن المعنى أدخلت كل واحدة طاهرة، لكن قد يؤيد القول الأول حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما - وسيأتي إن شاء الله ـ، فقوله: (إذا تطهر فلبس) يفيد أنه لا يلبس قبل غسل الرجل اليسرى؛ لأن من فعل ذلك لم يصدق عليه أنه تطهر، وهذا هو الأحوط في هذه المسألة أنه لا يلبس الخفين إلا بعد كمال الطهارة، لكن من أخذ بالقول الثاني لم نجزم ببطلان طهارته وصلاته، لقيام الاحتمال.
الوجه السابع: الحديث دليل على شرط من شروط المسح على الخفين، وهو أن يلبسهما على طهارة، وظاهره أن المراد الطهارة بالماء؛ لأنها هي المراد عند الإطلاق، وهذا قول الجمهور (٣)، فلو لبسهما على طهارة التيمم لم يمسح عليهما عند وجود الماء؛ لأن طهارة التيمم لا تعلق للرّجْلِ بها، فلا يتحقق قوله: «وهما طاهرتان».
الوجه الثامن: حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه حيث منع المغيرة من خلعهما وبيّن له السبب، وهو أنه أدخلهما طاهرتين، وفي هذا ثلاث فوائد كما تقدم في حديث الهرة:
١ - اطمئنان النفس واقتناعها؛ لأنها إذا علمت علة الحكم اطمأنت، وإن كان المؤمن سيطمئن على كل حال، لكن زيادة ذكر علة الحكم كلها خير.
٢ - سمو الشريعة وأنه لا يوجد حكم إلا وله علة وحكمة.
٣ - شمول الحكم بشمول العلة، فكل ما تحققت فيه العلة ثبت فيه الحكمُ المعلّلُ بهذه العلة، والله تعالى أعلم.
стр. 249
محل المسح على الخفين
٥٩/ ٢ - وَللأرْبَعَة عَنْهُ إلاّ النّسَائِيّ: أَنّ النبِيّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
٦٠/ ٣ - عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: لَوْ كَانَ الدّينُ بِالرّأْيِ لَكانَ أَسْفَلُ الْخُفّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفّيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث المغيرة فقد أخرجه أبو داود (١٦٥) في كتاب «الطهارة» باب «كيفية المسح»، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠) من طريق الوليد بن مسلم، أخبرنا ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة به …
وهذا إسناد فيه ضعف - كما قال الحافظ - وقد ذكره ليعلم حاله، فقد أُعل بعلتين قادحتين:
الأولى: الانقطاع بين ثور ورجاء، قال أبو داود عقبه: (وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء)، وقال الدارقطني: (رواه ابن المبارك عن ثور، قال: حُدّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلاً ليس فيه المغيرة) (١).
стр. 250
العلة الثانية: الإرسال، وذلك أن كاتب المغيرة يرويه عن النبي ﷺ ولم يدركه، كما تقدم في رواية ابن المبارك، وهذا ما رجحه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، قال الترمذي: (سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: لا يصح هذا … وذكر كلام ابن المبارك .. وسألت أبا زرعة، فقال نحواً مما قال محمد بن إسماعيل) (١)، وقال ابن أبي حاتم: (سألت أبا زرعة وأبي عن هذا الحديث فقالا: هذا أشبه) يعني: طريق ابن المبارك الذي فيه عدم ذكر المغيرة (٢).
وفيه علة ثالثة وهي: جهالة كاتب المغيرة، كما في سياق أبي داود والترمذي، ذكر ذلك ابن حزم (٣) لكنها علة غير قادحة، فقد سُمّيَ في رواية ابن ماجه: (ورّاداً)، وهو ثقة مشهور احتج به الستة.
وقصارى القول أن سند الحديث ضعيف، لما تقدم، وضَعَّفَهُ أئمة هذا الشأن: البخاري، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، وغيرهم.
هذا ما يتعلق بالإسناد، أما المتن فإن الأحاديث الصحيحة على خلافه، فإنها قد تضافرت على ذكر المسح على ظاهر الخف، وليس على باطنه، ومما يؤيد أن المسح على باطن الخف لم يكن معروفاً:
الحديث الثاني: الذي يليه، وهو ما أخرجه أبو داود (١٦٢) من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد خير، عن علي ﵁.
وقد تفرد به عن أصحاب الكتب الستة، وقد حسن الحافظ إسناده هنا مع أنه أورده في «التلخيص» وقال: (إسناده صحيح) (٤)، وصححه أحمد شاكر (٥)، قال الألباني: (هذا هو الصواب) (٦)، وعبد خير هو ابن يزيد الهمداني، وثقه ابن معين والعجلي، وتقدم له ذكر في أول «الوضوء».
وقد اختلف في لفظ هذا الأثر، ورجح الدارقطني في «العلل» (٤/ ٤٦) أن الصحيح فيه قول من قال: (كنت أرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما) (٧).