الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المسح على الخفين في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك في السفر لهذا الحديث، وفي الحضر لحديث علي ﵁ الآتي. ومثله حديث حذيفة ﵁ (١).
ولا فرق في جواز المسح أن يكون لحاجة أم لا، فيجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والمريض الذي لا يمشي، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (٢).
ويقاس على الخفين كل ما يستر الرجلين من الشراب واللفائف ونحو ذلك، كما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المسح على الخفين لمن كان لابساً لهما أفضل من خلعهما وغسل الرجلين، لقوله: (دعهما)، ولأن المسح من السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وقد طعن فيها طوائف من أهل البدع، فكان إحياء ما طعن فيه المخالفون من السنة أفضل من إماتته (٣).
ومن يخلع خفيه عند كل وضوء فقد خالف السنة، ويخشى أن يكون فعله هذا تشبهاً بالرافضة.
وأما مع عدم اللبس فالأفضل الغسل، ولا يلبس ليمسح؛ لأن الغسل هو الأفضل حينئذٍ.
الوجه الخامس: الحديث دليل أن المسح يكون على مطلق الخف، فما سمي خفاً جاز المسح عليه، ولو كان فيه خرق أو شق على الصحيح من قولي أهل العلم؛ لأن السنة وردت بالمسح على الخفين مطلقاً دون تقييده بأوصاف زائدة، ولأن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها من فتق أو خرق، لا سيما مع تقادم عهدها، وكان كثير من الصحابة ﵃ فقراء لا يمكنهم تجديد ذلك، فما أطلقه الشرع لم يجز لأحد تقييده إلا بدليل شرعي، والصحابة ﵃
стр. 247
لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفاف مع علمهم بأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقاً (١).
فعلى هذا لا يصح اعتبار شروط لا أصل لها في الشرع، وتعود على مقصود الرخصة بالإبطال.
الوجه السادس: استدل بعض العلماء بقوله: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان» على أن إكمال الطهارة شرط في صحة المسح على الخفين، وأنه لا يلبسهما إلا بعد طهارة الرجلين جميعاً؛ لأن قوله: «وهما طاهرتان»، حال من كل واحدة من الرجلين، فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال طهارتها، وذلك إنما يكون بإكمال الطهارة، وعلى هذا فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها، ثم اليسرى وأدخلها لم يصح المسح؛ لأنه لم يدخلهما وهما طاهرتان، بل أدخل الأولى قبل طهارة الثانية، وهذا قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد (٢)، وعند هؤلاء لو حصل ما ذكر وجب عليه أن يخلع اليمنى، ثم يلبسها مرة أخرى، ليكون لبسها بعد كمال الطهارة.
والقول الثاني: أن من غسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل الأخرى ولبس الخف أن طهارته كاملة، ويجوز له المسح، وهذا قول الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، قالوا: لأنه إذا غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل إحدى رجليه فقد طهرت رجله التي غسلها، فإذا أدخلها في الخف فقد أدخلها وهي طاهرة، ثم إذا غسل الأخرى من ساعته وأدخلها الخف فقد أدخلها وهي طاهرة، فقد أدخل مَنْ هذه صفته رجليه الخف وهما طاهرتان.
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن هذا الصواب
стр. 248
بلا شك) (١)، كما اختاره ابن القيم، وقال: (إنه أصح القولين) (٢).
وقوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) ليس نصاً فيما ذكره الأولون، بل يحتمل أن المعنى ما ذكر، ويحتمل أن المعنى أدخلت كل واحدة طاهرة، لكن قد يؤيد القول الأول حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما - وسيأتي إن شاء الله ـ، فقوله: (إذا تطهر فلبس) يفيد أنه لا يلبس قبل غسل الرجل اليسرى؛ لأن من فعل ذلك لم يصدق عليه أنه تطهر، وهذا هو الأحوط في هذه المسألة أنه لا يلبس الخفين إلا بعد كمال الطهارة، لكن من أخذ بالقول الثاني لم نجزم ببطلان طهارته وصلاته، لقيام الاحتمال.
الوجه السابع: الحديث دليل على شرط من شروط المسح على الخفين، وهو أن يلبسهما على طهارة، وظاهره أن المراد الطهارة بالماء؛ لأنها هي المراد عند الإطلاق، وهذا قول الجمهور (٣)، فلو لبسهما على طهارة التيمم لم يمسح عليهما عند وجود الماء؛ لأن طهارة التيمم لا تعلق للرّجْلِ بها، فلا يتحقق قوله: «وهما طاهرتان».
الوجه الثامن: حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه حيث منع المغيرة من خلعهما وبيّن له السبب، وهو أنه أدخلهما طاهرتين، وفي هذا ثلاث فوائد كما تقدم في حديث الهرة:
١ - اطمئنان النفس واقتناعها؛ لأنها إذا علمت علة الحكم اطمأنت، وإن كان المؤمن سيطمئن على كل حال، لكن زيادة ذكر علة الحكم كلها خير.
٢ - سمو الشريعة وأنه لا يوجد حكم إلا وله علة وحكمة.
٣ - شمول الحكم بشمول العلة، فكل ما تحققت فيه العلة ثبت فيه الحكمُ المعلّلُ بهذه العلة، والله تعالى أعلم.
стр. 249
محل المسح على الخفين
٥٩/ ٢ - وَللأرْبَعَة عَنْهُ إلاّ النّسَائِيّ: أَنّ النبِيّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
٦٠/ ٣ - عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: لَوْ كَانَ الدّينُ بِالرّأْيِ لَكانَ أَسْفَلُ الْخُفّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفّيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث المغيرة فقد أخرجه أبو داود (١٦٥) في كتاب «الطهارة» باب «كيفية المسح»، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠) من طريق الوليد بن مسلم، أخبرنا ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة به …
وهذا إسناد فيه ضعف - كما قال الحافظ - وقد ذكره ليعلم حاله، فقد أُعل بعلتين قادحتين:
الأولى: الانقطاع بين ثور ورجاء، قال أبو داود عقبه: (وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء)، وقال الدارقطني: (رواه ابن المبارك عن ثور، قال: حُدّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلاً ليس فيه المغيرة) (١).
стр. 250
العلة الثانية: الإرسال، وذلك أن كاتب المغيرة يرويه عن النبي ﷺ ولم يدركه، كما تقدم في رواية ابن المبارك، وهذا ما رجحه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، قال الترمذي: (سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: لا يصح هذا … وذكر كلام ابن المبارك .. وسألت أبا زرعة، فقال نحواً مما قال محمد بن إسماعيل) (١)، وقال ابن أبي حاتم: (سألت أبا زرعة وأبي عن هذا الحديث فقالا: هذا أشبه) يعني: طريق ابن المبارك الذي فيه عدم ذكر المغيرة (٢).
وفيه علة ثالثة وهي: جهالة كاتب المغيرة، كما في سياق أبي داود والترمذي، ذكر ذلك ابن حزم (٣) لكنها علة غير قادحة، فقد سُمّيَ في رواية ابن ماجه: (ورّاداً)، وهو ثقة مشهور احتج به الستة.
وقصارى القول أن سند الحديث ضعيف، لما تقدم، وضَعَّفَهُ أئمة هذا الشأن: البخاري، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، وغيرهم.
هذا ما يتعلق بالإسناد، أما المتن فإن الأحاديث الصحيحة على خلافه، فإنها قد تضافرت على ذكر المسح على ظاهر الخف، وليس على باطنه، ومما يؤيد أن المسح على باطن الخف لم يكن معروفاً:
الحديث الثاني: الذي يليه، وهو ما أخرجه أبو داود (١٦٢) من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد خير، عن علي ﵁.
وقد تفرد به عن أصحاب الكتب الستة، وقد حسن الحافظ إسناده هنا مع أنه أورده في «التلخيص» وقال: (إسناده صحيح) (٤)، وصححه أحمد شاكر (٥)، قال الألباني: (هذا هو الصواب) (٦)، وعبد خير هو ابن يزيد الهمداني، وثقه ابن معين والعجلي، وتقدم له ذكر في أول «الوضوء».
وقد اختلف في لفظ هذا الأثر، ورجح الدارقطني في «العلل» (٤/ ٤٦) أن الصحيح فيه قول من قال: (كنت أرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما) (٧).
стр. 251
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لو كان الدين بالرأي .. ) المراد بالدين: أحكام الإسلام، والمراد بالرأي: ما يراه الإنسان صالحاً من غير نظر إلى الشرع، والمعنى: لو كان مأخذ الأحكام الشرعية بمجرد العقل لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه؛ لأن الأسفل يلاقي الأقذار والنجاسات، ولكن الواجب تقديم النقل الصحيح على الرأي، ولعل هذا مراد به ظاهر الرأي، وإلا فإن العقل يدل على أن الأولى مسح الأعلى فقط؛ لأن هذا المسح لا يراد به التنظيف، وإنما يراد به التعبد، ولا يمسح الأسفل؛ لأن مسحه تلويث له ولليد.
والعقل الكامل تابع للشرع؛ لأنه عاجز عن إدراك الحِكَمِ الإلهية، فعليه بالانقياد والتعبد المحض بمقتضى العبودية، وهذا هو العقل السليم من مرض الشبهة ومرض الشهوة، وما ضَلَّ من ضَلَّ من الكفرة والحكماء والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل وترك موافقة النقل.
قوله: (وقد رأيت رسول الله ﷺ … ) هذا كالتعليل لمحذوف يفهم من الكلام، والتقدير: لكنَّ أسفل الخف ليس أولى بالمسح؛ لأني رأيت رسول الله ﷺ مسح على أعلى الخفين فقط.
الوجه الثالث: حديث علي ﵁ دليل على محل المسح وأنه يكون على أعلى الخف دون أسفله.
أما حديث المغيرة فقد تقدم أنه حديث ضعيف مُعَارَضٌ بما هو أصح منه، قال ابن القيم: (وكان ﷺ يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه) (١).
الوجه الرابع: أن مشروعية مسح الخف ليست من العمل بالرأي وإنما هي توقيفية لا تظهر فيها مناسبة إلا مجرد التخفيف والتيسير، فيتوقف فيه على ما شرع، وقد شرع المسح على ظاهر الخف دون أسفله.
стр. 252
الوجه الخامس: لم يرد في صفة المسح على الخفين ولا في مقدار ما يُمسح حديث يعتمد عليه، والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحاً على الخف لغة أجزأ، وصفة ذلك: أن يُمِرَّ اليد اليمنى مبلولة بالماء مفرجة الأصابع على الرجل اليمنى، واليسرى كذلك، ويكون المسح مرة واحدة، ولا يشرع تكراره، والله تعالى أعلم.
стр. 253
توقيت المسح وأنه مختص بالحدث الأصغر
٦١/ ٤ - عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسّالٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنّا سَفْراً أَنْ لَا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيَهُنّ، إلاّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ، وَنَومٍ. أَخْرَجَهُ النّسَائِيّ، وَالتّرْمِذِيّ وَاللّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحّحَاهُ.
٦٢/ ٥ - وَعَنْ عَليّ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: جَعَلَ النبيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيَهُنّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلمُقِيمِ. يَعْنِي: فِي المَسْحِ على الْخُفّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو صفوان بن عَسّال - بمهملتين مُثَقَّل - المرادي ﵁، صحابي مشهور، سكن الكوفة، روى عن النبي ﷺ أحاديث، منها حديثه الطويل في المسح على الخفين، وفضل طلب العلم، والمحبة، وآخر وقتٍ تقبل فيه التوبة، وهو مشهور، وقد غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، روى عنه جماعة، منهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ (١).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما الحديث الأول فقد أخرجه الترمذي (٩٦) أبواب «الطهارة» باب «المسح على الخفين للمسافر والمقيم»، والنسائي (١/ ٨٣)، وابن خزيمة
стр. 254
(١٩٦) من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، عن صفوان بن عسال ﵁ به، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح … قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري ـ: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال) (١).
ومدار الحديث عند هؤلاء على عاصم بن أبي النجود، وفي حفظه ضعف، وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن، ولا يرقى إلى درجة الصحة، قال في «التقريب»: (صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون)، لكنه لم ينفرد به فقد تابعه طلحة بن مصرف، وحبيب بن أبي ثابت وغيرهما، وهذه المتابعات فيها مقال، لكنها تقوّي الحديث بمجموعها، والمراد تقوية أصل الحديث - كما قال الحافظ ـ (٢) لأنه في الأصل حديث طويل مشتمل على فضل طلب العلم، وعلى أن المرء مع من أحب، والتوبة، والمسح، وبعض هذه المتابعات ليس فيها ذكر المسح.
والظاهر أن تصحيح الترمذي له إنما هو بالنظر إلى طرقه، فإنه قال: (وقد روي هذا الحديث عن صفوان بن عسال أيضاً من غير حديث عاصم) (٣).
والحديث صححه بالإضافة إلى من تقدم: ابن خزيمة - كما في «البلوغ» ـ، وابن حبان (٤)، والخطابي (٥)، والنووي (٦)، وابن حجر (٧)، قال ابن دقيق العيد: (إنه رواه عن عاصم أكثر من ثلاثين من الأئمة، وهو مشهور من حديث عاصم) (٨)، وقد ساق الترمذي الحديث بطوله في كتاب «الدعوات» من «جامعه» (٩).
أما حديث علي ﵁ فقد أخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٧٦) من طريق
стр. 255
شريح بن هانئ، قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ؛ فسألناه، فقال: … فذكر الحديث، دون قوله: (يعني في المسح على الخفين) فهي مدرجة، والظاهر أنها من كلام الحافظ ابن حجر.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (كان يأمرنا) أي: يبيح لنا، فالأمر هنا للإباحة، لا لأصله، وهو الوجوب، والصارف له عن الوجوب هو الإجماع على أن المسح مباح لا واجب.
قوله: (إذا كنا سَفْراً) بفتح السين وإسكان الفاء، وهو اسم جمع لمسافر، أي: مسافرين، وليس جمعاً، إذ ليس في الجموع ما هو على وزن (فَعْل) وهو في الأصل مصدر: سَفَر الرجل سفْراً، من باب ضَرَبَ ضرباً فهو سافر، والجمع سَفْر، مثل: راكب ورَكْب.
قوله: (إلا من جنابة) أي: فننزعها ولو قبل مرور ثلاثة أيام، والجنابة: إنزال المني، سمي بذلك لأن المني بَعُدَ عن محله وانتقل عنه، والجنابة في الأصل: البعد.
قوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) لكن: للاستدراك؛ لأنه تقدم نفي واستثناء، وهو قوله: (كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة)، أي: ننزعها من جنابة، ثم قال: (ولكن من غائط .. ) فاستدركه بـ: لكن؛ ليعلم أن الرخصة إنما جاءت في هذا النوع من الأحداث دون الجنابة، والمعنى: ولكن لا ننزعها من غائط وبول ونوم إلا إذا مرت المدة المقدرة، وفي لفظ للنسائي: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة) (١)؛ أي: لكن ننزع من جنابة، فالاستثناء منقطع، أو معنى قوله: (من غائط وبول … )؛
стр. 256
أي: من كل حدث إلا من جنابة، فالاستثناء متصل (١).
قوله: (جعل) أي: شرع وقدر.
الوجه الرابع: دل الحديثان على أن المسح على الخفين مؤقت غير مطلق، وأن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن، والمقيم يوماً وليلة، وهذا قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
والتفريق بين المسافر والمقيم مراعاة لحال السفر وما فيه من المشقة، فاحتاج المسافر إلى زيادة المدة بخلاف المقيم، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج في أحكامها عامة، وفي العبادات خاصة، وهذا - أعني توقيت المسح - هو الشرط الثاني من شروط صحة المسح على الخفين، وهو أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً، وقد مضى الشرط الأول وهو أن يكون لابساً لهما على طهارة، كما في حديث المغيرة.
الوجه الخامس: دل حديث صفوان بن عسال على أن المسح على الخفين خاص بالحدث الأصغر، كالنوم والبول والغائط، وأما الحدث الأكبر كالجنابة فلا يمسح فيه، فإذا حصل للإنسان جنابة وعليه الخفان وجب عليه نزعهما وغسل رجليه ولو كان ذلك في أثناء مدة المسح، وهذا هو الشرط الثالث من شروط صحة المسح على الخفين، وهو أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل، وهذا الشرط مأخوذ من حديث صفوان هذا، وهذه الشروط الثلاثة مأخوذة من أحاديث الباب.
وبقي الشرط الرابع، وهو أن يكون الخفان وما في معناهما كالجوارب طاهرين، فإن كانت نجسة لم يمسح عليهما، لما ثبت أن الرسول ﷺ خلع نعليه في الصلاة لما أخبره جبريل بأن فيهما أذى.
الوجه السادس: اختلف العلماء في ابتداء مدة المسح على أقوال، أهمها قولان:
стр. 257
الأول: أن مدة المسح تبدأ من أول مرة يمسح، وليس من لبس الخف، ولا من الحدث بعد اللبس، لقوله: (يمسح المقيم يوماً وليلة ويمسح المسافر ثلاثة أيام) فهذا وغيره كالنص على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح، وهذا قول الأوزاعي، وأبي ثور، ورواية عن الإمام أحمد (١)، واختاره ابن المنذر (٢)، قال النووي: (وهو المختار الراجح دليلاً) (٣)، وقد روى عبد الرزاق عن أبي عثمان النهدي قال: حضرت سعداً وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليها إلى مثل ساعته من يومه وليلته (٤).
وعلى هذا فيمسح المقيم أربعاً وعشرين ساعة تبدأ من أول مرة يمسح، والمسافر يمسح اثنتين وسبعين ساعة، فالعبرة بالزمن لا بعدد الصلوات.
والقول الثاني: أن المدة تبدأ من الحدث بعد اللبس، فإذا أحدث بدأت المدة، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، ومن يذهب من المالكية إلى تحديد المدة كابن عبد البر وبعض أهل المدينة (٥)، قالوا: لأن المسح عبادة مؤقتة، فاعتبر وقتها من وقت جواز فعلها، ولأن ما بعد الحدث وقت يجوز له المسح فيه، فكان أول مدة المسح منه.
والقول الأول أرجح، كما تقدم؛ لأنه مؤيد بالأحاديث التي قدرت المدة بالمسح، فيجب أن يكون ابتداؤها من ابتداء المسح، ويؤيده فتوى عمر ﵁ كما تقدم، ولأن ما قبل المسح وبعد الحدث مدة لا تصح الصلاة فيها، فلما مسح صحت الصلاة، فينبغي أن يبدأ حساب المدة من وقت جواز الصلاة، والله تعالى أعلم.
стр. 258
جواز المسح على العمامة
٦٣/ ٦ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ؛ يَعْنِي: العَمَائمَ، وَالتّسَاخِين؛ يَعْنِي: الْخِفَافَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَححهُ الحاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله ثوبان بن بُجْدُد، من أهل السراة - موضع بين مكة واليمن - صحابي مشهور، أصابه سَبْيٌ، فاشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، ولم يزل ملازماً للرسول ﷺ حضراً وسفراً إلى أن توفي رسول الله ﷺ ، وروى عنه أحاديث، ثم تحول إلى الشام، فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص، وبقي بها إلى أن مات سنة أربع وخمسين ﵁ (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (٣٧/ ٦٥ - ٦٦)، وأبو داود (١٤٦)، والحاكم (١/ ١٦٩)، من طريق يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين)، هذا لفظ أبي داود، وفيه ذكر البرد، وكذا عند أحمد والحاكم، وعند أحمد: (فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد).
والحديث صححه الحاكم وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه
стр. 259
الذهبي، وتعقبه الزيلعي فقال: (وفيه نظر، فإنه من رواية ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، به، وثور لم يرو له مسلم، بل انفرد به البخاري، وراشد بن سعد لم يحتج به الشيخان .. ) (١).
وأُعل الحديث بالانقطاع، كما ذكر الحافظ ابن حجر (٢)، وقد نقل الخلال عن أحمد أنه قال: (لا ينبغي أن يكون راشد سمع من ثوبان؛ لأنه مات قديماً)، وكذا قال أبو حاتم، والحربي، وتعقبهم الزيلعي فقال: (وفي هذا القول نظر، فإنهم قالوا: إن راشداً شهد مع معاوية صفين، كما ذكر البخاري في «صحيحه» في «الجهاد»، وثوبان مات سنة أربع وخمسين، ومات راشد سنة ثمان ومائة). اهـ. وجزم البخاري - أيضاً - في «تاريخه» بأنه سمع من ثوبان (٣).
ونقل الحافظ توثيقه عن ابن معين وأبي حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وقال أحمد: (لا بأس به)، وضعفه ابن حزم (٤).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (سرية) هي القطعة من الجيش من خمسة إلى ثلاثمائة، وقيل: إلى أربعمائة، سميت بذلك لأن الغالب عليها أن تسير بالليل وتختفي بالنهار، وقيل: لأنها تكون من خلاصة الجيش وخيارهم، والسري: هو الشيء النفيس.
قوله: (فأمرهم) أي: أذن لهم في ذلك بعد أن شكوا إليه ما أصابهم من البرد، كما تقدم في رواية أحمد.
قوله: (على العصائب) فسرت في الحديث بالعمائم، والظاهر أن هذا التفسير من كلام الحافظ، فإني لم أجده مدرجاً في المصادر المذكورة، وهي جمع عصابة، وهي العمامة، وبذلك فسرها إمام أهل اللغة أبو عبيد (٥)، سميت
стр. 260
بذلك لأن الرأس يعصب بها، فكل ما عصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو نحو ذلك فهو عصابة.
قوله: (والتساخين) فسرت في الحديث بالخفاف، وفيها ما تقدم، وقد فسرها بالخفاف أبو عبيد (١) ولا واحد لها من لفظها، على ما قاله ثعلب، وقال المبرد وغيره: (واحدها تِسْخَان، مثل: تِمثال وتماثيل، أو تِسخين بكسر التاء، ويقال: أصلُ ذلك كلُّ ما يسخن القدم من خف وجورب ونحوهما)، فعلى هذا لا تختص بالخفاف، وهو الذي يستفاد من «القاموس» و «اللسان» وغيرهما.
وبهذا يتبين أن ما يلبس في الرجل له عدة أسماء، ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع:
١ - الخفاف.
٢ - ما يقوم مقامها من جوارب ونحوها، كالموق والجرموق.
٣ - اللفائف.
وقد نقل الأزهري عن الليث أنه قال: الجورب: لفافة الرجل (٢)، ومثله ذكر صاحب «القاموس» (٣)، ولم يذكروا مما كانوا يصنعونه، وهو المسمى بالشراب في وقتنا هذا، والجرموق وهو الموق: خف يلبس فوق الخف، لا سيما في البلاد الباردة.
وأما اللفائف فدخولها تحت لفظ التساخين واضح جداً، فتأخذ حكم المسح على الخفين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)؛ لأن اللفائف لا يكاد يستعملها إلا من احتاج أو اضطر إليها، فكيف يمنع من اشتدت حاجته، ويرخص لمن هو أقل منه؟.
الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز المسح على الخفين وعلى
стр. 261
العمامة في السفر، ويقاس عليه الحضر؛ لأن الرخصة عامة.
وجواز المسح على العمامة فقط دون مسح جزء من الرأس هو أحد قولي أهل العلم، وهو قول الإمام أحمد، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، والظاهرية (١)، ودليلهم هذا الحديث وما شابهه مما يدل على جواز المسح على العمامة، قال ابن القيم: (المسح على العمامة سنة عن رسول الله ﷺ ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار) (٢)، وقال الشوكاني: (والحاصل أنه قد ثبت المسح على الرأس فقط، وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح ثابت، فَقَصْرُ الإجزاء على بعض ما ورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين) (٣).
وقد تقدم في باب «الوضوء» حديث المغيرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة، ويكون حديث ثوبان هذا في المسح على العمامة فقط، كما هو ظاهره، فإذا كانت العمامة قد غطت الرأس كله كفى المسح عليها، وإن انكشف شيء من الرأس كالناصية فالأولى وجوب مسحه مع العمامة لفعله ﷺ .
واشترط الحنابلة أن تكون على صفة عمائم المسلمين، بأن يكون تحت الحنك منها شيء؛ لأن هذه عمائم العرب، سواء كان لها ذؤابة أو لم يكن لها، وكذلك يجوز المسح عليها إذا كانت ذات ذؤابة.
أما العمامة الصماء - وهي التي تدور على الرأس، ولا تكون محنكة، ولا ذات ذؤابة، وهي تشبه عمائم أهل الذمة - فلا يجوز المسح عليها على أحد القولين عند الحنابلة؛ لأنها كالقلانس أي: الطواقي، فلا يشق نزعها (٤).
وعارض في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وبيّن أن التحنيك ليس شرطاً، وأن السلف إنما كانوا يحنكون عمائمهم؛ لأنهم كانوا يركبون الخيل
стр. 262
ويجاهدون في سبيل الله، ومنهم من يربطها بكلاليب أو بعصابة (١).
والأظهر أن ذلك ليس بشرط، فإن لفظ العمامة جاء في النصوص مطلقاً غير مقيد بوصف، والتحنيك ليس من صفات العمامة، حتى يقال: لا حاجة إلى ذكره، فمتى ثبتت العمامة جاز المسح عليها، ولأن الحكمة من المسح على العمامة لا تتعين في مشقة نزعها، بل قد يكون روعي انتقاض أكوارها لو حركها لمسح رأسه، وقد تكون الحكمة خشية الضرر من برد أو مرض لو نزعها، ولا سيما في البلاد الباردة، لكن الاحتياط مطلوب، فإذا كانت العمامة الصماء لا ضرر في نزعها فالأولى عدم المسح عليها لسهولة خلعها، ولشبهها بالقلانس، والأصل في الأحكام أنها معللة.
الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا توقيت في المسح على الخفين ولا في المسح على العمامة.
أما المسح على الخفين فقد تقدم أنه مؤقت، فيحمل هذا الحديث على أدلة التوقيت، وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث الذي بعد هذا.
وأما المسح على العمامة ففيه قولان:
الأول: أن المسح عليها مؤقت، وهو مذهب الحنابلة (٢)، قياساً على الخفين؛ لأنه إذا كان الخفان يؤقت فيهما وهما في الغالب أشق نزعاً من العمامة، فما كان أسهل فهو أولى بالتقييد.
الثاني: أن المسح على العمامة غير مؤقت، وهذا قياس مذهب المالكية؛ لأنهم لا يقولون بالتوقيت في المسح على الخفين - كما سيأتي - وهو اختيار ابن حزم (٣)، وإليه يميل الشوكاني (٤) لأنه لم يرد عن النبي ﷺ توقيت المسح عليها، فقد مسح على العمامة ومسح على الخفين، فَوَقَّتَ للخفين، ولم يؤقت للعمامة، فمن جعل حكمهما واحداً فقد قال ما لم يقله الرسول ﷺ .
стр. 263
وهذا القول قوي؛ لقوة مأخذه، وأما القياس على الخفين ففيه نظر؛ لأن طهارة العضو التي هي عليه المسحُ، وطهارة الرجلين الغسل، والمسح أخف من الغسل، فلا يقاس أحدهما على الآخر، لكن قد يقال: إن وجه التشابه بينهما كونهما ممسوحين، وأن المسح عليهما من قبيل الرخصة، فيكون القول بالتوقيت فيه قوة، لا سيما أنه أحوط، وليس في حَلّ العمامة بعد كل ثلاثة أيام للمسافر ويوم وليلة للمقيم كبير مشقة، ومن المعلوم أن الإنسان يضع العمامة عن رأسه إذا نام، ويلبسها إذا استيقظ في حالة احتياجه إليها، وذلك كل يوم غالباً، وربما كان أكثر من مرة، فالقول بالتوقيت فيه وجاهة، والله أعلم.
وأما صفة المسح على العمامة فلم ترد في النصوص الشرعية، بل جاء مسحها مطلقاً عن التحديد، فإذا مسح أكثرها كفى، وإن كانت الناصية بادية مسحها مع العمامة، والله تعالى أعلم.
стр. 264
ما جاء غير صريح في مسح الخفين من غير توقيت
٦٤/ ٧ - عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفاً وَعَن أَنس مَرْفُوعاً: (إذَا تَوَضّأَ أَحَدُكمْ وَلَبِسَ خُفّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا، وَلْيُصَلّ فِيهِمَا، وَلَا يَخْلَعْهُمَا إنْ شاءَ إلا مِنْ جَنَابَةٍ). أَخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَالحاكمُ وَصحَّحَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث قد روي موقوفاً على عمر ﵁، ومرفوعاً عن أنس ﵁، والموقوف عند المحدثين: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، والمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ .
فقد جاء هذا الحديث مرفوعاً عن أنس ﵁، أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٣)، والحاكم (١/ ١٨١) من طريق عبد الغفار بن داود الحراني، ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر، وثابت، عن أنس ﵁، به، وقال الحاكم: (إسناد صحيح على شرط مسلم، ورواته عن اخرهم ثقات).
وأخرجه الدارقطني من طريق أسد بن موسى، ثنا حماد بن سلمة به، قال ابن عبد الهادي: (إسناده قوي، وأسد بن موسى صدوق، وثقه النسائي وغيره) (١)، ولم يعلّه ابن الجوزي في «التحقيق» بشيء، بل قال: (وهذا محمول على مدة الثلاث) (٢)، وأعله ابن حزم (٣) بأنه تفرد به أسد بن موسى، عن حماد، وأسد منكر الحديث، لا يحتج به.
стр. 265
وردَّ هذا ابن دقيق العيد والحافظ ابن حجر، لأن أسد بن موسى لم يتفرد به، فقد أخرجه الحاكم والدارقطني عن عبد الغفار كما مرّ، ولأن أسداً ثقة (١).
قال ابن دقيق العيد: (ولعل ابن حزم وقف على قول ابن يونس في «تاريخ الغرباء»: (أسد بن موسى حدث بأحاديث منكرة، وكان ثقة، وأحسب الآفة من غيره). اهـ (٢)، فإن كان أخذ كلامه من هذا فليس بجيد؛ لأن من يقال فيه: منكر الحديث، ليس كمن يقال فيه: روى أحاديث منكرة؛ لأن منكر الحديث وَصْفٌ في الرجل يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الأخرى تقتضي أنه وقع له في حينٍ لا دائماً، وقد قال أحمد بن حنبل في «محمد بن إبراهيم التيمي»: (يروي أحاديث منكرة)، وقد اتفق عليه البخاري ومسلم، وإليه المرجع في حديث: «إنما الأعمال بالنيات» وكذلك قال في «زيد بن أبي أُنيسة»: (في بعض حديثه نكارة)، وهو ممن احتج به البخاري ومسلم، وهما العمدة في ذلك، وقد حكم ابن يونس بأنه ثقة وكيف يكون ثقة، وهو لا يحتج بحديثه؟). اهـ (٣).
وأما الموقوف فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٣) من طريق أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن زُييد بن الصلت، قال: سمعت عمر ﵁ يقول … فذكره، وهذا إسناد قوي.
محمد بن زياد هو القرشي المدني ثقة، أخرج له الستة، وزُييد بن الصلت ذكر أبو حاتم أنه روى عن عمر وقد أدركه، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال: (زُييد بن الصلت ثقة) (٤)، لكن رواه ابن حزم (٢/ ٩١) بلفظ (وليصلِّ فيهما ما لم يخلعهما) ثم أعلَّه برواية عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بلفظ (فليمسح عليهما إن شاء ولا يخلعهما .. )، وما ذكره ابن حزم من ترجيح الموقوف على عمر ﵁ وتفرد أسد بن موسى له حظ من النظر لأمرين:
стр. 266
الأول: أن أصحاب حماد بن سلمة الكبار لم يرووا هذا الحديث عنه، وقد قال الحاكم: (إن هذا الحديث ليس عند أهل البصرة عن حماد).
الثاني: أن عبد الرحمن بن مهدي - وهو الإمام الحافظ - وافق أسد بن موسى على وقفه على عمر ﵁.
وورد عن عقبة بن عامر ﵁ أنه وفد على عمر ﵁ بفتح دمشق، قال: (وعليَّ خُفَّان، قال لي عمر: كم لك يا عقبة مذ لم تنزع خفيك؟ فذكرت له من الجمعة منذ ثمانية أيام، فقال: أحسنت وأصبت السنة) (١).
وسيأتي كلام البيهقي في التوفيق بين ما ورد عن عمر ﵁ من التوقيت وعدمه، وهو يدل على صحة هذا الأثر، فإنه لو كان ضعيفاً لاستغنينا بذلك عن التوفيق بينه وبين أحاديث التوقيت.
الوجه الثاني: الحديث دليل على اشتراط لبس الخفين على طهارة، لقوله: «إذا توضأ أحدكم»، وقد تقدم ذلك في الكلام على حديث المغيرة عند قوله: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، لكن أفاد هذا الحديث أن المراد بالطهارة في حديث المغيرة وما في معناه: الطهارة الكاملة من الحدث الأصغر، وهي الوضوء، قال ابن عبد البر: (هذا هو الأصل المجتمع عليه، قال: لا يمسح على الخفين إلا من أدخل رجليه فيهما طاهرتين) (٢).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يمسح على الخفين بلا توقيت، لقوله: «ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة»، وقد بوّب عليه الدارقطني في «سننه» بقوله: (باب ما في المسح على الخفين من غير توقيت) (٣).
стр. 267
وهذا من أدلة القائلين بأن المسح على الخفين غير مؤقت، وأن لابس الخفين يمسح عليهما ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة، ونُسِبَ هذا القول إلى مالك وأصحابه، والليث بن سعد والأوزاعي (١)، قال ابن عبد البر: (وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري)، ثم ساق ما روي عنهم في ذلك.
ومن أدلتهم حديث أُبيّ بن عِمارة أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: «نعم»، قال: يوماً؟ قال: «يوماً»، قال: ويومين؟ قال: «ويومين»، قال: وثلاثة؟ قال: «نعم، وما شئت»)، وسيأتي الكلام عليه، وأنه حديث ضعيف.
ولهم تعليل: وهو أن هذه طهارة فلم تتوقت بزمن كغسل الرجلين (٢)، وذكر ابن رشد أن التوقيت غير مؤثر في نقض الطهارة؛ لأن النواقض هي الأحداث، فيعتبرون هذا القياس معارضاً لمثل حديث علي وصفوان وغيرهما كما ذكر ابن رشد، لكنه تعليل لا يقف في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة (٣).
والقول بالتوقيت هو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، واختاره ابن عبد البر من المالكية - وتقدمت أدلتهم - وقد ذكر الطحاوي أن الأحاديث قد تواترت عن رسول الله ﷺ بالتوقيت في المسح على الخفين (للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يوم وليلة) (٤).
قال ابن عبد البر: (وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، وهو الاحتياط عندي؛ لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه أهل السنة والجماعة، واطمأنت النفس إلى اتفاقهم، فلما قال أكثرهم: إنه لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس صلوات، يوم وليلة، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة،
стр. 268
ثلاثة أيام ولياليها، فالواجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغَسْلُ، حتى يُجمعوا على المسح، ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر، ولا فوق اليوم للمقيم … ) (١).
وأما حديث أنس المذكور فقد أجيب عنه بجوابين:
الأول: أنه حديث مطلق، يحمل على أحاديث التقييد.
الثاني: أن يكون قوله: (إن شاء)، إشارة إلى أن المسح ليس بواجب دفعاً لما يفيده ظاهره من الوجوب، وظاهر النهي من التحريم، ذكر ذلك الصنعاني (٢)، فيجوز له أن يخلع ويغسل ولو في أثناء مدة المسح.
وأما ما ورد عن عمر ﵁ من عدم التوقيت، فقد ورد عنه ما يدل على القول بالتوقيت، فقد تقدم ما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي عثمان النهدي قال: (حضرت سعداً وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته)، فهذا دليل بَيّنٌ على أن عمر ﵁ يقول بالتوقيت.
وروى حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن نباتة، عن عمر ﵁، قال: للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة (٣).
وقد أجاب البيهقي عن هذا التعارض بقوله: (وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه الثبت عن النبي ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله الذي يوافق السنة المشهورة أولى) (٤).
وقد نقل النووي هذا القول وارتضاه (٥)، على أن ما ورد عن عمر ﵁ في قصة عقبة بن عامر ﵁ يمكن أن يحمل على الضرورة، وتَعَذُّرِ خلع الخفين بسبب فوات الرفقة أو غيره، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية
стр. 269
حيث يقول: (إن مسح الخف مؤقت عند الجمهور … لكن لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر مثل: أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفه تضرر، كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها، أو كان في رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه، فينقطع عنهم، فلا يعرف الطريق أو يخاف إذا فعل ذلك من عدو أو سبع، أو كان إذا فعل ذلك فاته واجب ونحو ذلك، فهنا قيل: إنه يتيمم، وقيل: إنه يمسح عليهما للضرورة، وهذا أقوى؛ لأن لبسهما هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه، فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوماً وليلة، وثلاثة أيام ولياليهن، وليس فيه النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له، فإذا كان يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل بهذه الأحاديث، وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر … وهو حديث صحيح) (١).
وقد عمل به شيخ الإسلام في بعض أسفاره، فقال: (لما ذهبت على البريد وجدّ بنا السير، وقد انقضت مدة المسح، فلم يمكن النزع والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ظني عدم التوقيت عند الحاجة، كما قلنا في الجبيرة، ونَزّلْتُ حديث عمر وقوله لعقبة بن عامر: (أصبت السنة) على هذا، توفيقاً بين الآثار، ثم رأيته مصرحاً به في مغازي ابن عائذ: أنه كان قد ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق … فحمدت الله على الموافقة … قال: وهي مسألة نافعة جداً) (٢).
فالصواب في هذه المسألة التوقيت؛ لأن أحاديث التوقيت صحيحة متواترة ليس لها معارض، وأما ما جاء مطلقاً عن التوقيت فهو مقيد بها على القاعدة الأصولية أن المطلق يحمل على المقيد، جمعاً بين الأدلة، ويمكن العمل به في حدود ضيقة على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، لئلا يلزم من الأخذ به ترك العمل بأحاديث التوقيت، والله أعلم.
стр. 270
اشتراط لبس الخف على طهارة
٦٥/ ٧ - عَنْ أبِي بَكرَةَ ﵁، عَنِ النّبِيِّ ﷺ : أَنّهُ رَخّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيَهُنّ، وَلِلمُقِيمِ يَوْماً وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهّرَ فَلَبِسَ خُفّيْهِ: أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. أَخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِي، وَصححهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو بكرة نُفيع بن الحارث الثقفي، ويقال: نفيع بن مسروح، مشهور بكنيته، كان قد تدلى إلى النبي ﷺ من حصن الطائف ببكرة (١) فاشتهر بأبي بكرة، وكان رقيقاً، فأعتقه النبي ﷺ ، فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ ، وكان من فضلاء الصحابة ﵃، وأنجب أولاداً لهم شهرة، روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وروى عنه أولاده، قال ابن عبد البر: (وكان مثل النَّصْلِ من العبادة) (٢)، مات سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، ﵁ (٣).
الوجه الثاني: في تخريجه:
أخرجه الدارقطني (١/ ١٩٤)، وابن خزيمة (١٩٢)، وأخرجه ابن ماجه (٥٥٦) وغيرهم، من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثني المهاجر أبو مَخْلَد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه.
стр. 271
وهذا الإسناد فيه ضعف، فإن المهاجر متكلم فيه، قال ابن معين: (صالح)، وقال الساجي: (صدوق)، وقال أبو حاتم: (ليّن الحديث، ليس بذاك، وليس بالمتقن، يكتب حديثه) (١)، ولكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن.
ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: (حديث أبي بكرة حسن) (٢)، وحسنه الألباني (٣).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (رخّص) الرخصة: التسهيل في الأمور والتيسير، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصاً وأرخص إرخاصاً: إذا يسره وسهله ..
والرخصة: هي الحكم الذي ثبت على خلاف الدليل لعذر، أي: إن الرخصة هي الأمر الذي سُهّلَ على المكلف لعذر اقتضى التخفيف والتيسير، مع قيام سبب الحكم الأصلي، ويقابل الرخصة العزيمة، فغسل الرجلين عند الوضوء عزيمة، والمسح على الخفين رخصة.
قوله: (إذا تطهر) المراد: الوضوء الكامل، وهو الطهارة بالماء، وقد تقدم في حديث أنس: «إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه».
قوله: (فلبس خفيه) الفاء لمجرد العطف، وليست للتعقيب؛ لأنه معلوم أن التعقيب ليس شرطاً في المسح، وإنما المراد أن يلبسهما على طهارة ولو كان هناك فاصل بين تطهره ولبس خفيه، أو يقال: إنها للتعقيب، والتعقيب في كل مقام بحسبه، كقولهم: تزوج فلان فولد له.
стр. 272
قوله: (أن يمسح عليهما) في تأويل مصدر مفعول (رخص)؛ أي: رخص للمسافر وللمقيم المسح على خفيه بالشرط المذكور.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المسح مؤقت كما تقدم في حديث علي ﵁ وأن شرط ذلك اللبس على طهارة، كما دل عليه حديث عمر وأنس ﵄، والظاهر أن الحافظ ذكره لأنه جمع مسألتي تقدير المدة واشتراط اللبس على طهارة، وهذا يقيد ما تقدم من حديث ثوبان وغيره، والله أعلم.
стр. 273
ما جاء صريحاً في مسح الخفين بلا توقيت
٦٦/ ٩ - عَنْ أُبَيّ بْنِ عِمَارَةَ ﵁ أَنّهُ قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: يَوْماً؟ قَالَ: «نَعمْ»، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «نَعمْ»، قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: «نَعمْ، وَمَا شِئتَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: لَيْسَ بِالقَوِيّ.
تقدم في حديث أنس ﵁، وحديث عمر ﵁ عدم التوقيت، فالظاهر أن الحافظ ذكر هذا لكونه ضعيفاً، فيعلم حاله.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أُبي - بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية - ابن عمارة - بكسر العين المهملة، وقيل: بضمها، والأول أشهر - صحابي مشهور، عداده في المدنيين، سكن مصر، له حديث واحد في المسح على الخفين، قال ابن حبان: (صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين، إلا أني لست أعتمد على إسناد خبره) (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
أخرجه أبو داود (١٥٨) في كتاب «الطهارة» باب «التوقيت في المسح» من طريق يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قَطَنٍ، عن أُبَيّ بن عمارة، قال يحيى بن أيوب: (وكان قد صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين .. ).
стр. 274
وأخرجه ابن ماجه (٥٥٧) ولفظه: (وكان رسول الله ﷺ قد صلى في بيته القبلتين كلتيهما .. ).
وهذا حديث ضعيف، وقد ذكره المصنف ليعلم حاله، ولأنه أصرح مما تقدم في عدم اشتراط التوقيت، قال أبو داود: (وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي)، أي: ليس هذا الإسناد قوياً لضعف بعض رجاله، ويحتمل أن اسم (ليس) عائد على الحديث؛ أي: ليس هذا الحديث قوياً؛ لاضطراب سنده، فقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً، ويحيى بن أيوب قال عنه أحمد: (سيئ الحفظ)، وقال ابن معين: (صالح)، وقال الدارقطني: (في بعض حديثه اضطراب)، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، يكتب حديثه، ولا يحتج به) (١)، وقال الدارقطني: (هذا الإسناد لا يثبت وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً، قد بيَّنْته في موضع اخر، وعبد الرحمن بن رزين، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قطن مجهولون كلهم) (٢)، وقد نقل أبو زرعة الدمشقي عن أحمد قال: (رجاله لا يعرفون) (٣)، وقال ابن عبد البر: (لا يثبت، وليس له إسناد قائم) (٤).
الوجه الثالث: الحديث دليل على عدم توقيت المسح على الخفين لا في حضر ولا سفر، ولو صح لكان مقيداً بأحاديث التوقيت المتقدمة، أو يحمل على ما تقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المسافر الذي يتضرر بالخلع لتأخره عن رفقته أو شدة برد ونحو ذلك، أو أن المراد به أنه كلما احتاج إلى المسح فله أن يمسح، لكن لا يعدو شرط التوقيت، فإذا انتهت المدة خلع ولبس، فإذا لبس على طهر مسح، فربما تكون أيام المسح أكثر إذا نظرنا إلى المجموع، ولكن ما دام أنه حديث ضعيف فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة الدالة على التوقيت، والله أعلم.
стр. 275
باب نواقض الوضوء
النواقض: جمع ناقض على وزن (فاعل)، وهو لغير العاقل، فيجمع على (فواعل)، والناقض للشيء: هو المفسد له، قال الأزهري: (النقض بالفتح: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء) (١)، واستعماله في الوضوء من باب المجاز، حيث إن حقيقته في البناء، واستعمل في المعاني، لعلاقة الإبطال.
والمراد بنواقض الوضوء: العلل المؤثرة في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه، ونواقض الوضوء نوعان:
١ - نوع مجمع عليه، وهو ما دل عليه نص من كتاب أو سنة.
٢ - نوع مختلف فيه، وهو المبني على اجتهادات أهل العلم، ﵏.
وسيتضح ذلك - إن شاء الله - من دراسة الأحاديث في هذا الباب.
стр. 276
ما جاء في أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء
٦٧/ ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتّى تَخْفِقَ رُؤوسُهُمْ، ثُمّ يُصَلّونَ وَلا يَتَوَضّؤُونَ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢٠٠) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من النوم»، والدارقطني (١/ ١٣١) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس ﵁، وهذا لفظ أبي داود، قال الدارقطني: (صحيح).
إلا أن لفظ (على عهده) لم يرد عند الدارقطني، ولا عند أبي داود بالإسناد المذكور، وإنما علقه أبو داود عن شعبة، عن قتادة، قال: (كنا على عهد رسول الله ﷺ ، وصححه الألباني، ووصله البيهقي بسنده إلى شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون فيصلون، ولا يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ .
والحديث أصله في مسلم (٣٧٦)(١٢٥) من طريق شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنساً يقول: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون، قال: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله).
وأخرجه الترمذي (٧٨) من هذا الطريق ولفظه: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون، فيصلون ولا يتوضؤون)، وقال: (حديث حسن صحيح).
стр. 277
وإنما أورد الحافظ لفظ أبي داود لأنه أوضح من لفظ مسلم، فإن فيه: (حتى تخفق رؤوسهم)، وهذا يبين نوع النوم الذي ورد في لفظ مسلم، وهو أنه نعاس وخَفْقٌ، وليس نوماً مستغرقاً ثقيلاً يزول معه الشعور بما قد يَخْرُجُ.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (على عهده) أي: زمانه، فالحديث له حكم المرفوع، لاطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره له، وهذا موضع الحجة فيه.
قوله: (ينتظرون العشاء) هكذا في نسخ «البلوغ»، وعند أبي داود والدارقطني: (العشاء الآخرة)، وهي بكسر العين والمد، والعشاء: أول ظلام الليل، وهو من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: (العشاءان: المغرب والعتمة) (١).
قوله: (حتى تخفق) بكسر الفاء، من باب ضرب، قال في «المصباح»: (خَفَقَ رأسه خفقة أو خفقتين: إذا أخذته سِنَةٌ من النعاس، فمال رأسه دون سائر جسده)، وقال في «القاموس»: (خفق فلان: حرك رأسه إذا نعس) (٢).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النوم اليسير غير المستغرق لا ينقض الوضوء، وهو ما كان نعاساً يخفق معه الرأس، بخلاف النوم الثقيل المستغرق الذي يزول معه الشعور بما قد يخرج، فهذا ناقض للوضوء، وقد يكون الحديث دليلاً على كلتا المسألتين، وهما أن اليسير لا ينقض، والكثير ينقض؛ لأنه تقرر في نفس الصحابي الراوي أن النوم ناقض للوضوء، إلا هذا القدر اليسير الذي شاهده.
ولا فرق في ذلك - على الصحيح - بين أن يكون مضطجعاً أو قاعداً معتمداً أو غير معتمدٍ، وهذا هو الراجح في مسألة نقض الوضوء بالنوم، وهو أنه إن كان النائم يشعر بنفسه لو أحدث فإنه لا ينتقض وضوؤه، وهذا يكون في النوم اليسير، وأما إن كان الإنسان مستغرقاً بحيث لو أحدث لم يحس
стр. 278
بنفسه فهذا يجب عليه الوضوء، وذلك أن ذات النوم ليس بناقض، ولكنه مظنة الحدث، لكون النائم لا يشعر ولا يحس بنفسه لو خرج منه شيء.
والدليل على أن النوم ليس بناقض: أن يسيره - كما في حديث الباب - لا ينقض الوضوء، ولو كان ناقضاً لانتقض بهذا النوم الذي تخفق فيه رؤوسهم، وصار كغيره من البول والغائط ينقض يسيره وكثيره.
ووجه الترجيح ثلاثة أدلة:
١ - أن هذا القول تجتمع فيه الأدلة، فإنه تقدم في حديث صفوان بن عَسَّال: (لكن من غائط وبول ونوم) وهذا يفيد أنه ناقض، وفي حديث الباب (أنهم ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون)، فيحمل الأول على النوم المستغرق الذي لو أحدث معه لم يحسّ بنفسه، ويحمل الثاني على مبادئ النوم قبل الاستغراق بحيث لو أحدث لأحس بنفسه؛ لأن خفقان الرأس يكون في النوم القليل، ولو كان ناقضاً لما أقرهم الله على الصلاة في تلك الحالة، بل كان يُوْحَى إلى رسول الله ﷺ في ذلك كما كان يوحى إليه في سائر الأمور الدينية، والأصل جلالة قدر الصحابة ﵃ وأنهم لا يجهلون ما ينقض الوضوء، ولا سيما الذين كانوا منهم ينتظرون الصلاة مع النبي ﷺ ، فإنهم أعيان الصحابة.
قال الخطابي: (وفي قوله: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم» دليل على أن ذلك أمر كان يتواتر منهم، وأنه قد كثر حتى صار كالعادة لهم، وأنه لم يكن نادراً في بعض الأحوال، وذلك يؤكد ما قلناه من أن عين النوم ليس بحدث) (١).
ولا يؤثر على ذلك ما ورد من حديث أنس ﵁ قال: (لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يُوْقَظُونَ للصلاة، حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً، ثم يصلون، ولا يتوضؤون) (٢)، فإن الإيقاظ والغطيط قد يوجد ممن هو في مبادئ نومه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مستغرقاً.
стр. 279
٢ - حديث معاوية ﵁ الآتي: «العينُ وِكاءُ السّهِ، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» فهذا يؤيد الجمع السابق، ومعناه: أن اليقظة وكاء الدبر، فالنوم الذي ينطلق معه الوكاء وهو النوم المستغرق الذي يزول معه الشعور بحيث لا يحس بما يخرج منه هو النوم الناقض للوضوء، وما لا فلا.
٣ - حديث ابن عباس ﵄ في قيام الليل، وفيه: (فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني) (١)، وهو يدل على أن النوم اليسير حال الصلاة غير ناقض للوضوء، والله تعالى أعلم.
стр. 280
ما جاء في أن دم الاستحاضة ناقض للوضوء
٦٨/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النّبِيّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصّلَاةَ؟ قَالَ: «لَا. إِنّمَا ذلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بحَيْضٍ، فإذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعي الصّلاةَ، وَإذا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلي عَنْكِ الدّمَ، ثُمّ صَلّي». مُتَّفقٌ عليه.
وَلِلْبُخَارِيّ: «ثمّ تَوَضّئِي لِكُلّ صَلَاةٍ»، وَأَشَارَ مُسْلِمٌ إِلى أَنّهُ حذَفَهَا عَمْداً.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «غسل الدم» (٢٢٨)، ومسلم في كتاب «الحيض» باب «المستحاضة وغسلها وصلاتها» (٣٣٣)، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وهذا لفظ البخاري، وقريب منه لفظ مسلم.
وللبخاري زيادة على مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام قال: وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة»، وقد رجح جماعة منهم الحافظ ابن حجر أنها مرفوعة متصلة بلفظ الحديث؛ إذ لو كانت موقوفة على عروة - كما قيل - لقال: (ثم تتوضأ) بلفظ الخبر، فلما جاء بلفظ الأمر دل على أنها من تمام الحديث، ويؤيد أنها من الحديث المرفوع رواية الترمذي، من طريق أبي معاوية: «وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (١).
стр. 281
وقال جمع من المحققين: إن هذه اللفظة موقوفة على عروة، بدليل قول هشام في اخره: (وقال أبي: ثم توضأ لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)، فإن هذا ظاهر في الوقف، لأن هشاماً لم يرو الحديث عن غير أبيه، فيكون غرضه من هذا تمييز المرفوع من الموقوف، ومجيء هذه الزيادة موصولة بالإسناد المذكور أول الحديث هو من الاختلاف على أبي معاوية، فإنه قد اضطرب في روايتها، وقد قال عنه الإمام أحمد: (في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظاً جيداً) (١).
وأخرج الحديث مسلم من طريق حماد بن زيد، عن هشام، وقال: (وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره) ومراده بالحرف الزيادة المذكورة عند البخاري.
وكأن مسلماً حذفها لتفرد حماد بن زيد بها، يؤيد ذلك قول النسائي: (قد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة، ولم يذكر فيه «وتوضئي» غير حماد، والله تعالى أعلم) (٢)، وقال البيهقي (١/ ٣٢٧): (وفيه زيادة الوضوء لكل صلاة، وليست بمحفوظة).
وهذا التعليل من النسائي لهذا الحرف في رواية حماد بن زيد ليس بجيد - كما يقول الحافظ ابن حجر (٣) ـ لأن أبا معاوية تابعه عليه، كما تقدم عند البخاري والترمذي، وأيضاً فقد تابعهما عليه حماد بن سلمة، فرواه الدارمي من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وقال فيه: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرُها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي»، قال هشام: فكان أبي يقول: (تغتسل غسل الأول، ثم ما يكون بعد ذلك فإنها تَطَهّرُ وتصلي) (٤)، لكن هذا ليس فيه إلا الأمر بالوضوء عقب غسل الدم لا لكل صلاة، وقد رواه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ١٠٤) من طريق عفان عن حماد وليس فيه (وتوضئي) وعفان من أثبت أصحاب حماد فهو مقدم على غيره.
وأيضاً فقد تابعهم أبو حمزة محمد بن ميمون السكري، عن هشام بن
стр. 282
عروة، عن أبيه (١)، لكنه تارة يرويه موصولاً بذكر عائشة وتارة مرسلاً، وتابعهم أبو عوانة - أيضاً ـ (٢)، وقد روى الحديث بالمعنى، وسيأتي ما في روايته.
والقول بأن هذه اللفظة موقوفة على عروة وأن رفعها غير محفوظ فيه وجاهة لأمور ثلاثة:
١ - إن هذا هو ظاهر صنيع البخاري، لأن هشاماً روى الحديث عن أبيه فقط، ثم قال: (قال: أبي … ) فلو لم يكن غرضه بيان المرفوع من الموقوف لما كان لهذا التخصيص معنى (٣).
٢ - أن الأئمة الكبار حكموا بأنها غير محفوظة، منهم مسلم والنسائي والبيهقي، وقال ابن رجب: (الصواب أن لفظة «الوضوء» مدرجة في الحديث من قول عروة، وكذلك روى مالك، عن هشام، عن أبيه أنه قال: «ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلاً واحداً، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة» (٤).
٣ - أن هذا الحديث رواه عن هشام بضعة عشر رجلاً، ومنهم أئمة حفاظ، لم يذكر واحد منهم هذه الزيادة منهم الإمام مالك ووكيع وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد (٥)، ولعل إدراجها في المرفوع حصل من بعض الرواة الذين لم يبلغوا مبلغ من لم يذكرها في الحفظ والإتقان، لأن الذين رووها لم يخلُ أحد منهم إلا وقد خالف واختلف عليه فيها، ما عدا أبا عوانة فإنه لم يختلف عليه، لكن مخالفته لمن هو أكثر عدداً وأعلى قدراً لا تحتمل.
واعلم أن هذه اللفظة «ثم توضئي لكل صلاة» هي المقصودة من إيراد هذا الحديث في نواقض الوضوء، وإلا فمناسبة الحديث باب «الحيض»، وسيذكره المصنف هناك.
стр. 283
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (فاطمة بنت أبي حُبيش) بالحاء المهملة بلفظ التصغير، واسمه: قيس بن المطلب بن أسد، وهي قرشية أسدية، وهي إحدى المستحاضات في زمن الرسول ﷺ .
قوله: (أُستحاض) أي: تصيبني الاستحاضة، وهي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة، كما سيأتي - إن شاء الله - في «باب الحيض».
قوله: (فلا أطهر) الطهر: النظافة، والمعنى: فلا أنظف من الدم، والمستقر عندها أن طهارة الحائض لا تُعرف إلا بانقطاع الدم، فَكَنّتْ بعدم الطهر عن اتصاله.
قوله: (أفأدع الصلاة) سؤال عن استمرار حكم الحيض حالة دوام الدم أو عدمه، بعد أن تقرر عندها أن الحائض تمنع من الصلاة، فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم.
قوله: (قال: لا) أي: لا تدعي الصلاة.
قوله: (إنما ذلك عرق) بكسر الكاف خطاب للمرأة السائلة، وقوله: (عرق)، أي: بكسر العين، وهو المسمى بالعاذل - بالذال المعجمة ـ، ويقال: العاذر، بالراء المهملة (١)، والمعنى: أن دمك ليس دم الحيض؛ لأن دم الحيض يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، وهذا بسبب انفجار عرق، وفي ذلك إخبار باختلاف المَخْرَجَيْنِ.
قوله: (فإذا أقبلت حيضتك .. ) المراد بإقبال الحيضة: حصول وقتها وابتداء خروج الدم أيام عادتها، والمراد بإدبارها: وقت انقطاع الدم عنها أيام عادتها، والمعنى أنها تميز بين دم حيضها ودم استحاضتها، فتجلس أيام عادتها، فإذا انقضت اغتسلت وصلّت، ولا تنظر بعد ذلك إلى ما معها من الدم؛ لأنه استحاضة.
стр. 284
الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن دم الاستحاضة حدث من الأحداث الناقضة للوضوء؛ لأن الشرع أمر بالوضوء منه في قوله: «ثم توضئي لكل صلاة»، وهذا قول الجمهور، إلا المالكية فإنهم يرون أن الاستحاضة لا تنقض (١).
وهكذا كل خارج من أحد السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء أكان بولاً أم غائطاً أم دماً أم مذياً، وكذا الريح من الدبر، وهذا مجمع عليه، كما نقله ابن المنذر وغيره (٢).
وهذا غرض الحافظ من إيراد هذا الحديث في هذا الباب، ويستثنى من ذلك من حدثه دائم فإنه لا ينتقض وضوؤه، كمن به سلس بول أو ريح أو غائط، ومثل الاستحاضة عند المالكية.
الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إنه يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة؛ بناءً على ثبوت زيادة الوضوء؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، ومعنى ذلك أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة - كالظهر مثلاً - إلا بعد دخول وقتها، أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة كصلاة الضحى - مثلاً - فإنها تتوضأ لها عند إرادة فعلها، وسأذكر هذه المسألة بأوسع مما هنا عند الكلام على غسل المستحاضة في باب «الحيض» إن شاء الله تعالى.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا دم الاستحاضة لقوله: «وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي». وتقدم ذلك في باب «إزالة النجاسة».
وسأذكر فوائد هذا الحديث وأحكام المستحاضة في باب «الحيض» إن شاء الله تعالى.
стр. 285
بيان حكم المذي
٦٩/ ٣ - عَنْ عَليّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذّاءً، فأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النبيّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: «فِيه الْوُضُوءُ». مُتَّفَقٌ عَليهِ، وَاللّفظُ لِلبخاري.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «العلم» باب «من استحيا فأمر غيره بالسؤال» (١٣٢) من طريق عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵁، به.
وأخرجه في كتاب «الوضوء» باب «من لم يَرَ الوضوء إلا من المخرجين» (١٧٨) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، به.
وأخرجه في كتاب «الغسل» باب «غسل المذي والوضوء منه» (٢٦٩) من طريق زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁، به.
وقد شرحه الحافظ في «فتح الباري» في هذا الموضع، واللفظ المذكور في «البلوغ» هو لفظ البخاري في كتاب «العلم».
وأخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «المذي» (٣٠٣) من طرق، إلا أن فيه (فقال: منه الوضوء).
قال ابن عبد البر: (والحديث ثابت عند أهل العلم، صحيح، له طرق شَتّى عن عليٍّ، وعن المقداد، وعن عمار - أيضاً - كلها صحاح حسان،