← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (فرض) أي: أوجب إيجابًا مؤكدًا؛ لأن الفرض في اللغة معناه: القطع والحز والتقدير. قوله: (صاعًا من تمر) بدل أو عطف بيان من (زكاة الفطر)، والصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمد: يزن خمسمائة وستين جرامًا من البر الجيد، فيكون الصاع كيلوين وربع الكيلو، وتقدم ذكر ذلك. قوله: (أن تؤدى) أي: أن توصل إلى مستحقيها قبل خروج الناس إلى صلاة العيد. قوله: (كنا نعطيها) أي: نعطي زكاة الفطر الفقرء. قوله: (صاعًا من طعام) أي: مما يطعمه الناس، وهو مجمل يفسره ما بعده. قوله: (من زبيب) هو العنب الجاف بمنزلة التمر في ثمر النخل. قوله: (اقط) بفتح الهمزة وكسف القاف أو سكونها: لبن الغنم المطبوخ المجفف. قوله: (لا أخرج أبدًا إلا صاعًا) أي: إن أبا سعيد التزم ألا يخرج إلا صاعًا، سواء أكان من بر أم من غيره، وغرضه بذلك بيان أنه لا يوافق معاوية على ما رآه من إجزاء نصف صاع من قمح، كما ورد في الصحيحين من حديث أبي سعيد وفيه: (فلما جاء معاوية وجاءت السمراء، قال: أرى مدًا من هذه يعدل مدين … )، والمعنى: أنه لما جاء معاوية إلى المدينة حاجًا أو معتمرًا أثناء خلافته، وكثرت السمراء، وهي حنظة تأتي من الشام لونها أسمر رأى معاوية أن مدًا من هذه الحنطة يعادل مدين من غيرها؛ لكوها نفيسة عند الناس، فيكون نصف الساع منها مجزئًا في الفطرة، لكن أبا سعيد ﵁ أنكر هذا … والتزم بالاستمرار على إخراج صاع من أي طعام كان، كما كان يخرجه على عهد رسول الله ﷺ . * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن زكاة الفطر فرض على كل

стр. 1857

مسلم، ذكرًا كان أم أنثى، حرًا أو عبدًا، صغيرًا أو كبيرًا، وهذا أمر مجمع عليه، كما نقله ابن المنذر (١). • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مقدار زكاة الفطر صاع من طعام، سواء كان تمرًا أو شعيرًا، أو زبيبًا، أو أقطًا. ويجزئ كل طعام يقتاته الناس كالأرز، وإنما خصت الأصناف الأربعة بالذكر؛ لأنها كانت طعام الناس في عهد النبي صلى الله عله وسلم، لما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا من الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر) (٢). • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن إخراج غير الطعام من الدراهم وغيرها لا يجزئ في الفطرة، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ من الأصناف المذكورة أو من الطعام عمومًا؛ ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة ﵃؛ ولأن ذلك يخرج زكاة الفطر عن كونها شعرية من شعائر الإسلام الظاهرة إلى كونها شعيرة خفية؛ ولأن الرسول ﷺ ذكر أشياء مختلفة القيمة، فدل على أن المراد بها الأعيان لا ثمنها (٣). وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري (٤)؛ لعموم: " أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، والإغناء يتحقق بالقيمة كما يتحقق بالطعام. • الوجه السادس: الحديث دليل على وجوب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد؛ لقوله: " وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة"، والأفضل أن تكون في صباح يوم العيد؛ لأن المقصود الأعظم منها استغناء

стр. 1858

الفقراء بها عن السؤال يوم العيد، ومشاركة الأغنياء في الفرح بهذا اليوم. ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين، لحديث ابن عمر ﵁ المتقدم، وفيه: (وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1859

بيان الحكمة من زكاة الفطر ووقت إخراجها ٦٣٠/ ٤ - عن ابن عباس ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر؛ طهرة للصائم من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم. • الكلام عله من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب "زكاة الفطر" (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩) من طريق، مروان بن محمد، ثنا أبو يزيد الخولاني، وكان شيخ صدق (١)، وكان ابن وهب يروي عنه، ثنا سيار بن عبد الرحمن، قال محمود: الصدفي (٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، به مرفوعًا، ورواه ابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩) من طريق مروان بن محمد، به. وهذا سند حسن، كما قال ابن قدامة (٣)، والنووي (٤)،

стр. 1860

وابن الملقن (١)، ورجاله لا بأس بهم، قال الدارقطني: (ليس فيهم مجروح) (٢). وأما قول الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه) ففيه نظر؛ لأن أبا يزيد الخولاني وسيار بن عبد الرحمن لم يخرج لهما الشيخان. • الوجه الثاني: الحديث دليل على الحكمة من مشروعية زكاة الفطر، وهما حكمتان عظيمتان: الأولى: تتعلق بالصائم، وهي تطهيره من اللغو، وهو كل ما لا فائدة فيه من القول أو الفعل تعود على الشخص في الدين أو الدنيا، مكروهًا كان أو مباحًا؛ كالهزل واللعب والمبالغة في الشهوات، وغير ذلك. وتطهيره من الرفث: وهو الفحش في القول، وهو المراد هنا، ويطلق على الجماع أيضًا. وكانت زكاة الفطر طهرة للصائم مما ذكره؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. الثانية: تتعلق بالمجتمع، وهي قوله: " طعمة للمساكين" وطعمة بضم الطاء وسكون العين: وهو الطعام الذي يؤكل. وفي هذا إشاعة المحبة والفرح بين أفراد المجتمع، ولا سيما المساكين وأهل الحاجة. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن وقت إخراج زكاة الفطر هو ما قبل صلاة العيد، فمن أخرجها فهي زكاة مقبولة يثاب عليها ثوابًا كاملًا؛ لأنه امتثل أمر النبي ﷺ ، كما تقدم في قوله: "وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". وأما من أداها بعد الصلاة فليست بزكاة فطر؛ وإنما هي صدقة من سائر الصدقات، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1861

باب صدقة التطوع صدقة التطوع: مركب إضافي، من إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الصدقة قد تكون فرضًا، وهي الزكاة المفروضة، وقد تكون تطوعًا، وقد جرت عادة أهل العلم بذكر الصدقات النافلة بعد الفريضة. والتطوع لغة: فعل الطاعة. وشرعًا: كل طاعة ليست بواجبة، والمراد بصدقة التطوع: ما يخرجه الإنسانا من ماله على وجه القربة، وهي أعم من الزكاة، وقد تطلق عليها أيضًا. والصدقة فضلها عظيم، وثوابها جزيل، كما سياتي في أحاديث الباب، ويترتب عليها من الفوائد والمصالح الشيء الكبير، ولهذا حث الله تعالى عليها وأمر بها ورغب فيها. قال تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعفًا كثيرة﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقال تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وصدقة التطجوع تكون في الفقراء والمحاويج، وتكون في المعسرين من الغرماء، وتكون في مشاريع الخير؛ من تعمير المساجد، والمدارس، وإصلاح الطرقات، ونحو ذلك. ولها فوائد عظيمة: ١ - أنها باب عظيم من أبواب التكافل الاجتماعي كما تقدم. ٢ - أنها دليل على كمال الإيمان، وحسن الإسلام، والطاعة لله تعالى وللرسول ﷺ ، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى. ٣ - أنها سبب لحفظ الإنسان في ماله وبدنه. ٤ - أنها كغيرها من التطوعات طريق موصل إلى محبة الله ورضوانه.

стр. 1862

إخفاء صدقة التطوع ٦٣١/ ١ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله … " فذكر الحديث، وفيه: " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخرجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، منها كتاب " الزكاة"، باب " الصدقة باليمين" (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١) من طريق خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمنيه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عينها". وقد اقتصر الحافظ على موضع الشاهد من الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (سبعة) أي: سبعة أشخاص أو سبعة أنفس، فهو على حذف مضاف إليه، ولذا صح الابتداء به، ومفهوم العدد ليس بحجة على الصحيح، بدليل أن الذين يظلهم الله أكثرمن ذلك، كما في حديث أبي اليسير ﵁ أن النيبي ﷺ قال: " من أنظر معسرًا أو وضع له، أظله الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله" (١).

стр. 1863

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (١). قوله: (يظلهم الله في ظله) هذه الإضافة للتشريف؛ كبيت الله، وهذا ظل حقيقي حيث يكون هؤلاء السعداء تحت ظل الله تعالى، فلا يمسهم حر الشمس ولا وهجها؛ لأن الله تعالى يظلهم في ظله؛ إذ لا أحد يملك الظل غيره في ذلك اليوم. وقد ورد تقييد هذا الظل بانه ظل العرش في حديث أبي هريرة ﵁ (٢)، وكذا ورد من حديث سلمان: " سبعة يظلهما لله في ظل عرشه" (٣)، وبهذا جزم القرطبي (٤)، ورجحه الحافظ ابن حجر (٥). قوله: (إمام عادل) المراد به: الحاكم أو السلطان، ويشمل أيضًا القاضي، وكل من له ولاية على غيره. وقدمه في الذكر؛ لعموم النفع به وتعديه إلى غيره، والعادل: اسم فاعل من عدل، والعدل: هو وضع الشيء في موضعه بدون إفراط ولا تفريط، فالعادل من يحكم بين الناس بالعدل فلا يميل مع هوى ولا يرتشي بمال. قوله: (وشاب نشأ في عبادة الله) أي: نبت وابتدأ، خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة، لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإذا لازم العبادة مع ذلك كان أدل على غلبة التقوى. قوله: (معلق في المساجد) أي: محب لها حبا شديدا، فهو ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فيحافظ عليها ويصليها مع الجماعة في المسجد، وهذا

стр. 1864

فيه كناية لطيفة، فقد كنى عن ملازمته للمسجد وتردده عليه ومحافظه على الصلاة بالجماعة بتعلق قلبه في المساجد، وهذه كناية عن صفة. قوله: (ورجلان تحابا في الله) أي: اشتركا في جنس المحبة، وأحب كل منهما صاحبه حقيقة لا ظاهرًا فقط، و (في) تعليلية؛ أي: لأجل الله تعالى، لا لغرض دنيوي. قوله: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه) الضمير يعود إلى الحب في الله، والمراد أنهما داما على المحبة لم يقطاعها لعارض دنيوي بل بقيا على ذلك حتى الموت. وعدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان؛ لأنها لا تتم إلا باثنين. والغرض عد الخصال لا عد جميع المتصف بها. قوله: (ذات منصب وجمال) أي: أصل وشرف ومال وجمال، ومعنى "دعته": أي: طلبته إلى الفاحشة والزنا بها، فهي كناية عن صفة، وخص النبي ﷺ ذات الشرف والجمال لشدة رغبة الناس فيها وحرصهم عليها. قوله: (إني أخاف الله) الخوف من الله: هو الرهبة من عذابه؛ وكأنه قال ذلك ليزجرها عن الفاحشة بتذكيرها بالله، أو ليعتذر إليها، ولا يصدر ذلك إلا عن خوف من الله تعالى، ومتين تقوى وحياء. قوله: (تصدق بصدقة) التنكير يشمل كل ما يتصدق به، من قليل وكثير، وهل يشمل ذلك الصدقة الواجبة والمندوبة؟ يأتي ذلك إن شاء الله. قوله: (لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) هذا من مجاز التشبيه، فقد شبه اليد اليمنى بإنسان، واليد اليسرى بإنسان آخر، والمراد بذلك: التدليل على شدة إخفائه الصدقة والإسرار بها بحيث لو فرض أن الشمال رجل متيقظ وتصدق الإنسان بيمينه لما شعر ذلك الرجل عن شماله. وقد جاء في رواية مسلم: " حتى لا تعلم يمنيه ما تنفق شماله" وهذا قلب في المتن وقع من بعض الرواة. قال القاضي عياض: (كذا روي عن مسلم هنا في جميع النسخ الواصلة إلينا، والمعروف الصحيح: "حتى لا تعلم شماله ما

стр. 1865

تنفق يمينه"، وكذا وقع في الموطأ والبخاري، وهو وجه الكلام؛ لأن النفقة المعهود فيها اليمين، ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك … ) (١). قوله: (ذكر الهل) إما من الذكر بكسر الذال فهو باللسان، أو من التذكر بالفكر والقلب، أي: تذكر عظمة الله … فبكى من خشية الله تعالى. قوله: (خاليًا) حال من فاعل ذكر. أي: في موضع خالٍ بعيدًا من الناس؛ ليكون أبعد من الرياء، والسمعة، وأقرب إلى الإخلاص. قوله: (ففاضت عيناه) أي: سالت منها الدموع؛ كأنها فيض لغزارتها، وهذا دليل على الخوف من الله تعالى، وقوة اليقين به سبحانه. وهذا فيه مجاز مرسل؛ أي: فاضت عينينه؛ لأن العين لا تفيض؛ إنما يفيض الدمع فيها، فأسند الفيض إلى العين مبالغة، كأنها هي التي فاضت. واعلم أن ذكر الرجل في هذا الحديث لا مفهوم له فيما ذكر من الأوصاف، إلا أن أريد بالإمام العادل: الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة، حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم، ويخرج خصلة ملازمة المسجد؛ لأن صلاتها في بيتها أفضل، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن. • الوجه الثالث: هذا الحديث عظيم القدر، كثير الفوائد، ولهذا شرحت ألفاظه، وقد بين فيه أحوال هؤلاء السعداء يوم القيامة، ولعل في ذلك دروسًا تربوية لكل مسلم يسعى لنيل هذه الكرامة الإلهية والسعادة الأبدية، فيقدم من الأعمال الصالحة ما يكون سببًا لنيل هذه المكانة. يقول ابن عبد البر: (هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال، وأعمها وأصحها إن شاء الله، وحسبك به فضلًا؛ لأن العلم محيط بأن من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول الموقف .. ) (٢).

стр. 1866

ولهذا أفرد هذا الحديث بمؤلفات مستقلة، فالحافظ ابن حجر له كتاب " معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال"، ذكره في " فتح الباري" وللسيوطي كتابان مطبوعان: " تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش"، ثم اختصره وسماه: " بزوغ الهلال في الخصال الموجبة للظلال). • الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل الإمام العادل، والشاب الناسك الذي نشأ في طاعة الله تعالى، وفضل المشي إلى المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وفضل المتاحبين في الله تعالى، وفضل العفة والبعد عن مواقعة الفاحشة، وفضل البكاء من خشية الله. • الوجه الخامس: الحديث دليل على فضل الصدقة، والحرص على إخفائها؛ لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، كما أن في إخفائها احترامًا لشعور الفقير الذي يرغب غالبًا في إخفاء ما يعطى خشية احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه يأخذ مع الغنى، أو نحو ذلك، وقد خص كثير من أهل العلم الإسرار بصدقة التطوع، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل. والظاهر والله تعالى أعلم أن حال الصدقة يختلف باختلاف الأحوال، فإذا كان المتصدق ممن يقتدى به ويتبع، وتتبعث الهمم على التطوع بالإنفاق إذا رأته ينفق، فالإظهار أولى كما يحصل في بعض المشاريع الخيرية، عندما يدعى بعض من يقتدى به إلى الإنفاق، ويحصل ذلك فائدة إظهار السنة وثواب القدوة، وهذا لمن قويت حاله، وحسنت نيته، وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1867

فضل صدقة التطوع ٦٣٢/ ٢ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس". رواه ابن حبان، والحاكم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن حبان (٨/ ١٠٤)، والحاكم (١/ ٤١٦) من طريق عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يحدث أن أبا الخير (١) قد حدثه أنه سمع عقبة بن عامر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس" أو قال: " حتى يحكم بين الناس". قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء ولو كعكة ولو بصلة. هذا لفظ ابن حبان، وعند الحاكم: "يفصل". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. • الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صدقة التطوع، وأن لها شأنًا، وأنها من أسباب الظل والوقاية من حر الشمس يوم القيامة؛ لأن الشمس تدنو من الناس يوم القيامة، وحرها شديد، وهي بعيدة، فكيف إذا دنت؟!

стр. 1868

وقد روى مسلم من طريق سليم بن عامر، حدثني المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل"، قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين … الحديث (١). ولكن الله تعالى بقي أولياءه، وأهل طاعته حرها وأذاها بالأعمال الصالحة التي دلت عليها نصوص الشريعة، ومن ذلك الصدقة. • الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن هناك ظلًا غير ظل العرش على الرواية المتقدمة، لقوله: " في ظل صدقته" وأجيب عنه بجوابين: الأول: أن هناك ظلالًا بحسب الأعمال، تظل صاحبها حر الشمس وأنفاس الخلائق، ولكن ظل العرش أعظمها وأشرفها بخص الله به من شاء من عباده. الثاني: أنه ليس هناك إلا ظل العرش يستظل به المؤمنون أجمع، لكن لما كانت تلك الظلال لا تنال إلا بالأعمال، وكانت الأعمال تختلف، حصل لكل عامل ظل يخصه من ظل العرش بحسب عمله، وسائر المؤمنين شركاء في ظله (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1869

ب بيان أن أفضل الصدقة ما وافق حاجة المتصدق عليه ٦٣٣/ ٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: " أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمإ سقاه الله من الرحقيق المختوم". رواه أبو داود، وفي سنده لين. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " فضل سقي الماء" (١٦٨٢) من طريق أبي خالد الدالاني، عن نبيح، عن أبي سعيد ﵁، به مرفوعًا. وهذا إسناد ضعيف، أبو خالد الدالاني - نسبة إلى بني دالان بطن من همدان - صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلس (١). ونبيح، وهو ابن عبد الله العنزي، ذكره علي بن المديني في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود بن قيسٍ. وقال أبو زرعة: (ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس). وقال العجلي: (كوفي، ثقة). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). وصحح الترمذي حديثه، وكذا ابن خزيمة، والحاكم، وابن حبان.

стр. 1870

والحديث ضعفه الألباني (١). وقد جاء من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد ﵁ موقوفًا ومرفوعًا. ورجح الترمذي وقفه. وذكره ابن أبي حاتم في " العلل" ونقل عن أبيه قوله: (الصحيح موقوف، الحفاظ لا يرفعونه) (٢). • الوجه الثاني: الحديث دليل على الحث على التحلي بهذه المكارم العظيمة، الدالة على محبة البذل والعطاء ابتغاء الأجر والثواب، وعلى أن من فعل شيئًا يجازى بمثله يوم القيامة، ﴿جزاء من ربك عطاء حسابًا﴾ [النبأ: ٣٦]، ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]، فمن كسا كسي من ثياب الجنة الخضر، وهي أنفس ثيابها وأغلاها، ومن أطعم أطعم من ثمار الجنة، ومن سقى سقي من الرحيق المختوم بالمسك، والرحيق: صفوة الخمر الذي لا غش فيه. والحديث وإن كان إسناده ضعيفًا، لكن معناه صحيح؛ لأن الجزاء من جنس العمل والجنة دار الكرامة ودار النعيم، ودار الجزاء والإحسان، والله تعالى يجازي العامل بعمله وأكثر من عمله تفضلًا منه . • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن أفضل الصدقة ما وافق حاجة في المتصدق عليه، كأن يكسو مسلمًا على عري، وهي الحاجة إلى الثوب لدفع حر أو برد أو لتجمل؛ وإن لم يكن مكشوف العورة، أو يطعم مسلمًا محتاجًا إلى الأكل، أو يسقي مسلمًا على ظمًا فيعطيه ما يشربه أو يتسبب له بوسيلة من سائل التبريد المعروفة، فإنه كلما كانت الحاجة أشد كان النفع أعظم. وعلى المسلم أن يتحرى ذلك وينظر ما يناسب كل وقت من الصدقات، فإذا كان وقت الشتاء ناسب التصدق بالأغذية والأغطية والألبسة التي تدفئ الجسم؛ وإن كان صيفًا ناسب التصدق بوسائل التبريد من مكيف وبرادة ماء، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1871

بيان أي الصدقة أفضل ٦٣٤/ ٤ - عن حكيم بن حزام ﵁، عن النبي ﷺ قال: " اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله". متفق عليه، واللفظ للبخاري. ٦٣٥/ ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: " جهد المقل، وابدأ بمن تعول". أخرجه أحمد، وأبو داود، صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث حكيم بن حزام ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤) من طريق وهيب (١)، حدثنا هشام، عن أبيه، عن حكيم بن حزام ﵁، عن النبي ﷺ قال: … فذكره. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أحمد (١٤/ ٣٢٤)، وأبو داود في كتاب " الزكاة"، باب "في الرخصة في التصدق بجميع المال" (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤)، وابن حبان (٣٣٣٥)، والحاكم (١/ ٤١٤) من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.

стр. 1872

وهذا إسناد صحيح. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، لكن تعقبه ابن عبد الهادي فقال: (ليس كذلك فإن يحيى بن جعدة لم يرو له مسلم، ولكن وثقه أبو حاتم وغيره) (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (اليد العليا) هي يد المعطي. قوله: (اليد السفلى) هي يد السائل، وقد ورد هذا التفسير وما قبله في عدد من الأحاديث مرفوعًا إلى النبي ﷺ . قوله: (وابدأ بمن تعول) أي: في الإعطاء والإنفاق ابدأ (بمن تعول) وهم أهل بيتك الذين تنفق عليهم. قوله: (عن ظهر غنى) أي: ما كان المتصدق به غير محتاج إليه لنفقة عياله وأهله، ولا يحتاجه لسداد دين عن نفسه، وقد ذكر الخطابي أن لفظ (الظهر) يزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام. قوله: (ومن يستعفف يعفه الله) أي: من يطلب العفة واجتناب السؤال (يعفه الله) أي: يوفقه للعفاف ويغنيه عما في أيدي الناس، وييسر له حاجته. قوله: (ومن يستغن يغنه الله) أي: ومن يستغن بما عنده قل أو كثر ويقتنع به، ويقطع الطمع من نفسه، ويظهر الغنى، فإن الله تعالى يرزقه الغنى عن الناس فلا يحتاج إلى أحد، بل يسد حاجته ويقنعه؛ لأن النفس إن أرسلتها استرسلت؛ وإن فطمتها وقفت وانفطمت. قوله: (جهد المقل) الجهد بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، والمراد هنا الأول، ومعناه: ما يحتمله حال القليل المال. والمقل بضم الميم وكسر القاف: قليل الماء. وهذا لا ينافي ما قبله من أن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى؛ لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء

стр. 1873

بأقل الكفاية، وذلك أن من كان ماله أقل ثم جاد فهو أفضل ممن كان ماله كثيرًا، فمن اتسعت أمواله وتصدق بألف دينار فإنها لا تقاس بمن تصدق بدينار يكون هو الفاضل عن حاجته، فإنه كلما دعت الحاجة إلى المال وجاد به كان ذلك دليلًا على رغبته فيما عند الله تعالى وطلب ثوابه ورضوانه. • الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصدقة، والترغيب في البذل والإنفاق. • الوجع الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يبدأ بنفقة عياله وأهله ومن تجب عليه نفقتهم. • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن أفضل الصدقة ما كان عن سعة وفضل وغنى بعد أن يؤدي ما يلزمه نحو أهله وأولاده ثم يجود بعد ذلك على البعيدين. قال تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العقو﴾ [البقرة: ٢١٩]. والعفو: ما فضل وزاد عن الحاجة، كما قاله غير واحد من السلف (١). • الوجه السادس: الحديث دليل على استحباب التعفف عما في أيدي الناس، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله؛ بل يثق بربه ويتوكل عليه، ومن استعف عما في أيدي الناس وجاهد نفسه فإن الله تعالى يغنيه بأن يسد حاجته وخلته، ويجعل في قلبه القناعة والغنى، ومن دعاء النبي ﷺ : " اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" (٢). والهدى: هو العلم النافع. والتقى: العمل الصالح وترك المحرمات كلها، وهذا صلاح الدين، وتمام ذلك بصلاح القلب وطمأنينته بالعفاف عن الخلق والغنى بالله تعالى، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1874

ما جاء في أن النفقة الواجبة مقدمة على التطوع ٦٣٦/ ٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: " تصدقوا"، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: " تصدق به على نفسك" قال: عندي آخر، قال: " تصدق به على ولدك"، قال: عندي آخر، قال: " تصدق به على خادمك"، قال: عندي آخر، قال: " أنت أبصر". رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " في صلة الرحم" (١٦٩١)، والنسائي (٥/ ٦٢)، وابن حبان (٨/ ١٢٦)، والحاكم (١/ ٤١٥) من طريق محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار. فقال: … فذكر الحديث. وهذا لفظ أبي داود، ولفظ " البلوغ" هو لفظ أحمد (١٢/ ٣٨١)، وفي جميع المصادر جملة سقطت من "البلوغ": (قال: عندي آخر. قال: "تصدق به على زوجك". لكن في " المسند" بعد قوله: " على نفسك"، وعند أبي داود بعد قوله: " على ولدك". وهذا سند حسن. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.

стр. 1875

وهذا فيه نظر، فإنه ليس على شرط مسلم؛ لأن ابن عجلان لم يحتج به مسلم في الأصول، وإنما في الشواهد، وقد نقل الذهبي نفسه عن الحاكم أنه قال عن ابن عجلان: (أخرج له مسلم في كتابه ثلاثة عشر حديثًا كلها شواهد) (١). وقد ذكر الذهبي أنه صدوق متوسط الحفظ، فهو حسن الحديث. وقال الحافظ في " التقريب": (صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁. • الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل النفقة على الزوجة والأولاد ومن تحت يد الإنسان من الخدم ونحوهم ممن يمونهم الإنسان، وأن هذه النفقة بمثابة الصدقة، وأن صاحبها مأجور عليها إذا استحضر النية في ذلك؛ لأن مثل هذه النفقات تكون غابًا بدافع المودة والشفقة، والدافع الغريزي. وعن أبي مسعود البدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك (٣) "، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1876

بيان أجر المرأة إذا تصدقت من بيت زوجها ٦٣٧/ ٧ - عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : " إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها، غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا". متفق عليه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب " الزكاة"، في عدة أبواب منها: باب " من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه" (١٤٢٥)، ومسلم (١٠٤٢) من طريق شقيق، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا، والحديث ورد بعدة ألفاظ. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يجوز للزوجة أن تنفق من طعام بيتها ولو لم تستأذن زوجها في ذلك؛ لأن الموضع موضع بيان، ولو كان الإذن شرطًا لبينه الرسول ﷺ . وهذا محمول عند الفقهاء من الحنفية والشافعية، والمذهب عند الحنابلة على الشيء اليسير الذي جرت العادة بالسماح به، مثل: الرغيف، وزائد الطعام المطهي، وبقية الفاكهة، ونحو ذلك مما يتسامح فيه الناس، وجرى العرف برضا الزوج في مثله، فيكون إذنه في ذلك حاصلًا ولو لم يتكلم. وشرط ذلك أن تكون غير مفسدة؛ أي: بلا إسراف ولا تبذير؛ كإعطاء ما لم تجر العادة بإعطائه، فهذا لا يجوز؛ لأنه قد يخل بنفقة زوجها ومن يعوله.

стр. 1877

وقد قيد بالطعام؛ لأن الذي يتسامح به عادة بخلاف النقود؛ فإن إنفاق المرأة منها لا يكون إلا بعد إذن صريح من الزوج. • الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن المرأة إذا أنفقت من طعام بيتها فلها الأجر كاملًا كما أن لزوجها الأجر كاملًا لأن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، فالزوج له نصيب بكسبه، والمرأة لها نصيب بعملها وتصدقه، ومثل ذلك الخادم، ولا يزاحم أحدهما الآخر؛ لأن فضل الله عظيم. لكن ورد حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره، فلها نصف أجره" (١)، وهذا يدل على أن لها نصف الأجر. ولعل المراد والله أعلم أنها إذا أنفقت بإذن زوجها صار لها الأجر كاملًا، وعلى هذا يحمل حديث عائشة ﵂، وإذا أنفقت بدون إذنه صار لها نصف الأجر؛ فإن عرفت منه عدم الإذن أو صدر منه نهي صريح فليس لها أن تنفق، وليس لها أجر بل عليها وزر؛ لأنها تصرفت في مال غيرها بلا إذنه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1878

حكم إعطاء الزوجة صدقتها لزوجها ٦٣٨/ ٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود، فقالت: يا رسول الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : " صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم". رواه البخاري. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " الزكاة على الأقارب"، (١٤٦٢) من طريق محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال: " أيها الناس تصدقوا" فمر على النساء فقال: " يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء؟ ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله، هذه زينب، فقال: " أي الزيانب؟ " فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: " نعم ائذنوا لها" فأذن لها، قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة … الحديث. • الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بجواز صرف الزوجة

стр. 1879

زكاتها إلى زوجها المحتاج. وهذا قول الشافعي، وأحمد في الرواية المعتمدة في المذهب، وصاحبي أبي حنيفة، والثوري، وابن المنذر، واختاره الشوكاني. وحملوا هذا الحديث على الصدقة الواجبة، لقولها: (أفيجزئ عني؟) (١)، كما في رواية البخاري (٢). وحمل آخرون الصدقة في هذا الحديث على صدقة التطوع؛ لقولها: (كان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به) ولم تقل: أتصدق منه أو أزكية؛ ولأن فعلها هذا كان بعد أن سمعت النبي ﷺ يحث على عموم الصدقة، فبادرت ﵂ بما عندها. وأما قولها: (أفيجزئ عني) فالمراد به في الوقاية من النار؛ كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تحقق لها المقصود من تحصيل الثواب ودرء العقاب. قال ابن الهمام: (المعنى: هل يكفي التصدق عليه في تحقيق مسمى الصدقة وتحقيق مصودها من التقرب إلى الله تعالى) (٣). وهذا اختيار ابن قدامة، والنووي، وابن حجر، وآخرين. قالوا: المراد بالحديث صدقة التطوع (٤). والقول الثاني: أنه لا يجوز للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها المحتاج، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد (٥)؛ لأن الرجل من امرأته كالمرأة من زوجها، فإذ لم يجز له دفع زكاته لامرأته لم يجز لها دفع زكاتها لزوجها. والذي يظهر والله أعلم جواز صرف المرأة زكاتها إلى زوجها لأمرين:

стр. 1880

١ - عموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء … ﴾ [التوبة: ٦٠] والزوج إذا كان فقيرًا داخل في هذا العموم؛ لأنه إذا وجد السبب ثبت الحكم إلا بدليل، ومن قال: إن الزوج مستثنى فعليه الدليل، وليس هناك دليل من القرآن ولا من السنة على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها. ٢ - أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، والنبي ﷺ لم يستفصل هذه المرأة عن الصدقة هل هي تطوع أو واجبة؟ فكأنه قال: يجزئ عنك فرضًا كان أم تطوعًا. وأما حديث الباب فالظاهر أنه في صدقة التطوع لا في الصدقة الواجبة؛ لأن السياق يرجح ذلك؛ ولأنه ورد في بعض الروايات: " تصدقن ولو من حليكن"؛ كما أن قوله: " زوجك وولدك أحق من تصدقن به عليهم" يؤيد ذلك؛ لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة إذا كان والده ينفق عليه؛ فإن كان الولد فقيرًا والأب عاجز عن نفقه جاز صرف الزكاة إليه على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أنه أحد القولين في مذهب أحمد (١). • الوجه الثالث: اختلف العلماء في جواز صرف الزوج زكاته إلى زوجته على قوليه: الأول: أنه لا يجوز للزوج دفع زكاته إلى زوجته المحتاجة، وهذا قول الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، بل نقل ابن المنذر فيه الإجماع (٢)، واستدلوا بأن الزوجة غنية بما على زوجها من النفقة، فتستغني بها عن الزكاة، فإذا دفع إليها الزكاة أغنتها عن النفقة الواجبة، فعاد إليه نفع الزكاة، فكأنه دفعها إلى نفسه. والقول الثاني: أنه يجوز للزوج صرف زكاته إلى زوجته، وهذا وجه مرجوح في مذهب الشافعية، ورواية مرجوحة في مذهب الإمام أحمد (٣)،

стр. 1881

واستدلوا بأنه إذا صرف الزكاة إليها، لا يدفع عن نفسه النفقة؛ لأن نفقتها عوض لازم، سواء أكانت غنية أم فقيرة، لإصار كمن استأجر فقيرًا فإن له دفع الزكاة إليه مع الأجرة. والقول الأول قوي. لكن قد يقال: إن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها لا يصيرها غنيةً الغنى الذي يمنع من حل الزكاة، فإذا أعطاها شيئًا لا يسقط به حقًا واجبًا جاز، مثل ما لو أعطاها لقضاء دين عليها، فالظاهر الإجزاء؛ لأن قضاء الدين عن زوجته غير واجب عليه، وهذا اختيار بعض فقهاء الحنابلة، والله تعالى أعلم (١). * * *

стр. 1882

ذم المسألة وما فيها من الوعيد ٦٣٩/ ٩ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم". متفق عليه. ٦٤٠/ ١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر". رواه مسلم. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عمر ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " من سأل الناس تكثرًا" (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠) (١٠٤) من طريق الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه امسلم في كتاب " الزكاة"، باب " كراهة المسألة للناس" (١٠٤١) من طريق محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا. • الوجه الثاني: في الحديثين دليل على تحريم سؤال الناس وطلبهم أن يتصدقوا عليه من دون حاجة إلى ذلك. وقد ثبت الوعيد العظيم فيمن سأل بلا فقر ولا حاجة؛ وإنما سأل ليكثر ماله ويزيده، وذلك بأنه يعقاب يوم القيامة بأن يأتي وليس في وجهه مزعة لحم؛ أي: قطعة لحم، للدلالة على أنه كان يسأل الناس من دون حاجة، والجزاء من جنس العمل، فحيث كان وجهه هو الذي يسأل ويقابل الناس عند السؤال صار العذاب منصبًا عليه.

стр. 1883

كما دل حديث أبي هريرة ﵁ على أن من سأل المال تكثيرًا وجمعًا؛ فإنما يجمع جمرًا يعذب به يوم القيامة من نار جهنم؛ لأنه جمع مالًا حرامًا، ولهذا قال على سبيل التهديد: " فليستقل أو ليستكثر". • الوجه الثالث: مفهوم قوله: " تكثرًا" يفيد أنه لو سأل من فقر وحاجة أن ذلك مباح ولا يعاقب عليه؛ لأنه يطلب حقه الذي أباحه له الشرع من زكاة وصدقة تطوع وكفارة، وغير ذلك. • الوجه الرابع: حرم الإسلام السؤال واتخاذ التسول مهنة وحرفة لمن كان غنيًا بماله الحاضر، أو بغلة عقار يدر عليه ما يكفيه، أو بصنعة تقوم بكفايته، أو بقوة بدنه على العمل إذا تحققت أسبابه؛ لأن في السؤال مع عدم الحاجة آثارًا سيئة ومفاسد عظيمة، منها: ١ - أن السؤال ذل ومهانة وإهدار لكرامة الإنسان، والسؤال يذهب الحياء حتى لو أعطي السائل، فكيف لو منع؟! ٢ - أن السؤال تعطيل للقوى والمواهب عن أن تجد وتكدح وتبتكر ما ينفع المجتمع المسلم. ٣ - أن السؤال وسيلة للخداع والاحتيال؛ لأنه يحمل صاحبه على أن يتزيا بزي الفقراء والمساكين، ويتظاهر بالعاهات والأمراض، ليستثير بذلك عواطف الناس استدرارًا لبرهم وإحسانهم ورحمتهم (١). ٤ - أن السؤال فيه جحد لنعمة الله تعالى على عبده وإنكار لها، حيث تشبه بالفقراء والمعدمين، وهذا جحد لنعمة الله وإظهار شكوى؛ لأن لسان الحال كلسان المقال، والمطلوب من العبد إظهار نعمة الله عليه، كما تقدم في باب " اللباس". فعلى المسلم أن يحذر هذه العادة الذميمة، وأن يتربى على علو الهمة وعزة النفس، والترفع عن الدنايا، ولا يعرض نفسه للهوان والمذلة مع قدرته على العمل والتكسب، وأن يشكر ربه على سلامة البدن وتمام الخلقة وقوة الجوارح، وأن يستغلها فيما ينفع ويفيد، والله تعالى أعلم.

стр. 1884

الحث على العمل وذم المسألة ٦٤١/ ١١ - عن الزبير بن العوام ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". رواه البخاري. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب " الزكاة"، باب " الاستعفاف عن المسألة"، (١٤٧١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام ﵁، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في الحديث الحث على الكسب والعمل والاستغناء به عن سؤال الناس؛ لأن هذا خير وأفضل من سؤال الناس أعطوه أو منعوه؛ لأن السؤال ذل ومهانة وانكسار، فلا يليق بالمسلم أن يذل نفسه للناس وهو قادر على أن يترفع عن ذلك بالجد والعمل ولو أتعب نفسه وحصلت له المشقة. وعلى هذا فقوله: (خير له) أفعل تفضيل ليس على بابه، إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، بل يرى بعض أهل العلم أن سؤال من هذا حالة حرام، ويحتمل أن أفعل التفضيل على بابه بناءً على اعتقاد السائل، وتسمية الذي يعطاه خيرًا. وذكر الاحتطاب في الحديث ليس مرادًا؛ وإنما المقصود طلب الكسب بأي طريق مباح، وكل ميسر لما خلق له، كما هو مشاهد في حياة الناس. •

стр. 1885

الوجه الثالث: اختلف العلماء في أفضل المكاسب على أقوال، ستأتي إن شاء الله تعالى في كتاب "البيوع"، والأظهر والله أعلم أن هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد قال النبي ﷺ : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله" (١). فعلى المسلم أن يمشي في مناكب الأرض ويبتغي من فضل الله تعالى؛ وأن يدرك تمام الإدراك أن العمل وإن نظر إليه بعض الناس نظر استهانة فهو أفضل من تكفف الناس، وإراقة ماء الوجه بالسؤال، ولا سيما من شاب يتدفق حيوية ونشاطًا، فالعمل والتكسب هو طريق المرسلين، ومنهج الصحابة والتابعين، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1886

ما يستثنى من ذم السؤال ٦٤٢/ ١٢ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله صىل الله عليه وسلم: "المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمر لا بد منه". رواه الترمذي وصححه. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في أبواب " الزكاة"، باب " ما جاء في النهي عن المسألة" (٦٨١) من طريق عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). • الوجه الثاني: الحديث دليل على ذم المسألة وأنها كد وتعب ونصب يلبسها الرجل وجهه أمام الناس حين يسألهم، فيؤدي ذلك إلى ذهاب ماء الوجه وبهائه، مع ما يحدث للسائل حين السؤال من تقيض وتغير عند المسألة. وقد جاء الحديث عند أبي داود (١٦٣٩)، والنسائي (٥/ ١٠٠) بهذا الإسناد بلفظ: " المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدًا"، وعند النسائي: " فمن شاء كدح وجهه، ومن شاء ترك". والكدوح: جمع كدح، وهو كل أثر من خدش أو عض، والمراد هنا ما تقدم من أن السؤال يريق ماء الوجه، ويذهب بهاءه وكرامته، فهو شين في

стр. 1887

العرض كالجراحة شين في الوجه، وذلك بما يظهر على السائل من أمارات الذل والهوان. • الوجه الثالث: استثنى الحديث حالتين يجوز فيهما السؤال: الأولى: سؤال السلطان، وهو الإمام الأعظم، فإنه يجوز سؤاله؛ لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال، ولا منة للسلطان على السائل؛ لأنه وكيل، فهو كسؤال الإنسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه. الثانية: السؤال عند الضرورة، وهو أن يكون ذلك في أمر لابد منه، إما بسبب حمالة تحملها، أو جائحة اجتاحت ماله، أو فاقة أصابته، كما سيأتي في حديث قبيصة بن المخارق ﵁، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1888

باب قسم الصدقات وفي بعض النسخ: قسمة الصدقات. والغرض من هذا الباب بيان مصارف الزكاة، ومن يعطى منها ومن لا يعطى، وهذا من الأبواب المهمة في كتاب "الزكاة"، لمسيس الحاجة إلى معرفة ما يجوز أخذه وما لا يجوز أخذه. وقد بين الله تعالى المستحقين للزكاة بنفسه، ولم يكلها إلى أحد سواه، حتى لا تكون هذه الشعيرة العظيمة ألعوبة للعواطف والأهواء، فحصرها الله تعالى في ثمانية أصناف، لا تصرف في سواها. قال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. ولعل مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين من أسمائه الحنسى، هو التنبيه على أن فريضة دفع الزكاة في هذه الأصناف صادر عن علم بمن يستحق، وحكمة في وضعها مواضعها، حتى يطمئن القلب، ولا يبقى محل لاجتهاد مجتهد في دفعها في غير هذه الأصناف. وما ذكر المصنف من الأحاديث في هذا الباب هو لبيان الأصناف الذي لا تصرف لهم الزكاة، ومنهم: الأغنياء إلا ما استثنى، والأقوياء المكتسبون، وآل النبي ﷺ ، مع ما يأتي في هذا الباب من أحاديث أخرى. * * *

стр. 1889

الغني الذي تحل له الصدقة ٦٤٣/ ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها، فأهدى منها لغني". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، وأعل بالإرسال. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (١٨/ ٩٧)، وأبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني" (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، والحاكم (١/ ٤٠٧) كلهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁، به مرفوعًا. وقد صححه ابن خزيمة (٤/ ٧١)، والحاكم (١/ ٤٠٧)، والبيهقي (٧/ ١٥)، وابن عبد البر (٥/ ٩٦)، والذهبي، والألباني (١). وقد روى هذا الحديث مرسلًا مالك (٢)، ومن طريقه أبو داود (٣)، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقد رجح المرسل أبو حاتم، وأبو زرعة (٤)، والدارقطني (٥).

стр. 1890

الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الغني ليس من أهل الزكاة، ولكن قد تحل له بطرق شرعية نص عليها هذا الحديث، وهي: ١ - أن يكون من العاملين عليها، وهم الولاة على الزكاة؛ كالساعي، والجابي، والحافظ، والقاسم، ومن معهم من كتبة وحاسبين، فهؤلاء يعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء، لأنهم يعطون للحاجة إليهم لعملهم فيها. ٢ - غني اشترى الزكاة من المتصدق عليهم بماله، فتحل له لأنه اشتراها بماله، فإن كانت زكاة غيره فشراؤه لها جائز اتفاقًا، وأما شراؤه زكاة نفسه، فالجمهور على كراهته. ٣ - الغارم، وأصل الغرم في اللغة: اللزوم. وسمي غارمًا؛ لأن الدين قد لزمه. فالغارم من لحقه الغرم، وهو الضمان والإلزام بالمال، وهو نوعان: الأول: غارم لإصلاح ذات البين، وذلك بأن يقع بين جماعة عظيمة شر وفتنة، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم، ويلتزم في ذمته مالًا لإطفاء الفتنة، فهذا قد أسدى نفعًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة، لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين، أو يوهن عزائمهم عن تسكين الفتن وكف المفاسد. الثاني: الغارم لنفسه، وهو من نزلت به مصيبة في المال لا يستطيع احتمالها؛ كوجوب دين عليه في نفقة أو زواج أو علاج أو بناء مسكن، أو أتلف شيئًا لغيره خطأ، أو نزل بماله جائحة، فهذا يعطى وفاء دينه، بشرط أن يكون غير قادر على السداد بنقود أو مرتب أو عروض تجارة؛ وألا يكون مسرفًا بالإنفاق على نفسه. ٤ - الرابع ممن يعطى ولو غنيًا: الغازي في سبيل الله، ومن يقاتل مجاهدًا لإعلاء كلمة الله تعالى، فيعطى من الزكاة ولو كان غنيًا، ويشترى له السلاح وكل ما يقوم به الجهاد دفاعًا أو هجومًا.

стр. 1891

٥ - الغني إذا زار مسكينًا قد تصدق عليه من الزكاة، فأهدى منها لهذا الغني، أو أكل من طعامه، فهذا جائز؛ لأنه هدية من هذا المسكين لهذا الغني، وليست بصدقة عليه، ولولا هذا لامتنع الأغنياء عن زيارة الفقراء، ولكن من رحمة الله تعالى أنه أباح ذلك، وسيأتي ضابط الغنى الذي تحرم معه الزكاة في الحديث الآتي، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1892

حكم الصدقة للغني والقوي المكتسب ٦٤٤/ ٢ - عن عبيد الله بن عدي بن الخيار؛ أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال: " إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". رواه أحمد وقواه، وأبو داود، والنسائي. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو عبيد الله بالتصغير بن عدي بن الخيار بكسر الخاء بعدها ياء مخففة بن عدي القرشي النوفلي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وهو من كبار التابعين، ولم يذكره أحد من الصحابة سوى ابن سعد على ما ذكره الذهبي، ولعل ذلك لما قيل من أنه كان عام الفتح صغيرًا مميزًا، قال ابن سعد: (كان ثقة، قليل الحديث). وقال العجلي: (تابعي ثقة من كبار التابعين). وفي صحيح البخاري: (أن عثمان ﵁ قال له: أدركت رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، ولكن خلص إلى من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها) (١). قال الحافظ: (ومراده أنه لم يدرك السماع من النبي ﷺ ، ولم يره رؤية المميز له، وإن كان قد ولد في حياته ﷺ ، روى عن عمر وعثمان وعلي والمقدار ووحشي بن حرب وغيرهم ﵃، وقد روى البخاري في " صحيحه" قصة رؤيته وحشي بن حرب قاتل حمزة ﵁ وذلك في حمص من بلاد الشام (٢)،

стр. 1893

كانت وفاته بالمدينة سنة خمس وتسعين على ما ذكره ابن حبان (١). • الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٨/ ١٦٢)، وأبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " من يعطى من الصدقة؟ وحد الغنى" (١٦٣٣)، والنسائي (٥/ ٩٩ - ١٠٠) من طرق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين فقال: … وذكر الحديث. وهذا إسناد صحيح، كما قال النووي (٢)، وابن عبد الهادي (٣) ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: (ما أجوده من حديث)، وقال: (هو أحسنها إسنادًا)، وهذا مراد الحافظ بقوله: (وقوه أحمد). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الغني لا تحل له الزكاة؛ لأن أخذ الغني منها من وصوله إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها، وهو إغناء الفقراء بها، والغنى وصف يختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا يمكن تحديده بقدر معلوم من المال، خلافًا لمن حدده بملك ربع النصاب، وهو خمسون درهمًا (٤)؛ وإنما الغني وجود ما يكفيه ويكفي من يعول، إما من ريصد مال موجود، أو صنعة نافعة، أو تجارة دارة، أو مرتب يتقاضاه، أو نحو ذلك مما يتحقق به اليسار وتحصل به الكفاية، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وابن حزم (٥). فإن لم يكن له مال ولا دخل يكفيه، فهذا من الفقراء والمساكين الذين تحل لهم الزكاة. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القوي المكتسب لا تحل له الزكاة؛ لأنه غني بكسبه؛ فإن كان قويًا لكنه غير مكتسب لوجود موانع منعته

стр. 1894

من الكسب، كمرض عارض، أو قلة أعمال، أو لأسباب أخرى منعته من الكسب، فإنه يعطى من الزكاة ما يكفيه، وكذا لو كان مكتسبًا ولكنه كسب ضعيف لا يسد حاجته وحاجة من يعول فإنه يعطى أيضًا. • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من ظهر منه ما يدل على أنه ليس أهلًا للزكاة لجلادته وقوته ونشاطه، أنه يوعظ ويبين له أن الزكاة لا يحل أخذها مع الغنى والقوة على الكسب؛ لأن النبي ﷺ قلب النظر في هذين الرجلين (فرآهما جلدين) تثنية جلد بفتح فسكون: وهو القوي، مأخوذ من الجلد بفتح الجيم واللام: وهو القوة، ثم قال: " إن شئتما أعطيتكما" أي: من الزكاة، ووكلت الأمر إلى ما تعلمانه ما حالكما، ويكون عليكما إثم الأخذ إن كنتما غنيين أو قادرين على الكسب. وهذا يدل على مسألتين: الأولى: أن المزكي يتحرى ويتحقق ممن يطلب الزكاة، وينظر هل هو يستحقها أو لا؟ الثانية: أنه يقبل قول الإنسان فيما يخير به عن نفسه من إعسار أو يسار؛ لأن ذلك أمر راجع إليه، فمن أصر على طلبها وأنه من أهلها ونحن لا نعلم خلاف ما يدعي فإننا نعطيه، أما إذا أصر على طلبها ونحن نعلم خلاف ما يدعي فإننا لا نعطيه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1895

جواز المسألة عند الحاجة ٦٤٥/ ٣ - عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا". رواه مسلم، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو قبيصة بفتح القاف بن مخارق بضم الميم الهلالي البصري ﵁، روى عن النبي ﷺ ، وروى عنه ابنه قطن، وكنانة بن نعيم، وأبو عثمان النهدي، وغيرهم. قال البخاري وابن حبان: (له صحبة). وقال ابن خزيمة بعد أن ساق حديثه في الكسوف: (ولا أقف ألقبيصة البجلي صحبة أم لا؟) (١)، قال الحافظ: (وفي الذي وقع عنده من نسبته نظر، فكأنه ظن أنه آخر وليس كذلك)، ثم ساق حديثه عند النسائي، من طريق أبي قلابة، عن قبيصة قال: (كسفت الشمس، ونحن إذا ذاك مع رسول الله ﷺ بالمدينة … ) الحديث (٢).
следующие страницы →