الحسن البصري إلى أن في الحجامة فدية مطلقاً، ولو لم يقطع شعراً (١).
والقول الأول أرجح، وهو جوازها مطلقاً، أخذاً بظاهر الحديث، وأما إيجاب الفدية في قطع الشعر فهذا يحتاج إلى دليل، فإنه لم يثبت في السنة ما يدل على أنه ﷺ فدى لما احتجم أو أمر بالفدية، والمقام مقام بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ثم إن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يُزال به الأذى، فهو قليل بالنسبة لبقية شعر الرأس، والذي فيه الفدية هو حلق جميعه، وأما حلق بعضه فهو محرم ولا فدية فيه، فإن كان لحاجة، كالحجامة فلا تحريم ولا فدية، وهذا ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
ومما ينبغي أن ينبه عليه أنه لا بأس بحك المحرم رأسه، ولو سقط منه شيء بغير قصد فإنه لا يضر، وقد اغتسل النبي ﷺ وهو محرم، وغسل الرأس قد يحصل منه تساقط بعض الشعر، وترى من الحجاج من إذا أراد أن يحك رأسه نقر بأصبعه على رأسه خوفاً من أن يتساقط شعر، وهذا من التنطع في الدين، والنبي ﷺ يقول: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 2137
فدية حلق المحرم رأسه
٧٣٨/ ١١ - عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكينٍ نِصْفُ صَاعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو كعب بن عجرة بن أمية القضاعي، حليف الأنصار، شهد غزوة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية، وقد أخرج ابن سعد بسند جيد: أن يده قطعت في إحدى الغزوات، سكن الكوفة، ثم مات في المدينة سنة إحدى وخمسين، عن خمس وسبعين سنة (١) ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «الإطعام في الفدية، نصف صاع» (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١)(٨٥) من طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حُملت إلى رسول الله ﷺ … الحديث.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (فسألته عن الفدية) على حذف مضاف؛ أي: عن آية الفدية،
стр. 2138
بدليل الجواب، والفدية في باب «المناسك»: ما يجب بسبب ترك واجب في الحج أو فعل محظور في الإحرام، سميت بذلك؛ لأنها فداء للنفس عن العقوبة.
قوله: (نزلت فيَّ خاصةً) أي: نزلت في شأني، فهو سبب نزولها، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وخاصة: حال من الضمير في (نزلت).
قوله: (وهي لكم عامة) أي: إن حكمها لجميع الناس، و (عامة) أي: شاملة، وهي حال من (هي).
قوله: (حُملت) أي: حملني أهلي، وكان ذلك في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة.
قوله: (والقمل يتناثر على وجهي) جملة حالية. والقمل: حشرة معروفة تنتشر في البدن بسبب كثرة الأوساخ غالباً، ومعنى: (يتناثر على وجهي) أي: يتساقط من رأسه على وجهه لكثرته، وكان كعب ﵁ لا يقتله لكونه محرماً.
قوله: (أُرى) بضم الهمزة مبنياً للمجهول: بمعنى أظن مبنياً للمعلوم.
قوله: (الوَجَع) بفتحتين اسم جامع لكل مرض أو ألم.
قوله: (ما أَرى) بفتح الهمزة: ما أشاهد.
قوله: (تجد شاة؟) بحذف همزة الاستفهام، والشاة: واحدة من الغنم ذكراً أم أنثى، ضأناً أم معزاً، والرسول ﷺ لم يسأله عن قدرته على الفدية إلا ليأذن له بالحلق، كما في بعض الروايات الأخرى: «احلق رأسك».
قوله: (مساكين) جمع مسكين، وهو من لا يجد من النفقة ما يكفيه وعائلته.
قوله: (نصف صاع) أي: مُدَّان، والصاع أربعة أمداد، كما تقدم في «الزكاة»، وظاهر الحديث الإطلاق؛ أي: سواء كان بُرّاً أو غيره، فتكون الآصع ثلاثة.
стр. 2139
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المحرم إذا كان به أذى من رأسه لقمل أو نحوه، فإنه يجوز له أن يحلق رأسه، ولا إثم عليه؛ لأنه حلق لعذر، ولكن يجب عليه الفدية، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقد جاءت السنة ببيان هذه الآية، وأن الصيام ثلاثة أيام، ولا يشترط فيها التتابع؛ لأن ما أطلقه الشرع عُمل به على إطلاقه، وأن الإطعام ثلاثة أصواع، لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك ذبح شاة يتصدق بها على الفقراء، وهذه الفدية على التخيير كما دل عليه القرآن، وأما حديث الباب فليس فيه التخيير إلا بين الإطعام والصيام، لكن جاء في رواية عند مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: «فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة … » (١).
وقد رجح بعض العلماء، كابن حزم رواية ابن أبي ليلى؛ لأنها موافقة للقرآن في التخيير، وقال ابن عبد البر: (عامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم، وبالله التوفيق) (٢).
الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن فدية فعل المحظور حيث فُعِلَ؛ لأن قوله: «انسك شاة» عام غير مقيد بالحرم، فيدفعها إلى مستحقها في المكان الذي فعل فيه المحظور، وهذا بالنسبة إلى الشاة أو الإطعام، وهذا قول الإمام مالك، وأحمد (٣).
وقال الشافعي وأحمد في رواية: إن الفدية بمنزلة النسك، لا بد أن تكون لمساكين الحرم (٤)، وعند الشافعية قول ثالث، وهو جواز الذبح في غير الحرم بشرط أن يبلغ اللحم طرياً بحيث تقع تفرقته في الحرم، وينصرف إلى
стр. 2140
مساكينه قبل تغيره لحصول المقصود (١). والأول أقرب، لظاهر الحديث، فإن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية، وهذا في الحديبية - كما تقدم ـ، ولم يأمره ببعثه إلى الحرم (٢).
الوجه السادس: حلق الرأس هو المحظور الوحيد الذي دل النص على وجوب الفدية فيه، وأما غيره من محظورات الإحرام، كتغطية الرأس، أو الطيب، أو حلق بقية شعر البدن، ونحوها فإيجاب الفدية بطريق القياس على فدية حلق الرأس، وذكر العلماء أن العلة هي الترفه؛ لأن حلق شعر الرأس تحصل به النظافة، بدليل أنه كلما نما الشعر زاد وسخه وكثر فيه القمل والرائحة، لكن قد ينازع في هذا القياس بأن المحرم ليس ممنوعاً من الترفه، فله أن يترفه في الأكل، بأن يأكل من الطيبات ما شاء، وله أن يترفه في اللباس، وله أن يترفه بإزالة الأوساخ بالاغتسال ونحوه.
الوجه السابع: دل الحديث على أن الفدية على التخيير بين الأمور الثلاثة: الإطعام، أو ذبح الشاة، أو الصيام، مع أن كثيراً ممن يفتون الناس بما يجب على من فعل محظوراً، يلزمونه بالدم، وهذا فيه تضييق، وإنما هو مخير بين الأشياء المذكورة، فيختار واحداً منها.
الوجه الثامن: ورد النص بحلق شعر الرأس، وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى تحريم أخذ شيء من شعر البدن قياساً على شعر الرأس، وأن ذلك من محظورات الإحرام، على خلاف بينهم فيما يجب على من فعل ذلك؛ بل حكاه ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما إجماعاً (٣).
قال الإمام أحمد: (شعر الرأس، واللحية، والإبط، لا أعلم أحداً فرق بينهما) (٤)، وذهب داود الظاهري إلى جواز أخذ شعر البدن غير الرأس، وأنه
стр. 2141
لا فدية في ذلك، واختاره ابن حزم، مستدلاً بأنه لم يرد في المنع من ذلك دليل، وردَّ الإجماع الذي تقدمت حكايته (١).
قالوا: وهذا هو ظاهر القرآن، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فخصَّ شعر رأسه بالمنع، فوجب أن يختص به الحكم (٢)، والله تعالى أعلم.
والقول بأن حلق الشعر من محظورات الإحرام قول وجيه، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، فقد قال ابن عباس ﵄: (التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب والأظفار)، وهذا يفيد أن المحرم كان ممنوعاً من ذلك وقت الإحرام، وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما (٣).
ويؤيد هذا كلام أهل اللغة. فقد قال الجوهري: (التفث في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار والشارب، وحلق الرأس والعانة، ورمي الجمار، ونحر البُدن، وأشباه ذلك) (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 2142
حرمة مكة
٧٣٩/ ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْن».
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلاَّ الإذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبيُوتِنَا، فَقَالَ: «إِلاَّ الإذْخِرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «اللقطة»، باب «كيف تُعرَّف لقطة أهل مكة؟» (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥) من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة ﵁ … وذكر الحديث.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة) أي: سنة ثمانٍ من الهجرة في شهر رمضان.
قوله: (قام رسول الله ﷺ في الناس) ظاهره أن الخطبة وقعت عقب الفتح، وليس كذلك، فقد ورد الحديث عند البخاري في كتاب «العلم» من طريق شبيان، عن يحيى بلفظ: (إن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح
стр. 2143
مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر النبي ﷺ بذلك فركب راحلته، فخطب فقال … ) الحديث (١).
قوله: (إن الله حبس عن مكة الفيل) أي: منعه من الانبعاث، وفيه إشارة إلى القصة المشهورة للحبشة في غزوهم مكة لهدم البيت ومعهم فيلة، ويتقدمهم فيل عظيم، فنسبوا إليه، فحمى الله تعالى بيته منهم وأبطل كيدهم، وأضاع جهدهم، وأهلكهم الله تعالى بما قصه في القرآن.
قوله: (وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين) سلَّط: بتشديد اللام، من التسليط، وهو التمكين والتغليب، فأخذوها عنوة، وبعث الله في قلوب أهلها الرعب فلم يستطيعوا المقاومة، ودخلها المسلمون بعشرة آلاف مقاتل، وحصل قتال يسير، وأمَّنهم النبي ﷺ .
قوله: (ساعة من نهار) أي: وقتاً من نهار، وهي ساعة الفتح من طلوع الشمس إلى صلاة العصر.
قوله: (فلا يُنفَّر صيدها) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، بتشديد الفاء؛ أي: لا يزعج من مكانه ولا يطرد.
قوله: (ولا يُختلى شوكها) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، يقال: اختلى الحشيش أو الشجر: قطع الرطب من الكلأ، أما اليابس فيسمّى: حشيشاً. وقوله: (شوكها) أي: شجرها ذو الشوك أو الشوك نفسه، وخصه بالذكر، إما لأن غالب شجر مكة منه، وإما ليبين عموم الحكم فيما يؤذي وغيره.
قوله: (ولا تحل ساقطتها) الساقطة: هي اللقطة، وهي المال الذي ضاع من صاحبه.
قوله: (إلا لمنشد) وهو المعرّف للقطة، يقال: أنشد الضالة: عَرَّفَها، ونشد الضالة ينشدها - من باب (قتل) ـ: طلبها، ويطلق - أيضاً - على تعريفها.
стр. 2144
قوله: (فهو بخير النظرين) أي: يختار أحد الأمرين، إما الدية، أو قتل القاتل.
قوله: (إلا الإذخر) بكسر الهمزة: هو نبت معروف له رائحة طيبة، قضبانه دقيقة تجتمع في أصل مندفن في الأرض.
قوله: (فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا) تعليل قصد به بيان حاجة الناس إلى الإذخر في البيوت، حيث يجعلونه في السقوف تحت الطين وفوق الخشب، ليسد الخلل، ويمسك الطين فلا يسقط، وفي القبور حيث يسدون به خلل اللبِن.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الخطبة لموعظة الناس أو بيان حكم من الأحكام الشرعية.
الوجه الرابع: مشروعية بدء الخطبة بحمد الله تعالى والثناء عليه، وهذه عادة النبي ﷺ ، وتقدم بيان ذلك في باب «الجمعة».
الوجه الخامس: الحديث دليل على عظم قدرة الله تعالى، حيث حمى بيته ممن أراد هدمه، مما يدل على حرمة هذا البيت وشرفه، ووجوب تعظيمه، وإذا كانت حماية الله تعالى لبيته مع كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفاراً، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد.
الوجه السادس: تحريم القتل والقتال بمكة، والمراد بذلك جميع الحرم؛ لأنه لم يحل فيها القتال لأحد قبل النبي ﷺ ، ولا للنبي ﷺ أيضاً - سوى ساعة من نهار، لضرورة تخليصها من الشرك والمشركين.
واستثنى العلماء شيئين:
١ - القتال مدافعة، فيجوز لمن اعتدى عليه أحد بمكة أن يقاتله إذا لم يندفع بدون ذلك.
٢ - قتل من جنى في مكة جناية تحل قتله، مثل: القاتل عمداً، والزاني المحصن إذا تمت الشروط.
стр. 2145
الوجه السابع: تحريم تنفير صيد مكة أو إيذائه بما هو أعظم أو قتله، ويدخل في ذلك تنفيره ليخرج عن الحرم من أجل صيده.
الوجه الثامن: تحريم قطع شجر مكة، والمراد جميع الحرم وإن كان مؤذياً كالشوك، تأكيداً لحرمة هذا المكان.
وليس في قطع شجر الحرم جزاء على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنه ليس في السنة ما يدل على ذلك، وقد ورد عن بعض السلف إيجاب الجزاء، ويحتمل أنه من باب التعزير، وقال عطاء: (يستغفر الله ولا يعود، ولا شيء عليه) (١).
ويستثنى من ذلك ما أنبته الآدمي؛ لأنه ملكه، والحديث فيه إضافة الشجر والحشيش إلى مكة لأنه قال: «شوكها»، وما ملكه الآدمي فإنه يضاف إليه، كذا يستثنى الإذخر.
الوجه التاسع: تحريم التقاط لقطة مكة إلا لمن أراد أن يعرِّفها دائماً، ولعل الحكمة من ذلك - والله أعلم - زيادة الأمن على الأموال بمكة، فإن الناس لا يلتقطون اللقطة إذا علموا أنهم لا يملكونها بالتعريف، فإذا تركوها عاد صاحبها فوجدها، والله المستعان!.
الوجه العاشر: الحديث دليل على أن من قتل له قتيل، فهو مخيّر بين القصاص أو العفو عن القصاص وأخذ الدية، وفي المسألة تفاصيل محلها كتاب «القصاص».
الوجه الحادي عشر: استدل بعض الأصوليين بقوله: «إلا الإذخر» على صحة الاستثناء، ولو كان منفصلاً ما دام الكلام واحداً؛ لأن كلام العباس ﵁ جاء فاصلاً بين المستثنى والمستثنى منه، لكن لما كان كلامه في الموضوع نفسه صحَّ الاستثناء (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2146
حرمة المدينة
٧٤٠/ ١٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «البيوع»، باب «بركة صاع النبي ﷺ ومُدِّه» (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠) من طريق عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم الأنصاري، عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم، أن رسول الله ﷺ قال: … الحديث.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن إبراهيم ﷺ حرّم مكة، ودعا لأهلها بالبركة وسعة الرزق، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ … ﴾ [البقرة: ١٢٦]. ولا منافاة بين هذا وما تقدم من أن الله تعالى حرم مكة، فإن تحريم إبراهيم لمكة بتحريم الله تعالى إياها.
قال ابن عبد البر: (هذا من فصيح كلام رسول الله ﷺ وبلاغته، وفيه استعارة بينة؛ لأن الدعاء إنما هو للبركة في الطعام المكيل بالصاع والمدِّ، لا في الظروف، والله أعلم، وقد يحتمل - على ظاهر العموم - أن يكون في الطعام والظروف) (١).
стр. 2147
الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ حرَّم المدينة وأنها حرم، وذلك بألا ينفَّر صيدها، ولا يقطع شجرها، وقد روى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عِضَاهُها أو يقتل صيدها» (١). والعِضَاهُ: كل شجر فيه شوك.
ولكن ليس في صيد المدينة جزاء على القول الراجح؛ لأن النبي ﷺ لم يجعل فيه جزاء، وقد نقل القاضي عياض، ومن بعده النووي عن جماعة من الصحابة ﵃ وعن الشافعي في قوله القديم أن من صاد في حرم المدينة أو قطع شجرها أُخذ سلبه (٢) ـ وهو ما معه من ثياب وسلاح ودابة وغيرها ـ.
وقد ورد عن سعد بن أبي وقاص ﵁: (أنَّهُ رَكِبَ إِلَى قَصرِهِ بِالعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْداً يَقْطَعُ شَجَراً، أَو يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ العَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلامِهِمْ، أَو عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئاً نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيهِمْ) (٣).
وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال في المدينة: «لا يختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» (٤).
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة وسعة الرزق، لقوله: «وإني دعوت في صاعها ومدها بمثليْ ما دعا إبراهيم لأهل مكة»، وهذا لفظ مسلم.
стр. 2148
وفي رواية البخاري، ورواية أخرى لمسلم: «مثل»، فدلت الرواية الأولى على أن الدعاء كان بمضاعفة النماء والبركة، وقد ورد في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة ﵁ وفي آخره: «اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه … » (١).
وقد ذكر القاضي عياض عدة معانٍ في معنى الدعاء بالبركة في صاع أهل المدينة ومُدِّهم، ونقلها عنه النووي، ثم قال: (والظاهر من هذا كله أن البركة في نفس المكيل في المدينة، بحيث يكفي المدُّ فيها لمن لا يكفيه في غيرها. والله أعلم) (٢).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (ومن سكن المدينة يعرف ذلك، يعرف ما فيها من البركة في طعامها وشرابها، وما يحصل لأهلها من الكفاية بالقليل، ولا سيما في حق أهل الإيمان والتقوى)، والله تعالى أعلم.
стр. 2149
حدود حرم المدينة
٧٤١/ ١٤ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلى ثَوْرٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الفرائض»، باب «إثم من تبرأ من مواليه» (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠) من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال علي ﵁: (ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، غير هذه الصحيفة، قال: فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات، وأسنان الإبل، قال: وفيها «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور … ») الحديث بتمامه، وعزوه لمسلم فقط وَهْمٌ من الحافظ.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن حرم المدينة يحده من الناحية الجنوبية جبل عَيْرٍ، وهو جبل أسود بحمرة مستطيل من الشرق إلى الغرب يشرف على المدينة من الجنوب، قرب ذي الحليفة، ويحدها من الجهة الشمالية: جبل ثور، وهو جبل صغير مدوَّر خَلْفَ جبل أُحُدٍ من شماليه (١).
стр. 2150
أما حدها الشرقي والغربي فهما الحرَّتان الشرقية والغربية، لما تقدم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة … » ولابتاها: حرَّتاها: الشرقية شرقي البقيع، وتسمّى: حرة واقم، وحرة بني حارثة، وهي داخلة في الحرم، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «حُرِّم ما بين لابتي المدينة على لساني» قال: وأتى النبي ﷺ بني حارثة، فقال: «أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم»، ثم التفت فقال: «بل أنتم فيه» (١).
والحرة الغربية غربي سلع، وتسمّى: حرة الوبرة، وتنتهي عند وادي العقيق، وهي داخلة في الحرم، بدليل حديث الباب؛ لأنها واقعة بين عير وثور، والحرة: أرض تعلوها حجارة سود، كما تقدم في «الصيام».
وفائدة معرفة حدود حرم المدينة هي ما يترتب على ذلك من حصول البركة بدعاء النبي ﷺ ، وتحريم الصيد، ومنع الدجال منها، وكونها لا يدخلها الطاعون، إلى غير ذلك مما ثبت في الأحاديث الصحيحة (٢)، أما مضاعفة الصلاة فهي خاصة بالمسجد النبوي دون غيره من مساجد المدينة، كما سيأتي إن شاء الله (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 2151
باب صفة الحج، ودخول مكة
هذا الباب عقده الحافظ ﵀ لذكر الأحاديث في بيان صفة الحج.
وما شرع فيه من أقوال وأفعال، ابتداء بالطواف، ثم السعي، والإحرام بالحج يوم التروية، والخروج إلى منى، ثم عرفة، والإفاضة إلى مزدلفة، والرمي، والمبيت بمنى، والوداع، كما ذكر الأحاديث في كيفية دخول مكة، من مشروعية الاغتسال، ومن أين يدخلها؟ إلى غير ذلك مما ورد في هذا الباب، وقد بدأ بحديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ثم ذكر بعده، ستة وثلاثين حديثاً.
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ.
ثُمْ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُهْرَ. رَوَاهُ مُسْلِم مُطَوَّلاً.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «حجة النبي ﷺ » (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم، حتى انتهى إليَّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين (١)، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذٍ غلام شاب، فقال: مرحباً بك يا ابن أخي سلّ عمّا شئت، فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة، فقام في نِسَاجة (٢) ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب (٣)، فصلّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فقال بيده، فعقد تسعاً، فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحجّ، ثم أذَّن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه … وساق الحديث بطوله.
وهذا الحديث من أفراد مسلم دون البخاري، وقد بدأ المؤلف أحاديث هذا الباب بحديث جابر ﵁ لاشتماله على مسائل كثيرة، ثم ساق بعده الأحاديث المتعلقة بمسائل لم ترد فيه، وهو حديث عظيم شامل لأكثر ما ورد في حجة النبي ﷺ ، ويعتبر منسكاً مستقلاً، ولا سيما إذا جمعت رواياته وضم
стр. 2155
بعضها إلى بعض (١)، فإنه ذكر صفة حجة النبي ﷺ ومعظم أفعاله من خروجه من المدينة إلى رجوعه، ولكن المؤلف اختصر في أثنائه، وسيذكر الحافظ طرفاً منه في باب «الوكالة» من كتاب «البيوع»، ثم في باب «النفقات».
وسيكون الكلام - إن شاء الله - على مفرداته وجمله وفوائده، في كل جملة على حدة نظراً لطوله، وأضيف أثناء ذلك من روايات الحديث ما أرى له أهمية.
الوجه الثاني: قوله: (إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج) أي: مكث في المدينة، وأما في مكة فقد حج واحدة باتفاق (٢)، كما ثبت في حديث أبي إسحاق قال: حدثني زيد بن أرقم: (أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة، لم يحجَّ بعدها: حجة الوداع)، قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى (٣).
وقد ذكر الحافظ ابن كثير (٤) أن النبي ﷺ كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس، وجزم الحافظ ابن حجر بأنه ﷺ لم يترك الحج وهو بمكة قط، وقد ثبت دعاؤه ﷺ قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية، وقد اعتمر ﷺ بعد الهجرة أربع عُمَر، كلهن في ذي القعدة (٥).
الوجه الثالث: قوله: (إن رسول الله ﷺ حاجٌّ) وهي حجة الوداع كما تقدم، وهي سنة عشر، كما قال جابر ﵁، وكان خروجه ﷺ من المدينة يوم السبت (٦)، لخمس بقين من ذي القعدة، كما تقدم، وقدم مكة يوم الأحد رابع ذي الحجة (٧)، فيكون ﷺ مكث في الطريق ثمان ليال (٨).
стр. 2156
الوجه الرابع: قوله: (فخرجنا معه) في هذا دليل على حرص الصحابة ﵃ على العلم بأفعال النبي ﷺ لاتباعه والتأسي به ﵊. ويستفاد من ذلك الحث على صحبة أهل العلم والفضل في الأسفار ولا سيما في الحج، لما في ذلك من الخير الكثير من الاستفادة من علمهم وأخلاقهم، إضافة إلى حفظ الوقت وصرفه فيما ينفع ويفيد، وهذا شيء ملاحظ ومحسوس.
الوجه الخامس: قوله: (فولدت أسماء بنت عميس) وهي زوجة أبي بكر الصديق ﵂، ولدت له محمداً في الميقات، وكانت قبل ذلك تحت جعفر بن أبي طالب ﵁، وأولاده منها، وبعد وفاة أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب ﵃.
والعجيب في الأمر أنه لم يرد لأسماء ﵂ ذكر في حديث جابر ﵁ في غير هذا الموضع مع كثرة طرقه وتعدد ألفاظه، فلا يُدرى ماذا صنعت فيما بعد؟ هل طهرت قبل رجوعهم فطافت، وهذا فيه بعد؟ أم أنها بقيت على نفاسها؟ وهل أذن لها النبي ﷺ أن تطوف وهي نفساء من باب الضرورة؟ أم أنه أمر أحد محارمها أن يبقى معها؟ كل هذا مسكوت عنه، فالله تعالى أعلم بما كان من أمرها.
الوجه السادس: قوله: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي) الاستثفار: أن تشد المرأة على وسطها شيئاً ثم تأخذ خرقة عريضة تجعلها في محل الدم وتشدها من ورائها وقدامها ليمتنع الخارج، وفي معناها الوسائل المعروفة الآن عند النساء.
وفي هذا القدر دليل على أن النفساء وفي معناها الحائض إذا وصلت الميقات أنها تغتسل كالطاهرات - كما تقدم - وتتحفظ عن خروج الدم وتحرم، وتقدم الكلام على الاغتسال عند الإحرام.
الوجه السابع: قوله: (ثم ركب القَصواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد) القصواء - بفتح القاف ـ: وهي الناقة التي قطع طرف أذنها، وناقة النبي ﷺ لم تكن مقطوعة الأذن، وإنما لقبها به حباً. وفي هذا
стр. 2157
دليل لمن قال: إن النبي ﷺ أهلَّ من البيداء، وتقدم حديث ابن عمر ﵄ أنه ﷺ أهلَّ عندما استوت به راحلته عند المسجد.
ومعنى (أهلَّ) رفع صوته بالتلبية، التي تشتمل على توحيد الله بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فالتلبية شعار التوحيد الذي هو ملة إبراهيم ﷺ ، وهو روح الحج ومقصده؛ بل روح العبادات كلها؛ لأن قوله: (والملك) من توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم توحيد الألوهية، وفي قوله: (إن الحمد والنعمة) توحيد الأسماء والصفات، فإن الحمد: وصف المحمود بالكمال مع محبته وتعظيمه، والنعمة: من صفات الأفعال. وفي قوله: (أهلَّ) دليل على مشروعية رفع الصوت بالتلبية، كما تقدم.
الوجه الثامن: قوله: (لبيك اللهم لبيك) أي: إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية إيذاناً بتكرير الإجابة (١)، وهو منصوب بالياء إلحاقاً له بالمثنى، والمراد به التكثير، والناصب له فعل محذوف تقديره: أجيبك إجابة بعد إجابة، وينبغي للمحرم أن يستحضر - وهو يقول: لبيك - دعاء الله تعالى له وإجابته إياه، لا أن تكون عبارات التلبية مجرد ألفاظ تُردد؛ بل عليه أن يستحضر ذلك منذ خروجه من بلده، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، فالتلبية تتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك؛ إذ لا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.
وقوله: (لبيك لا شريك لك) التكرار للتأكيد، وهو أنه مجيب لربه، مقيم على طاعته، وقوله: (لا شريك) أي: فيما ذكر.
وقوله: (إن الحمد … ) بكسر الهمزة وفتحها، فالكسر على أنها جملة مستأنفة، معناها: الحمد لله على كل حال، والفتح على التعليل؛ أي: لبيك لأن الحمد والنعمة لك، فيرجع الحمد والنعمة إلى التلبية، والكسر أجود؛
стр. 2158
لأنه أعم؛ لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال.
و (الحمد): الوصف بالكمال مع المحبة والتعظيم، و (النعمة): الفضل والإحسان، ويدخل في هذا جميع النعم الظاهرة والباطنة، (لك) اللام الاختصاص؛ لأن الله وحده المحمود والمنعم.
قوله: (والملك) أي: ملك الخلائق وتدبيرها لك وحدك، وهو بالرفع مبتدأ، وبالنصب على المشهور عطفاً على (إن)، والخبر محذوف، تقديره: لك.
وقوله: (لا شريك لك) أي: لا شريك لك فيما ذكر من استحقاق الثناء، وإيصال النعمة. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وفي هذا دليل على مشروعية التلبية، وفيها التنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ، والتلبية تتضمن المحبة؛ لأنك لا تقول: (لبيك) إلا لمن تحبه وتعظمه، كما تتضمن التلبية التزام دوام العبودية، والخضوع، والذل، والإخلاص، كما أنها تتضمن الإقرار بسمع الربِّ؛ إذ يستحيل أن يقول الرجل: (لبيك) لمن لا يسمع دعاءه والتلبية جعلت في الإحرام شعار للانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك، فهي كالتكبير جعل في الصلاة للانتقال من ركن إلى ركن (١).
وقال جابر ﵁: (ولزم رسول الله ﷺ تلبيته)، وهذا يدل على أن الأفضل الاكتفاء بتلبيته ﷺ لملازمته لها، مع أنه ﷺ كان يسمع الناس يزيدون، فأقرهم رسول الله ﷺ ، كما قال جابر ﵁، وهذا يدل على جواز الزيادة على التلبية النبوية.
الوجه التاسع: قوله: (حتى إذا أتينا البيت استلم الركن) الاستلام: افتعال من السلام، وهو التحية، أو من السِّلام - بكسر السين - وهي
стр. 2159
الحجارة، قال الجوهري: (استلم الحجر: لمسه بالقُبلة أو باليد) (١). وقال ابن تيمية: (الاستلام: هو مسحه باليد) (٢)، والمراد بالركن: الحجر الأسود؛ لأنه المراد عند الإطلاق، وسمي ركناً؛ لأنه في ركن الكعبة.
فهذا فيه مشروعية استلام الحجر الأسود قبل بدء الطواف إن تيسر وإلا بدأ بالطواف وتركه.
الوجه العاشر: قوله: (فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً) أي: طاف بالبيت فرمل ثلاثة أشواط ومشى الأربعة الباقية، وهذا الطواف هو طواف القدوم، والرمل - بالفتح ـ: الإسراع في المشي من غير مباعدة للخطوات ولا وثب.
وهذا فيه دليل على مشروعية الرَّمَلِ في الأشواط الثلاثة الأُول من طواف القدوم، وهو أول طواف يأتي به القادم إلى مكة، سواء أكان لحج أم لعمرة، وأما الأربعة الباقية فيمشي فيها.
فإن نسي الرمل لم يقضه في الأربعة الباقية، لئلا يغير هيئتها. فإن لم يستطع الرمل مع القرب؛ لقوة الزحام، فمن أهل العلم من قال: يخرج إلى حاشية المطاف؛ لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكان العبادة أو زمانها، ومنهم من قال: يطوف قريباً على حسب حاله؛ لأن الرمل هيئة، فهو كالتجافي في الركوع والسجود، ولا يترك الصف الأول لأجل تعذرها، فكذا هنا (٣).
الوجه الحادي عشر: قوله: (ثم أتى مقام إبراهيم فصلى) وفي «صحيح مسلم»: (فجعل المقام بينه وبين البيت)، ومقام إبراهيم: حجر كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه وهو يبني الكعبة حين ارتفع البناء، وهذا هو الصواب من عدة أقوال، لما ورد عن ابن عباس ﵄ في قصة بناء إبراهيم ﵇ البيت، وفيه: (فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة،
стр. 2160
وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم … ) الحديث (١).
وقد روى جابر ﵁: أنه ﷺ قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥]، وفي رواية للنسائي: (ورفع صوته، يُسمع الناس) (٢)، فصلى ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٣)، وفي رواية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤).
وفي هذا دليل على أن السُّنَّة في ركعتي الطواف كونهما خلف المقام، فإن تيسر القرب منه فهو أفضل، فإن وجد زحاماً صلى بعيداً عن المقام، وتحصل السنة بذلك إذا جعله بينه وبين الكعبة، وإن صلاهما في أي مكان أجزأ.
والركعتان حكمهما الوجوب على قول أبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، والمشهور من مذهب المالكية، ورواية عن أحمد (٥) لظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾، ولأن الرسول ﷺ تلا الآية عند المقام.
والقول الثاني: أنهما سنة، وهو الأصح في مذهب أحمد، وقول مالك في إحدى الروايتين عنه، والأصح في مذهب الشافعي (٦)؛ لأن ما عدا الصلوات الخمس ليس بواجب، وإنما هي تَطَوُّع، كما في حديث طلحة بن عبيد الله ﵁: أن أعرابياً قال: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا فَرَض الله عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ»، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ» (٧).
وعلى القول بأنهما سنّة، فإن صلَّى فريضة بعد الطواف أجزأت عنهما (٨).
стр. 2161
وهذا قول ابن عباس (١) وابن عمر ﵄، ومجاهد وطاوس وعطاء وغيرهم (٢)، ولأنهما ركعتان شرعتا للنسك، فأجزأت عنهما المكتوبة، كركعتي الإحرام (٣). وأما على القول بوجوبهما فإنه لا يجزئ عنهما غيرهما؛ لأن الفريضة لا تجزئ عن الواجب، فإذا صلى المكتوبة صلى ركعتي الطواف بعدها. وقد ذكر البخاري تعليقاً عن نافع أنه قال: (كان ابن عمر ﵄ يصلي لكل سبوعٍ ركعتين)، وقال إسماعيل بن أمية: قلت للزهري: إن عطاء يقول: تجزئه المكتوبة من ركعتي الطواف، فقال: السنة أفضل، لم يطف النبي ﷺ أسبوعاً قط إلا صلى ركعتين (٤).
والقول بالإجزاء قوي، لكن الأفضل عدم الاقتصار على الفريضة؛ لأن ركعتي الطواف عبادة مستقلة شرعت من أجل الطواف فالأولى الإتيان بهما، ويؤيد ذلك عموم ما تقدم. قال الزركشي: (المنصوص عن أحمد الإجزاء، مع أن الأفضل عنده فعلهما) (٥).
الوجه الثاني عشر: قوله: (ثم رجع إلى الركن فاستلمه)، فيه دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود، بعد ركعتي الطواف، وقبل السعي إن تيسر وإلا تركه، وظاهر ذلك أنه لا يسن تقبيله ولا الإشارة إليه.
الوجه الثالث عشر: قوله: (ثم خرج من الباب إلى الصفا) المراد بالباب: باب الصفا، كما ورد في رواية للطبراني: (ثم خرج من باب الصفا) (٦)، وهذا فيه مشروعية الخروج إلى الصفا من بابه، وكان المسجد الحرام في الزمن القديم له أبواب دون المسعى يخرج منها الناس، وأما الآن فيتجه إلى المسعى من جهة الصفا، وهذا فيه دليل على أنه ينبغي المبادرة بالسعي بعد الطواف، ولو أخَّر السعي فلا بأس، فإن الموالاة بين الطواف والسعي غير واجبة.
стр. 2162
الوجه الرابع عشر: قوله: (فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) الصفا: جمع مفرده صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، والمراد هنا: أسفل الجبل المعروف في أول المسعى. والمروة: الحجر الأبيض البَرَّاق الذي تقدح منه النار، والمراد هنا: أسفل الجبل المعروف في نهاية المسعى، ومعنى ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من أعلام دينه وأماكن عبادته، المأمور بها في الحج، كالوقوف والرمي والطواف، سميت شعائر لما تُشعر به من أعمال الحج، أو لما يُستشعر هناك من تعظيم الله تعالى والقيام بوظائفه.
وقد استحب بعض العلماء قراءة هذه الآية عند الدنو من الصفا، ويفهم من صنيع آخرين أنه لا يستحب قراءتها، ولذا لم يذكرها أكثر الفقهاء في هذا الموطن (١)، وهذا أقرب؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ قرأها من أجل تعليم الناس، كما قرأ آية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ عندما أراد صلاة ركعتي الطواف، فمن قال بقراءة الآية عند المسعى، لزمه أن يقول بقراءة الآية عند المقام، وظاهر رواية النسائي المتقدمة أن المقصود تعليم الناس.
الوجه الخامس عشر: قوله: (أبدأ بما بدأ الله به)، هذه رواية مسلم بلفظ الخبر (أبدأ)، وقد جاء عند النسائي بلفظ: (ابدؤوا بما بدأ الله به) بلفظ الأمر، ولكنها رواية شاذة (٢).
وقد استدل الفقهاء بهذا على أن الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعتدَّ بذلك الشوط، فإذا صار على الصفا اعتدَّ بما يأتي به بعد ذلك (٣).
الوجه السادس عشر: قوله: (فَرَقِيَ الصفا … ) رَقِيَ: من باب تَعِبَ؛ أي: صَعَدَ، يقال: رقي في السلّم: صعد فيه، ورقي الجبل ونحوه: علاه وصعده، وفي هذا دليل على مشروعية الصعود على الصفا واستقبال البيت، لقوله: (حتى رأى البيت فاستقبل القبلة)، وكانت رؤية البيت في الزمن القديم
стр. 2163
ممكنة بسهولة، أما الآن فقد حال البناء دون ذلك، وتبقى سُنِّية استقبال البيت ولو لم يره.
الوجه السابع عشر: قوله: (فوحَّد الله وكبَّره، وقال: … إلخ)، فيه أنه يسن على الصفا في بداية السعي أن يوحّد الله تعالى ويكبره، ويحمده، ويدعو، كما في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي، ويقول ما ورد هنا.
قوله: (ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات) أي: يذكر الله تعالى ويثني عليه، ثم يدعو، ثم يذكر الله، ثم يدعو، ثم يذكر الله تعالى، فيكون الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين، لقوله: (ثم دعا بين ذلك).
ويستحب رفع اليدين في هذا الموطن، لثبوته في حديث أبي هريرة ﵁ في فتح مكة، وفيه: (فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو) (١)، وأما في بقية السعي - عدا الوقوف على الصفا والمروة - وكذا الطواف فلا يشرع رفع اليدين، لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ .
وقد ذكر ابن القيم أن حجة النبي ﷺ تضمنت ست وقفات للدعاء: على الصفا، وعلى المروة، وفي عرفة، وفي مزدلفة، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثانية (٢).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ المذكور زيادة أخرى على ما في حديث جابر ﵁، وهي حمد الله تعالى في بداية الدعاء، وقد ذكر الفقهاء هذا (٣)، فالعمل بالحديثين حسن، فيحمد الله ويكبره، ثم يقول: لا إله إلا الله … إلخ.
قوله: (أنجز وعده) أي: بإظهار هذا الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده .
وقوله: (ونصر عبده) أي: نبيه محمداً ﷺ على أعدائه.
стр. 2164
وقوله: (وهزم الأحزاب) أي: غلبهم وكسرهم، (وحده) أي: بلا قتال من الناس، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] والمراد بالأحزاب: القبائل الذين اجتمعوا حول المدينة وتحزبوا يوم الخندق، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
الوجه الثامن عشر: قوله: (ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي سعى … )، قوله: (حتى انصبت) في «صحيح مسلم»: (حتى إذا انصبت) (١)، وهذا فيه بيان كيفية السعي، وهو أنه إذا انتهى من الدعاء والذكر نزل من الصفا ماشياً متجهاً إلى المروة، فإذا انصبت قدماه في بطن الوادي، أي: انحدرت، سعى سعياً شديداً، وكان هذا الجزء من المسعى في الزمن السابق وادياً، أما الآن فالأرض كلها مستوية، وقد جُعل العلم الأخضر الأول والثاني علامة على ضفتي هذا الوادي، فيسعى بينهما سعياً شديداً، فإذا جاوزه مشى إلى المروة، وليس على المرأة أو حامل المعذور سعي شديد.
والحكمة من هذا السعي الشديد أنه كان وادياً، والوادي في الغالب يكون نازلاً، وقد كانت أم إسماعيل ﵂ تمشي فيما بين الصفا والمروة، فإذا وصلت الوادي أسرعت في مشيها؛ لأن ابنها يغيب عنها إذا هبطت بطن الوادي.
الوجه التاسع عشر: قوله: (ففعل على المروة كما فعل على الصفا) أي: فيصعد المروة ويقول ما قاله على الصفا من الذكر والدعاء ثلاث مرات.
وعلى الإنسان أن يحرص على العمل بهذه السنن، ولا تأخذه العجلة فيترك الدعاء والذكر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكر، ودعاء، وتلاوة القرآن، وينبغي للإنسان - وهو يسعى - أن يستشعر أنه في ضرورة إلى
стр. 2165
رحمة الله ، كما كانت أم إسماعيل ﵂ في ضرورة إلى رحمة الله ، ومعنى ذلك أن المسلم يفزع إلى الله تعالى، ويستغيث به من آثار الذنوب وعواقبها، وذلك بالإلحاح في الدعاء، وصدق الالتجاء إلى الله تعالى.
وليس للسعي - كالطواف - دعاء معين، وأما تخصيص كل شوط بدعاء معين، فهذا لا أصل له، وإن دعا بين العلمين بقوله: (ربّ اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم) فحسن، لثبوت ذلك عن ابن عباس وابن عمر (١) ﵃.
وقوله: (فذكر الحديث) هنا اختصار، فإن الحافظ حذف ما يتعلق بالأمر بفسخ الحج إلى العمرة، حيث أمر النبي ﷺ الصحابة ﵃ الذين ليس معهم هدي بالتحلل بعمرة بعد ما أتموا السعي، وقد تقدم الكلام على شيء من ذلك.
الوجه العشرون: قوله: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى … ) في «صحيح مسلم»: (فأهلوا بالحج)، وعلى هذا فمعنى (توجهوا): قصدوا وتهيأوا للرحيل من الأبطح، لا أنهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، للإجماع على أنهم أحرموا في مكة (٢). ويوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون من الماء لما بعده، أي: يسقون ويستقون.
وكان ﷺ قد أقام بالأبطح حتى صبح اليوم الثامن، والأبطح: هو مسيل فيه دقاق الحصى، يقع شرقي مكة، فأحرم النبي ﷺ في هذا المكان ومعه أصحابه قبل الزوال، ثم توجهوا إلى منى، وكان ذلك يوم الخميس.
والسنّة أن يحرم الحاج من المكان الذي هو فيه، سواء أكان في الأبطح أم في منى، والمكي إذا أراد الحج يُحرم من أهله.
وأما قول البهوتي شارح «الزاد»: (والأفضل من تحت الميزاب) (٣)، أي:
стр. 2166
ميزاب الكعبة الذي يصب في الحِجْرِ، فهذا اجتهاد منه، وهو مخالف للسنة، فإنه لم ينقل أن النبي ﷺ أحرم من تحت الميزاب ولا أحد من أصحابه ﵃.
الوجه الحادي والعشرون: قوله: (وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر)، أي: صلى كل صلاة في وقتها قصراً من غير جمع، وإنما ذكر جابر ﵁ عدد هذه الصلوات الخمس هنا ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، والخروج إليها ومنها على هذه الصفة استحبه العلماء، استحبوا البيات في منى، وألا يخرج منها الحاج حتى تطلع شمس اليوم التاسع.
الوجه الثاني والعشرون: قوله: (حتى طلعت الشمس فأجاز حتى أتى عرفة) عرفة: مشعر خارج حدود الحرم؛ لأنها واقعة في الحل، وهي اسم لمكان الوقوف في الحج، سميت عرفة لارتفاعها على ما حولها، ويقال: عرفات، كما في القرآن.
وقوله: (فأجاز) يقال: جاز المكان: سار فيه، وأجازه؛ قطعه، والمعنى: جاوز المزدلفة ولم يقف بها؛ بل توجه إلى عرفات. وهذا فيه دليل على أنه يسن للحاج أن يبيت ليلة التاسع في منى إن تيسر، أما البيات قصداً في عرفة ليلة التاسع فهذا خلاف السنة.
الوجه الثالث والعشرون: قوله: (فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها) نَمِرَةُ: بفتح النون وكسر الميم، جبال صغار هي منتهى حد الحرم من الجهة الشرقية، فهي محاذية لأنصاب الحرم، ووادي عرنة يفصل بينها وبين عرفة. والقبة: خيمة صغيرة.
وظاهر السياق يشعر بأن نمرة في عرفة، وبذلك قال بعض الفقهاء وعلماء اللغة.
والقول الثاني: أن نمرة ليست من عرفة، وبه جزم النووي، وابن تيمية، وابن القيم، وآخرون (١)، ويترتب على هذا الخلاف حكم حَجِّ من وقف بنمرة
стр. 2167
إلى الغروب ثم دفع إلى مزدلفة (١).
وعلى القول بأنها ليست من عرفة يكون معنى قوله: (حتى أتى عرفة) قارَبَ عرفة، أو أن مراد جابر أن منتهى سيره عرفة، وأنه لم يفعل كما تفعل قريش في الجاهلية، فتنتهي بمزدلفة وتقف فيه يوم عرفة.
وهذا القدر فيه فائدتان:
الأولى: جواز الاستظلال بما ليس ملاصقاً للرأس، كالشمسية، والخيمة، وسقف السيارة، ونحوها.
الثانية: استحباب الجلوس في نمرة إلى زوال الشمس إن تيسر - على أحد القولين - بناءً على أن الأصل التعبد في جميع أفعال الحج، إلا ما قام الدليل على أنه ليس كذلك، وإلا ذهب إلى عرفات واستقر بها ولو قبل الزوال.
الوجه الرابع والعشرون: قوله: (حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي … )، المراد بالوادي: وادي عرنة الذي فيه مقدمة المسجد؛ لأن المسجد بعضه في عرفة وبعضه خارج عرفة، وبطن الوادي موضع متسع، ولذا خصَّه النبي ﷺ بخطبته، ولم يكن في هذا الموضع مسجد، وإنما بني في أول دولة بني العباس (٢).
وهذا فيه بيان ما يفعله الإمام في عرفة، وهو أن يخطب الناس خطبة واحدة، يعلمهم ما يحتاجون إليه من مسائل العقيدة وأحكام دينهم، ويحثهم على الاجتماع والائتلاف، ويحذرهم التفرق والاختلاف، ويبين لهم مكائد الأعداء ودسائس المتربصين، والمقصود أن الخطبة يراعى فيها ما يناسب الزمان، إضافة إلى ما تقدم.
وليست خطبة النبي ﷺ يوم عرفة خطبة جمعة، وإنما هي خطبة تعليم، ولذا خطب قبل الأذان ولم يجهر بالقراءة، فدل على أنه لم يصلِّ جمعة، وقد ذكر جابر خطبة النبي ﷺ في عرفة.
стр. 2168
الوجه الخامس والعشرون: قوله: (ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر) هذا فيه دليل على أن الخطبة قبل الصلاة، وعلى أن الأذان بعد الخطبة، ثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر جمعاً وقصراً، بأذان واحد وإقامتين. وهكذا يفعل الناس في سائر أنحاء عرفة، لا فرق في ذلك بين أهل مكة وغيرهم، وهذا الجمع قيل: إنه لأجل النسك، وقيل: لأجل السفر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر، كما قصر للسفر، بل لاشتغاله بالوقوف واتصاله عن النزول، ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة، فكان جمع عرفة لأجل العبادة، وجمع مزدلفة لاجل السير الذي جدَّ فيه: وهو سير إلى مزدلفة … ) (١).
الوجه السادس والعشرون: قوله: (ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات … )، أي: ثم ركب من مكان خطبته وصلاته حتى أتى الموقف، وهو عند الجبل المعروف في شمال عرفة، ويسمى جبل (إلال) بوزن هلال، وتسميه العامة: جبل الرحمة (٢).
والظاهر أنه ﷺ وقف عند الجبل من جهته الجنوبية، فيكون الجبل عن يمينه، ويستقبل القبلة، ويكون حبل المشاة أمامه، وحبل المشاة - بالحاء المهملة ـ: هو صفهم ومجتمعهم في مشيهم. وقيل: حبل المشاة: طريقهم الذي يسلكونه. والصخرات: هي صخرات مفترشة بالأرض، تقع خلف الجبل، والواقف عندها يستقبل الجبل والقبلة معاً.
стр. 2169
وعرفة كلها موقف، لكن يجب على الواقف أن يتأكد من حدودها، وهي علامات يجدها من يطلبها؛ لأنها واضحة، ومن وقف خارجها لم يصح حجه؛ لأن الحج عرفة، كما تقدم.
الوجه السابع والعشرون: قوله: (واستقبل القبلة)، فيه بيان أن الواقف بعرفة يستقبل القبلة؛ لأن الموقف موقف ذكر ودعاء، وعلى الحاج أن يستفيد من عشية هذا اليوم، فيكثر من الدعاء والاستغفار، متضرعاً مقبلاً مظهراً الضعف والافتقار، وقد ذكر الفقهاء أن وقوفه راكباً أفضل، لفعله ﷺ ، ولأنه أعون على الدعاء، وهذا الإطلاق فيه نظر.
والذي يظهر - والله أعلم - أن الأفضل يختلف باختلاف أحوال الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه، أو كان يشق عليه ترك الركوب وقف راكباً، وإن كان جلوسه على الأرض أخشع له، وأحضر لقلبه جلس؛ لأن مراعاة الكمال الذاتي للعبادة أولى من مراعاة الكمال في المكان (١).
الوجه الثامن والعشرون: قوله: (فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس … ) هذا فيه بيان وقت الانصراف من عرفة وكيفيته، فوقته بعد غروب الشمس. والصفرة: لون دون لون الحمرة، وهو شعاع الشمس بعد مغيبها، وقوله: (حتى غاب القرص) بيان لقوله: (غربت الشمس)؛ لأن هذا يطلق مجازاً على مغيب معظم القرص، فأزال الاحتمال بقوله: (حتى غاب القرص)، وهذا فيه دليل على مشروعية الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس وتحقق كمال غروبها، وسيأتي الكلام على هذه المسألة - إن شاء الله - عند حديث عروة بن مضرس ﵁.
ثم دفع إلى مزدلفة (وقد شنق للقصواء الزمام) أي: ضمَّ وضيَّق عليها الزمام، وذلك بالجذب، والزمام: بالكسر هو الخطام، وهو الخيط الذي يشد إلى الحلقة التي في أنف البعير ليقاد به ويمتنع به من الإسراع في المشي، وقد فسر ذلك بقوله: (حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله)، و (مورك رحله) بفتح الميم وكسر الراء وقيل بفتحها (٢)، وهو الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله إذا ملَّ من الركوب.
стр. 2170
وقوله: (السكينة السكينة) منصوب على الإغراء بفعل محذوف؛ أي: الزموا.
وقوله: (كلما أتى حبلاً … ) في «صحيح مسلم» (من الحبال) وهو التل اللطيف من الرمل الضخم، والمعنى: أنه إذا أتى حبلاً من حبال الرمل أرخى لناقته قليلاً من أجل أن تصعد؛ لأن الناقة إذا شُدَّ زمامها شق عليها الصعود. وهذا فيه دليل على أنه ينبغي الدفع إلى مزدلفة بسكينة ووقار وخشوع وتكبير وتلبية، لئلا يضر الناس بعضهم بعضاً، وهذا يتأكد بالنسبة لسائقي السيارات، فإن عليهم السكينة والحرص على النظام ومراعاة خط السير، فإن وجد طريقاً مشى، وإلا انتظر حتى يمشي الذي أمامه، فهذا آمن له ولمن معه ولغيره من الحجاج.
الوجه التاسع والعشرون: قوله: (حتى أتى المزدلفة، فصلى بها … ) المزدلفة: أحد المشاعر المقدسة، بين عرفة ومنى، سُميت بذلك لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات واجتماعهم فيها، والازدلاف: الاجتماع والاقتراب (١)، وسيأتي بيان حدودها إن شاء الله، وهذا القدر من الحديث فيه بيان ما يفعله الحاج بعد وصوله المزدلفة، وهو كما يلي:
١ - مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامة لكل صلاة، وذلك قبل حط الرحال أو عمل الطعام، سواء وصلوا إليها في وقت المغرب أم في وقت العشاء، وقد مضى في باب «الأذان» الكلام على مسألة الأذان والإقامة في مزدلفة، حيث ساق الحافظ هذا القدر من الحديث هناك.
٢ - مشروعية ترك التنفل بين المجموعتين وإن كان الجمع تأخيراً، وكذا راتبة المغرب والعشاء، أما راتبة الفجر فلا تترك حضراً ولا سفراً، وكون جابر ﵁ لم يذكرها، لا يدل على أنه ﷺ تركها؛ لأن جابراً لم يذكر كل شيء فعله النبي ﷺ في حجه؛ بل ترك أشياء.
٣ - أنه لا يشرع إحياء ليلة المزدلفة بصلاة ولا دعاء؛ لظاهر قوله: (ثم
стр. 2171
اضطجع حتى طلع الفجر) لكن يستثنى من ذلك الوتر، فقد كان ﷺ لا يدعه سفراً ولا حضراً، حتى كان يوتر على راحلته إذا جدَّ به السير، وأمر به أمته أمراً عاماً بدون استثناء، وعدم النقل ليس نقلاً للعدم. فإما أن يكون جابر ﵁ سكت عن ذكره لأنه لا يدري، ولهذا لم ينفِ الوتر كما نفى التنفل في قوله: (ولم يسبح بينهما شيئاً)، أو أنه ترك ذكره للعلم به، ولأنه ليس من المناسك، والحديث في سياق المناسك، فالله أعلم.
وقد جاء عن بعض الصحابة ﵃ أنهم قاموا في هذه الليلة، كما ورد عن أسماء ﵂، وحديثها في «الصحيحين»، وسأذكره - إن شاء الله - عند الكلام على انصراف الضعفة من مزدلفة.
الوجه الثلاثون: قوله: (فصلى الفجر حين تبين الصبح … )، هذا فيه دليل على أن السنة في صلاة الفجر في مزدلفة المبادرة بها في أول وقتها، لكن عليه أن يتأكد من دخول الوقت، ولا يغترَّ بأذان غيره ممن قد يؤذن قبل دخول الوقت، ولعل هذه المبادرة ليتسع وقت الذكر والدعاء بعد الصلاة.
الوجه الحادي والثلاثون: قوله: (ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام … ) هذا فيه بيان ما يفعله في مزدلفة بعد الصلاة. والمشعر الحرام: من أسماء المزدلفة، وهو مكان أو جبيل في مزدلفة، وعليه المسجد الآن، ووصف بالحرام؛ لأنه داخل حدود الحرم.
فالسنة للحاج بعد صلاة الفجر أن يستقبل القبلة، يذكر الله تعالى بالتكبير والتهليل، ويدعو، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقد ذكر الفقهاء أنه يسن رفع اليدين في الدعاء (١)، ويستمر على ذلك حتى يسفر جدّاً.
وعلى المسلم أن يحذر من إضاعة هذه الدقائق الغالية، فيشتغل بأمور لا داعي لها، فتطلع الشمس وهو في مكانه لم يتحرك، أو يبادر بالانصراف بعد الصلاة فيفوِّت على نفسه خيراً كثيراً.
стр. 2172
الوجه الثاني والثلاثون: قوله: (حتى أتى بطن محسر … ) هذا فيه بيان كيفية الانصراف من مزدلفة، وهو أنه ﷺ لما دفع قبل طلوع الشمس وأتى بطن محسر حرك دابته قليلاً، وهذه هي السنة فيمن أتى بطن محسر أن يحرك دابته قليلاً، وكذا سيارته إن أمكن، وإن كان ماشياً أسرع.
ومُحسِّر: بضم الميم، وفتح الحاء، بعدها سين مهملة مشددة مكسورة، بعدها راء: وادٍ بين مزدلفة ومنى، لا من هذه، ولا من هذه، وهو قول الجمهور (١)، وقال بعض العلماء: إنه من منى، لما ورد عن الفضل بن عباس، وكان رديف النبي ﷺ أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: «عليكم بالسكينة، وهو كافٌّ ناقته حتى دخل محسراً، وهو من منى … » الحديث (٢).
وقد ذكر الأزرقي أنه (٥٤٥) ذراعاً، قيل: سمي بذلك لأنه يحسِّر سالكه؛ أي: يُعْييه، وقيل: لأن فيل أصحاب الفيل حسَّر فيه؛ أي: أعيا، وهذا التعليل يؤيده إسراع النبي ﷺ فيه؛ لأن هذه عادته ﷺ في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، لكن يشكل عليه أن الفيل لم يدخل الحرم أصلاً، وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم، فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم، كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الإفاضة من مزدلفة، وكل هذه أمور اجتهادية، وليس في المسألة دليل قاطع، فالله أعلم بحكمة إسراعه ﷺ (٣).
الوجه الثالث والثلاثون: قوله: (ثم سلك الطريق الوسطى … )، هذا فيه بيان رميه ﷺ جمرة العقبة، وهو أنه ﷺ سلك (الطريق الوسطى) وهي الطريق القاصدة إلى الجمرات، ويبدو أن الطرق في منى ثلاثة: طريق شرقية، وغربية، ووسطى، وقوله: (الوسطى) مؤنث الأوسط، والطريق يذكَّر، في لغة نجد، وبه جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] ويؤنث
стр. 2173
في لغة الحجاز، كما في هذا الحديث، وقد ذكر النووي أن هذا الطريق غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات.
وقوله: (التي تخرج على الجمرة الكبرى) لعل وصفها بالكبرى باعتبار ما قبلها من الجمرتين الصغرى والوسطى، ولأنها تنفرد بالرمي يوم العيد.
وقوله: (التي عند الشجرة) هذا في الزمن القديم، وهذا فيه دليل على أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئاً قبل رميها، فيرميها بسبع حصيات كل حصاة (مثل حصى الخذف) وهي بالخاء المعجمة، وهو الرمي بحصاة تجعل بين السبابتين، وقدر حصى الخذف أكبر من حبة الحِمِّص قليلاً، وهذا يدل على صفة الحصى الذي يُرمى به، وأنه أكبر من حبة الحِمِّص قليلاً، وعلى هذا فلا يرمي بحجر كبير يؤذي المسلمين، ولا يجوز بالصغير الذي لا يمكن رميه؛ لأن الرمي عبادة لله تعالى، فلا بد أن يكون بما يمكن رميه. ويكبِّر مع كل حصاة: (الله أكبر)، وهذا من كمال التعبد لله تعالى، والتعظيم لأمره، ليحصل الجمع بين التعظيم بالقلب والتعظيم باللسان، وقد رماها ﷺ (من بطن الوادي) جاعلاً منى عن يمينه ومكة عن يساره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولم يذكر جابر ﵁ من أين أخذ النبي ﷺ حصى جمرة العقبة، وهذا يدل على أنه ليس لذلك مكان معين، فيلقطها الحاج من حيث شاء، وقد جاء في حديث ابن عباس - وفي رواية الفضل بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: «هاتِ القط لي»، فلقط له حصيات نحواً من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: «مثل هؤلاء - ثلاث مرات - وإياكم والغلوَّ في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوِّ في الدين» (١).
وهذا كما ترى ليس فيه تحديد للمكان، وقد جزم ابن قدامة أن ذلك كان في منى (٢)، ولعله أخذ ذلك من قوله: (غداة العقبة)، وذكر ابن حزم أنه
стр. 2174
التقطها له من موقفه الذي رمى فيه، وتبعه الألباني، وهذا فيه نظر، فقد ورد في «الصحيحين»: «أنه رمى الجمرة ضحى»، وهذا يفيد أن الالتقاط كان قبل وقت الرمي (١)، وقد جاء في «صحيح مسلم» من حديث الفضل: (حتى إذا دخل محسراً وهو من منى، قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة … ») (٢)، وظاهر هذا أنه أمر بلقطها في طريقه، وبه جزم ابن القيم (٣). والمقصود أنه ليس للحصى مكان معين، ومن فهم أن السنة الالتقاط من مزدلفة - كما يفعله كثير من الحجاج - فقد غلط، لعدم الدليل على ذلك.
الوجه الرابع والثلاثون: قوله: (ثم انصرف إلى المنحر فنحر)، هذا فيه دليل على استحباب التثنية بالنحر بعد رمي جمرة العقبة، وقد نحر النبي ﷺ ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة، ثم أعطى عليّاً فنحر الباقي، وكان هديه ﷺ مائة بدنة.
والمتمتع والقارن كلاهما عليه هدي شكران لا جبران، أما المتمتع ففيه نص القرآن، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وأما القارن فوجوب الهدي عليه هو مذهب جمهور العلماء إما بالقياس على المتمتع أو لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾، وقد تقدم أن الصحابة ﵃ أطلقوا لفظ التمتع على نسك النبي ﷺ ، وهو قارن.
وقال ابن حزم: (لا هدي على القارن، إلا الذي كان معه عند إحرامه) (٤) وقال ابن قدامة: (لا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافاً، إلا ما حكي عن داود، أنه لا دم عليه، وروي ذلك عن طاوس، وحكى ابن المنذر أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن، هل يجب عليه دم؟ فقال: لا. فَجُرَّ برجله. وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم) (٥).
ودم التمتع هو دم نسك وعبادة، فهو دم شكر حيث حصل للعبد نُسُكان
стр. 2175
في سفر واحد وزمن واحد، وهو من تمام النسك وكماله، وهو من رحمة الله تعالى بعباده وإحسانه إليهم، حيث شرع لهم ما به كمال عبادتهم وزيادة أجرهم، وأباح لهم بسببه التحلل أثناء الإحرام، لما في استمراره عليهم من المشقة، ولهذا كان الدم فيه وفي القِران دم شكر لا دم جبران، إذ لا نقص في هذا النسك حتى يجبر، فيأكل منه الحاج، ويهدي، ويتصدق، فعليه أن يعرف هذه الفائدة، فإن في الدم أو بدله أجراً، كما أن في التمتع أجراً، فلا يَحْرِمُ الإنسان نفسه ذلك، فيحج مفرداً لئلا يلزمه الدم.
وقد تقدم أن القارن إذا لم يكن معه هدي، فإنه يشرع له فسخ إحرامه إلى عمرة، وأن أفضلية القران إنما هي في حال سوق الهدي، كنسك النبي ﷺ .
ولم يرد ذكر الحلق في هذه الرواية، وقد جاء عند أحمد من حديث جابر ﵁: (نحر رسول الله ﷺ ، فحلق) (١)، وفي حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس (٢). وهذا يدل على أن السُّنَّة أن يكون الحلق بعد النحر، فتكون هذه الأعمال الثلاثة يوم النحر مرتَّبة، فإن قدم بعضها على بعض فلا بأس، كما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الخامس والثلاثون: قوله: (ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر) معنى (فأفاض) أي: طاف طواف الإفاضة، وهذا فيه دليل على استحباب طواف الإفاضة بعد الرمي والنحر والحلق إن تيسر، وإلا فالأمر فيه سعة، فإن لم يستطع الطواف في هذا الوقت لانشغاله بالرمي، أو بنحر هديه وتفريقه، فله تأخير الطواف إلى آخر يوم النحر أو أيام التشريق.