وذهب داود الظاهري وابن حزم إلى أنه لا يجزئ المسافر الصوم؛ وإنما فرضه الفطر (١)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولقوله ﷺ في حق الذين صاموا: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاة»، ولحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا؟»، قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ») (٢).
والصواب هو القول الأول؛ لقوة أدلته، وأما الآية فليس فيها دليل على عدم إجزاء صوم المسافر لو صام؛ وإنما فيها أن المسافر إذا أفطر فعليه عدة من أيام أُخر، والسنة تبين القرآن، ولو كان الصيام في السفر لا يجزئ ما فعله النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه، وهم أعلم منا بمراد الله تعالى في كتابه، وقد جاء عن بعض السلف من الصحابة والتابعين وجوب الصوم في السفر، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ (٣).
وأما قوله: (أولئك العصاة) فإنما قاله النبي ﷺ في حق المخالفين الذين لم يمتثلوا أمره لهم بالإفطار حين شق الصيام على الناس، ولا ريب أن الفطر متعين في هذه الحالة، وعدم الامتثال معصية.
وأما حديث: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، فإنما قاله فيمن شق عليه الصيام، بدليل السياق؛ لأن النبي ﷺ صام في السفر، وهو لا يفعل ما ليس ببر.
والحق أن القول بوجوب الفطر في السفر إعراض عن الأحاديث الدالة على جواز الصيام، وهي كثيرة.
ثم اختلف الجمهور أيهما أفضل في السفر الصوم أو الفطر؟
فذهب أبو حنيفة والشافعي - ونسبه ابن حجر إلى الجمهور (٤) ـ إلى أن
стр. 1962
الصوم أفضل حيث لا مشقة ولا ضرر؛ ولأن هذا هو فعل النبي ﷺ ، كما في حديث أبي الدرداء ﵁ حيث صام ﷺ هو وعبد الله بن رواحة ﵁ (١). ولأنه أسرع في إبراء الذمة، وأيسر إذا صام والناس صائمون. وقد رجح هذا القول ابن حجر.
وذهب الإمام أحمد وأصحابه إلى أن الفطر أفضل ولو لم يلحقه مشقة. ودليلهم حديث الباب، فإن قوله: «هِيَ رُخْصَةٌ مِن اللهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ» يدل على أن الفطر أفضل؛ لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه (٢)؛ ولأنه قال في الصيام: «وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْه».
والقول الثالث: أن الأفضل هو الأيسر، فمن كان الفطر أيسر عليه وأسهل له فهو أفضل في حقه، ومن كان الصوم أسهل عليه فهو أفضل. وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة، واختاره ابن المنذر (٣).
وهذا قول قوي تجتمع به الأدلة الكثيرة في موضوع الصيام في السفر ويعمل بها كلها.
واعلم أنه لا فرق في جواز الفطر في السفر بين طول المدة وقصرها، ولا بين السفر الطارئ لغرض، أو المستمر كسائقي الطائرات وسيارات الأجرة، لعموم الأدلة، والرخصة في الإفطار منوطة بالسفر؛ لأنه مظنة المشقة، ولا يشترط حصول المشقة، فلو سافر على الطائرة - مثلاً - فله الفطر؛ لأنه مسافر فارق بلده، والله تعالى أعلم.
стр. 1963
حكم الكبير الذي لا يطيق الصيام
٦٧٥/ ٢٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رُخِّصَ للشيخ الكبير أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٥)، والحاكم (١/ ٤٤٠) من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.
قال الدارقطني: (وهذا الإسناد صحيح) وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط البخاري).
الوجه الثاني: هذا الأثر دليل على أن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أن يصوم أن له أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، وليس عليه قضاء.
ومثل ذلك المرأة الكبيرة العاجزة عن الصيام؛ وكذا من يشق عليه الصيام؛ كالمريض الميؤوس من برئه، وهو لا يقدر على الصيام، فهذا ملحق بالشيخ الكبير؛ لأنه لن يتمكن من القضاء ما دام مرضه ملازماً له على الدوام.
وقول ابن عباس ﵄ هو المعتمد في هذه المسألة، والظاهر أنه لا مخالف له من الصحابة ﵃، ويحتمل أنه سمعه من النبي ﷺ لما يتبادر من قوله: (رُخِّص)، ويحتمل أنه استنبطه من قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأشباهها.
стр. 1964
وقد نقل ابن المنذر، وابن حزم الإجماع على ذلك (١).
وقد أخرج البخاري بسنده عن عطاء، أنه سمع ابن عباس يقرأ: (وعلى الذين يطوقونه (٢) فدية طعام مسكين) قال ابن عباس: (ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً) (٣).
وهذا رأي ابن عباس ﵄ وهو أن الآية ليست منسوخة، بل هي محكمة في حق من يشق عليه الصيام؛ كالكبير والمريض الذي امتد به المرض، كما ورد عنه في رواية أخرى، وقد ورد عنه ما يدل على أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٤)، وهذا مذهب الجمهور، وهو أنه في أول فرض الصيام من شاء أفطر وأطعم، ومن شاء صام، ثم نُسخ ذلك.
ولا تعارض فيما ورد عن ابن عباس ﵄؛ لأن النسخ المنفي هو إزالة الحكم بالكلية، والنسخ المثبت هو تخصيص بعض أفراد العام، والمتقدمون يطلقون النسخ على التخصيص أحياناً - كما ذكر القرطبي (٥) ـ، فتكون الآية نسخ حكمها في حق من يطيق الصيام، وبقي فيمن لا يطيقه إلا بمشقة.
ويخير الكبير العاجز عن الصيام ومن في حكمه في الإطعام بين أن يفرقه حباً على المساكين، لكل واحد مُدٌّ من البر، ومقداره (٥٦٣) جراماً تقريباً - كما تقدم في الزكاة - وبين أن يصنع طعاماً ويدعو إليه من المساكين بقدر الأيام التي أفطرها، لما ورد عن أنس ﵁ أنه ضعف عن الصوم عاماً فصنع جَفْنَةَ ثَريدٍ، ودعا ثلاثين مسكيناً فأشبعهم (٦)، والله تعالى أعلم.
стр. 1965
حكم جماع الصائم في نهار رمضان
٦٧٦/ ٢٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟»، قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهذَا»، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
رَوَاهُ السَّبْعَةُ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، بابٌ «إذا جامع في نهار رمضان ولم يكن له شيء فتُصدق عليه فليكفّر» (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)، وأبو داود (٢٣٩٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣١١)، والترمذي (٧٢٤)، وابن ماجه (١٦٧١)، وأحمد (١١/ ٥٣٣) كلهم من طريق الزهري قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: … فذكره.
وقد ذكر ابن القيم أن هذا الحديث رواه عن الزهري ما يزيد على أربعين نفساً (١).
стр. 1966
وهو حديث كثير الفوائد، وقد أفرده بعضهم في مصنف مستقل - وهو الحافظ العراقي - واستنبط منه ألف مسألة ومسألة.
وقد أخرجه أبو داود من طريق هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وزاد: «وَصُمْ يَوْماً وَاسْتَغْفِرِ اللهَ» (١).
وقد طعن في هذه الزيادة غير واحد من الحفاظ؛ لأن أصحاب الزهري الأثبات الثقات أمثال: مالك، والليث، وعُقيل بن خالد، ومعمر، وغيرهم، لم يذكروا هذه اللفظة؛ وإنما رواه هشام بن سعد وأخطأ فيه، وقد تابعه من لا يعتد به؛ لأنهم خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عدداً، ولو كان هشام بن سعد ثقة لَحُكِمَ على روايته بالنكارة لمخالفته من ذكر، فكيف وهو سيئ الحفظ، كما قال الحافظ: (صدوق له أوهام)، وقد تقدم له ذكر في كتاب الصلاة (٢).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (هلكت) أي: وقعت في الإثم الذي يهلكني.
قوله: (هل تجد ما تعتق رقبةً) بالنصب بدل من (ما) التي هي مفعول (تجد).
قوله: (بعرق) بفتح العين والراء: هو الزبيل، وقد ورد في رواية عند البخاري: (فأُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، وهو الزبيل) ويقال: الزنبيل، ويسمى: القفة والسفيفة، كما ذكر ابن الملقن، وذكر - أيضاً - أن العرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعاً، وذلك ستون مدًّا، لكل مسكين مدّ.
قوله: (أعلى أفقر منا؟) الهمزة داخلة على محذوف يفهم من السياق، يتعلق به الجار والمجرور، والتقدير: أأتصدق به على أفقر منا؟
قوله: (ما بين لابتيها) أي: ما وسط لابتيها، أي: لابتي المدينة، وهما حرَّتاها الشرقية، شرقي البقيع، وتسمى: حَرَّة واقم، والغربية غربي سلع، وتسمى: حرة الوبرة، والحرة: أرض تعلوها حجارة سود.
стр. 1967
قوله: (بدت أنيابه) أي: ظهرت، والأنياب: جمع ناب، وهي السن التي خلف الرباعية.
قوله: (فأطعمه) أمر بمعنى الإباحة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم الإثم في جماع الصائم في نهار رمضان، لقول الرجل: (هَلَكْتُ)، وقوله ﷺ : «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، فأقره النبي ﷺ على أن فعله هذا مهلك، ولو لم يكن كذلك لهوَّن عليه الأمر، وفي حديث عائشة ﵂ قال: (احْتَرَقْتُ) (١)، وهذا الرجل كان جاهلاً لما يجب عليه، وليس جاهلاً أن الجماع في رمضان حرام، ولهذا قال: (هَلَكْتُ).
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من جامع في نهار رمضان وجب عليه أغلظ الكفارات، وهي على الترتيب:
١ - عتق رقبة، وظاهر الحديث أنه لا يشترط كونها مؤمنة؛ لأنه أطلق ولم يقيدها بالإيمان، وهذا قول الحنفية، والجمهور على اشتراط الإيمان، من باب حمل المطلق على المقيد؛ لأن الله تعالى اشترط الإيمان في كفارة القتل، مع أن السبب مختلف.
٢ - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يتخللهما فطر، إلا لعذر كمرض ونحوه.
٣ - فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكيناً.
وهذا قول الجمهور من أهل العلم سلفاً وخلفاً، وأما ما حُكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير من وجوب القضاء على المجامع بدون كفارة، فهو مبني على أن الحديث لم يبلغهم، كما قال البغوي (٢)، وهذه الكفارة مختصة بالجماع في رمضان.
فإن جامع في قضاء رمضان فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة؛ لأن
стр. 1968
الكفارة خاصة برمضان؛ لأن له حرمة خاصة، فالفطر انتهاك لها، بخلاف القضاء؛ فإن الأيام متساوية بالنسبة له.
الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الأكل من طعام الكفارة لمن وجبت عليه إذا كان معسراً والتصدق على أهله، وهذا بناءً على أن العرق الذي أخذه أنه كفارة وليس صدقة، وهذا ظاهر الحديث، كما يقول الحافظ، بشرط أن يكون الإنسان قد أُعطيها كما في هذا الحديث، أما إذا كان هو الذي دفعها فليس له أن يأكل منها، بل يدفعها إلى مستحقها.
والقول الثاني للجمهور وهو: أن ما أخذه ليس كفارة وإنما هو صدقة، والكفارة لا تسقط بالإعسار، بل تبقى ديناً في الذمة، قياساً على سائر الكفارات والديون.
قالوا: وليس في الحديث ما يدل على سقوطها، بل ظاهره عدم سقوطها؛ لأنه لما سأله عن أنزل درجات الكفارة - وهي الإطعام - وقال: لا أجد، سكت النبي ﷺ ، ولم يبرئ ذمته منها.
والقول الثالث: أن الكفارة تسقط مع العجز عنها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وأحد قولي الشافعي؛ لأن النبي ﷺ رخص للرجل أن يطعم التمر أهله، ولو كان كفارة عنه ما جاز ذلك، ولم يبين له بقاء الكفارة في ذمته إلى حين يساره، وتأخر البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والقول الأول هو الأقرب، فإنه ﷺ قال: «خذ هذا تصدق به»، أي: أطعمه المساكين عنك، ثم لما أخبره بفقره، أذن له أن يطعمه أهله، ولم يقل: إن الكفارة باقية في ذمته، ولو كانت باقية في ذمته لأخبره بذلك.
الوجه السادس: الحديث دليل على أن من وقع في أمر محرم ولم يعرف حكم الشرع؛ أن يسأل أهل العلم عما وقع فيه مخالفاً للشريعة، وأن يخاف من سوء عاقبته، وهذا له نظائر كما في قصة العسيف، وقصة ماعز ﵁ (١)، وغيرهما.
стр. 1969
الوجه السابع: استدل الجمهور بقوله: (هَلَكْتُ) على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم، وكذا ما جاء في حديث عائشة ﵂ في الصحيحين من قوله: (احْتَرَقْتُ)؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك.
قالوا: ولا يدخل في ذلك الناسي ولا الجاهل، فمن جامع ناسياً أو جاهلاً، فلا قضاء عليه ولا كفارة، قال البخاري في «صحيحه»: (وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسياً فلا شيء عليه) (١).
والقول الثاني: أن الناسي كالعامد تجب عليه الكفارة والقضاء؛ لأن الجماع أعظم المفطرات، ولأنه لا يتصور وقوع النسيان في الجماع، ولأن الرسول ﷺ ترك استفسار المجامع في نهار رمضان هل كان عن عمد أو نسيان؟ وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول.
والقول الأول أرجح لقوة دليله، ولعموم: «من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة» وتقدم.
الوجه الثامن: اختلف العلماء في حكم المرأة: هل عليها كفارة؟ قولان:
الأول: أنه ليس عليها كفارة، وهذا هو الأصح عند الشافعية، ومذهب داود وأهل الظاهر، ورواية عن الإمام أحمد، ورجحه النووي، ومال إليه ابن قدامة (٢)؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على أن الكفارة تلزمها.
والقول الثاني: أن الكفارة تلزمها إذا كانت مطاوعة، وهذا قول مالك، وأصحاب الرأي، وأحمد في أصح الروايتين، وقول للشافعي (٣)؛ لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجب عليها الكفارة كالرجل، وبيان الحكم له بيان في حقها، لاشتراكهما في تحريم الفطر، وانتهاك حرمة الصوم.
وهذا القول هو الأظهر، وهو أن المرأة إن كانت مطاوعة فعليها
стр. 1970
الكفارة، لقوة مأخذ هذا القول، وإن كانت مكرهة فلا كفارة عليها، وكونها لم تذكر في الحديث؛ لأنها لم تأت ولم تسأل، وحالها تحتمل أن تكون مكرهة؛ وأن تكون مطاوعة، فلذا سكت عنها النبي ﷺ ، وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن كفارة المكرهة على الجماع تلزم زوجها (١).
الوجه التاسع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى وجوب قضاء اليوم الذي حصل فيه الجماع؛ لأنه أفسد يوماً من رمضان، فلزمه قضاؤه، كما لو أفسده بالأكل، فالكفارة عقوبة الذنب الذي ركبه، والقضاء بدل اليوم الذي أفسده (٢).
وذهب ابن حزم وطائفة إلى أنه لا قضاء عليه، وذكر الموفَّق ابن قدامة أنه قول للشافعي (٣)؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر هذا الرجل بالقضاء؛ ولأن هذا متعمد، فلا يقضي من باب التغليظ، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية: أن كل من تعمد ترك صلاة أو صوم بلا عذر فإنه لا يقضي ولا تصح منه (٤). ورواية: «فصم يوماً مكانه» شاذة، كما تقدم. ولا ريب أن القضاء أحوط وأبرأ للذمة.
الوجه العاشر: جواز وصف الإنسان نفسه بشدة الفقر إذا كان صادقاً ولم يقصد التسخط من قدر الله تعالى؛ لأن الرسول ﷺ أقرّ هذا الرجل على ما قال ولم ينكر عليه.
الوجه الحادي عشر: جواز حلف الإنسان على ما يغلب على ظنه؛ لأن الرجل أقسم للنبي ﷺ أنه ليس بين لابتي المدينة أهل بيت أفقر من أهل بيته، فأقره النبي ﷺ ، مع أن هذا الأمر لا يدرك باليقين غالباً، والله تعالى أعلم.
стр. 1971
حكم صوم من أصبح جنباً
٦٧٧ و ٦٧٨/ ٢٨، ٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُباً مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: ولَا يَقْضِي.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «الصائم يصبح جنباً» (١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم … الحديث، وفي آخره قصة رجوع أبي هريرة عندما كان يفتي أن من أصبح جنباً فلا صيام له، ولما بلغه الحديث قال: (كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهن أعلم). وهذا سياق البخاري.
وأخرجه مسلم من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة وأم سلمة زوجَي النبي ﷺ أنهما قالتا: إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم.
وبهذا السياق للمتن يتضح أن الحافظ ساق الحديث بالمعنى لا باللفظ.
ولم يذكر في هذا الإسناد «عن أبيه» وهذا غير مؤثر؛ لأن الحديث سمعه الأب والابن معاً من عائشة وأم سلمة ﵄، كما ثبت في رواية البخاري، ولهذا قال ابن عبد البر: (لا معنى لذكر أبيه فيه؛ لأنه شهد القصة مع أبيه كلها
стр. 1972
عند أبي هريرة وعند عائشة وأم سلمة … ) (١).
وهذا الحديث روي من مسند عائشة وأم سلمة جميعاً، وروي مفرقاً، كما عند البخاري (٢) ومسلم (٣)، من حديث عائشة ﵂، وعند مسلم من حديث أم سلمة (٤) ﵂، وذلك من طريق عبد الله بن كعب الحميدي؛ أن أبا بكر حدثه أن مروان أرسله إلى أم سلمة ﵂ يسألها عن الرجل يصبح جنباً أيصوم؟ فقالت: (كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من جماع لا من حلم ثم لا يفطر ولا يقضي). وهذه الرواية فيها زيادة فائدة عما قبلها، وهي نفي القضاء.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (كان يصبح) تقدم أن (كان) إذا كان خبرها فعلاً مضارعاً أنها تدل على الاستمرار غالباً، ما لم يوجد قرينة.
قوله: (جنباً) أي: ذو جنابة، وهي شرعاً: كل ما أوجب الغسل من إنزال أو جماع.
قوله: (من جماع) (من) للسببية، وفي رواية مسلم المذكورة: (من جماع غير احتلام).
وتقييده بالجنابة من الجماع لبيان أن تأخير الغسل عن اختيار منه حيث لم يفاجأ بما يوجب الغسل.
وأما قولهما: (من جماع لا من حلم) فمعناه: أنه يصبح جنباً من جماع، ولا يجنب من احتلام، لامتناعه منه؛ لأنه من تلاعب الشيطان، والأنبياء منزهون عن ذلك، خلافاً لمن قال بجواز الاحتلام على الأنبياء أخذاً بقولهما: (من غير احتلام). قال: ولو كان الاحتلام لا يقع من النبي ﷺ لما كان لهذا الاستثناء معنى، والجواب ما تقدم.
الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة صوم الجنب وإن لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر. وقد حكى الوزير ابن هبيرة، ومن بعده النووي إجماع
стр. 1973
العلماء على ذلك (١)، وقد وقع الخلاف في هذه المسألة في الصدر الأول من هذه الأمة، لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا نُودِيَ للصَّلَاةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَحَدُكُمْ جُنُبٌ فَلَا يصومنَّ يَوْمَهُ» (٢)، وكان أبو هريرة يفتي بذلك، وقال به قوم من التابعين، كما ذكر الترمذي (٣).
ثم ارتفع الخلاف واستقر الإجماع على ما تقدم، ورجع أبو هريرة عن الفتوى بذلك، كما ثبت في «الصحيحين»، وأما الحديث فهو منسوخ بحديثي أم سلمة وعائشة ﵄، نقل ذلك البيهقي عن ابن المنذر، وكذا قاله الخطابي (٤). وقيل: إنه مرجوح قد عارضه ما هو أصح منه، فيقدم عليه. وهذا رأي البخاري؛ فإنه لما روى حديثي عائشة وأم سلمة، وذكر ما ورد عن أبي هريرة، قال: (والأول أسند)؛ أي: أقوى إسناداً؛ لأنه ورد عنهما ذلك من طرق كثيرة جدًّا، حتى قال ابن عبد البر: (إنه صح وتواتر)، وأما ما ورد عن أبي هريرة فقد ورد أنه لم يسمعه من النبي ﷺ وإنما سمعه بواسطة الفضل وأسامة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز تأخير الغسل من الجنابة، وأنه لا تجب المبادرة بذلك، وتقدم ذلك في «الطهارة».
الوجه الخامس: يقاس على الجنب الحائض إذا انقطع دمها ورأت الطهر قبل الفجر؛ فإنها تصوم مع الناس ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لأنها حينئذٍ من أهل الصوم، وعليها أن تبادر بالغسل لتصلي الفجر في وقتها؛ والنفساء مثل الحائض في ذلك.
وإذا احتلم الصائم في نهار رمضان فإنه يغتسل وصومه صحيح؛ لأنه ليس له اختيار في ذلك ولا إرادة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والله تعالى أعلم.
стр. 1974
حكم قضاء الصوم الواجب على الميت
٦٧٩/ ٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الصوم»، باب «من مات وعليه صوم» (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧)، من طريق عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة ﵄، به مرفوعاً.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من مات) من: شرطية من صيغ العموم؛ أي: أيُّ إنسان مات، وقد ورد عند الإمام أحمد بسند آخر بلفظ: «أيُّما مَيْتٍ مات … » (١).
قوله: (وعليه صيام) على: تفيد الوجوب، كما في الأصول، والمعنى: وفي ذمته صيام واجب.
قوله: (صام عنه وليه) هذه جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى؛ لأن معناها الأمر، أي: فليصم، وسرُّ التعبير بها: تأكيد فعل المأمور به حتى كأنه أمر واقع يُتحدث عنه؛ كصفة من صفات المأمور.
والمراد بالولي: القريب. والوارث أولى القرابة به.
стр. 1975
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من مات وعليه صوم واجب فإنه يشرع لوليه أن يقضي الصوم عنه؛ لأنه إحسان إليه وبر وصلة.
والحديث مختص بمن كان معذوراً لمرض أو سفر أو حيض أو نفاس، ثم زال عذره وتمكن من القضاء ولم يقض حتى مات، فهذا هو الذي يتناوله الحديث، أما من مات قبل إمكان الصيام، كما لو امتد به المرض أو السفر، أو امتد بها الحيض أو النفاس إلى الموت ولم يجد وقتاً للقضاء، فهذا لا شيء عليه ولا على وليه.
ولا يختص ذلك بالولي، بل كل من صام عنه قضى ذلك عنه وأجزأ؛ لأنه تبرع، فأشبه قضاء الدين عنه، وأما ذكر الولي في الحديث فقد خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب وقوع ذلك من ولي الميت وقريبه، لا من البعيد عنه.
والقول بأنه يجزئ صوم الولي عن الميت، هو قول أصحاب الحديث، وأبي ثور، وجماعة (١).
والقول الثاني: أنه لا يصام عن الميت، وإنما يطعم عنه، على تفاصيل في كتب الفقه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي في الجديد (٢).
الوجه الرابع: الجمهور من أهل العلم على أن الأمر في الحديث محمول على الاستحباب.
وذهب أهل الظاهر إلى أن الأمر للوجوب (٣)، أخذاً بظاهره. والصواب مع الجمهور؛ لأنه لو قيل بالوجوب للزم أن يأثم الولي بعدم القضاء، لكونه ترك واجباً، وهذا لا يصح، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
стр. 1976
الوجه الخامس: اختلف القائلون بأنه يصام عن الميت في نوع ما يصام عنه على قولين:
الأول: أنه يصام عنه كل صيام واجب، سواء أكان واجباً بأصل الشرع؛ كصوم رمضان، أم واجباً بالنذر، وهذا قول الشافعية، وابن حزم (١). واستدلوا بعموم الحديث.
والقول الثاني: أنه لا يصام عنه إلا النذر، وما عداه فالإطعام، وهذا مذهب الإمام أحمد؛ بل نص عليه، قال أبو داود: (سمعت أحمد بن حنبل قال: (لا يصام عن الميت إلا في النذر)) (٢). وهو قول الليث وإسحاق.
ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال ﷺ : «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟» قالت: نعم، قال: «فَصُومي عَنْ أُمِّكِ».
وفي رواية: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال ﷺ : «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟»، قال: نعم، قال: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (٣).
قالوا: فيحمل المطلق وهو حديث عائشة، على المقيد وهو حديث ابن عباس الدال على قضاء صيام النذر.
كما استدلوا بآثار وردت عن الصحابة ﵃؛ كعائشة وابن عباس بالإطعام عنه، وقاسوا الصيام على سائر العبادات؛ فإنه لا يقوم بها أحد عن أحد، إلا الحج فإنه مخصوص، ولأن الصوم المفروض قد جعل الله له بدلاً في الحياة، وهو الإطعام، فوجب أن يكون له بدلاً بعد الموت، مثل الحياة.
стр. 1977
والذين قالوا: إن قضاء الصوم عن الميت عام في كل صيام واجب، سواء كان بأصل الشرع؛ كرمضان، أو بالنذر، أيدوا قولهم بأمرين:
الأول: أن حديث عائشة ﵂ جاء في تقرير قاعدة كلية لجميع الأمة، بأن من مات وعليه صيام صام عنه وليه، وأما حديث ابن عباس ﵄ فهو فرد من أفراد هذه القاعدة، وعليه فلا تعارض بينهما حتى يحمل المطلق على المقيد؛ بل إن في حديث ابن عباس ﵄ ما يدل على دخوله في عموم حديث عائشة ﵂، وهو قوله: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (١).
الثاني: كيف يحمل حديث عائشة على صوم النذر فقط، وتُمنع دلالته على الواجب بأصل الشرع، مع أن الواجب بأصل الشرع أكثر وقوعاً، فإنك لو قارنت بين من يموت وعليه قضاء رمضان، ومن يموت وعليه صوم نذر لوجدت الأول أكثر بكثير، أليس هذا من رفع دلالة الحديث على ما هو غالب، وحملها على ما هو نادر؟ وهذا ما يؤدي إلى تعطيل أكثر موارد النص وأغلبها (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 1978
باب صوم التطوع، وما نهي عن صومه
هذا الباب عقده المؤلف لذكر الأحاديث الواردة في صوم التطوع، والأحاديث الواردة فيما نهى عن صومه، وذلك أنه ورد في السنة أن لبعض الأيام مزيد فضل، فحث الشرع على صيامها، كما ورد النهي عن صيام بعض الأيام، لحكمٍ عظيمة، كما سيأتي إن شاء الله.
وقد جاء في السنة الترغيب في الصيام، وبيان عظيم ثوابه، ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْر أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ : إلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ … » (١).
فالله تعالى أضاف الصوم إلى نفسه من بين سائر الأعمال، وكفى بهذه الإضافة شرفاً، وهذا - والله أعلم - لأمرين:
الأول: أن الصيام يستوعب النهار كله، فيجد الصائم فقد شهوته لا سيما في نهار الصيف، لطوله وشدة حره.
الثاني: أن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه إلا الله تعالى، فهو عمل باطن، لا يراه الخلق، ولا يدخله الرياء، كما قال الإمام أحمد ﵀: (ليس في الصوم رياء) (٢).
стр. 1979
أيام يستحب صيامها
٦٨٠/ ١ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ»، وَسُئِلُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، قَالَ: «ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والاثنين، والخميس» (١١٦٢)(١٩٧) من طريق غيلان بن جرير، سمع عبد الله بن معبد الزِّمَّاني، عن أبي قتادة الأنصاري ﵁. وساق الحديث إلى أن قال: (وسئل عن صوم يوم الاثنين، قال: «ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»، قال: فقال: «صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ؛ صَوْمُ الدَّهْرِ»، قال: وسئل عن صوم يوم عرفة، فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»، قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ».
وبهذا يتبين أن الحافظ ﵀ ساق الحديث بتقديم وتأخير.
وهذا الحديث أعلَّه البخاري بعدم سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة (١)، ولهذا أعرض في «صحيحه» عن هذا الحديث، ولم يورد شيئاً يدل
стр. 1980
على فضل صوم يوم عرفة، وروى حديثين في عدم صيامه (١).
الوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على فضل صيام يوم الاثنين من كل أسبوع؛ لأن هذا يوم عظيم، ولد فيه النبي ﷺ ، وبعث إلى الناس بشيراً ونذيراً، وأنزل الله فيه القرآن، وهذه نعم عظيمة، خص الله بها هذا اليوم.
كما استدلوا على فضل صيام يوم الخميس، بحديث أسامة بن زيد ﵁ وفيه: (قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وأحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ») (٢).
الوجه الثالث: يتعلق بعض المبتدعة من الصوفية وأشباههم بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بمولد النبي ﷺ ؛ لأنه شرع فيه الصيام، ولا ريب أن هذا الاستدلال عن الصواب بمعزل، ولا تمسك للمبتدعة بهذا الحديث لأمور:
١ - أن الرسول ﷺ لم يحتفل بيوم مولده في حياته، ولم يحتفل به أصحابه من بعده ﵃ ولا التابعون لهم بإحسان، ولو كان مشروعاً لسبقونا إليه؛ فإنهم أكثر الأمة محبة لنبيهم ﷺ وأكثرها تعظيماً، أفيكونون ضيعوا هذا الأمر، وتركوا ما هو فاضل ومطلوب تساهلاً أو عدم مسارعة إلى الخير؟! كلا.
٢ - أن العبادات توقيفية، والشارع عيَّن العبادة المشروعة يوم الاثنين، وهي الصيام، فيقتصر على الوارد، ولا يُتعدى إلى غيره.
стр. 1981
٣ - أن علة الصوم ليست منحصرة بكونه يوم المولد؛ بل الرسول ﷺ ذكر علة أخرى: وهي إنزال الوحي، وعلة ثالثة: وهي عرض الأعمال على الله، فلماذا تؤخذ علة واحدة فقط وتُعدى إلى أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ ؟!
ولا ريب أن الاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين، ومن التشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى، وهذا بصرف النظر عما يقع في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة، والغلو بالرسول ﷺ الذي يصل إلى حدّ الشرك بالله تعالى.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن أول من أحدث الاحتفال بالموالد الشيعة الفاطميون، في المائة الرابعة، ثم تبعهم بعض من ينتسبون إلى السنة في هذه البدعة جهلاً وتقليداً، والله المستعان!
الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل صيام يوم عرفة وجزيل ثوابه عند الله تعالى، حيث إن صيامه يكفّر ذنوب سنتين.
وإنما يستحب صيامه لأهل الأمصار، أما الحاج فلا يسن له صيامه، بل يفطر تأسياً بالنبي ﷺ وبخلفائه من بعده، وسيأتي ذلك إن شاء الله.
وقد قال بعض العلماء: (إن معنى تكفير ذنوب السنة الآتية؛ أنه يوفق لترك المعاصي فلا يأتي بذنب)، وهذا فيه نظر، والأظهر أن الحديث على ظاهره، وهو أنه تكفّر عنه ذنوبه التي فعلها.
وقد اختلف العلماء في هذا التكفير، هل هو شامل للصغائر والكبائر، أو أنه خاص بالصغائر؟ قولان:
الأول: أنه خاص بالصغائر، وأما الكبائر؛ كالزنا وأكل الربا والسحر، وغير ذلك، فلا تكفرها الأعمال الصالحة، بل لا بدّ لها من توبة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فدلت الآية الكريمة على أن تكفير الصغائر مشروط باجتناب الكبائر، واجتنابها هو التوبة منها.
стр. 1982
كما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (١).
ووجه الدلالة: أن الصلوات الخمس والجمعة ورمضان، وهي عبادات عظيمة لا تكفر الكبائر، فما دونها من الأعمال الصالحة؛ كصوم يوم عرفة، من باب أولى.
والقول الثاني: أن التكفير شامل للصغائر والكبائر، وهذا قول ابن المنذر - في قيام ليلة القدر - وابن حزم، وقد نصر ابن تيمية هذا القول، واحتج له بالعمومات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وبالأدلة التي رتبت فيها المغفرة على بعض الطاعات، كالوضوء، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء وغيرها.
وقد ضعف هذا القول ابن عبد البر، وردَّ على قائله، ونقل ابن رجب كلامه، وأقرَّه، ونصر القول بأن التكفير خاص بالصغائر، وأما الكبائر فلا بد لها من توبة (٢).
الوجه الخامس: الحديث دليل على فضل صيام يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهراً إلا هذا الشهر، يعني رمضان) (٣).
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عليه .. ) الحديث (٤).
стр. 1983
والحكمة من الحث على صيامه مع ما فيه من الأجر، هي تعظيم هذا اليوم، وشكر الله تعالى على نجاة موسى ﵇ وبني إسرائيل، وإغراق فرعون وقومه؛ ولهذا صامه موسى ﵇ شكراً لله تعالى، وصامته اليهود، وأمة محمد ﷺ أحق بأن تقتدي بموسى من اليهود.
ويستحب صيام التاسع مع العاشر، لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما صام عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ»، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . وفي رواية: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِل لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» (١).
وقد صح عن ابن عباس موقوفاً: (صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود) (٢)، وهذا هو المحفوظ عن ابن عباس، أما ما ورد عنه مرفوعاً بلفظ: (صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً) فهذا حديث ضعيف (٣)، وكذا ما جاء بلفظ: (صوموا قبله يوماً وبعده يوماً).
стр. 1984
وعلى هذا فلم يثبت صوم الحادي عشر، ولا صيام ثلاثة أيام، إلا إن كان من باب فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لا سيما أنها في شهر حرام، ورد الحث على صيامه.
وأما إفراد العاشر بالصوم، فمن أهل العلم مَن كَرِهَه، لأنه تَشَبُّهٌ بأهل الكتاب، وهو قول ابن عباس ﵄ على ما هو مشهور عنه، وهو مذهب الإمام أحمد، وبعض الحنفية، وقال آخرون: لا يكره، لأنه من الأيام الفاضلة، فيستحب إدراك فضيلتها بالصوم (١)، والأكثرون على أنه مكروه في حق مَن استطاع أن يجمع معه غيره، ولا ينفي ذلك حصول الأجر لمن صامه وحده، بل هو مثاب إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.
стр. 1985
فضل صيام الست من شوال
٦٨١/ ٢ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان» (١١٦٤) من طريق سعد بن سعيد بن قيس، عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب ﵁ مرفوعاً.
وقد تكلم بعض العلماء في هذا الحديث؛ لأنه من رواية سعد بن سعيد الأنصاري، أخي يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد ضعفه الإمام أحمد، والنسائي، وقال: (هم ثلاثة إخوة: يحيى بن سعيد بن قيس، الثقة المأمون، أحد الأئمة؛ وعبد ربه بن سعيد، لا بأس به؛ وسعد بن سعيد ثالثهم، ضعيف) (١).
لكن توبع، فدل على أنه لم يخطئ في هذا الحديث، وكذا روى مسلم حديثه هذا. فقد تابعه صفوان بن سليم، عن عمر بن ثابت، به (٢)، وصفوان بن سليم ثقة أخرج له الجماعة، ثم سعد بن سعيد، قد وثقه جماعة، والجرح المذكور فيه ليس بغليظ العبارة؛ كقولهن: متروك، وكذاب، أو نحوهما. بل الظاهر أن من تكلم فيه فهو لسوء حفظه، كما صرح به الحافظ الترمذي، وكما
стр. 1986
نبه عليه ابن حبان (١).
وأخرجه النسائي (٢)، والطحاوي (٣) من طريق شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب موقوفاً، وعبد ربه: لا بأس به، كما تقدم.
وقد تكلم العلماء في وقف هذا الحديث، وإليه يميل الإمام أحمد، كما ذكر ابن رجب (٤).
الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صيام ستة أيام من شوال، وأن صيامها مع رمضان كصيام الدهر، والمراد: السنة؛ أي: كأنما صام السنة كلها، وذلك ثلاثمائة وستون يوماً. وقد ورد في حديث ثوبان ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الحسنة بعشر، فشهر بعشرة أشهر، وستة أيام بعد الفطر تمام السنة» (٥).
والقول باستحباب صيامها، هو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وذهب الإمام مالك إلى كراهة صيامها (٦)؛ لأنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولئلا يلحق برمضان ما ليس منه.
وقد اعتذر ابن عبد البر عن الإمام مالك بأنه لم يبلغه حديث أبي أيوب مع أنه حديث مدني؛ وأنه إنما كره صيامها خشية أن يضاف إلى رمضان ما ليس منه، أما من صامها لطلب الفضل، وعلى المعنى الذي ورد في حديث ثوبان؛ فإن مالكاً لا يكره ذلك إن شاء الله (٧).
ولا ريب أن ما خشيه الإمام مالك لا يقع؛ فإن الإضافة إلى رمضان إنما
стр. 1987
تكون لو أنه لم يفصل بينها وبين رمضان بشيء، أما إذا كان الفصل يقع بيوم الفطر؛ فإنه لا يتوهم ذلك.
والأفضل أن يكون صيامها متتابعاً، ويجوز تفريقها أثناء الشهر؛ لأن (ثم) للتراخي، وكل صوم يقع في شوال فهو مُتْبَعٌ لرمضان؛ وإن كان هناك مهلة، ولكن صيامها بعد العيد فيه مزية على غيره من وجوه:
الأول: أن في ذلك مسارعةً إلى فعل الخير.
الثاني: أن المبادرة بها دليل على الرغبة في الصيام، وعدم الملل منه.
الثالث: لئلا يعرض للإنسان ما يمنعه من صيامها إذا أخرها.
ومن عليه قضاء فإنه يبدأ به، ثم يصوم هذه الأيام، لقوله ﷺ : «من صام رمضان»، ومن عليه أيام من رمضان فإنه لا يصدق عليه أنه صام رمضان حتى يقضيها؛ ولأن المسارعة إلى أداء الواجب وبراءة الذمة مطلوب من المكلف.
والظاهر من قولي أهل العلم أنه إذا انتهى شهر شوال ولم يصمها أنها لا تقضى؛ لأنها سنة فات محلها، والشارع خصّها بشوال، فلا يحصل فضلها لمن صامها في غيره، لفوات مصلحة المبادرة بها والمسارعة المحبوبة لله تعالى.
فإن كان ذلك لعذر، من مرض أو حيض أو نفاس، فمن أهل العلم من قال: يجوز قضاؤها بعد صيام ما عليه، واختار ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي (١)، ومنهم من قال: إنه لا يشرع قضاؤها بعد شوال لما تقدم، سواء تركت لعذر أو لغير عذر، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 1988
فضل الصوم في سبيل الله تعالى
٦٨٢/ ٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ بَاعَدَ اللهُ بِذلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفَاً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الجهاد»، باب «فضل الصوم في سبيل الله» (٢٨٤٠)، ومسلم في كتاب «الصيام»، باب «فضل الصوم في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق» (١١٥٣) من طريق يحيى بن سعيد وسهيل بن أبي صالح، أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً.
وأخرجه مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن النعمان، به، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللهِ، بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ما من عبد) وفي لفظ لهما: (من صام) وكلاهما من صيغ العموم.
قوله: (في سبيل الله) اختلف في المراد به على قولين:
الأول: أن المراد به: الجهاد في سبيل الله، وهذا قول ابن الجوزي؛ لأن لفظ: «في سبيل الله» إذا أطلق فالمراد به الجهاد (١).
стр. 1989
الثاني: أن المراد به: طاعة الله، بأن يصوم قاصداً وجه الله تعالى، سواء في الجهاد أو في غيره، وهذا قول القرطبي (١). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وهذا قول قوي).
قوله: (باعد الله وجهه عن النار) أي: جعل الله وجهه بعيداً، ومتى بَعُدَ الوجه بعد جميع البدن، لكن خصه بالذكر لشرفه.
قوله: (سبعين خريفاً) أي: مسافة سبعين خريفاً. والخريف: هو الفصل الثالث من فصول السنة الأربعة، وهي: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء. وبروج الخريف ثلاثة: الميزان، والعقرب، والقوس. والمراد هنا: السنة كلها، من باب تسمية الكل باسم بعضه؛ أي: سبعين عاماً؛ لأن السنة لا يكون فيها إلا خريف واحد، فإذا مرَّ الخريف مرت السنة كلها. وخص الخريف بالذكر؛ لأن الخريف أزكى الفصول، فهو أوان جدادهم وقِطَافهم، وإدراك غلاتهم.
وذكر السبعين على وجه المبالغة في البعد العظيم عن النار، وكثيراً ما تجيء السبعين عبارة عن التكثير. قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. وقد ورد في حديث عقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللهِ بَاعَدَ اللهُ مِنْهُ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ» (٢).
قال السندي: (والتوفيق بين الحديثين بحمل أحد العددين أو كليهما على التكثير، أو أنه تعالى زاد للصوم الأجر) (٣).
الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصيام في سبيل الله تعالى،
стр. 1990
وأن جزاءه أن يبعد الله وجهه عن النار سبعين عاماً؛ لأنه جمع بين مشقة الجهاد والمرابطة، ومشقة الصيام.
وهذا محمول على ما إذا لم يضعفه الصيام عن مهمة الجهاد، كما إذا كان في حال المسير إلى العدو أو في حال الرباط.
أما عند ملاقاة العدو فقد أمر الرسول ﷺ بالإفطار في الغزو، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ» فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا» وكانت عزمة، فأفطرنا … ) الحديث (١).
وقد نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه أجاز الفطر للتَّقوِّي به على الجهاد وفَعَلَهُ، وأفتى به لما نزل العدوُّ دمشق في رمضان، فأنكر عليه بعض المتفقهة، معللاً لذلك بأنه ليس بسفر طويل، فقال الشيخ: إن هذا الفطر ليس للسفر؛ وإنما هو للتقوِّي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر لسفر يومين سفراً مباحاً أو معصية.
وذكر ابن القيم أنه إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما على ولديهما، وفطر من يخلِّص غريقاً ففطر المقاتلين أولى بالجواز، وهذا من باب قياس الأَوْلى، ومن باب دلالة النص وإيمائه (٢).
الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل صوم التطوع - باعتبار المعنى الثاني - وعظيم أجره عند الله تعالى.
والصيام من أفضل الأعمال - كما تقدم - ومن ثمار صوم النفل - كغيره من التطوعات - أنه يجبر ما عسى أن يكون في أداء الفرض من نقص أو
стр. 1991
تقصير، وفي ذلك قال النبي ﷺ في شأن الصلاة: «قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمّل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله كذلك» (١).
كما أن صوم النفل يهيئ المسلم للرقي في درجات القرب من الله تعالى، والظفر بمحبته، كما في الحديث القدسي: «ما تقرّب إليَّ عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه … الحديث» (٢)، وتقدم شيء من ثمار النوافل في باب «صلاة التطوع».
стр. 1992
هدي النبي ﷺ في صيام التطوع
٦٨٣/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَاماً فِي شَعْبَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صوم شعبان» (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦)(١٧٥) من طريق مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، به.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يسرد الصوم في بعض الأحيان، ويسرد الإفطار في بعض الأحيان.
ولعل السر في هذا - والله أعلم - أنه ﷺ كان يراعي المصلحة، فإذا كثرت أشغاله وتوالت أعماله أخَّر الصيام، فيشتغل بمصالح الناس، والصوم قد يضعفه عن ذلك، فإذا خفت الأعمال وقلَّت المشاغل سرد الصوم، وعلى هذا فلم يكن لصومه أو فطره وقت خاص.
وهكذا ينبغي للمسلم أن يتحرى الأوقات المناسبة للصوم حتى لا يعطله عن أمر أهم، ويتحرى الأوقات المناسبة للإفطار حتى يشتغل فيها بما يلزم وما يحتاج إلى النشاط والقوة؛ فالمسلم طبيب نفسه، يلاحظ ما هو الأولى للصوم وما هو أولى للإفطار؛ لأن توزيع الأوقات وتنظيم الأعمال مما تحث عليه
стр. 1993
الشريعة في أصولها وقواعدها، وعليه أن يسوس نفسه ويمرنها على طاعة الله تعالى، حتى تألف ذلك وتصبح العبادة عليها سهلة؛ بل محبوبة تجد فيها الأُنس ولذة المناجاة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يشرع صيام شهر كامل إلا رمضان، لقولها: (ومَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قط إِلاَّ رَمَضَانَ)، قال النووي: (قال العلماء: وإنما لم يستكمل غير رمضان؛ لئلا يظن وجوبه) (١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل الإكثار من الصيام في شهر شعبان؛ لأنه ﷺ كان يكثر الصيام فيه، وقد ورد في حديث عائشة ﵂: (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان؛ فإنه كان يصوم شعبان كله … ) (٢)، والمراد بالكل: الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال، والدليل على ذلك حديث الباب فهو مفسِّر لهذا الحديث ومخصص له؛ فإنه صريح أنه ﷺ لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان، وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: (جائز في كلام العرب - إذا صام أكثر الشهر - أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره) (٣).
وقد اختلف العلماء في حكمة إكثاره ﷺ من صوم شعبان، وقد ورد ما يدل على شيء من ذلك، فعن أسامة بن زيد ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (٤).
وقيل: الحكمة في ذلك: تعظيم رمضان، فيشبه سنة فرض الصلاة قبلها، تعظيماً لحقها.
стр. 1994
وقيل: الحكمة: توطين النفس وتهيئتها للصيام، لتكون مستعدة لصيام رمضان، سهلاً عليها أداؤه (١)، ويحتمل أنه يصومه لهذه الحكم كلها.
فإن قيل: ورد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ … » (٢).
وهذا يدل على أن الإكثار من الصيام في المحرم أفضل من الصيام في شعبان؛ لأن الرسول ﷺ جعل المحرم يلي رمضان في الأفضلية، فلماذا كان الرسول ﷺ يكثر من صيام شعبان دون المحرم؟ فالجواب ما ذكره النووي: (من أنه يحتمل أن يكون ﷺ ما علم ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له من الأعذار بالسفر ونحوه ما منعه من كثرة الصوم فيه) (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 1995
فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر
٦٨٤/ ٥ - عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ، وَخَمْسَ عَشَرَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه النسائي (٤/ ٢٢٢)، والترمذي (٧٦١)، وابن حبان (٨/ ٤١٤ - ٤١٥) من طريق يحيى بن سام، عن موسى بن طلحة، عن أبي ذر ﵁، به.
وقال الترمذي: (حديث حسن)، ولما نقل الألباني تحسين الترمذي قال: (وهو كما قال - إن شاء الله تعالى ـ، ويحيى بن سام، لا بأس به، وقد توبع عليه، وخولف في سنده) (١).
وقد صحح الحديث ابن خزيمة (٣/ ٣٠٢)، وابن حبان، ولعل ذلك لكثرة طرقه وشواهده.
ويحيى بن سام - بسين مهملة - ترجم له البخاري في «تاريخه» (٢)، وابن أبي حاتم (٣)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال الذهبي: (وُثق) (٤)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥)، وقال الحافظ: (مقبول).
стр. 1996
وقد تكلم أبو حاتم عن طرق هذا الحديث في «العلل» (٧٨٦) كما تكلم عليه الدارقطني في «علله» أيضاً (٥/ ٢٢٩) (٦/ ٢٦٣).
وقد ذكر النسائي الاختلاف في إسناده على موسى بن طلحة، فأخرجه من طريق أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁، وفيه قصة الأعرابي الذي أتى إلى رسول الله ﷺ بأرنب مشوية، واعتذر عن الأكل بالصيام، وفي آخره قال أبو هريرة: (إن كنت صائماً فصم الغُرَّ)، أي: أيام البيض، والمراد: أيام الليالي البيض.
وهذا الحديث إسناده صحيح، لكنه معلول، والأظهر أن الحديث بالنص على أيام البيض ليس عن أبي هريرة ﵁؛ وإنما هو عن أبي ذر ﵁، وذلك لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْر، صَوْمُ الدَّهْر كُلِّهِ»، فقد صمتُ ثلاثة أيام من أول الشهر … ) الحديث بتمامه (١).
ولو كان حديث الباب محفوظاً عن أبي هريرة ﵁، ما خالفه وترك صيام أيام البيض، وصام الثلاثة من أول الشهر، والله أعلم.
الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهذه هي أيام البيض، سميت بذلك: لبياض لياليها بنور القمر.
وقد ورد حديث أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) (٢).
وعن معاذة العدوية أنها سألت عائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: (نعم)، فقلت لها: من أيِّ أيام
стр. 1997
الشهر كان يصوم؟ قالت: (لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم) (١).
فالأحاديث الصحيحة تدل على فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وليس فيها تحديد ذلك بأيام البيض، كما ورد في حديث الباب (٢)، وقد روى الحارث بسنده، عن موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس عن صيام ثلاثة أيام البيض، فقال: «كان عمر يصومهن» (٣) وقد بوب البخاري في «صحيحه» باب «صيام البيض» وكأنه أشار بذلك إلى أنه ينبغي أن تكون الثلاثة المطلقة في حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكره هي أيام البيض (٤)، ويمكن ان يستفاد من ذلك مذهبه.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن الرسول ﷺ ، ليس فيه ذكر البيض، بل يصوم متى شاء، كما في حديث عبد الله بن عمرو في «الصحيحين»، وأبي هريرة في «الصحيحين» - أيضاً ـ، وحديث أبي الدرداء في «مسلم»، وهي أصح بكثير من حديث أبي ذر، فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر في العشر الأول، أو في العشر الأوسط، أو في العشر الأخيرة، حصل له الأجر، وإذا وافق أيام البيض فذلك أفضل جمعاً بين الأحاديث كلها). والله تعالى أعلم.
стр. 1998
حكم تطوع المرأة بالصوم وزوجها شاهد
٦٨٥/ ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
زَادَ أَبُو دَاوُدَ: «غَيْرَ رَمَضَانَ».
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «النكاح»، باب «لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه» (٥١٩٥) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به، وتمامه: «وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ» أي: نصف أجره - كما في رواية أخرى ـ، وجاء ذلك في رواية مسلم الآتية.
وأخرجه مسلم في «الزكاة»، باب «ما أنفق العبد من مال مولاه» (١٠٢٦) من طريق معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁، عن محمد رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : «لَا تَصُم الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلاَّ بإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ».
وأما زيادة أبي داود فهي من هذا الطريق (٢٤٥٨) والظاهر أنه تفرد بها شيخ أبي داود الحسن بن علي، وقد ترجم البخاري على ضوئها فقال: باب «صوم المرأة بإذن زوجها تطوعاً» (١)، ولعل الحافظ ذكرها زيادة في الإيضاح؛
стр. 1999
وإلا فهي زيادة معلومة من الشرع؛ لأن رمضان ليس فيه إذن لأحد؛ ولأن الصيام واجب عليه هو إلا من عذر؛ كسفر، أو مرض، ونحو ذلك.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تصوم تطوعاً وزوجها حاضر إلا بإذنه وموافقته؛ لأن حق الزوج واجب على زوجته، ومن حقوقه الاستمتاع بها، والصوم قد يمنعه من ذلك، وصيام غير الفرض مستحب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالمستحب.
ويدخل في ذلك صيام الاثنين والخميس، والست من شوال، وغير ذلك، مما يستحب صيامه، على ما قيل في أحاديثها، كما تقدم.
والإذن من الزوج لا يشترط فيه التصريح؛ بل إذا علمت من قرائن الحال ما يدل على الرضا بذلك كفى؛ لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي.
فإذا صامت بلا إذنه صح صيامها وأثمت، لاختلاف الجهة؛ فإن طلب منها أن تفطر وجب عليها ذلك، فإن أبت فهي عاصية.
فإن كان غائباً جاز لها أن تصوم، ولا تحتاج إلى إذنه، لمفهوم قوله: «وزوجها شاهد»، ولأن صيامها في حال غيبته لا يضيع عليه حقًّا من حقوقه.
أما الصوم الواجب؛ كرمضان أداءً أو قضاءً، فلا يحتاج إلى إذن الزوج، فتصومه ولو كره ذلك؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
لكن إن كان حاضراً وقد هجرها ولا يستمتع بها، كما يقع من بعض الأزواج، أو عنده زوجة أخرى استغنى بها ولا يقيم لهذه وزناً ولا يلتفت إليها، فالأظهر أنها لا تستأذنه نظراً إلى المعنى؛ فإن العلة التي من أجلها منعت من صوم التطوع وهي مراعاة حقوقه، ومنها حق الاستمتاع، مفقودة هنا، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، والله تعالى أعلم.
стр. 2000
حكم صوم العيدين
٦٨٦/ ٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صوم يوم الفطر» (١٩٩١)، ومسلم (٢/ ٨٠٠) رقم (١٤١) من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به مرفوعاً. وهذا لفظ مسلم.
الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن صوم يومي عيد الفطر والأضحى، وهذا النهي للتحريم، بإجماع أهل العلم، سواء أصامهما عن نذر أم تطوع أم كفارة أم غير ذلك؛ بل لا يجوز نذر صوم العيدين؛ لأن هذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به؛ لأن النبي ﷺ يقول: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ» (١). لكن هل يقضى في غير العيدين؟
من أهل العلم من قال: يقضى، ومنهم من قال: إن النذر المقيد يفوت بفوات وقته، وعلى هذا فعليه كفارة يمين، لعموم حديث عقبة بن عامر: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينِ» (٢).
والحكمة من هذا النهي أن يوم عيد الفطر هو اليوم الذي تنتهي فيه