← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

ـ وهو نوح بن أبي مريم - رواه عن ابن المنكدر، فلعله سرقه منه، كما قال ابن عدي، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع). وأما الحديث الثالث: فقد أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٥٠) من طريق ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر ﵁، به مرفوعاً، بلفظ: «الحج والعمرة فريضتان واجبتان». وهذا إسناد ضعيف، فيه ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ، قال ابن عدي بعد أن ذكر أحاديث بهذا الإسناد: (هذه الأحاديث عن ابن لهيعة، عن عطاء غير محفوظة). الوجه الثاني: استدل بحديث عائشة ﵂ من قال بوجوب العمرة، وهو مروي عن عمر وابن عباس وابن عمر وجابر ﵃، وجماعة من التابعين؛ لأن قوله: (عليهن) تفيد الوجوب؛ لأن (على) تفيد الإلزام والإيجاب - كما في الأصول - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وهذا القول هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، والصحيح من مذهب الشافعي، وهو اختيار البخاري، حيث ترجم في «صحيحه» (١) بلفظ الوجوب، كما تقدم في الحديث الأول. وقال مالك وأبو حنيفة: إن العمرة سُنَّة وليست بواجبة، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، ورجَّح هذا القول الشوكاني (٣). واستدلوا بحديث جابر ﵁: أواجبة هي؟ فقال: «لا، وأن تعتمر خير لك».

стр. 2067

كما استدلوا بحديث ابن عمر ﵄: «بني الإسلام على خمس … » وذكر منها «الحج»، ولم يذكر العمرة. والذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يوجد دليل صريح صحيح في إيجاب العمرة، ولفظة: (عليهن) ليست صريحة في الوجوب، فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة، ومع الاحتمال لا بد من طلب الدليل بأمر خارج، وقد وجد ما يدل على وجوب الحج، ولم يوجد ما يدل على وجوب العمرة (١)، إلا ما ثبت عن بعض الصحابة ﵃، كما تقدم. وسبيل الاحتياط ألا يدع الإنسان العمرة مع القدرة عليها، لا فرق في ذلك بين مكي وغيره، لا سيما وأن القائلين بوجوب العمرة يرون صحة عمرة المتمتع، وأنها مجزئة عن العمرة الواجبة؛ بل قال ابن قدامة: (لا نعلم في إجزاء عمرة المتمتع عن العمرة الواجبة خلافاً) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2068

من شروط وجوب الحج ٧١٢/ ٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلةُ»، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ. ٧١٣/ ٦ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضاً، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. الكلام عليهما من وجهين: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٦)، والحاكم (١/ ٤٤٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁، به. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. لكن أعله الدارقطني في «العلل» (١٥/ ١٦٤) فقال: «والمحفوظ عن الحسن مرسلاً، عن النبي ﷺ » وقال ابن عبد الهادي: (الصواب عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلاً، وأما رفعه عن أنس فهو وهم) (١). ولما رواه البيهقي (٤/ ٣٣٠) مرسلاً، قال: (هذا هو المحفوظ). وقد نقل الحافظ عن الدارقطني أنه قال: (مراسيل الحسن فيها ضعف) (٢). ونقل السيوطي عن الإمام أحمد أنه قال: (مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما يأخذان عن كل واحد) (٣).

стр. 2069

وأما حديث ابن عمر ﵂، فقد أخرجه الترمذي (٨١٣) من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة»، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن). وقد انتقد العلماء تحسين الترمذي، وبيَّنوا أنه لا وجه له؛ لأنه من رواية إبراهيم الخوزي، وهو متروك، لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد. قال ابن حزم: (إبراهيم بن يزيد ساقط مطرح) (١)، وعلى هذا فلا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء. الوجه الثاني: دلَّ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] على أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وهذا - والله أعلم ـ؛ لأن الحج عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكان ذلك شرطاً فيها كالجهاد. وقد اختلف العلماء في تفسير الاستطاعة، فذهب الجمهور من أهل العلم، وهم الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الاستطاعة هي ملك الزاد والراحلة، وبه قال جماعة من السلف (٢)، مستدلين بالأحاديث الواردة في هذا الباب، التي جاء فيها تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة. قالوا: وهذه الأحاديث وإن كان فيها المقال المتقدم، إلا أنها باجتماعها تقوى، ويشد بعضها بعضاً، فتصلح للاحتجاج بها على أن مناط الوجوب: وجود الزاد والراحلة. وقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها (٣)، وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ في تفسير السبيل أنه قال: (أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به) (٤).

стр. 2070

وذهب الإمام مالك إلى أن الاستطاعة على قدر طاقة الناس، فقد يجد المرء الزاد والراحلة، ولا يقدر على المسير، وقد يستطيع آخر المشي على رجلين ولو لم يكن له راحلة (١). وهذا قول ابن الزبير وعطاء، واختاره ابن جرير في تفسيره (٢). وذلك أن الله تعالى لما ألزم الناس فَرْضَ الحج شرَطَ الاستطاعة، وهي لفظ عام ليس بمجمل، فلا يحتاج إلى بيان، فكل من استطاع بماله أو بدنه فهو داخل تحت هذا العموم. وهذا القول هو الصحيح؛ لقوة مأخذه، فإن السبيل في لغة العرب: الطريق، فمن كان واجداً طريقاً إلى الحج لا مانع منه من مرض، أو عجز، أو عدو، أو ضعف عن المشي، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، فعليه فرض الحج، ومن لا فلا، والله تعالى أعلم.

стр. 2071

حكم حج الصبي ٧١٤/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْباً بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالوا: المسلِمونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً، فَقَالَت: أَلِهذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «صحة حج الصبي، وأجر من حج به» (١٣٣٦) من طريق سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن علقمة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ركباً) اسم جمع، لا مفرد له من لفظه، أو جمع مفرده راكب، كصحب وصاحب، والركب: ركاب الإبل خاصة، من عشرة فما دونها، وقد يكون لركاب الخيل. قوله: (بالروحاء) بفتح الراء، اسم بئر على الطريق الساحلي بين مكة والمدينة، وتبعد عن المدينة (٧٣) كيلاً على الطريق القديم، لكن خفَّ شأنها الآن بعد الطريق السريع. وقد ورد عند النسائي في إحدى رواياته: «صَدَرَ رسول الله ﷺ ، فلما كان بالروحاء لقي قوماً … » (١)، فهذا يدل - كما يقول ابن القيم - على أن

стр. 2072

هذا كان حين رجوعه من مكة إلى المدينة بعد الحج (١). قوله: (فقالوا: من أنت؟) يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً فلم يعرفوه، أو نهاراً لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك؛ لأنهم أسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا. قوله: (صبيّاً) الصبي: هو الولد الصغير، قال في القاموس: (الصبي: من لم يفطم بعد) (٢). ونقل السيوطي عن بعض علماء اللغة: أنه ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولد سمي صبيّاً ما دام رضيعاً، فإذا فُطم سمي غلاماً إلى سبع سنين … (٣). قوله: (ولك أجر) أي: بسبب حمله ومنعه مما يمتنع منه المحرم، وفِعْل ما يفعله المحرم من طواف وغيره. الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة حج الصبي، ولو كان دون التمييز، لقوله: (فرفعت إليه امرأة صبيّاً)، فإن ظاهر السياق أنه كان صغيراً؛ إذ لا ترفعه غالباً إلا وهو بتلك الحال، وقد ورد عند أبي داود: «ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي، فأخرجته من مِحَفَّتها» (٤). فإذا فعل عنه وليه ما يفعله الحاج صح حجه. وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن للصبي حجّاً، كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة فريضة عليه (٥). وقد ورد عن السائب بن يزيد قال: حُجَّ بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين (٦). لكن اختلف العلماء: هل تجزئه هذه الحجة عن حجة الإسلام؟ قولان: الأول: أنها لا تجزئ عن حجة الإسلام، وهذا قول الجمهور من أهل

стр. 2073

العلم؛ بل نقل ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على ذلك (١). القول الثاني: أن الصبي إذا حج قبل بلوغه أجزأته عن حجة الإسلام، حكى ذلك الطحاوي عن قوم، ووصفه القاضي عياض بالشذوذ (٢)، واحتجوا بهذا الحديث. والصحيح قول الجمهور، لما ورد عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» ورفعه فيه نظر. وقد جاء موقوفاً من كلام ابن عباس، ولفظه: (احفظوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس، أيما عبد … ) الحديث، وهذا له حكم الرفع، وسنده صحيح، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. وأما حديث الباب فليس فيه دليل على أن حج الصبي يجزئه عن حجة الإسلام؛ لأن الحديث دل على أن له حجّاً ليس إلا، ولم يتعرض لكونها تجزئه، كما أن له صلاة وليست بفريضة عليه، فالحديث رد على من زعم أنه لا حج للصبي، وليس بدليل على أنها تجزئه عن الفريضة (٣). الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الإنسان إذا طاف ومعه آخر يحمله كطفل مُحْرِمٍ، أنه يقع الطواف عن الحامل والمحمول، ولا يلزم الحامل أن يطوف لنفسه طوافاً مستقلاً، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر هذه المرأة بصحة حج الصبي، ولم يأمرها أن تطوف به طوافاً مستقلاً، مع أن المقام مقام بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا اختيار ابن سعدي، وقول ابن باز. وذهب بعض العلماء إلى أن الصبي إذا كان غير مميز فلا بد لوليه أن يطوف عن نفسه، ثم يطوف بالصبي، أو يسلمه إلى ثقة يطوف به؛ لأن الصبي لم يحصل منه نية ولا عمل، وإنما النية من حامله، ولا يصح عمل واحد

стр. 2074

بنيتين لشخصين وهذا اختيار ابن عثيمين (١)، والسعي يأخذ حكم الطواف في هذا الحكم. الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز استفتاء المرأة الرجلَ الأجنبيَّ، بشرط ألا تخضع بالقول؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. والخضوع بالقول: اللين فيه، بترخيم الصوت وتَكَسُّرِه، مما قد يثير شهوة الرجال. والقول المعروف: هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة، وذلك بأن يكون قولها جزلاً، وكلامها فصلاً، ليس فيه ما يحرك شهوة مَن في قلبه مرضُ شهوةِ الحرام، والله المستعان!.

стр. 2075

حكم الحج عن العاجز ببدنه ٧١٥/ ٨ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رسول الله ﷺ . فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَم»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «وجوب الحج وفضله» (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس ﵄. وأخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة» (١٨٥٤). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كان الفضل بن عباس) هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن عم النبي ﷺ ، غزا معه حُنيناً، وثبت معه فيمن ثبت، وشهد حجة الوداع، وحضر غَسل رسول الله ﷺ ، وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل: إنه خرج إلى الشام مجاهداً، ومات بها سنة ثماني عشرة، وقيل: مات في خلافة أبي بكر ﵄ (١).

стр. 2076

قوله: (رديف) الرديف: هو الراكب خلف الراكب، يقال: رَدِفْتُهُ - بالكسر ـ: إذا ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفك. قوله: (من خثعم) قبيلة قحطانية، تقع ديارها على طريق الطائف إلى أبها. قوله: (شيخاً كبيراً) شيخاً: حال، و (كبيراً) صفة، وجملة (لا يثبت) حال، أو صفة لشيخ. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن القادر على الحج بماله، العاجز عنه ببدنه ينيب من يحج عنه؛ لأن النبي ﷺ أقر المرأة على قولها: (إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يثبت على الراحلة)، فدل على أن الشيخ الكبير الطاعن في السن الذي لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أنه لا يلزمه أداء الحج بنفسه، وإنما ينيب من يحج عنه؛ لأن الحج واجب عليه. ومثل هذا من كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، ومعلوم أن الذي لا يمكنه الركوب نادر جدّاً في هذا الزمان، بسبب وجود السيارات والطائرات، لكن لو حصل له مشقة في ركوب هذه الوسائل كأن يصاب بإغماء أو غثيان أو نحو ذلك، فالظاهر أنه ملحق بمن نص عليه الحديث، فلا يلزمه المسير، وله أن ينيب غيره. وقد شرط الفقهاء أن يكون الحج عنه من بلده. وهذا فيه نظر ظاهر، فإن السفر إلى مكة ليس مقصوداً لذاته، ولو أن رجلاً جاء من الهند إلى مكة للتجارة، ثم بدا له أن يحج فهل يؤمر بالرجوع إلى الهند، ثم يأتي للحج من هناك؟ لا يقول بذلك أحد، فالظاهر أنه لو ناب عنه رجل من الميقات صح؛ بل لو حج عنه من مكة أجزأ؛ لأن الواجب على النائب إنما هو أعمال الحج، وما قبله وسيلة إليه. وأما ما استدلوا به من أنه كان يجب على المنوب عنه السعي من بلده إلى الحج وهذا مثله، فهذا استدلال ضعيف، كما قدمنا في المثال، ثم إن هذا مخالف للأدلة الشرعية، فإن النبي ﷺ أجاز النيابة في الحج ولم يشترط

стр. 2077

أن يكون من بلده، ولو كان شرطاً لَبَيَّنَه، والفرض في الحج هو الإحرام وما بعده من أفعال، وأما ما قبله فلا دليل على وجوبه (١). الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز حج المرأة عن الرجل ونيابتها عنه في أداء المناسك؛ لأن النبي ﷺ أقرَّ هذه المرأة على أن تحج عن أبيها، وشرط ذلك عند الجمهور أن تحج عن نفسها أولاً، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة لذلك، ولابن منده مصنَّف فيمن أردفهم النبي ﷺ ، وقد ذكر ابن علان أن الذين أردفهم النبي ﷺ يزيدون على الأربعين (٢). الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية الاستفتاء والسؤال عن أمور الدين حتى يسلك المسلم طريق الاستقامة، ويسلم من الخطأ في عبادته ومعاملاته، ومن الناس من يؤدي مناسك الحج وهو لا يعلمها، ولا يسأل أهل العلم عنها، فإذا رجع من حجه قال: فعلت كذا، وفعلت كذا، يسأل من يخلصه مما وقع فيه، وهذا من الخطأ البين، ومن عدم تعظيم شعائر الله تعالى. الوجه السابع: جواز استفتاء المرأة الرجل، وجواز سماع كلامها للحاجة إذا لم يخشَ بذلك فتنة، وتقدم ذلك قبل هذا الحديث. الوجه الثامن: وجوب العناية بالشباب وإبعادهم عن مواقع الفتنة حتى لا تزل بهم القدم، وأن يوجهوا إلى الخير بالقول والفعل؛ لأن النبي ﷺ صرف وجه الفضل عن النظر إلى هذه المرأة، فهذا من باب الإنكار بالفعل، ولذا قال العيني: إن من فوائد الحديث: (إزالة المنكر باليد) (٣). الوجه التاسع: الحديث دليل على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية التي ليست بذات محرم، ووجوب غض البصر، وليس في الحديث دليل على

стр. 2078

جواز النظر إلى الأجنبية؛ لأن النبي ﷺ لم يقر الفضل على ذلك؛ بل صرف وجهه إلى الشق الآخر. وأما الاستدلال به على عدم وجوب الحجاب، وأنه يجوز للمرأة كشف وجهها فليس بمستقيم لأمور ثلاثة: الأول: سلمنا أنها كانت كاشفة، وذلك لأنها محرمة، والمشروع في حقها ألا تغطي وجهها إذا لم يكن أحد ينظر إليها من الأجانب (١)، مع أن مسألة إحرام المرأة في وجهها فيها نظر، والواجب على المرأة ستر وجهها عن الأجانب، سواء أكانت محرمة أم غير محرمة. الثاني: أنه ليس في الحديث أنها كانت كاشفة عن وجهها، وإنما فيه النظر، وهو ممكن حتى مع الحجاب، بأن ينظر إلى هيكلها وقوامها وتقاطيع جسمها ونحو ذلك. الثالث: يحتمل أن النبي ﷺ أمرها بالحجاب ولم ينقل ذلك؛ لأن عدم نقل أمره لها لا يدل على عدم الأمر؛ إذ عدم النقل ليس نقلاً للعدم، فيبعد كل البعد أن يراها الرسول ﷺ سافرة ويقرها على ذلك ولا يأمرها بالحجاب، والله أعلم.

стр. 2079

حكم الحج عمن نذره ثم مات قبل أدائه ٧١٦/ ٩ - عن ابن عباس ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الحج والنذور عن الميت» (١٨٥٢) من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن امرأة من جهينة) بضم الجيم اسم قبيلة قضاعية قحطانية، منازلها حتى الآن على ساحل البحر الأحمر، وعاصمة قراها: أُملج. قوله: (نذرت) أي: أوجبت على نفسها أن تحج. قوله: (اقضوا الله) أي: اقضوا حق الله. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نذر أن يحج ثم مات قبل أن يفي بنذره فإنه يشرع لوليه أن يقضيه عنه، فإن كان خلف مالاً وجب قضاؤه من ماله ولو لم يوصِ به؛ لأنه دين على غني قادر فوجب الوفاء به، وإن لم يخلف مالاً فالجمهور على أنه يستحب لوليه قضاؤه، وقالت الظاهرية بالوجوب (١)

стр. 2080

أخذاً بظاهر الأمر في قوله: «حجي عنها»، وقول الجمهور أرجح لأمرين: الأول: أنه يلزم من عدم القضاء الإثم، لترك الواجب، وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. الثاني: أن الأمر إذا كان جواباً لسؤال لا يحمل على الوجوب؛ لأن ظاهر قولها: (أفأحج عنها؟) أي: أفيجزئ أن أحج عنها؟ (١). لكن لو قيل بوجوب ذلك على الولد من باب بر الوالدين لكان وجيهاً، فيكون الإيجاب خاصّاً بالولد دون غيره من الأولياء؛ لأن بر الوالدين واجب مطلقاً، سواء كان ذلك في حياتهما أم بعد مماتهما. الوجه الرابع: الحديث دليل على انعقاد النذر في العبادات، وهو إلزام المكلف نفسه شيئاً غير واجب بأصل الشرع، وأنه يجب الوفاء به إذا كان طاعة، لقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٢)، وقد أقر النبي ﷺ هذه المرأة على قضاء نذر أمها، وأنه ينفعها ذلك، ولو كان غير واجب، أو لا ينفعها لما أمرها ﷺ بالقضاء، وسيأتي الكلام على النذر وبيان حكمه في «بابه»، إن شاء الله. الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز القياس، وأنه أصل من أصول الشريعة؛ لأن فيه التنبيه على قياس دَيْن الله تعالى على دَيْن الخلق، وهذا يدل على أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلوماً عندهم مقرراً، ولهذا حَسُنَ جعله أصلاً يقاس عليه هذا الفرع، والله تعالى أعلم.

стр. 2081

ما جاء في أن حج الصغير والرقيق لا يجزئ عن الفريضة ٧١٧/ ١٠ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أن يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، وَالمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن خزيمة (٤/ ٣٤٩)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٥٣)، والحاكم (١/ ٦٥٥)، والبيهقي (٤/ ٣٢٥)، من طريق محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، به. قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن شعبة مرفوعاً إلا يزيد، تفرد به محمد بن المنهال»، وقال البيهقي: (تفرد برفعه محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، ورواه غيره عن شعبة موقوفاً، وكذا رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، موقوفاً، وهو الصواب). وقد رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، به، موقوفاً (١). وأبو معاوية - وهو محمد بن خازم الضرير - أوثق الناس في الأعمش. فوقفه أرجح؛ لأن سفيان مقدم على شعبة، وكذا أبو معاوية، لكن ورد

стр. 2082

هذا الخبر عند ابن أبي شيبة قال: أنبأنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ﵄ قال: احفظوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس … فذكره (١). وإسناده صحيح، وظاهر هذا - كما قال الحافظ ـ: (أنه أراد أنه مرفوع، فلذا نهاهم عن نسبته إليه) (٢). فهذا يؤيد رواية الرفع، وأبو معاوية من أثبت الناس في الأعمش، كما تقدم، ولا بد أن ينظر إن كان هناك اختلاف على أبي معاوية في اللفظ، فيرجح ما رواه الحفاظ عنه. الوجه الثاني: الحديث دليل على صحة حج الصبي الذي لم يبلغ، ولكن لا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، فإذا بلغ الحنث - وهو الوقت الذي يكلف فيه، ويكتب عليه إثم ذنبه - فعليه أن يؤدي فريضة الحج إذا كان مستطيعاً، وتقدم ذلك. لكن لو بلغ في أثناء الحج بالاحتلام - مثلاً - فإن كان قبل الإحرام، فلا خلاف بين العلماء في وقوع حجته هذه عن حجة الإسلام. وإن كان بعد إحرامه فإن كان قبل الوقوف بعرفة أجزأت حجته تلك عن حجة الإسلام على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لقوله ﷺ : «الحج عرفة» (٣)، وكذا لو بلغ ليلة مزدلفة وأمكنه الرجوع إلى عرفة فوقف بها بالغاً صحت فريضته على الراجح من أقوال أهل العلم، وإن كان بلوغه بعد فوات وقت الوقوف لم يجزئه عن الفريضة (٤). الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة حج الرقيق قبل عتقه، ولكن لا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، فإذا عتق فعليه أن يؤدي فريضة الحج إذا كان مستطيعاً، والله تعالى أعلم.

стр. 2083

حكم سفر المرأة بدون محرم ٧١٨/ ١١ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٌ، وَلَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «حج النساء» (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، به. الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية التي ليست من محارمه، ولو كانت امرأة الأخ أو امرأة العم أو امرأة الخال، فقد ورد في حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت» (١). ولمسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب قال: سمعت الليث يقول: الحمو: أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم، ونحوه.

стр. 2084

فالرسول ﷺ شبّه الحمو بالموت؛ لأن الخوف منه أكثر، والشر منه أقرب، لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبي. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا لا يبيتنَّ رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم» (١). وذِكْرُ الثيب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له؛ لأنه خص الثيب لكونها التي يُدخل إليها غالباً، وأما البكر فمصونة ممتنعة عن الرجال، فلم يحتج إلى ذكرها، ولأنه من باب التنبيه؛ لأنه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة فالبكر أولى. والمقصود أن الإسلام يحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية؛ لأن ذلك من أعظم ذرائع الفتنة، وأسباب الفساد، فإن النفوس ضعيفة، والدوافع قوية، والرجل إذا خلا بأجنبية وليس ثَمَّ مانع، فإن الشيطان له دور فعال في تزيين الجريمة وتحبيب الفاحشة، وقد قال رسول الله ﷺ : « … ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» (٢). الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم سفر المرأة مع غير ذي محرم ولو كان سفر عبادة كالحج، وهذا يدل على أنه لا يجب الحج على المرأة إلا إذا وجد لها محرم، فإن لم يوجد لم يجب عليها الحج؛ لأنها غير مستطيعة، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] قال الإمام أحمد: (المحرم من السبيل) (٣). والمحرم: هو زوجها، أو من تحرم عليه على الأبد بنسب كالابن وإن نزل، والأب وإن علا، والأخ مطلقاً، والعم مطلقاً، والخال مطلقاً، وابن الأخ، وابن الأخت، أو بسبب مباح وهو الرضاع، كابنها من الرضاع

стр. 2085

وأخيها من الرضاع، والمصاهرة؛ كزوج أمها، ولا يكون محرماً إلا بالدخول بالأم، وزوج ابنتها وإن نزل، وأبو زوجها وإن علا بمجرد العقد، وابن زوجها، ويكون مَحْرماً بمجرد العقد. ولا بد في المحرم أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأن الغرض منه حفظ المرأة، وهذا لا يتم إلا بالبلوغ والعقل. الوجه الرابع: حديث الباب جاء مطلقاً في قليل السفر وكثيره؛ لقوله: «ولا تسافر إلا مع ذي محرم»، وقد وردت أحاديث مقيدة لهذا الإطلاق، إلا أنها اختلفت ألفاظها، ففي لفظ: «ثلاثة أيام»، وفي لفظ: «مسيرة يوم وليلة»، وفي لفظ: «مسيرة يوم»، وفي لفظ: «مسيرة يومين»، وفي لفظ: «أكثر من ثلاث … ». والجواب ما ذكره المحققون من أهل العلم من أنه ليس المراد من التحديد ظاهره؛ بل كل ما يسمّى سفراً فالمرأة منهية عنه إلا بمحرم، سواء كان بالسيارة أو بالطائرة أو بغير ذلك، وسواء أكانت شابة أم عجوزاً، وسواء أكان برفقتها نساء أم لا، وسواء أكان السفر للحج أم لغيره. وإنما وقع التحديد عن أمر واقع، لاختلاف السائلين، فلا يعمل بمفهومه؛ بل يؤخذ باللفظ المطلق، لأمور ثلاثة: الأول: أن الأخذ به أحوط. الثاني: أن دلالة المقيد كيومين - مثلاً - على جواز ما لم يدخل تحته كيوم دلالة مفهوم، ودلالة المطلق عليه دلالة منطوق، ودلالة المنطوق أولى. الثالث: أن اختلاف التقييد في المقيد دليل على عدم اعتبار القيد. الوجه الخامس: اشتراط المحرم في سفر المرأة دليل واضح على كمال هذه الشريعة وحرصها على صون الأعراض، ومنع الفساد، والمرأة ضعيفة الدين، ناقصة العقل، لينة العاطفة، قريبة الانخداع، يسهل التأثير عليها واللعب بعقلها، وللمسافر نفسية تقتضيها حال السفر، فقد يوجد في السفر أناس لا يترفعون عن الفاحشة لا سيما مع عدم الرقيب، وضعف الإيمان، والمرأة مظنة الطمع، وقد تتعرض لما يفسد خلقها، ويمس عرضها، فمن ثَمَّ كانت في

стр. 2086

ضرورة إلى من يحميها ويصونها حال سفرها من أن يُتعدى عليها أو تفعل ما لا ينبغي، والقول باشتراط المحرم هو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وآخرين. والقول الثاني: أنه لا يشترط المحرم، وأن المرأة يجب عليها الحج إذا وجدت رفقة من النساء الثقات، وعليهن قيّم مأمون، وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه وجماعة من السلف، وروي عن الشافعي: تخرج مع ثقة حرة مسلمة، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به، وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول (١). واستدلوا بما رواه البخاري تعليقاً أن عمر ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ (٢). وروى الطحاوي وابن حزم بسنديهما عن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: كان يسافر مع عبد الله مولياتٌ له، ليس معهن محرم (٣). وسبب الخلاف: معارضة الأمر بالحج والسفر إليه، للنهي عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم (٤). والقول باشتراط المحرم هو الصواب؛ لقوة دليله، ولا سيما في زماننا هذا؛ لما تقدم، قال ابن المنذر: (ظاهر الحديث أولى، ولا يعلم مع هؤلاء حجة توجب ما قالوا) (٥). وأزواج النبي ﷺ لا يقاس عليهن غيرهن؛ لاعتبارات عديدة. الوجه السادس: الحديث دليل على أنه ينبغي تقديم الأهم من الأمور المتعارضة؛ لأنه لما تعارض سفر هذا الرجل في الغزو، مع الحج مع امرأته، رُجح الحج معها؛ لأن الغزو يقوم غيره في مقامه عنه، بخلاف الحج معها، والله تعالى أعلم.

стр. 2087

شرط النيابة في الحج ٧١٩/ ١٢ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الرجل يحج عن غيره» (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن حبان (٩/ ٢٩٩)، والبيهقي (٤/ ٣٣٦) من طريق عَبْدَةَ بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، به. قال البيهقي: (هذا إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه) ورواه البيهقي - أيضاً - (٥/ ١٧٩ - ١٨٠) من طريق عمرو بن الحارث، عن قتادة، عن سعيد، عن ابن عباس موقوفاً، بإسقاط عزرة (١). وقد أُعِلَّ هذا الحديث بالوقف على ابن عباس ﵄، فقد رجح وقفه الإمام أحمد والطحاوي وابن المنذر، كما نقل الحافظ ذلك عنهم (٢). وقد رواه - أيضاً - الحسن بن صالح بن حَيّ، ومحمد بن جعفر، عن

стр. 2088

سعيد بن أبي عروبة، عن ابن عباس موقوفاً، كما عند الدارقطني (٢/ ٢٧١)، كما جاء موقوفاً من طريق أبي قلابة، عن ابن عباس. أخرجه الشافعي (١/ ٢٨٦)، والبيهقي (٤/ ٣٣٧)، وسنده صحيح، وقد جاء الحديث موقوفاً في كتاب «المناسك» لابن أبي عروبة ص (٦٤) وهذا كله يقوي رواية الوقف. ورجح رواية الرفع: ابن حبان، والبيهقي، وعبد الحق، وابن القطان، والنووي، وابن حجر، وابن باز، وغيرهم. وقد تابع عبدة بن سليمان على رفع الحديث محمد بن بشر، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، كما عند الدارقطني (١). وقد أيَّد ابن القطان رفع الحديث بأن الرافعين له ثقات، فلا يضرهم وقف الواقفين، إما لأنهم حفظوا ما لم يحفظ أولئك، وإما لأن الواقفين رووا عن ابن عباس رأيه، والرافعين رووا عنه روايته، والراوي قد يفتي بما يروي (٢). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الإنسان لا يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، وهذا قول الشافعية، والحنابلة. وقد ورد عند ابن ماجه وابن حبان: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة»، وهذا فيه دليل لما ذكره الفقهاء من أنه إذا حج عن غيره من لم يحج عن نفسه أنه يقع الحج عنه دون الغير، ويرد ما أخذه من مال (٣). والقول الثاني: أن الحج يقع عن الغير، وهذا قول الحنفية والمالكية (٤)؛ لأن الحج مما تدخله النيابة، فيجوز أن ينوب عن غيره من لم يُسقِط فرضه عن نفسه، كقضاء الديون وأداء الزكاة قبل أن يؤدي زكاة نفسه، ولأن الشرع شَبَّه النيابة في الحج بقضاء الدَّين، والرجل يجوز أن يقضي دَين غيره قبل دَينه، لكنه يأثم بالتأخير إن كان مستطيعاً.

стр. 2089

وقد استدل القائلون بصحة حج النائب عن غيره إذا لم يحج عن نفسه بحديث ابن عباس ﵄ المتقدم في قصة الخثعمية، وفيه قال: «حُجِّي عَنْه» (١). وحديث بريدة ﵁: أنَّ امرَأةً سَأَلتْ رَسُول الله ﷺ : أنَّ أُمَّهَا لم تَحُجَّ، فَهَل تَحُجُّ عَنهَا؟ فقال ﷺ : «حُجِّي عَنْهَا» (٢). ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يسأل أحداً من هؤلاء هل حج عن نفسه أو لا؟ ولا أمر واحداً منهم أن يحج عن نفسه، والقاعدة في الأصول: أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّلُ منْزلة العموم في الأقوال، قالوا: وحديث ابن عباس ﵄ مُخْتَلَفٌ في رفعه ووقفه، فلا يصلح حُجَّة في هذا الباب. والذي يظهر - والله أعلم - أنه ليس للإنسان أن يحُجّ عن غيره حتى يَحُجّ عن نفسه، عملًا بحديث ابن عباس ﵄؛ لأنه وإن كان موقوفاً، لكنه قول صحابي، لم يثبت خلافه، ثم هو حديث خاص، وتلك أحاديث عامة، ولا تعارض بين عام وخاص (٣)، والله أعلم. الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب ذكر اسم المحجوج عنه في التلبية، وكذا المُعْتَمَرُ عنه، لإقرار النبي ﷺ الرجل على ذلك، فيقول: لبيك عمرة عن فلان، أو لبيك حجّاً وعمرة، حسب النسك الذي طُلب منه، فإن نسي الاسم لم يضره، وتكفي النية. الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز حج الإنسان عن قريبه، سواء أكان حيّاً عاجزاً أم ميّتاً؛ لقوله: (أخ لي أو قريب لي). الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ينبغي للمفتي أن يستفصل في مقام الاحتمال؛ لقوله: «من شبرمة؟»؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا الملبي جاهلاً، فيقول: لبيك عن شبرمة، ويقصد نفسه، فلما تبين أن شبرمة رجل آخر بيّن له الحكم.

стр. 2090

الوجه السادس: إذا ناب الإنسان عن غيره في أداء الحج فلا ينبغي أن يكون قصده كسب المال؛ لأن الارتزاق بأعمال البر ليس من شأن الصالحين؛ بل ينبغي أن يكون قصده الإحسان إلى أخيه بإبراء ذمته مع قصد رؤية المشاعر والتعبد فيها، فهذا محسن، والله تعالى يحب المحسنين. وما يعطاه من مال فهو له، فينفق منه ما يليق به في أكله وشربه ومركبه، فإن بقي منه شيء أخذه. ويجب على النائب أن يتقي الله تعالى فيما أُنيب فيه، ويحرص على تكميل النسك، ولا يتساهل في شيء منه؛ لأنه مؤتمن على ذلك، وعليه أن يستفصل من موكله عن نوع النسك الذي سيحرم به، هل هو التمتع أو القران أو الإفراد، وإن شرط أن العمرة له، والحج لموكله ووافقه على ذلك جاز، وما يفعله من المناسك القولية والفعلية فهو لموكله، وما زاد على ذلك من الطاعات؛ كالصلاة والصدقة والتلاوة والذكر والدعاء فهو له، والله أعلم.

стр. 2091

وجوب الحج مرة في العمر ٧٢٠/ ١٣ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ»، فَقَامَ الأقْرَع بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ. ٧٢١/ ١٤ - وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. الكلام عليهما من وجهين: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «فرض الحج» (١٧٢١)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، وأحمد (٥/ ٣٣١) من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس ﵄: أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع»، هذا لفظ أبي داود، والظاهر أنَّ الحافظَ ساق الحديث بالمعنى. وسفيان هو ابن حسين الواسطي، ثقة إلا في روايته عن الزهري، فهو سيء الحفظ (١)، لكنه لم يتفرد به، فقد أخرجه النسائي (٥/ ١١١) من طريق عبد الجليل بن حميد، عن ابن شهاب، به مرفوعاً، وعبد الجليل لا بأس به. وتابعه - أيضاً - آخرون، لكنهم ليسوا من الحفاظ، فمن نظر إلى مجموع هذه

стр. 2092

المتابعات صحح الحديث، كالألباني، وأحمد شاكر (١). والحديث أصله في «صحيح مسلم» من طريق الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم … » الحديث (٢). ويبدو أن الحافظ قدم حديث ابن عباس ﵄ لما فيه من زيادة الفائدة في قوله: «فمن زاد فهو تطوع». الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الحج مرة واحدة في العمر على كل مكلف مستطيع، وما زاد على ذلك فهو نافلة، وقد دل قوله: «ولما استطعتم» على أن الحج لو كان كل سنة لحصل للناس من التعب والمشقة الشيء الكثير، وإذا كان هذا متوقعاً في زمان الصدر الأول وما بعده، فكيف الحال في زماننا هذا؟! ولكن من تيسير الله تعالى ورحمته بعباده ولطفه بهم أن الحج مرة واحدة في العمر، فالحمد لله على ذلك حمداً كثيراً.

стр. 2093

باب المواقيت المواقيت: جمع ميقات. والميقات: هو الزمان أو المكان المحدد لفعل العبادة. ومواقيت الحج نوعان: الأول: زمانية: وهي أشهر الحج، كما قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: وقت الحج أشهر معلومات مشهورات بين الناس، فلا يصح شيء من أعمال الحج إلا فيها، وأوله: الإحرام. وقد أجمع العلماء على أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة، واختلفوا في ذي الحجة: هل هو بكامله من أشهر الحج؟ أو عشر منه؟ والجمهور على العشر منه. الثاني: مكانية، وهي المذكورة في حديث الباب. والمقصود من هذه المواقيت إعلام القاصدين ببدء النسك ووجوب الإحرام منها، تعظيماً للبيت الحرام، حيث ينطلق الحجاج والمعتمرين من هذه الأماكن معظمين خاضعين خاشعين. وفي تحديد المواقيت الزمانية والمكانية من اتفاق المسلمين واتحادهم في العمل ما هو بين ظاهر دال على حكمة الله البالغة في شريعته الكاملة، والله عليم حكيم.

стр. 2094

المواقيت التي ثبت تحديدها نصّاً ٧٢٢/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ المَدِينَةِ: ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ: الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الحج» وأولها: باب «مُهَلِّ أهل مكة للحج والعمرة» (١٥٢٤)، ومسلم (١١٨١) من طريق طاوس، عن ابن عباس ﵄، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وقَّت) أي: جعل ميقاتاً، وفي حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين: «يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة»؛ أي: يحرم، وهو خبر بمعنى الأمر. وهذه المواقيت حددها النبي ﷺ عام حجة الوداع، وقد ورد في حديث ابن عمر ﵄: أن رجلاً قام في المسجد، فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نُهِلَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : «يهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة … » الحديث (١)، قال الحافظ ابن حجر: (يستفاد منه أن السؤال عن مواقيت الحج كان قبل السفر من المدينة) (٢). قوله: (ذا الحليفة) بضم الحاء وفتح اللام، تصغير الحلفاء، نبت معروف ينبت في هذا المكان، وهي قرية تعرف الآن بـ (أبيار علي)، قيل: إنها

стр. 2095

سميت بذلك لوجود بئر فيها، تسميه العامة «بئر علي»، يزعمون أن عليّاً ﵁ قاتل الجن بها، وهذا كذب لا أصل له (١). وهي أبعد المواقيت عن مكة، تبعد عن المدينة حوالي (١١) كيلاً، وعن مكة (٤٢٠) كيلاً تقريباً، وقد ذكر الفقهاء أنها تبعد عن مكة عشر مراحل، والمرحلة تساوي (٤٠) كيلاً تقريباً؛ لأن جدة من مكة مرحلتان، وهي (٨٠) كيلاً. قوله: (ولأهل الشام) هو إقليم معروف، يمتد من شمال نهر الفرات إلى شبه جزيرة سيناء شرقاً وغرباً، ومن شمال صحراء العرب إلى ساحل البحر الأبيض جنوباً وشمالاً، فيدخل في ذلك سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ومن جاء على طريق هذه البلاد. قوله: (الجحفة) قرية قديمة على الطريق بين مكة والمدينة، اجتحفها السيل، وتقع إلى الجنوب الشرقي من رابغ بما يقارب (١٥) كيلاً، وهي خراب الآن، ويُحرم الناس من رابغ، قبلها بمسافة يسيرة، وتبعد رابغ عن مكة (١٨٦) كيلاً تقريباً، وهي قريبة من الطريق السريع بين مكة والمدينة، وقد بُني أخيراً مسجد ميقات الجحفة ومرافقه سنة (١٤٠٦ هـ). قوله: (ولأهل نجد) نجد: إقليم يمتد من العراق إلى الحجاز شرقاً وغرباً، ومن اليمن إلى الشام جنوباً وشمالاً. قوله: (قرن المنازل) اسم لجبل أو وادٍ ذي منازل ينسب إليها، ويسمى الآن: السيل الكبير، وهو يتصل بوادي محرم الذي هو أعلى وادي قرن المنازل، والذي يمر به الطريق المسمى: (كرا) المتجه إلى مكة، ويحرم من السيل الكبير حجاج المشرق الذين يسلكون الطريق السريع إلى الطائف، ويبعد السيل الكبير عن مكة (٧٨) كيلاً من بطن الوادي، و (٧٥) من المكان الذي يحرم منه الناس. قوله: (ولأهل اليمن) بلاد على الساحل الجنوبي من شبه جزيرة العرب، سمي بذلك لأنه عن يمين الكعبة. قوله: (يلملم) بفتح الياء، اسم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، ويسمّى الآن: (السعدية) باسم بئر فيها.

стр. 2096

قوله: (هن لهن) أي: هذه المواقيت لهذه البلاد المذكورة، والمراد: أهل البلاد؛ لقوله في رواية: «هن لأهلهن … »، وفي رواية أخرى: «هن لهم». قوله: (ولمن أتى عليهن من غيرهن) أي: ولمن مرَّ عليهن وليس من أهلهن فإنه يحرم منهن، ولا يكلف الذهاب إلى ميقاته الأصلي، كأن يمر المدني بقرن المنازل. قوله: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) أي: ومن كان منزله دون هذه المواقيت، بأن كان بينها وبين مكة، فميقاته من حيث أنشأ السفر أو أنشأ النية للحج أو العمرة. قوله: (حتى أهل مكة من مكة) حتى: حرف ابتداء، وأهل مكة: مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: يحرمون، والجار والمجرور متعلق بالخبر، والمراد بأهل مكة: من كان فيها من ساكن وآفاقي. الوجه الثالث: الحديث دليل على ثبوت هذه المواقيت الأربعة المكانية، فلا يحل تجاوزها بدون إحرام لمن يريد الحج أو العمرة؛ لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، أما الإحرام قبل الوصول إلى الميقات، فقد نقل ابن المنذر الإجماع على صحته، وروي ذلك عن علي وجماعة من الصحابة ﵃، وقال ابن حزم: إنه لا يجوز. وروي عن إسحاق. واختلف القائلون بالجواز في الأفضل، وأرجح الأقوال: الإحرام من الميقات، اقتداءً بالنبي ﷺ ؛ فإنه لم يحرم من المدينة، وإنما أحرم من ذي الحليفة (١). الوجه الرابع: وتحديد هذه المواقيت من معجزات نبوته ﷺ ، فإنه حددها قبل إسلام أهلها إشارة إلى أنهم سوف يسلمون ويحجّون ويعتمرون، وهكذا كان، ثم إن تحديدها من رحمة الله تعالى بعباده ويسر شريعته حيث لم يوجد الميقات في مكان واحد يشق على الناس قصده؛ بل جعل لكل أهل جهة ميقات في طريقهم إلى مكة.

стр. 2097

الوجه الخامس: أن هذه المواقيت لتلك البلاد ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، فلو مرَّ العراقي على ذي الحليفة أحرم منه، أو مر أحد من أهل اليمن بقرن المنازل أحرم منه، ولا يكلف أن يذهب إلى ميقاته، وهذا لا إشكال فيه، وهذا تسهيل آخر. لكن الإشكال إذا مرَّ الشامي بذي الحليفة فهل يجب عليه أن يحرم منها أو له أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة باعتبار أنها أمامه؟. فعند الشافعية والحنابلة يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة (١)؛ لأنها ميقاته حيث مرَّ بها، فلم يجز تجاوزه بلا إحرام لمريد النسك، كسائر المواقيت. وقالت الحنفية والمالكية: له أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة، إلا أن الأفضل أن يُحرم من ذي الحليفة (٢)، واستدلوا بأن النبي ﷺ وقَّت لأهل الشام الجحفة وهو أحرم من ميقاته، ولأن المقصود عدم تجاوز الميقات بلا إحرام، فإذا أحرم من أي ميقات فقد أدى ما عليه، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). الوجه السادس: الحديث دليل على أن من كان أقرب من المواقيت إلى مكة فميقاته مكانه، مثل أهل الشرائع بالنسبة للسيل الكبير، أو أهل بدر أو مستورة بالنسبة لذي الحليفة، وكذا القرى الواقعة على الطريق السريع بين مكة والمدينة، وهذا تسهيل ثالث في أحكام المواقيت، فلا يلزمه أن يذهب إلى الميقات. الوجه السابع: الحديث دليل على أن من كان في مكة، فإنه يُحرم منها ولا يخرج إلى الميقات، وظاهر الحديث أنه يحرم منها بالحج والعمرة. لكن في حديث عائشة ﵂ ما يدل على أنه يحرم بالعمرة من الحل، فقد قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر: «اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة» (٤). وفي رواية: «اذهب بأختك فأعمرها من التنعيم»، وحديث عائشة متأخر عن حديث

стр. 2098

ابن عمر ﵄؛ لأنه كان في المدينة، وحديث عائشة بعد ذلك في آخر حجة الوداع. فهذا يفيد أن المكي يخرج إلى الحل إذا أراد العمرة، ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، قال ابن قدامة: (لا نعلم في هذا خلافاً) (١). وقال المحب الطبري الشافعي: (لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة في حق المكي، بل عليه أن يخرج من الحرم إلى أدنى الحل) (٢). الوجه الثامن: دل مفهوم قوله: «ممن أراد الحج أو العمرة» أن من مرَّ بهذه المواقيت قاصداً مكة، وهو لا يريد الحج أو العمرة، أنه لا يجب عليه الإحرام، وذلك كمن قصد مكة لحاجة من زيارة قريب أو تجارة أو مكي قدم من سفره، ونحو ذلك، وهذا قول الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد، قال في «الفروع»: (وهي أظهر) (٤)، واختاره ابن حزم (٥). والقول الثاني: يلزمه الإحرام بعمرة، بشرط ألا تكون حاجته متكررة، وهذا قول الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية، ورواية عن أحمد (٦)، واستدلوا بقول ابن عباس: (لا يدخل أحد مكة إلا محرماً) (٧). والقول الأول أرجح؛ لقوة دليله، ولأن الإيجاب من الشارع، ولم يرد إيجاب في مثل هذه الحال، فنستصحب البراءة الأصلية حتى يقوم دليل ينقل عنها، ولأن المرور على الميقات ليس موجباً للإحرام، وإلا لبينه الرسول ﷺ ، ولمّا سئل عن الحج: في كل سنة، أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة واحدة، فما زاد فهو تطوع» (٨)، ولم يقل: إلا أن تمر بالميقات، فعلم أن المرور بالميقات ليس سبباً للوجوب، والله تعالى أعلم.

стр. 2099

ما ورد في الميقات ذات عرق ٧٢٣/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ٧٢٤/ ٣ - وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ إِلاَّ أَنَّ رَاوِيَهُ شَكَّ فِي رَفْعِهِ. ٧٢٥/ ٤ - وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ. ٧٢٦/ ٥ - وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَشْرِقِ: الْعَقِيقَ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، بابٌ «في المواقيت» (١٧٣٩)، والنسائي (٥/ ١٢٥) من طريق المعافى بن عمران، عن أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، به. قال النووي: (إسناده صحيح) (١). ونقل ابن العراقي تصحيحه عن الذهبي، وعن والده أنه قال: (إسناده جيد) (٢). لكن نقل ابن عدي (٣) عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث، واعتبره من منكرات أفلح بن حميد. وممن أعله الإمام مسلم بأنه روي من طريق مَنْ لا يقبل تفرده. وذكر أن الأحاديث المرفوعة التي فيها توقيت ذات عرق ليس منها واحد يثبت (٤)، وقال

стр. 2100

ابن خزيمة: (قد روي أخبار في ذات عرق أنه ميقات أهل العراق، ولا يثبت عند أهل الحديث شيء منها) (١). فهذا يدل على أن هذا الحديث غير محفوظ، كما قرر كبار الأئمة في هذا الفن. ولو كان النبي ﷺ هو الذي حدد ذات عرق لاشتهر ذلك، كما اشتهر تحديد المواقيت الأخرى. وأيضاً لو وقع تحديدها لما احتاج عمر ﵁ إلى تحديده لأهل العراق، ولا يقال: لعل ذلك من موافقات عمر ﵁؛ لأنه لو وقع تحديدها ما خفي ذلك على أحد من صحابة النبي ﷺ . وأما الحديث الثاني: فقد أخرجه مسلم (١١٨٣) من طريق أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن المُهَلِّ؟ فقال: (سمعت (أَحْسَبه رَفَعَ إلى النبي ﷺ فقال: مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الأخرى الجحفة، ومهل العراق من ذات عرق … ) الحديث. لكن شك الراوي - وهو أبو الزبير، كما ذكر القاضي عياض - في هذا الحديث: هل هو مرفوع إلى النبي ﷺ ؟ أم موقوف على جابر ﵁؟. ومعنى (أحسبه): أظنه. وفي رواية: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يُسأل عن المُهل؟ فقال: سمعت، ثم انتهى، فقال: أراه يعني النبي ﷺ . والمعنى: أنه انتهى عن تمام رفع الحديث. ثم قال: أُراه. وقد ورد في ذات عرق عدة أخبار - كما تقدم عن الإمام مسلم وابن خزيمة ـ، والمحفوظ هو الحديث الثالث، وهو ما أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «ذات عرق لأهل المشرق» (١٥٣١) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لما فُتِحَ هذان المصران أتوا عمر. فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرناً، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً شقَّ علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق.

стр. 2101

وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦)، وأبو داود (١٧٤٠)، والترمذي (٨٣٢) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده، به. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن). وهذا فيه نظر، فقد أعله الإمام مسلم بأن يزيد بن أبي زياد ممن اتقى الناس حديثه، ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس (١)، ولا أنه لقيه، أو رآه. وقد ذكر البيهقي أن يزيد بن أبي زياد قد تفرد به (٢). الوجه الثاني: حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري دليل على أن ذات عرق هو ميقات أهل العراق، وهو ميقات خاص بهم غير ميقات أهل نجد، وأن الذي وقَّته لهم هو عمر ﵁ عندما تأسس المصران: البصرة والكوفة، وأخبروه أن الإحرام من ميقات أهل نجد - وهو قرن - فيه مشقة عليهم، لكونه ليس على طريقهم. فقال: (فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق)، والمعنى: انظروا ما يقابل ميقات نجد من الأرض التي تسلكونها من غير مَيْل فاجعلوه ميقاتاً. وذات عِرق: بكسر العين وسكون الراء، سمّي بذلك لعرق فيه؛ أي: جبل صغير. ويسمّى: الضريبة، ويقع عن مكة شرقاً بمسافة (١٠٠) كيل. وهو الآن مهجور لعدم وجود الطريق عليه، وصار الحجاج القادمون من المشرق يسلكون الطريق المؤدي إلى مكة مروراً بميقات قرن المنازل، وهو السيل الكبير. وأما العقيق فهو واد عظيم يقع شرق مكة محاذياً لذات عرق شرقاً، يبعد عنها (٢٠) كيلاً، وعن مكة (١٢٠) كيلاً. الوجه الثالث: حديث ابن عمر ﵄ في توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق، وقوله: (انظروا حذوها من طريقكم) هو الأصل في مسألة محاذاة

стр. 2102

الميقات، ومعناه: أن من سلك طريقاً لا ميقات فيه: برّاً أو بحراً أو جوّاً، فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه. والمحاذاة لغة: الإزاء والمجاورة، وحاذى الشيء: وازاه وصار بجانبه، والمراد بها هنا: أن تكون مسافة البقعة التي فيها القاصد تساوي مسافة الميقات الأصلي إلى الحرم؛ لأن الإحرام مما يحاذي الميقات بمنزلة الإحرام من نفس الميقات. فمن قدم - مثلاً - من الشام ومصر من طريق البحر فإن ميقاتهم الجحفة، فالواجب عليهم أن ينزلوا في أرضها ويحرموا، فإن شق عليهم ذلك فلهم أن يحرموا إذا كان بينهم وبين مكة نفس المسافة التي بين الجحفة ومكة، وهي ما يقارب (١٨٠) كيلاً، وهكذا .. وينبغي أن يعلم أن مشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس له ولا أمامه ميقات معين، فأما من له ميقات معين، كما لو مر المصري ببدر - مثلاً ـ، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يُحرم منها، بل له التأخير حتى يأتي ميقاته وهو الجحفة، والله أعلم.

стр. 2103

باب وجوه الإحرام، وصفته ٧٢٧/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أو جَمَعَ الحَجَّ وَالْعُمرَةَ فَلَم يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «التمتع والقِران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي» (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١) (١١٨) من طريق أبي الأسود: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وجوه الإحرام) جمع وجه، والمراد بها: أنواع الإحرام الثلاثة الآتية. و (صفته) أي: كيفيته. قوله: (خرجنا مع رسول الله ﷺ أي: من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، بعد صلاة الظهر، كما ثبت في الصحيحين (١). قوله: (عام حجة الوداع) سميت بذلك لأن النبي ﷺ ودَّع الناس فيها،

стр. 2104

وقال: «لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا»، وهذه آخر حجة للنبي ﷺ ، وكانت سنة عشر من الهجرة (١)، كما سيأتي - إن شاء الله ـ. قوله: (فمنا من أهلَّ بعمرة) أصل الإهلال: رفع الصوت، ثم أطلق على الإحرام. فمعنى (أهلّ): أحرم، وذلك لأن المحرم يرفع صوته بالتلبية إذا أحرم. وهذا النوع الأول من أنواع النسك، وهو التمتع، ومعناه: أن يحرم من الميقات بالعمرة في أشهر الحج، فيقول: لبيك عمرة، ثم يَحِلُّ منها، ثم يُحرم بالحج في اليوم الثامن. قوله: (ومنا من أهلَّ بحج وعمرة) هذا النسك الثاني، وهو القِران، وهو أن يحرم بالعمرة والحج معاً من الميقات، فيقول: لبيك عمرة وحجّاً. قوله: (ومنا من أهلَّ بحج) هذا النسك الثالث وهو الإفراد، وهو أن يحرم بالحج وحده من الميقات، فيقول: لبيك حجّاً. قوله: (وأهلَّ رسول الله بالحج) أي: أحرم بالحج، وظاهره أن الرسول ﷺ حج مفرداً، وهذا ورد - أيضاً - في حديث جابر ﵁، وحديث ابن عمر ﵄ عند مسلم. وهذا يخالف ما ثبت من أنه ﷺ حج قارناً، حتى قال الإمام أحمد: (ومن يشك في هذا؟)، فلعل قول عائشة ومن وافقها مراد به أنه أهلّ بالحج في أول الأمر، ثم أدخل العمرة على الحج، فصار قارناً، لكن قد يشكل على ذلك ما ورد في حديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آت من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة» (٢). فهذا يدل على أنه كان قارناً من أول الأمر، وفي حديث أنس ﵁ قال: ( … ثم أهلّ بحج وعمرة … ) (٣).

стр. 2105

فالمسألة لا زالت مشكلة، ولا بد من الجمع، وهو أن كل من رَوَى عنه الإفراد حُمل على ما أهلَّ به في أول الحال، وكل من رَوَى عنه القِران أراد ما استقر عليه أمره، ومما يؤيد القِران أن كل من روى الإفراد اختُلف عليه، فَرَوَى أنه اعتمر مع حجته، بخلاف من رووا عنه القران، ثم إن قوله ﷺ : «لولا أن معي الهدي لأحللت» دليل بيِّن على ذلك. وهذا ما اختاره ابن المنذر وابن حزم وابن حجر، وقال: (هذا هو الجمع المعتمد) (١)، والأحاديث الصحيحة الدالة على أنه ﷺ كان قارناً تزيد على عشرين حديثاً، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وتبعه ابن القيم، أن من روى الإفراد قد روى أنه ﷺ حج تمتعاً وقِرَاناً، فيتعين الحمل على القران، وأنه أفرد أعمال الحج وحده، ولم يفرد للعمرة أعمالاً. أما من روى عنه التمتع، كما في حديث ابن عمر (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج … ) (٢)، فمعناه: أتى بهما في سفر واحد حيث قرن بينهما؛ لأنه لم يتحلل بينهما قطعاً، وهذا يدل على أن القِران بين العمرة والحج يسمّى: تمتعاً (٣). قوله: (وأما مَن أهلَّ بحج، أو جمع الحجَّ والعمرةَ … إلخ) هذا القدر من الحديث فيه اختصار من بعض الرواة؛ لأنه ثبت عنها في «الصحيحين» التفصيل بذكر الهدي، وأن الذين ساقوا الهدي لم يَحِلُّوا حتى كان يوم النحر، وأما الذين لم يسوقوا هدياً فإنهم حلوا عند قدومهم حيث جعلوها عمرة، ولا أدري كيف ساق الحافظ هذه الرواية المختصرة وترك ما هو أوضح منها؟! الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الأنساك الثلاثة - التمتع والقِران والإفراد ـ. وقد نقل ابن عبد البر وابن قدامة وغيرهما إجماع أهل
следующие страницы →