٥ - الغني إذا زار مسكينًا قد تصدق عليه من الزكاة، فأهدى منها لهذا الغني، أو أكل من طعامه، فهذا جائز؛ لأنه هدية من هذا المسكين لهذا الغني، وليست بصدقة عليه، ولولا هذا لامتنع الأغنياء عن زيارة الفقراء، ولكن من رحمة الله تعالى أنه أباح ذلك، وسيأتي ضابط الغنى الذي تحرم معه الزكاة في الحديث الآتي، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1892
حكم الصدقة للغني والقوي المكتسب
٦٤٤/ ٢ - عن عبيد الله بن عدي بن الخيار؛ أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال: " إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". رواه أحمد وقواه، وأبو داود، والنسائي.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو عبيد الله بالتصغير بن عدي بن الخيار بكسر الخاء بعدها ياء مخففة بن عدي القرشي النوفلي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وهو من كبار التابعين، ولم يذكره أحد من الصحابة سوى ابن سعد على ما ذكره الذهبي، ولعل ذلك لما قيل من أنه كان عام الفتح صغيرًا مميزًا، قال ابن سعد: (كان ثقة، قليل الحديث). وقال العجلي: (تابعي ثقة من كبار التابعين).
وفي صحيح البخاري: (أن عثمان ﵁ قال له: أدركت رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، ولكن خلص إلى من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها) (١).
قال الحافظ: (ومراده أنه لم يدرك السماع من النبي ﷺ ، ولم يره رؤية المميز له، وإن كان قد ولد في حياته ﷺ ، روى عن عمر وعثمان وعلي والمقدار ووحشي بن حرب وغيرهم ﵃، وقد روى البخاري في " صحيحه" قصة رؤيته وحشي بن حرب قاتل حمزة ﵁ وذلك في حمص من بلاد الشام (٢)،
стр. 1893
كانت وفاته بالمدينة سنة خمس وتسعين على ما ذكره ابن حبان (١).
• الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣٨/ ١٦٢)، وأبو داود في كتاب " الزكاة"، باب " من يعطى من الصدقة؟ وحد الغنى" (١٦٣٣)، والنسائي (٥/ ٩٩ - ١٠٠) من طرق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين فقال: … وذكر الحديث.
وهذا إسناد صحيح، كما قال النووي (٢)، وابن عبد الهادي (٣) ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: (ما أجوده من حديث)، وقال: (هو أحسنها إسنادًا)، وهذا مراد الحافظ بقوله: (وقوه أحمد).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الغني لا تحل له الزكاة؛ لأن أخذ الغني منها من وصوله إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها، وهو إغناء الفقراء بها، والغنى وصف يختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا يمكن تحديده بقدر معلوم من المال، خلافًا لمن حدده بملك ربع النصاب، وهو خمسون درهمًا (٤)؛ وإنما الغني وجود ما يكفيه ويكفي من يعول، إما من ريصد مال موجود، أو صنعة نافعة، أو تجارة دارة، أو مرتب يتقاضاه، أو نحو ذلك مما يتحقق به اليسار وتحصل به الكفاية، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وابن حزم (٥).
فإن لم يكن له مال ولا دخل يكفيه، فهذا من الفقراء والمساكين الذين تحل لهم الزكاة.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القوي المكتسب لا تحل له الزكاة؛ لأنه غني بكسبه؛ فإن كان قويًا لكنه غير مكتسب لوجود موانع منعته
стр. 1894
من الكسب، كمرض عارض، أو قلة أعمال، أو لأسباب أخرى منعته من الكسب، فإنه يعطى من الزكاة ما يكفيه، وكذا لو كان مكتسبًا ولكنه كسب ضعيف لا يسد حاجته وحاجة من يعول فإنه يعطى أيضًا.
• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من ظهر منه ما يدل على أنه ليس أهلًا للزكاة لجلادته وقوته ونشاطه، أنه يوعظ ويبين له أن الزكاة لا يحل أخذها مع الغنى والقوة على الكسب؛ لأن النبي ﷺ قلب النظر في هذين الرجلين (فرآهما جلدين) تثنية جلد بفتح فسكون: وهو القوي، مأخوذ من الجلد بفتح الجيم واللام: وهو القوة، ثم قال: " إن شئتما أعطيتكما" أي: من الزكاة، ووكلت الأمر إلى ما تعلمانه ما حالكما، ويكون عليكما إثم الأخذ إن كنتما غنيين أو قادرين على الكسب.
وهذا يدل على مسألتين:
الأولى: أن المزكي يتحرى ويتحقق ممن يطلب الزكاة، وينظر هل هو يستحقها أو لا؟
الثانية: أنه يقبل قول الإنسان فيما يخير به عن نفسه من إعسار أو يسار؛ لأن ذلك أمر راجع إليه، فمن أصر على طلبها وأنه من أهلها ونحن لا نعلم خلاف ما يدعي فإننا نعطيه، أما إذا أصر على طلبها ونحن نعلم خلاف ما يدعي فإننا لا نعطيه، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1895
جواز المسألة عند الحاجة
٦٤٥/ ٣ - عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا".
رواه مسلم، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو قبيصة بفتح القاف بن مخارق بضم الميم الهلالي البصري ﵁، روى عن النبي ﷺ ، وروى عنه ابنه قطن، وكنانة بن نعيم، وأبو عثمان النهدي، وغيرهم. قال البخاري وابن حبان: (له صحبة). وقال ابن خزيمة بعد أن ساق حديثه في الكسوف: (ولا أقف ألقبيصة البجلي صحبة أم لا؟) (١)، قال الحافظ: (وفي الذي وقع عنده من نسبته نظر، فكأنه ظن أنه آخر وليس كذلك)، ثم ساق حديثه عند النسائي، من طريق أبي قلابة، عن قبيصة قال: (كسفت الشمس، ونحن إذا ذاك مع رسول الله ﷺ بالمدينة … ) الحديث (٢).
стр. 1896
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب " الزكاة"، باب " من تحل له المسألة" (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، وابن خزيمة (٢٣٦١)، وابن حبان (٨/ ١٩٠) من طريق هارون بن رئاب، حدثني كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ اسأله فيها، فقال: " أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها"، قال: ثم قال: " يا قبيصة إن المسألة … " وذكر تمام الحديث، وهذا الحديث قد أعاده الحافظ في كتاب " البيوع" آخر باب " التفليس والحجر"، وسيأتي هناك بيان مناسبته إن شاء الله.
• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (حمالة) بفتح لاحاء كسحابة، هي المال الذي يتحمله الإنسان فيستدينه ويدفعه لإصلاح ذات البين، ودفع نزاع قائم بين طائفتين.
قوله: (جائحة) بفتح الجيم، هي الآفة السماوية التي لا صنع للآدمي فيها كالبرد، والسيل، والنار، والفيضان، ونحو ذلك.
قوله: (قوامًا من عيش) وعند مسلم وغيره زيادة: " أو قال: سدادًا من عيش" والقوام بكسر القاف، والسداد بكسر السين المهملة: ما يقوم بحاجة الإنسان ويسد به خلته. و "أو" للشك.
قوله: (فاقة) أي: فقر شديد اشتهر به بين قومه بعد الغنى.
قوله: (حتى يقوم ثلاثة) أي: يقومون بهذا الأمر فيقولون: لقد أصابت … إلخ.
قوله: (من ذوي الحجا) بكسر الحاء المهملة والقصر: هو العقل، والمعنى: حتى يشهد ثلاثة من قومه من أرباب العقول الراجحة أنه أصابت فلانًا حاجة وفقر، وصارت حالته تدعو إلى العطف.
واعتبار العقل للتنبيه على أنه ينبغي في المخبر أن يكون متيقظًا عالمًا بما يقول؛ لأن غير المتيقظ لا يوثق بخبره.
стр. 1897
واعتبار الثلاثة للاحتياط والمبالغة في إثبات الفاقة، وليكون قولهم أدل على براءة السائل من التهمة في ادعائه الحاجة، وأدعى إلى سرعة إجابته.
قوله: (من قومه) إنما خصوا بكونهم من قومه؛ لأنهم هم العالمون بحاله وهم أخبر بباطن أمره.
قوله: (سحت) بضم السين المهملة، وإسكان الحاء المهملة، هو الكسب الحرام، وسمي سحتًا؛ لأنه يسحت البركة، أي: يذهبها.
ورواية مسلم: " فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا" بالنصب. قال النووي: (هكذا هو في جميع النسخ: "سحتًا"، ورواية غير مسلم: " سحت" وهذا واضح، ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار، أي: اعتقده سحتًا، أو يؤكل سحتًا). ولعل هذا من أسباب إضافة الحافظ أبي داود وابن حبان إلى مسلم، وأما إضافة ابن خزيمة فتفهم مما تقدم.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المسألة لا تحل إلا لأحد هؤلاء الثلاثة:
الأول: من تحمل حمالة دين عن غيره؛ كمال أصلح بن بين طائفتين، فهذا يعطى من الصدقة تسديد ذلك الدين وإن كان غنيًا، لما في ذلك من الترغيب في مكارم الأخلاق، وكانت العرب إذا تحمل أحدهم حمالة بادروا إلى معونه، وإذا سأل لم يعدوا ذلك نقصًا في قدره، بل هو من مفاخره.
الثاني: من أصابت ماله جائحة أهلكت ماله، من سيل أو نار أو نحو ذلك، فهذا يحل له السؤال ويجب إعطاؤه ما يقوم به حاله ويسد خلته، ولا يتوقف ذلك على بينة يقيمها على ثبوت حاجته؛ لأن مثل هذه الأشياء لا تخفى آثارها عند وقوعها.
الثالث: من ادعى أنه أصابته فاقة وحاجة شديدة بعد أن كان غنيًا فإذا شهد له ثلاثة رجال من قومه من ذوي العقول المتيقظة بذلك حلت له المسألة.
وظاهر الحديث أنه لابد من ثلاثة، وبه استدل من قال: إن الإعسار لا
стр. 1898
يثبت إلا بشهادة ثلاثة، وهذا قول ابن خزيمة وبعض أصحاب الشافعي، وذكر ابن قدامة أنه نقل عن أحمد ما يدل عليه (١).
وذهب الجمهور إلى أنه يقبل في ذلك عدلان كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب (٢).
• الوجه الخامس: هذا الحديث مخصص بما تقدم في حديث سمرة بن جندب ﵁ من جواز السؤال لداع آخر غير ما ذكر هنا؛ كسؤال الرجل السلطان، ومثل ذلك سؤال المستحق للزكاة حقه منها.
• الوجه السادس: استدل بهذا الحديث بعض العلماء؛ كأبي عبيد على جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر (٣)، لأن قوله: (أقم حتى تأتينا الصدقة … ) يشمل ما يأتي من المدينة وما يأتي من خارج المدينة، لأن عمال الصدقات كانوا يرجعون إلى المدينة بما بقي في أيديهم، فيضعها النبي ﷺ فيما يرى من المصلحة. وتقدم الكلام على ذلك أول كتاب " الزكاة"، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1899
حكم الصدقة على بني هاشم وبني المطلب
٦٤٦/ ٤ - عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس".
وفي رواية: " وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد". رواه مسلم.
٦٤٧/ ٥ - وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵁ إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد". رواه البخاري.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي، وقد اختلف هل غير النبي ﷺ اسمه؟ فابن عبد البر يرى أن النبي ﷺ لم يغير اسمه، ورد ذلك الحافظ ابن حجر، ونقل عن الزبير بن بكار، وهو أعلم من غيره ينسب قريش؛ أنه لم يذكر أن اسمه إلا المطلب بن ربيعة، وصوبه أبو القاسم الطبراني، واقتصر عليه ابن عساكر في " تاريخه".
سكن المطلب المدينة، وانتقل إلى الشام في خلافة عمر ﵁، وتوفى في دمشق سنة اثنتين وستين، وله في الصحيحين وغيرهما ثمانية أحاديث، ﵁ (١).
стр. 1900
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث عبد المطلب فقد أخرجه مسلم في كتاب " الزكاة"، باب " ترك استعمال آل النبي على الصدقة" (١٠٧٢)(١٦٧) من طريق مالك، عن الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه، قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين قالا: لي وللفضل بن العباس إلى رسول الله ﷺ فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات … وساق الحديث بطوله … ، وفيه " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس … " الحديث.
وأخرجه مسلم أيضًا من طريق يونس بن يزيد، عن الزهري، به بنحو حديث مالك، وفيه: " إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولآل محمد … " الحديث.
وأما حديث جبير بن مطعم ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب " فرض الخمس"، باب "ومن الدليل على أن الخمس للإمام" (٣١٤٠) من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: … وذكر الحديث.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الزكاة لا تحل لآل النبي ﷺ الذين هم بنو هاشم. وهاشم: هو الجد الثاني للنبي ﷺ ، وذلك لأن عبد مناف له أربعة أولاد: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل. وبنو هاشم، هم: آل عباس بن عبد المطلب، وآل أبي طالب بن عبد المطلب، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب بن عبد المطلب.
قال عبد الرحمن بن قدامة: (لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة … ) (١).
وقد بين النبي ﷺ الحكمة من ذلك في قوله: " إنما هي أوساخ الناس"،
стр. 1901
والمعنى: أن الزكاة شرعت لتطهير أموال الناس ونفوسهم، فهي كغسالة أوساخهم وما نظف من أدرانهم.
• الوجه الرابع: استدل الشافعي وأتباعه بحديث جبير بن مطعم على أن بني المطلب كبني هاشم لا يعطون من الزكاة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وذلك لأن لهم نصيبًا من الخمس فيغنيهم عن الزكاة (١).
وذهب الجمهور إلى أن بني المطلب يعطون من الزكاة لما يلي:
١ - عموم الأدلة.
٢ - أنهم ليسوا من آل محمد، وإنما آل محمد هم بنو هاشم، فلا يدخلون في عموم: " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد".
وإما إعطاؤهم من الخمس فهو مبني على المناصرة والمؤازرة، لا لمجرد القرابة (٢)، بدليل أن بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة ولم يعطو شيئًا، ولهذا قال عثمان بن عفان ﵁ وهو من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم وهو من بني نوفل للنبي ﷺ : أعطيت بني المطلب من الخمس وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، أي: في قرابتنا لك؛ لأن الجميع من بني عبد مناف كما تقدم، فبين لهم السر في إعطاء بني المطلب، وهو أنهم مع بني هاشم شيء واحد في الجاهلية والإسلام، بخلاف بني نوفل وبني عبد شمس فإنهم صاروا حربًا على بني هاشم لما بعث الله نبيه ﷺ فلم يكن لهم من الفضل والنصرة ما كان لبني المطلب.
والنصرة لا تقتضي المنع من الزكاة، ولهذا قال النبي ﷺ : " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد"، وقال: " إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" (٣).
стр. 1902
وذلك أنه لما حصر بنو هاشم في الشعب وتعاهدت قريش على مقاطعتهم في البيع والشراء والنكاح وغيرها دخل معها بنو المطلب، وقالوا: أنتم إخواننا ولا نرضى نتخلى عنكم، فلهذا جعلهم النبي ﷺ من ذوي القربى، وأعطاهم من الخمس، ولم يعط بني نوفل ولا بني عبد شمس؛ لأنهم لم يناصروهم.
وهذا هو القول الراجح، فإن النص ورد في بني هاشم، وهم أقرب إلى النبي ﷺ وأشرف، وهم آله، كما تقدم.
• الوجه الخامس: ظاهر قوله ﷺ : " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد" أنه يشمل الصدقة الواجبة، وهي الزكاة، ويشمل صدقة التطوع، إلا أن قوله: " إنما هي أوساخ الناس" يدل على أن المراد الصدقة الواجبة لا صدقة التطوع؛ لأنها ليست كذلك، فيجوز لهم أخذها، باستثناء النبي ﷺ ؛ فإنه لا يأكل الزكاة ولا صدقة التطوع، وهذا هو مذهب الجمهور (١).
ويرى بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، أنه لا بأس بأعطائهم الآن من الزكاة، إذا حرموا من الخمس؛ دفعًا لضرورتهم إذا كانوا فقراء؛ فإن كثيرًا منهم قد يعتريه غرامات وديون، فيعطون عند الحاجة، والجمهور على أنهم لا يعطون مطلقًا؛ لعموم الأدلة، والله تعالى أعلم (٢).
* * *
стр. 1903
حكم الصدقة على موالي بني هاشم
٦٤٨/ ٦ - عن أبي رافع ﵁؛ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني، فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي ﷺ فأسأله. فأتاه فسأله، فقال: "مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة". رواه أحمد، والثلاثة، وابن خزيمة، وابن حبان.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو رافع، مولى رسول الله ﷺ ، كان من القبط، وقد غلبت عليه كنيه، فلذا اختلف في اسمه، فقال يحيى بن معين: اسمه إبراهيم. وقال ابن عبد البر: أشهر ما قيل في اسمه: أسلم. قيل: إنه كان للعباس فوهبه للنبي ﷺ ، وأعتقه لما بشره بإسلام العباس، أسلم أبو رافع قبل قدوم بدر ولم يشهدها، وشهد أحدًا وما بعدها. روى عنه ابناه عبيد الله والحسن، وعطاء بن يسار. توفي بالمدينة قبل.
عثمان بيسير أو بعده. وقال ابن حبان: مات في خلافة علي ﵁ (١).
• الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣٩/ ٣٠٠)، وأبو داود في كتاب "الزكاة"، باب " الصدقة على بني هاشم" (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (٥/ ١٠٧)،
стр. 1904
وابن خزيمة (٢٣٤٤)، وابن حبان (٨/ ٨٨) كلهم من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على الصدقة … الحديث.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح … وابن أبي رافع هو عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي بن أبي طالب ﵁.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الزكاة لا تدفع لموالي بني هاشم، وأن حكمهم حكم أسيادهم في المنع من الزكاة، وذلك لقوله: " مولى القوم من أنفسهم".
والمعنى: أن احكم عتيق القوم كحكمهم، وشرف أسيادهم يسري إليهم، وهذا مذهب الجمهور، بل نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك (١)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1905
جواز أخذ المال إذا جاء من غير إشراف ولا سؤال
٦٤٩/ ٧ - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر العطاء، فيقول: أعطه أفقر مني، فيقول: " خذه فتموله، أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك". رواه مسلم.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب " الزكاة"، باب " إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف" (١٠٤٥) من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أن رسول الله صلى لله عليه وسلم كان يعطي عمر بن الخطاب ﵁ العطاء …
الحديث، وتمامه: قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه (١).
وقد رواه البخاري (١٤٧٣)، (٧١٦٣)، ومسلم (١٠٤٥)(١١١) على أنه من مسند عمر ﵁.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز أخذ المال إذا جاء لصاحبه من بيت المال من غير إشراف نفس ولا سؤال ما دام أنه من وجه شرعي؛ كأن يكون أعطيه على صفة هدية أو مكافأة على عمل أو على نشاط في العمل، ونحو ذلك، ولو كان الآخذ غنيًا، فيأخذه ويصرفه في وجه الخير فيأكل منه ويتصدق ونحو ذلك.
стр. 1906
الوجه الثالث: في الحديث منقبة لعمر ﵁ وما هو عليه من الزهد في الدنيا والبعد عن شهواتها وإيثاره غيره على نفسه.
• الوجه الرابع: يحتمل أن هذا الحديث مراد به ما يأتي النبي ﷺ من أموال زائدة كخراج أو جزية أو صدقات تطوع، فيعطي بعض أصحابه منها، ويعطي عمر ﵁ من جملة من يعطيه.
ويحتمل أن المراد بالعطاء أجر عمر ﵁ على عمله على الصدقات، ويؤيد ذلك رواية مسلم: ( … إني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني، فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله ﷺ : " إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكل وتصدق"، والله تعالى أعلم.
انتهى الجزء الرابع ويليه بعون الله وتوفيقه
الجزء الخامس، وأوله: كتاب "الصيام"
стр. 1907
كتاب الصيام
الصيام لغة: الإمساك، قال أبو عبيدة: (يقال لكل ممسك عن شيء من طعام أو كلام أو عن أعراض الناس وعيبهم: فهو صائم) (١)، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: صمتاً، كما قال ابن عباس وغيره (٢).
وقال الشاعر:
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تحتَ العَجاجِ وأُخرى تَعْلُكُ اللُّجُما
والمراد: ممسكة عن السير.
وشرعاً: الإمساك بنية عن المفطرات، من شخص مخصوص، في وقت مخصوص.
فقولنا: «الإمساك بنية»، فيه بيان أن الصيام لا بدَّ له من النية، كما سيأتي.
وقولنا: «عن المفطرات» هي الأكل والشرب والجماع، وهذه متفق عليها، وما عداها ففيه خلاف سيأتي - إن شاء الله - في أحاديث الكتاب.
وقولنا: «من شخص مخصوص» هو المسلم المكلف، وتزيد المرأة: غير حائض ولا نفساء.
وقولنا: «في وقت مخصوص» هو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
стр. 1908
وقد فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة بالإجماع، وكان فرض الصيام تدريجيًّا، حيث أوجب الله تعالى الصيام على التخيير بينه وبين الإطعام عن كل يوم مسكيناً مع تفضيل الصيام، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثم أوجب الله تعالى الصيام في حق غير المريض والمسافر، وقضاءً في حقهما إذا زال العذر.
وللصوم فوائد عظيمة وحكم كثيرة، منها:
١ - أن الصيام من أكبر العون على تقوى الله تعالى؛ لأن له تأثيراً عجيباً في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة.
٢ - التعبُّد لله تعالى بترك شهوات النفس ومألوفاتها، وفي هذا يتجلى صدق محبة العبد لربه وتعظيمه له، والتماس رضوانه حيث قدم ما يحبه الله ويرضاه على ما تشتهيه نفسه وهواه.
٣ - الصوم تربية للإرادة، وجهاد للنفس، وتعويد على الصبر والتحمُّل فيما يعود عليها بالنفع.
٤ - في الصوم فوائد صحية عظيمة، فهو يطهر البدن من الأخلاط الرديئة، ويكسبه صحة وقوة، وذلك بترتيب أوقات الوجبات، وإراحة جهاز الهضم مدة معينة، كما شهد بذلك الأطباء المختصون، فعالجوا مرضاهم بالصيام.
وقد ثبت في صيام رمضان فضائل عظيمة، دلت عليها النصوص الصحيحة، وفيه من جزيل الأجر وعظيم الثواب ما لو تصورته نفس صائمة لطارت فرحاً، وتمنَّت أن تكون السنة كلها رمضان.
ولهذه الحِكم وغيرها فرض الله تعالى الصوم على جميع الأمم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
لكن لا تحصل هذه الفوائد إلا لمن صام صياماً كاملاً عن كل ما حرم الله، فصام عن الطعام والشراب والنكاح، وصام عن السماع المحرم، والنظر المحرم، والكلام المحرم، والكسب المحرم، وحفظ وقته واستفاد من أيام الشهر في طاعة ربه، فهذا هو الذي يستفيد من الصيام.
стр. 1909
النهي عن تقدم رمضان بالصوم
٦٥٠/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْماً، فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «لا يُتقدَّم رمضان بصوم يوم ولا يومين» (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢) من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً، وهذا لفظ مسلم.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا تقدموا) أي: لا تسبقوا، وأصله: لا تتقدموا، بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفاً؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
قوله: (رمضان) أي: شهر رمضان، سمي بذلك لشدة الرمضاء فيه حين تسميته به، وقيل غير ذلك (١).
قوله: (يوم ولا يومين) «أو» للتنويع، وليست للشك، ولهذا جاء في مسلم: «بصوم يوم ولا يومين».
قوله: (إلا رجل) بالرفع بدل من الضمير في قوله: «لا تقدموا»، وتخصيص الرجل تغليب، وإلا فالمرأة مثله.
قوله: (يصوم صوماً) أي: معتاداً معيناً؛ كصوم الاثنين - مثلاً ـ.
الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن الصيام قبل ثبوت دخول رمضان بأن يصوم يوماً أو يومين بقصد الاحتياط لرمضان أو بقصد التطوع،
стр. 1910
وهذا النهي محمول على التحريم - على القول الراجح ـ؛ لأن هذا هو الأصل فيه، إلا بدليل يصرفه عن ذلك، والاقتصار في الحديث على يوم أو يومين؛ لأنه هو الغالب فيمن يقصد ذلك، أما صيام أكثر من ذلك فسيأتي.
ويستثنى من ذلك من كان له عادة بصوم يوم معين؛ كالاثنين أو الخميس، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً، فيصادف ذلك قبل رمضان بيوم أو يومين فلا بأس، لزوال المحذور، وكذلك من يصوم واجباً؛ كنذر، أو كفارة، أو قضاء رمضان الماضي، فكل ذلك جائز؛ لأنه ليس من استقبال رمضان.
وقد بحث العلماء عن حكمة هذا النهي، فقيل: تمييز فرائض العبادات عن نوافلها، والاستعداد لرمضان برغبة ونشاط، وقيل: لأن حكم الصيام معلَّق برؤية الهلال فالمتقدم عليه مخالف للشرع، ورجح هذا الحافظ ابن حجر (١).
الوجه الرابع: ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا … »، وظاهره معارض لحديث الباب؛ لأن حديث الباب فيه النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، فيفهم منه جواز ما قبل ذلك، وهذا الحديث فيه النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان، وهو حديث مختلف في صحته - كما سيأتي إن شاء الله في آخر الصيام - وعلى القول بصحته فهو محمول على من يصوم نفلاً مطلقاً ابتداءً من النصف من شعبان، أما من له عادة بصيام الاثنين والخميس، أو صوم يوم وإفطار يوم، أو كان يصل النصف الثاني بالنصف الأول، أو عليه قضاء فلا يدخل في النهي كما تقدم.
وذكر الطحاوي جمعاً آخر، وهو أن هذا الحديث محمول على من يضعفه الصوم، بحيث يطرأ عليه ضعف يؤثر على صيامه رمضان، وحديث الباب محمول على من يحتاط بزعمه لرمضان (٢)، وقد نقله عنه الحافظ، وقال: (إنه جمع حسن) (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 1911
حكم صوم يوم الشك
٦٥١/ ٢ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ .
ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْليقاً، وَوَصَلَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد علَّقه البخاري بصيغة الجزم (٤/ ١١٩ «فتح»)، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، عن عمار ﵁، ووصله أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «كراهية صوم يوم الشك» (٢٣٣٤)، والنسائي (٤/ ١٣٥)، والترمذي (٦٨٦)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وابن خزيمة (١٩١٤)، وابن حبان (٨/ ٣٥١) كلهم من طريق عمرو بن قيس المُلائي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يُشك فيه، فأُتي بشاة مصلية، فتنحى بعض القوم، فقال عمار ﵁: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ».
قال الترمذي: (حديث عمار حديث حسن صحيح)، وكذا صحَّحه ابن خزيمة، وقال الدارقطني: (هذا إسناد حسن صحيح، ورواته كلهم ثقات) (١)، كما صححه ابن حبان، والحاكم، وآخرون، ولم أجده في
стр. 1912
«المسند»، فعزوه للخمسة وهْمٌ من الحافظ ﵀، وقد عزاه ابن عبد الهادي في «المحرر» (١) لأصحاب «السنن»، وقد أُعلَّ هذا الحديث بما لا يقدح، وهو الانقطاع في بعض رواياته (٢)، وقد أشار إلى هذا الإعلال ابن عبد الهادي، وقال الحافظ ابن حجر: (وللحديث علة خفية، ذكر الترمذي في «العلل» أن بعض الرواة قال فيه: عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن صلة) (٣).
لكن ما دلَّ عليه هذا الحديث من النهي عن صيام يوم الشك قد جاء عن جماعة من الصحابة ﵃، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في النهي عن تقدم رمضان.
الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم صيام يوم الشك؛ لأن صيامه معصية للنبي ﷺ ، وهذا الحديث له حكم الرفع؛ فإن عماراً ﵁ لن يحكم بهذا الحكم إلا وعنده علم من النبي ﷺ ، ثم هو مؤيد بأحاديث النهي عن استقبال رمضان بالصوم، وأحاديث الأمر بالصوم لرؤيته.
والمراد بيوم الشك - على قول الجمهور ـ: يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، أو غيرهما، فهذا لا يصام؛ لقول النبي ﷺ : «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (٤).
وهذا نص صريح في أن يوم الثلاثين لا يصام؛ ولأن الأصل بقاء شعبان فلا تكون تلك الليلة من رمضان إلا بيقين، ومن فرَّق بين الغيم والصحو فقال: يصام إذا حال دونه غيم احتياطاً، ولا يصام إذا كان صحواً، وهذا هو يوم الشك فليس بصحيح، وهذا مذهب الحنابلة، وهو المنصوص عليه في كثير من متونهم، ودليلهم فعل ابن عمر ﵄، كما سيأتي - إن شاء الله ـ.
стр. 1913
تعليق الصوم والفطر بالرؤية
٦٥٢/ ٣ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ».
وَلِلْبُخَارِيِّ: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
٦٥٣/ ٤ - وَلَهُ في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟» (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠)(٨) من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.
ورواه مسلم (١٠٨٠)(٤) من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ بلفظ: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ»، ولعل الحافظ أوردها تفسيراً لقوله: «فاقدروا» على معنى: أبلغوه قدره، وهو تمام الثلاثين يوماً.
ورواه البخاري (١٩٠٧) من طريق مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» وهي أوضح.
стр. 1914
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في باب (قول النبي ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا … ») (١٩٠٩) من طريق شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ … ، وذكر الحديث، وفيه: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».
وقد تكلم العلماء في هذه الزيادة: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» وقالوا: تفرد بها البخاري عن شيخه آدم، وأكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه: «فعدوا ثلاثين» قال الإسماعيلي: فيجوز أن يكون آدم رواه على التفسير من عنده (١).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا رأيتموه) أي: الهلال، فالضمير عائد إلى مفهوم من السياق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقد ورد في الصحيحين: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلالَ»، والمراد: إذا رآه من تثبت به الرؤية.
قوله: (فإن غُمَّ) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم، أي: سُتِرَ الهلال وغُطي بغيم أو قَتَرٍ ونحو ذلك، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «فَإِنْ غُبِّي عَلَيْكُمْ» مأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة، وهي استعارة لخفاء الهلال، وضبطه ابن الملقن بفتح الغين وكسر الباء (٢).
قوله: (فاقدروا له) بضم الدال أو كسرها، أي: أبلغوه قدره؛ وهو تمام ثلاثين يوماً بدليل الروايات المذكورة، وله تفسير ثانٍ: وهو أن معناه: ضيقوا له، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وتضييق العدد أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، وسيأتي ذلك.
الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب صيام رمضان إذا ثبتت رؤية هلاله، وعلى وجوب الفطر إذا ثبتت رؤية هلال شوال، وأن حكم الصوم والفطر معلَّق بالرؤية ولو كانت بواسطة المراصد والآلات التي تكبر المرئيات؛ لأن ذلك رؤية بالعين المشاهدة.
стр. 1915
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا عبرة بالحساب في إثبات دخول الشهر وخروجه، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره إجماع الصحابة على ذلك (١)؛ لأن النبي ﷺ علَّق الحكم بالرؤية لا بالحساب، والرؤية يدركها الخاص والعام، والجاهل والعالم، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، وتيسيره عليهم.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه إذا غُمَّ الهلال وسُتِرَ ليلة الثلاثين بغيم أو قتر أنه تكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً، ولا يصام يوم تلك الليلة، ويكون معنى قوله: «فاقدروا له» أي: قدروا عدد الشهر، فكملوا شعبان ثلاثين يوماً، لما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»، وهذا نص صريح لا يقبل التأويل.
وذهب جماعة من الحنابلة إلى وجوب الصوم يوم الثلاثين إذا حال دون الهلال غيم أو قتر احتياطاً (٢)، وفسَّروا قوله: «فاقدروا له» بمعنى: ضيقوا له العدد، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّقَ عليه، والتضييق: أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً.
قالوا: وقد فسر ابن عمر ﵄ هذا الحديث بفعله، وهو راويه، وأعلم بمعناه، وقد روى نافع فقال: (كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوماً بعث من ينظر، فإن رئي فذاك، وإن لم يُرَ ولم يَحُلْ دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً) (٣).
والقول الأول: هو الصحيح، وهو أنه يجب فطر يوم الثلاثين إذا حال دون الهلال غيم أو قتر لما تقدم، وتفسير الحديث بالحديث أولى، وأما فعل ابن عمر فقد خالف نصًّا، وقول الصحابي إذا خالف نصًّا يُرَدُّ، وهو اجتهاد منه، والاجتهاد يخطئ ويصيب، وتفسير الشارع وبيانه مقدم على تفسير غيره، وابن عمر ﵄ له أفعال انفرد بها، كما ذكر ذلك ابن القيم وغيره، والله تعالى أعلم.
стр. 1916
الاكتفاء بشهادة الواحد في دخول رمضان
٦٥٤/ ٥ - عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم.
٦٥٥/ ٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يَصُومُوا غَداً». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان» (٢٣٤٢)، وابن حبان (٨/ ٢٣١)، والحاكم (١/ ٤٢٣) من طريق يحيى بن عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، به.
والحديث رجاله ثقات، إلا يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقد ضعفه ابن معين، وقال النسائي: (مستقيم الحديث) (١)، وقال الدارقطني: «ثقة مدني، حديثه بمصر» (٢)، وقال الذهبي: (صدوق) (٣). ومثله قال ابن حجر في «التقريب».
стр. 1917
وقد صحح الحديث ابن حزم (١)، والنووي (٢)، والألباني (٣)، لكن قال الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٥٦): (تفرد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة). وقد رواه الحاكم (١/ ٤٢٣)، والبيهقي (٤/ ٢١٢) من طريق هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به بنحوه. قال الحافظ ابن حجر: (إن كان محفوظاً - أي هذا الطريق - فهو وارد على دعوى الدارقطني في تفرد مروان بن محمد، فيحرر) (٤).
وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه أبو داود في الباب المذكور، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٤/ ١٣٢)، وابن ماجه (١٤٥٢)، وابن خزيمة (١٩٢٣)، وابن حبان (٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠) كلهم من طريق زائدة بن قدامة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، به.
ورواه النسائي (٤/ ١٣٢) من طريق سفيان، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٧) من طريق إسرائيل، وأبو داود (٣٤١) من طريق حماد بن سلمة، ثلاثتهم عن سماك، عن عكرمة، عن النبي ﷺ ، هكذا مرسلاً.
وقد رجَّح النسائي رواية الإرسال، وقال: (هذا أولى بالصواب)، ووجه ذلك أن سماك بن حرب مضطرب الحديث، إلا ما انتقاه مسلم من حديثه، ثم هو قد تغير بأخرة، فكان يقبل التلقين (٥)، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، فتارة رواه موصولاً، وتارة رواه مرسلاً، وهذا هو الذي رجَّحه غير واحد من الأئمة؛ كأبي داود والنسائي والدارقطني وغيرهم، لكن يشهد له حديث ابن عمر ﵄ الذي قبله، وهو حديث صحيح، فيتقوى به هذا المرسل.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يكتفى بشخص واحد يخبر برؤية هلال رمضان، سواء أكان ذكراً أم أنثى، بشرط أن يكون مسلماً، وهو قول
стр. 1918
عمر وعلي وابن عمر ﵃ وابن المبارك وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد، والصحيح عن الشافعي.
والقول الثاني: أنه لا يقبل إلا اثنان، وهو قول عثمان ﵁، والإمام مالك والليث والأوزاعي وإسحاق (١)، مستدلين بما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فقال: (إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وإنهم حدَّثوني أن رسول الله ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا (٢)، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (٣).
قالوا: فهذا يدل بمفهومه على أنه لا يكفي الواحد. قالوا: ولأن هذه شهادة على رؤية هلال الصيام، فأشبهت الشهادة على هلال شوال.
والقول الأول أرجح، فإن حديث ابن عمر ﵄ نَصٌّ صريح فيجب العمل بمقتضاه، وأما دليلهم فهو عن طريق المفهوم، وحديث ابن عمر ﵄ أشهر منه، وهو دليل بمنطوقه، فيجب تقديمه.
وأما القياس فهو مع الفارق؛ فإن هلال شوال خروج من العبادة، وهذا دخول فيها، والمطلوب فيه الاحتياط، ومن الاحتياط قبول الواحد.
وأما الخروج من الصيام فلا يقبل فيه إلا شهادة اثنين عدلين في قول الجمهور؛ لما تقدم في خبر عبد الرحمن بن زيد.
والقول الثاني: أنه يقبل قول واحد؛ لأنه أحد طرفي شهر رمضان، أشبه الأول، وهذا قول أبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم، ونسبه الخطابي إلى
стр. 1919
بعض أهل الحديث (١). ومال إليه الصنعاني (٢)، واختاره الشوكاني (٣).
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من الشهر، لقوله: (تراءى الناس الهلال) ولا سيما من رزقهم الله تعالى حدة في البصر، وهو يدل على أن ذلك هدي أصحاب النبي ﷺ ؛ لأن فيه مصلحة عظيمة للمسلمين لما يترتب على رؤيته من الأحكام.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من رأى الهلال فإنه يخبر برؤيته الإمام أو من ينيبه الإمام في هذا الشأن لإعلانه للناس.
ثم من رأى هلال رمضان وَرُدَّ قوله، فهل يلزمه الصوم؟ قيل: يلزمه، وهو قول أكثر الفقهاء، لقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وهذا قد رآه فيصوم (٤).
والقول الثاني: أنه لا يلزمه الصوم؛ لأن الهلال ما هلَّ واشتهر لا ما رئي، وهذا رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٥).
فإن رأى هلال شوال وَرُدَّ قوله فإنه لا يفطر؛ لأن هلال شوال لا يثبت شرعاً إلا بشاهدين، وهنا رآه واحد. وهذا قول أحمد، وأبي حنيفة، ومالك (٦).
والقول الثاني: أنه يفطر سرًّا، وهو قول الشافعي، وابن حزم (٧).
والأول أرجح، وهو أنه لا يفطر؛ تبعاً للجماعة، واحتياطاً في باب الصوم، والله تعالى أعلم.
стр. 1920
بيان أن الصيام لا بدّ له من نية
٦٥٦/ ٧ - عَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعاً ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللّيْلِ».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «النية في الصيام» (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٤/ ١٩٦)، وابن ماجه (١٧٠٠)، وأحمد (٤٤/ ٥٣) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة ﵂، مرفوعاً.
وليس عند ابن ماجه ذكر ابن شهاب الزهري، وهذا اللفظ لفظ النسائي، وعند الباقين - عدا ابن ماجه ـ: «من لم يُجْمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وهو رواية للنسائي، وأما لفظ ابن ماجه فهو كلفظ الدارقطني الآتي تماماً. ومعنى: «يُجْمِعْ» أي: يعزم وينوي.
وهذا الحديث في سنده اضطراب شديد، وقد روي مرفوعاً، رفعه يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، وتابعه ابن لهيعة عند أحمد (١)، وأبي داود، ورواه موقوفاً جمع من الثقات، وهم: معمر، والزُّبيدي،
стр. 1921
وابن عيينة، ويونس الأيلي، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن حفصة ﵂، به، وهذا إسناد صحيح.
وقد رجَّح الموقوف الإمام البخاري، وقال عن رفعه: (إنه خطأ، والصحيح أنه موقوف) (١)، كما رجح وقفه الدارقطني فقال: (رفعه غير ثابت) (٢). ونقل ابن تيمية عن الميموني أنه سأل الإمام أحمد عنه، فقال: (أخبرك ما له عندي ذاك الإسناد، إلا أنه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان) (٣).
وقال النسائي: (الصواب عندنا موقوف، ولم يصح رفعه - والله أعلم ـ؛ لأن يحيى بن أيوب ليس بذاك القوي، وحديث ابن جريج، عن الزهري غير محفوظ، والله أعلم) (٤).
كما رجح وقفه الترمذي، وأبو حاتم (٥)، وابن عبد البر (٦)، والزيلعي (٧)، وآخرون.
ووجه ذلك أن مدار الطرق المرفوعة على يحيى بن أيوب، وهو ليس بذاك، كيف وقد خالف الثقات المذكورين.
ورجح رفعه جماعة من الأئمة، منهم: ابن خزيمة (٨)، وابن حبان (٩)، والبيهقي (١٠)، والنووي (١١).
وقد جاء وقفه على ابن عمر ﵄ أيضاً ـ، رواه مالك (١٢)، عن نافع، عن ابن عمر، به، ومن طريق مالك رواه النسائي (١٣)، والبيهقي (١٤)، وإسناده صحيح.
стр. 1922
وأما حديث الدارقطني: «لا صِيَام لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ»، فقد أخرجه في «السنن» (٢/ ١٧٢) من طريق إسحاق بن حازم، عن عبد الله بن أبي بكر، به، وهو لفظ ابن ماجه - أيضاً ـ.
ولعلَّ الحافظ ذكر هذه الرواية لقوله: «من الليل»، فهو أصرح من قوله: «قبل الفجر».
الوجه الثاني الحديث دليل على أن الصيام لا بدّ له من نية؛ كسائر العبادات، وهذا أمر مجمع عليه، والنية معناها: القصد والإرادة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها؛ كالصلاة، والصيام، والحج، لا تصح إلا بنية) (١).
وذلك لأن الصيام ترك مختص بزمن معلوم؛ ولأن الإمساك قد يكون لمنفعة بدنية، فاحتاج الصيام إلى نية.
والصيام الذي لا بدّ له من النية؛ هو صيام رمضان، أو قضاء رمضان، أو صيام النذر، ذكر ذلك الترمذي في «جامعه»، وأما صيام التطوع فسيأتي - إن شاء الله تعالى - بعد هذا.
والنية محلها القلب، فمن خطر بباله أنه صائم غداً فقد نوى، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل، لقوله: «قبل الفجر» والقبلية تصدق على كل جزء من أجزاء الليل، ويؤيد ذلك رواية ابن ماجه والدارقطني: «من الليل»، ومن دلائل النية قيام الصائم للسحور وتهيئته له وإن لم يقم.
الوجه الثالث: اختلف العلماء هل يلزم لكل يوم نية أو يكفي نية واحدة أول يوم من رمضان؟ على قولين:
الأول: أنه يجزئ الصائم نية واحدة لجميع الشهر، ما لم يقطع صومه بسفر أو مرض، وهذا مذهب مالك وإسحاق ورواية عن أحمد (٢)؛ لأن صوم
стр. 1923
الشهر عبادة واحدة لا بد منها، والرسول ﷺ يقول: «ولكل امرئ ما نوى» وهذا نوى صيام الشهر والتتابع، فله ما نوى.
القول الثاني: أنه يلزم الصائم نية مستقلة لكل يوم، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه (١)، واستدلوا بحديث الباب؛ بقوله: «قبل الفجر»، وقوله: «من لم يبيت»، وظاهر ذلك أن لكل ليلة نية مستقلة؛ لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة، يدل على ذلك أن فساد صيام بعض أيام الشهر لا يفسد بعضها الآخر؛ ولأنه يتخلل صوم أيام الشهر ما ينافيها؛ إذ يباح في الليل الطعام والشراب والجماع.
وثمرة الخلاف تظهر فيمن نام بعد العصر في رمضان، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر من الغد، فعلى القول الأول يصح صومه لهذا اليوم؛ لأن النية الأولى في أول الشهر كافية، والأصل بقاؤها، وعلى القول الثاني لا يصح صومه؛ لأنه لم يبيِّت صيام هذا اليوم من الليل، والله تعالى أعلم (٢).
стр. 1924
حكم نية صوم التطوع من النهار، وحكم قطعه
٦٥٧/ ٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، قُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذاً صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْماً آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِماً»، فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «جواز النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وجواز فطر الصائم نفلاً من غير عذر» (١١٥٤)(١٧٠) من طريق وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، به.
ورواه - أيضاً - من طريق عبد الواحد بن زياد، حدثنا طلحة، بلفظ: أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ ذات يوم: «يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء، قال: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، قالت: فخرج رسول الله ﷺ فَأُهْدِيَتْ لنا هدية أو جاءنا زَوْرٌ (١)، قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية أو جاءنا زور، وقد
стр. 1925
خبأت لك شيئاً، قال: «مَا هُوَ؟» قلت: حَيْسٌ، قال: «هَاتِيهِ» فجئت به فأكل، ثم قال: «قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِماً».
الوجه الثاني الحديث دليل على أن صوم التطوع لا يلزم فيه تبييت النية من الليل، وإنما يجوز بنية من النهار، لقوله: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، قلنا: لا، قال: «فَإِنِّي صَائِمٌ … »، وظاهره أنه أنشأ الصيام في الحال، بدليل رواية البيهقي الآتية.
وهذا مذهب الجمهور، وهو قول جماعة من الصحابة؛ كعلي وابن مسعود ﵄، ونقله البخاري عن أبي الدرداء وأبي طلحة وأبي هريرة وابن عباس وحذيفة، بل رواه ابن حزم عن عشرة من الصحابة ﵃ (١). وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجمهور السلف (٢).
وشرط صحة صيام النفل من النهار ألا يأتي بمنافٍ للصوم قبل أن ينوي، من أكل أو شرب أو جماع؛ فإن فعل شيئاً من ذلك لم يصح صومه؛ لأنه تناول مفطراً بعد الفجر.
وذهبت المالكية، وداود الظاهري، وابن حزم، والمزني - من الشافعية - إلى أنَّ تبييت النية شرط في صحة صوم النفل، ومال إلى هذا القول الصنعاني (٣)، مستدلين بعموم الحديث المتقدم: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له».
وأجاب ابن حزم عن حديث الباب بأن النبي ﷺ قد نوى الصيام قبل الفجر، لقوله ﷺ : «قد كنت أصبحت صائماً»، ولمَّا لم يجد طعاماً واصل صيامه، فلما أُخبر بوجود الطعام أفطر.
والقول الأول أرجح؛ لما تقدم من الحديث؛ ولأنه ورد عن الصحابة
стр. 1926
الذين ذكرهم البخاري، وروى ابن حزم أقوالهم أنهم كانوا يصومون بنية من النهار، وهم أعلم منا بالتنزيل وبمراد الرسول ﷺ ؛ ولأنه ورد في رواية البيهقي من حديث عائشة المذكور: «إذن أصوم» (١). فهذه تكاد تكون صريحة في أن الرسول ﷺ صام بنية من النهار.
لكنهم اختلفوا في وقت النية من النهار، فورد عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وابن مسعود ﵃ تحديد منتصف النهار كحد أقصى، ولا يجوز أن ينوي الصوم بعده، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٢).
وذهب الشافعي في الجديد وأحمد إلى صحة صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده؛ لأن النصوص الدالة على جواز الصوم بالنية من النهار لم تفرق بين إحداث النية قبل الزوال وبعده.
وقد اختلف العلماء: هل يثاب ثواب يوم كامل، أو لا يثاب إلا من النية؟ قولان:
الأول: أنه لا يثاب إلا من وقت النية فقط، وهذا قول الشافعية والحنابلة (٣)، لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا لم ينو الصوم إلا بعد مضي جزء من النهار، فليس له من الثواب إلا المقدار الذي نواه.
والقول الثاني: أنه يثاب على النهار كله، وهذا قول الحنفية، وبعض فقهاء الحنابلة (٤)؛ لأن هذا أمسك النهار كله وأخَّر النية.
والأول أقوى من جهة الدليل، والثاني أقرب إلى سعة فضل الله، والله تعالى أعلم.
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قطع صوم التطوع وأنه لا يجب إتمامه ولو بدون عذر، لكن ينبغي للصائم مراعاة المصلحة في إمضاء صومه أو فطره؛ فإن حقق فطره مصلحة أفطر، كما أفطر النبي ﷺ لما وجد
стр. 1927
من الأكل ما يعينه على طاعة الله تعالى، وكما لو نزل به ضيف، أو دعاه أخوه المسلم إلى وليمة والمصلحة تقتضي إفطاره؛ فإن لم يوجد مصلحة فالأفضل إتمام الصوم.
وقد ورد عن أم هانئ ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (١).
وقد أخرج النسائي حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، بزيادة: «إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» (٢) والظاهر أنها زيادة غير محفوظة، وقد جاءت عند مسلم من كلام مجاهد إثر حديث الباب.
والقول بجواز قطع صوم التطوع وأنه لا يلزم القضاء هو مذهب أحمد والشافعي وإسحاق (٣)، لما تقدم من الأدلة.
وقال النخعي وأبو حنيفة ومالك: يلزم بالشروع فيه، ولا يقطعه بلا عذر، فإن قطعه بلا عذر قضى، وعن مالك لا قضاء عليه (٤)، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام فاشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ ، فقالت حفصة: يا رسول الله إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام فاشتهيناه فأكلنا منه، قال: «اقضيا يوماً آخر مكانه» (٥).
стр. 1928
والقول الأول أرجح لقوة دليله، وأما حديث عائشة فعنه جوابان:
١ - أنه حديث ضعيف، والحفاظ على إعلاله.
٢ - أن القضاء فيه محمول على الاستحباب، كما يقول ابن القيم؛ لأن بدل الشيء في أكثر أحكام الأصول يَحُلُّ محل أصله، والصيام كان في الأصل مخيراً فيه، فكذلك في البدل، وهو القضاء (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 1929
استحباب تعجيل الإفطار
٦٥٨/ ٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٦٥٩/ ١٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ: مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْراً».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول في تخريجهما:
أما حديث سهل بن سعد ﵄، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «تعجيل الإفطار» (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨)، من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵄، به.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصوم»، باب «ما جاء في تعجيل الإفطار» (٧٠٠) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به.
وهذا الحديث تفرد به الترمذي عن بقية أصحاب السنن، وقال: (حديث حسن)، وقد رواه الإمام أحمد (١٢/ ١٨٢).
وإسناده ضعيف؛ لأن الجمهور على تضعيف قرة بن عبد الرحمن شيخ الأوزاعي، قال الإمام أحمد: (منكر الحديث جدًّا)، وقال ابن معين: (ضعيف الحديث)، وقال أبو زرعة: (الأحاديث التي يرويها مناكير). وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (١).
стр. 1930
الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب تعجيل الإفطار والمبادرة به حين حلول وقته، وهو غروب الشمس، وهذا هو هدي النبي ﷺ ، فيجب اتباع هديه والتمسك بسنته.
وفي تعجيل الإفطار تيسير على الناس، وبُعد عن صفة التنطع والغلو في الدين، وقد امتثل هذا الأدب خير القرون صحابة رسول الله ﷺ ، قال البخاري: (وأفطر أبو سعيد حين غاب قرص الشمس) (١).
وقال عمرو بن ميمون الأودي ﵀: (كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطاراً، وأبطأهم سحوراً) (٢).
فعلى المسلم أن يحرص على تطبيق هذه السنة، وهي تعجيل الإفطار، ومن وسائل ذلك أن يتفرغ الصائم آخر النهار لتلاوة القرآن والذكر والدعاء، ولا يخرج من منزله إلا لما لا بدَّ منه، لئلا يفوِّت على نفسه هذه الخيرات، وقد يؤذن المؤذن للإفطار وهو في الطريق إلى منزله، فيأتي ثائر النَّفَسِ، قد أضاع وقت الدعاء، وفوَّت المبادرة بالإفطار. والله المستعان.