← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦)، وأبو داود (١٧٤٠)، والترمذي (٨٣٢) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده، به. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن). وهذا فيه نظر، فقد أعله الإمام مسلم بأن يزيد بن أبي زياد ممن اتقى الناس حديثه، ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس (١)، ولا أنه لقيه، أو رآه. وقد ذكر البيهقي أن يزيد بن أبي زياد قد تفرد به (٢). الوجه الثاني: حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري دليل على أن ذات عرق هو ميقات أهل العراق، وهو ميقات خاص بهم غير ميقات أهل نجد، وأن الذي وقَّته لهم هو عمر ﵁ عندما تأسس المصران: البصرة والكوفة، وأخبروه أن الإحرام من ميقات أهل نجد - وهو قرن - فيه مشقة عليهم، لكونه ليس على طريقهم. فقال: (فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق)، والمعنى: انظروا ما يقابل ميقات نجد من الأرض التي تسلكونها من غير مَيْل فاجعلوه ميقاتاً. وذات عِرق: بكسر العين وسكون الراء، سمّي بذلك لعرق فيه؛ أي: جبل صغير. ويسمّى: الضريبة، ويقع عن مكة شرقاً بمسافة (١٠٠) كيل. وهو الآن مهجور لعدم وجود الطريق عليه، وصار الحجاج القادمون من المشرق يسلكون الطريق المؤدي إلى مكة مروراً بميقات قرن المنازل، وهو السيل الكبير. وأما العقيق فهو واد عظيم يقع شرق مكة محاذياً لذات عرق شرقاً، يبعد عنها (٢٠) كيلاً، وعن مكة (١٢٠) كيلاً. الوجه الثالث: حديث ابن عمر ﵄ في توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق، وقوله: (انظروا حذوها من طريقكم) هو الأصل في مسألة محاذاة

стр. 2102

الميقات، ومعناه: أن من سلك طريقاً لا ميقات فيه: برّاً أو بحراً أو جوّاً، فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه. والمحاذاة لغة: الإزاء والمجاورة، وحاذى الشيء: وازاه وصار بجانبه، والمراد بها هنا: أن تكون مسافة البقعة التي فيها القاصد تساوي مسافة الميقات الأصلي إلى الحرم؛ لأن الإحرام مما يحاذي الميقات بمنزلة الإحرام من نفس الميقات. فمن قدم - مثلاً - من الشام ومصر من طريق البحر فإن ميقاتهم الجحفة، فالواجب عليهم أن ينزلوا في أرضها ويحرموا، فإن شق عليهم ذلك فلهم أن يحرموا إذا كان بينهم وبين مكة نفس المسافة التي بين الجحفة ومكة، وهي ما يقارب (١٨٠) كيلاً، وهكذا .. وينبغي أن يعلم أن مشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس له ولا أمامه ميقات معين، فأما من له ميقات معين، كما لو مر المصري ببدر - مثلاً ـ، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يُحرم منها، بل له التأخير حتى يأتي ميقاته وهو الجحفة، والله أعلم.

стр. 2103

باب وجوه الإحرام، وصفته ٧٢٧/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أو جَمَعَ الحَجَّ وَالْعُمرَةَ فَلَم يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «التمتع والقِران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي» (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١) (١١٨) من طريق أبي الأسود: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وجوه الإحرام) جمع وجه، والمراد بها: أنواع الإحرام الثلاثة الآتية. و (صفته) أي: كيفيته. قوله: (خرجنا مع رسول الله ﷺ أي: من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، بعد صلاة الظهر، كما ثبت في الصحيحين (١). قوله: (عام حجة الوداع) سميت بذلك لأن النبي ﷺ ودَّع الناس فيها،

стр. 2104

وقال: «لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا»، وهذه آخر حجة للنبي ﷺ ، وكانت سنة عشر من الهجرة (١)، كما سيأتي - إن شاء الله ـ. قوله: (فمنا من أهلَّ بعمرة) أصل الإهلال: رفع الصوت، ثم أطلق على الإحرام. فمعنى (أهلّ): أحرم، وذلك لأن المحرم يرفع صوته بالتلبية إذا أحرم. وهذا النوع الأول من أنواع النسك، وهو التمتع، ومعناه: أن يحرم من الميقات بالعمرة في أشهر الحج، فيقول: لبيك عمرة، ثم يَحِلُّ منها، ثم يُحرم بالحج في اليوم الثامن. قوله: (ومنا من أهلَّ بحج وعمرة) هذا النسك الثاني، وهو القِران، وهو أن يحرم بالعمرة والحج معاً من الميقات، فيقول: لبيك عمرة وحجّاً. قوله: (ومنا من أهلَّ بحج) هذا النسك الثالث وهو الإفراد، وهو أن يحرم بالحج وحده من الميقات، فيقول: لبيك حجّاً. قوله: (وأهلَّ رسول الله بالحج) أي: أحرم بالحج، وظاهره أن الرسول ﷺ حج مفرداً، وهذا ورد - أيضاً - في حديث جابر ﵁، وحديث ابن عمر ﵄ عند مسلم. وهذا يخالف ما ثبت من أنه ﷺ حج قارناً، حتى قال الإمام أحمد: (ومن يشك في هذا؟)، فلعل قول عائشة ومن وافقها مراد به أنه أهلّ بالحج في أول الأمر، ثم أدخل العمرة على الحج، فصار قارناً، لكن قد يشكل على ذلك ما ورد في حديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آت من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة» (٢). فهذا يدل على أنه كان قارناً من أول الأمر، وفي حديث أنس ﵁ قال: ( … ثم أهلّ بحج وعمرة … ) (٣).

стр. 2105

فالمسألة لا زالت مشكلة، ولا بد من الجمع، وهو أن كل من رَوَى عنه الإفراد حُمل على ما أهلَّ به في أول الحال، وكل من رَوَى عنه القِران أراد ما استقر عليه أمره، ومما يؤيد القِران أن كل من روى الإفراد اختُلف عليه، فَرَوَى أنه اعتمر مع حجته، بخلاف من رووا عنه القران، ثم إن قوله ﷺ : «لولا أن معي الهدي لأحللت» دليل بيِّن على ذلك. وهذا ما اختاره ابن المنذر وابن حزم وابن حجر، وقال: (هذا هو الجمع المعتمد) (١)، والأحاديث الصحيحة الدالة على أنه ﷺ كان قارناً تزيد على عشرين حديثاً، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وتبعه ابن القيم، أن من روى الإفراد قد روى أنه ﷺ حج تمتعاً وقِرَاناً، فيتعين الحمل على القران، وأنه أفرد أعمال الحج وحده، ولم يفرد للعمرة أعمالاً. أما من روى عنه التمتع، كما في حديث ابن عمر (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج … ) (٢)، فمعناه: أتى بهما في سفر واحد حيث قرن بينهما؛ لأنه لم يتحلل بينهما قطعاً، وهذا يدل على أن القِران بين العمرة والحج يسمّى: تمتعاً (٣). قوله: (وأما مَن أهلَّ بحج، أو جمع الحجَّ والعمرةَ … إلخ) هذا القدر من الحديث فيه اختصار من بعض الرواة؛ لأنه ثبت عنها في «الصحيحين» التفصيل بذكر الهدي، وأن الذين ساقوا الهدي لم يَحِلُّوا حتى كان يوم النحر، وأما الذين لم يسوقوا هدياً فإنهم حلوا عند قدومهم حيث جعلوها عمرة، ولا أدري كيف ساق الحافظ هذه الرواية المختصرة وترك ما هو أوضح منها؟! الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الأنساك الثلاثة - التمتع والقِران والإفراد ـ. وقد نقل ابن عبد البر وابن قدامة وغيرهما إجماع أهل

стр. 2106

العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، وإنما الخلاف في الأفضل (١)، لكن نقل الإجماع في ذلك فيه نظر، فإنه قد ثبت عن ابن عباس وطائفة من السلف وجوب التمتع في حق من لم يسق الهدي، كما سيأتي (٢)، وقد أحرم بهذه الأنساك الصحابة ﵃ بصحبة النبي ﷺ في حجته، فأحرمت كل طائفة بنسك منها، وهذا كان في أول الأمر، ثم لما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج … » (٣). فهذا يدل على أن من أحرم بالحج من مفرد وقارن أنه يشرع له فسخ إحرامه إلى عمرة إذا لم يسق الهدي، ليصير متمتعاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لم يختلف أحد من أهل العلم أن النبي ﷺ أمر أصحابه إذا طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، وهذا مما تواترت به الأحاديث) (٤)، وهذا محمول على الاستحباب، كما هو مذهب الإمام أحمد، وهو قول الحسن ومجاهد وداود، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب الفسخ أخذاً بظاهر الأمر، وهو قول ابن عباس ﵄، واختاره ابن حزم، ونصره ابن القيم (٦). وأفضل الأنساك هو التمتع في حق من لم يسق الهدي، أو يقال: بوجوبه، كما تقدم، أما من ساق الهدي فالقران في حقه أفضل؛ لأنه نسك النبي ﷺ ، وما كان الله تعالى ليختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل والأكمل.

стр. 2107

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن النبي ﷺ لم يقل: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» لأجل أن الذي فعله مفضول، ففعله هو الأفضل، وإنما أراد تطييب قلوب أصحابه لما شَقَّ عليهم أن يحلوا من إحرامهم، وفي هذا تأليف للقلوب، فجمع الله له الأجرين: أجر فعل الأفضل، وأجر ما اختار من موافقتهم على ما أمرهم به لولا سوق الهدي، وذلك لأن في سوق الهدي من تعظيم شعائر الله ما ليس في التمتع والتحلل والإحرام ثانياً، فيكون القارن الذي ساق الهدي أفضل من المتمتع الذي لم يسق الهدي (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2108

باب الإحرام وما يتعلق به الإحرام لغة: الدخول في التحريم، كأن المحرم يحرِّم على نفسه النكاح والطِّيب وأشياء من اللباس، كما يقال: أشتى: إذا دخل في الشتاء، وأربع: إذا دخل في الربيع، وأنجد: إذا دخل نجداً. وشرعاً: نية الدخول في حجة، أو عمرة، أو هما معاً. وليس الإحرام هو لبس ثياب الإحرام، وإنما لبسهما تَهيُّؤٌ للإحرام الذي لا ينعقد إلا بالنية. وسمّي الدخول في النسك إحراماً، لما تقدم. والمشروع للمحرم أن يتلفظ بالنسك، فيقول: لبيك عمرة - مثلاً ـ، فإذا لبى قاصداً للإحرام انعقد إحرامه. وأما التلفظ بالنية فهذا بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئاً من ذلك، ومنه قول كثير من الناس: (اللهم إني نويت الإحرام بالعمرة - مثلاً - فيسِّرها لي، وتقبَّلها مني إنك أنت السميع العليم). وهذا يذكره بعض الفقهاء، وهو استحسان من قائله؛ لأنه لم يثبت عنه ﷺ دعاء في هذا الموقف، فيكون من البدع، والواجب على المسلم الاتباع لا الابتداع، وذلك بمعرفة أحكام النسك، وصفة أدائه، ليعبد ربه على بصيرة، ويحقق متابعة النبي ﷺ وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» (١).

стр. 2109

موضع إهلال النبي ﷺ - ٧٢٨/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الإهلال عند مسجد ذي الحليفة» (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦) من طريق موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله: أنه سمع أباه ﵁ يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أَهَلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد. يعني: ذا الحليفة. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن موضع إهلال النبي ﷺ من عند مسجد ذي الحليفة؛ لأن ابن عمر ﵄ قال ذلك ردّاً على من قال: إنه ﷺ أحرم من البيداء. والبيداء: هي المفازة. والمراد بها هنا: أرض ملساء أمام ذي الحليفة في طريق مكة. وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: أهلَّ النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة (١). ولا منافاة بين هذا وما قبله - كما يقول ابن كثير - فإن الإحرام كان من عند المسجد، ولكن بعدما ركب راحلته (٢). وهذا هو الأفضل أن يكون

стр. 2110

إحرامه وتلبيته بعد ركوب الدابة أو السيارة، حتى يفرغ من شؤونه في الأرض من اغتسال وطيب ونحو ذلك، ويكون قد تهيَّأ بذلك التهيؤ الكامل، بخلاف ما إذا أحرم في الأرض فقد ينسى شيئاً. ولو أهلَّ الإنسان عند المسجد أو بعد ركوب سيارته، أو من البيداء - إذا كان من عند ذي الحليفة - فكل ذلك جائز، وإنما الكلام في الأفضل، والله تعالى أعلم.

стр. 2111

مشروعية رفع الصوت بالتلبية ٧٢٩/ ٢ - عَنْ خَلاَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبيهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْواتَهُمْ بِالإهْلَالِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو خلاد بن السائب بن خلاد، روى عن أبيه، وزيد بن خالد الجهني، وروى عنه ابنه خالد، وعبد الملك بن أبي بكر وغيرهما، وقد اختُلف في صحبته، حتى إن ابن حبان ذكره مرة في الصحابة، ومرة في التابعين، قال الحافظ في «التقريب»: (ثقة، من الثالثة، ووهم من زعم أنه صحابي). وأما أبوه فهو السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي، ذُكر أنه شهد بدراً، وولي لمعاوية اليمن، أحاديثه في السنن، وهي قليلة، مات سنة إحدى وسبعين ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «كيف التلبية» (١٨١٤)، والترمذي (٨٢٩)، والنسائي (٥/ ١٦٢)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وأحمد (٢٧/ ٨٩ - ٩٠)، وابن حبان (٣٧٩١) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث، عن خلاد بن السائب، عن أبيه.

стр. 2112

وقد رواه عن عبد الله بن أبي بكر: مالك، وسفيان بن عيينة. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه ابن حبان. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية رفع الصوت بالتلبية، والجمهور على أن الأمر في الحديث للاستحباب، وجعلوا القرينة الصارفة عن الوجوب هي المشقة، فإنه يشق على كل حاج أو معتمر أن يرفع صوته بالتلبية. وقالت الظاهرية بوجوب ذلك، أخذاً بظاهر الأمر. قال ابن حزم: (ويرفع الرجل والمرأة صوتهما بها ولا بد، وهو فرض ولو مرة) (١). الوجه الرابع: دلَّ قوله: «أن آمر أصحابي» على أن رفع الصوت بالتلبية مختص بالرجال دون النساء، فالمرأة يسن لها خفض صوتها بالتلبية، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم؛ بل حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر وابن عبد البر (٢). وذهب ابن حزم إلى أنه يجب على المرأة رفع صوتها بالتلبية ولو مرة واحدة - كما تقدم ـ، مستدلاًّ بما رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: خرج معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قالوا: عائشة اعتمرت من التنعيم، فذُكِرَ ذلك لعائشة، فقالت: (لو سألني لأخبرته) (٣). وقول الجمهور أرجح؛ لأن نصوص الشريعة دلت على أن المرأة لا ترفع صوتها بحضرة الأجانب في العبادة: كالصلاة، وقراءة القرآن؛ لأن صوتها فتنة، وقد جاء في «الصحيحين» من حديث سهل بن سعد وغيره: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء». ثم إن في رفع المرأة صوتها بالتلبية مفسدة أعظم من الأجر الحاصل

стр. 2113

برفع الصوت، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأما ما ورد عن عائشة ﵂ فهو محمول على ما إذا أُمنت الفتنة، كما لو كانت المرأة طاعنة في السن، أو لم يكن معها في السيارة - مثلاً - إلا زوجها أو ابنها أو غيرهما من محارمها، لأمن الفتنة في مثل هذه الأحوال، والله تعالى أعلم.

стр. 2114

مشروعية الغسل عند الإحرام ٧٣٠/ ٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإهْلَالِهِ واغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في أبواب «المناسك»، باب «ما جاء في الاغتسال عند الإحرام» (٨٣٠) من طريق عبد الله بن يعقوب المدني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب). وهذا الحديث ضعفه العقيلي، فإنه لما رواه من طريق أبي غَزِيَّة محمد بن موسى، عن ابن أبي الزناد. قال عن ابن غزية: (قاضي عنده مناكير، ولا يتابع عليه إلا من طريق فيها ضعف» (١). وقد أُعِلَّ سند الترمذي بأنه من رواية عبد الله المدني، وقد قال عنه ابن القطان: (لا يعرف) (٢). وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (مجهول الحال). وأُعل - أيضاً - بابن أبي الزناد، واسمه عبد الرحمن، فقد ضعفه ابن معين في رواية، وقال النسائي: (لا يحتج بحديثه) (٣)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد). وقد ورد في مشروعية الغسل أدلة أخرى غير هذا الحديث، كما سيأتي. الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية التجرد من الملابس عند الإحرام ليلبس المحرم الإزار والرداء، وهذا في حق الرجال.

стр. 2115

الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على مشروعية الاغتسال عند الإحرام، لما فيه من النظافة وتنشيط البدن. ويستحب أن يأخذ من شعره وأظفاره، ما يحتاج إلى أخذ، وليس هذا من خصائص الإحرام، ولكنه مطلوب عند الحاجة. وقد ذهب الجمهور إلى أن الغسل مستحب لكل من أراد الإحرام ولو كانت حائضاً أو نفساء (١)، لحديث جابر - الآتي - وفيه: حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي … ». ووجه الاستدلال: أنه إذا كانت النفساء مأمورة بالغسل، وهي لا تستبيح به صلاة ولا غيرها؛ لأنها غير قابلة للطهارة، فالمحرم القابل للطهارة من باب أولى. وأخذ ابن حزم من ظاهر هذا الأمر وجوب الغسل على النفساء وحدها دون غيرها (٢)، ولهذا فهو لا يقول بوجوبه على الحائض ولا على غيرهما. والحق هو قول الجمهور، وهو استحباب الغسل مطلقاً على الرجال والنساء، لعدم الدليل على الإيجاب. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن الإحرام جائز بغير اغتسال (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: (من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، وإذا أراد أن يدخل مكة) (٤). وقول الصحابي: (من السنة كذا) المراد به: سنة رسول الله ﷺ ، كما في علوم الحديث. فإن لم يغتسل توضأ، فإن لم يجد ماء، أو كان الوقت شتاء والجو بارد، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه لا يسن له أن يتيمم، لأن الغسل

стр. 2116

يراد للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصِّل هذا؛ بل يزيد شعثاً وتغبيراً. وقال القاضي أبو يعلى: يتيمم؛ لأنه غسل مشروع، فناب عنه التيمم (١). والقول الأول هو الصواب، والله تعالى أعلم.

стр. 2117

ما يحرم على المحرم لبسه ٧٣١/ ٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَينِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئاً مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «ما يلبس المحرم من الثياب» (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به. وفي رواية للبخاري (١٨٣٨): «ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين»، وكان الأولى بالحافظ أن يذكرها على عادته بذكر الروايات، كما فعل المقدسي في «العمدة» وابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، لأن فيها بياناً لما تجتنبه المرأة، كما سيأتي إن شاء الله، لكن للعلماء كلام في رفع هذه الزيادة ووقفها (١)، وقد يكون هذا من أسباب ترك الحافظ لها. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن رسول الله ﷺ سئل) كان ذلك في المدينة، والنبي ﷺ

стр. 2118

يخطب الناس، والظاهر أنه قرب سفره للحج، كما ذكر الحافظ. قوله: (ما يلبس المحرم) أي: العاقد للإحرام بحج أو عمرة، والمراد: الرجل بالإجماع، لما ورد في بعض الروايات: «إلا أن يكون رجل ليس له نعلان». قوله: (فقال: «لا تلبسوا … ») كان السؤال: عما يجوز للمحرم لبسه من الثياب، فأجابه النبي ﷺ ببيان ما لا يلبس؛ لأنه أقل وأحصر، وفيه بيان أن كل ما عدا هذه المذكورات وما يشابهها فإنه يلبسه المحرم، وهذا من جوامع الكلم، وبلاغة النبي ﷺ ، وحسن جوابه. قوله: (القمص) بالضم، جمع قميص، هو الثوب ذو الأكمام. قوله: (ولا العمائم) جمع عمامة، وهي ما يلف على الرأس. قوله: (ولا السراويلات) جمع سراويل، وهو المئزر ذو الأكمام. قوله: (ولا البرانس) جمع برنس، وهو الثوب الشامل للرأس والبدن. قوله: (ولا الخفاف) جمع خف، وهو ما يلبس على القدم ساتراً لها من جلد. قوله: (إلا أحد) بالرفع بدل من الفاعل في قوله: «لا تلبسوا». قوله: (لا يجد النعلين) تثنية نعل، وهو ما يلبس على القدم للوقاية من الأرض من غير ستر للقدم. قوله: (فليلبس الخفين) اللام للأمر، وهو للإباحة؛ لأنه لرفع المنع. قوله: (وليقطعهما أسفل من الكعبين) أي: وليقطع الخفين حتى يكونا أنزل من الكعبين، ليقربا بذلك من مشاكلة النعلين. قوله: (ولا الورس) هو نبت طيب الرائحة، لونه أحمر. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المحرم ممنوع من لبس خمسة أنواع، وهي: ١ - القميص: ويلحق به ما يشابهه، مثل: الكوت، والفنيلة، والقباء: وهو ثوب يلبس فوق القميص مفتوح من الأمام.

стр. 2119

٢ - العمامة: ويقاس عليها الطاقية وما في معناها. ٣ - السراويلات: ويقاس عليها التبان: وهو السراويل القصير. ٤ - البرنس: ويلحق به العباءة. ٥ - الخفاف: ويقاس عليها الجوارب، جمع جورب، وهو ما يلبس من القماش ونحوه بالقدمين إلى ما فوق الكعبين (١). وهذه الأنواع الخمسة مختصة بالذكور بإجماع أهل العلم. والحكمة من منع المحرم من لبس هذه الأنواع ليبتعد عن الترف باللباس المعتاد، ويظهر بمظهر الخاشع الزاهد، وليتساوى المحرمون في اللباس، فلا يبقى بينهم موضع للتباهي والتكاثر، وليتذكر المحرم كلما لمح الإزار والرداء أنه في نسك وعبادة عظيمة، فيقبل على ربه ويكثر من ذكره، ويبتعد عن معصيته، إلى غير ذلك من الحِكم والأسرار. وضابط ما تقدم أن كل ما خيط على قدر البدن أو على جزء منه، أو عضو من أعضائه فالمحرم ممنوع منه. وقد عبر الفقهاء ﵏ عن هذه الأشياء بـ (المخيط) (٢)، فإذا عدَّدوا محظورات الإحرام ذكروا منها: اجتناب المخيط، وهذا لم يرد في السنة، وإنما جرى على لسان بعض التابعين، وقد نسب هذا إلى إبراهيم النخعي (٣)، وهو مات أوائل سنة ست وتسعين، ثم وجدت في «المبسوط» (٤) للسرخسي: أن زُفَرَ بن الهذيل عبر بذلك، وهو من أصحاب أبي حنيفة، مات سنة (١٥٨). وقد كثر استعمال هذا اللفظ، فظن كثير من الناس أن المقصود به كل ما فيه خيط، وفهموا أنه لا يجوز لبس الرداء الموصَّل لقصره أو لضيقه، أو ما خيط لشق فيه، وكذا الأحزمة والأحذية التي فيها خيوط، وهذا غير صحيح؛

стр. 2120

بل المراد ما تقدم، ولو اقتصر الفقهاء على ما ورد في السنة وألحق به ما أشبهه لكان أوضح، وأبعد عن الإيهام. الوجه الرابع: الحديث دليل على منع المحرم من الثياب المطيبة بزعفران أو ورس، ويقاس عليهما أنواع الطيب، وإلا فإن الورس ليس بطيب، وهذا عام للذكور والإناث، قال ابن العربي: (ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم .. ) (١). الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز لبس الخفين لعادم النعلين، إذا قطعهما من أسفل الكعبين، ولكن الأمر بالقطع منسوخ، والناسخ حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل» (٢). فهذا ناسخ لما في حديث ابن عمر ﵄؛ لأنه وقع في جمع عظيم لعل أكثرهم أو الكثير منهم لم يسمع حديث ابن عمر، ولا يقال: إن حديث ابن عباس مقيد بحديث ابن عمر؛ لأن الإطلاق وقع في عرفة، وهم في أمسِّ الحاجة إلى البيان، فلو قيل بالحمل لكان في ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز (٣). الوجه السادس: دلت رواية البخاري التي ذكرنا على أن المرأة تحرم بما شاءت من الثياب من غير تقييد بلون معين، بشرط ألا تكون ملابس زينة تجلب النظر، والأفضل لها أن تحرم بشُرَّاب الرِّجلين؛ لأنه أستر لها، وتمتنع من شيئين: الأول: النقاب: وهو ما يُنقب فيه للعينين. الثاني: القفاز: وهو غلاف ذو أصابع تدخل فيه الكف. الوجه السابع: جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: خطبنا النبي ﷺ بعرفات فقال: «من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل .. » (٤)، وعنه - أيضاً - في

стр. 2121

صفة إحرام النبي ﷺ : (ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه) (١)، واستدل الفقهاء بذلك على أن السنة الإحرامُ في إزار ورداء، والإزار: ما يُشدُّ على الوسط من السرة فما دون، لستر العورة، والرداء: ما يوضع على الكتف. وقد نصَّ علماء اللغة على أن الإزار غير مخيط، وليس له حُجزة، فإن خيط وصنع له حُجزة، خرج عن كونه إزاراً، وسُمي نُقْبة، وهو خِرقة أعلاها كالسراويل، وأسفلها كالإزار. قال أبو عبيد: (النُّقْبَةُ: أن تؤخذ القطعة من الثوب قدر السراويل، فتجعل لها حُجْزة مخيطة من غير نَيفَقٍ (٢)، وتُشَدُّ كما تُشَدُّ حجزة السراويل، فإن كان لها نَيفَقٌ وساقان فهي سراويل … ) (٣). وعلى هذا فما ظهر في الأسواق - في زماننا هذا - من لباس الإحرام المخيط ليس هو الإزار الذي يُسن الإحرام به، وإنما هو نقبة (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 2122

استحباب الطيب عند الإحرام ٧٣٢/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطوفَ بِالْبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الطيب عند الإحرام» (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩) (٣٣) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها قالت … فذكرته. الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الطيب عند الإحرام، ليبقى أثره أثناء إحرامه، وهذا عام للذكر والأنثى، إلا أن طيب المرأة ما ظهر لونه، وخفي ريحه. ولا يضر استدامة الطيب بعد الإحرام ولو سال على البدن أو الملابس، لما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) (١)، والوبيص: البريق واللمعان. وعنها - أيضاً ﵂ قالت: (كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة، فنضمِّد جباهنا بالسُّكِّ (٢) المطيب عند الإحرام، فإذا عَرِقَتْ إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها) (٣).

стр. 2123

الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الطيب بعد التحلل الأول وقبل الطواف بالبيت، ويستفاد من ذلك استحباب التجمل والتطيب عند الذهاب إلى العبادات في المساجد، ولا سيما المجامع الكبيرة، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، والله تعالى أعلم.

стр. 2124

حكم نكاح المحرم وخطبته ٧٣٣/ ٦ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «النكاح»، باب «تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته» (١٤٠٩) من طريق نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك، وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المحرم منهي أن يَنكح - بفتح الياء؛ أي: يتزوج ـ، أو يُنكح - بضم الياء، أي: يعقد النكاح لغيره ـ، أو يخطب - بضم الطاء، من الخِطبة بكسرها ـ، أي: يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها. وقد جاء الحديث بلفظ النفي، وهو بمعنى النهي، فيقتضي فساد العقد، وهذا مذهب الجمهور (١)، والحكمة من هذا النهي هي إبعاد المحرم عن الترفه وشهوات الدنيا، ولأن الخِطبة وسيلة إلى الجماع المحرم حال الإحرام؛ لأن عادة المتزوج أن يكون شديد التوقان إلى الجماع، فقد لا يصبر فيقع في أعظم محظور من محظورات الإحرام، وهذا شاهد لمسألة سد الذرائع الموصلة إلى الحرام.

стр. 2125

الوجه الثالث: ورد في حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم (١)، وقد استدل بهذا من قال: يجوز للمحرم أن يتزوج أو يزوِّج، وهو قول ابن عباس ﵄، وجماعة من السلف (٢)، وهو مذهب الحنفية (٣). وقد أخذ الجمهور من أهل العلم بحديث الباب، وبما ورد عن ميمونة ﵂: أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال (٤). ومما يؤيد ذلك أن ميمونة صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، ومن قواعد الترجيح أن خبر صاحب الواقعة مقدم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال. ومما يؤيد ذلك - أيضاً - أن ابن عباس كان صغيراً وقت التحمّل، وقد لا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها (٥)، ولهذا قال سعيد بن المسيب: (وَهِمَ ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم) (٦)، وبنحو هذا قال الإمام أحمد (٧). والله تعالى أعلم.

стр. 2126

حكم أكل المحرم من صيد الحلال ٧٣٤/ ٧ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيءٍ؟»، قَالَوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال» (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦) (٦٠) من طريق أبي عوانة، حدثنا عثمان - وهو ابن وهب - قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة: أن أباه أخبره، أن رسول الله ﷺ خرج حاجّاً، فخرجوا معه … وساق الحديث. الوجه الثاني: الحديث دليل على حِلِّ صيد الحلال للمحرم، وجواز أكله منه إذا لم يكن للمحرم أثر في صيده من إشارة أو طلب أو مناولة سلاح، ونحو ذلك. الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الصيد على المحرم، لقول الصحابة ﵃: (أنأكل لحم صيد ونحن حرم؟)، وقد دلَّ على ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، والصيد: كل حيوان حلال متوحش طبعاً. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: محرمون أو في حرم، فالصيد محرم على المحرم بحج أو عمرة، ومحرم في الحرم.

стр. 2127

وليس هذا التحريم من أجل معنى يتعلق بنفس الصيد، ولا من أجل عدم قابلية المحرم لأكله، ولكن - والله أعلم - من أجل إبعاد المحرم عن الترفه وتعلق قلبه بالصيد، وإشغال بدنه في طلبه، فيتلهى بذلك عما هو بصدده من الإقبال على الله تعالى والاشتغال بمهام نسكه. أما تحريم قتل الصيد في الحرم، فلأن في صيده - والله أعلم - انتهاكاً لأمن الحرم الذي جعله الله آمناً. الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث فقهاء الكوفة، وطائفة من السلف: كعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير على جواز أكل المحرم مما صاده الحلال مطلقاً، سواء صاده لأجله أم لا (١). ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يسأل أبا قتادة: هل صاده لأجل رفقته أو لا؟ وأقر الرفقة على أكلهم قبل أن يأتوا، وأمرهم بأكل ما بقي من لحمه. وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ما صاده الحلال لأجل المحرم فإنه يحرم على المحرم، لحديث الصعب بن جثَّامة الآتي، وما لم يصده لأجله ولا كان بدلالته أو إعانته حلَّ له؛ لحديث أبي قتادة هذا، وهذا هو الراجح؛ لأنه تجتمع به الأدلة (٢)، وأما الاستدلال به على الإطلاق المتقدم ففيه نظر، فإن الحديث لا يدل على الجواز مطلقاً، وإنما يدل على أن من أعان على الصيد لم يحلَّ له أكله، وأما من لم يُعن على صيده، فلا يدل على الجواز، وإنما يستفاد حل أكله في هذه الحال من دليل آخر. وهذا في صيد البر، وأما صيد البحر فقد دلَّ القرآن على حلِّه، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ … ﴾ [المائدة: ٩٦]، والمراد بصيد البحر: المأخوذ منه حيّاً، ﴿وَطَعَامُهُ﴾: المأخوذ منه ميتاً (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 2128

حكم أكل المحرم ما صيد من أجله ٧٣٥/ ٨ - عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَاراً وَحْشِياً، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانِ. فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو الصعب بن جثّامة - بفتح الجيم وتشديد المثلثة - بن قيس الليثي ﵁ حليف قريش، أمه أخت أبي سفيان بن حرب، كان ينزل وَدَّان والأبواء، شهد فتح فارس، له أحاديث في الصحيح من رواية ابن عباس عنه، ومنها حديث الباب، وتوفي في أوائل خلافة عثمان ﵁، وذكر ابن عبد البر أنه مات في خلافة أبي بكر ﵁، قال يعقوب بن سفيان: (أخطأ من قال: إن الصعب بن جثّامة مات في خلافة أبي بكر خطأً بيِّناً) (١). الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «إذا أهدى للمحرم حماراً وحشيّاً حيّاً لم يقبل» (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس ﵄، عن الصعب بن جثّامة ﵁، به. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أهدى) أي: وهب تودداً.

стр. 2129

قوله: (حماراً وحشيّاً) الحمار الوحشي نوع من الصيد تشبه الحمر الأهلية، سميت حمر وحش؛ لأنها متوحشة غير أليفة. وقد ورد في بعض الروايات عند مسلم: (لحم حمار وحش)، وفي رواية: (رِجْلَ حمار وحش)، لكن ظاهر سياق الحديث من رواية مالك عن الزهري: أنه كان حيّاً، وعلى ذلك ترجم البخاري - كما تقدم - وكأنه يشير إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحاً موهمة (١). قال الترمذي: (وقد روى بعض أصحاب الزهري، عن الزهري هذا الحديث، وقال: «أهدى له لحم حمار وحش» وهو غير محفوظ) (٢). قوله: (وهو بالأبواء) أي: حال كون النبي ﷺ نازلاً بالأبواء، وذلك حين مروره به في سفره لحجة الوداع، والأبواء: اسم لوادٍ بين مكة والمدينة، لا يزال معروفاً، يقع شرقي بلدة (مستورة) بِمَيْلٍ نحو الجنوب، الواقعة على الطريق القديم بين مكة والمدينة، وتبعد عنها بما يقارب (٢٥) كيلاً، وتبعد الأبواء عن رابغ بما يقارب (٤٣) كيلاً (٣). قوله: (أو بودان) شك من أحد الرواة، وقال ابن حجر: (الذي يظهر لي أن الشك من ابن عباس؛ لأن الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك - أيضاً ـ) (٤). وودان: اسم موضع بين مكة والمدينة، يقع شرق مستورة باثني عشر كيلاً، وذكر بعض الشراح والباحثين: أن ودان هي مستورة، لكن الشيخ عبد الله البسام ﵀ نفى ذلك (٥). قوله: (وقال: «إنا لم نرده عليك … »)، هنا جملة تركها الحافظ، وهي قوله: (فلما رأى ما في وجهه) أي: فلما أبصر النبي ﷺ ما في وجه الصعب من التغير تأثُّراً برد النبي ﷺ هديته، قال له: «إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُم»

стр. 2130

أي: من أجل أننا محرمون، فأخبره عن سبب الرد ليزول ما في نفسه. وقوله: «لم نرده» بفتح الدال وضمها، أما الفتح فلأنه أخف الحركات، وأما الضم فعلى إتباع حركة اللام لحركة العين، وهكذا يقال في كل مضارع مضعف مجزوم (١). الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم أكل لحم الصيد على المحرم بحج أو عمرة؛ لأن النبي ﷺ بيَّن أن سبب رد الهدية كونهم محرمين، فدل على أن المحرم ممنوع من أكل الصيد، وبهذا الحديث استدل من قال: إن لحم الصيد يحرم على المحرم بكل حال، وهو قول علي وابن عمر وابن عباس ﵃، وهو قول طاوس وإسحاق والثوري (٢)، وكأنهم أخذوا بحديث الصعب بن جثّامة لتأخره، ولأنه أحوط. كما استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. وذهب الجمهور إلى التفصيل - كما تقدم - وهو أنه إن صيد لأجل المحرم حَرُمَ، أخذاً بحديث الصعب بن جثّامة، فإنَّ تَرْكَ النبي ﷺ الأكلَ مما أهدى له الصعب بن جثّامة يحتمل أن يكون لعلمه أنه صيد من أجله، ويتعين حمله على ذلك، أما إذا لم يصد من أجله ولا أعان عليه فإنه يجوز له أكله، أخذاً بحديث أبي قتادة ﵁، فإن النبي ﷺ أكل من صيده. الوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب رد الهدية إذا كانت لا تحل للمهدى إليه، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: «باب من لم يقبل الهدية لعلة» (٣) ولعل هذا محمول على ما إذا لم يمكن التصرف فيها على وجه يباح، مثل إهداء الحرير للرجل، فيعطيه نساءه، وقد تقدم في «اللباس» شيء من هذا. الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية ذكر سبب رد الهدية على

стр. 2131

المهدي، ليزول ما في نفسه، وتذهب الشكوك عنه، وذلك أنه إذا كانت الهدية لا محذور فيها في ذاتها، ولكنها لا تصلح للمهدى إليه، كما في هذا الحديث بيَّن له لتطيب نفسه، قال أبو علي النيسابوري - شيخ الحاكم ـ: «هذا أصح حديث في الاعتذار» (١). أما إذا كان الرد لكون الهدية فيها محذور كأن يرد القاضي الهدية، وكذا الموظف أو المدرس ونحوهم، فإنه يبين السبب لتطيب نفس المهدي، وليكون من باب إنكار المنكر إذا كان في شيء يُنْكَرُ على المهدي، كأن تكون الهدية فيها حق للغير: كالمغصوب والمسروق والمختلس، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 2132

الدواب التي تُقْتَل في الحل والحرم ٧٣٦/ ٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَم: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «ما يقتل المحرم من الدواب» (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨) من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، به مرفوعاً. وهذا لفظ البخاري، وفي رواية عند مسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂، «خمس فواسق يقتلن في الحلِّ والحرم». الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (خمس) مبتدأ وهو نكرة، لكنه تخصص بالصفة بعده، وخبره جملة «كلهن فاسق»، ولا مفهوم لقوله: «خمس»، فقد جاء عند مسلم بلفظ: «أربع كلهن فاسق … » (١) بإسقاط العقرب، وجاء في «مستخرج أبي عوانة على مسلم» بلفظ: «ست فواسق … » فأضاف الحية (٢). قوله: (من الدواب) جمع دابة، وهي ما يدب على الأرض من طير وغيره. قوله: (فاسق) اسم فاعل من الفسق، وهو في الأصل العصيان

стр. 2133

والخروج على الطاعة، ووصف هذه الدواب بالفسق، لفسق مخصوص، وهو خروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد. قوله: (يقتلن) الجملة خبر بمعنى الأمر، وقد جاء في «مسند أبي عوانة»: «ليقتل المحرم الفأرة … » الحديث (١). وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب والإباحة، والأخير أقرب. قوله: (في الحرم) وفي رواية: «في الحل والحرم» والحل: ما خرج عن حد الحرم. والحرم: أي حرم مكة، وما كان داخل الأميال التي تبعد عن الكعبة بنسب مختلفة، وفائدة ذكر (الحرم) نفي ما قد يتوهم من أن الجواز خاص بالحل دون الحرم. قوله: (الغراب) طائر معروف، وقيد في رواية مسلم بـ (الأبقع)، وهو ما في بطنه أو ظهره بياض. قوله: (الحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال بوزن عِنَبَة، طائر من الجوارح يعيش على أكل الجيف وصغار الطيور والحيوان. قوله: (العقرب) دابة معروفة، تلسع بشوكة في طرف ذيلها، فتفرز مادة سامة، وهو لفظ يطلق على الذكر والأنثى، وقد مضى ذكر ذلك في آخر «شروط الصلاة». قوله: (والفأرة) بهمزة ساكنة، وقد تسهل، فيقال: فار؛ دابة معروفة، تخرق الأوعية لأكل ما فيها، وتحفر البيوت. قوله: (والكلب العقور) صيغة مبالغة من العقر، وهو العض والجرح، فالعقور: هو الذي يجرح بنابه أو ظفره. الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قتل هذه الدواب الخمس في الحل والحرم للمحلّين والمحرمين، وعلة قتلها اتصافها بالفسق والعدوان، فيلحق بها ما اتصف بهذه الصفة وإن لم تكن من طبيعته، كالحية والأسد

стр. 2134

والذئب، وظاهر الحديث أنها تقتل وإن كانت صغيرة اعتباراً بمآلها. قال ابن قدامة: (إن الخبر نصَّ من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها، ودلالةً على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيه على البازي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي هي أعلى منه، ولأن ما لا يضمن بمثله ولا بقيمته، لا يُضمن، كالحشرات) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 2135

حكم الحجامة للمحرم ٧٣٧/ ١٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ». مُتَّفَقٌ عَليْهِ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «الحجامة للمحرم» (١٨٣٥) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، به. وأخرجه مسلم (١٢٠٢) من طريق سفيان، عن عمرو، عن طاوس وعطاء، عن ابن عباس ﵄، به. الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الحجامة للمحرم مطلقاً لضرورة وغيرها، أخذاً بظاهر الحديث، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وبعض السلف (١)، واشترطوا ألا يقطع شعراً، فإن قطع شعراً فدى، لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ … ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأنه حَلْقُ شعرٍ لإزالة ضررٍ غيره فلزمته، كما لو حلق لإزالة قمله. وذهب بعض المالكية إلى أنه لا يحتجم إلا من ضرورة (٢)، وذهب

стр. 2136

الحسن البصري إلى أن في الحجامة فدية مطلقاً، ولو لم يقطع شعراً (١). والقول الأول أرجح، وهو جوازها مطلقاً، أخذاً بظاهر الحديث، وأما إيجاب الفدية في قطع الشعر فهذا يحتاج إلى دليل، فإنه لم يثبت في السنة ما يدل على أنه ﷺ فدى لما احتجم أو أمر بالفدية، والمقام مقام بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ثم إن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يُزال به الأذى، فهو قليل بالنسبة لبقية شعر الرأس، والذي فيه الفدية هو حلق جميعه، وأما حلق بعضه فهو محرم ولا فدية فيه، فإن كان لحاجة، كالحجامة فلا تحريم ولا فدية، وهذا ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). ومما ينبغي أن ينبه عليه أنه لا بأس بحك المحرم رأسه، ولو سقط منه شيء بغير قصد فإنه لا يضر، وقد اغتسل النبي ﷺ وهو محرم، وغسل الرأس قد يحصل منه تساقط بعض الشعر، وترى من الحجاج من إذا أراد أن يحك رأسه نقر بأصبعه على رأسه خوفاً من أن يتساقط شعر، وهذا من التنطع في الدين، والنبي ﷺ يقول: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 2137

فدية حلق المحرم رأسه ٧٣٨/ ١١ - عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكينٍ نِصْفُ صَاعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو كعب بن عجرة بن أمية القضاعي، حليف الأنصار، شهد غزوة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية، وقد أخرج ابن سعد بسند جيد: أن يده قطعت في إحدى الغزوات، سكن الكوفة، ثم مات في المدينة سنة إحدى وخمسين، عن خمس وسبعين سنة (١) ﵁. الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «الإطعام في الفدية، نصف صاع» (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١) (٨٥) من طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حُملت إلى رسول الله ﷺ … الحديث. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (فسألته عن الفدية) على حذف مضاف؛ أي: عن آية الفدية،

стр. 2138

بدليل الجواب، والفدية في باب «المناسك»: ما يجب بسبب ترك واجب في الحج أو فعل محظور في الإحرام، سميت بذلك؛ لأنها فداء للنفس عن العقوبة. قوله: (نزلت فيَّ خاصةً) أي: نزلت في شأني، فهو سبب نزولها، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وخاصة: حال من الضمير في (نزلت). قوله: (وهي لكم عامة) أي: إن حكمها لجميع الناس، و (عامة) أي: شاملة، وهي حال من (هي). قوله: (حُملت) أي: حملني أهلي، وكان ذلك في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة. قوله: (والقمل يتناثر على وجهي) جملة حالية. والقمل: حشرة معروفة تنتشر في البدن بسبب كثرة الأوساخ غالباً، ومعنى: (يتناثر على وجهي) أي: يتساقط من رأسه على وجهه لكثرته، وكان كعب ﵁ لا يقتله لكونه محرماً. قوله: (أُرى) بضم الهمزة مبنياً للمجهول: بمعنى أظن مبنياً للمعلوم. قوله: (الوَجَع) بفتحتين اسم جامع لكل مرض أو ألم. قوله: (ما أَرى) بفتح الهمزة: ما أشاهد. قوله: (تجد شاة؟) بحذف همزة الاستفهام، والشاة: واحدة من الغنم ذكراً أم أنثى، ضأناً أم معزاً، والرسول ﷺ لم يسأله عن قدرته على الفدية إلا ليأذن له بالحلق، كما في بعض الروايات الأخرى: «احلق رأسك». قوله: (مساكين) جمع مسكين، وهو من لا يجد من النفقة ما يكفيه وعائلته. قوله: (نصف صاع) أي: مُدَّان، والصاع أربعة أمداد، كما تقدم في «الزكاة»، وظاهر الحديث الإطلاق؛ أي: سواء كان بُرّاً أو غيره، فتكون الآصع ثلاثة.

стр. 2139

الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المحرم إذا كان به أذى من رأسه لقمل أو نحوه، فإنه يجوز له أن يحلق رأسه، ولا إثم عليه؛ لأنه حلق لعذر، ولكن يجب عليه الفدية، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد جاءت السنة ببيان هذه الآية، وأن الصيام ثلاثة أيام، ولا يشترط فيها التتابع؛ لأن ما أطلقه الشرع عُمل به على إطلاقه، وأن الإطعام ثلاثة أصواع، لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك ذبح شاة يتصدق بها على الفقراء، وهذه الفدية على التخيير كما دل عليه القرآن، وأما حديث الباب فليس فيه التخيير إلا بين الإطعام والصيام، لكن جاء في رواية عند مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: «فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة … » (١). وقد رجح بعض العلماء، كابن حزم رواية ابن أبي ليلى؛ لأنها موافقة للقرآن في التخيير، وقال ابن عبد البر: (عامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم، وبالله التوفيق) (٢). الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن فدية فعل المحظور حيث فُعِلَ؛ لأن قوله: «انسك شاة» عام غير مقيد بالحرم، فيدفعها إلى مستحقها في المكان الذي فعل فيه المحظور، وهذا بالنسبة إلى الشاة أو الإطعام، وهذا قول الإمام مالك، وأحمد (٣). وقال الشافعي وأحمد في رواية: إن الفدية بمنزلة النسك، لا بد أن تكون لمساكين الحرم (٤)، وعند الشافعية قول ثالث، وهو جواز الذبح في غير الحرم بشرط أن يبلغ اللحم طرياً بحيث تقع تفرقته في الحرم، وينصرف إلى

стр. 2140

مساكينه قبل تغيره لحصول المقصود (١). والأول أقرب، لظاهر الحديث، فإن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية، وهذا في الحديبية - كما تقدم ـ، ولم يأمره ببعثه إلى الحرم (٢). الوجه السادس: حلق الرأس هو المحظور الوحيد الذي دل النص على وجوب الفدية فيه، وأما غيره من محظورات الإحرام، كتغطية الرأس، أو الطيب، أو حلق بقية شعر البدن، ونحوها فإيجاب الفدية بطريق القياس على فدية حلق الرأس، وذكر العلماء أن العلة هي الترفه؛ لأن حلق شعر الرأس تحصل به النظافة، بدليل أنه كلما نما الشعر زاد وسخه وكثر فيه القمل والرائحة، لكن قد ينازع في هذا القياس بأن المحرم ليس ممنوعاً من الترفه، فله أن يترفه في الأكل، بأن يأكل من الطيبات ما شاء، وله أن يترفه في اللباس، وله أن يترفه بإزالة الأوساخ بالاغتسال ونحوه. الوجه السابع: دل الحديث على أن الفدية على التخيير بين الأمور الثلاثة: الإطعام، أو ذبح الشاة، أو الصيام، مع أن كثيراً ممن يفتون الناس بما يجب على من فعل محظوراً، يلزمونه بالدم، وهذا فيه تضييق، وإنما هو مخير بين الأشياء المذكورة، فيختار واحداً منها. الوجه الثامن: ورد النص بحلق شعر الرأس، وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى تحريم أخذ شيء من شعر البدن قياساً على شعر الرأس، وأن ذلك من محظورات الإحرام، على خلاف بينهم فيما يجب على من فعل ذلك؛ بل حكاه ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما إجماعاً (٣). قال الإمام أحمد: (شعر الرأس، واللحية، والإبط، لا أعلم أحداً فرق بينهما) (٤)، وذهب داود الظاهري إلى جواز أخذ شعر البدن غير الرأس، وأنه
следующие страницы →