← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

اضطجع حتى طلع الفجر) لكن يستثنى من ذلك الوتر، فقد كان ﷺ لا يدعه سفراً ولا حضراً، حتى كان يوتر على راحلته إذا جدَّ به السير، وأمر به أمته أمراً عاماً بدون استثناء، وعدم النقل ليس نقلاً للعدم. فإما أن يكون جابر ﵁ سكت عن ذكره لأنه لا يدري، ولهذا لم ينفِ الوتر كما نفى التنفل في قوله: (ولم يسبح بينهما شيئاً)، أو أنه ترك ذكره للعلم به، ولأنه ليس من المناسك، والحديث في سياق المناسك، فالله أعلم. وقد جاء عن بعض الصحابة ﵃ أنهم قاموا في هذه الليلة، كما ورد عن أسماء ﵂، وحديثها في «الصحيحين»، وسأذكره - إن شاء الله - عند الكلام على انصراف الضعفة من مزدلفة. الوجه الثلاثون: قوله: (فصلى الفجر حين تبين الصبح … )، هذا فيه دليل على أن السنة في صلاة الفجر في مزدلفة المبادرة بها في أول وقتها، لكن عليه أن يتأكد من دخول الوقت، ولا يغترَّ بأذان غيره ممن قد يؤذن قبل دخول الوقت، ولعل هذه المبادرة ليتسع وقت الذكر والدعاء بعد الصلاة. الوجه الحادي والثلاثون: قوله: (ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام … ) هذا فيه بيان ما يفعله في مزدلفة بعد الصلاة. والمشعر الحرام: من أسماء المزدلفة، وهو مكان أو جبيل في مزدلفة، وعليه المسجد الآن، ووصف بالحرام؛ لأنه داخل حدود الحرم. فالسنة للحاج بعد صلاة الفجر أن يستقبل القبلة، يذكر الله تعالى بالتكبير والتهليل، ويدعو، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقد ذكر الفقهاء أنه يسن رفع اليدين في الدعاء (١)، ويستمر على ذلك حتى يسفر جدّاً. وعلى المسلم أن يحذر من إضاعة هذه الدقائق الغالية، فيشتغل بأمور لا داعي لها، فتطلع الشمس وهو في مكانه لم يتحرك، أو يبادر بالانصراف بعد الصلاة فيفوِّت على نفسه خيراً كثيراً.

стр. 2172

الوجه الثاني والثلاثون: قوله: (حتى أتى بطن محسر … ) هذا فيه بيان كيفية الانصراف من مزدلفة، وهو أنه ﷺ لما دفع قبل طلوع الشمس وأتى بطن محسر حرك دابته قليلاً، وهذه هي السنة فيمن أتى بطن محسر أن يحرك دابته قليلاً، وكذا سيارته إن أمكن، وإن كان ماشياً أسرع. ومُحسِّر: بضم الميم، وفتح الحاء، بعدها سين مهملة مشددة مكسورة، بعدها راء: وادٍ بين مزدلفة ومنى، لا من هذه، ولا من هذه، وهو قول الجمهور (١)، وقال بعض العلماء: إنه من منى، لما ورد عن الفضل بن عباس، وكان رديف النبي ﷺ أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: «عليكم بالسكينة، وهو كافٌّ ناقته حتى دخل محسراً، وهو من منى … » الحديث (٢). وقد ذكر الأزرقي أنه (٥٤٥) ذراعاً، قيل: سمي بذلك لأنه يحسِّر سالكه؛ أي: يُعْييه، وقيل: لأن فيل أصحاب الفيل حسَّر فيه؛ أي: أعيا، وهذا التعليل يؤيده إسراع النبي ﷺ فيه؛ لأن هذه عادته ﷺ في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، لكن يشكل عليه أن الفيل لم يدخل الحرم أصلاً، وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم، فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم، كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الإفاضة من مزدلفة، وكل هذه أمور اجتهادية، وليس في المسألة دليل قاطع، فالله أعلم بحكمة إسراعه ﷺ (٣). الوجه الثالث والثلاثون: قوله: (ثم سلك الطريق الوسطى … )، هذا فيه بيان رميه ﷺ جمرة العقبة، وهو أنه ﷺ سلك (الطريق الوسطى) وهي الطريق القاصدة إلى الجمرات، ويبدو أن الطرق في منى ثلاثة: طريق شرقية، وغربية، ووسطى، وقوله: (الوسطى) مؤنث الأوسط، والطريق يذكَّر، في لغة نجد، وبه جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] ويؤنث

стр. 2173

في لغة الحجاز، كما في هذا الحديث، وقد ذكر النووي أن هذا الطريق غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات. وقوله: (التي تخرج على الجمرة الكبرى) لعل وصفها بالكبرى باعتبار ما قبلها من الجمرتين الصغرى والوسطى، ولأنها تنفرد بالرمي يوم العيد. وقوله: (التي عند الشجرة) هذا في الزمن القديم، وهذا فيه دليل على أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئاً قبل رميها، فيرميها بسبع حصيات كل حصاة (مثل حصى الخذف) وهي بالخاء المعجمة، وهو الرمي بحصاة تجعل بين السبابتين، وقدر حصى الخذف أكبر من حبة الحِمِّص قليلاً، وهذا يدل على صفة الحصى الذي يُرمى به، وأنه أكبر من حبة الحِمِّص قليلاً، وعلى هذا فلا يرمي بحجر كبير يؤذي المسلمين، ولا يجوز بالصغير الذي لا يمكن رميه؛ لأن الرمي عبادة لله تعالى، فلا بد أن يكون بما يمكن رميه. ويكبِّر مع كل حصاة: (الله أكبر)، وهذا من كمال التعبد لله تعالى، والتعظيم لأمره، ليحصل الجمع بين التعظيم بالقلب والتعظيم باللسان، وقد رماها ﷺ (من بطن الوادي) جاعلاً منى عن يمينه ومكة عن يساره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولم يذكر جابر ﵁ من أين أخذ النبي ﷺ حصى جمرة العقبة، وهذا يدل على أنه ليس لذلك مكان معين، فيلقطها الحاج من حيث شاء، وقد جاء في حديث ابن عباس - وفي رواية الفضل بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: «هاتِ القط لي»، فلقط له حصيات نحواً من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: «مثل هؤلاء - ثلاث مرات - وإياكم والغلوَّ في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوِّ في الدين» (١). وهذا كما ترى ليس فيه تحديد للمكان، وقد جزم ابن قدامة أن ذلك كان في منى (٢)، ولعله أخذ ذلك من قوله: (غداة العقبة)، وذكر ابن حزم أنه

стр. 2174

التقطها له من موقفه الذي رمى فيه، وتبعه الألباني، وهذا فيه نظر، فقد ورد في «الصحيحين»: «أنه رمى الجمرة ضحى»، وهذا يفيد أن الالتقاط كان قبل وقت الرمي (١)، وقد جاء في «صحيح مسلم» من حديث الفضل: (حتى إذا دخل محسراً وهو من منى، قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة … ») (٢)، وظاهر هذا أنه أمر بلقطها في طريقه، وبه جزم ابن القيم (٣). والمقصود أنه ليس للحصى مكان معين، ومن فهم أن السنة الالتقاط من مزدلفة - كما يفعله كثير من الحجاج - فقد غلط، لعدم الدليل على ذلك. الوجه الرابع والثلاثون: قوله: (ثم انصرف إلى المنحر فنحر)، هذا فيه دليل على استحباب التثنية بالنحر بعد رمي جمرة العقبة، وقد نحر النبي ﷺ ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة، ثم أعطى عليّاً فنحر الباقي، وكان هديه ﷺ مائة بدنة. والمتمتع والقارن كلاهما عليه هدي شكران لا جبران، أما المتمتع ففيه نص القرآن، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وأما القارن فوجوب الهدي عليه هو مذهب جمهور العلماء إما بالقياس على المتمتع أو لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾، وقد تقدم أن الصحابة ﵃ أطلقوا لفظ التمتع على نسك النبي ﷺ ، وهو قارن. وقال ابن حزم: (لا هدي على القارن، إلا الذي كان معه عند إحرامه) (٤) وقال ابن قدامة: (لا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافاً، إلا ما حكي عن داود، أنه لا دم عليه، وروي ذلك عن طاوس، وحكى ابن المنذر أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن، هل يجب عليه دم؟ فقال: لا. فَجُرَّ برجله. وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم) (٥). ودم التمتع هو دم نسك وعبادة، فهو دم شكر حيث حصل للعبد نُسُكان

стр. 2175

في سفر واحد وزمن واحد، وهو من تمام النسك وكماله، وهو من رحمة الله تعالى بعباده وإحسانه إليهم، حيث شرع لهم ما به كمال عبادتهم وزيادة أجرهم، وأباح لهم بسببه التحلل أثناء الإحرام، لما في استمراره عليهم من المشقة، ولهذا كان الدم فيه وفي القِران دم شكر لا دم جبران، إذ لا نقص في هذا النسك حتى يجبر، فيأكل منه الحاج، ويهدي، ويتصدق، فعليه أن يعرف هذه الفائدة، فإن في الدم أو بدله أجراً، كما أن في التمتع أجراً، فلا يَحْرِمُ الإنسان نفسه ذلك، فيحج مفرداً لئلا يلزمه الدم. وقد تقدم أن القارن إذا لم يكن معه هدي، فإنه يشرع له فسخ إحرامه إلى عمرة، وأن أفضلية القران إنما هي في حال سوق الهدي، كنسك النبي ﷺ . ولم يرد ذكر الحلق في هذه الرواية، وقد جاء عند أحمد من حديث جابر ﵁: (نحر رسول الله ﷺ ، فحلق) (١)، وفي حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس (٢). وهذا يدل على أن السُّنَّة أن يكون الحلق بعد النحر، فتكون هذه الأعمال الثلاثة يوم النحر مرتَّبة، فإن قدم بعضها على بعض فلا بأس، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الخامس والثلاثون: قوله: (ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر) معنى (فأفاض) أي: طاف طواف الإفاضة، وهذا فيه دليل على استحباب طواف الإفاضة بعد الرمي والنحر والحلق إن تيسر، وإلا فالأمر فيه سعة، فإن لم يستطع الطواف في هذا الوقت لانشغاله بالرمي، أو بنحر هديه وتفريقه، فله تأخير الطواف إلى آخر يوم النحر أو أيام التشريق.

стр. 2176

وقد ذكر الفقهاء أن وقت طواف الإفاضة يبدأ من مغيب القمر ليلة النحر، بشرط أن يسبقه الوقوف بعرفة ومزدلفة، فمن دفع من مزدلفة من الضعفة في هذا الوقت ورمى جمرة العقبة، فله أن يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ولا سيما من معه نساء يخاف عليهن الزحام، أو العادة الشهرية (١). وأما آخر وقته فلم يرد فيه نص، والجمهور على جواز تأخيره ولو بعد نهاية شهر ذي الحجة، والأولى ألا يؤخره عن شهر ذي الحجة، إلا من عذر كمرض أو نفاس أو نحو ذلك (٢)، لأن الحاج يبقى محرماً، إذ لم يحصل له التحلل الأكبر بطواف الإفاضة، قال ابن قدامة: (والصحيح أن آخر وقته غير محدد، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم) (٣)، وانفرد ابن حزم بالقول بأن تأخير طواف الإفاضة إلى انتهاء شهر ذي الحجة مبطل للحج (٤). وقول جابر ﵁ (فصلى بمكة الظهر) يعارضه قول عبد الله بن عمر ﵄: (إن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى بمنى) (٥)، وجُمع بينهما بأنه ﷺ صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه (٦) ﵃، والله تعالى أعلم.

стр. 2177

حكم الدعاء بعد التلبية ٧٤٣/ ٢ - عَنْ خُزَيْمةَ بنِ ثابت ﵁: أنَّ النّبيَّ ﷺ كانَ إذا فَرَغَ من تَلْبِيَتهِ في حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سأَلَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالجَنَّةَ، واستعاذَ بِرَحْمَتِهِ منَ النَّارِ. رواهُ الشافعيُّ بإسناد ضعيف. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو عمارة، خزيمة - بضم الخاء وفتح الزاي - بن ثابت بن الفاكه الخَطْمِي الأنصاري الأوسي، شهد بدراً، وقيل: أول مشاهده أُحد، وصوَّبه الذهبي. يُعرف بذي الشهادتين (١)، كانت معه رايةُ خَطْمَةَ يومَ الفتح، روى البخاري بسنده عن زيد بن ثابت ﵁ قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب، كنت كثيراً أسمع رسول الله ﷺ يقرأها، لم أجدها عند أحد إلا مع خزيمة الأنصاري، الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (٢). كان مع علي ﵁ يوم صفين كافّاً عن القتال، فلما قتل عمار بن ياسر ﵁ جرَّد سيفه، فقاتل حتى قتل سنة سبع وثلاثين ﵁ (٣).

стр. 2178

الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه الشافعي (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣ ترتيب مسنده) قال: أخبرني إبراهيم بن محمد، عن صالح بن محمد بن زائدة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، به. وهذا إسناد ضعيف - كما قال الحافظ ـ؛ لأن مدار الحديث على صالح بن محمد بن زائدة المدني، قال البخاري: (منكر الحديث)، وقال أبو داود والنسائي: (ليس بالقوي). وقال الدارقطني: (ضعيف)، وضعفه ابن حبان. وقال أحمد: (ما أرى به بأساً) (١). وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى شيخ الشافعي، كان كذاباً - كما تقدم الكلام عليه ـ، إلا أنه تابعه عبد الله بن عبد الله الأموي، عن صالح بن زائدة، به. أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٣٨)، والبيهقي (٥/ ٤٦). الوجه الثالث: دل الحديث على فضل الدعاء بعد كل تلبية بسؤال الله تعالى رضوانه وجنته، والاستعاذة برحمته من النار، ولكن لا يثبت هذا الفضل لضعف الحديث، كما تقدم. فمن أخذ بالعمومات قال: إن الدعاء في حق الملبي مشروع؛ لأن النبي ﷺ لم ينه الملبي عن الدعاء، ولأن مقام المحرم ومقام التلبية مقام واسع، فيدعو ربه ويذكره ويصلي على النبي ﷺ ويلبي، فيستغل وقته بالخير، والنبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، وقد كان يسمع الناس يزيدون في التلبية فيقرهم على ذلك، كما تقدم، ومن وقف عند الدليل قال بعدم مشروعية الدعاء في مثل هذا المقام، والله تعالى أعلم.

стр. 2179

ما جاء في أن منى كلها منحر، وعرفة وجمع كلها موقف ٧٤٤/ ٣ - عن جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «نَحَرْتُ ها هُنا، ومِنًى كُلُّها مَنْحرٌ، فانْحَرُوا في رِحالِكم، ووقَفْتُ هَا هُنا، وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا، وجَمْعٌ كلُّها مَوْقِفٌ». رواهُ مُسلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «ما جاء أن عرفة كلها موقف» (١٢١٨) (١٤٩) من طريق جعفر بن محمد: حدثني أبي، عن جابر بن عبد الله ﵁، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (نحرت ها هنا) هذا يدل على أن هذه الأحكام قالها النبي ﷺ يوم العيد. قوله: (ومنى) بكسر الميم وفتح النون مخففة بوزن رِبَى، هي أحد المشاعر المقدسة، تقع بين وادي محسر شرقاً، وجمرة العقبة غرباً، ومن الجنوب والشمال الجبلان المستطيلان، وكل ما كان على منى فهو منها، وسميت بذلك لكثرة ما يمنى؛ أي: يراق فيها من دماء الهدايا. قوله: (وعرفة كلها موقف) تقدم الكلام على عرفة في شرح حديث جابر ﵁. قوله: (وجمع كلها موقف) جمع: هي المزدلفة: وهذا اسم أطلقه

стр. 2180

النبي ﷺ عليها، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها في الجاهلية والإسلام، ولها اسم ثالث - كما تقدم في شرح حديث جابر ﵁ وهو: المشعر الحرام، وهذا جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والمشعر: مَفْعَلٌ من شَعَرَ، أي: المَعْلَم. والحرام: لأنه ممنوع أن يفعل فيها ما نُهي عنه من محظورات الإحرام. وحدُّ مزدلفة من مأزِمَي عرفة شرقاً إلى وادي محسِّر غرباً، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب. ومأزما عرفة: تثنية مأزِم، وهو المضيق بين جبلين أو عدوتي وادٍ، وثُنِّي لوقوعه بين شيئين، والمراد به هنا: وادي عُرنة؛ ولذا أضيف إلى عُرنة، لاتصاله بها وقربه منها، قال ﷺ : «ارفعوا عن بطن عرنة»، وقيل: المأزمان، الجبلان اللذان يسميان الأخشبين، وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة، بينهما طريق (١). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النحر يصح في جميع الحرم، سواء في مكة أو منى أو مزدلفة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، والمراد بذلك: الحرم كله، كما ذكر المفسرون، وفي لفظ لحديث جابر ﵁: «كل فِجَاج مكة طريق ومنحر» (٢). وعن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (مناحر البُدْن بمكة، ولكنها نُزِّهَتْ عن الدماء، ومنى من مكة) (٣). وعلى هذا فلا ينحر هديه في عرفة أو غيرها من الحل ولو فرَّقه في الحرم؛ لأن عرفة خارج الحرم، فلا يجزئ على قول الجمهور، وبعض الناس قد يغفل عن ذلك، فينبغي التنبه له.

стр. 2181

أما الفدية لفعل محظور، فإن كان داخل الحرم، ففي مكان وجود سببه من الحرم، وإن كان خارجه ففي محل فعل المحظور، ويجوز في الحرم، كما تقدم، والله تعالى أعلم. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن عرفة كلها موقف، ففي أي مكان وقف ودعا أجزأ، ولها علامات واضحة لمن طلبها، وهذا دليل على يسر هذه الشريعة حيث لم يجمع الناس في مكان معين، لكن إن تيسر الوقوف عند الجبل في موقف النبي ﷺ فهو أفضل. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن جمعاً كلها موقف، ففي أي مكان وقف أجزأ ذلك. والرسول ﷺ قال ذلك تقريراً لمن حج معه ممن لم يقف في موقفه، ولم ينحر في منحره؛ لأنه ﷺ حج معه أمم لا تحصى، ولا يتسع لها مكان وقوفه ولا مكان نحره، والله أعلم.

стр. 2182

من أين يكون دخول مكة والخروج منها ؟ ٧٤٥/ ٤ - عَن عائِشةَ ﵂، أَنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إلى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِها. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «من أين يخرج من مكة؟» (١٥٧٧)، ومسلم (١٢٥٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، به. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن النبي ﷺ دخل مكة من أعلاها، وهي ثنية الحجون، وتسمّى: (كَداء) بفتح الكاف والمد، وهي الطريق الآتية بين مقبرتي المعلاة، وخرج من أسفلها، وهي ثنية (كُدى) بضم الكاف والقصر كهُدى، وهي عند باب الشبيكة، وتعرف الآن بريع الرسَّام، وقد سُهِّلَتْ، وهي الآن في الشارع العام المؤدي إلى جرول، وأهل مكة يقولون: ادخل وافتح، واخرج وضم، وأما (كُديّ) بلفظ التصغير كسُمَيِّ، فهي لمن خرج من مكة إلى اليمن، وبعض علماء اللغة كصاحب «القاموس» وقع في وهم في هذه المواضع (١). والثنية: الطريق المرتفع بين جبلين. وقد روى عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى (٢). ولعل هذه المخالفة من

стр. 2183

أجل إظهار الشعائر وتعويد النفوس على التنقل في العبادة. الوجه الثالث: اختلف العلماء في استحباب الدخول من حيث دخل النبي ﷺ والخروج من حيث خرج على قولين: القول الأول: أنه يستحب ذلك وأنه يَعْدِلُ إليه، وإن لم يكن طريقه عليه، وهذا رأي النووي من الشافعية (١)، واعتمده المتأخرون منهم. والقول الثاني: أنه لا يستحب؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل هذا قصداً، وإنما سلكه لأن طريقه عليه، وهذا رأي جماعة من الشافعية، والحنابلةُ أطلقوا استحباب الدخول من أعلاها (٢)، ولكن تقييده بما إذا كانت ثنية كداء في طريقه قوي جداً، والله تعالى أعلم.

стр. 2184

استحباب الاغتسال لدخول مكة ٧٤٦/ ٥ - عنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كانَ لا يَقْدُمُ مَكَّةَ إلا باتَ بِذِي طُوَى حتى يُصْبحَ، ويغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذلك عنِ النبيِّ ﷺ . مُتفقٌ عليه. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الاغتسال عند دخول مكة» (١٥٧٣)، ومسلم (١٢٥٩) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به. وهذا لفظ مسلم، وفيه زيادة: (ثم يدخل نهاراً). الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الاغتسال عند دخول مكة لتحصل له النظافة والنشاط قبل أن يبدأ بالطواف، وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على استحباب الاغتسال عند دخول مكة (١). وذو طوى: بضم الطاء أو فتحها أو كسرها، موضع في مكة في جرول، وبئر طوى لا تزال موجودة في جرول أمام مستشفى الولادة، وهي مشهورة عند أهل مكة، وليس المراد تخصيص أفضلية الاغتسال فيها؛ بل الاغتسال مستحب لكل داخل من أي جهة كان، وإنما كان الاغتسال منها لأنها واقعة في طريقه ﷺ ، أما من أتى من جهة نجد أو اليمن ونحوهما، فإنه يغتسل من طريقه الذي ورد منه، والله تعالى أعلم.

стр. 2185

حكم السجود على الحجر الأسود ٧٤٧/ ٦ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ كانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأسودَ ويَسْجُدُ عليه. رواهُ الحاكم مرفوعاً، والبَيْهَقِيُّ موقوفاً. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الحاكم (١/ ٤٥٥) من طريق أبي عاصم النبيل، ثنا جعفر بن عبد الله - وهو ابن الحكم ـ، قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يُقبِّله ويسجد عليه، وقال ابن عباس ﵄: رأيت عمر بن الخطاب ﵄ قبّله وسجد عليه، ثم قال عمر: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلت. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وهذا فيه نظر، فإن الحاكم صحح الحديث بناءً على أن جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم، كما في سياق الإسناد، وليس كذلك، وإنما هو جعفر بن عبد الله بن عثمان، بدليل رواية الدارمي (١)، فإنه أخرج الحديث عن جعفر بن عبد الله بن عثمان قال: رأيت محمد بن عباد … الحديث، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسي (٢)، إلا أنه قال: جعفر بن عثمان القرشي، فنسبه إلى جده. قال الحافظ: (وَهِمَ الحاكم في قوله: (إن جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم) فقد نص العقيلي على أنه غيره، وقال: هذا في حديثه وهم واضطراب) (٣).

стр. 2186

وقد حسَّن الحديث الحافظ ابن كثير (١). ورواه الشافعي (١/ ٥٥٠)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٧٥) عن ابن جريج، عند أبي جعفر، عن ابن عباس، به موقوفاً. وقد صرح ابن جريج بالتحديث عند عبد الرزاق (٥/ ٣٧) ورجاله ثقات، وهو أقوى أحاديث الباب، وقد صححه الألباني (٢)، فيكون الصواب في ذلك أنه موقوف. الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب تقبيل الحجر الأسود عند بدء الطواف، وعند محاذاته أثناء الطواف إن تيسر، وهذا ثابت في أحاديث صحيحة، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب السجود على الحجر الأسود بوضع الجبهة والأنف عليه، والحديث فيه الكلام المتقدم، والمحفوظ في الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ : أنه كان يقبِّل الحجر ويستلمه؛ أما السجود فلم يثبت إلا بمثل هذا الحديث، فمن لم يأخذ به، قال: إنه لا ينهض على إثبات مثل هذا الحكم، والعبادات توقيفية، والأصل فيها المنع، إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ ولذا قال الإمام مالك: (إنه بدعة)، وجاء في كتب المالكية كراهة السجود عليه (٣). وقال فقهاء الحنابلة: يسجد عليه، وكأنهم أخذوا بفعل ابن عباس وعمر ﵄، قال في «كشاف القناع»: (ونصَّ أحمد في رواية الأثرم: ويسجد عليه، فعله ابن عمر وابن عباس) (٤). والأقرب في هذا - والله أعلم - القول بالجواز دون الاستحباب، أما القول بأنه بدعة ففيه نظر؛ لأن ابن عباس ﵄ فعله، والله أعلم.

стр. 2187

مشروعية الرمل في الطواف وبيان موضعه ٧٤٨/ ٧ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَرْمُلُوا ثلاثَةَ أَشْوَاطٍ، ويمْشُوا أَرْبعاً ما بَيْنَ الرُّكنينِ. متفقٌ عليه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «كيف كان بدء الرمل؟» (١٦٠٢)، ومسلم (١٢٦٦) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يرمُلوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمُلوا الأشواط كلها إلا الإبقاءُ عليهم). الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأُول من الطواف الذي يأتي به القادم إلى مكة، سوى ما بين الركن اليماني والحجر الأسود، فهذا يمشي فيه بدون رمل، وإنما أمروا بالمشي فيما بين الركنين، رفقاً بهم؛ لأنهم رملوا إظهاراً للقوة والشجاعة، وكان المشركون لا يرونهم إذا كانوا بين الركنين؛ لأن المشركين كانوا في جهة الحِجْرِ، عند جبل قُعَيْقِعَانَ (١)؛ ولذا قال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا (٢). فحصلت إغاظة المشركين بدون مشقة على المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2188

والرمَل: الإسراع في المشي من غير مباعدة للخطوات، وتقدم. وما ورد في هذا الحديث من المشي بين الركنين فهو منسوخ؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة، والناسخ له ما ثبت: أن النبي ﷺ رمل في حجة الوداع جميع الأشواط الثلاثة حتى ما بين الركنين؛ لأن هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، فقد روى ابن عمر ﵄ قال: (رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثاً ومشى أربعاً) (١). وعنه - أيضاً ﵁ أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثاً ومشى أربعاً (٢). وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم، فإنه يسعى ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة (٣). وهذا الحديث بروايته المذكورة موجود في بعض نسخ «البلوغ»، ولا سيما القديمة، وهو يدل على ما تقدم في حديث جابر ﵁، إلا أن فيه التصريح بأن الرمل في طواف القدوم. الوجه الثالث: الحكمة من مشروعية الرمل هي ما يستفاد من هذا الحديث، وهي إغاظة المشركين بإظهار القوة، وبقيت مشروعيته وإن كان سببها قد زال، للتذكير بذلك السبب. الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي إغاظة المشركين والكفار بكل وسيلة، وأنه يتأكد على أهل الإسلام ولا سيما في مواقف الحرب واللقاء مع الكفار أن يتظاهروا بالقوة والنشاط، وأن يحذروا ما يدل على الضعف، لأجل إغاظة العدو، وبعث الوهن بين صفوفه، ولئلا يطمع بهم ويتشجع على قتالهم أو النيل منهم، نسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويذلَّ أعداءه، والله تعالى أعلم.

стр. 2189

حكم استلام أركان الكعبة ٧٤٩/ ٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: لم أَرَ رسَولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البيتِ غيرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَّيْنِ. رواهُ مسلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين» (١٢٦٩) من طريق أبي الطفيل البكري، أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول … وذكر الحديث، إلا أنه ليس فيه لفظ: (من البيت). وقد جاء هذا الحديث - أيضاً - من مسند عبد الله بن عمر ﵄ (١). الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف. وتقدم في حديث جابر ﵁ أن الاستلام: اللمس باليد؛ فالحجر الأسود يشرع فيه الاستلام والتقبيل أو الإشارة إليه مع البعد، أما الركن اليماني فليس فيه إلا الاستلام، وأما الإشارة فلا يشار إليه - على الراجح من قولي أهل العلم ـ. ويقول عند استلام الحجر أو الإشارة إليه: الله أكبر؛ مرة واحدة، وأما الركن اليماني فيستلمه بدون تكبير؛ إذ لم يرد فيه نص، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحطُّ الخطايا حطّاً» (٢).

стр. 2190

وأطلق عليهما اليمانيان: لأنهما من جهة اليمن؛ فالحجر الأسود في الجنوب الشرقي للكعبة، والركن اليماني في الجنوب الغربي، وفي مقابلهما الركنان: الشامي في الشمال الشرقي للكعبة يلي الحجر الأسود، والثاني: في الغربي منها، ويليه الركن اليماني. والحكمة - والله أعلم - في ترك استلام الركنين الآخرين: أن النبي ﷺ لم يستلمهما، ولأنهما ليسا على قواعد الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵊، وذلك لأن قريشاً لما بنوها قَصُرَتْ بهم النفقة، فَحَطَمُوا منها الحِجْرَ، فخرج فيه من الكعبة نحو ستة أذرع ونصف. وعن الطفيل، قال: رأيت معاوية يطوف بالبيت عن يساره عبد الله بن عباس، وأنا أتلوهما في ظهورهما، أسمع كلامهما، فطفق معاوية يستلم ركن الحَجَر، فقال له عبد الله بن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم هذين الركنين. فيقول معاوية: دعني منك يا ابن عباس، فإنه ليس منها شيء مهجور، فطفق ابن عباس لا يزيده، كلما وضع يده على شيء من الركنين، قال له ذلك (١). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن السنة كما تكون في الأفعال تكون كذلك في التروكات، فإذا وجد سبب الفعل في عهد النبي ﷺ فلم يفعل، دل هذا على أن السنة تركه، وهذا النوع من السنة أصل عظيم، وقاعدة جليلة، به تحفظ أحكام الشريعة، ويُوصد باب الابتداع في الدين.

стр. 2191

الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يشرع استلام شيء من أركان الكعبة أو جدرانها سوى الركنين اليمانيين، باتفاق أهل العلم، وكذا مقام إبراهيم ﵇، فإنه لا يجوز استلام شيء منه أو التمسّح به؛ بل هو من البدع المحدثة في دين الله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين، فإن النبي ﷺ استلمهما خاصة، لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران هما في داخل البيت .. وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم .. وحجرة نبينا محمد ﷺ فلا تستلم ولا تقبل باتفاق الأئمة) (١). ويقول ابن القيم: (ليس على وجه الأرض موقع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود والركن اليماني) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2192

حكم تقبيل الحجر الأسود ٧٥٠/ ٩ - عن عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَبَّلَ الحَجَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أَنِّي رأَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ. مُتّفقٌ عليه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «ما ذكر في الحجر الأسود» (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يقبّل الحجر … وذكره، وهذا لفظ البخاري، والحديث له طرق متعددة عن عمر ﵁ (١)، وقد رواه ابن عمر، عن أبيه، بنحوه. الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية تقبيل الحجر الأسود في الطواف. والحجر الأسود في ركن الكعبة الجنوبي الشرقي، وقد كان أبيض من اللبن، ثم سوَّدته الخطايا، وقد روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم» (٢).

стр. 2193

وقد جرى على الحجر حوادث واعتداءات متعددة في الأزمنة الماضية، أثرت فيه بتصدع وتكسر، ولكن الله تعالى حفظه من الضياع. وقد جاء في رواية لمسلم عن سويد بن غَفَلَةَ، قال: رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه، وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفياً (١). ومعنى (حفياً): أي معتنياً بشأنك بالتقبيل والمسح والكلام (٢). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن تقبيل الحجر ليس لأنه حجر يخاف منه الضرر أو يرجى منه النفع، وإنما هو تسليم للشرع واتباع للنبي ﷺ تعبّداً لله تعالى. الوجه الرابع: فضيلة عمر ﵁ بحرصه على حماية التوحيد، حيث خاف من تقبيله الحجر أن يغتر به بعض الجهال وحديثو العهد بالإسلام الذين ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها خوف الضرر منها أو رجاء نفعها، فبيّن ﵁ أن هذا الأمر في الإسلام ليس لشيء يطلب من الحجر، وإنما هو تعظيم لله واتباع للنبي ﷺ ، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها؛ ليغرس هذا المعتقد في قلوب من يسمعه أو يُنقل إليه. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن وظيفة المؤمن التسليم للشرع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيه ولم تعلم عين الحكمة فيه، والله تعالى أعلم.

стр. 2194

مشروعية استلام الحجر بالعصا ونحوه ٧٥١/ ١٠ - عنْ أبي الطُّفَيْلِ ﵁ قالَ: رَأَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يطُوفُ بالبيتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُكنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويُقَبِّلُ المِحْجَنَ. رواهُ مسلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو الطفيل، عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي الكناني، رأى النبي ﷺ وهو شاب، وحفظ عنه أحاديث، روى البخاري بسنده عن أبي الطفيل أنه قال: (أدركت ثماني سنوات من حياة النبي ﷺ ، وولدت عام أُحد) نزل الكوفة، وشهد مع علي ﵁ مشاهده كلها، فلما استشهد علي ﵁ عاد إلى مكة، فأقام بها إلى أن مات سنة مائة، أو سنة مائة وعشر، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ على الإطلاق (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب» (١٢٧٥) من طريق سليمان بن داود، حدثنا معروف بن خَرَّبُوذ، قال: سمعت أبا الطفيل ﵁ يقول … وذكر الحديث. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (يطوف بالبيت) الطواف مصدر طاف يطوف طوافاً وطوافاناً بمعنى: دار.

стр. 2195

وشرعاً: الدوران سبعة أشواط حول الكعبة بنيّة الطواف على صفة مخصوصة (١). قوله: (ويستلم) تقدم في حديث جابر ﵁ معنى (الاستلام)، وأنه لمس الحجر باليد. قوله: (بمحجن) المحجن: بكسر الميم، عصا محنية الرأس، يحملها الراكب ليوجه بها راحلته، ويتناول بها المتاع أو غيره. الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود بالعصا ونحوه إذا لم يتمكن من استلامه بيده ولم يؤذِ أحداً. وإنما استلمه النبي ﷺ بمحجن؛ لأنه كان قد طاف على بعير، لما روى جابر ﵁ قال: (طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجن؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس غشوه) (٢). وهذا فيه بيان لعلة ركوبه، وهو أن الناس قد غشوه، ولم يكونوا يُطردون عنه، أو يُضْرَبون بين يديه، فطاف على بعير، وكان ذلك في طواف الإفاضة يوم العيد، ليشرف على الناس، ويشاهدوه فيتعلموا من سنته، ويسألوه صلوات الله وسلامه عليه. الوجه الخامس: يستفاد من مجموع الأحاديث الواردة في الحجر الأسود: أن للناس مع الحجر ثلاث حالات: الأولى: التمكّن من تقبيله، فهذا يقبِّل ويكبر عند التقبيل، وهذا هو الكمال، ولم يرد في الأحاديث تحديد عدد للتقبيل، فالأَوْلى مرة واحدة؛ إذ لو قَبَّلَ النبي ﷺ أكثر من مرة لنقل إلينا. الثانية: ألا يتمكن من التقبيل، ويتمكن من الاستلام باليد أو بالعصا

стр. 2196

ونحوه، فيشرع ذلك مع التكبير، ويقبل يده أو عصاه إذا استلم بها لكونها لامست الحجر؛ لأن النبي ﷺ لما طاف في حجة الوداع على بعير استلم الركن بمحجن، ثم قَبَّلَ المحجن الذي استلم به الركن. وقد روى مسلم بسنده، عن نافع، قال: رأيت ابن عمر ﵄ يستلم الحجر بيده، ثم قبَّل يده، وقال: (ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله) (١). الثالثة: ألا يتمكن من الاستلام لكونه راكباً أو لوجود زحام، فهذا يشير إلى الحجر ويكبر، ولا يقبل ما أشار به - على الراجح من قولي أهل العلم ـ؛ لأنه لا يُقَبَّلُ إلا الحجر أو ما مس الحجر، والله تعالى أعلم.

стр. 2197

حكم الاضطباع في الطواف ٧٥٢/ ١١ - عن يَعْلَى بن أُمَيَّة ﵁ قالَ: طافَ رسولُ اللهِ ﷺ مُضطبِعاً بِبُرْدٍ أَخضرَ. رواه الخمسة إلا النسائي، وصحّحهُ الترمذيُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو يعلى بن أمية التميمي الحنظلي، ويقال: يعلى بن مُنْية، بضم الميم وسكون النون، وهي أمه، وقيل: أم أبيه. أسلم ﵁ يوم الفتح، وحسن إسلامه، وشهد حُنيناً والطائف وتبوك، قال ابن عبد البر: (كان يعلى بن أمية سخياً معروفاً بالسخاء)، قتل سنة ثمان وثلاثين بصفِّين مع علي ﵁، وقيل: سنة سبع وأربعين، وقال الذهبي: (بقي إلى قريب الستين، فما أدري أتوفي قبل معاوية أو بعده) (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في «المناسك»، باب «الاضطباع في الطواف» (١٨٨٣)، وابن ماجه (٢٩٥٤)، وأحمد (٢٩/ ٤٧٥) من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى، عن أبيه. واللفظ لأبي داود. وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، ابن جريج لم يسمعه من ابن يعلى، وقد دلَّسه عنه، والواسطة بينهما عبد الحميد بن جبير، وهو ثقة من رجال الشيخين. فقد أخرجه الترمذي (٨٥٩)، وأحمد (٢٩/ ٤٧٣) عن سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، إلا أنه

стр. 2198

قد أُبهم اسم الرجل في إسناد أحمد. وابن يعلى: هو صفوان بن يعلى بن أمية. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (مضطبعاً) الاضطباع: افتعال من الضَّبَع، وهو العضد، وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، سمّي اضطباعاً لإبداء الضَّبَعين. قوله: (ببرد) البرد - بضم الباء وإسكان الراء ـ: كساء له أعلام، وتقدم في «الجنائز». الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب الاضطباع في طواف القدوم خاصة. وقد روى أبو داود من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعِرَّانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى (١). والسنّة في الاضطباع أن يكون عند إرادة الطواف، فيكون عند بدايته وينتهي بنهايته، فإذا أنهى طوافه وأراد أن يصلي ركعتي الطواف سوى رداءه على كتفيه، وليس كما يفعله كثير من المحرمين، فيضطبع منذ أن يحرم إلى أن يخلع ثياب الإحرام، فهذا لا أصل له، وفيه مخالفة للسنة، فينبغي التنبه له، والتنبيه عليه، قال ابن عابدين: (والمسنون الاضطباع قبيل الطواف إلى انتهائه لا غير) (٢). والحكمة من هذا الاضطباع أنه يعين على الإسراع في المشي، فإن النبي ﷺ وأصحابه فعلوه في عمرة القضاء؛ ليستعينوا بذلك على الرمل؛

стр. 2199

ليرى المشركون قوتهم وجلدهم، كما تقدم، ثم صار سنة. الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الإحرام بالثوب الأخضر وغيره من الألوان، والبياض أفضل؛ لعموم قوله ﷺ : «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم» (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2200

مشروعية التلبية والتكبير إذا غدا إلى عرفة ٧٥٣/ ١٢ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قالَ: كان يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فلا يُنْكَرُ عليهِ، وَيُكَبِّرُ مِنّا المُكَبِّرُ فلا يُنْكَرُ عليه. متفقٌ عليه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة» (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥) من طريق مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي: أنه سأل أنس بن مالك - وهما غاديان من منى إلى عرفة ـ: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل … الحديث. وبهذا السياق يتبين أن هذا كان في توجههم إلى عرفات، بخلاف سياق الحافظ للحديث، فإنه لا يدل على ذلك. الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية التلبية والتكبير يوم عرفة، فإن لبى فحسن، وإن كبر فلا بأس، والتلبية شعار المحرم فإذا كبر معها فلا بأس، وهذا يدل على أن الأمر فيه سعة؛ لأن النبي ﷺ أقرّهم على ذلك. الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الصحابة ﵃ ينكرون على من خالف المنهج المستقيم في قول أو فعل، وأنهم لا يقرّون مخطئاً على خطئه؛ لأن أنساً ﵁ احتج على مشروعية التكبير والتلبية في هذا اليوم بأن الرجل منهم كان يلبي، وكان يكبر، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم.

стр. 2201

جواز انصراف الضعفة من مزدلفة بليل ٧٥٤/ ١٣ - عن ابنِ عبّاسٍ ﵄ قالَ: بَعَثَنِي النبيُّ ﷺ في الثَّقَلِ - أَو قال: في الضَّعَفَةِ - من جَمْعٍ بِلَيْلٍ. مُتّفقٌ عليه. ٧٥٥/ ١٤ - وعنْ عائِشَةَ ﵂ قالتْ: اسْتأذَنتْ سَوْدَةُ رَسولَ اللهِ ﷺ ليْلةَ المُزْدَلِفَةِ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وكانَتْ ثَبْطَةً - تَعْنِي ثَقِيلَةً - فأَذِنَ لَهَا. مُتّفقٌ عليْهِ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عباس ﵄، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «من قَدَّمَ ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدِّم إذا غاب القمر (١)» (١٦٧٨)، ومسلم (١٢٩٣) من طريق سفيان، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس ﵄، به. وهذا لفظ مسلم. وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (١٦٨٠)، ومسلم (١٢٩٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة ﵂، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (في الثقل) بفتح الثاء المثلثة والقاف، وهو في الأصل متاع المسافر، والمراد هنا: الضعفة، بدليل الروايات الأخرى.

стр. 2202

قوله: (أو قال: في الضعفة) بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة والفاء، جمع ضعيف، وهم: النساء، والأطفال، وكبار السن، والمرضى. قوله: (من جمع) أي: مزدلفة. قوله: (بليل) أي: قبل الفجر، وهذا مطلق، لكن دلَّ حديث أسماء ﵂ الآتي على أن المراد به: بعد مغيب القمر، وقد تقدم ذلك في تبويب البخاري. قوله: (استأذنت سودة) هي سودة بنت زمعة، أم المؤمنين ﵂، أول زوجة تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة ﵂، وهي التي وهبت يومها لعائشة ﵂ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ (١)، - كما سيأتي في كتاب «النكاح» إن شاء الله تعالى - توفيت سودة في آخر زمان عمر بن الخطاب ﵁، ذكره ابن عبد البر وغيره، ورجح الواقدي أنها ماتت سنة أربع وخمسين، ﵂ (٢). قوله: (أن تدفع قبله) أي: تفيض من مزدلفة قبل النبي ﷺ . قوله: (وكانت ثبطة) بفتح الثاء المثلثة وسكون الباء أو كسرها؛ أي: بطيئة الحركة، كأنها تَثْبِطَ بالأرض؛ أي: تَشَبَّثُ بها. قوله: (تعني ثقيلة) هذا التفسير جاء في رواية مسلم من طريق القاسم راوي الخبر، ولفظه: (وكانت امرأة ثبطة. يقول القاسم: والثبطة: الثقيلة). الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الإفاضة من مزدلفة بليل للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم، وذلك إذا غاب القمر، سواء أكان الوقت صيفاً أم شتاء؛ لقول أسماء ﵂ لمولاها: (هل غاب القمر؟ قال: نعم. قالت: فارتحلوا … ) الحديث، وسيأتي - إن شاء الله - بتمامه، ولم يجئ التوقيت إلا في هذا الحديث، والظاهر أن أسماء ﵂ عندها علم بهذا، وهي التي روت رخصة تعجيل الدفع من مزدلفة للضعفة.

стр. 2203

وهكذا من كان برفقتهم من سائق ومحرم، وغيرهما ممن يلاحظهم ويقوم بأمورهم. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن من يقوم بأمورهم فحكمه حكمهم (١)؛ لأن هذا فيه رفق بهم، ودفع لمشقة الزحام عنهم، ولا سيما عند رمي جمرة العقبة، وفيه - أيضاً - اقتداء بالنبي ﷺ ، حيث أذن للضعفة، وهكذا من كان تابعاً لحملة وليس معه ضعفة، ولكن الحملة لا تنتظره، فله أن ينصرف معهم. وقد قال ابن قدامة: (لا نعلم في دفع الضعفة من مزدلفة بليل مخالفاً)، والله تعالى أعلم (٢).

стр. 2204

حكم رمي جمرة العقبة قبل الفجر ٧٥٦/ ١٥ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ لنا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حتى تَطْلُعَ الشَّمسُ»، رواهُ الخمسةُ إلا النسائي، وفيه انقطاعٌ. ٧٥٧/ ١٦ - وَعنْ عائِشَةَ ﵂ قالتْ: أَرسلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الجَمْرَةَ قبْلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ فأَفاضَتْ. رواهُ أَبو داودَ، وإسنادُهُ على شرط مسلمٍ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «التعجيل من جمع» (١٩٤٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، وابن ماجه (٢٠٢٥)، وأحمد (٣/ ٥٠٤) من طريق الحسن العرني، عن ابن عباس ﵄، قال: قدَّمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أُغيلمةَ بني عبد المطلب على حُمُرات، فجعل يَلْطَحُ (١) أفخاذنا ويقول: «أُبَيْنِيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس». وقد وهم الحافظ في استثناء النسائي، فقد رواه كما تقدم، وقد ذكر الحديث في «فتح الباري» وعزاه للنسائي (٢). وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، فإن الحسن العرني وإن كان ثقة، إلا أنه لم يسمع من ابن عباس، كما قال الإمام أحمد (٣)، وابن معين (٤)، وقال

стр. 2205

أبو حاتم: (لم يدركه) (١). وقد أخرجه الترمذي (٨٩٣)، وأحمد (٥/ ١٤٢) من طريق المسعودي، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، به، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وهذا الإسناد رواته ثقات، لكن أُعلَّ بالانقطاع، فإن شعبة قال: (لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث) وعدها، وليس هذا الحديث منها (٢). وقد ضعف الإمام البخاري هذا الحديث ووصفه بالاضطراب، وقال: (لا ندري الحَكَمُ سمع هذا من مقسم أم لا؟) (٣). وأخرجه أبو داود (١٩٤١)، والنسائي (٥/ ٢٧٢)، وغيرهما من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، به. قال الألباني: (إسناده صحيح، إن كان ابن أبي ثابت سمعه من عطاء، فإنه مدلس، لكن الحديث صحيح) (٤). والذي يظهر أن الحديث فيه اضطراب، كما قال البخاري، وفيه شذوذ أيضاً؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ في «الصحيحين»، وليس فيه نهيهم عن الرمي حتى تطلع الشمس؛ ولذا قال البخاري: (إن الأحاديث في الرمي قبل طلوع الشمس - يعني للضعفة - أكثر وأصح). يعني من حديث ابن عباس هذا. وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أبو داود (١٩٤٢) من طريق ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، به.

стр. 2206

والضحاك بن عثمان من رجال مسلم، لكنه صدوق سيئ الحفظ، وقد خولف في إسناده، فقد رواه الطحاوي من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلاً (١). ورواه الشافعي من طريق الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلاً أيضاً، قال الدارقطني: «وهو الصحيح» (٢). وقد ضعف الحديث الإمام أحمد، وذكر ابن التركماني أنه مضطرب سنداً، وكذلك مضطرب متناً (٣)، ففي بعض رواياته: أن النبي ﷺ أمر أم سلمة أن توافيه صلاة الصبح بمكة، مع أن النبي ﷺ صلى الصبح يومئذ في المزدلفة، قال ابن القيم: (حديث منكر، أنكره الإمام أحمد وغيره … ) (٤). وأما قول الحافظ: (وإسناده على شرط مسلم) فهذا لا يلزم منه صحة الحديث؛ لأنه لا يلزم من تخريج الإمام مسلم لهؤلاء الرواة أن يكون الخبر على شرطه؛ لأن الإمام مسلماً يروي بهذا الإسناد أحاديث لم تعلَّ بمثل هذه العلل المذكورة في هذا الإسناد، وهي الاضطراب في سنده ومتنه وترجيح إرساله، ثم إن الإمام أحمد وغيره قد أنكر هذا الحديث، فكيف يقال: إنه على شرط مسلم؟!. الوجه الثاني: حديث ابن عباس ﵄ يدل على أن من دفع من مزدلفة بليل فإنه لا يرمي جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، ولكن الحديث منكر لما تقدم، فلا يحتج به على ذلك، وقد ذكر الحافظ في «فتح الباري» (٥) أن للحديث طرقاً يقوي بعضها بعضاً، وأنه صححه الترمذي وابن حبان، وقال: (إنه حديث حسن)، مع أنه هنا وصفه بالانقطاع مضعفاً له، والصواب أن الحديث لا يصح، ولو فرض أنه صحيح لكان محمولاً على الأفضلية والندب (٦)، وعلى هذا فالصواب أن من دفع من مزدلفة بعد مغيب القمر من

стр. 2207

الضعفة والنساء والأطفال أنه يرمي ولو قبل الصبح، لأمور ثلاثة: الأول: أنه ورد في السنّة ما يدل على ذلك، ففي حديث ابن عمر ﵄: أنه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يَقْدَمُ منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ (١). وعن عبد الله بن كيسان مولى أسماء ﵂ قال: قالت لي أسماء، وهي عند دار المزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلَّت ساعة، ثم قالت: يا بُني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلَّت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارحل بي، فارتحلنا حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها، فقلت لها: يا هَنتاه (٢)، ما أُرانا إلا قد غلّسنا (٣)، قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظُّعُن (٤). الثاني: أنه لو كان رمي هؤلاء لا يجوز قبل الصبح لبيَّنه النبي ﷺ للأمة بياناً عاماً؛ لأن هذا الوقت وقت البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما لم يقع شيء من ذلك عُلم الجواز، وهو ما فهم عبد الله بن عمر وأسماء ﵄. الثالث: أن تأخير رميهم إلى ما بعد طلوع الشمس مخالف لمقتضى الرفق بهم والحرص على سلامتهم قبل حطمة الناس، والترخيص لهم في الرمي قبل الناس أهم من مجرد انصرافهم من مزدلفة بلا رمي؛ لأن المشقة في الرمي أعظم من مشقتهم في الانصراف. الوجه الثالث: حديث عائشة ﵂ يدل على جواز دفع الضعفة من

стр. 2208

مزدلفة ليلاً، وجواز رمي جمرة العقبة قبل الفجر، وقد تقدم من الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك، وعلى هذا فليس العمل على حديث عائشة هذا لضعفه، وإنما العمل على ما صح من الأحاديث؛ كحديث ابن عمر وأسماء ﵄. ومن أهل العلم من جمع بين حديثي ابن عباس وعائشة فجعل لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة، وحمل عليه حديث ابن عباس ﵄ كما تقدم ـ، ووقت جواز، وحمل عليه حديث عائشة ﵂، والله أعلم (١).

стр. 2209

من أحكام الوقوف بعرفة والمبيت بجمع ٧٥٨/ ١٧ - عنْ عُرْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلاتَنا هذه - يعْنِي: بالمزدلفةِ - فوقَفَ مَعَنَا حتى نَدْفَعَ، وقدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قبلَ ذلك لَيْلاً أَو نَهَاراً فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» رواه الخمسة، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عروة بن مضرِّس - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة - بن أوس بن حارثة بن لام الطائي، أسلم وصحب النبي ﷺ ، وكان من بيت الرياسة في قومه، فقد كان جده سيدهم، وكذا أبوه، وقد ذكر علي بن المديني ومسلم وغير واحد أنه لم يرو عنه غير الشعبي، قال الحافظ: (له حديث واحد في الحج)، وكان عروة مع خالد بن الوليد حين بعثه أبو بكر ﵁ على الردة، وهو الذي بعث معه خالد عيينة بن حصن إلى أبي بكر ﵁، لما أسر يوم البُطاح (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «من لم يدرك عرفة» (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (٥/ ٢٦٣)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وأحمد (٢٦/ ١٤٢) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف - يعني بجمع ـ

стр. 2210

قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل (١) إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه»، هذا لفظ أبي داود. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصحَّحه - أيضاً - ابن خزيمة (٢٨٢٠)، والحاكم (١/ ٤٦٣). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (من شهد صلاتنا هذه) أي: صلاة الفجر بمزدلفة. قوله: (فقد تمّ حجّه) فاعل (تمَّ)، والمراد: معظم حجه، وهو الوقوف؛ لأنه هو الذي يخاف عليه الفوات، أما طواف الإفاضة فإنه وإن كان لا يتم الحج إلا به لأنه ركن، لكنه لا يخشى فواته. قوله: (وقضى تفثه) التفث - بالفتح ـ: هو الوسخ الحاصل بطول الأظفار ووفرة الشعر وغيرهما من شعث المحرم، ومعنى (قضى تفثه): أي انتهى وتخلص منه بإزالته. الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث بعض التابعين، وهم: علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري على أن المبيت بمزدلفة ركن لا يتم الحج إلا به، فمن فاته تحلل من إحرامه بعمرة، ثم حج من قابل، وهذا قول لبعض الشافعية (٢). ووجه الاستدلال: أنه رتب الجزاء «فقد تم حجه» على الشرط «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع … »، مما يدل على أن المبيت بها شرط لصحة الحج، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
следующие страницы →