حكم الاعتكاف
٦٩٩/ ٣ - وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الاعتكاف»، باب «الاعتكاف في العشر الأواخر» (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢)(٥) من طريق الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵁، به.
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وأن النبي ﷺ لازم ذلك في كل عام حتى توفاه الله .
والحكمة من تخصيصه ﷺ العشر الأواخر بالاعتكاف هو ما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط … ثم أطلع رأسه، فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ» (١).
والاعتكاف مشروع في كل وقت، لكن يتأكد في شهر رمضان، ويتأكد تأكيداً آخر في العشر الأواخر منه.
стр. 2032
ومع أن النبي ﷺ قد لازم الاعتكاف، وكذا أزواجه من بعده، إلا أنه لم يثبت عنه ﷺ حديث صحيح في بيان فضله وثواب أهله، قال أبو داود: (قلت لأحمد: تعرف في فضل الاعتكاف شيئاً، قال: لا، إلا شيئاً ضعيفاً) (١).
وإنما يؤخذ فضله من مدح أهله، كما قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ومن فعل النبي ﷺ ومواظبته عليه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن حكم الاعتكاف باقٍ لم ينسخ، وليس خاصًّا بالنبي ﷺ ؛ لأن أزواجه اعتكفن بعد وفاته.
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية اعتكاف النساء، وقد قال الجمهور من أهل العلم بأنه يسن للمرأة، كما يسن للرجل، لكن بشرط أن تكون طاهرة؛ وألا يحصل بذلك فتنة، وأن يأذن لها زوجها، للحديث المتقدم: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ»، والاعتكاف من باب أولى، والله تعالى أعلم.
стр. 2033
متى يدخل المعتكف معتكفه
٧٠٠/ ٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الاعتكاف»، باب «اعتكاف النساء» (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٣) من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، به. وهذا لفظ مسلم.
الوجه الثاني: ظاهر الحديث دليل على أن المعتكف يدخل مكان اعتكافه بعد صلاة الفجر من اليوم الحادي والعشرين، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وبه قال الأوزاعي، ومال إليه الصنعاني (١).
والقول الثاني: أنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (٢)، لحديث أبي سعيد ﵁ المتقدم - وفيه: « … مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ».
ووجه الاستدلال: أن لفظ «العشر» بغير هاء عدد لليالي، وأول هذه الليالي ليلة إحدى وعشرين.
стр. 2034
وهذا هو الراجح لأمرين:
الأول: أن من مقاصد الاعتكاف التماس ليلة القدر، وهي ترجى في أوتار العشر، وأولها ليلة إحدى وعشرين.
الثاني: أن من دخل قبل الغروب صدق عليه أنه اعتكف العشر الأواخر بكاملها، أما إذا دخل بعد صلاة الفجر لم يصدق عليه أنه اعتكف العشر الأواخر كلها.
وأما حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب فمعناه: انقطع في معتكفه بعد صلاة الفجر للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، وكان قبل ذلك معتكفاً لابثاً في جملة المسجد، لا أن معناه أنه ابتدأ الاعتكاف بعد صلاة الفجر؛ إذ لو كان هذا هو المراد لما ذكرت معتكفه، وإنما تذكر المسجد؛ لأنه إذا دخل المسجد بدأ الاعتكاف بدخوله؛ لأن الاعتكاف يبدأ من دخول المسجد ونية الاعتكاف قبل صلاة الفجر.
وأما وقت خروج المعتكف فاستحب كثير من أهل العلم أن يكون عند خروجه لصلاة العيد، لكي يصل عبادة بعبادة.
والقول الثاني: أنه يخرج إذا غربت الشمس ليلة العيد؛ لأن العشر الأواخر تنتهي بانتهاء الشهر، والشهر ينتهي بغروب الشمس من ليلة العيد (١)، وهذا هو الأظهر؛ لقوة مأخذه، والله أعلم.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجوز للمعتكف أن يخصص له مكاناً في المسجد يخلو به، سواء كان خباءً أو غيره، وشرط الفقهاء ألا يضيِّق بذلك على المصلين، وبشرط الصيانة والنظافة، وغالب المساجد اليوم فيها غرف صالحة للإقامة فيها، فتقوم مقام الخيمة، وقد تقدم ذلك في «باب المساجد».
стр. 2035
أما في مثل الحرمين الشريفين أو المساجد الكبيرة التي يعتكف فيها كثيرون، فإن الخلوة فيها متعذرة غالباً، لكن إذا انتفت الخلوة الحقيقية أو الحسية فلا ينبغي تفويت الخلوة الحكمية أو المعنوية، بمعنى أن يحرص المعتكف على الانفراد بنفسه ولو كان معه غيره في المكان، ولا يتم هذا إلا بإدراك معنى الاعتكاف وحكمته ووظيفة المعتكف، ومنع النفس من الاسترسال في مخالطة الآخرين والرغبة في التحدث معهم.
стр. 2036
حكم خروج المعتكف أو جزء من بدنه من المسجد
٧٠١/ ٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ - فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفاً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الاعتكاف»، باب «لا يدخل البيت إلا لحاجة» (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧)(٧) من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂.
وقول الحافظ: (واللفظ للبخاري) لا فائدة فيه؛ لأن لفظ الصحيحين واحد.
الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز إخراج المعتكف رأسه أو شيء من بدنه من المسجد، وأن هذا لا يؤثر على الاعتكاف؛ لأن الرسول ﷺ كان يمد رأسه إلى عائشة ﵂ وهي في حجرتها وهو معتكف في المسجد فترجِّله، أي: تسرِّح شعر رأسه، وتدهنه، وهي حائض، وإخراج النبي ﷺ رأسه من المسجد عند غسله، يحتمل أنه لقصد ترجيل عائشة ﵂، ويحتمل أنه فعل ذلك صيانة للمسجد، وهذا أمر مطلوب.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجوز للمعتكف أن ينظف شعره، وأن هذا لا ينافي الاعتكاف، ويقاس على ذلك تنظيف بدنه وثيابه؛
стр. 2037
لأن النظافة مطلب شرعي ولو كان الإنسان معتكفاً، لعموم قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز خروج المعتكف للحاجة، وقد ورد عند مسلم: (إلا لحاجة الإنسان)، وفسَّرها الزهري بالبول والغائط، وقد نقل ابن المنذر وابن هبيرة وغيرهما الإجماع على جواز ذلك (١).
ويلحق بهما كل ما يحتاجه المعتكف، ومن ذلك خروجه لإحضار طعام أو شراب أو ملابس، أو نحو ذلك مما يشق عليه تركه ولم يكن عنده من يقوم بإحضاره، كما خرج النبي ﷺ من معتكفه مع صفية ليردها إلى بيتها تأنيساً لها، حيث لم يكن بيتها لاصقاً بالمسجد، والحديث في «الصحيحين» (٢). ومثل ذلك الخروج لصلاة الجمعة، كما سيأتي إن شاء الله.
وقد قسم الفقهاء خروج المعتكف إلى ثلاثة أقسام:
١ - خروج ينافي الاعتكاف، كما لو خرج لبيع أو شراء أو جماع، أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز، ويُبطل الاعتكاف، سواء اشترطه أم لا.
٢ - خروج لأمر لا بدّ له منه شرعاً، أو طبعاً، كما تقدم، فهذا يجوز ولو لم يشترطه؛ لأنه وإن لم يشترطه في اللفظ فهو مشترط في العادة.
٣ - خروج لأمر له منه بد، مثل: الخروج لتشييع جنازة، أو عيادة مريض، أو زيارة قريب، وما أشبه ذلك من الطاعات وهذا قول الحنابلة (٣). فهذا إن اشترطه جاز وإلا فلا، وسيأتي الكلام على موضوع الاشتراط - إن شاء الله - والله تعالى أعلم.
стр. 2038
من أحكام الاعتكاف
٧٠٢/ ٦ - وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أَلَا يَعُودَ مَرِيضاً، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلاَّ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلاَّ بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ، إِلاَّ أَنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الأثر أخرجه أبو داود في كتاب «الصوم»، باب «المعتكف يعود المريض» (٢٤٧٣) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، به.
قال أبو داود: (غير عبد الرحمن لا يقول فيه: (قالت: السنة … ) جعله قول عائشة).
وقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٢١) من طريق الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ : (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، والسنة في المعتكف … ) إلخ.
وقال في «معرفة السنن والآثار» (٦/ ٣٩٥): (قد أخرج البخاري ومسلم صدر هذا الحديث في الصحيح إلى قوله: «والسنة في المعتكف ألا يخرج … »، ولم يخرجا الباقي؛ لاختلاف الحفاظ فيه، منهم من زعم أنه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنه من قول الزهري، ويشبه أن يكون من
стр. 2039
قول مَنْ دون عائشة … ). وبهذا جزم - أيضاً - الدارقطني كما في «السنن» (٢/ ٢٠١) (١).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ليس للمعتكف أن يعود مريضاً أو يشهد جنازة في غير المسجد الذي هو معتكف فيه، بل يلزم مكانه حتى يتفرغ للعبادة، ولكن تقدم أن هذا الأثر فيه مقال، فلا يقوى الاستدلال به على منع المعتكف من الخروج لعيادة المريض أو شهود الجنازة، وقيد الفقهاء ذلك بمن له عليه حق كالوالدين أو القريب؛ لأن ذلك من باب صلة الرحم، أو عالم له أثر بارز في نفع المسلمين، فمثل هؤلاء يعاد مريضهم، وتشهد جنائزهم، أما عيادة كل مريض، أو شهود كل جنازة فهذا يؤثر على الاعتكاف، كما تقدم.
فإن اشترط في ابتداء اعتكافه الخروج لأمر عارض، مثل: عيادة المريض، أو شهود الجنازة، أو حضور مجلس علم، أو نحو ذلك، فللعلماء في ذلك قولان:
الأول: جواز الاشتراط. وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وبه قال جماعة من السلف (٢).
واستدلوا بحديث ضباعة بنت الزبير ﵂ في موضوع الاشتراط في الحج، فقد قال لها النبي ﷺ : «حُجِّي وَاشْتَرِطِي» (٣).
ووجه الدلالة: أنه إذا كان الشرط يؤثر في الإحرام، وهو ألزم العبادات بالشروع فيه، فالاعتكاف من باب أولى.
والقول الثاني: أنه لا يجوز الاشتراط. وهذا مذهب المالكية، وقد نص على ذلك الإمام مالك فقال: (لم أسمع أحداً من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطاً، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام
стр. 2040
والحج وما أشبه ذلك من الأعمال، ما كان من ذلك فريضة أو نافلة، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل بما مضى من السنة، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون، لا من شرط يشترطه ولا يبتدعه) (١).
وهذا قول قوي - في نظري ـ؛ لأن الاعتكاف عبادة، والعبادات توقيفية، والمرجع في أحكام الاعتكاف إلى هدي النبي ﷺ ، فقد اعتكف مرات عديدة ولم ينقل عنه ﷺ أنه اشترط، وقد كان يخرج لحاجته، ولم يرد أنه كان يشترط في ذلك، ثم إن الخروج الزائد على حاجة الإنسان التي لا بدّ منها بناءً على الشرط، ينافي الاعتكاف لغة وشرعاً، والله أعلم.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المعتكف ممنوع من مباشرة النساء، وقد دل على ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: لا تلامسوهن بجماع أو تقبيل، أو نحو ذلك من الملامسة؛ لأن المعتكف منقطع لعبادة الله تعالى في بيت من بيوته، ومثل هذه المباشرة تحول بينه وبين المقصود من ذلك الانقطاع. وقال ابن عباس ﵄: (إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف) (٢)، ومعنى (استأنف): بدأ اعتكافه من جديد.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يشترط في الاعتكاف أن يكون في (مسجد جامع) أي: تصلى فيه الجماعة، وليس المراد أن تصلى فيه الجمعة. أما كون الاعتكاف لا بدّ أن يكون في مسجد، فهذا شرط مجمع عليه، فلا يصح الاعتكاف الشرعي إلا فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال القرطبي: (أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد) (٣)، وكذا حكى غيره الإجماع.
стр. 2041
وأما كونه تقام فيه صلاة الجماعة، فلأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيراً مع إمكان التحرز منه، وهذا ينافي الاعتكاف الذي هو لزوم المُعْتَكَفِ، والإقامة على طاعة الله فيه.
لكن هل يلزم أن يكون المسجد تقام فيه صلاة الجمعة؟ قولان:
الأول: أنه يلزم أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة إن تخلل اعتكافه جمعة، وهذا قول المالكية، وكذا الشافعية إن كان اعتكافه نذراً متتابعاً، وهو ظاهر اختيار الصنعاني (١).
والقول الثاني: أنه لا يلزم أن تقام فيه الجمعة؛ بل له أن يخرج لصلاة الجمعة، ولا يؤثر ذلك على اعتكافه، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وبه قال ابن حزم (٢)، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وهذا نص عام في كل مسجد، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ … ﴾ [الجمعة: ٩]، وهذا يدل على أن الجمعة مستثناة من عدم البطلان بالخروج.
وهذا هو الراجح - إن شاء الله - لقوة دليله، لكن هل له التبكير إلى الجمعة؟ قولان:
الأول: أن له التبكير فيخرج إلى الجمعة في الوقت الذي كان يخرج فيه، وهذا قول أبي الخطاب وابن عقيل (٣)، لعموم الأحاديث الدالة على فضل التبكير إلى الجمعة، وهي تشمل المعتكف وغيره؛ ولأن هذا خروج جائز ومأذون فيه فجاز تعجيله؛ كالخروج لحاجة الإنسان، ولأنه قد انتقل من مكان عبادة إلى مكان عبادة، واللبث حاصل في مسجد اعتكافه أو في هذا المسجد الذي انتقل إليه.
стр. 2042
الثاني: أنه لا يبكر بل يخرج متأخراً، لئلا يطول زمن خروجه عن معتكفه، وقد رخص له للحاجة وهي حضور الجمعة، وهذا يتم إذا حضرها وصلى مع الناس، وهو مشغول بعبادة قد شرع فيها، فصارت أولى، وهذا قول الحنفية (١)، والأول أظهر، لقوة مأخذه، والله تعالى أعلم.
стр. 2043
هل الصوم شرط في الاعتكاف ؟
٧٠٣/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضاً.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٩)، والبيهقي (٤/ ٣١٩)، والحاكم (١/ ٤٣٩) كلهم من طريق عبد الله بن محمد الرملي، ثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل عمِّ مالك بن أنس، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعاً.
وهذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه، قال الدارقطني: (رفعه هذا الشيخ، وغيره لا يرفعه) ويعني بالشيخ: عبد الله بن محمد الرملي. وقال البيهقي: (هذا هو الصحيح، موقوف، ورفعه وَهْمٌ). وعبد الله الرملي، ترجم له ابن أبي حاتم وذكر أنه روى عنه الوليد بن محمد الموقري، وروى عنه موسى بن سهل الرملي (١)، وقال عنه ابن القطان: (لا أعرفه)، وذكر أن المسمى بذلك أكثر من واحد، والحال في الجميع مجهولة (٢).
وقد أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٠/ ٣٥٠)، من طريق عبد الملك بن أبي الحواري، والبيهقي (٤/ ٣١٩) من طريق أبي بكر الحميدي، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل، عن طاوس، عن ابن عباس موقوفاً، وهذا مما يرجح ما قاله الدارقطني والبيهقي، كما تقدم.
стр. 2044
الوجه الثاني: استدل بهذا الأثر من قال: إن الصوم ليس شرطاً في الاعتكاف، فيصح بلا صوم، وهذا قول بعض المالكية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وهو قول ابن حزم (١).
والقول الثاني: أن الصوم شرط للاعتكاف مطلقاً، سواء أكان اعتكافاً واجباً أم تطوعاً، وهذا مذهب المالكية، وبه قال بعض الشافعية، ورواية عن أحمد (٢)، ورجح هذا القول ابن القيم، وقال: (إنه الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية) (٣)، وعند الحنفية أنه شرط في الاعتكاف الواجب دون التطوع (٤).
واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا صائماً، إلا ما كان قضاءً، كما استدلوا بقول عائشة ﵂ المتقدم ـ: «ولا اعتكاف إلا بصوم»، والصحابي إذا أطلق السنة انصرف إلى سنة النبي ﷺ .
والراجح القول الأول، وهو أن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف؛ لأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال قضاءً - كما ثبت في حديث عائشة ﵂ ومن العشر الأول يوم العيد، ولا يمنع من اعتكافه اشتغاله بالصلاة والخطبة، فيعتكف بقية اليوم.
ولأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم يكن الصوم شرطاً فيه كالحج والجهاد، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه اشترط الصوم للاعتكاف.
فإن قيل: ما الفائدة من قولنا: يصح بلا صوم، وقد تقدم أن أفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؟
فالجواب: تظهر الفائدة فيما لو كان الإنسان مريضاً يباح له الفطر، ولكن أحب أن يعتكف فلا بأس، ولو كان اعتكافه بلا صوم، والله تعالى أعلم.
стр. 2045
الزمن الذي تُلتمس فيه ليلة القدر
٧٠٤/ ٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُروا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي المَنَامِ، فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «فضل ليلة القدر»، باب «التماس ليلة القدر في السبع الأواخر» (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به مرفوعاً.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أُروا) بضم الهمزة، أي: أراهم الله تعالى، فالواو نائب فاعل.
قوله: (ليلة القدر) أي: ليلة الشرف والتقدير؛ لأن القدر: بسكون الدال؛ إما من الشرف والمقام، كما يقال: فلان عظيم القدر، فتكون إضافة الليلة إليه من باب إضافة الشيء إلى صفته، أي: الليلة الشريفة. وإما من التقدير والتدبير، فتكون إضافتها إليه من باب إضافة الظرف إلى ما يحويه، أي: الليلة التي يكون فيها تقدير ما يجري في تلك السنة، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قال قتادة: (يفرق فيها أمر السنة) (١)، ولا مانع من اعتبار المعنيين.
стр. 2046
قوله: (في المنام) أي: وقت النوم، وتسمى الإراءة حينئذٍ: رؤيا، والمراد: أنه قيل لهم: إن ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان.
قوله: (السبع الأواخر) أي: البواقي، وهي من ثلاث وعشرين إن كان الشهر ناقصاً ومن أربع وعشرين إن كان الشهر تامًّا.
قوله: (أرى) إما بضم الهمزة، معناها: أظن، وإما بفتحها، ومعناها: أعلم، والمراد: أبصر مجازاً.
قوله: (تواطأت) أي: توافقت، وزناً ومعنى.
قوله: (فمن كان متحريها) التحري: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول؛ أي: فمن كان طالباً مصادفتها بالعمل الصالح والقيام فيها.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الله تعالى قد يكرم بعض المؤمنين فيريه في منامه ما ينفعه وغيره.
الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز العمل بالرؤيا الصالحة إذا دلّت القرينة على صدقها ولم تخالف الشرع. ومن القرينة أن تتفق الرُّؤى على شيء، فهذا مما يدل على صدقها، وقد قال النبي ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ … » (١).
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن ليلة القدر في رمضان، وأن من حرص عليها فإنه يتحراها في السبع الأواخر منه.
وقد ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (٢).
وهذا يدل على أن المطلوب تحريها في جميع العشر، ولا منافاة بينه
стр. 2047
وبين حديث الباب الدال على أن المطلوب تحريها في السبع الأواخر، ويجمع بينهما بما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي» (١)، ووجه الجمع أن جميع ليالي العشر محل لتحري ليلة القدر، لكن أرجاها السبع البواقي.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه ينبغي للمؤمن أن يتحرى ليلة القدر في جميع ليالي العشر؛ لأن جميع ليالي العشر قد تكون أوتاراً باعتبار نقصان الشهر أو تمامه.
فالوتر باعتبار ما مضى من الشهر ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين.
وقد يكون باعتبار ما بقي، كما قال النبي ﷺ : «لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى» (٢)، فإذا كان الشهر ثلاثين فتاسعة تبقى ليلة اثنين وعشرين، وسابعة تبقى ليلة أربع وعشرين، وخامسة تبقى ليلة ست، وثالثة تبقى ليلة ثمان (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 2048
تحديد ليلة القدر بليلة سبع وعشرين
٧٠٥/ ٩ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْيينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلاً، أَوْرَدْتُهَا فِي «فَتْحِ الْبَارِي».
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود في باب «تفريع أبواب شهر رمضان»، باب «من قال: سبع وعشرين» (١٣٨٦) من طريق معاذ بن معاذ العنبري، أخبرنا شعبة، قتادة، أنه سمع مطرِّفاً، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، به.
وهذا الحديث جاء مرفوعاً - كما هنا - رفعه معاذ بن معاذ العنبري، وقد انفرد بهذا الحديث أبو داود عن بقية أصحاب الكتب الستة. ورواه مرفوعاً - أيضاً - الطحاوي (٣/ ٩٣)، وابن حبان (٨/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٣٤٩) (٨١٣)، والبيهقي (٤/ ٣١٢) كلهم من طريق معاذ بن معاذ، به.
وجاء موقوفاً على معاوية ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٦) عن عفان، عن شعبة، به موقوفاً.
وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢/ ٣١١) عن شعبة، به موقوفاً، ومن طريقه أخرجه البيهقي.
وهذا هو المحفوظ. قال الدارقطني في «العلل» (٧/ ٦٥): (ولا يصح عن شعبة مرفوعاً)، ولما ذكره ابن رجب مرفوعاً، قال: (وله علة، وهي وقفه
стр. 2049
على معاوية، وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني) (١).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين؛ لأنه سيق مساق الجزم والحتم، وهذا قاله معاوية ﵁ حسب اجتهاده. وقد ورد عن أُبي بن كعب ﵁ أنه قال: (والله إني لأعلم أيُّ ليلة هي؟ هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) (٢).
وقد اختلف في تعيين هذه الليلة، فذكر الحافظ ستة وأربعين قولاً، وأكثرها أقوال لا دليل عليها، ويمكن جعلها ثلاثة أقسام:
١ - أقوال باطلة؛ كالقول بأنها رفعت أصلاً، أو القول بأنها في كل السنة، أو القول بأنها ليلة النصف من شعبان.
٢ - أقوال ضعيفة؛ كالقول بأنها في أول رمضان، أو ليلة النصف من رمضان.
٣ - أقوال راجحة وهي الأقوال المتعلقة بكونها في العشر الأواخر من رمضان.
وأظهر الأقوال أنها في العشر الأواخر، وأوتارها آكد، وليلة سبع وعشرين آكد من غيرها، وكان أُبي بن كعب ﵁ يحلف أنها ليلة سبع وعشرين، كما تقدم.
وذهب أبو قلابة وطائفة إلى أنها تنتقل في ليالي العشر، وروى عبد الرزاق بسنده عن أبي قلابة أنها تنتقل في وتر (٣)، وقد نسب النووي هذا إلى المحققين، وقال: «هذا أظهر، وفيه جمع بين الأحاديث المختلفة» (٤).
والحكمة في إخفاء هذه الليلة: أن يجتهد الناس في طلبها رجاءَ إصابتها، ويتبين بذلك من كان جادًّا في طلبها، حريصاً على إحيائها، ممن
стр. 2050
كان كسلان متهاوناً لا يقيم لها وزناً، ولو تيقنَّا أيُّ ليلة هي، لتراخت العزائم واكتفي بإحياء تلك الليلة، فكان إخفاؤها مستدعياً قيام كل الشهر، والاجتهاد في العشر الأواخر منه ليكثر الثواب وتعظم الأجور.
وقد ورد في سياق حديث أُبي بن كعب - المتقدم - أن من علامة ليلة القدر أن تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها (١).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الله تعالى قد يكشفها لبعض الناس في المنام أو اليقظة، فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، ونحو ذلك (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2051
بم يدعو من وافق ليلة القدر ؟
٧٠٦/ ١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ، تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩/ ٣٢٢) في كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب «ما يقول إذا وافق ليلة القدر»، والترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، وأحمد (٤٢/ ٣١٧)، والحاكم (١/ ٥٣٠) كلهم من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة ﵂، به.
وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
وتابع عبدَ الله بن بريدة أخوه سليمان بن بريدة، من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان، عن عائشة، به، أخرجه النسائي (٩/ ٣٢٤)، وأحمد (٤٣/ ٢٧٧)، والطبراني في «الدعاء» (٩١٦) والحاكم (١/ ٥٣٠) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.
وفيما قاله نظر؛ فإن سليمان بن بريدة ليس من رجال البخاري، وإنما هو من رجال مسلم، فالحديث صحيح على شرط مسلم، وعبد الله بن بريدة وأخوه سليمان ثقتان، إلا أن عبد الله أوثق من سليمان، كما مضى في «الجنائز» (١).
стр. 2052
لكن أُعل هذا الحديث بالانقطاع بين عبد الله بن بريدة وعائشة ﵂، وقد أبان النسائي عن ذلك، وذكر الدارقطني في «السنن» (٣/ ٢٣٣) وكذا البيهقي (٧/ ١١٨) أن ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئاً، ثم إن الحديث قد اختلف فيمن رواه عن عائشة ﵂، فقد جاء من رواية مسروق عن عائشة موقوفاً، رواه النسائي (٩/ ٣٢٤)، ومن رواية شريح بن هانئ عنها موقوفاًـ أيضاً - رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٦).
الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على فضل الدعاء في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، وأنه يستحب لمن وفقه الله أن يكثر من الدعاء، ويدعو بما أرشد إليه النبي ﷺ أم المؤمنين عائشة ﵂؛ لأنه دعاء عظيم جامع، فيه إظهار الذل والانكسار بين يدي الله تعالى؛ وأن العبد محل للذنوب؛ ولأن نِعم الله عليه لا تحصى، وهو محل للتقصير، فهو لا يسأل إلا العفو، مهما كان اجتهاده وعمله الصالح. وهذه عائشة ﵂ قد شهد لها النبي ﷺ بالجنة ومع هذا علَّمها النبي ﷺ بأن تدعو ربها أن يعفو عنها، فغيرها من باب أولى.
يقول البيهقي ﵀: (مسألة العفو من الله مستحبة في جميع الأوقات، وخاصة في هذه الليلة) (١).
وقال ابن رجب ﵀: (وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحاً، ولا حالاً ولا مقالاً، فيرجعون إلى سؤال العفو؛ كحال المذنب المقصّر) (٢).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الدعاء في ليلة القدر كان أمراً معروفاً ومشهوراً عند الصحابة ﵃، فهذه عائشة أم المؤمنين ﵂ قد حرصت على أفضل الدعاء وأكمله في هذه الليلة العظيمة؛ لأنها تعلم أن الدعاء فيها مستجاب، والنداء مسموع، وهذا دليل على حرصها وفقهها.
стр. 2053
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يستحب للداعي إذا دعا أن يتوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته تناسب دعاءه؛ كأن يقول: يا رحمن أرحمني، يا غفور اغفر لي، ونحو ذلك.
الوجه الخامس: في الحديث إثبات صفة العفو لله تعالى، ومعناها: الصفح عن الذنوب. والعفو: اسم لله تعالى، وكذا إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، والله تعالى أعلم.
стр. 2054
جواز شد الرحال لأحد المساجد الثلاثة لقصد الاعتكاف
٧٠٧/ ١١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة»، باب «مسجد بيت المقدس» (١١٩٧)، ومسلم (٨٢٧)(٤١٥) من طريق عبد الملك بن عمير، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد ﵁، قال: سمعت منه حديثاً فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: أفأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟ قال: سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةَ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى»، وسمعته يقول: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ زَوْجُهَا» هذا لفظ مسلم، والحديث له ألفاظ أخرى.
وهذا الحديث رواه عدد من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وحديثه في «الصحيحين»، ومنهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعلي، وأبو أمامة، وبصرة بن أبي بصرة الغفاري، وأبو الجعد الضمري (١) ﵃.
стр. 2055
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هو حديث مستفيض، متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم على صحته، وتلقيه بالقبول والتصديق) (١).
وهذا الحديث من الأحاديث القليلة التي كررها الحافظ في «البلوغ»، فقد أعاده مرة أخرى ضمن أحاديث النذور، ولعله ذكره في الاعتكاف لبيان أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة مشروع لمن أراده، ولو لزم من ذلك شدُّ الرحال، لأن الرحال تشدُّ إليها، والله أعلم.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا تُشدُّ) بضم الدال على أن (لا) نافية، وهذا لفظ البخاري، وعند مسلم بلفظ النهي - كما تقدم ـ، والنفي أبلغ من النهي، ونكتة العدول عنه إلى النفي حمل السامع على الترك.
قوله: (الرحال) جمع رحل، وهو سرج البعير الذي يركب عليه؛ لأن من أراد سفراً شدَّ رحله ليركبه ويسير، فكنَّى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازِمَهُ، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق في المعنى المذكور بين ركوب الرواحل أو الخيل أو السيارة، وغير ذلك. ويدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيليَاءَ» (٢).
قوله: (إلا إلى ثلاثة مساجد) هذا استثناء مفرغ؛ لأن المستثنى منه محذوف؛ أي: لا تشد الرحال إلى مسجد أو إلى موضع، إلا إلى ثلاثة مساجد، والثاني أعم.
قوله: (المسجد الحرام) بالجر على البدلية، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي المسجد الحرام … والحرام بمعنى: المحرم؛ كالكتاب بمعنى المكتوب.
قوله: (ومسجدي هذا) اسم الإشارة للتعظيم، أو لإفادة أن الأحكام متعلقة بالمسجد النبوي دون غيره من مساجد المدينة، فتكون للتوكيد.
стр. 2056
قوله: (والمسجد الأقصى) أي: بيت المقدس، سمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، واقتصر عليه النووي (١)، أو لأنه لم يكن وراءه مسجد، وهذا ذكره الزمخشري (٢).
الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم السفر لأي بقعة تقصد لذاتها بقصد التعبد فيها لاعتقاد فضلها، إلا هذه المساجد الثلاثة، وإنما خصت بذلك لما لها من الخصائص التي ليست لغيرها، ومن ذلك مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة، وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة، على أن حديث التضعيف في بيت المقدس ضعيف (٣).
ومنها: أن هذه المساجد الثلاثة بناها أنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومنها: أن المكي قبلة الناس، والمدني أُسِّسَ على التقوى، والأقصى قبلة الأنبياء السابقين، وفي المكي عبادة لا توجد في مكان آخر، وهي الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة (٤).
أما السفر للتجارة، وطلب العلم، وزيارة القريب أو الأخ في الله، فهذا جائز، ولا يدخل في هذا النهي باتفاق العلماء؛ لأمرين:
الأول: أن المسافر في هذه الحالات وما شابهها لم يقصد المكان لذاته بل المراد ذلك المطلوب حيثما كان، ولو كان في غير هذا المكان لذهب إليه.
الثاني: أنه ورد أدلة تدل على جواز ذلك، فهي مخصصة لعموم هذا الحديث؛ كقوله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ﴾ [المزمل: ٢٠] وكحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى … الحديث (٥).
стр. 2057
الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم السفر لمسجد أو بقعة غير المساجد الثلاثة … ويدخل في ذلك شد الرحال للمواضع الفاضلة أو لزيارة القبور، فهذا محرم، كما قال المحققون من أهل العلم، ومنهم: أبو محمد الجويني، والقاضي عياض، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأبناؤه وأحفاده وتلاميذهم، رحم الله الجميع.
وأما قول من قال: إن ذلك لا يحرم؛ وأن المراد بالحديث أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال لهذه المساجد الثلاثة، وأما غيرها فهو جائز وإن كان دونها في الفضيلة فهذا قول باطل، يدل على بطلانه ما يلي:
١ - أن الحديث جاء بلفظ النفي وبلفظ النهي، وجاء بصيغة الحصر، وجاء بلفظ: «لا ينبغي».
٢ - أنه يلزم على هذا القول جواز شد الرحال للقبور، وهذا يفضي إلى الغلو فيها وعبادتها، وعدم الاكتفاء بالزيارة الشرعية؛ إذ إن الرحال لا تشد للزيارة الشرعية؛ وإنما يفعل ذلك ضعاف الإيمان للدعاء عندها، أو دعاء أهلها، أو التمسح بها، أما الزيارة الشرعية فلا تحتاج - بحمد الله - إلى شد رحل.
٣ - أن أبا هريرة ﵁ لما خرج إلى الطور أنكر عليه بصرة بن أبي بصرة الغفاري ﵁؛ فإنه قال له: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ … » الحديث (١).
٤ - أن الجاري على الأصول أن ما جاء بلفظ الحصر لا يخرج منه شيء إلا بنص صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2058
كتاب الحج
الحج لغة: بفتح الحاء وكسرها، لغتان مشهورتان، ومعناه: القصد، وقال الخليل: (كثرة القصد إلى من يُعظَّم) (١).
وشرعاً: قصد مكة والمشاعر؛ لأداء النسك في زمن مخصوص.
والعمرة لغة: الزيارة، يقال: أتانا فلان معتمراً، أي: زائراً (٢). وقيل: القصد. يقال: اعتمرت فلاناً، أي: قصدته (٣).
وشرعاً: زيارة البيت لأداء النسك.
ونسك العمرة: إحرام وطواف وسعي، ثم حلق أو تقصير، ونسك الحج: هو ذلك، مع ما يتعلق بالمشاعر من وقوف ومبيت ورمي.
والحج أحد أركان الإسلام، فُرض بعد فتح مكة في السنة التاسعة من الهجرة - على الراجح ـ (٤).
وقد فرض الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وعدَّه النبي ﷺ من أركان الإسلام، فقال: «بُني الإسلام على خمس … »، وذكر منها: «الحج» (٥).
والحكمة من فرضيته ما اشتمل عليه من المصالح العظيمة، والمنافع الجمَّة، الدينية والدنيوية، ففيه التعبُّد لله تعالى بأداء المناسك، وفيه بذل
стр. 2059
المال، وإتعاب البدن في طاعة الله تعالى، والتعوُّد على الكرم والبذل، وفيه اجتماع المسلمين، وتعارفهم وتعاونهم، وإرشاد بعضهم بعضاً.
وفي الحج يكتسب من يحترف التجارة ما يكتسب في تجارته، إلى غير ذلك من مصالح الدين والدنيا، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨].
стр. 2060
باب فضله، وبيان مَنْ فرض عليه فضل الحج والعمرة
٧٠٨/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في «أبواب العمرة»، باب «وجوب العمرة وفضلها» (١٧٧٣) ومسلم (١٣٤٩) من طريق سُمِّي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمَّان، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعاً.
الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الإكثار من العمرة، لما فيها من الفضل العظيم، وهو أنها تكفِّر الذنوب وتمحوها، لكن قيَّد الجمهور التكفير بالصغائر دون الكبائر، كما تقدَّم في «الصيام».
والأكثرون من أهل العلم على جواز تكرار العمرة في السنة مرتين أو أكثر، وحديث الباب يفيد ذلك، كما يقول ابن تيمية، فإن هذا الحديث مع إطلاقه وعمومه يقتضي الفرق بين العمرة والحج؛ إذ لو كانت العمرة لا تفعل في السنة إلا مرة لكانت كالحج، فكان يُقال: الحج إلى الحج، فلمَّا قال: «العمرة إلى العمرة» دلَّ على تكرارها، وأنها ليست كالحج.
ولأن العمرة ليس لها وقت يفوت به، كوقت الحج، فإذا كان وقتها مطلقاً في جميع العام لم تشبه الحج في أنها لا تكون إلا مرة (١).
стр. 2061
وقال الإمام مالك: يكره أن يعتمر في السنة مرتين (١)، وهو قول بعض السلف، كإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين.
واستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه لم يعتمروا في السنة إلا مرة واحدة.
وهذا لا حجة فيه؛ لأن النبي ﷺ رغَّب أمَّته في العمرة وبيَّن فضلها، وحثَّهم على الاستكثار منها، فثبت بذلك الاستحباب من غير تقييد، وفِعْله لا ينافي قوله، فإنه قد يترك الشيء وهو يستحب فعله، لرفع المشقة عن أمته، وقد يكون صلوات الله وسلامه عليه مشغولاً بأمور المسلمين الخاصة والعامة، مما قد يكون أفضل من العمرة باعتبار النفع المتعدي للآخرين.
ومما يدل على فضل الاستكثار من العمرة حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (٢).
الوجه الثالث: الحديث يدل على فضل الحج المبرور وأن جزاءه الجنة، والحج المبرور، قال عنه ابن عبد البر: (هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث، ولا فسوق، ويكون بمال حلال … ) (٣). فالحج المبرور له أوصاف خمسة:
الأول: أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى، لا رياء فيه ولا سمعة.
стр. 2062
الثاني: أن تكون النفقة من مال حلال، قال النبي ﷺ : «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيباً» (١).
الثالث: البُعد عن المعاصي والآثام، والبدع والمخالفات؛ لأن ذلك إذا كان يؤثر على أيَّ عمل صالح، وقد يكون سبباً في عدم قَبوله، ففي الحج أولى، لما ورد فيه من النصوص، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
الرابع: حُسن الخُلق ولين الجانب، والتواضع في مركبه ومنزله وتعامله مع الآخرين؛ بل وفي كل أحواله.
الخامس: تعظيم شعائر الله تعالى، فيتأكد في حق الحاج أن يعظم شعائر الله تعالى، ويستشعر فضل المشاعر وقيمتها، فيؤدي مناسكه على صفة التعظيم والإجلال والمحبة والخضوع لله رب العالمين، وعلامة ذلك: أن يؤدي شعائر الحج بسكينة ووقار، ويتأنى في أفعاله وأقواله، ويحذر من العجلة التي عليها كثير من الناس في هذا الزمان، ويُعَوِّد نفسه الصبر على طاعة الله تعالى، فإن هذا أقرب إلى القبول وأعظم للأجر.
ومن تعظيم شعائر الله تعالى أن يشغل هذا المشاعر العظيمة بالذكر والتكبير والتسبيح والتحميد والاستغفار، لأنه في عبادة، وفي مشاعر مفضلة.
وقد حث الله تعالى عباده على تعظيم شعائره وإجلالها، وحفظ حرماته وصيانتها، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
والمراد بحرمات الله: كل ما له حرمة، وأُمِرَ باحترامه، من عبادة أو غيرها، ومن ذلك المناسك كلها، والحرم، والإحرام.
стр. 2063
وشعائر الله: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
وقد جعل الله تعالى تعظيم شعائره ركناً من أركان التقوى وشرطاً للعبودية، وجعل تعظيم حرماته سبيلاً لنيلِ العبدِ ثوابَ الله تعالى وجزيلَ عطائه.
ومن تأمل في حجة النبي ﷺ ونظر فيها نظر المستفيد المتأسي لاح له تعظيم شعائر الله بأبرز صوره، وأوضح معانيه، في جميع أقواله وأفعاله صلوات الله وسلامه عليه (١).
стр. 2064
حكم العمرة
٧٠٩/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمرَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وأصله في «الصحيح».
٧١٠/ ٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْعُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ.
٧١١/ ٤ - وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعاً: «الحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ».
الكلام عليها من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أحمد (٤٢/ ١٩٨)، وابن ماجه (٢٩٠١) من طريق محمد بن فضيل، قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة ابنة طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، به.
وإسناده صحيح - كما قال الحافظ - ورجاله ثقات رجال الصحيحين. وقول الحافظ: (إن اللفظ لابن ماجه) لا فائدة فيه، فقد أخرجه أحمد في الموضع المذكور بنفس اللفظ. والحديث أصله في صحيح البخاري (١٥٢٠) من طريق خالد الواسطي، أخبرنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل
стр. 2065
العمل أفلا نجاهد؟ قال: «لا، ولكُنَّ (١) أفضلُ الجهاد: حجٌّ مبرور»، وفي رواية أخرى (١٨٦١): «لكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله: الحج، حج مبرور».
لكن لفظ الصحيح ليس فيه ذكر العمرة، وقد أخرج البخاري الحديث من رواية غير واحد عن حبيب بدونها، والظاهر أنه تفرد بها محمد بن فضيل، وخالفه عدد من الثقات، ومحمد بن فضيل قال عنه في «التقريب»: (صدوق، عارف، رمي بالتشيع)، ولعل هذا هو الذي دعا الحافظ إلى إيراد لفظ أحمد وابن ماجه، والإشارة إلى أن أصله في الصحيح، ليستفاد منه حكم العمرة.
وأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه أحمد (٢٢/ ٢٩٠)، والترمذي (٩٣١) من طرق عن الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، مرفوعاً.
وهذا إسناد ضعيف، فيه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، مدلس، وقد عنعنه، ومدار الحديث عليه، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح!)، مع أن الترمذي رواه من طريق الحجاج. قال الدارقطني: «لا يحتج به»، وقال ابن حزم: (الحجاج بن أرطاة ساقط، لا يحتج به) (٢)، ولما ساقه البيهقي بهذا الإسناد موقوفاً، قال: (هذا هو المحفوظ عن جابر، موقوف غير مرفوع) (٣)، وقال الحافظ ابن حجر: (والصحيح عن جابر من قوله … ) (٤)، والموقوف ضعيف - أيضاً - لأنه من طريق ابن جريج والحجاج، عن محمد بن المنكدر، به (٥).
وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٤٣) من طريق أبي عصمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وهذا سند ضعيف جدّاً، فإن هذا الحديث يعرف بحجاج بن أرطاة - كما تقدم - عن محمد بن المنكدر، وأبو عصمة
стр. 2066
ـ وهو نوح بن أبي مريم - رواه عن ابن المنكدر، فلعله سرقه منه، كما قال ابن عدي، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع).
وأما الحديث الثالث: فقد أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٥٠) من طريق ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر ﵁، به مرفوعاً، بلفظ: «الحج والعمرة فريضتان واجبتان».
وهذا إسناد ضعيف، فيه ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ، قال ابن عدي بعد أن ذكر أحاديث بهذا الإسناد: (هذه الأحاديث عن ابن لهيعة، عن عطاء غير محفوظة).
الوجه الثاني: استدل بحديث عائشة ﵂ من قال بوجوب العمرة، وهو مروي عن عمر وابن عباس وابن عمر وجابر ﵃، وجماعة من التابعين؛ لأن قوله: (عليهن) تفيد الوجوب؛ لأن (على) تفيد الإلزام والإيجاب - كما في الأصول - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧].
وهذا القول هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، والصحيح من مذهب الشافعي، وهو اختيار البخاري، حيث ترجم في «صحيحه» (١) بلفظ الوجوب، كما تقدم في الحديث الأول.
وقال مالك وأبو حنيفة: إن العمرة سُنَّة وليست بواجبة، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، ورجَّح هذا القول الشوكاني (٣).
واستدلوا بحديث جابر ﵁: أواجبة هي؟ فقال: «لا، وأن تعتمر خير لك».
стр. 2067
كما استدلوا بحديث ابن عمر ﵄: «بني الإسلام على خمس … » وذكر منها «الحج»، ولم يذكر العمرة.
والذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يوجد دليل صريح صحيح في إيجاب العمرة، ولفظة: (عليهن) ليست صريحة في الوجوب، فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة، ومع الاحتمال لا بد من طلب الدليل بأمر خارج، وقد وجد ما يدل على وجوب الحج، ولم يوجد ما يدل على وجوب العمرة (١)، إلا ما ثبت عن بعض الصحابة ﵃، كما تقدم.
وسبيل الاحتياط ألا يدع الإنسان العمرة مع القدرة عليها، لا فرق في ذلك بين مكي وغيره، لا سيما وأن القائلين بوجوب العمرة يرون صحة عمرة المتمتع، وأنها مجزئة عن العمرة الواجبة؛ بل قال ابن قدامة: (لا نعلم في إجزاء عمرة المتمتع عن العمرة الواجبة خلافاً) (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2068
من شروط وجوب الحج
٧١٢/ ٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلةُ»، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ.
٧١٣/ ٦ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضاً، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
الكلام عليهما من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٦)، والحاكم (١/ ٤٤٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁، به.
وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.
لكن أعله الدارقطني في «العلل» (١٥/ ١٦٤) فقال: «والمحفوظ عن الحسن مرسلاً، عن النبي ﷺ » وقال ابن عبد الهادي: (الصواب عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلاً، وأما رفعه عن أنس فهو وهم) (١).
ولما رواه البيهقي (٤/ ٣٣٠) مرسلاً، قال: (هذا هو المحفوظ). وقد نقل الحافظ عن الدارقطني أنه قال: (مراسيل الحسن فيها ضعف) (٢). ونقل السيوطي عن الإمام أحمد أنه قال: (مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما يأخذان عن كل واحد) (٣).
стр. 2069
وأما حديث ابن عمر ﵂، فقد أخرجه الترمذي (٨١٣) من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة»، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن).
وقد انتقد العلماء تحسين الترمذي، وبيَّنوا أنه لا وجه له؛ لأنه من رواية إبراهيم الخوزي، وهو متروك، لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد. قال ابن حزم: (إبراهيم بن يزيد ساقط مطرح) (١)، وعلى هذا فلا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء.
الوجه الثاني: دلَّ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] على أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وهذا - والله أعلم ـ؛ لأن الحج عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكان ذلك شرطاً فيها كالجهاد. وقد اختلف العلماء في تفسير الاستطاعة، فذهب الجمهور من أهل العلم، وهم الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الاستطاعة هي ملك الزاد والراحلة، وبه قال جماعة من السلف (٢)، مستدلين بالأحاديث الواردة في هذا الباب، التي جاء فيها تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة. قالوا: وهذه الأحاديث وإن كان فيها المقال المتقدم، إلا أنها باجتماعها تقوى، ويشد بعضها بعضاً، فتصلح للاحتجاج بها على أن مناط الوجوب: وجود الزاد والراحلة. وقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها (٣)، وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ في تفسير السبيل أنه قال: (أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به) (٤).
стр. 2070
وذهب الإمام مالك إلى أن الاستطاعة على قدر طاقة الناس، فقد يجد المرء الزاد والراحلة، ولا يقدر على المسير، وقد يستطيع آخر المشي على رجلين ولو لم يكن له راحلة (١). وهذا قول ابن الزبير وعطاء، واختاره ابن جرير في تفسيره (٢).
وذلك أن الله تعالى لما ألزم الناس فَرْضَ الحج شرَطَ الاستطاعة، وهي لفظ عام ليس بمجمل، فلا يحتاج إلى بيان، فكل من استطاع بماله أو بدنه فهو داخل تحت هذا العموم.
وهذا القول هو الصحيح؛ لقوة مأخذه، فإن السبيل في لغة العرب: الطريق، فمن كان واجداً طريقاً إلى الحج لا مانع منه من مرض، أو عجز، أو عدو، أو ضعف عن المشي، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، فعليه فرض الحج، ومن لا فلا، والله تعالى أعلم.