← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الذين ذكرهم البخاري، وروى ابن حزم أقوالهم أنهم كانوا يصومون بنية من النهار، وهم أعلم منا بالتنزيل وبمراد الرسول ﷺ ؛ ولأنه ورد في رواية البيهقي من حديث عائشة المذكور: «إذن أصوم» (١). فهذه تكاد تكون صريحة في أن الرسول ﷺ صام بنية من النهار. لكنهم اختلفوا في وقت النية من النهار، فورد عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وابن مسعود ﵃ تحديد منتصف النهار كحد أقصى، ولا يجوز أن ينوي الصوم بعده، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٢). وذهب الشافعي في الجديد وأحمد إلى صحة صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده؛ لأن النصوص الدالة على جواز الصوم بالنية من النهار لم تفرق بين إحداث النية قبل الزوال وبعده. وقد اختلف العلماء: هل يثاب ثواب يوم كامل، أو لا يثاب إلا من النية؟ قولان: الأول: أنه لا يثاب إلا من وقت النية فقط، وهذا قول الشافعية والحنابلة (٣)، لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا لم ينو الصوم إلا بعد مضي جزء من النهار، فليس له من الثواب إلا المقدار الذي نواه. والقول الثاني: أنه يثاب على النهار كله، وهذا قول الحنفية، وبعض فقهاء الحنابلة (٤)؛ لأن هذا أمسك النهار كله وأخَّر النية. والأول أقوى من جهة الدليل، والثاني أقرب إلى سعة فضل الله، والله تعالى أعلم. الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قطع صوم التطوع وأنه لا يجب إتمامه ولو بدون عذر، لكن ينبغي للصائم مراعاة المصلحة في إمضاء صومه أو فطره؛ فإن حقق فطره مصلحة أفطر، كما أفطر النبي ﷺ لما وجد

стр. 1927

من الأكل ما يعينه على طاعة الله تعالى، وكما لو نزل به ضيف، أو دعاه أخوه المسلم إلى وليمة والمصلحة تقتضي إفطاره؛ فإن لم يوجد مصلحة فالأفضل إتمام الصوم. وقد ورد عن أم هانئ ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (١). وقد أخرج النسائي حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، بزيادة: «إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» (٢) والظاهر أنها زيادة غير محفوظة، وقد جاءت عند مسلم من كلام مجاهد إثر حديث الباب. والقول بجواز قطع صوم التطوع وأنه لا يلزم القضاء هو مذهب أحمد والشافعي وإسحاق (٣)، لما تقدم من الأدلة. وقال النخعي وأبو حنيفة ومالك: يلزم بالشروع فيه، ولا يقطعه بلا عذر، فإن قطعه بلا عذر قضى، وعن مالك لا قضاء عليه (٤)، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام فاشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ ، فقالت حفصة: يا رسول الله إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام فاشتهيناه فأكلنا منه، قال: «اقضيا يوماً آخر مكانه» (٥).

стр. 1928

والقول الأول أرجح لقوة دليله، وأما حديث عائشة فعنه جوابان: ١ - أنه حديث ضعيف، والحفاظ على إعلاله. ٢ - أن القضاء فيه محمول على الاستحباب، كما يقول ابن القيم؛ لأن بدل الشيء في أكثر أحكام الأصول يَحُلُّ محل أصله، والصيام كان في الأصل مخيراً فيه، فكذلك في البدل، وهو القضاء (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 1929

استحباب تعجيل الإفطار ٦٥٨/ ٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٦٥٩/ ١٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ: مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْراً». الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول في تخريجهما: أما حديث سهل بن سعد ﵄، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «تعجيل الإفطار» (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨)، من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵄، به. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصوم»، باب «ما جاء في تعجيل الإفطار» (٧٠٠) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به. وهذا الحديث تفرد به الترمذي عن بقية أصحاب السنن، وقال: (حديث حسن)، وقد رواه الإمام أحمد (١٢/ ١٨٢). وإسناده ضعيف؛ لأن الجمهور على تضعيف قرة بن عبد الرحمن شيخ الأوزاعي، قال الإمام أحمد: (منكر الحديث جدًّا)، وقال ابن معين: (ضعيف الحديث)، وقال أبو زرعة: (الأحاديث التي يرويها مناكير). وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (١).

стр. 1930

الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب تعجيل الإفطار والمبادرة به حين حلول وقته، وهو غروب الشمس، وهذا هو هدي النبي ﷺ ، فيجب اتباع هديه والتمسك بسنته. وفي تعجيل الإفطار تيسير على الناس، وبُعد عن صفة التنطع والغلو في الدين، وقد امتثل هذا الأدب خير القرون صحابة رسول الله ﷺ ، قال البخاري: (وأفطر أبو سعيد حين غاب قرص الشمس) (١). وقال عمرو بن ميمون الأودي ﵀: (كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطاراً، وأبطأهم سحوراً) (٢). فعلى المسلم أن يحرص على تطبيق هذه السنة، وهي تعجيل الإفطار، ومن وسائل ذلك أن يتفرغ الصائم آخر النهار لتلاوة القرآن والذكر والدعاء، ولا يخرج من منزله إلا لما لا بدَّ منه، لئلا يفوِّت على نفسه هذه الخيرات، وقد يؤذن المؤذن للإفطار وهو في الطريق إلى منزله، فيأتي ثائر النَّفَسِ، قد أضاع وقت الدعاء، وفوَّت المبادرة بالإفطار. والله المستعان.

стр. 1931

الترغيب في السُّحور ٦٦٠/ ١١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «بركة السحور من غير إيجاب» (٦٦٠)، ومسلم (١٠٩٥) من طريق شعبة، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁، به. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصائم مأمور بالسُّحور؛ لأن فيه خيراً كثيراً وبركة عظيمة دينية ودنيوية، وذِكْره ﷺ للبركة من باب الحض على السحور والترغيب فيه. والسَّحور: بفتح السين؛ ما يؤكل وقت السحر، وهو آخر الليل، وبضم السين: الفعل، وهو أكل السحور. وهذا الأمر في هذا الحديث أمر استحباب لا أمر إيجاب، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (١)، بدليل أن النبي ﷺ واصل وواصل أصحابه معه، والوصال: أن يصوم يومين فأكثر ولا يفطر، بل يصوم النهار مع الليل، كما سيأتي - إن شاء الله ـ. الوجه الثالث: أن في السحور بركة دينية ودنيوية، وهي امتثال أمر

стр. 1932

النبي ﷺ والاقتداء به، والمتسحِّر إذا نوى بسحوره امتثال أمر النبي ﷺ والاقتداء به كان سحوره عبادة، ويحصل له به أجر بهذه النية. وفي السحور مخالفة أهل الكتاب - اليهود والنصارى - قال النبي ﷺ : «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» (١). ومن بركة السُّحور التَّقَوِّي على العبادة وحفظ قوة البدن ونشاطه، فإن المتسحِّر أقوى على وظائفه اليومية من غير المتسحر. ومن بركة السُّحور القيام آخر الليل للذكر والدعاء والصلاة، وذلك مظنة الإجابة. وعلى هذا فينبغي الحرص على السُّحور وعدم تركه ولو كان الإنسان لا يشتهيه؛ فإنه يحصل بأقل ما يتناوله الإنسان من مأكول أو مشروب، ولو بجرعة لبن، ليحصل على هذه البركة والفوائد العظيمة، والله المستعان.

стр. 1933

ما يستحب الإفطار عليه ٦٦١/ ١٢ - عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرِ الضَّبِّيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو سلمان بن عامر بن أوس بن حُجْر الضَّبي، له صحبة، ونقل ابن الأثير عن الإمام مسلم أنه ليس في الصحابة ضبي غيره، وكذا قال ابن عبد البر، ورد ذلك الحافظ ابن حجر بأنه قد وجد من الصحابة جماعة ممن لهم صحبة أو اختلف في صحبتهم من بني ضبة، منهم يزيد بن نعامة، وذكر آخرين. عاش سلمان ﵁ إلى خلافة معاوية (١) ﵁. الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «ما يفطر عليه» (٢٣٥٥)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣٧٠)، والترمذي (٦٥٨ - ٦٩٥)، وابن ماجه (١٦٩٩)، وأحمد (٢٦/ ١٦٣ - ١٦٤)، وابن خزيمة (٣/ ٢٧٨)، وابن حبان (٨/ ٢٨١ - ٢٨٢)، والحاكم (١/ ٤٣١) كلهم من طريق حفصة بنت سيرين، عن الرَّبَاب الضبية، عن سلمان بن عامر الضبي ﵁، به. وفي هذا الإسناد اختلاف، فمنهم من ذكر الرباب، ومنهم من أسقطها،

стр. 1934

كما عند النسائي (١)، وهي إحدى روايات الإمام أحمد (٢)، وابن حبان (٣)، فيكون السند منقطعاً؛ لأن حفصة بنت سيرين لم تسمع من سلمان بن عامر، بينهما الرباب، كما في الروايات الأخرى. والرباب هي ابنة صُليع - بالضم - الضبية العدوية، روت عن عمها سلمان بن عامر، وروت عنها حفصة بنت سيرين، ولم يوثقها إلا ابن حبان (٤)، وقد صحح الترمذي حديثها في موضع (٥)، وحسنه فقط في موضع آخر (٦)، كما صحح بعض أوجه الاختلاف أبو حاتم (٧)، وصحح حديثها - أيضاً - ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وعلَّق لها البخاري (٨)، فلعل حالها تقوى بهذه الاعتبارات، ولحديثها شاهد من حديث أنس ﵁. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الإفطار على تمر، وهو يابس ثمر النخل، وقد ورد في حديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يفطر على رُطَبَاتٍ قبل أن يصلي؛ فإن لم يكن رطبات فتمرات؛ فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء) (٩). فهذا يدل على أن الأفضل هو الرُّطَب إن تيسر؛ لأنه أشهى وأنفع في وقته، ثم التمر عند عدم الرطب، ثم الماء عند عدم التمر، لقوله ﷺ : «فإنه طهور». وقد أثبت الطب الحديث الفائدة العظمى من كون الصائم يفطر على

стр. 1935

تمر؛ بل قبل ذلك العلامة ابن القيم، فذكر أن فطر النبي ﷺ على الرطب أو التمر أو الماء تدبير لطيف جدًّا (١)، ذلك أن الصائم يستنفد في نهاره عادةً معظم وقود جسده، ويكون قد انخفض عنده سكر الدم، ولا سيما في آخر نهار الصيام، الذي من أدلته ما يشعر به الصائم من ضعف وكسل، وبالفطر على الرطب أو التمر يعود البدن إلى نشاطه؛ لأن المعدة تستطيع هضم المواد السكرية في التمر، فيستفيد الجسم منها في أقصر وقت، مع ما في التمر من الفوائد العظيمة، والمواد اللازمة للجسم، وفي هذا - أيضاً - فائدتان أخريان: الأولى: أن المعدة لا ترهق بما يقدم إليها فجأة من صنوف الأطعمة الحارة بعد نهار الصيام، بل يرد عليها بالتدريج، وذلك بالإفطار على الرطب أو التمر، ثم الفصل بصلاة المغرب، ثم تناول الطعام بلا إسراف. الثانية: أن الاقتصار على التمر عند الإفطار يحدُّ من جشع الصائم فلا يُقبل على طعامه يلتهمه دون مضغ أو تذوق (٢)، فإن هذا مع أنه خلاف السنة - أيضاً - يشغل كذلك عن المبادرة بحضور صلاة المغرب مع الجماعة، بل قد تفوت بالكلية. فإن لم يجد الصائم تمراً أفطر على الماء، والماء يطفئ لهيب المعدة وحرارة الصوم، وينظفها، كما قرر ذلك الطب الحديث.

стр. 1936

حكم الوصال في الصوم ٦٦٢/ ١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيني»، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْماً، ثُم يَوْماً، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُّكُمْ» كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «التنكيل لمن أكثر الوصال» (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣)، من طريق الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال .. وذكر الحديث. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (نهى) النهي: طلب الترك ممن دون الطالب. قوله: (الوصال) هو وصال الصائم بين يومين لا يفطر في الليل. قوله: (إنك تواصل) جملة تعليلية لوصالهم، أي: أننا واصلنا لأنك تواصل، وأنت أسوتنا. قوله: (يطعمني ربي ويسقيني) جملة تعليلية لبيان الفرق بينهم وبينه، المانع من الأسوة فيه، والمراد بالطعم والسقي: ما يعطيه الله تعالى له من قوة الطاعم والشارب لاستغنائه عن الطعام والشراب بما فيه قلبه من ذكر الله تعالى والأنس بمناجاته فلا يتأثر بالوصال، وأما غيره ﷺ فلا يحصل له ذلك، وليس

стр. 1937

الحديث على ظاهره وهو أنه طعام وشراب حسي؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً. قوله: (لو تأخر لزدتكم) أي: لو تأخر الشهر لزدتكم في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف عنكم بتركه. قوله: (كالمنكل لهم) أي: كالمعاقب لهم، وقد ورد في حديث أنس ﵁، قال: واصل النبي ﷺ آخر الشهر وواصل أناس من الناس، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: «لَوْ مُدَّ بي الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ … » الحديث (١). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الوصال في الصيام منهي عنه، والحكمة من النهي عنه؛ ما فيه من الضرر الحاصل أو المتوقع، وإنهاك البدن، وإحداث الملل، والتعرض للتقصير في بعض وظائف الدين من إتمام الصلاة والإكثار من تلاوة القرآن، أو الوظائف الأخرى، وهي الأعمال اليومية التي كلف بها الإنسان. وقد اختلف العلماء في حكم الوصال على ثلاثة أقوال: الأول: أن الوصال محرم، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي (٢)، وعزاه ابن الملقن إلى الجمهور (٣)، وصرح ابن حزم بتحريمه (٤). واستدلوا بدليلين: ١ - ظاهر النهي، قالوا: ومواصلة النبي ﷺ بأصحابه قَصَدَ بها التنكيل وليس التقرير، لقوله: (كالمنكل لهم) وما كان طريقه العقوبة لا يكون من الشريعة. ٢ - حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٥).

стр. 1938

ووجه الدلالة: أن الشرع لم يجعل الليل محلاًّ لسوى الفطر وانتهاء وقت الصيام، فالوصال فيه مخالفة لوضعه؛ كيوم الفطر. القول الثاني: أن الوصال جائز إن قدر عليه، وهذا مروي عن عبد الله بن الزبير، فقد روى ابن أبي شيبة عنه أنه واصل خمسة عشر يوماً (١)، وروى - أيضاً - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، وهذه أختي تواصل وأنا أنهاها) (٢). وذهب إليه طائفة من السلف؛ كعبد الرحمن بن أبي نُعْم، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وأبو الجوزاء، وغيرهم (٣). وهؤلاء استدلوا بأن النبي ﷺ واصل بأصحابه يوماً ثم يوماً حتى رأوا الهلال، ولو كان النهي للتحريم لم يواصل بهم ولم يقرهم، بل أنكر عليهم. وقد أخرج أبو داود من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه … (٤). فصرح الصحابي بأنه لم يحرم الوصال، فهذا يدل على أن النهي عن الوصال ليس للتحريم وأنه مصروف إلى كراهة التنزيه، رحمة بهم وتخفيفاً عليهم، قالت عائشة ﵂: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم … ) الحديث (٥)، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم، ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشقَّ عليه. والقول الثالث: التفصيل، وهو جواز الوصال إلى السحَر، مع أن المبادرة بالفطر أفضل، وما زاد على ذلك فهو مكروه. وهذا قول الإمام أحمد، وإسحاق، وبعض المالكية، وابن خزيمة - من الشافعية ـ، وطائفة من

стр. 1939

أهل الحديث (١). واستدلوا بحديث أبي سعيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ … » الحديث (٢). ورجَّح هذا القول ابن القيم، فقال: (إنه أعدل الأقوال وأسهله على الصائم، وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه تأخر، فالصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، والله أعلم) (٣). الوجه الرابع: الحديث دليل على حرص الصحابة ﵃ على الخير والتأسي بالنبي ﷺ ؛ لأنه لما نهاهم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل؛ أي: فنحن نتأسى بك ونواصل. الوجه الخامس: أن الأصل التأسي بالنبي ﷺ حتى يقوم دليل على خصوصية الحكم. الوجه السادس: ظاهر قوله: «إني لست كهيئتكم»، وفي آخر حديث الباب: «وأيكم مثلي؟»، أن جواز الوصال خاص بالنبي ﷺ دون أمته لوجود الفارق بينه وبينهم، وهو أن الله تعالى يطعمه ويسقيه فلا يتأثر بالوصال، وليس ذلك الأمر بحاصل لهم. لكن الذي يظهر مما تقدم أن النبي ﷺ ما نهاهم عن الوصال لأنه خاص به؛ وإنما نهاهم رحمة بهم وتخفيفاً عليهم لئلاً يشق عليهم، فيدل على أن من لا يشق عليه الوصال أنه لا مانع منه، وهذا هو ظاهر قوله: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، وهذا ما فهمه الصحابة ﵃، كما تقدم، والله تعالى أعلم.

стр. 1940

ما يجب على الصائم تركه ٦٦٣/ ١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللفْظُ لَهُ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم» (١٩٠٣)، وفي كتاب «الأدب»، باب «قول الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾» (٦٠٥٧)، وأبو داود (٢٣٦٢) من طريق ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به. وقول الحافظ: (إن اللفظ لأبي داود) وهم منه ﵀، فإن هذا لفظ البخاري في الموضع الثاني، وأما أبو داود فليس عنده كلمة: «والجهل» كما في المطبوع؛ إلا إن كان الحافظ وقف على نسخة فيها ذلك، وعند أبي داود: «حاجة أن يدع» بدون «في». الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يجب على الصائم أن يحفظ صومه مما يؤثر عليه وينقص ثوابه، وذلك بالتحلي بمكارم الأخلاق، والبعد عن سيئها من قول الزور والعمل به والجهل؛ فإن هذه الأخلاق وإن كان منهيًّا عنها كل وقت، لكن يزداد قبحها في الصيام، ولهذا ذكرت فيه، وحصولها من الصائم يدل على أن صيامه ناقص المعنى، قليل الأجر؛ لأنه ليس صوماً تامًّا كاملاً؛ إذ لو كان كذلك لصان صيامه عن الأقوال المحرمة، والأفعال السيئة،

стр. 1941

وإن وقت الصائم لأَنفسُ وأغلى من أن ينفق في هذه المهلكات، التي تؤثر على ثواب الصيام أو تذهب حقيقته وتلغي آثاره التربوية والخلقية؛ لأن قوله: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» يشعر بأنه يخشى على من ارتكب شيئاً من ذلك وهو صائم ألا يُقبل منه صيامه، وفي هذا دليل على أن الصيام ليس مجرد الامتناع عن المفطرات الحسية؛ بل لا بدّ فيه من صيام الجوارح عما حرم الله تعالى، والتحلي بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، ليؤدي الصوم دوره في تربية النفس وتهذيب الأخلاق، وأولى الناس بذلك من لهم علاقة بالآخرين؛ كالقاضي، والمعلم، والطالب، والموظف، ونحوهم. وقول الزور: كل قول مائل عن الحق إلى الباطل، فيدخل فيه كل كلام محرم من الكذب، والسبِّ، والشتم، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور. والعمل بالزور: هو العمل بكل فعل محرم فيه عدوان على الناس من الظلم، والخيانة، والغش، وأخذ المال، وإيذاء الناس، ونحو ذلك، كما يدخل فيه الاستماع أو النظر إلى ما حرم الله تعالى من الأغاني وآلات اللهو والطرب. والجهل: هو السَّفَهُ، وهو مجانبة الرشد في القول والعمل. إن الصيام مدرسة تربوية تعلِّم الحِلْم والصبر والصدق، وتحث على مكارم الأخلاق وفضائل الأقوال والأعمال، والصيام الشرعي صيام الجوارح عن الآثام، والبطن عن الطعام والشراب، والفرج عن الرَّفَث ومباشرة النساء، فإذا تمَّ ذلك أدَّى الصوم ثمراته وفوائده، وترتب عليه المغفرة الموعود بها.

стр. 1942

حكم القبلة والمباشرة للصائم ٦٦٤/ ١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فِي رَمَضَانَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «المباشرة للصائم» (١٩٢٧)، ومسلم (١١٠٦) (٦٥) من طريق إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، به. ورواه مسلم من طريق زياد بن عِلاقَةَ، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة ﵂ قالت: (كان الرسول ﷺ يُقَبِّل في شهر الصوم)، وفي لفظ: (في رمضان). الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يجوز للصائم أن يقبّل زوجته وأن يباشرها، ولا يؤثر ذلك على الصيام ولا ينقص ثوابه. والمراد بالمباشرة: التقاء البشرتين باللمس ونحوه، فهي أعم من التقبيل، وتطلق على الجماع، لكنه غير مراد هنا. وقد أخرج الطحاوي بسنده عن حكيم بن عِقَالٍ، قال: سألت عائشة ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: (فرجها) (١).

стр. 1943

وأخرج عبد الرزاق بسنده عن مسروق قال: سألت عائشة ما يَحِلُّ للرجل من امرأته صائماً؟ قالت: (كل شيء إلا الجماع) (١). الوجه الثالث: دل قولها ﵂: (وكان أملككم لإربه) على أن الصائم إذا خشي من المباشرة تَحَرُّكَ شهوته، أو تَدَرُّجَهُ إلى الجماع أنه يجب عليه ترك التقبيل والمباشرة، سدًّا للذريعة؛ ولأن حفظ الصيام من الإفساد واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والأَرَبُ: بفتح الهمزة والراء، هو الشهوة وحاجة النفس. والإِرْبُ: بكسر الهمزة وسكون الراء، هو العضو وهو الذكر، وقد يطلق على حاجة النفس أيضاً (٢). فالضابط في الجواز هو أن يملك الصائم أربه، ويقدر على ضبط نفسه، فإن خاف من الوقوع في المحذور لم يجز له أن يقبّل ولا أن يباشر. فإن قبّل الصائم أو باشر فأنزل فسد صومه، قال ابن قدامة: (بغير خلاف نعلمه) (٣)، وهذا فيه نظر، فقد ذهب ابن حزم إلى أنه لا يفطر بالقبلة والمباشرة ولو أنزل، وقوَّى ذلك (٤)، وجاء عن جماعة من الصحابة والتابعين جواز المباشرة للصائم (٥)، وكذا لو استمنى فأنزل فسد صومه، لأنه في معنى القبلة في إثارة الشهوة، وذهب ابن حزم إلى أنه لا يفسد صومه، مستدلاً بأنه لم يأت نص بأنه ينقض الصوم (٦)، فإن قبَّل أو باشر فخرج منه مذي لم يفسد صومه في أصح قولي العلماء؛ لأنه خارج أشبه البول، والله تعالى أعلم.

стр. 1944

حكم الحجامة للصائم ٦٦٥/ ١٦ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ٦٦٦/ ١٧ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ - بِالْبَقِيعِ - وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. ٦٦٧/ ١٨ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَتْ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ؛ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ»، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «الحجامة والقيء للصائم» (١٩٣٨) من طريق وهيب، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، وأخرجه (١٩٣٩) من طريق عبد الوارث، حدثنا أيوب، ولفظه: (احتجم النبي ﷺ وهو صائم). وأما حديث شداد بن أوس ﵁ فقد أخرجه أبو داود في «الصيام» بابٌ «في الصائم يحتجم» (٢٣٦٩)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣١٩)، وابن ماجه (١٦٨١)، وأحمد (٢٨/ ٢٣٥)، وابن حبان (٣٥٣٤)، كلهم من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس ﵁، به.

стр. 1945

وأخرجه ابن ماجه (١٦٨٠) من طريق أبي قلابة أن أبا أسماء حدثه عن ثوبان ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ … ) فجعله من مسند ثوبان. وهذا الحديث في إسناده اختلاف، وفي متنه اضطراب، وقد اختلفت فيه كلمة أهل العلم، والأكثرون على تصحيحه، فممن صححه الإمام البخاري، فقد قال الإمام الترمذي: (سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس وثوبان، فقلنا له: كيف بما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي الأشعث عن شداد بن أوس، روى الحديثين جميعاً) (١). وممن صحَّحه ابن المديني، وإسحاق بن إبراهيم، وعثمان الدارمي، والعقيلي، والنووي، وآخرون (٢)، وممن ضعفه الحافظ أبو حاتم، والإمام الشافعي (٣). وأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٢) من طريق خالد بن مخلد القطواني، ثنا عبد الله بن المثنى، عن ثابت البناني (٤)، عن أنس بن مالك ﵁، به. وقال الدارقطني عن رجاله: (كلهم ثقات، ولا أعلم له علة)، وقد تعقبه ابن عبد الهادي بكلام نفيس، مفاده أن هذا حديث منكر، شاذ الإسناد، وفي متنه نكارة، لما يلي: ١ - أن هذا الحديث غير معروف في المصنفات المشهورة، لا في

стр. 1946

الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد مع أن الأمة تحتاج إليه أشد الاحتياج، ولا يعرف أحد رواه في الدنيا إلا الدارقطني. ٢ - أن خالد بن مخلد وعبد الله بن المثنى، وإن كانا من رجال الصحيح، فقد تكلم فيهما غير واحد من الأئمة، فخالد قال عنه الإمام أحمد: (له أحاديث مناكير)، وقال ابن سعد: (منكر الحديث، مفرط التشيع) (١)، وابن المثنى قال عنه أبو داود: (لا أخرج أحاديثه)، وقال النسائي: (ليس بالقوي) (٢). ٣ - أن في متنه نكارة؛ لأن جعفر بن أبي طالب ﵁ قتل في غزوة مؤتة وهي قبل الفتح، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» كان عام الفتح بعد قتل جعفر ﵁ (٣). الوجه الثاني: حديث ابن عباس ﵄ دليل على جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تؤثر على الصيام؛ لأن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وهذا قول الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك والشافعي، وهو ظاهر اختيار البخاري، ورجَّحه ابن حزم (٤). ويؤيد ذلك ما تقدم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه … وقد روى البخاري بسنده عن شعبة قال: (سمعت ثابتاً البناني قال: سئل أنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ - وفي رواية: على عهد رسول الله ﷺ قال: لا، إلا من أجل الضعف) (٥). الوجه الثالث: حديث شداد بن أوس دليل على أن الحجامة تفسد

стр. 1947

الصيام؛ لقوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فالمحجوم يفطر بسبب خروج الدم؛ لأنه يضعفه، وأما الحاجم فلأنه يمص الدم. وهذا مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (١). وقد طعن في حديث ابن عباس الدال على الجواز كبار الحفاظ، كالإمام أحمد، وابن المدني، وابن معين، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو حاتم (٢)، وقالوا: إن لفظة «وهو صائم» غير محفوظة، وقال مهنا: (سألت أحمد عن الحديث، فقال: ليس فيه «للصائم» إنما «وهو محرم») (٣). والذي يظهر - والله أعلم - هو قول الجمهور، وأن الحجامة كانت تفطِّر في أول الأمر ثم نسخ هذا الحكم. ويدل ذلك حديث أبي سعيد ﵁ قال: (رَخَّصَ رسول الله ﷺ في القبلة للصائم، ورخص في الحجامة) (٤). قال الحافظ: «قال ابن حزم: إسناده صحيح، فوجب الأخذ به؛ لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء أكان حاجماً أو محجوماً» (٥)، وظاهر أحاديث الجواز أنها متأخرة عن أحاديث النهي، وقد روي موقوفاً بلفظ: (رُخِّص للصائم في الحجامة والقبلة) (٦).

стр. 1948

وهذا له حكم الرفع؛ لأن الترخيص في الأحكام الشرعية من الرسول ﷺ ، وهذا المرفوع حكماً يفسره مجيئه مرفوعاً صريحاً، فيدل على نسخ حديث شداد بن أوس ﵁ الدال على أن الحجامة تفطر الصائم، كما يدل على ذلك حديث أنس ﵁، على ما تقدم فيه من مقال. الوجه الرابع: يتفرع على مسألة الحجامة مسألة أخذ الدم للتحليل، فعلى القول بأن الحجامة تفطر الصائم يكون أخذ الدم الكثير للتحليل يفطر الصائم؛ فإن كان يسيراً لم يؤثر. وأما على القول بأن الحجامة لا تفطر فأخذ الدم لا يفطر مطلقاً، سواء أكان كثيراً أم قليلاً. أما الرعاف وخروج الدم من الجرح والسن إذا لم يبلعه فهذا لا يفطر مطلقاً، سواء أكان كثيراً أم قليلاً؛ لأنه خرج بغير اختياره، والأصل صحة الصوم إلا بدليل صحيح يدل على فساده، والله تعالى أعلم.

стр. 1949

حكم الكحل للصائم ٦٦٨/ ١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن ماجه (١٦٧٨) من طريق بقية بن الوليد، حدثنا الزُّبيدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: (اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ) وليس فيه: (في رمضان). وهذا حديث ضعيف، فيه الزبيدي، وهو سعيد بن عبد الجبار الزبيدي الحمصي، قال فيه ابن المديني: (لم يكن بشيء، كان يحدثنا بالشيء، فأنكرنا عليه بعد ذلك، فجحد)، وقال مسلم: (متروك الحديث)، وقال البيهقي: (سعيد الزبيدي من مجاهيل شيوخ بقية، يتفرد بما لا يتابع عليه) (١). قال النووي: (اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة، واختلفوا في روايته عن المعروفين، فلا يحتج بحديثه هذا بلا خلاف) (٢). وهذا الحديث من أفراد ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وأفراده يغلب عليها الضعف. قال الترمذي: (لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء) (٣)؛ أي: لا يصح عن النبي ﷺ حديث يدل على حكم الكحل

стр. 1950

للصائم، فلم يصح عن النبي ﷺ أنه اكتحل، ولا أنه نهى الصائم عنه. الوجه الثاني: اختلف العلماء في حكم اكتحال الصائم على قولين: الأول: أن الصائم ممنوع من الاكتحال وأنه يُفَطِّرُ، وهذا مذهب الإمام أحمد، ونقله الترمذي عن سفيان وابن المبارك وإسحاق (١). واستدلُّوا بما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه أمر بالإثمد المُروَّح عند النوم، وقال: «ليتقه الصائم» (٢). كما استدلوا بأن العين منفذ، بدليل أنه يجد طعم الكحل في الحلق. والقول الثاني: جواز اكتحال الصائم وأنه لا يؤثر على صيامه مطلقاً، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا، وهو قول الحنفية والشافعية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). واستدلوا بحديث الباب، ولأن العين ليست منفذاً، فلم يفطر بالداخل منها. وهذا هو الراجح؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، والأصل صحة الصيام إلا بدليل صحيح صريح يدل على فساده، والكحل لا يفطر ولو وجد طعمه في حلقه؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب، والعين ليست منفذاً لهما. والكحل مما تعم به البلوى ويحتاج الناس إلى معرفة حكمه، فلو كان يفطر الصائم لبيَّنه النبي ﷺ كما بيَّن غيره من المفطرات، فلما لم يبينه دلَّ على أنه لا يؤثر على الصائم. وقد روى أبو داود بسنده عن أنس ﵁ أنه كان يكتحل وهو صائم، وروى - أيضاً - عن الأعمش أنه قال: (ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره

стр. 1951

الكحل للصائم، وكان إبراهيم - يعني النخعي - يرخص أن يكتحل الصائم بالصَّبِر) (١). وقد نقل النووي أن ابن المنذر حكى ذلك عن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي، وحكاه غيره عن ابن عباس وأنس وابن أبي أوفى ﵃، وعزاه إلى داود الظاهري (٢). وأما حديث: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ»، فقد قال أبو داود عقبه: (قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر)، وكذا قال الإمام أحمد فيما نقله عنه أبو داود (٣)، وعلَّة الحديث والد عبد الرحمن: وهو النعمان بن معبد فإنه مجهول، كما في «التقريب» وغيره، وأما عبد الرحمن فقد ضعَّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (صدوق)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤). ويُقاس على الكحل قطرة العين؛ لأنها في معنى الكحل، ومثل ذلك قطرة الأذن، لما تقدم. وأما قطرة الأنف فإنها تفطر إذا دخل ذلك في جوفه؛ لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة، ولحديث لقيط بن صبرة: «وبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً» (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 1952

حكم صوم مَن أكل أو شرب ناسياً ٦٦٩/ ٢٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنما أَطْعَمَهُ اللهُ، وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٦٧٠/ ٢١ - وَلِلْحَاكِم: «مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ نَاسِياً فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ». وَهُوَ صَحِيحٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً» (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥)، من طريق هشام، حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به. وأما حديثه الثاني، فقد أخرجه ابن خزيمة (١٩٩٠)، وابن حبان (٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والحاكم (١/ ٤٣٠) من طريق محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. وهذا سند حسن، من أجل محمد بن عمرو بن علقمة؛ فإن فيه كلاماً من قبل حفظه، قال عنه في «التقريب»: (صدوق، يخطئ)، وهو حسن الحديث ما لم يخالف، كما تقدم. وأورد الحافظ هذه الرواية لأنها أعم مما قبلها، فيدخل فيها الأكل والشرب والجماع، ونحو ذلك مما يفطر.

стр. 1953

لكن أعلَّه ابن عدي والدارقطني بتفرد ابن مرزوق به، عن الأنصاري، ثم قال: (هذا حديث غريب المتن والإسناد) (١). وقد تابع ابن مرزوق أبو حاتم الرازي عند الحاكم، والبيهقي (٤/ ١٢٩)، وقال ابن عبد الهادي: (المشهور في هذا الحديث هذا اللفظ المخرج في الصحيح، وهذا مروي بالمعنى، والله أعلم) (٢). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من أكل أو شرب فصومه صحيح لا نقص فيه، ولا إثم عليه؛ إذ لا قصد له في ذلك؛ بل هو رزق ساقه الله إليه، ولهذا أضاف النبي ﷺ إطعامه وسقيه إلى الله تعالى، وليس عليه قضاء؛ لأنه أُمر بالإتمام، وسُمِّي الذي يُتِمُّ صوماً، فدل على أنه صائم حقيقة، وهذا أمر مجمع عليه، لولا خلاف الإمام مالك، وربيعة الرأي، وابن أبي ليلى، حيث قالوا ببطلان صومه ولزوم القضاء؛ لأن الإمساك عن المفطرات ركن الصوم؛ كمن نسي ركناً من أركان الصلاة، ومعنى: «فليتم صومه» أي: فليتم إمساكه عن المفطرات. والصواب صحة صومه وأنه لا قضاء عليه، والحديث حجة ظاهرة، وقد خالف جمهور المالكية المتأخرين الإمام مالكاً. وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أيضاً - قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِياً أَوْ شَرِبَ نَاسِياً فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» (٣)، فهذا نص صريح في صحة صومه وعدم قضائه له، لكن الظاهر أن لفظة: (ولا قضاء عليه) شاذة. الوجه الثالث: قاس الفقهاء على الأكل والشرب بقية المفطرات، لقوله في الرواية الثانية: «من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا

стр. 1954

كفارة». وتخصيص الأكل والشرب في الحديث إنما هو باعتبار الغالب، والتخصيص بالغالب لا يقتضي مفهوماً، فلا يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه. وهذا الحكم في الصائم فرد من أفراد القاعدة العظيمة التي دل عليها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد صحَّ أن الله تعالى قال إجابة لهذا الدعاء: (قد فعلت)، وفي رواية: (قال: نعم) (١)، وهذا من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده وتيسيره عليهم ورفع الحرج والمشقة عنهم. ومثل ذلك ما لو اغتسل الصائم أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء إلى حلقه بلا قصد لم يفسد صومه، وكذا لو طار إلى حلقه ذباب أو غبار من طريق أو دقيق، أو نحو ذلك؛ أنه لا يفسد صومه؛ لأنه كالناسي في ترك العمد وسلب الاختيار. ومن رأى صائماً يأكل أو يشرب في نهار رمضان ناسياً وجب عليه إعلامه وتذكيره؛ لأنه هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأكل والشرب في نهار رمضان منكر، والناسي معذور فوجب إعلامه في الحال، والله تعالى أعلم.

стр. 1955

أثر القيء على الصيام ٦٧١/ ٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ القَيءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «الصائم يستقيء عامداً» (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣١٧)، وابن ماجه (١٦٧٦)، وأحمد (١٦/ ٢٨٣) من طريق عيسى بن يونس، ثنا هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به. وإسناده ظاهره الصحة، قال الدارقطني: (رواته كلهم ثقات) (١)، لكنه معلول، فقد قال البخاري: (لا أُراه محفوظاً) (٢)، نقله عنه الترمذي (٣). وقال أحمد: (ليس من هذا شيء). قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ (٤)، وقال مهنا عن أحمد: (حدث به عيسى، وليس هو في كتابه، وليس هو من حديثه) (٥). وممن أَعلَّه الدارمي، فإنه قال: (قال عيسى - يعني ابن يونس ـ: زعم أهل البصرة أن هشاماً أوهم فيه، فموضع الخلاف هاهنا) (٦)، ومعنى ذلك أن

стр. 1956

الوهم من هشام بن حسان، وكذا أعله أبو داود والنسائي والترمذي، وآخرون. وقول الحافظ: (وقواه الدارقطني) أي: قال: (رواته ثقات) - كما تقدم - ولا يلزم من ذلك صحة الإسناد، كما هو معلوم، وقد نقل ابن مفلح عن الدارقطني تضعيف الحديث (١). ومما يدل على ضعفه أن الإمام البخاري روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (إذا قاء فلا يفطر، إنما يُخرج ولا يُولج .. ) (٢)، ولو كان هذا الحديث ثابتاً ما أفتى أبو هريرة ﵁ بخلافه، فكأن البخاري يرى صحة الموقوف على أبي هريرة ﵁ دون المرفوع. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصائم إذا تقيَّأ مستدعياً للقيء فسد صومه وعليه القضاء، وهذا مذهب الجمهور، وقد علل شيخ الإسلام ابن تيمية - وهو ممن يرى الفطر بالقيء - بأن القيء يضعف البدن ويخرج المادة التي يتغذى بها. واستدل الجمهور - أيضاً - بحديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قاءَ فأفطر … الحديث (٣). لكن أجيب عنه بأجوبة: الأول: أنه حديث مختلف في إسناده، كما قاله البيهقي وغيره من الحفاظ (٤)، وقد ذكره المجد في «المنتقى» بلفظ: (قاء فتوضأ … ) ونسبه لأحمد والترمذي، وليس فيهما، كما ذكر أحمد شاكر (٥). الثاني: أن هذا كان في صوم التطوع وأنه ﷺ قاء فضعف فأفطر، هكذا روي في بعض الحديث مفسَّراً، ذكر ذلك الترمذي. وقال ابن بطال: (وليس فيه دليل على أن القيء كان مفطراً له؛ وإنما فيه أنه قاءَ فأفطر بعد ذلك) (٦).

стр. 1957

الثالث: أن هذا مجرد فعل، وهو لا يدل على الإيجاب. وأما إذا ذرعه القيء وغلبه وخرج منه من غير اختياره فصومه صحيح ولا شيء عليه. قال الخطابي: (لا أعلم بين أهل العلم فيه اختلافاً) (١). وقال ابن قدامة: (هذا قول عامة أهل العلم) (٢)، وقد روى مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: (من استقاء وهو صائم، فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء) (٣). وذهب بعض أهل العلم إلى أن القيء لا يفطر، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود ﵃ (٤)، وقال به عكرمة، وهو ظاهر اختيار البخاري، فإنه ساق بعض الآثار الدالة على ذلك، وحكاه ابن حجر رواية عن مالك (٥). ودليل ذلك أنه لم يصح عن النبي ﷺ في ذلك شيء مع أن القيء مما تعم به البلوى، وتحتاج الأمة إلى معرفة حكمه، وتقدم قول أبي هريرة ﵁ في ذلك. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء (٦)، ونقله عنه ابن قدامة (٧)، وفيه نظر، لثبوت الخلاف، كما تقدم، والله أعلم.

стр. 1958

حكم الصيام في السفر ٦٧٢/ ٢٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، قَالَ: «أُولئِكَ الْعُصَاةُ، أُولئِكَ الْعُصَاةُ». وَفِي لَفْظٍ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٦٧٣/ ٢٤ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِي ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٦٧٤/ ٢٥ - وَأَصْلُهُ فِي «المُتفَقِ» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، أَنَّ حَمْزَةَ بن عَمْرٍو سَأَلَ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر وعمر ﵄، وروى عنه ابنه محمد، وسليمان بن يسار، وأبو مراوح الغفاري، وغيرهم.

стр. 1959

وروى البخاري في «تاريخه» بسنده عن محمد بن حمزة الأسلمي، عن أبيه، قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء دُحْمُسَةٍ (١) فأضاءت أصابعي، حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير) (٢)، بَشَّرَ أبا بكر الصديق ﵁ بفتح أجنادين، وقيل: إنه الذي بشر كعب بن مالك ﵁ بتوبة الله تعالى عليه، فأعطاه كعب ثوبيه، ذكر هذا الحافظ في شرح قصة كعب ﵁ (٣). مات سنة إحدى وستين، وهو ابن (٧١) سنة، وقيل: بلغ ثمانين (٤). الوجه الثاني: في تخريجها: أما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر … » (١١١٤) (٩٠) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، حدثنا جعفر، عن أبيه، عن جابر ﵁، به. وأما الرواية الثانية فهي من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن جعفر بهذا الإسناد (١١١٣) (٩١)، ولكن لفظة (فشرب) ليست في «الصحيح». وأما حديث حمزة بن عمرو، فقد أخرجه مسلم - أيضاً - في باب «التخيير في الصوم والفطر في السفر» (١١٢١) (١٠٧) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن الأسود، عن عروة بن الزبير، عن أبي مراوح، عن حمزة بن عمرو، به. وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «الصوم في السفر والإفطار» (١٩٤٢) (١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر، فقال: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ». ولعل الحافظ قدم رواية مسلم، لكونها من رواية حمزة نفسه، أو لما

стр. 1960

فيها من الفوائد الزائدة على رواية «الصحيحين»؛ لأنه في لفظ مسلم قال: «هِي رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ … »، ولفظ «الصحيحين»: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»، لكن قد يقال: إن الحديث واحد. الوجه الثالث: في شرح ألفاظها: قوله: (كراع الغميم) بضم الكاف، وفتح الراء المهملة، ثم ألف، آخره عين مهملة، هو الطرف من كل شيء، والمراد هنا: جبل أسود طويل على يسار الطريق، شبيه بالكراع. والغميم: بفتح الغين، اسم وادٍ على طريق مكة إلى المدينة، يبعد عن مكة (٦٤) كيلاً، ويعرف عند أهل تلك الجهة ببرقاء الغميم، وهو وادي عُسفان، وينتهي مصبه في البحر الأحمر. قوله: (على الصيام في السفر) لم يبين ما المراد بالصوم، إلا أنه ورد عند البخاري من حديث عائشة: (وكان كثير الصيام)، فهذا قد يرجح أنه صوم التطوع، لكن قوله في رواية مسلم: «هي رخصة من الله» يفيد أن المراد صوم رمضان؛ لأن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب، وقد جاء عند أبي داود بلفظ: «إِنِّي صاحب ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ، أُسَافِرُ عَلَيْهِ وأَكْرِيهِ، وَإِنَّهُ صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي رَمَضَانَ - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَنَا شَابٌّ … » الحديث (١)، وعلى هذا ففائدة قوله: (وكان كثير الصيام) بيان قوته على الصوم، وأن الصوم يسير في السفر عليه. قوله: (فصم … فأفطر) أمر للإباحة. الوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على أن المسافر له أن يصوم، وله أن يفطر، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، واستدلوا - أيضاً - بحديث أنس ﵁ قال: (كنا في سفر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) (٢).

стр. 1961

وذهب داود الظاهري وابن حزم إلى أنه لا يجزئ المسافر الصوم؛ وإنما فرضه الفطر (١)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولقوله ﷺ في حق الذين صاموا: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاة»، ولحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا؟»، قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ») (٢). والصواب هو القول الأول؛ لقوة أدلته، وأما الآية فليس فيها دليل على عدم إجزاء صوم المسافر لو صام؛ وإنما فيها أن المسافر إذا أفطر فعليه عدة من أيام أُخر، والسنة تبين القرآن، ولو كان الصيام في السفر لا يجزئ ما فعله النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه، وهم أعلم منا بمراد الله تعالى في كتابه، وقد جاء عن بعض السلف من الصحابة والتابعين وجوب الصوم في السفر، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ (٣). وأما قوله: (أولئك العصاة) فإنما قاله النبي ﷺ في حق المخالفين الذين لم يمتثلوا أمره لهم بالإفطار حين شق الصيام على الناس، ولا ريب أن الفطر متعين في هذه الحالة، وعدم الامتثال معصية. وأما حديث: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، فإنما قاله فيمن شق عليه الصيام، بدليل السياق؛ لأن النبي ﷺ صام في السفر، وهو لا يفعل ما ليس ببر. والحق أن القول بوجوب الفطر في السفر إعراض عن الأحاديث الدالة على جواز الصيام، وهي كثيرة. ثم اختلف الجمهور أيهما أفضل في السفر الصوم أو الفطر؟ فذهب أبو حنيفة والشافعي - ونسبه ابن حجر إلى الجمهور (٤) ـ إلى أن

стр. 1962

الصوم أفضل حيث لا مشقة ولا ضرر؛ ولأن هذا هو فعل النبي ﷺ ، كما في حديث أبي الدرداء ﵁ حيث صام ﷺ هو وعبد الله بن رواحة ﵁ (١). ولأنه أسرع في إبراء الذمة، وأيسر إذا صام والناس صائمون. وقد رجح هذا القول ابن حجر. وذهب الإمام أحمد وأصحابه إلى أن الفطر أفضل ولو لم يلحقه مشقة. ودليلهم حديث الباب، فإن قوله: «هِيَ رُخْصَةٌ مِن اللهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ» يدل على أن الفطر أفضل؛ لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه (٢)؛ ولأنه قال في الصيام: «وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْه». والقول الثالث: أن الأفضل هو الأيسر، فمن كان الفطر أيسر عليه وأسهل له فهو أفضل في حقه، ومن كان الصوم أسهل عليه فهو أفضل. وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة، واختاره ابن المنذر (٣). وهذا قول قوي تجتمع به الأدلة الكثيرة في موضوع الصيام في السفر ويعمل بها كلها. واعلم أنه لا فرق في جواز الفطر في السفر بين طول المدة وقصرها، ولا بين السفر الطارئ لغرض، أو المستمر كسائقي الطائرات وسيارات الأجرة، لعموم الأدلة، والرخصة في الإفطار منوطة بالسفر؛ لأنه مظنة المشقة، ولا يشترط حصول المشقة، فلو سافر على الطائرة - مثلاً - فله الفطر؛ لأنه مسافر فارق بلده، والله تعالى أعلم.

стр. 1963

حكم الكبير الذي لا يطيق الصيام ٦٧٥/ ٢٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رُخِّصَ للشيخ الكبير أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٥)، والحاكم (١/ ٤٤٠) من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄. قال الدارقطني: (وهذا الإسناد صحيح) وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط البخاري). الوجه الثاني: هذا الأثر دليل على أن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أن يصوم أن له أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، وليس عليه قضاء. ومثل ذلك المرأة الكبيرة العاجزة عن الصيام؛ وكذا من يشق عليه الصيام؛ كالمريض الميؤوس من برئه، وهو لا يقدر على الصيام، فهذا ملحق بالشيخ الكبير؛ لأنه لن يتمكن من القضاء ما دام مرضه ملازماً له على الدوام. وقول ابن عباس ﵄ هو المعتمد في هذه المسألة، والظاهر أنه لا مخالف له من الصحابة ﵃، ويحتمل أنه سمعه من النبي ﷺ لما يتبادر من قوله: (رُخِّص)، ويحتمل أنه استنبطه من قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأشباهها.

стр. 1964

وقد نقل ابن المنذر، وابن حزم الإجماع على ذلك (١). وقد أخرج البخاري بسنده عن عطاء، أنه سمع ابن عباس يقرأ: (وعلى الذين يطوقونه (٢) فدية طعام مسكين) قال ابن عباس: (ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً) (٣). وهذا رأي ابن عباس ﵄ وهو أن الآية ليست منسوخة، بل هي محكمة في حق من يشق عليه الصيام؛ كالكبير والمريض الذي امتد به المرض، كما ورد عنه في رواية أخرى، وقد ورد عنه ما يدل على أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٤)، وهذا مذهب الجمهور، وهو أنه في أول فرض الصيام من شاء أفطر وأطعم، ومن شاء صام، ثم نُسخ ذلك. ولا تعارض فيما ورد عن ابن عباس ﵄؛ لأن النسخ المنفي هو إزالة الحكم بالكلية، والنسخ المثبت هو تخصيص بعض أفراد العام، والمتقدمون يطلقون النسخ على التخصيص أحياناً - كما ذكر القرطبي (٥) ـ، فتكون الآية نسخ حكمها في حق من يطيق الصيام، وبقي فيمن لا يطيقه إلا بمشقة. ويخير الكبير العاجز عن الصيام ومن في حكمه في الإطعام بين أن يفرقه حباً على المساكين، لكل واحد مُدٌّ من البر، ومقداره (٥٦٣) جراماً تقريباً - كما تقدم في الزكاة - وبين أن يصنع طعاماً ويدعو إليه من المساكين بقدر الأيام التي أفطرها، لما ورد عن أنس ﵁ أنه ضعف عن الصوم عاماً فصنع جَفْنَةَ ثَريدٍ، ودعا ثلاثين مسكيناً فأشبعهم (٦)، والله تعالى أعلم.

стр. 1965

حكم جماع الصائم في نهار رمضان ٦٧٦/ ٢٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟»، قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهذَا»، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». رَوَاهُ السَّبْعَةُ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، بابٌ «إذا جامع في نهار رمضان ولم يكن له شيء فتُصدق عليه فليكفّر» (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)، وأبو داود (٢٣٩٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣١١)، والترمذي (٧٢٤)، وابن ماجه (١٦٧١)، وأحمد (١١/ ٥٣٣) كلهم من طريق الزهري قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: … فذكره. وقد ذكر ابن القيم أن هذا الحديث رواه عن الزهري ما يزيد على أربعين نفساً (١).
следующие страницы →