وقد تكلم أبو حاتم عن طرق هذا الحديث في «العلل» (٧٨٦) كما تكلم عليه الدارقطني في «علله» أيضاً (٥/ ٢٢٩) (٦/ ٢٦٣).
وقد ذكر النسائي الاختلاف في إسناده على موسى بن طلحة، فأخرجه من طريق أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁، وفيه قصة الأعرابي الذي أتى إلى رسول الله ﷺ بأرنب مشوية، واعتذر عن الأكل بالصيام، وفي آخره قال أبو هريرة: (إن كنت صائماً فصم الغُرَّ)، أي: أيام البيض، والمراد: أيام الليالي البيض.
وهذا الحديث إسناده صحيح، لكنه معلول، والأظهر أن الحديث بالنص على أيام البيض ليس عن أبي هريرة ﵁؛ وإنما هو عن أبي ذر ﵁، وذلك لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْر، صَوْمُ الدَّهْر كُلِّهِ»، فقد صمتُ ثلاثة أيام من أول الشهر … ) الحديث بتمامه (١).
ولو كان حديث الباب محفوظاً عن أبي هريرة ﵁، ما خالفه وترك صيام أيام البيض، وصام الثلاثة من أول الشهر، والله أعلم.
الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهذه هي أيام البيض، سميت بذلك: لبياض لياليها بنور القمر.
وقد ورد حديث أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) (٢).
وعن معاذة العدوية أنها سألت عائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: (نعم)، فقلت لها: من أيِّ أيام
стр. 1997
الشهر كان يصوم؟ قالت: (لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم) (١).
فالأحاديث الصحيحة تدل على فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وليس فيها تحديد ذلك بأيام البيض، كما ورد في حديث الباب (٢)، وقد روى الحارث بسنده، عن موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس عن صيام ثلاثة أيام البيض، فقال: «كان عمر يصومهن» (٣) وقد بوب البخاري في «صحيحه» باب «صيام البيض» وكأنه أشار بذلك إلى أنه ينبغي أن تكون الثلاثة المطلقة في حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكره هي أيام البيض (٤)، ويمكن ان يستفاد من ذلك مذهبه.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن الرسول ﷺ ، ليس فيه ذكر البيض، بل يصوم متى شاء، كما في حديث عبد الله بن عمرو في «الصحيحين»، وأبي هريرة في «الصحيحين» - أيضاً ـ، وحديث أبي الدرداء في «مسلم»، وهي أصح بكثير من حديث أبي ذر، فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر في العشر الأول، أو في العشر الأوسط، أو في العشر الأخيرة، حصل له الأجر، وإذا وافق أيام البيض فذلك أفضل جمعاً بين الأحاديث كلها). والله تعالى أعلم.
стр. 1998
حكم تطوع المرأة بالصوم وزوجها شاهد
٦٨٥/ ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
زَادَ أَبُو دَاوُدَ: «غَيْرَ رَمَضَانَ».
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «النكاح»، باب «لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه» (٥١٩٥) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به، وتمامه: «وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ» أي: نصف أجره - كما في رواية أخرى ـ، وجاء ذلك في رواية مسلم الآتية.
وأخرجه مسلم في «الزكاة»، باب «ما أنفق العبد من مال مولاه» (١٠٢٦) من طريق معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁، عن محمد رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : «لَا تَصُم الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلاَّ بإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ».
وأما زيادة أبي داود فهي من هذا الطريق (٢٤٥٨) والظاهر أنه تفرد بها شيخ أبي داود الحسن بن علي، وقد ترجم البخاري على ضوئها فقال: باب «صوم المرأة بإذن زوجها تطوعاً» (١)، ولعل الحافظ ذكرها زيادة في الإيضاح؛
стр. 1999
وإلا فهي زيادة معلومة من الشرع؛ لأن رمضان ليس فيه إذن لأحد؛ ولأن الصيام واجب عليه هو إلا من عذر؛ كسفر، أو مرض، ونحو ذلك.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تصوم تطوعاً وزوجها حاضر إلا بإذنه وموافقته؛ لأن حق الزوج واجب على زوجته، ومن حقوقه الاستمتاع بها، والصوم قد يمنعه من ذلك، وصيام غير الفرض مستحب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالمستحب.
ويدخل في ذلك صيام الاثنين والخميس، والست من شوال، وغير ذلك، مما يستحب صيامه، على ما قيل في أحاديثها، كما تقدم.
والإذن من الزوج لا يشترط فيه التصريح؛ بل إذا علمت من قرائن الحال ما يدل على الرضا بذلك كفى؛ لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي.
فإذا صامت بلا إذنه صح صيامها وأثمت، لاختلاف الجهة؛ فإن طلب منها أن تفطر وجب عليها ذلك، فإن أبت فهي عاصية.
فإن كان غائباً جاز لها أن تصوم، ولا تحتاج إلى إذنه، لمفهوم قوله: «وزوجها شاهد»، ولأن صيامها في حال غيبته لا يضيع عليه حقًّا من حقوقه.
أما الصوم الواجب؛ كرمضان أداءً أو قضاءً، فلا يحتاج إلى إذن الزوج، فتصومه ولو كره ذلك؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
لكن إن كان حاضراً وقد هجرها ولا يستمتع بها، كما يقع من بعض الأزواج، أو عنده زوجة أخرى استغنى بها ولا يقيم لهذه وزناً ولا يلتفت إليها، فالأظهر أنها لا تستأذنه نظراً إلى المعنى؛ فإن العلة التي من أجلها منعت من صوم التطوع وهي مراعاة حقوقه، ومنها حق الاستمتاع، مفقودة هنا، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، والله تعالى أعلم.
стр. 2000
حكم صوم العيدين
٦٨٦/ ٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صوم يوم الفطر» (١٩٩١)، ومسلم (٢/ ٨٠٠) رقم (١٤١) من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به مرفوعاً. وهذا لفظ مسلم.
الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن صوم يومي عيد الفطر والأضحى، وهذا النهي للتحريم، بإجماع أهل العلم، سواء أصامهما عن نذر أم تطوع أم كفارة أم غير ذلك؛ بل لا يجوز نذر صوم العيدين؛ لأن هذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به؛ لأن النبي ﷺ يقول: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ» (١). لكن هل يقضى في غير العيدين؟
من أهل العلم من قال: يقضى، ومنهم من قال: إن النذر المقيد يفوت بفوات وقته، وعلى هذا فعليه كفارة يمين، لعموم حديث عقبة بن عامر: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينِ» (٢).
والحكمة من هذا النهي أن يوم عيد الفطر هو اليوم الذي تنتهي فيه
стр. 2001
فريضة الصيام، فتتميز به أيام الفطر من أيام الصيام، وتتضح به معالم الحدود.
وأما الفطر في يوم الأضحى فإنه اليوم الذي يضحي فيه الناس، ويهدون، ويظهرون شعائر الله تعالى بالأكل من ذلك.
وقد ورد عن أبي عبيد مولى ابن أزهر - واسمه سعد بن عبيد - قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: (هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 2002
حكم صيام أيام التشريق
٦٨٧/ ٨ - عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ للهِ ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٦٨٨/ ٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو نبيشة - بضم النون، مصغراً - بن عمرو بن عوف الهذلي. وقيل ابن عبد الله، وقيل: غير ذلك. روى عن النبي ﷺ أحاديث قليلة، وأحاديثه في السنن، إلا هذا الحديث. يقال: إنه دخل على النبي ﷺ وعنده أسارى بدر فقال: يا رسول الله، إما أن تفاديهم، وإما أن تمنَّ عليهم. فقال: «أمرت بخير، أنت نبيشة الخير». سكن البصرة (١)، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث نبيشة ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «تحريم صوم أيام التشريق» (١١٤١) من طريق هُشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».
ورواه من طريق خالد الحذاء، قال: حدثني أبو قلابة، عن أبي المليح، عن نبيشة، قال خالد: فلقيت أبا المليح فسألته، فحدثني به، وذكر عن
стр. 2003
النبي ﷺ بمثل حديث هشيم، وزاد فيه: «وَذِكْرٍ للهِ». وليس في صحيح مسلم لفظ: « ».
وأما حديث عائشة وابن عمر ﵃ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صيام أيام التشريق» (١٩٩٧ - ١٩٩٨) من طريق عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قالا: … فذكره.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن أيام التشريق أيام أكل وشرب وإظهار للفرح والسرور، فهي أيام عيد لا أيام إمساك. قال النبي ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ» (١).
وأيام التشريق: هي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. سميت بذلك: لأن الناس يشرِّقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا، أي: يقددونها وينشرونها لتجف في الشمس.
وهي من الأيام الفاضلة، والمواسم العظيمة، وهي الأيام المعدودات المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ولا خلاف في ذلك، كما نقله غير واحد (٢).
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن هذه الأيام أيام ذكر لله تعالى، وذلك بالتكبير عقب الصلوات، وفي كل الأوقات والأحوال الصالحة لذكر الله تعالى.
فعلى المسلم أن يحذر الغفلة عن ذكر الله تعالى، فيكون قد أخذ أول الحديث وترك آخره، وعليه أن يعمر هذه الأوقات الفاضلة بالطاعة وفعل الخير، ولا يضيعها باللهو واللعب، كما عليه كثير من الناس في هذا الزمان.
стр. 2004
الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز صيام أيام التشريق مطلقاً، لا للحاج ولا لغيره؛ لأن هذه الأيام ليست أيام صيام؛ لأنها أيام عيد، فلا يجوز صيامها ولو وافق ذلك عادة الإنسان؛ كيوم الاثنين أو الخميس، أو أول أيام البيض؛ فإنه لا يصوم، ويستثنى من ذلك المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ فإنه يجوز له صيام أيام التشريق الثلاثة على الراجح من أقوال أهل العلم، ومنهم من أجاز صومها مطلقاً، ومنهم من منع صومها مطلقاً، وهي أقوال نسبت لبعض الصحابة والتابعين (١).
والقول بجواز صيامها للمتمتع أرجح؛ لأن قول الصحابي: (رُخِّص، أو لم يُرَخَّصْ) له حكم الرفع.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ أي: في أيام الحج، وابتداؤها من الإحرام بالعمرة، وانتهاؤها بآخر أيام التشريق، والله تعالى أعلم.
стр. 2005
حكم صوم يوم الجمعة
٦٨٩/ ١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةَ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٦٩٠/ ١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْماً قَبْلَهُ، أَوْ يَوْماً بَعْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما الحديث الأول: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «كراهة صيام يوم الجمعة منفرداً» (١١٤٤)(١٤٨) من طريق هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به.
وقد وقع في نسخ «البلوغ» «لا تختصوا» في الموضعين، والذي في مسلم - في طبعة محمد عبد الباقي - بإثبات التاء في الأول، وحذفها في الثاني: «لا تخصوا» وقد ذكر النووي ذلك.
والحديث أعله أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وأبو مسعود الدمشقي بالإرسال (١).
стр. 2006
وأما الثاني: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صوم يوم الجمعة» (١٩٨٥) ومسلم (١١٤٤)(١٤٧) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ يَوْماً قَبْلَهُ أَو يَوْماً بَعْدَهُ»، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»، وبهذا يتبين أن الحافظ ما روى الحديث بلفظه.
الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام دون غيرها من الليالي إذا لم يكن له عادة بقيام كل ليلة؛ فإن هذا من البدع، يقول أبو شامة ﵀: (ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فضل، إلا ما فضله الشرع وخصَّه بنوع من العبادة؛ فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها؛ كصوم يوم عرفة وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلاً فيه جميع أعمال البر؛ كعشر ذي الحجة وليلة القدر - التي هي خير من ألف شهر ـ؛ أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر.
فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله ﷺ (١).
الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، وهذا النهي للكراهة عند جمهور العلماء، والصارف للنهي من التحريم إلى الكراهة قوله: «إلا أن يصوم قبله أو بعده»، فدل ذلك على أن النهي عن صومه ليس للحتم، كما هو لعيدي الفطر والأضحى اللذين لا يجوز صيامهما بحال.
стр. 2007
وحكمة النهي عن صيام يوم الجمعة - والله أعلم - أنه يوم عظيم جمع الله فيه من الأمور الكونية ما لم يجمعه في غيره - كما تقدم في موضعه ـ، فهو مظنة أن يعظمه الناس بالصيام أو ليلته بالقيام، فبيَّن النبي ﷺ أنه لا يجوز تخصيصه، حتى يكون يوم عيد، فيه النشاط والقوة على العمل الصالح والتبكير إلى الجمعة.
قال الطيبي: (سبب النهي: أن الله استأثر يوم الجمعة بعبادة، فلم ير أن يخصه العبد بسوى ما يخصه الله به) (١). ويؤخذ من هذا أن الأيام والليالي سواء، ولا يخص منها شيء إلا بدليل، والعبادات توقيفية.
وتزول الكراهة بأمرين:
الأول: أن يصوم قبله يوماً أو بعده يوماً موالياً له، واشتراط أن يكون موالياً له هو ظاهر اللفظ، ويدل له حديث جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمتِ أمس؟»، قالت: لا، قال: «أتريدين أن تصومي غداً؟»، قالت: لا، قال: «فأفطري» (٢).
الثاني: إذا صادف يوم الجمعة عادة للإنسان، لقوله: «إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» كما لو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة، ومثل ذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عرفة فإنه يصومه؛ لأنه لم يصمه لكونه يوم جمعة، وإنما لكونه يوم عرفة.
وإنما زالت الكراهة في هذين الأمرين؛ لأنه لم يحصل للجمعة تخصيص، والله تعالى أعلم.
стр. 2008
حكم الصوم إذا انتصف شعبان
٦٩١/ ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، واسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ.
الكلام عليه من وجه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «كراهية من يصل شعبان برمضان» (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٢٥٤)، وابن ماجه (١٦٥١)، وأحمد (١٥/ ٤٤١) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به.
وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
وقد ضعف الحديث الإمام أحمد، فقد نقل البيهقي عن أبي داود، عن أحمد أنه قال: (هذا حديث منكر) (١)، وكذا نقل الحافظ عن ابن معين أنه قال ذلك (٢)، كما ضعفه عبد الرحمن بن مهدي، ونقل عنه أبو داود أنه كان لا يحدِّث به (٣)، وممن ضعفه أبو زرعة الرازي (٤).
وعلة تضعيفه عندهم أن العلاء تفرَّد به، وهو ممن لا يقبل تفرده، قالوا: وأين بقية أصحاب أبي هريرة ﵁ عن هذا الحديث، مع أنه في أمر تعم به البلوى ويتصل به العمل؟ والأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ على خلافه، كما تقدم أول كتاب «الصيام»: «لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين»، فإن هذا
стр. 2009
يدل على النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، وأما أكثر فلا بأس، وحديث الباب هذا فيه النهي عن الصيام ابتداء من النصف من شعبان.
وقال آخرون: إن الحديث صحيح، منهم: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، وابن عبد البر، والشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: (لا أعلم وجهاً قادحاً لاستنكار الإمام أحمد لهذا الحديث) لأن العلاء وثقه جمع من الحفاظ، وقد أخرج له مسلم في «صحيحه»، وتَفَرُّدُ العلاء به تفرد ثقة بحديث مستقل، ومثل ذلك لا يضر، وله نظائر.
وقد ردَّ أبو داود مخالفته للأحاديث الصحيحة فقال: (وليس هذا عندي خلافه) ولعل مراده أن حديث العلاء يدل على المنع من تعمد الصيام بعد النصف ليصله برمضان، أما من صام بعد النصف لعادة له بصوم يوم وإفطار يوم، أو له عادة يستكثر من الصيام في شعبان، أو عليه قضاء، أو نذر فكل ذلك لا مانع له، وإنما المقصود تحري الصيام وتعمده بعد النصف دون أن يكون له عادة (١).
وبهذا تزول المخالفة إن شاء الله تعالى، فينهى عن الصيام بعد النصف، ويتأكد النهي إذا كان قرب نهاية الشهر، كما تقدم، لكن كما قال الحافظ ابن رجب: (إنه تكلم في هذا الحديث من هو أكبر من هؤلاء وأعلم) (٢).
فيكون قولهم مقدماً على قول من هو دونهم، وقد ذكره الحافظ ابن رجب ضمن الأحاديث التي أُجمع على ترك العمل بها، وعزا هذا الإجماع إلى الطحاوي (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 2010
النهي عن صيام يوم السبت
٦٩٢/ ١٣ - عَنِ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لحاء عنبٍ، أو عود شجرة، فليمضغها» رواه الخمسة، ورجاله ثقات، إلا أنَّهُ مُضْطَرِبٌ.
وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي الصَّمَّاء - بالصاد المهملة مع التشديد - بنت بُسْر، واسمها: بُهية - بضم الباء ـ، وقيل: بُهيمة، بزيادة ميم، وهي أخت عبد الله بن بسر، وقيل: عمته، وقيل: خالته، وقيل: أمه. والروايات وردت بذلك كله، وأكثرها على أنها أخت لعبد الله بن بسر. وصحبتها ثابتة، وإنما الاختلاف في قرابتها لعبد الله بن بسر، وهذا لا يضر عند من يرى صحة الحديث (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «النهي أن يخصَّ يوم السبت بصوم» (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٢١٠)، وابن ماجه (١٧٢٦)، وأحمد (٤٥/ ٧) كلهم من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته الصماء، به.
стр. 2011
وقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وصححه ابن خزيمة (٣/ ٣١٧)، وابن حبان (٨/ ٣٧٩)، والحاكم (١/ ٤٣٥) والألباني (١).
وضعفه آخرون للاضطراب في سنده، ونكارة متنه، ومنهم: الزهري، ومالك، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد، والإمام أحمد، والنسائي، والطحاوي، وابن القيم، وابن حجر.
أما الاضطراب في سنده؛ فإن الحديث مداره على الصحابي عبد الله بن بسر ﵁، وقد اضطرب الرواة عنه فيه، فتارة روي عنه، عن أخته، كما هنا، وتارة عن عبد الله بن بسر، عن عمته، كما عند ابن خزيمة (٢)، والنسائي (٣)، والبيهقي (٤)، وتارة عن خالته الصماء، كما عند النسائي (٥)، وتارة عن عبد الله بن بسر، عن أمه، كما في «الفوائد» لتمام الرازي (٦)، وتارة عن عبد الله بن بسر، عن النبي ﷺ ، كما عند النسائي (٧)، وابن ماجه (٨)، وأحمد (٩)، وجاء - أيضاً - عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن عائشة، به، فصار من مسند عائشة ﵂، كما عند النسائي (١٠).
ولهذا ضعَّف العلماء هذا الحديث، فضعَّفه الإمام مالك، فنقل عنه أبو داود أنه قال: (هذا كذب) (١١). ونقل - أيضاً - عن الزهري، أنه قال: (هذا حديث حمصي) ونقله عنه الطحاوي (١٢)، ومعناه: أنه تفرد به أهل حمص، وهذا يقتضي تضعيفه عنده.
ونقل أبو داود عن الأوزاعي أنه قال: (ما زلت كاتماً له حتى رأيته انتشر)، وضعفه الإمام النسائي؛ فإنه قال بعد هذا الحديث وطرقه: (هذه
стр. 2012
أحاديث مضطربة) (١). كما ضعفه الطحاوي، ووصفه بأنه شاذ. وضعفه ابن القيم، فقال: (وهذا يدل على أن الحديث غير محفوظ، وأنه شاذ)، وكذا ضعفه الحافظ (٢).
أما نكارة متنه، فإن ظاهره يدل على النهي عن صوم السبت إلا أن يكون في صيام الفريضة، وهذا يدل على المنع من صيامه ولو كان قبله يوماً أو بعده يوماً، فعارضه أحاديث أصح منه وأشهر، ومنها حديث جويرية بنت الحارث المتقدم؛ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أَصُمْتِ أمس؟»، قالت: لا، قال: «أتريدين أن تصومي غداً؟ … » الحديث. فهذا صريح في جواز صيام يوم السبت في غير الفريضة.
ومنها: حديث أبي هريرة المتقدم - أيضاً - «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ يَوْماً قَبْلَهُ أَو يوماً بَعْدَهُ» واليوم الذي بعد الجمعة هو السبت.
ومنها: حديث أبي قتادة في صيام الست من شوال، فإنها قد يكون منها يوم السبت، وصيامها في غير فريضة.
قال العلامة ابن مفلح المقدسي عن إفراد يوم السبت: (قال الأثرم: قال أبو عبد الله - أحمد بن حنبل ـ: قد جاء فيه حديث الصماء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه، وأبى أن يحدثني به. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة - الآتي - … )، ثم نقل اختيار شيخه ابن تيمية، وهو أنه لا يكره صومه (٣).
الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن صيام يوم السبت، وهذا
стр. 2013
على رأي من يقول بصحة الحديث، كما تقدم، وهؤلاء طائفتان، طائفة قالوا بأن الحديث منسوخ، وهذا قول أبي داود، كما نص على ذلك في «سننه»، وقد يكون أخذ ذلك من كونه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر أمره قال: «خالفوهم»، فالنهي عن صومه يوافق الحالة الأولى، وصيامه يوافق الحالة الثانية، ذكر هذا الحافظ وقال: (لا يتبين وجه النسخ فيه) (١).
وطائفة أخرى قالوا: الحديث محكم غير منسوخ، وهو محمول على ما إذا أفرده بالصيام، فإن صام معه غيره جاز، وهذا قول الترمذي، وابن خزيمة، والبغوي، وعزاه ابن القيم إلى أكثر أصحاب الإمام أحمد (٢).
لكن يشكل على ذلك قوله: «إلا فيما افترض عليكم»، فإن هذا نص صريح على المنع من صيامه في غير الفريضة، فرداً كان أو مضافاً؛ لأنه لم يخصص إلا الفرض بالجواز، فيبقى ما عداه على المنع (٣)، ولو كانت صورة الإضافة غير منهي عنها لكان استثناؤها أولى من استثناء الفرض، فلما اقتصر على استثناء الفرض دل على عدم استثناء غيره.
فالذي يظهر أن الحديث لا يصح وأنه غير محفوظ؛ لأنه عارضه أحاديث أصح منه وأشهر، والعلم عند الله تعالى.
стр. 2014
الرخصة في صيام يوم السبت والأحد
٦٩٣/ ١٤ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا كانَ يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَيَوْمُ الأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمُ عِيدٍ لِلمُشْرِكِينَ، وَأَنَّا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وهذَا لَفْظُهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣/ ٢١٤)، وأحمد (٤٤/ ٣٣٠ - ٣٣١)، وابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبان (٨/ ٣٨١) من طريق عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن كريب، عن أم سلمة ﵂.
والحديث في سنده عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، ترجم له البخاري في «تاريخه»، وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً (١)، وقال ابن معين: (وسط)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وقال ابن سعد: (قليل الحديث)، وقال ابن القطان: (روى عنه ابن المبارك، والدراوردي، وابن أبي فديك، وأبو أسامة، ولا تعرف - أيضاً - حاله) (٣)، وقال: (أرى الحديث حسناً فاعلم ذلك) (٤)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وأما والده محمد بن عمر فقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٥)، وقال ابن سعد: (كان قليل
стр. 2015
الحديث)، وقال ابن المديني: (وسط)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وفي «الميزان»: (ما علمت به بأساً)، وقال الحافظ: (مقبول).
وقد صحح لهما ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقد نقل الحافظ تصحيح ابن حبان لهذا الحديث، ولم يعقّب عليه بشيء (١)، والذي يظهر أن الحديث معلول، وذلك لتفرد عبد الله بن محمد بن عمر به، وهو من لا يقبل تفرده؛ لما تقدم. ولم يتابع عليه، كما قال العقيلي.
الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بجواز صيام يوم السبت ويوم الأحد؛ بل ظاهره يدل على الاستحباب؛ لأن صيامهما مخالفة لليهود والنصارى؛ لأن السبت عيد اليهود، والأحد عيد النصارى، فأحب النبي ﷺ أن يخالفهم، فيصوم هذين اليومين؛ لأن العيد في شرعنا لا يشرع صيامه، كما تقدم، ففي صيامهما مخالفة للمشركين، قالوا: وهذا الحديث يدل على نكارة حديث الصماء - المتقدم ـ، وأم سلمة أدرى بأحوال النبي ﷺ من الصماء.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن مخالفة الأمم الكافرة القديمة والمعاصرة أمر مقصود شرعاً، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث: «وأنا أريد أن أخالفهم»، والتشبه بهم في عباداتهم أو عاداتهم لا بدّ أن يورث عند المسلم نوع مودة لهم، أو هو على الأقل مظنة المودة، وموضوع التشبه من أخطر القضايا في حياة المسلمين، ولا سيما في زماننا هذا، حيث اتسعت علاقة المسلمين بغيرهم، وحصل من اختلاط البلدان وتقاربها ما لم يكن موجوداً من قبل، ومن هنا يتعين على كل مسلم أن يحصر مصدر التلقي في المنهج الرباني في عقيدته وعبادته وسلوكه وأخلاقه، ويعلم يقيناً أن الأفكار والمناهج الأخرى غير صالحة للتلقي منها واتباعها، وكفى بأهلها وأتباعها الضالين دلالة على فسادها، وبهذا تبقى الأمة المسلمة أمة متميزة لها شخصيتها ولها كيانها، والنبي ﷺ يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 2016
حكم صوم يوم عرفة بعرفة
٦٩٤/ ١٥ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيرَ التِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، واسْتَنْكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، بابٌ «في صوم عرفة بعرفة» (٢٤٤٠)، والنسائي (٣/ ٢٥٢)، وابن ماجه (١٧٣٢)، وأحمد (١٣/ ٤٠١)، وابن خزيمة (٢١٠١)، والحاكم (١/ ٤٣٤) كلهم من طريق حوشب بن عقيل، عن مهدي الهَجَري، ثنا عكرمة، عن أبي هريرة ﵁، به.
وهذا الحديث صححه ابن خزيمة والحاكم، كما ذكر الحافظ، وقال الذهبي: (إسناده لا بأس به) (١). لكن استنكره العقيلي، فقال بعد سياقه بهذا الإسناد: (لا يتابع عليه، وقد رُوي عن النبي ﷺ بأسانيدَ جيادٍ أنه لم يصم يوم عرفة، ولا يصح عنه أنه نهى عن صومه) (٢).
والذين ضعَّفوا الحديث أعلوه بمهدي بن أبي مهدي الهجري. قال ابن معين: (لا أعرفه)، وقال أبو حاتم: (شيخ ليس بمنكر الحديث) (٣) وقال
стр. 2017
ابن حزم: (مجهول) (١)، وقال عبد الحق: (ليس بمعروف)، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وقد روى عنه ثلاثة: حوشب بن عقيل، وعبد المؤمن السدوسي، ويعقوب الفسوي (٣)، وعلى هذا فالحديث لا بأس به.
الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن صوم يوم عرفة بعرفة، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض السلف، فقالوا: يحرم صومه ويجب فطره، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري (٤).
ويؤيد ذلك فطر النبي ﷺ في يوم عرفة، كما في حديث أم الفضل بنت الحارث أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه (٥).
وذهب جماعة من السلف إلى استحباب صيام يوم عرفة للحاج وغيره، فقد رُوي عن ابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعائشة ﵃ أنهم كانوا يصومونه، واختاره ابن حزم، مستدلاً بعموم حديث أبي قتادة المتقدم في فضل صيامه وأنه يكفّر السنة الماضية والباقية، قال: (ولا حجة في عدم صيام الرسول ﷺ يوم عرفة؛ لأنه ﵇ قد حض على صيامه أعظم حض، وأخبر أنه يكفر ذنوب سنتين، وما علينا أن ننتظر بعد هذا أيصومه ﵇ أم لا) (٦).
والقول الثالث: أنه يستحب فطره ولا يجب، وهذا قول أكثر أهل العلم، لفعل النبي ﷺ ، كما تقدم في حديث أم الفضل بنت الحارث؛ ولأن الفطر يتقوى به على الدعاء، ولا سيما آخر النهار. والصوم يضعفه ويمنعه
стр. 2018
الدعاء في هذا اليوم العظيم، فيكون ترك الصيام أفضل، وعلل شيخ الإسلام ابن تيمية استحباب فطره بأنه يوم عيد (١).
وقد سئل ابن عمر ﵄ عن صوم يوم عرفة بعرفة؟ فقال: (حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه) (٢).
والقول الرابع: التفصيل، وهو أن من يشق عليه الصيام أو يضعفه عن الدعاء فإنه يكره له أن يصومه، ومن كان يطيقه ولا يشق عليه فيستحب له أن يصومه، وهذا القول رواية عن أحمد، ذكرها الخطابي (٣).
والأظهر - والله أعلم - قول الجمهور، وهو استحباب فطره، وكراهة صيامه، تأسياً بالنبي ﷺ وبخلفائه من بعده، فإنهم وقفوا مفطرين، والله أعلم.
стр. 2019
حكم صوم الدهر
٦٩٥/ ١٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٦٩٦/ ١٧ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «حق الأهل في الصوم» (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٦ - ١٨٧) من طريق حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس المكي، أنه سمع عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَهِكَتْ (١)، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ» قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى» (٢). هذا لفظ مسلم.
وأما حديث أبي قتادة ﵁ فهو طرف من حديثه الطويل، تقدم طرف منه في أول «صوم التطوع».
وأول الحديث (عن أبي قتادة ﵁: رجلٌ أتى النبي ﷺ فقال: كيف
стр. 2020
تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ ، فلما رأى عمر ﵁ غضبه، قال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيًّا، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه، فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن صام الدهر كله؟ قال: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ» … ) الحديث.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا صام من صام الأبد) الأبد: بفتح الهمزة والباء، هو الدهر الطويل الذي ليس بمحدود. وقد اختلف العلماء في معنى هذه الجملة على قولين:
الأول: أنه دعاء على الصائم الذي صام الدهر، زجراً له عن مواصلة الصيام، فتكون الجملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى، لقصد الدعاء.
الثاني: أنه إخبار لا دعاء. ومعنى (لا صام)؛ أي: أنه لا يجد مشقة في الصيام، لكونه اعتاده حتى خفَّ عليه، فلم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب، فكأنه لم يصم، ولم تحصل له فضيلة الصيام.
قوله: (لا صام ولا أفطر) قيل: معناه الدعاء، كما تقدم. وقيل: معناه الإخبار.
والمعنى: أنه لا صام فحصل أجر الصيام؛ لأن صيامه لم يكن بأمر الشرع، ولا أفطر حيث إنه لم يأكل ولم يشرب كفعل المفطرين.
الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن صيام الدهر، والمراد به: سرد الصوم متتابعاً في جميع الأيام، باستثناء الأيام التي نهي عن صيامها، وهي العيدان والتشريق. وقد حمله جماعة على التحريم، منهم ابن حزم فقال: (يحرم صوم الدهر) (١)، كما استدلوا بحديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا» وقبض كفه (٢).
стр. 2021
ومعناه: أنه يدخل جهنم فتضيق عليه لتشديده على نفسه ورغبته عن سنة نبيه ﷺ واعتقاده أن غير سنته أفضلُ منها. وهذا وعيد شديد يدل على أن صيام الدهر حرام. وقيل: إنه لا يدخل جهنم، بل تضيق عليه من أجل صومه؛ لأن الصيام جنة (١).
والقول الثاني: جواز صيام الدهر، وهذا قول ابن المنذر، وطائفة، واستدلوا بما رُوي أن جماعة من الصحابة والتابعين سردوا الصوم، منهم: عائشة، وأبو طلحة، وعبد الله بن عمر، وأبو أمامة وامرأته، وغيرهم ﵃.
وتأولوا أحاديث النهي عن صيام الدهر بأن المراد من صامه مع الأيام المنهي عنها من العيدين وأيام التشريق.
والقول الثالث: أنه يستحب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقًّا. وعزاه ابن حجر إلى الجمهور (٢).
واستدلوا بحديث حمزة بن عمرو السلمي الذي مضى، فإن في بعض ألفاظه عند مسلم: (أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم).
ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينه حمزة بن عمرو عن سرد الصوم، ولو كان غير جائز لبيَّنه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
كما استدلوا بحديث أبي قتادة: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شوَّال، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر»، قالوا: فدل على أن صوم الدهر أفضل مما شُبه به، وأنه أمر مطلوب.
والأظهر - والله أعلم - كراهة صوم الدهر، وهذا أقل ما يقال فيه، وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، لما يلي:
١ - أن صيام الدهر مخالف لهدي النبي ﷺ حيث اختار لنفسه من قدر العبادة غير القدر الذي سار عليه النبي ﷺ ، حيث كان يصوم ويفطر، وقال: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
стр. 2022
٢ - أن النبي ﷺ جعل أفضل الصيام صيام داود ﵊، وقال لعبد الله بن عمرو: «صُم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام»، فدل على أن صيام الدهر ليس هو أفضل الصيام.
٣ - أن قوله: «لا صام من صام الأبد»، فيه تغليظ وإخبار يمنع من صيام الدهر؛ لأنه إما دعاء وإما إخبار، قال ابن العربي: (قوله: «لا صام من صام الأبد» إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ ؛ وإن كان معناه الخبر، فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعاً لم يكتب له الثواب، لوجوب صدق قوله ﷺ ؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل، كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي ﷺ ؟!) (١).
٤ - أن المنع من صيام الدهر يتفق مع منهج الإسلام في ضرورة الاعتدال بين حق الله تعالى وحظ النفس، كما يتفق مع منهجه العام في التيسير على المكلفين والرفق بهم، ولهذا قال سلمان ﵁ لأبي الدرداء ﵁: (إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه). فذكر أبو الدرداء ذلك للنبي ﷺ فقال: «صدق سلمان» (٢).
وأما ما ورد عن بعض السلف أنهم صاموا الدهر، فهذا اجتهاد منهم نرجو ألا يحرموا أجر اجتهادهم إن شاء الله، وإلا فإن النبي ﷺ أنكر على عبد الله بن عمرو ذلك.
وأما الاستدلال بحديث حمزة بن عمرو وأنه كان يسرد الصيام، فأجيب عنه بوجهين:
١ - أن سؤال حمزة بن عمرو إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر.
стр. 2023
٢ - أنه لا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر، فقد تقدم قول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم … ).
وأما حديث صيام الست من شوال فلا دليل فيه على استحباب صيام الدهر؛ لأن التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه، فضلاً عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير صيام ثلاثمائة وستين يوماً، ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام هذا العدد لدخول العيدين وأيام التشريق فيها، والله تعالى أعلم.
стр. 2024
باب الاعتكاف وقيام رمضان
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، يقال: عكف واعتكف: لزم المكان، قال تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
وشرعاً: لزوم المسجد لعبادة الله تعالى.
وللاعتكاف فوائد عظيمة، فهو عزلة مؤقتة عن أمور الحياة، وشواغل الدنيا، وإقبال على الله تعالى، وانقطاع عن الاشتغال بالخلق، ولا سيما في ختام شهر رمضان، حيث ترجى ليلة القدر.
قال ابن رجب: (معنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله، والمحبة له، والأنس به، أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال) (١).
والاعتكاف سنة بإجماع أهل العلم، والأفضل الاعتكاف في رمضان في العشر الأواخر تأسياً بالنبي ﷺ كما سيأتي، ولم ينقل أنه ﷺ اعتكف في غير رمضان، إلا قضاءً لما اعتكف في شوال.
وأما قوله: (وقيام رمضان) فالمراد به: قيام الليل وإحياؤه بالطاعة من صلاة، وتلاوة، وذكر، ودعاء، ويحصل قيام الليل في رمضان بالصلاة، سواء صلى في أول الليل أم في آخره، وسواء صلى منفرداً أم مع الجماعة، لكن قيام رمضان مع الجماعة أفضل، والله تعالى أعلم.
стр. 2025
فضل قيام رمضان
٦٩٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «صلاة التراويح»، باب «فضل من قام رمضان» (٢٠٠٩)، ومسلم (٧٥٩) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، به.
وقد جاء في روايات أخرى زيادة: «وما تأخر»، ومن ذلك ما أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣/ ١٢٧) من طريق قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بزيادة «وما تأخر»، قال ابن عبد البر: (إنها زيادة منكرة في حديث الزهري) (١)، وذلك لأن الحديث رواه جماعة من الثقات من أصحاب سفيان بن عيينة عنه، عن الزهري، ولم يذكروا فيه «وما تأخر»، وهم أكثر عدداً وأجود حفظاً ممن ذكرها، ومن هؤلاء: معمر، ومالك، وصالح بن كيسان، والليث، ويونس بن يزيد، وغيرهم (٢)، فتكون زيادة غير محفوظة.
الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل قيام رمضان وأنه من أسباب مغفرة الذنوب، ومن صلى التراويح كما ينبغي فقد قام رمضان، والمغفرة
стр. 2026
مشروطة بقوله: «إيماناً واحتساباً»، ومعنى «إيماناً» أي: مصدقاً بوعد الله تعالى، وبفضل القيام وعظيم أجره عند الله تعالى، «واحتساباً» أي: محتسباً الثواب عند الله تعالى، فيطلب ثواب الله ويبتغي مرضاته، لا بقصد آخر من رياء، أو مدح، أو ثناء، ونحو ذلك.
فعلى المؤمن أن يحرص على صلاة التراويح مع الإمام ولا يفرط في شيء منها، ولا ينصرف قبل إمامه، وقد ورد عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (١)، والمراد بانصراف الإمام: انقضاء الصلاة، لا انصراف الإمام الأول إذا صليت بأكثر من إمام.
الوجه الثالث: تقدم في باب «صلاة التطوع» أن السنة في قيام رمضان أن يكون بإحدى عشرة ركعة.
لقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) (٢).
وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعوها الناس: العتمة - إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة) (٣).
قال محمد بن نصر المروزي في بيان أفضلية ذلك: (لأن النبي ﷺ لما سئل عن صلاة الليل أجاب بأن صلاة الليل مثنى مثنى، فاخترنا ما اختار هو لأمته، وأجزنا فِعْلَ من اقتدى به، ففعل مثل فعله؛ إذ لم يُرو عنه نَهيٌ عن ذلك؛ بل قد روي عنه أنه قال: «مَنْ شَاءَ فَليُوتِر بِخَمسٍ، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة … ») (٤).
стр. 2027
وظاهر حديثها الأول أنه يصلي الأربع بتسليم واحد، لكنه ليس بصريح في ذلك، بل يحتمل أنه يصليها مفصولة، لقولها: (يُسلِّم من كل ركعتين)، وقد تقدم هذا في «التطوع» وفي حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة (١)، وقد تكون الركعتان الزائدتان على الإحدى عشرة ما كان يفتتح به صلاة الليل، كما في حديث زيد بن خالد ﵁ الذي ساقه مسلم بعد هذا الحديث، أو سنة العشاء (٢) والله أعلم.
وصح عن عمر ﵁ أنه أمر تميماً الداري وأُبي بن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (٣)، وأما ما ورد أن الناس على عهد عمر ﵁ كانوا يصلون ثلاثاً وعشرين (٤)، فهو ضعيف لا تقوم به حجة، لوجوه ليس هذا محلها (٥)، ولا متمسك فيه لمن ينتصر لهذا العدد.
لكن من يفتي من أهل العلم بالثلاث والعشرين يستدل بما في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لما سئل عن صلاة الليل لم يحدد عدداً معيناً، مع أن المقام مقام بيان، وهذا الاستدلال لا بأس به، لكن الأفضل اتباع سنة النبي ﷺ التي داوم عليها، وعمل بها أصحابه من بعده، ومنهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وهو أفهم منا لنصوص الشرع، وأكثر إدراكاً لمقاصده، فجمع الناس على ما فعله النبي ﷺ في تهجده، وهو إحدى عشر ركعة، ووافقه الصحابة ﵃ في ذلك، ولم يجتهد في استنباط ما زاد على هذا العدد من حديث ابن عمر ﵄.
فالاستدلال على الإحدى عشرة بفعله ﷺ أقوى من الاستدلال على الثلاث والعشرين بهذا الحديث أو غيره من العمومات.
стр. 2028
لكن من زاد على إحدى عشر ركعة فهو مأجور - إن شاء الله - حسب نيته وقصده، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
يقول ابن عبد البر: (قد أجمع العلماء على أنه لا حدَّ ولا شيء مقدراً في صلاة الليل وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام وقلّت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود) (١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأعمال الصالحة سبب لغفران الذنوب وتكفير السيئات، بشرط صدق النية، لقوله: «إيماناً واحتساباً»، قال ابن عبد البر: (ومحال أن يزكو من الأعمال شيء لا يراد به الله، وفقنا الله لما يرضاه، وأصلح سرائرنا وعلانيتنا برحمته، آمين) (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2029
فضل العمل في العشر الأواخر من رمضان
٦٩٨/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ - أَي: الْعَشْرُ الأَخِيرُ مِنْ رَمَضَان - شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «فضل ليلة القدر»، باب «العمل في العشر الأواخر من رمضان» (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤) من طريق أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر) كان: تفيد الدوام والاستمرار، وإن كان خبرها غير مضارع، لوجود قرائن تدل على ذلك، والمراد بالعشر: العشر الأواخر من رمضان، كما فسرها الحافظ، فتكون (أل) في العشر، للعهد الذهني.
قوله: (شدَّ مئزره) أي: جدَّ واجتهد في العبادة، وقيل: اعتزل النساء، وهذا أظهر، لقوله بعده: (وأحيا ليله)، وفي رواية مسلم: (وجدَّ وشدَّ المئزر) والعطف يقتضي المغايرة.
قوله: (وأحيا ليله) أي: سهره فأحياه بالطاعة، والمعنى: أحياه بالقيام والتعبد لله رب العالمين، ونسبة الإحياء إلى الليل مجاز؛ لأنه إذا سهر فيه للطاعة فكأنه أحياه؛ لأن النوم أخو الموت، وإحياء الليل يحتمل أن المراد
стр. 2030
إحياء الليل كله، ويحتمل أن المراد إحياء غالبه (١)، وقد سبق مثل هذا في قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يصوم شعبان كله، كان يصومه إلا قليلاً)، ويؤيد هذا قول عائشة ﵂: (ما أعلمه ﷺ قام ليلة حتى الصباح) (٢)، كما يؤيد ذلك ما تقدم في كلام عبد الله بن المبارك من أن إطلاق البعض على الكل جائز في لغة العرب، وقد مال إلى هذا الاحتمال الحافظ ابن رجب ﵀.
قوله: (وأيقظ أهله) أي: زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين ﵅ ليشاركنه اغتنام الخير والذكر والعبادة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل العمل الصالح في العشر الأواخر من رمضان، وأن لها مزية على غيرها من أيام الشهر بمزيد الطاعة والعبادة، من صلاة، وذكر، وتلاوة قرآن. وسر هذا الاجتهاد في العشر الأواخر أمران:
الأول: أن هذه العشر هي ختام الشهر المبارك، والأعمال بخواتيمها.
الثاني: أن هذه العشر ترجى فيها ليلة القدر، ولعل الإنسان يدركها وهو قائم لله رب العالمين، فيغفر له ما تقدم من ذنبه.
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية إيقاظ الأهل ليالي العشر، وحثهم على الصلاة، وترغيبهم في الطاعة، والإيقاظ أمر ميسور في هذا الزمان، ولا سيما ليالي العشر، لكن المطلوب توجيه الأهل وكذا الناشئة لما فيه الخير، والحذر من ضياعها في القيل والقال، وفي المجالس المحرمة والاجتماعات الآثمة.
والمراد بإيقاظ الأهل - هنا - تأكيد الاستحباب، وإلا فهذا أمر مسنون طوال الأيام، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» (٣)، والله الموفق.
стр. 2031
حكم الاعتكاف
٦٩٩/ ٣ - وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الاعتكاف»، باب «الاعتكاف في العشر الأواخر» (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢)(٥) من طريق الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵁، به.
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وأن النبي ﷺ لازم ذلك في كل عام حتى توفاه الله .
والحكمة من تخصيصه ﷺ العشر الأواخر بالاعتكاف هو ما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط … ثم أطلع رأسه، فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ» (١).
والاعتكاف مشروع في كل وقت، لكن يتأكد في شهر رمضان، ويتأكد تأكيداً آخر في العشر الأواخر منه.
стр. 2032
ومع أن النبي ﷺ قد لازم الاعتكاف، وكذا أزواجه من بعده، إلا أنه لم يثبت عنه ﷺ حديث صحيح في بيان فضله وثواب أهله، قال أبو داود: (قلت لأحمد: تعرف في فضل الاعتكاف شيئاً، قال: لا، إلا شيئاً ضعيفاً) (١).
وإنما يؤخذ فضله من مدح أهله، كما قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ومن فعل النبي ﷺ ومواظبته عليه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن حكم الاعتكاف باقٍ لم ينسخ، وليس خاصًّا بالنبي ﷺ ؛ لأن أزواجه اعتكفن بعد وفاته.
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية اعتكاف النساء، وقد قال الجمهور من أهل العلم بأنه يسن للمرأة، كما يسن للرجل، لكن بشرط أن تكون طاهرة؛ وألا يحصل بذلك فتنة، وأن يأذن لها زوجها، للحديث المتقدم: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ»، والاعتكاف من باب أولى، والله تعالى أعلم.
стр. 2033
متى يدخل المعتكف معتكفه
٧٠٠/ ٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الاعتكاف»، باب «اعتكاف النساء» (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٣) من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، به. وهذا لفظ مسلم.
الوجه الثاني: ظاهر الحديث دليل على أن المعتكف يدخل مكان اعتكافه بعد صلاة الفجر من اليوم الحادي والعشرين، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وبه قال الأوزاعي، ومال إليه الصنعاني (١).
والقول الثاني: أنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (٢)، لحديث أبي سعيد ﵁ المتقدم - وفيه: « … مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ».
ووجه الاستدلال: أن لفظ «العشر» بغير هاء عدد لليالي، وأول هذه الليالي ليلة إحدى وعشرين.
стр. 2034
وهذا هو الراجح لأمرين:
الأول: أن من مقاصد الاعتكاف التماس ليلة القدر، وهي ترجى في أوتار العشر، وأولها ليلة إحدى وعشرين.
الثاني: أن من دخل قبل الغروب صدق عليه أنه اعتكف العشر الأواخر بكاملها، أما إذا دخل بعد صلاة الفجر لم يصدق عليه أنه اعتكف العشر الأواخر كلها.
وأما حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب فمعناه: انقطع في معتكفه بعد صلاة الفجر للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، وكان قبل ذلك معتكفاً لابثاً في جملة المسجد، لا أن معناه أنه ابتدأ الاعتكاف بعد صلاة الفجر؛ إذ لو كان هذا هو المراد لما ذكرت معتكفه، وإنما تذكر المسجد؛ لأنه إذا دخل المسجد بدأ الاعتكاف بدخوله؛ لأن الاعتكاف يبدأ من دخول المسجد ونية الاعتكاف قبل صلاة الفجر.
وأما وقت خروج المعتكف فاستحب كثير من أهل العلم أن يكون عند خروجه لصلاة العيد، لكي يصل عبادة بعبادة.
والقول الثاني: أنه يخرج إذا غربت الشمس ليلة العيد؛ لأن العشر الأواخر تنتهي بانتهاء الشهر، والشهر ينتهي بغروب الشمس من ليلة العيد (١)، وهذا هو الأظهر؛ لقوة مأخذه، والله أعلم.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجوز للمعتكف أن يخصص له مكاناً في المسجد يخلو به، سواء كان خباءً أو غيره، وشرط الفقهاء ألا يضيِّق بذلك على المصلين، وبشرط الصيانة والنظافة، وغالب المساجد اليوم فيها غرف صالحة للإقامة فيها، فتقوم مقام الخيمة، وقد تقدم ذلك في «باب المساجد».
стр. 2035
أما في مثل الحرمين الشريفين أو المساجد الكبيرة التي يعتكف فيها كثيرون، فإن الخلوة فيها متعذرة غالباً، لكن إذا انتفت الخلوة الحقيقية أو الحسية فلا ينبغي تفويت الخلوة الحكمية أو المعنوية، بمعنى أن يحرص المعتكف على الانفراد بنفسه ولو كان معه غيره في المكان، ولا يتم هذا إلا بإدراك معنى الاعتكاف وحكمته ووظيفة المعتكف، ومنع النفس من الاسترسال في مخالطة الآخرين والرغبة في التحدث معهم.