← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

والضحاك بن عثمان من رجال مسلم، لكنه صدوق سيئ الحفظ، وقد خولف في إسناده، فقد رواه الطحاوي من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلاً (١). ورواه الشافعي من طريق الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلاً أيضاً، قال الدارقطني: «وهو الصحيح» (٢). وقد ضعف الحديث الإمام أحمد، وذكر ابن التركماني أنه مضطرب سنداً، وكذلك مضطرب متناً (٣)، ففي بعض رواياته: أن النبي ﷺ أمر أم سلمة أن توافيه صلاة الصبح بمكة، مع أن النبي ﷺ صلى الصبح يومئذ في المزدلفة، قال ابن القيم: (حديث منكر، أنكره الإمام أحمد وغيره … ) (٤). وأما قول الحافظ: (وإسناده على شرط مسلم) فهذا لا يلزم منه صحة الحديث؛ لأنه لا يلزم من تخريج الإمام مسلم لهؤلاء الرواة أن يكون الخبر على شرطه؛ لأن الإمام مسلماً يروي بهذا الإسناد أحاديث لم تعلَّ بمثل هذه العلل المذكورة في هذا الإسناد، وهي الاضطراب في سنده ومتنه وترجيح إرساله، ثم إن الإمام أحمد وغيره قد أنكر هذا الحديث، فكيف يقال: إنه على شرط مسلم؟!. الوجه الثاني: حديث ابن عباس ﵄ يدل على أن من دفع من مزدلفة بليل فإنه لا يرمي جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، ولكن الحديث منكر لما تقدم، فلا يحتج به على ذلك، وقد ذكر الحافظ في «فتح الباري» (٥) أن للحديث طرقاً يقوي بعضها بعضاً، وأنه صححه الترمذي وابن حبان، وقال: (إنه حديث حسن)، مع أنه هنا وصفه بالانقطاع مضعفاً له، والصواب أن الحديث لا يصح، ولو فرض أنه صحيح لكان محمولاً على الأفضلية والندب (٦)، وعلى هذا فالصواب أن من دفع من مزدلفة بعد مغيب القمر من

стр. 2207

الضعفة والنساء والأطفال أنه يرمي ولو قبل الصبح، لأمور ثلاثة: الأول: أنه ورد في السنّة ما يدل على ذلك، ففي حديث ابن عمر ﵄: أنه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يَقْدَمُ منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ (١). وعن عبد الله بن كيسان مولى أسماء ﵂ قال: قالت لي أسماء، وهي عند دار المزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلَّت ساعة، ثم قالت: يا بُني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلَّت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارحل بي، فارتحلنا حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها، فقلت لها: يا هَنتاه (٢)، ما أُرانا إلا قد غلّسنا (٣)، قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظُّعُن (٤). الثاني: أنه لو كان رمي هؤلاء لا يجوز قبل الصبح لبيَّنه النبي ﷺ للأمة بياناً عاماً؛ لأن هذا الوقت وقت البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما لم يقع شيء من ذلك عُلم الجواز، وهو ما فهم عبد الله بن عمر وأسماء ﵄. الثالث: أن تأخير رميهم إلى ما بعد طلوع الشمس مخالف لمقتضى الرفق بهم والحرص على سلامتهم قبل حطمة الناس، والترخيص لهم في الرمي قبل الناس أهم من مجرد انصرافهم من مزدلفة بلا رمي؛ لأن المشقة في الرمي أعظم من مشقتهم في الانصراف. الوجه الثالث: حديث عائشة ﵂ يدل على جواز دفع الضعفة من

стр. 2208

مزدلفة ليلاً، وجواز رمي جمرة العقبة قبل الفجر، وقد تقدم من الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك، وعلى هذا فليس العمل على حديث عائشة هذا لضعفه، وإنما العمل على ما صح من الأحاديث؛ كحديث ابن عمر وأسماء ﵄. ومن أهل العلم من جمع بين حديثي ابن عباس وعائشة فجعل لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة، وحمل عليه حديث ابن عباس ﵄ كما تقدم ـ، ووقت جواز، وحمل عليه حديث عائشة ﵂، والله أعلم (١).

стр. 2209

من أحكام الوقوف بعرفة والمبيت بجمع ٧٥٨/ ١٧ - عنْ عُرْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلاتَنا هذه - يعْنِي: بالمزدلفةِ - فوقَفَ مَعَنَا حتى نَدْفَعَ، وقدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قبلَ ذلك لَيْلاً أَو نَهَاراً فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» رواه الخمسة، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عروة بن مضرِّس - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة - بن أوس بن حارثة بن لام الطائي، أسلم وصحب النبي ﷺ ، وكان من بيت الرياسة في قومه، فقد كان جده سيدهم، وكذا أبوه، وقد ذكر علي بن المديني ومسلم وغير واحد أنه لم يرو عنه غير الشعبي، قال الحافظ: (له حديث واحد في الحج)، وكان عروة مع خالد بن الوليد حين بعثه أبو بكر ﵁ على الردة، وهو الذي بعث معه خالد عيينة بن حصن إلى أبي بكر ﵁، لما أسر يوم البُطاح (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «من لم يدرك عرفة» (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (٥/ ٢٦٣)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وأحمد (٢٦/ ١٤٢) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف - يعني بجمع ـ

стр. 2210

قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل (١) إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه»، هذا لفظ أبي داود. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصحَّحه - أيضاً - ابن خزيمة (٢٨٢٠)، والحاكم (١/ ٤٦٣). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (من شهد صلاتنا هذه) أي: صلاة الفجر بمزدلفة. قوله: (فقد تمّ حجّه) فاعل (تمَّ)، والمراد: معظم حجه، وهو الوقوف؛ لأنه هو الذي يخاف عليه الفوات، أما طواف الإفاضة فإنه وإن كان لا يتم الحج إلا به لأنه ركن، لكنه لا يخشى فواته. قوله: (وقضى تفثه) التفث - بالفتح ـ: هو الوسخ الحاصل بطول الأظفار ووفرة الشعر وغيرهما من شعث المحرم، ومعنى (قضى تفثه): أي انتهى وتخلص منه بإزالته. الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث بعض التابعين، وهم: علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري على أن المبيت بمزدلفة ركن لا يتم الحج إلا به، فمن فاته تحلل من إحرامه بعمرة، ثم حج من قابل، وهذا قول لبعض الشافعية (٢). ووجه الاستدلال: أنه رتب الجزاء «فقد تم حجه» على الشرط «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع … »، مما يدل على أن المبيت بها شرط لصحة الحج، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].

стр. 2211

ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب ذكره عند المشعر الحرام، وهو المبيت بمزدلفة، مما يدل على أنه أمر لا بد منه. والقول الثاني: أن المبيت واجب، يُجْبَرُ بدم إذا فات، وعزاه النووي للجمهور (١)، واستدلوا بما تقدم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: «الحج عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتم حجه … » (٢). ووجه الاستدلال: أنه إذا لم يأت عرفة إلا قبل صلاة الصبح، يكون قد فاته المبيت بمزدلفة قطعاً، ومع ذلك فقد صرح الرسول ﷺ بأن حجه تام. والقول الثالث: أن المبيت بمزدلفة سنّة وليس بواجب، وهذا قول الحنفية - والواجب عندهم هو الوقوف بعد الفجر - والقول بأنه سنة رواية عن أحمد، وهو قول لبعض الشافعية، وقد اشتهر عنهم، ولكن القول بالوجوب أصح منه (٣)، ودليل هؤلاء أنه مبيت، فكان سنّة؛ كالمبيت بمنى ليلة عرفة. وقول الجمهور أظهر في هذه المسألة، وهو أن المبيت بمزدلفة واجب، وليس بركن يبطل الحج بتركه؛ لأن القول بأنه ركن مرجوح لأمور ثلاثة: ١ - أن الإمام أحمد قال - في رواية ابن القاسم ـ: (ليس أَمْرُ جَمْعٍ عندي كعرفة، ولا أرى الناس جعلوها كذلك) (٤)، فهو ينقل الاتفاق على أن المبيت ليس بركن كالوقوف بعرفة، ولم يرَ أحداً سَوَّى بينهما مع معرفته بأقوال السلف، واطلاعه على مسائل الإجماع، لكن يشكل على هذا رأي من تقدم من السلف. ٢ - أن الحديث الذي استدلوا به اشترط شهود الصلاة، والجمهور من أهل العلم على أن من وقف بمزدلفة ولم يشهد الصلاة، أن حجه تام (٥)؛ بل إن أصحاب هذا القول لا يقولون بركنية الصلاة مع دخولها ضمن الشرط.

стр. 2212

٣ - ما روى إبراهيم، عن الأسود: أن رجلاً قدم على عمر ﵁، وهو بجمع بعدما أفاض من عرفات، فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت الآن، فقال: أما كنت وقفت بعرفات؟ قال: لا، قال: فأت عرفة وَقِفْ بها هنيهة، ثم أَفِضْ، فانطلق الرجل، وأصبح عمر بجمع، وجعل يقول: أجاء الرجل؟ فلما قيل: قد جاء، أفاض (١). فعمر ﵁ صَحَّحَ حج من فاته المبيت بمزدلفة، ولم يأمره بدم (٢)، وهذا مبني على قول الجمهور في أن من ترك واجباً - كالمبيت - وجب عليه دم. الوجه الخامس: استدل الإمام أحمد بهذا الحديث على أن يوم عرفة كله وقت للوقوف من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله ﷺ : «ليلاً أو نهاراً»، فإن هذا يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة، فكان وقتاً للوقوف كما بعد الزوال. وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقتاً للوقوف، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. وحجتهم أن المراد بالنهار في هذا الحديث خصوص ما بعد الزوال، بدليل فعل النبي ﷺ وفعل خلفائه من بعده، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن ما قبل الزوال غير داخل في قوله: «نهاراً» (٤)، وكأنه لم يستحضر رأي الإمام أحمد في ذلك، أو لم يطلع عليه. وقول الجمهور قوي؛ لأن النبي ﷺ ما وقف إلا بعد الزوال، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم». وإن كان استدلال الإمام أحمد بالحديث له وجه من النظر - كما يقول الشنقيطي (٥) ـ لكن قول الجمهور، وهو عدم الاقتصار على أول النهار أحوط وأبرأ للذمة. وفائدة الخلاف أنه لو وقف أول النهار ثم خرج من عرفة قبل الزوال

стр. 2213

ولم يعد إليها، صح حجه وعليه دم، هذا على المذهب عند الحنابلة، وعلى قول الجمهور إذا لم يعد إليها في وقت الوقوف لم يصح حجه (١)؛ لأنه وقف قبل دخول وقت الوقوف. الوجه السادس: اختلف العلماء في حكم الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الوقوف إلى الغروب ركن، فمن انصرف قبل غروب الشمس لم يصح حجه، وهذا قول الإمام مالك (٢)، وحجته حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليحلَّ بعمرة، وعليه الحج من قابل» (٣)، فكأن الإمام مالكاً لما رأى تعليق الإدراك بالليل أخذ منه أنه لا بد منه حتى في حق من وقف نهاراً. وقد نقل ابن قدامة عن ابن عبد البر أنه قال: (لا نعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بقول مالك) (٤). والحديث ضعيف؛ لأنه من رواية محمد بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ، ثم إنه لا دليل فيه؛ لأنه خصَّ الليل بالذكر لأن الفوات يتعلق به، لكونه يأتي بعد النهار، فمن لم يقف ليلاً فاته الحج؛ لأنه آخر وقت الوقوف. والقول الثاني: أن من انصرف قبل الغروب صح حجه، ولكن عليه دم؛ لأنه ترك واجباً - على قاعدتهم في ترك الواجبات ـ، وهذا قول أبي حنيفة، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد (٥)؛ لأنه ركن لم يأت به على الوجه المشروع، فلزمه دم، كما لو أحرم دون الميقات. والقول الثالث: أن البقاء إلى الغروب سنّة، فمن تركه لم يجب عليه شيء، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعية، وحُكي رواية عن الإمام أحمد (٦)، وهو

стр. 2214

قول ابن حزم، واختاره الشنقيطي (١) مستدلين بحديث الباب؛ لأن قوله: «أو نهاراً» يفيد أن من وقف نهاراً ودفع قبل الغروب: أنه تم حجه، والتعبير بلفظ التمام ظاهر في جواز ذلك، وأنه لا يُحتاج إلى جبره بالدم، وهذا استدلال واضح، ولأنه أدرك من الوقوف ما أجزأه، أشبه ما لو أدرك الليل منفرداً. وهذا أظهر الأقوال، لقوة مأخذه، فإن حديث عروة بن مضرس تشريع عام للأمة، ولا تعارض بين القول والفعل، فيحمل فعله ﷺ على الاستحباب، وعلى هذا فمن دفع من عرفة قبل الغروب فحجه تام، ولا شيء عليه، والقول بإيجاب الدم عليه ليس عليه دليل، بل قوله: «فقد تمَّ حجه» يرد هذا الإيجاب. ولعل من قال بوجوب البقاء إلى الغروب رأى أن هذا الفعل وإن كان دالاً على الاستحباب لكن وجد قرائن تقوى الوجوب، فإن النبي ﷺ رفيق بأمته حريص على ما ينفعهم ولا يشق عليهم، ولو كان الدفع قبل الغروب جائزاً لفعله، لتتأسّى به الأمة، وهو القائل: «لتأخذوا مناسككم»، والدفع في النهار أسهل من الدفع بالليل لا سيما في الزمن الماضي. ثم إن الرسول ﷺ دفع من عرفة قبل أن يصلي المغرب، مع أن وقتها قد دخل، فلو كان الدفع قبل الغروب جائزاً لدفع وصلى المغرب في مزدلفة في أول وقتها. ثم إن القرآن قد يدل على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي: من عرفة، والمراد بالناس: من سوى قريش، وإفاضة النبي ﷺ بعد الغروب قد تكون بياناً لما أمر الله به، فإن الرسول ﷺ لما أفاض بعد الغروب دل على أن إفاضة الناس التي أمر الله بها هي عين ما فعله رسول الله ﷺ امتثالاً لأمر الله تعالى؛ لأن الإفاضة المأمور بها هي المعتبرة شرعاً (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2215

وقت الإفاضة من مزدلفة ٧٥٩/ ١٩ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قالَ: إنّ المُشْرِكينَ كانوا لا يُفيضونَ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ويقولونَ: أَشْرِقْ ثَبيرُ، وأنَّ النبيَّ ﷺ خالَفَهُمْ، ثمَّ أَفاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلعَ الشَّمْسُ. رواهُ الْبُخَاريُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «متى يُدفع من جمع؟» (١٦٨٤) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عمرو بن ميمون، يقول: شهدت عمر ﵁ صلى بجمع الصبح، ثم وقف، فقال … وذكر الحديث. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أشرق) بفتح الهمزة، فعل أمر من الإشراق؛ أي: ادخل في وقت الإشراق. قوله: (ثبيرُ) بفتح الثاء، مبني على الضم؛ لأنه منادى بحرف نداء محذوف، وهو اسم جبل كبير شاهق يقع على حد مزدلفة من جهة الشمال، قيل: إنه عرف باسم رجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه. وقد جاء في إحدى روايات أحمد وابن ماجه: (يقولون: أشرق ثبير، كيما نُغير) (١)، أي: لنذهب سريعاً إلى منى، كالمغيرين من سرعة الدفع. قوله: (ثم أفاض) يحتمل أن فاعله هو عمر بن الخطاب ﵁، ويحتمل أنه رسول الله ﷺ .

стр. 2216

الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المشركين كانوا يعظّمون البيت ويحجونه، وكانوا على إرث من أبيهم إبراهيم ﷺ ، إلا أنهم غيّروا وبدلوا في صفة النسك، ومن ذلك أنهم كانوا يبقون في مزدلفة صبح يوم النحر حتى تشرق الشمس، ثم يُفيضون إلى منى. الوجه الرابع: الحديث دليل على تأكد الإفاضة من مزدلفة وقت الإسفار قبل طلوع الشمس؛ لأن هذا هو هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه ﵃، مخالفة لأهل الجاهلية. وقد ذهب بعض الحنفية إلى الوجوب (١)، وهو قول قوي، لفعله ﷺ ، ولما في ذلك من تحقيق المخالفة الواجبة لهدي الكفار، ومن تأخر عامداً إلى طلوع الشمس فقد أساء وخالف هدي المصطفى ﷺ ، وأما من تعذر عليه ذلك بعد أن أخذ في الإفاضة ولكن عاقه المسير لشدة زحام، أو خلل في مركوبه، أو نحو ذلك، فهو معذور. الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يتأكد في حق المسلم مخالفة أهل الجاهلية ولا سيما في باب العبادات؛ لأن هذا مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية، لتبقى هذه الأمة متميزة بدينها وعقيدتها وأخلاقها، ولا تكون تابعة لغيرها؛ بل يجب أن يكون غيرها تابعاً لها ومقتدياً بها، والله المستعان.

стр. 2217

متى يقطع الحاج التلبية ؟ ٧٦٠/ ٢٠ - عن ابنِ عَبَّاسٍ وأُسامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵃ قالا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ. رواهُ الْبُخَاريُّ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «التلبية والتكبير غداة النحر حين (١) يرمي الجمرة» (١٦٨٦ - ١٦٨٧) من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄: أن أسامة بن زيد ﵄ كان رَدِفَ النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قالا: لم يزلْ رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. وفي رواية لمسلم (١٢٨١) عن كريب قال: أخبرني ابن عباس عن الفضل: أن رسول الله ﷺ لم يزلْ يلبي حتى بلغ الجمرة. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الحاج يستمر في تلبيته حتى يرمي جمرة العقبة، لكن وقع الخلاف بين العلماء في وقت قطعها، هل يقطعها عند الشروع في الرمي؟ أو يقطعها بعد الانتهاء من الرمي؟. فالقول الأول: أنه إذا شرع في الرمي قطع التلبية، أخذاً برواية: (حتى بلغ الجمرة)؛ لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي، وهذا قول

стр. 2218

الجمهور (١)، ويؤيده أمران: الأول: أنه إذا بدأ في الرمي شُرع له ذكر آخر، وهو التكبير عند كل حصاة، قائلاً: (الله أكبر)، ومعلوم أن ظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة، لتتابع رمي الحصيات، ولم ينقل أن الرسول ﷺ كان يلبي أثناء الرمي، فدل على أنه ﷺ كان يقطعها عند الشروع في الرمي. الثاني: أن التلبية شعار الحج وإجابة مناديه، وفي البدء برمي جمرة العقبة شروع في التحلل والانتهاء من أعمال الحج، فينتهي وقتها ومناسبتها. والقول الثاني: أنه يلبي حتى ينتهي من رمي الجمرة، وهذا قول لبعض الشافعية، ورواية عند المالكية، وبه قال إسحاق، وأشار ابن المنذر إلى اختياره، واختاره ابن حزم (٢). واستدلوا برواية: (لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة)، وقال الإمام مالك في رواية عنه: (يقطع التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة) (٣). والقول الأول أظهر، لقوة مأخذه - كما تقدم ـ، وتكون رواية: (حتى رمى) يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء منه؛ أي: حتى أراد رمي الجمرة؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت القراءة. هذا بالنسبة للحاج، أما المعتمر ففيه قولان: الأول: أنه يقطع التلبية إذا شرع في الطواف، وهذا قول ابن عباس ﵄، فقد روى الشافعي بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ في المعتمر يلبي حتى يستلم الركن (٤)، وبه قال جماعة من التابعين، وهو قول الشافعي،

стр. 2219

وإسحاق، وأصحاب، الرأي، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (١)؛ لأن التلبية إجابة إلى العبادة وشعار الإقامة عليها، فلا يتركها إلا إذا شرع فيما ينافيها، وهو التحلل، وهو لا يحصل إلا بالطواف والسعي، فإذا شرع في الطواف فينبغي أن يقطع التلبية، كالحاج إذا شرع في رمي جمرة العقبة. والقول الثاني: أنه يقطع التلبية إذا دخل أدنى الحرم، لأن الحرم هو مقصوده، وقد وصل إليه، وقد روى البخاري بسنده عن نافع، قال: «كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك» (٢)، وهذا بالنسبة للمتمتع أو المعتمر، كما تقدم، وأما المفرد والقارن فإنه يعود إلى التلبية بعد الفراغ من السعي، وهذا اختيار الحافظ ابن خزيمة، فقد روى بسنده عن الأوزاعي أنه قال: قال عطاء بن أبي رباح: «كان ابن عمر يدع التلبية إذا دخل الحرم، ويراجعها بعد ما يقضي طوافه بين الصفا والمروة» (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 2220

المكان الذي ترمى منه جمرة العقبة ٧٦١/ ٢١ - عنْ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ جَعلَ البيْتَ عَنْ يسارِهِ، وَمِنًى عنْ يمينِه، ورَمَى الجَمْرَة بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وقالَ: هذا مَقَامُ الذي أُنْزِلَتْ عليه سُورَةُ البقرةِ. متفقٌ عليه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره» (١٧٤٩)، ومسلم (١٢٩٦) (٣٠٧) من طريق إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد: أنه حج مع ابن مسعود ﵁ فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت … الحديث. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (رمى) الرمي: هو القذف والدفع، والمراد به: القذف بالحجارة الصغيرة، وأما مجرد وضعها فلا يسمى رمياً. قوله: (الجمرة) أي: مكان رمي الجمرة، سميت باسم الواحدة منه، والجمرة لها عدة معانٍ منها: الحصاة الصغيرة، وتطلق على مجتمع الحصا. وقد جعلت الجمرة على هيئة حوض في الأزمنة المتأخرة، وذلك سنة (١٢٩٣ هـ) (١)، وإلا فالجمرة هي المرمى، ولهذا لم يذكر المتقدمون الحوض، ولعل وضعه لتخفيف الزحام، لئلا يتدافع الناس في مكان الرمي، فيضر بعضهم بعضاً.

стр. 2221

قوله: (الكبرى) وصف لجمرة العقبة، وهي أقرب الجمرات إلى مكة، وتقدم في شرح حديث جابر ﵁ معنى وصفها بالكبرى. قوله: (سورة البقرة) خصها بالذكر؛ لأن فيها ذكر كثير من أحكام الحج خصوصاً الإشارة إلى رمي الجمار في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإن رمي الجمرات يدخل فيه؛ لأنه من ذكر الله تعالى. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المشروع في رمي جمرة العقبة أن يستقبلها عند الرمي، ويجعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، وهذا هو الأفضل في مكان وقوف الرامي لجمرة العقبة، وقد كانت الجمرة قديماً لاصقة بجبل، وتحتها وادٍ؛ فالنبي ﷺ رماها من بطن الوادي ولم يصعد على الجبل ليرمي من فوقه، فإذا رماها من بطن الوادي صارت مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم أزيل الجبل عام (١٣٧٦ هـ)، وبقيت جهة الجبل لا يرمى منها (١)، ولو رماها من أي جهة أجزأ، وقد نقل ابن حجر الإجماع على أنه من حيث رمى جمرة العقبة جاز (٢)؛ لأن المقصود أن يكون الرامي في مكان أيسر له، ليطمئن في رميه، ويكبر الله تعالى. والله تعالى أعلم.

стр. 2222

وقت رمي الجمار ٧٦٢/ ٢٢ - عن جابرٍ ﵁ قالَ: رَمَى رسولُ اللهِ ﷺ الجَمْرَة يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وأَمّا بعدَ ذلك فإذا زالتِ الشّمْسُ. روَاهُ مُسلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «بيان وقت استحباب الرمي» (١٢٩٩) (٣١٤) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعدُ فإذا زالت الشمس). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن أفضل وقت لرمي جمرة العقبة هو بعد طلوع الشمس يوم النحر، لفعل النبي ﷺ ، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم». ويجوز الرمي بعد الانصراف من مزدلفة إذا غاب القمر للضعفة، والمرضى، وكبار السن، ونحوهم، ومن يرافقهم من محرم، وسائق، كما تقدم. ويمتد وقت رمي جمرة العقبة إلى غروب الشمس على قول جمهور العلماء، ولا سيما من معه نساء ولم ينصرف من مزدلفة في الليل، فالأولى في حقه أن يؤخر الرمي إلى الظهر أو إلى العصر؛ لأن رمي النساء ضحى يوم العيد فيه مشقة عظيمة، كما هو مشاهد. وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقتٍ لها (١). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الجمار الثلاث في أيام التشريق

стр. 2223

لا ترمى إلا بعد الزوال لفعله ﷺ ، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» فيكون الرمي داخلاً في هذا العموم. وكونه ﷺ رمى يوم النحر ضحى، ورمى أيام التشريق بعد الزوال دليل على اختلاف الحكم، وأن هذه عبادات لا مجال للرأي فيها، قال عبد الله بن عمر ﵄: (كنا نتحيَّن، فإذا زالت الشمس رمينا) (١)، ثم لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لفعله النبي ﷺ ، لما فيه من المبادرة بالعبادة في أول وقتها، ولما فيه من تطويل وقت الرمي، ولما فيه من التيسير على الناس، ولا سيما في أيام الصيف وشدة الحر، فإنه ﷺ رفيق بأمته حريص على ما ينفعهم ولا يشق عليهم. والقول بأن الرمي بعد الزوال في جميع أيام التشريق، هو قول الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة في الرواية المشهورة، وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم عطاء بن أبي رباح (٢)، قالوا: فمن رمى قبل الزوال وجب عليه أن يعيد؛ لأنه رمى قبل الوقت. والقول الثاني: جواز الرمي قبل الزوال في يوم النفر، وهذا قول لأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق وعكرمة؛ لأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم بأن ينفر ويترك الرمي، فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى (٣). والقول الثالث: جوازه قبل الزوال في جميع أيام التشريق، وهو أحد القولين عن عطاء (٤)، وبه قال طاوس، وروي عن أبي حنيفة في غير الرواية المشهورة (٥)، وقد روى الفاكهي بسنده (أنَّ ابن الزُّبير رَمَى قَبلَ

стр. 2224

الزَّوالِ أَيَّامَ التَّشريقِ) (١). والرَّاجح هو القول الأول، وهو أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال؛ لقوة دليله، فإن الأحاديث - كما تقدم - صحيحة وصريحة في المراد، ثم لو كان الرمي جائزاً قبل الزوال لشرعه الله لعباده، وفعله النبي ﷺ وأصحابه ﵃، لكنهم لم يرموا إلا بعد الزوال، كما قال ابن عمر ﵄، ولم يرد أن النبي ﷺ أذن لأحد أن يرمي قبل الزوال، كما أذن في ترك المبيت والدفع من مزدلفة. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وقد تتبعت هذا كثيراً، زمناً طويلاً، فلم أجد عن صحابي واحد ما يدل على الرمي قبل الزوال، لا من قوله ولا من فعله، كلهم يرمون بعد الزوال، كما رمى النبي ﵊، وليس مع من أجاز الرمي قبل الزوال دليل واضح، مع مخالفته لفعل النبي ﷺ ، وقد قال: «لِتَأخُذُوا مَناسِكَكُم»، لكن من رمى قبل الزوال فله سلف من أهل العلم، ولا سيما من كان مضطراً إلى ذلك كموعد رحلة طائرة ونحو ذلك، وإلا فالأحوط ألا يرمي قبل الزوال؛ تأسّياً بالنبي ﷺ ، ووقت الرمي فيه سعة - ولله الحمد ـ، فإنه يمتد من الزوال إلى طلوع الفجر من اليوم التالي، ولا موجب للرمي قبل الزوال إلا العجلة التي عليها غالب الناس في زماننا هذا، والله المستعان. والرمي قبل الزوال ليس علاجاً لمشكلة الزحام وتوابعه التي يعلل بها من يقول بجواز الرمي قبل الزوال؛ لأن الزمان سينتقل إلى أول وقت يجوز الرمي فيه، سواء قبل الزوال أو بعده، لكن ما فعلته الدولة - وفّقها الله - في مشروع الجمرات عالج مشكلة الزحام معالجة واضحة، وذلك بتوسعة مكان الرمي، وتنظيم الناس ذهاباً وإياباً، ومنع المفترشين، وقد رأينا في حج هذا العام (١٤٢٧ هـ) اليسر والسهولة في الرمي، مع أن المشروع لم يتم بعدُ.

стр. 2225

كيفية رمي الجمار ٧٦٣/ ٢٣ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كان يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكبِّرُ على إِثْرِ كلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيقومُ فَيَسْتَقْبِلُ القِبْلةَ، فيقوم طويلاً، ويدعو، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثم يأخُذُ ذاتَ الشِّمَالِ فيُسْهِلُ، ويَقُومُ مُستَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طويلاً، ثمَّ يَرْمي جَمْرَةَ ذاتِ العَقَبَةِ من بَطْنِ الوادي، ولا يَقِفُ عنْدَها، ثمَّ يَنْصَرِفُ، فيقولُ: هكذا رأَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. رواه البخاريُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويُسهل» (١٧٥١) من طريق طلحة بن يحيى، حدثنا يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵄، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الجمرة الدنيا) أي: القريبة إلى جهة مسجد الخيف. قوله: (على إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة؛ أي: عقب كل حصاة. قوله: (ثم يُسهل) بضم الياء، مضارع أسهل الرباعي؛ أي: يقصد المكان السهل من الأرض، حتى يوسع للرماة، فلا يؤذيهم ولا يؤذونه. قوله: (يقوم طويلاً) صفة لمصدر محذوف؛ أي: قياماً طويلاً، وفي رواية: (وكان يطيل الوقوف). قوله: (ذات الشمال) أي: يمشي إلى جهة الشمال.

стр. 2226

قوله: (ذات العقبة) العقبة: جبل صغير فيه ثنية كانت الجمرة الكبرى في سفحه الجنوبي، فأزيلت تلك العقبة - كما تقدم - بإذن من مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، لغرض توسعة شارع الجمرات (١). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن رمي الجمار يكون بسبع حصيات لكل جمرة، وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ذلك شرط من شروط صحة الرمي، فإن نقص واحدة لم يصح الرمي، وعليه الرجوع لإتمام ما نقص؛ لأن النبي ﷺ رمى بسبع، ولا يعرف أنه أذن لأحد أن يرمي بأقل من سبع. وأما ما أخرجه النسائي وغيره، عن مجاهد، قال: قال سعد ﵁: (رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ ، وبعضنا يقول: رميت بسبع، وبعضنا يقول: رميت بست، فلم يعب بعضهم على بعض) (٢)، فهذا أثر منقطع؛ لأن مجاهداً لم يسمع من سعد بن أبي وقاص ﵁، كما قال الطحاوي وابن القطان وغيرهما، نقل ذلك ابن التركماني، وذكر أن الأخبار تظاهرت بوجوب السبع، ولم يثبت أن الرسول ﷺ أقر الصحابة ﵃ على ذلك، ولا اجتهاد في موضع النص (٣). الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الجمار الثلاث ترمى في أيام التشريق، وأنه يُبدأ بالجمرة الدنيا، وهي التي تلي مسجد الخيف، ثم الثانية، ثم العقبة، والأكثرون من أهل العلم على أن هذا الترتيب شرط لصحة الرمي؛ لأن الرسول ﷺ رماها كذلك، فإن اختل لم يصح الرمي. الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية التكبير عقب كل حصاة، فيقول: الله أكبر، ولا يزيد على ذلك، وفي حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: (يكبر مع كل حصاة منها). الوجه السادس: الحديث دليل على صفة رمي الجمار، وأنه إذا رمى

стр. 2227

الجمرة الأولى تقدم أمامها قليلاً، لئلا يضيق على الرماة، ولئلا يُؤْذِي أو يُؤْذَى، فيقف ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو طويلاً. ثم يرمي الوسطى، ويتقدم ذات الشمال، فيقف للدعاء، كما تقدم. وعن عطاء قال: كان ابن عمر ﵄ يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة (١). وأكثر الحجاج تركوا الوقوف للدعاء، إما جهلاً، وإما عجلة وتهاوناً، فليحرص المسلم على الوقوف للدعاء؛ لأن السنّة كلما ضيعت كان فعلها آكد، ليجمع العامل بها بين فضيلة العمل وإحياء السنة. ثم يرمي الثالثة، وهي جمرة العقبة من بطن الوادي - كما تقدم - ولا يقف عندها؛ لأن النبي ﷺ رماها ولم يقف بعد الرمي، والله تعالى أعلم.

стр. 2228

مرتبة التقصير من الحلق ٧٦٤/ ٢٤ - عن ابنِ عُمر ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اللهمَّ ارْحَمْ المُحَلِّقِينَ» قالوا: والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ اللهِ؟ قال في الثالثةِ: «والمُقصِّرين» مُتّفقٌ عَلَيه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الحلق والتقصير عند الإحلال» (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١) من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (قال) أي: هذا الدعاء، وكان ذلك في غزوة الحديبية، وفي حجة الوداع أيضاً. قوله: (ارحم) أي: أنزل رحمتك التي بها حصول المطلوب والنجاة من المرهوب. وجاء في حديث أبي هريرة ﵁: «اللهم اغفر للمحلقين … » قالها ثلاثاً (١). قوله: (المحلقين) أي: الحالقين رؤوسهم في حج أو عمرة تعبداً لله تعالى. والحلق: إزالة شعر الرأس كله بالموسى ونحوه.

стр. 2229

قوله: (قالوا: والمقصرين) معطوف على (المحلقين) ويسمّى: العطف التلقيني؛ أي: قل: المحلقين والمقصرين، والتقصير: قص أطراف شعر الرأس من جميع نواحيه. قوله: (قال في الثالثة) أي: إنه دعا للمحلقين مرتين، وفي الثالثة دعا للمقصرين. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحلق والتقصير من مناسك الحج والعمرة وليس إطلاقاً من محظور. وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لأنه لو لم يكن قربة لله تعالى لما استحق فاعله دعاء النبي ﷺ بالرحمة؛ لأنه لا يدعو إلا لشيء مطلوب شرعاً، ولقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى وصفهم بالحلق، ولو لم يكن من المناسك كاللبس، وقتل الصيد، لما وصفهم به. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الحلق أفضل من التقصير؛ لأن النبي ﷺ كرر الدعاء للمحلقين، وذلك لأن التعبد والتعظيم لله تعالى بالحلق أظهر وأكمل، ولأن الله تعالى قدمه على التقصير، فقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وإن كانت الواو لا تقتضي الترتيب في أصل وضعها، لكن وجد قرائن تفيد ذلك، ولأنه فعل النبي ﷺ . ويستثنى من ذلك المتمتع الذي قدم مكة متأخراً بحيث لا ينبت شعره قبل الحج، فإن التقصير في حقه أفضل، كما أمر النبي ﷺ أصحابه بذلك في حجة الوداع (١)، ليجمعوا بين التقصير في العمرة، والحلق في الحج، ولو حلقوه في العمرة حينئذ لم يبق في الرأس شعر للحج. ولا بد في التقصير من تقصير جميع الرأس على الراجح من أقوال أهل العلم، وذلك بأن يعم ظاهر الرأس، لا أن يأخذ من كل شعرة بعينها، ووجه ذلك أن الله تعالى أضاف الحلق والتقصير إلى الرأس، والفعل المضاف إلى

стр. 2230

الرأس يشمل جميعه، ولأن التقصير يقوم مقام الحلق، والحلق لجميع الرأس، فكذا التقصير. الوجه الخامس: الحديث دليل على كمال نصح النبي ﷺ ورحمته بأمته، حيث دعا لمن قام بالعبادة، حثاً له على الخير وزيادة في أجره وثوابه، والله تعالى أعلم.

стр. 2231

حكم الترتيب بين مناسك الحج يوم العيد ٧٦٥/ ٢٥ - عنْ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يسْأَلونَهُ، فقالَ رجُلٌ: لمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قبلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قالَ: «اذبحْ ولا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فقالَ: لمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قبلَ أَن أَرْمِيَ؟ قال: «ارْمِ ولا حَرَج»، فما سُئِلَ يوْمئذٍ عنْ شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قالَ: «افْعَلْ ولا حَرَجَ» مُتّفقٌ عليه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، وأولها في كتاب «العلم»، باب «الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها» (٨٣)، ثم في كتاب «الحج»، باب «الفتيا على الدابة عند الجمرة» (١٧٣٦)، ومسلم (١٣٠٦) من طريق الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو ﵄، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وقف في حجة الوداع) كان ذلك على بعيره عند جمرة العقبة بينها وبين الوسطى، بعد الزوال يوم العيد، وقد جاء في رواية: (وقف رسول الله ﷺ على ناقته … ). قوله: (لم أشعر) بضم العين، والشعور: هو الإدراك والإحساس، يقال: شعرت بالشيء شعوراً: إذا فطنت به، والمعنى: لم أعلم، أو لم أفطن إما لجهل أو نسيان.

стр. 2232

قوله: (قبل أن أذبح) في تأويل مصدر مضاف إليه؛ أي: قبل الذبح، والمراد: ذبح الهدي. قوله: (اذبح) هذا أمر إباحة؛ لأن صيغة الأمر إذا وردت في مقام يتوهم فيه الحظر فهي للإباحة، كما في الأصول (١). قوله: (ولا حرج) الحرج: الضيق، وخبر (لا) محذوف، وهذه الصيغة نكرة في سياق النفي، ركبت مع (لا) فبنيت على الفتح، وهي نص صريح في العموم، لنفي جميع أنواع الحرج، والمعنى: لا ضيقَ عليك بإثم ولا فدية. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأفضل ترتيب شعائر الحج يوم العيد، وذلك بأن يُبدأ برمي جمرة العقبة، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الإفاضة، قال أنس ﵁: (أتى رسول الله ﷺ منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاّق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس) (٢). الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مخالفة هذا الترتيب بتقديم بعض الأعمال على بعض أنه لا حرج فيه، أما في حق الجاهل والناسي فهو موضع إجماع بين أهل العلم، وأما في حق العامد، ففيه قولان: الأول: جواز تقديم بعضها على بعض في حق العامد، وهو العالم الذاكر، وهذا قول الجمهور؛ لقوله: (فما سئل يومئذ عن شيء قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: «افعل ولا حرج»)، ولم يقيده بالناسي أو الجاهل. القول الثاني: أن رفع الحرج إنما هو في حق الجاهل والناسي فقط، وهذا قول أبي حنيفة (٣)؛ لقول السائل: (لم أشعر)، والمطلق يحمل على المقيد؛ لأن السائلين كانوا أعراباً لا علم لهم بالمناسك. والقول الأول أرجح؛ لأن توارد الأسئلة على النبي ﷺ ، وقوة كلامه في

стр. 2233

نفي الحرج، وعدم النهي عن العود لمثلها، يدل على التسامح في ذلك، وهذا هو الموافق لمقاصد الدين الإسلامي، ولا سيما في مثل هذه الأزمان؛ لأن هذا أيسر للناس. الوجه الخامس: في الحديث دليل على مشروعية وقوف العالم في أيام المناسك لإفتاء الناس وتعليمهم مناسكهم، وكذا في المواسم العارضة؛ كشهر رمضان وعشر ذي الحجة، يبذل العالم نفسه للناس؛ لأنهم في حاجة إلى من يعلمهم، ويجيب على أسئلتهم. الوجه السادس: مما ينبغي أن يعلم أن الأصل في أحكام المناسك - كغيرها - هو التأسي بالنبي ﷺ ومتابعته في أقواله وأفعاله؛ لأنه ﷺ فعل المناسك أمام الأمة بياناً لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكان ﷺ يقول: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه» (١)، قال النووي: (هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج) (٢). واعتياد الأخذ بالرخص قد يؤدي إلى التساهل بالمناسك وانحلال عزائم المكلفين، ولا ريب أن المقصود من الترخيص للمكلفين هو الرفق بهم عن تحمل المشاق، فالأخذ بها موافق لمقاصد الشريعة، لكن هذا لا يعني اعتياد الترخيص حتى كأنه هو الأصل؛ لأن هذا يؤدي إلى اعتبار العزائم شاقةً حَرِجَةً، ومن ثم لن يقوم بها المكلف كما ينبغي. والنبي ﷺ ما قال: «افعل ولا حرج» في جميع المناسك، وإنما قال هذا لما سئل عن التقديم والتأخير في مناسك يوم العيد. والله تعالى أعلم.

стр. 2234

مشروعية تقديم النحر على الحلق ٧٦٦/ ٢٦ - عن المِسورِ بنِ مَخْرَمَةَ ﵄: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ قبْلَ أنْ يحْلِقَ، وأَمَرَ أَصْحابَه بذلك. رواه البخاري. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو المسور - بكسر الميم وسكون السين المهملة - بن مخرمة - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة - بن نوفل القرشي الزهري، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه إلى المدينة سنة ثمان من الهجرة، وحفظ عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عن الخلفاء الأربعة، ولازم عمر بن الخطاب ﵁، وكان فقيهاً، ذا فضل ودين، بقي في المدينة فلما قتل عثمان ﵁ تحوّل إلى مكة وبقي فيها، حتى قدم الجيش لقتال ابن الزبير، فأصابه حجر من المنجنيق وهو يصلي في الحِجْرِ فقتله، وذلك في سنة أربع وستين، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «المحصر»، باب «النحر قبل الحلق في الحصر» (١٨١١) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور ﵁، به. الوجه الثالث: هذا الحديث ليس من أحاديث الحج، خلافاً لما يُشعر به صنيع الحافظ، وإنما هو في عمرة الحديبية، سنة ست، حين منعت قريش النبي ﷺ وأصحابه من دخول مكة لأداء عمرتهم، فحصلت المصالحة بينهم

стр. 2235

على أن يعود ويأتي من قابل، كما في القصة المشهورة التي أخرجها البخاري (١)، وقد جاء فيها: ( … فلما فرغوا من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا … ») الحديث، ثم تحلل النبي ﷺ بالذبح والحلق، وتابعه أصحابه على ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعلى هذا فقوله: (وأمر أصحابه بذلك) ليس في الحج؛ لأن النحر والحلق في الحج إنما كان من فعله ﷺ وليس من أمره، أما الأمر فكان في الحديبية، ولو أن المؤلف جعل هذا الحديث في باب الإحصار لكان أولى، والله تعالى أعلم.

стр. 2236

بم يحصل التحلّل الأول ؟ ٧٦٧/ ٢٧ - وعن عائشة ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا رمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقدْ حَلَّ لكُمْ الطِّيبُ وَكُلُّ شيءٍ إلا النِّساء». رواهُ أحمد وأبو داود، وفي إسنادِه ضَعْفٌ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٤٢/ ٤٠)، وابن خزيمة (٤/ ٣٠٢)، والدارقطني (٢/ ٢٧٦)، والبيهقي (٥/ ١٣٦) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رميتم وحلقتم، فقد حلَّ لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء». وأخرجه أبو داود (١٩٧٨) من طريق الحجاج، عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء». وهذا الحديث ضعيف في سنده، مضطرب في متنه، أما السند فإن مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعنه، واختلف عليه فيه، قال أبو داود عقبه: (هذا حديث ضعيف، الحجاج لم يرَ الزهري، ولم يسمع منه)، وقال البيهقي: (هذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة)، ونقل الزيلعي عن الدارقطني أنه قال: (لم يروه غير الحجاج بن أرطاة) (١). وأما اضطراب متنه، فقد ورد فيه: «وحلقتم»، كما عند أحمد ومن ذكر

стр. 2237

معه، وورد بدونها، كما عند أبي داود، وأشار إليه الطحاوي (١)، والدارقطني (٢). الوجه الثاني: استدل بحديث الباب فقهاء الشافعية - على تفصيل عندهم - والحنابلة في الصحيح المشهور في مذهبهم على أن التحلل الأول - ويسمى التحلل الأصغر - لا يحصل إلا برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير (٣)، فمن رمى وحلق حلَّ له كل شيء من محظورات الإحرام من اللبس والطيب وتغطية الرأس، ونحو ذلك، إلا النساء، فإذا طاف طواف الإفاضة حلَّ له كل شيء حتى النساء، ويسمّى التحلل الأكبر، وهذا أحد قولي عمر ﵁. والقول الثاني: أن التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة فقط، وهذا مروي عن عمر، وعائشة، وابن الزبير ﵃ (٤)، وهو قول علقمة وعطاء وأبي ثور، وهو مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة (٥). واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: (طيبت رسول الله ﷺ بيديّ بِذَرِيرةٍ (٦) لحجة الوداع، للحل والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت) (٧) فإن ظاهر قولها: (وحين رمى جمرة العقبة) يفيد أن الطيب حصل بعد الرمي. كما استدلوا بحديث عائشة المذكور في هذا الباب من رواية أبي داود، وقد تقدم سياقها، وليس فيها إلا ذكر الرمي دون الحلق. كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ أنه قال: «إذا رمى الجمرة فقد حلّ له كل شيء إلا النساء»،

стр. 2238

فقال رجل: والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ (١). والقول الأول وجيه جداً في نظري؛ لأنه مؤيد بفعل النبي ﷺ ، حيث إنه رمى، ثم نحر، ثم حلق، ولم يتحلل النبي ﷺ بعد رمي الجمرة فقط، ومن قال بذلك فقد خالف السنّة، فإن حفصة ﵂ قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلّوا بعمرة، ولم تحْلِلْ أنت من عمرتك؟ قال: «إني لبَّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أَحِلُّ حتى أنحر» (٢). وأما حديث عائشة المقتصر على الرمي - كما في رواية أبي داود ـ، فهو حديث ضعيف كما تقدم. وأما حديثها الثاني: (طيبت رسول الله ﷺ … وحين رمى جمرة العقبة) فهو حديث ضعيف بهذا السياق، تفرد به روح عن ابن جريج، وقد خالفه جماعة، فرووه بلفظ: (طيبت رسول الله ﷺ بذريرة في حجة الوداع للحِلِّ والإحرام) (٣). وفي لفظ: ( … ولحله قبل أن يطوف بالبيت) وعليه فالاستدلال به على أن التحلل الأول يحصل بالرمي وحده غير مستقيم، لسببين: الأول: تفرد روح بهذه الزيادة (وحين رمى جمرة العقبة) عن غيره من الرواة عن ابن جريج، ولذا أعرض عنها الشيخان، كما تقدم. الثاني: حتى على القول بقبول هذه الزيادة، وأن هذا الحديث روي مطولاً، وروي مختصراً، فليس صريحاً في أن الطيب وقع بعد رمي جمرة العقبة مباشرة؛ لأنها قالت: (قبل أن يطوف بالبيت) وهذه القبلية من الظروف الواسعة، وقد فعل النبي ﷺ في ذلك، الرمي والنحر والحلق؛

стр. 2239

لأنه رتب مناسك يوم العيد، كما في حديث أنس (١) وغيره، وتقدم. ويؤيد هذا الترجيح أمران: ١ - أن قولها: (طيبت رسول الله ﷺ لحله حين أحلَّ قبل أن يطوف بالبيت) يفيد أن الحل حصل بالرمي والحلق قبل الطواف، ولولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف، وقالت: (قبل أن يطوف بالبيت). ٢ - أنه لا معنى للطيب قبل الحلق وقضاء التفث، فلولا أنه حلق بعد أن رمى لم يتطيب، وقد بوّب البخاري على حديث عائشة ﵂ بقوله: (الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة) (٢). وأما حديث ابن عباس ﵄، فهو ضعيف لانقطاعه، لأن الحسن العرني وإن كان ثقة، إلا أنه لم يسمع من ابن عباس كما تقدم عند الحديث (٧٥٦). ومما يؤيد أنه موقوف، استشهاد ابن عباس ﵄ بفعل النبي ﷺ ، ولو كان الحديث عنده مرفوعاً لما احتاج إلى ذلك. وبهذا يتبين أن أدلة القائلين بأن التحلل الأول يحصل بالرمي وحده غير ناهضة؛ لأن الصريح منها غير صحيح، والصحيح يدل على خلاف ما استنبط منه (٣)، ثم إنها مخالفة لفعل الرسول ﷺ . فالأولى والأحوط ألا يتحلل إلا بعد الرمي والحلق، تأسّياً بالنبي ﷺ ، ولأن العلماء أجمعوا على أن التحلل بعد الرمي والحلق تحلل صحيح، لكن من تحلل بالرمي وحده فله سلف، لما تقدم عن عمر، وعائشة، وابن الزبير ﵃، والله أعلم.

стр. 2240

مشروعية التقصير دون الحلق في حق المرأة ٧٦٨/ ٢٨ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: عن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيسَ على النِّساءِ حَلْقٌ، وإنَّما يُقَصِّرْنَ». رواهُ أبو داود بإسْنَادٍ حَسَنٍ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الحلق والتقصير» (١٩٨٥) قال: حدثنا أبو يعقوب المدني، ثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان، أن ابن عباس ﵄ قال … وذكر الحديث. وهذا إسناد حسن، أبو يعقوب المدني، شيخ أبي داود، وثّقه أحمد، وابن معين، والدارقطني وغيرهم، وضعّفه آخرون (١)، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق تُكُلِّمَ فيه؛ لوقفه في القرآن). وقد توبع في روايته عن هشام بن يوسف، تابعه ابن معين عند أبي زرعة في «تاريخ دمشق» (٢)، وعلي بن عبد الله المديني عند الدارمي (١/ ٣٩٠)، وعنعنة ابن جريج لا تضر؛ لأنه قد صرح بالتحديث عند الدارمي. وأم عثمان: صحابية، كما جزم بذلك ابن منده، وابن عبد البر، فإنه قال: (كانت من المبايعات، روت عنها صفية بنت شيبة) (٣).

стр. 2241

والحديث حسّنه الحافظ (١)، ونقل عن أبي حاتم أنه قوَّاه (٢). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المشروع في حق المرأة عند التحلّل هو التقصير، وهو أن تأخذ من كل ظفيرة قدر أنملة، وهو رأس الأصبع، وذلك بأن تمسك كل ظفيرة بعينها، أو تقبض على جميع شعرها إن لم يكن لها ظفائر، فتأخذ منه. وأما الحلق فإنه لا يجوز في حقها، وقد أجمع أهل العلم على أنه ليس على النساء حلق، وذلك لأن شعر المرأة زينة لها وجمال في حقها، ولأن حلقه مُثْلة؛ لأنه حلق غير معتاد، كحلق الرجل لحيته. ولو أن المؤلف قدّم هذا الحديث بعد حديث عبد الله بن عمر ﵄ في الحلق والتقصير لكان أولى؛ للمناسبة بينهما، والله تعالى أعلم.

стр. 2242

حكم المبيت بمنى ٧٦٩/ ٢٩ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ العَبَّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ ﵁ استأذَنَ رسولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبيتَ بِمَكَّةَ ليالي مِنًى مِن أَجلِ سِقايَتِهِ، فَأَذِنَ لهُ. مُتّفقٌ عليه. ٧٧٠/ ٣٠ - وعنْ عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أرْخَصَ لرُعَاة الإِبِلِ في الْبَيْتوتَةِ عَنْ مِنىً، يَرْمونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثمَّ يَرْمونَ الغَدَ لِيومَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رواهُ الخمسة، وصَحَّحَهُ الترمذي، وابنُ حِبَّان. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عاصم بن عدي البلوي العجلاني، حليف الأنصار، ذكروه في البدريين، وقيل: لم يشهدها، وإنما خَلَّفَهُ النبي ﷺ على قباء وأهل العالية لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها، وشهد أُحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وبعثه مع مالك بن الدُّخشم فأحرقا مسجد الضرار ببني عمرو بن عوف، بقباء. مات سنة خمس وأربعين في المدينة، وهو ابن خمس عشرة ومائة، وقيل: عشرين ومائة، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الحج»، أولها باب «سقاية الحاج» (١٦٣٤)، ثم في باب «هل يبيت أصحاب

стр. 2243

السقاية وغيرهم بمكة ليالي منى؟» (١٧٣٤ - ١٧٤٥)، ومسلم (١٣١٥) من طريق عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄، به. وأما حديث عاصم، فقد أخرجه أبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)، والنسائي (٥/ ٢٧٣)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، وأحمد (٣٩/ ١٩٣)، وابن حبان (٣٨٨٨) من طريق مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البدَّاح بن عاصم، عن أبيه ﵁، به. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وهذا الحديث له عدة روايات، وألفاظها متقاربة. الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (أن العباس بن عبد المطلب) هو عم النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكره في «الاستسقاء». قوله: (استأذن) أي: طلب الإذن، وهو الرخصة. قوله: (أن يبيت بمكة ليالي منى) في تأويل مصدر مجرور، أي: في المبيت، والمعنى: أنه طلب أن يأذن له أن يدع المبيت بمنى ليالي أيام التشريق ويبيت بمكة. قوله: (من أجل السقاية) تعليل لقوله: (استأذن) أي: من أجل ألا تنقطع مصلحة سقاية ماء زمزم. والسقاية: بكسر السين، مهنة سقي الناس الماء، والمراد هنا: ما يسقيه الناسَ من ماء زمزم، وكان ينبذ فيه الزبيب، ويسقيهم إياه في الجاهلية والإسلام. وكانت السقاية من مآثر قريش، يتولاها بنو عبد المطلب، وكان العباس ﵁ هو القائم بها. قوله: (في البيتوتة) من مصادر بات، يقال: بات فلان بيتاً، وبياتاً، ومبيتاً، ومباتاً، وبيتوتة، أي: أدركه الليل، نام أو لم ينم. قوله: (يوم النفر) النفر: خروج الناس من منى بعد نهاية المناسك، واليوم الثاني عشر هو يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.

стр. 2244

الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم المبيت بمنى الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة من ليالي أيام التشريق على قولين بعد إجماعهم على أنه نسك: الأول: أنه واجب من واجبات الحج، وهذا قول المالكية، وأحد القولين عند الشافعية، وقد اعتبره النووي هو الأصح، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (١)، واستدلوا بأن النبي ﷺ بات بها، وقال: «لتأخذوا مناسككم»، ولأنه ﷺ رخص لعمه ﵁ من أجل سقايته، ورخص لرعاة الإبل، والتعبير بالإذن كما هنا، وبالرخصة كما في رواية أخرى، يدل على وجوب المبيت، ولو كان المبيت غير واجب لما كان للترخيص في حق هؤلاء معنى. والواجب من ذلك معظم الليل، سواء من أول الليل أو من آخره. والقول الثاني: أن المبيت بمنى سنّة، وهذا قول الحسن، وأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن حزم (٢)، وقال أبو حنيفة: يكره تركها، واستدلوا بأن النبي ﷺ بات بمنى، ولم يأمر بالمبيت بها. وأجاب ابن حزم عن الإذن للرعاة والترخيص للعباس بأنه لا دليل فيه على الوجوب على غيرهم، إلا لو أنه تقدم من النبي ﷺ أمر بالمبيت، ثم رخص لهؤلاء، فإنهم يكونوا مستثنين من سائر مَنْ أُمروا، أما إذا لم يتقدم أمر فيبقى غيرهم على الإباحة (٣). ويترتب على هذا الخلاف: أن القائلين بالوجوب يُلزمون تاركه دماً على قاعدتهم في ترك الواجبات، وعلى أنه سنّة فلا شيء عليه، لكنه خالف سنّة النبي ﷺ فقد بات بها ﷺ (٤)، والظاهر - والله أعلم - أنه حتى على القول بالوجوب لا يلزمه دم؛ لأن الشرع لم يرد فيه بشيء، قال الإمام أحمد فيمن

стр. 2245

ترك المبيت: (لا شيء عليه، وقد أساء) (١). ومن اجتهد ولم يجد مكاناً يليق به سقط عنه وله أن يبيت خارجها في أي مكان شاء ولا شيء عليه (٢)، لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٣)، ومن قواعد الشريعة المجمع عليها: (أنه لا واجب مع العجز)، وهذا عاجز عن الوصول إلى منى؛ فسقط عنه المبيت. وليس من ذلك المبيت في الشوارع وعلى الأرصفة في طرق الناس والسيارات، ولا سيما من معه نساء، فإن في ذلك ضرراً عظيماً، وخطراً جسيماً لا تأتي الشريعة بمثله، فإذا وجد العذر سقط الواجب، ولا يلزم البحث عن المكان إذا كان يغلب على ظنه عدم الحصول عليه، كما في زماننا هذا. الوجه الخامس: الحديث دليل على سقوط المبيت عن أهل السقاية ورعاة الإبل؛ لأنهم يحتاجون البعد عن منى ليجدوا مكاناً أحسن رعياً من غيره، فيسقط عنهم المبيت، مراعاة للمصلحة العامة، وقد ألحق بهم أهل العلم من يماثلهم، وهو كل من اشتغل بمصلحة عامة، كرجال المرور، ورجال الإسعاف، والأطباء، ونحوهم. أما من له عذر خاص، كمريض نُقل للمستشفى خارج منى، أو مرافق مريض، أو من له أهل بمكة يخشى عليهم، ونحو هؤلاء، فقيل: يقاس على أهل السقاية بجامع العذر في كل منهم، وقيل: لا يقاس؛ لأن هذا عذر خاص، والأول عام لمصلحة الناس. الوجه السادس: ظاهر حديث عاصم بن عدي أن أهل السقاية يرمون كغيرهم من الحجاج، أما الرعاة فإنهم يرمون يوم النحر مع الناس، ثم يذهبون لرعي إبلهم، فإذا عادوا يوم النفر الأول رموا عن اليومين: الحادي عشر
следующие страницы →