← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

والحديث حسّنه الحافظ (١)، ونقل عن أبي حاتم أنه قوَّاه (٢). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المشروع في حق المرأة عند التحلّل هو التقصير، وهو أن تأخذ من كل ظفيرة قدر أنملة، وهو رأس الأصبع، وذلك بأن تمسك كل ظفيرة بعينها، أو تقبض على جميع شعرها إن لم يكن لها ظفائر، فتأخذ منه. وأما الحلق فإنه لا يجوز في حقها، وقد أجمع أهل العلم على أنه ليس على النساء حلق، وذلك لأن شعر المرأة زينة لها وجمال في حقها، ولأن حلقه مُثْلة؛ لأنه حلق غير معتاد، كحلق الرجل لحيته. ولو أن المؤلف قدّم هذا الحديث بعد حديث عبد الله بن عمر ﵄ في الحلق والتقصير لكان أولى؛ للمناسبة بينهما، والله تعالى أعلم.

стр. 2242

حكم المبيت بمنى ٧٦٩/ ٢٩ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ العَبَّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ ﵁ استأذَنَ رسولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبيتَ بِمَكَّةَ ليالي مِنًى مِن أَجلِ سِقايَتِهِ، فَأَذِنَ لهُ. مُتّفقٌ عليه. ٧٧٠/ ٣٠ - وعنْ عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أرْخَصَ لرُعَاة الإِبِلِ في الْبَيْتوتَةِ عَنْ مِنىً، يَرْمونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثمَّ يَرْمونَ الغَدَ لِيومَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رواهُ الخمسة، وصَحَّحَهُ الترمذي، وابنُ حِبَّان. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عاصم بن عدي البلوي العجلاني، حليف الأنصار، ذكروه في البدريين، وقيل: لم يشهدها، وإنما خَلَّفَهُ النبي ﷺ على قباء وأهل العالية لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها، وشهد أُحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وبعثه مع مالك بن الدُّخشم فأحرقا مسجد الضرار ببني عمرو بن عوف، بقباء. مات سنة خمس وأربعين في المدينة، وهو ابن خمس عشرة ومائة، وقيل: عشرين ومائة، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الحج»، أولها باب «سقاية الحاج» (١٦٣٤)، ثم في باب «هل يبيت أصحاب

стр. 2243

السقاية وغيرهم بمكة ليالي منى؟» (١٧٣٤ - ١٧٤٥)، ومسلم (١٣١٥) من طريق عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄، به. وأما حديث عاصم، فقد أخرجه أبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)، والنسائي (٥/ ٢٧٣)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، وأحمد (٣٩/ ١٩٣)، وابن حبان (٣٨٨٨) من طريق مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البدَّاح بن عاصم، عن أبيه ﵁، به. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وهذا الحديث له عدة روايات، وألفاظها متقاربة. الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (أن العباس بن عبد المطلب) هو عم النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكره في «الاستسقاء». قوله: (استأذن) أي: طلب الإذن، وهو الرخصة. قوله: (أن يبيت بمكة ليالي منى) في تأويل مصدر مجرور، أي: في المبيت، والمعنى: أنه طلب أن يأذن له أن يدع المبيت بمنى ليالي أيام التشريق ويبيت بمكة. قوله: (من أجل السقاية) تعليل لقوله: (استأذن) أي: من أجل ألا تنقطع مصلحة سقاية ماء زمزم. والسقاية: بكسر السين، مهنة سقي الناس الماء، والمراد هنا: ما يسقيه الناسَ من ماء زمزم، وكان ينبذ فيه الزبيب، ويسقيهم إياه في الجاهلية والإسلام. وكانت السقاية من مآثر قريش، يتولاها بنو عبد المطلب، وكان العباس ﵁ هو القائم بها. قوله: (في البيتوتة) من مصادر بات، يقال: بات فلان بيتاً، وبياتاً، ومبيتاً، ومباتاً، وبيتوتة، أي: أدركه الليل، نام أو لم ينم. قوله: (يوم النفر) النفر: خروج الناس من منى بعد نهاية المناسك، واليوم الثاني عشر هو يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.

стр. 2244

الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم المبيت بمنى الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة من ليالي أيام التشريق على قولين بعد إجماعهم على أنه نسك: الأول: أنه واجب من واجبات الحج، وهذا قول المالكية، وأحد القولين عند الشافعية، وقد اعتبره النووي هو الأصح، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (١)، واستدلوا بأن النبي ﷺ بات بها، وقال: «لتأخذوا مناسككم»، ولأنه ﷺ رخص لعمه ﵁ من أجل سقايته، ورخص لرعاة الإبل، والتعبير بالإذن كما هنا، وبالرخصة كما في رواية أخرى، يدل على وجوب المبيت، ولو كان المبيت غير واجب لما كان للترخيص في حق هؤلاء معنى. والواجب من ذلك معظم الليل، سواء من أول الليل أو من آخره. والقول الثاني: أن المبيت بمنى سنّة، وهذا قول الحسن، وأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن حزم (٢)، وقال أبو حنيفة: يكره تركها، واستدلوا بأن النبي ﷺ بات بمنى، ولم يأمر بالمبيت بها. وأجاب ابن حزم عن الإذن للرعاة والترخيص للعباس بأنه لا دليل فيه على الوجوب على غيرهم، إلا لو أنه تقدم من النبي ﷺ أمر بالمبيت، ثم رخص لهؤلاء، فإنهم يكونوا مستثنين من سائر مَنْ أُمروا، أما إذا لم يتقدم أمر فيبقى غيرهم على الإباحة (٣). ويترتب على هذا الخلاف: أن القائلين بالوجوب يُلزمون تاركه دماً على قاعدتهم في ترك الواجبات، وعلى أنه سنّة فلا شيء عليه، لكنه خالف سنّة النبي ﷺ فقد بات بها ﷺ (٤)، والظاهر - والله أعلم - أنه حتى على القول بالوجوب لا يلزمه دم؛ لأن الشرع لم يرد فيه بشيء، قال الإمام أحمد فيمن

стр. 2245

ترك المبيت: (لا شيء عليه، وقد أساء) (١). ومن اجتهد ولم يجد مكاناً يليق به سقط عنه وله أن يبيت خارجها في أي مكان شاء ولا شيء عليه (٢)، لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٣)، ومن قواعد الشريعة المجمع عليها: (أنه لا واجب مع العجز)، وهذا عاجز عن الوصول إلى منى؛ فسقط عنه المبيت. وليس من ذلك المبيت في الشوارع وعلى الأرصفة في طرق الناس والسيارات، ولا سيما من معه نساء، فإن في ذلك ضرراً عظيماً، وخطراً جسيماً لا تأتي الشريعة بمثله، فإذا وجد العذر سقط الواجب، ولا يلزم البحث عن المكان إذا كان يغلب على ظنه عدم الحصول عليه، كما في زماننا هذا. الوجه الخامس: الحديث دليل على سقوط المبيت عن أهل السقاية ورعاة الإبل؛ لأنهم يحتاجون البعد عن منى ليجدوا مكاناً أحسن رعياً من غيره، فيسقط عنهم المبيت، مراعاة للمصلحة العامة، وقد ألحق بهم أهل العلم من يماثلهم، وهو كل من اشتغل بمصلحة عامة، كرجال المرور، ورجال الإسعاف، والأطباء، ونحوهم. أما من له عذر خاص، كمريض نُقل للمستشفى خارج منى، أو مرافق مريض، أو من له أهل بمكة يخشى عليهم، ونحو هؤلاء، فقيل: يقاس على أهل السقاية بجامع العذر في كل منهم، وقيل: لا يقاس؛ لأن هذا عذر خاص، والأول عام لمصلحة الناس. الوجه السادس: ظاهر حديث عاصم بن عدي أن أهل السقاية يرمون كغيرهم من الحجاج، أما الرعاة فإنهم يرمون يوم النحر مع الناس، ثم يذهبون لرعي إبلهم، فإذا عادوا يوم النفر الأول رموا عن اليومين: الحادي عشر

стр. 2246

والثاني عشر، ثم يرمون اليوم الثالث عشر إذا لم يتعجلوا، وهذا يدل على أن تأخير الرمي أولى من التوكيل لرمي كلِّ يوم في وقته؛ لأن الرسول ﷺ رخص للرعاة في التأخير، ولو كان التوكيل مشروعاً لهم لأرشدهم إليه؛ لأنه أسهل. الوجه السابع: استدل بحديث عاصم بن عدي ﵁ فقهاء الشافعية، والحنابلة، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، على أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي، فالرمي في جميعها أداء (١)، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه ولا شيء عليه، إلا أنه ترك السنة. ووجه الاستدلال: أنه لو لم يكن اليوم الثاني وقتاً لرمي اليوم الأول لما جاز الرمي فيه. والقول الثاني: أن كل يوم منها مستقل في رميه، فإن فات هو وليلته التي بعده، فات الرمي، وصار قضاءً في اليوم الذي بعده، وعليه دم، على تفصيل عندهم، وهذا قول الحنفية والمالكية (٢)؛ لأن الرمي ناقص بتأخيره عن وقته إلى وقت القضاء، فيجبر النقص بالفدية. والقول الأول أرجح، لقوة دليله. فإذا غابت الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق انتهى وقت الرمي، فمن رمى بعد ذلك صار رميه قضاءً لا أداءً. الوجه الثامن: اختلف العلماء في حكم الرمي ليلاً على قولين: الأول: أنه لا يجوز الرمي ليلاً؛ لأن اليوم ينتهي بغروب شمسه، فإذا غربت وهو لم يرمِ أخَّر الرمي إلى ما بعد الزوال من يوم غدٍ، وهذا قول الحنابلة، وإسحاق، وأحد الوجهين عند الشافعية (٣).

стр. 2247

والقول الثاني: أنه يجوز الرمي ليلاً، وهذا مروي عن طاوس وعروة بن الزبير والنخعي والحسن (١)، وهو قول الحنفية، وابن حزم؛ لأن الرسول ﷺ وقَّتَ ابتداء الرمي وأنه بعد الزوال، ولم يُوَقت انتهاءه، ويكون الرمي نهاراً عزيمة، والرمي ليلاً رخصة. وهذا هو الراجح إن شاء الله، فإن الليل يتبع النهار في بعض المناسك مثل الوقوف بعرفة، فإن وقته يمتد إلى طلوع الفجر، ثم إن هذا القول يتمشى مع يسر الإسلام وسهولته، ولا سيما في زماننا هذا نظراً لكثرة الحجاج وما يحصل من الزحام الشديد في أثناء النهار مما يتضرر معه بعض الناس من النساء وكبار السِّن، ويؤيد ذلك ما ورد عن عبد الرحمن بن سابط قال: (كانَ أصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَقدمُونَ حُجَّاجاً، فَيَدَعُونَ ظَهرَهُم، فَيَجِيؤُنَ فَيَرمُونَ بِالليلِ) (٢). وروى مالك عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه: أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيدة نُفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا، ولم يرَ عليهما شيئاً (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 2248

مشروعية الخطبة بمنى ٧٧١/ ٣١ - عن أَبي بَكْرَة ﵁ قال: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ ﷺ يوْمَ النَّحْرِ .... الحديث. مُتَّفَقٌ عليه. ٧٧٢/ ٣٢ - عن سَرَّاءَ بنتِ نَبْهَانَ ﵂ قالتْ: خَطَبَنَا رسُولُ اللهِ ﷺ يوْمَ الرُّؤُوسِ، فَقالَ: «أَلَيْسَ هذا أَوْسَطَ أَيَّامِ التِّشْريقِ؟ … » الحديث. رواه أبو داود بإسناد حسن. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي سراء - بفتح السين، وتشديد الراء - بنت نبهان - بفتح النون - ابن عمرو الغنوي (١)، قال ابن حبان: (لها صحبة)، لها حديث في حجة الوداع، وكانت ربة بيت في الجاهلية (٢)، روى عنها ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن الغنوي (٣). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث أبي بكرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الخطبة أيام منى» (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩) من طريق محمد بن سيرين، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن: حميدُ بن عبد الرحمن (٤)، عن أبي بكرة ﵁ قال:

стр. 2249

(خطبنا النبي ﷺ يوم النحر، قال: «أتدرون أيُّ يوم هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟»، قلنا: بلى، قال: «أيُّ شهر هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس ذو الحجة؟»، قلنا: بلى، قال: «أيُّ بلد هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس بالبلد الحرام؟»، قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلى يومِ تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟»، قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فربّ مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض») هذا لفظ البخاري. وأخرجه - أيضاً - من طريق أيوب، عن ابن سيرين، به، بنحوه (١). وأما حديث سراء ﵂، فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، بابٌ «أيَّ يومٍ يخطب بمنى» (١٩٥٣) من طريق ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن: حدثتني جدتي سراءُ بنت نبهان - وكانت رَبَّةَ بيت في الجاهلية - قالت … وذكرت الحديث. وجاء عند البيهقي زيادة، وفي آخرها: ( … فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلاً حتى مات) (٢). والحديث حسّنه النووي (٣)، مع أن في إسناده ربيعة بن عبد الرحمن، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يورد فيه جرحاً ولا تعديلاً (٤). وقال الذهبي: (تابعي فيه جهالة) (٥). وقال الحافظ: (مقبول). وذكره ابن حبان في «الثقات» (٦). ولعل من حسَّن حديثه اعتمد على أنه تابعي، وهو وإن كان فيه جهالة لكنه من كبار التابعين.

стр. 2250

الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الخطبة في منى، فيخطب الإمام، أو من ينيبه يوم النحر، ويخطب - أيضاً - ثاني أيام التشريق، وهو يوم (الرؤوس)، وسمي بذلك لأنهم يأكلون في هذا اليوم غالباً رؤوس الأضاحي والهدي إذا ذبحت يوم النحر. وينبغي أن تشتمل هذه الخطبة على الوصايا العامة، والحث على الالتزام بأحكام شرع الله تعالى، والدعوة إليه، والعناية بمسائل العقيدة، والتحذير من البدع، وكل ما رأى الخطيب أن له مناسبة يستفيد منها الجمع العظيم من حجاج بيت الله الحرام، والله تعالى أعلم.

стр. 2251

اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد ٧٧٣/ ٣٣ - عن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لهَا: «طَوَافُكِ بالبيتِ، وَبينَ الصَّفا والمَرْوَةِ يَكْفيكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ». رواهُ مسلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «بيان وجوه الإحرام» (١٢١١) (١٣٢) من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنها أهلّت بعمرة، فقدمت ولم تطفْ بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلَّت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. وفي رواية له (١٣٣): «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك». وأما اللفظ الذي ذكره الحافظ، فهو لأبي داود (١٨٩٧) من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة ﵂، به. وقد أعلَّ الشافعي هذه الرواية - كما نقله أبو داود - بأن ابن عيينة روى الحديث متصلاً بذكر عائشة ﵂، ومرسلاً بإسقاطها، وقد رجح أبو حاتم، والدارقطني رواية الإرسال (١). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن القارن يكفيه لحجه وعمرته

стр. 2252

طواف واحد وسعي واحد، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق (١)، ومما يدل على ذلك - أيضاً - حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع … وفيه: (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً … ) (٢). وهذا وما قبله نص صريح يدل على أن القارن يكتفي بطواف واحد لحجه وعمرته، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لم يطفِ النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً)، وفي رواية: (طوافه الأول) (٣). والقول الثاني: يلزم القارن طوافان: طواف لعمرته، وهو الذي بعد دخوله مكة، وطواف لحجه، وهو طواف الإفاضة، ويلزمه سعيان: أحدهما: لعمرته، والآخر: لحجته. وهذا مذهب أبي حنيفة (٤)، وهو مروي عن علي، وابن مسعود ﵄، ومجاهد، والشعبي (٥)؛ لأن القِران ضم عبادة الحج إلى عبادة أخرى، وهي العمرة، وذلك إنما يتحقق بأداء عمل كل واحد على الكمال، فلا تداخل في العبادت، فلذا يجب طوافان وسعيان. والصواب الأول، لقوة أدلته، ولأن النبي ﷺ كان قارناً ولم يطفْ بعد عرفة إلا طوافاً واحداً، وأما طوافه الأول حين قدم، فهو طواف قدوم، والله تعالى أعلم. الوجه الثالث: اختلف العلماء في المتمتع: هل يكفيه سعي واحد؟ قولان: الأول: أنه لا يكفيه؛ بل عليه سعيان؛ سعي لعمرته التي سيفرغ منها، وسعي لحجه بعد إفاضته من عرفة، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات عنه، وهو قول ابن حزم (٦)، ودليل ذلك

стр. 2253

قول عائشة ﵂: (فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالَبيتِ وبَالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِم، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافاً وَاحِداً) (١). تعني بذلك: الطواف بين الصفا والمروة على أصح الأقوال في تفسير الحديث. وأما قول من قال: إنها أرادت طواف الإفاضة؛ فليس بصحيح؛ لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع وقد فعلوه، ويؤيد ذلك قول ابن عباس ﵄: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «اجْعَلُوا إِهْلالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً إِلا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ»، فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ»، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الهَدْيُ … ) الحديث (٢)، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذا الحديث فيه علة (٣). القول الثاني: أن المتمتع يكفيه سعي واحد، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير (٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد، قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: (إنها أصح الروايتين) وقد اختار الشيخ هذا القول (٥)، وأَعَلَّ حديث عائشة ﵂ بما عزاه للمحققين من أهل الحديث من أن قولها: (فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة .. إلخ) مدرج من كلام الزهري، فلا يعارض الحديث الصحيح (٦)، وهو ما رواه جابر ﵁ أن النبي ﷺ وأصحابه: (لَمْ يَطُوفُوا بَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ إلا طَوَافاً وَاحِداً، طَوَافهُم الأوَّل) (٧).

стр. 2254

فهذا نص واضح في أن المتمتع يكفيه سعي واحد؛ لأن الصحابة ﵃ فيهم القَارِن وهو مَن كان معه هدي، وهؤلاء قلة (١)، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي. ومن رجح الأول قال: لا معارضة بين حديث جابر ﵁ وحديثي عائشة وابن عباس ﵃ بل يجمع بينهما من وجهين: الوجه الأول: أن يحمل حديث جابر على من ساق الهدي من الصحابة؛ لأنهم بقوا على إحرامهم مع النبي ﷺ حتى حلوا من الحج والعمرة جميعاً؛ لأنهم كانوا قارنين، والقارن يكفيه سعي واحد، ومثله المفرد. الوجه الثاني: أن سعي المتمتع رواه ابن عباس وعائشة ﵃، وعدم سعيه رواه جابر ﵁، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد، كما في مبحث الترجيح في الأصول (٢). ومن أخذ بالقول الثاني، واقتصر في تمتعه على سعي واحد، وهو ما فعله بعد طواف العمرة، فله سلف من صحابة رسول الله ﷺ ومن بعدهم، وفيه تيسير على الناس، وتخفيف للزحام، فإذا طاف بالبيت بعد الإفاضة فقد تمَّ حجه، قال الإمام أحمد في المتمتع: (إن طاف طوافين فهو أجود، وإن طاف طوافاً واحداً فلا بأس) وقال: (إن طاف طوافين فهو أعجب إليَّ) (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 2255

عدم مشروعية الرمل في طواف الإفاضة ٧٧٤/ ٣٤ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذي أَفاضَ فيهِ. رواه الخمسة إلا الترمذيَّ، وصحّحهُ الحاكِمُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الإفاضة في الحج» (٢٠٠١)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢١٨)، وابن ماجه (٣٠٦٠)، والحاكم (١/ ٤٧٥) من طريق عبد الله بن وهب قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄، به. وهذا إسناد ضعيف، فيه ابن جريج، وهو من المكثرين من التدليس، وقد عنعنه، وهو من الملازمين لعطاء، وقد روى أبو بكر بن أبي خثيمة بسنده عن ابن جريج أنه قال: إذا قلت: قال عطاء فأنا سمعته منه وإن لم أقل: سمعت (١)، وذكر الدارقطني في «الأطراف» (٢) أن الحديث أُعِلَّ بالإرسال، وأشار إلى ذلك ابن عبد الهادي، وصححه الألباني (٣). وأما عزوه للمسند، فالظاهر أنه وهم من الحافظ، وقد ذكر الحديث في «التلخيص» ونسبه لهؤلاء، ولم يذكر معهم أحمد (٤). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لم يَرْمُلْ) بفتح الياء وإسكان الراء وضم الميم مضارع رَمَل من

стр. 2256

باب قصد. وتقدم تفسير الرَّمَل بأنه الإسراع في المشي مع تقارب الخطا. قوله: (في السبع الذي أفاض فيه) بفتح السين؛ أي: سبع مرات، وبضمها، وهو الجزء من السبعة، من إطلاق الجزء على الكل، والمراد: سبع مرات. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الرمل لا يكون إلا في طواف القدوم - كما تقدم ـ، ولا يكون في طواف الإفاضة كما هو نص الحديث، وتقدم حديث ابن عمر ﵄: رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم، فإنه يسعى ثلاث أطواف بالبيت ويمشي أربعة. والله تعالى أعلم.

стр. 2257

حكم النزول بالأبطح ٧٧٥/ ٣٥ - عن أَنسٍ ﵁: أنَّ النّبيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ والمَغرِبَ والعِشاءَ، ثمَّ رقَدَ رَقْدَةً بالمُحَصَّبِ، ثمَّ رَكِبَ إلى البيتِ، فطافَ بِهِ. رواهُ البخاريُّ. ٧٧٦/ ٣٦ - وعن عائِشَةَ ﵂: أَنَّها لم تَكُنْ تَفْعَلُ ذلك - أَي: النُّزولَ بالأَبْطَحِ - وتقُولُ: إنَّما نَزَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ ؛ لأنّه كانَ مَنْزِلاً أَسْمحَ لِخُروجهِ. رواه مُسلمٌ. الكلام عليهما من وجهين: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «من صلى العصر يوم النفر بالأبطح» (١٧٦٤) من طريق ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن قتادة حدثه، عن أنس بن مالك ﵁، به. وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في باب «المحصَّب»، ومسلم (١٣١١) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: (نزول الأبطح ليس بسنّة، إنما نزله رسول الله ﷺ … ) الحديث، وهذا لفظ مسلم. ورواه مسلم (١٣١١) (٣٤٠) من طريق الزهري، عن سالم: أن أبا بكر وعمر وابن عمر ﵃ كانوا ينزلون الأبطح، قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك، وقالت: إنما نزله … الحديث. الوجه الثاني: اختلف العلماء في نزول النبي ﷺ بالمحصَّب - وهو بطحاء مكة ـ: هل هو على وجه القربة والعبادة، فيكون سنّة يقتدى بها؟ أم أنه

стр. 2258

منزل وقع في طريقه فارتاح فيه، فلا يكون النزول فيه سنة؟ على قولين: فذهب الخلفاء الراشدون وجمهور العلماء إلى أنه سنّة إن تيسر ذلك (١)، أخذاً بظاهر الأدلة، وبحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال لنا النبي ﷺ ونحن بمنى: «نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة»، حيث تقاسموا على الكفر، وذلك أن قريشاً وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب ألاَّ يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ؛ يعني بذلك المحصّب (٢). فهذا يؤيد أن النبي ﷺ نزله قصداً لبيان عزِّ الإسلام وظهوره وإبطال ما عليه أهل الكفر من الشر، وما تعاقدوا عليه من الباطل، فصار سنّة كالرَّمَل في الطواف. والقول الثاني: أن نزوله ليس بسنّة، وإنما نزله ﷺ لأنه أسمح لطريقه، وهذا قول ابن عباس وعائشة وبعض السلف كطاوس ومجاهد (٣). وهذه المسألة لا يترتب عليها كبير فائدة، ولا سيما في زماننا هذا، لعدم وجود المحصَّب، حيث شمله البنيان وتخطيط الشوارع، والله تعالى أعلم.

стр. 2259

حكم طواف الوداع ٧٧٧/ ٣٧ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يكونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالبيتِ، إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحائِضِ. مُتّفقٌ عليه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «طواف الوداع» (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨) (٣٨٠) من طريق سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، به. وفي رواية لمسلم (١٣٢٧) عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : «لا يَنْفِرَنَّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت». الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب طواف الوداع إذا فرغ الحاج من المناسك، ووجه الاستدلال من وجهين: الأول: الأمر بطواف الوداع، لقوله: (أُمِرَ الناس) والآمر هو النبي ﷺ ، بدليل رواية مسلم: «لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت»، ومثل هذه الصيغة لها حكم الرفع عند المحدثين. الثاني: أنه أُسقط عن الحائض وخُفف، والتعبير بالتخفيف في حقها لا يكون إلا من أمر مؤكد، ولو كان غير واجب لما كان لتخفيفه عن الحائض معنى. والقول بوجوب طواف الوداع، هو قول الجمهور من أهل العلم،

стр. 2260

وقالوا: إن تركه فعليه دم (١). والقول الثاني: أن طواف الوداع سنّة، ولا يلزم بتركه شيء، وهذا قول مالك وأصحابه، وداود الظاهري، وأحد القولين عن مجاهد (٢)، مستدلين بأن النبي ﷺ رخص للحائض في تركه، ولم يأمرها بدم ولا شيء، قالوا: فلو كان واجباً لأمر بجبره. والقول الأول أرجح، لقوة دليله، وإسقاطه عن الحائض لا يلزم منه سقوطه عن غيرها، وأما إيجاب الدم فيحتاج إلى دليل صالح لإثبات ذلك، وقد قال ابن المنذر بوجوبه إلا أنه لا يجب بتركه شيء (٣)، فالظاهر أن من تركه أَثِمَ على قاعدة ترك الواجب، وأما إيجاب الدم فلا. الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجب أن يكون طواف الوداع آخر شيء، ومعنى ذلك أنه لا يجوز الوداع قبل إتمام المناسك، كرمي الجمار في اليوم الثاني عشر. ولا يضر الانتظار بعد طواف الوداع لقضاء بعض حاجات السفر أو انتظار الرفقة، أو توديع الأقارب، أو إصلاح السيارة، أو حَبْسِ السير، ونحو ذلك مما لا يدل على البقاء اختياراً. الوجه الرابع: الحديث دليل على سقوط طواف الوداع عن الحائض؛ لأنها معذورة، لكونها ليست من أهل الطواف والصلاة، وهذا التخفيف دليل على أنها لا تنتظر الطهر، ولا يلزمها شيء بتركه؛ لأنه ساقط عنها من أصله. وإذا نفرت الحائض بغير وداع، فطهرت قبل مفارقة بنيان مكة، فإنها تغتسل وترجع للوداع، على قول جمهور أهل العلم؛ لأنها في حكم الإقامة، بدليل أنها لا تستبيح رخص السفر.

стр. 2261

فإن فارقت البنيان لم ترجع، على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنها خرجت عن حكم الحاضر (١). الوجه الخامس: اختلف العلماء: هل طواف الوداع من المناسك؟ على قولين: الأول: أنه من المناسك، وهذا أحد القولين عند الشافعية والمالكية، وهو ظاهر مذهب الحنفية (٢)، وقد نص الشافعي على أنه نسك (٣)، ونقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك (٤)، واستدلوا بقول ابن عمر ﵄: (لا ينفر أحدكم حتى يطوف بالبيت، فإن آخر النسك الطواف بالبيت) (٥)، فإخباره بأن طواف الوداع آخر المناسك دليل على أنه من مناسك الحج. القول الثاني: أنه ليس من المناسك؛ بل هو عبادة مستقلة، يؤمر بها كل من أراد مفارقة مكة، سواء كان مكياً أم آفاقياً، وهذا هو القول الثاني في مذهب الشافعية والمالكية، وهو مذهب الحنابلة (٦)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٧). واستدلوا بحديث العلاء بن الحضرمي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً» (٨). ووجه الدلالة: أن طواف الوداع يكون عند الرجوع، وسماه قاضياً للمناسك قبل الوداع.

стр. 2262

والقول بأنه من مناسك الحج قول قوي، فإن الرسول ﷺ أمر به الحجاج دون غيرهم من المعتمرين أو المقيمين، ولم يرد أنه أمر به أمراً مطلقاً، فدل على أنه نسك مختص بالحاج، ولا يلزم على القول بأنه من المناسك أنه يجب على المكي أو من أقام، بدليل أن طواف القدوم من المناسك، وهو لا يشرع لمن أحرم من مكة، فدل على أن هذه الملازمة غير لازمة، ومما يؤيد ذلك عموم قوله ﷺ : «لتأخذوا مناسككم»، فإنه يفيد أن ما أمر به الرسول ﷺ في هذه الحجة فهو مناسكها. وأما حديث العلاء فلا دلالة فيه؛ لأن المراد به قضاء المناسك المؤقتة بوقت معين كالوقوف والمبيت والرمي، أو يحمل على قضاء نسكه ومنها طواف الوداع (١). الوجه السادس: الحديث دليل على أن طواف الوداع خاص بالحج، وأن العمرة ليس لها وداع، وذلك من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ قال ذلك في حجة الوداع، وخاطب به الحجاج، كما تفيده رواية مسلم، ولم ينقل أنه قال ذلك في عمرة من عُمَرِهِ. الثاني: أن الأوصاف المذكورة لا تنطبق إلا على الحج؛ لأنه لولا الوداع لكان الناس ينفرون من منى بعد رمي الجمرات إلى حيث شاءوا، فَأُمروا أن يكون آخر عهدهم بالبيت. وقد نقل ابن رشد الإجماع على أنه ليس على المعتمر إلا طواف القدوم؛ أي: طواف العمرة (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2263

مضاعفة الصلاة في مسجدي مكة والمدينة ٧٧٨/ ٣٨ - عن ابنِ الزُّبيْرِ ﵄ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «صلاةٌ في مَسْجِدي هذا أَفضَلُ مِن أَلْفِ صَلاةٍ فيما سِوَاهُ إلا المَسجِدَ الحَرَامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحَرَامِ أَفضلُ من صلاةٍ في مسجدِي هذا بمائةِ صلاةٍ». رواهُ أحمدُ، وصحّحهُ ابنُ حبّان. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو بكر أو أبو خبيب، عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، أمه أسماء بنت أبي بكر ﵄، ولد في السنة الأولى من الهجرة، وأتت به أمه إلى رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، فدعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فمه، فكان أولَ شيء دخل جوفه ريقُ رسول الله ﷺ ، ثم دعا له. وهو أحد الشجعان من الصحابة ﵃، وأحد من ولي الخلافة منهم، كان كثير الصلاة والصيام، بويع بالخلافة سنة أربع وستين، عقب موت يزيد بن معاوية، وقتله الحجاج بمكة في جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٤١ - ٤٢)، وابن حبان (١٦٢٠) من طريق حماد بن زيد، قال: ثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير ﵄، به مرفوعاً.

стр. 2264

وهذا إسناد صحيح، وحبيب المعلم، هو ابن أبي قريبة، واسم ابن أبي قريبة زائدة مولى معقل بن يسار، وقد نقل ابن أبي حاتم توثيقه عن الإمام أحمد وابن معين وأبي زرعة (١)، وقال ابن عدي: (ولحبيب أحاديث صالحة، وأرجو أنه مستقيم الرواية) (٢)، ونقل الحافظ تضعيفه عن الإمام أحمد. وقال النسائي: (ليس بالقوي) (٣). وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤). وقد أخرج له البخاري متابعة، واحتج به مسلم. قال ابن عبد البر: (أسند حبيب المعلم هذا الحديث، وجوده ولم يَخْلِطْ في لفظه ولا معناه) (٥). الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة، وأن الصلاة في مسجد مكة تضاعف بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجد المدينة تضاعف بألف صلاة. وقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٦). وهذه المضاعفة دليل على فضل المسجدين، وما جعل الله فيهما من الخير العظيم، ومن ذلك هذه المضاعفة العظيمة للصلاة، ولهذا أبيح السفر إليها للتعبد فيها، أما غيرها من البقاع فلا يجوز شد الرحل إليها ولو كانت المساجد، مع فضلها وأنها أحب البقاع إلى الله تعالى، وقد تقدم ذلك في آخر باب «الاعتكاف». وهذه المضاعفة خاصة بالصلاة، أما غيرها من العبادات كالصيام والصدقة فليس هناك ما يدل على مضاعفتها، لكن فضل المكان له مزية على غيره. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المضاعفة في المدينة مختصة

стр. 2265

بالمسجد النبوي لا لكل المدينة، لقوله: «في مسجدي هذا»، ويدخل في ذلك ما زيد فيه؛ لأن عمر ﵁ زاد في المسجد من جهة القبلة أمام موقف النبي ﷺ إذا كان يصلي بأصحابه، والصحابة متوافرون، وكان عمر ﵁ يصلي بالصحابة ﵃ في تلك الزيادة، ولا يُظن بهم أنهم كانوا يعتقدون أن الصلاة في غير موضعهم أفضل. أما بالنسبة للمسجد الحرام، فقد اختلف العلماء: هل المضاعفة مختصة بالمسجد الذي يصلى فيه؟ أو أنها عامة لبيوت مكة وسائر بقاع الحرم؟ قولان: الأول: أن المضاعفة لكل ما هو داخل حدود الحرم، وهذا أحد قولي عطاء، فقد روى البيهقي من طريق عطاء، أنه قيل له: يا أبا محمد، هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم؟ قال: لا؛ بل في الحرم، فإن الحرم كله مسجد (١). وممن قال بذلك ابن حزم (٢)، وقدم الحافظ ابن حجر هذا القول (٣)، وصححه النووي، واختاره ابن القيم (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز. ودليل هذا القول أن لفظ المسجد الحرام ورد في القرآن خمس عشرة مرة، وله عدة اطلاقات، وقد جاء في بعضها مراداً به الحرم كله، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وقد ذكر ابن الجوزي: أن الإسراء كان من بيت أم هانئ عند أكثر المفسرين (٥). كما استدلوا بحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وهو حديث

стр. 2266

طويل جداً في قصة الحديبية، جاء فيه: (وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم، وهو مضطرب (١) بالحل … ) (٢). والقول الثاني: أن الفضل خاص بالمسجد الذي يُصلَّى فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم، وهو القول الثاني لعطاء (٣)، وقد قرره المحب الطبري، واختاره الشيخ محمد العثيمين (٤)، ولهم دليلان: الأول: حديث الباب، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ جعل الفضل بالنسبة لمسجد المدينة للمسجد نفسه لا لكل المدينة، فينبغي أن يكون الأمر بمكة كذلك (٥). الثاني: حديث ميمونة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة» (٦). والذي يظهر - والله أعلم - هو القول الأول، لقوة دليله، فإن الظاهر أن المسجد الحرام إذا أُطلق أُريد به العموم، كما ذكر ابن القيم. وأما حديث الباب فلا دلالة فيه، كما قال المحب الطبري؛ لأن المسجد الحرام له إطلاقات بخلاف مسجد المدينة، وأقربها العموم، كما تقدم، وأما حديث: «إلا مسجد الكعبة» فليس بصريح الدلالة على المراد، فإن

стр. 2267

مسجد الكعبة هو المسجد الحرام، والنصوص يفسِّر بعضها بعضاً، والنبي ﷺ لم يحدد مسجد الكعبة بحد معين؛ بل الظاهر من الإضافة هو التشريف (١)، والله أعلم.

стр. 2268

باب الفوات والإحصار الفوات: مصدر فات يفوت فوتاً وفواتاً: إذا سَبَقَ فلم يُدرك. والمراد هنا: عدم أداء الحج، لعدم التمكن من عرفة، لمرض منعه من الوقوف، أو لتأخر، أو لكونه ضل الطريق، ونحو ذلك، ولا فرق بين أن يكون لعذر أو لغير عذر، فلا يفترقان إلا في الإثم (١)، ولا يكون الفوات إلا في الحج، وأما العمرة فلا تفوت إلا تبعاً لحج القارن. ومع أن الحافظ بوَّب للفوات والإحصار إلا أنه لم يذكر شيئاً عن فوات الحج، وقد جاء في ذلك عدة آثار، منها ما روى مالك بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر أن يَحِلاَّ بعمرة، ثم يرجعا حلالاً، ثم يحجّان عاماً قابلاً، ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله (٢). والإحصار لغة: مصدر أحصره: إذا منعه، مرضاً كان الحاصر أو عدواً، فهو محصر، وحصره - أيضاً - حكاه غير واحد، فهو محصور، ومن أهل اللغة من خص الإحصار بما كان من العدو، والحصر من المرض. والمراد هنا: أن يحصل للإنسان مانع من إتمام النسك، من عدو، أو مرض، أو حبس، على أن بين الفقهاء خلافاً في الإحصار: هل هو خاص بالعدو؟ أو عام في كل مانع عن البيت وإتمام النسك؟ وهذا الخلاف سببه اختلاف أهل اللغة في معنى الإحصار، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 2269

حكم من أحصر عن العمرة ٧٧٩/ ١ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: قَدْ أُحْصِرَ رسولُ اللهِ ﷺ فَحلَقَ، وَجَامَعَ نِساءَهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ، حتى اعتَمَرَ عاماً قابِلاً. رواه البُخاريُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «المحصر»، باب «إذا أُحصر المعتمر» (١٨٠٩) من طريق يحيى بن صالح، حدثنا معاوية بن سلاَّم، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس ﵄ … وذكر الحديث، وفيه: فحلق رأسه. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من أحرم بعمرة ثم صده عن البيت عدو أنه يتحلل من عمرته، فيذبح هدياً إن تيسر، من شاة أو سُبْع بدنة أو سبع بقرة، ثم يحلق - على الراجح من قولي أهل العلم ـ، لفعله ﷺ ولأمره أصحابه بذلك ثم يلبس ثيابه، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا ريب أن الحاجة داعية إلى الحل؛ لأن البقاء على الإحرام فيه مشقة عظيمة، وهي منتفية شرعاً. وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية سنة ست، حينما صد المشركون النبي ﷺ وأصحابه عن دخول مكة، فنحروا هديهم، ثم حلقوا رؤوسهم، وتحللوا، ثم رجعوا إلى المدينة، ثم اعتمروا عمرة القضاء في السنة التي بعدها. والإحصار الذي وقع في زمن النبي ﷺ إنما هو في العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهذا من الإلحاق بنفي الفارق، وهو من أقوى الأقيسة كما عُلم في الأصول.

стр. 2270

الوجه الثالث: أجمع العلماء على أن المحصر إذا كان معه هدي لزمه نحره، وإنما اختلفوا فيما إذا لم يكن معه هدي: هل يلزمه شراؤه؟ على قولين: الأول: وجوب الهدي عليه، وأنه يلزمه شراؤه، وهذا قول الجمهور (١)، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فعليكم ما استيسر من الهدي، ووجه الدلالة: أنه عُلِّق ما استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على الشرط، فدل على لزومه بالإحصار لمن أراد التحلل به. والقول الثاني: أنه لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار، وهذا قول مالك، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن القيم (٢). وذلك لأن الصحابة ﵃ الذين كانوا مع النبي ﷺ كانوا ألفاً وأربعمائة (٣)، ولم يكن معهم كلهم هدي؛ بل كان هديهم سبعين بدنة. ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالهدي، وإنما أمرهم بالتحلل مطلقاً. وعلى قول الجمهور إذا لم يجد المحصر هدياً صام عشرة أيام، ثم حلَّ قياساً على هدي التمتع، ولكن هذا فيه نظر من وجوه: الأول: أن الصيام لم يذكر في القرآن. الثاني: أن ظاهر حال الصحابة ﵃ الذين كانوا مع النبي ﷺ أن فيهم الفقراء، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر من لم يجد الهدي بالصيام، والأصل براءة الذمة. الثالث: أن هدي التمتع هدي شكر للجمع بين النسكين، وهذا حُرِم من نسك واحد، فكيف يقاس هذا على هذا؟ فالظاهر أنه إن كان معه هدي ذبحه، كما تدل عليه الآية وفعل الصحابة ﵃، وإلا فلا شيء عليه (٤)، ويجزئ ذبح

стр. 2271

الشاة هدياً؛ لأن الله تعالى أوجب ذبح ما استيسر؛ أي: ما تيسر مما يسمّى هدياً. الوجه الرابع: لا خلاف بين أهل العلم أن المحصر يقضي إذا كان ما أحصر عنه حجاً واجباً بأصل الشرع أو بنذر، وإنما اختلفوا في قضاء التطوع، والراجح من قولي أهل العلم أنه ليس عليه قضاء النسك الذي أُحصر عنه إن كان تطوعاً؛ لأن الذين كانوا مع النبي ﷺ في عمرة القضاء أقل من الذين كانوا في عمرة الحديبية (١). وهذا - والله أعلم - يدل على أن النبي ﷺ لم يأمر الذين أحصروا معه بالقضاء، كما ذكر ذلك ابن القيم، وهذا هو ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى جعل الهدي هو جميع ما على المحصر، فدل على أنه يكتفى به منه (٢). وأما تسمية عمرة سنة سبع بعمرة القضاء فليس لكونها قضاء للعمرة التي صُدُّوا عنها - كما يقول من أوجب القضاء - وإنما هي للعمرة التي قاضاهم عليها وصالحهم عليها، فأضيفت العمرة إلى مصدر هذا الفعل؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر من كان معه حينما صُدَّ عن البيت بالقضاء، ولو كانت قضاءً لم يتخلف منهم أحد (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 2272

حكم الاشتراط عند الإحرام ٧٨٠/ ٢ - عن عائِشَةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ على ضُبَاعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ بنِ عبدِ المطلبِ ﵂ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إني أُريدُ الحَجَّ وأَنا شاكِيةٌ؟ فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حُجِّي، واشْتَرِطي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي». مُتفقٌ عليه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «النكاح»، باب «الأكفاء في الدين» (٥٠٨٩)، ومسلم في كتاب «الحج»، باب «جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه» (١٢٠٧) من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، به، بنحو حديث الباب، وفي آخره زيادة: «وكانت تحت المقداد بن الأسود». وهذه الجملة من الحديث هي التي من أجلها ذكر البخاري الحديث في كتاب «النكاح» ولم يذكره في كتاب «الحج»، ولهذا لم يتعرض البخاري لموضوع الاشتراط في الحج، ولم يذكر الحديث فيه على عادته في ذكر الحديث في كل موضع له فيه دلالة. وأما لفظ «البلوغ»، فهو لفظ مسلم من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، به. وجاء موضوع الاشتراط في حديث ابن عباس ﵄ في قصة ضباعة - أيضاً - رواه مسلم من عدة طرق (١٢٠٨). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (دخل النبي ﷺ على ضُبَاعَةَ .. ) بضم الضاد المعجمة، بنت

стр. 2273

الزبير بن عبد المطلب، بنت عمِّ النبي ﷺ ، تزوجها المقداد بن الأسود فولدت له عبد الله، وكريمة، مع أن المقداد كان من حلفاء قريش، وضباعة هاشمية، فهي فوقه في النسب، روت عن النبي ﷺ أحاديث يسيرة، وروت عن زوجها المقداد، وروى عنها ابن عباس وعائشة وبنتها كريمة وغيرهم، قال الذهبي: (بقيت ضباعة إلى ما بعد عام أربعين فيما أرى، ﵂ (١). قوله: (وأنا شاكية) جملة حالية من فاعل (أريد)، (شاكية) أي: تشتكي المرض. قوله: (واشترطي) الاشتراط معناه: أن من أراد الإحرام اشترط على ربه في إحرامه أنه إن عاقه عائق دون البيت من مرض أو عدو أو ضياع نفقة أو نحو ذلك، أنه يَحِلُّ من إحرامه. قوله: (محلي) بفتح الميم، وكسر الحاء؛ أي: محل خروجي من الإحرام بالحج أو العمرة. قوله: (حيث حبستني) أي: المكان والزمان الذي يحصل لي فيه الحبس، وهو مكان وزمان حلّي من الإحرام. الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن الاشتراط عند الإحرام مستحب مطلقاً؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك ضباعة بنت الزبير ﵂، وهذا قول جماعة من الصحابة ﵃، منهم: عمر وعلي وابن مسعود، وجماعة من التابعين، ومنهم: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن أبي يسار، وبه قال الإمام الشافعي، وأحمد، ونصره ابن حزم (٢). القول الثاني: أن الاشتراط غير مشروع مطلقاً ولا يفيد في التحلل، وهو قول ابن عمر، وطاوس، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، وأبي حنيفة (٣)، ولهم دليل وتعليل؛ أما الدليل فما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه كان ينكر

стр. 2274

الاشتراط ويقول: (أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ، إن حُبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلَّ من كل شيء، حتى يحج عاماً قابلاً، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً) (١). ويعني بذلك: أن النبي ﷺ حج حجة الوداع واعتمر أربع مرات ولم ينقل أنه ﷺ اشترط، ولا أمر أصحابه بذلك أمراً مطلقاً، وإنما أمر به من جاءت تستفتي؛ لأنها كانت شاكية، فخافت أن يصدها المرض عن البيت. وأما التعليل فهو لأن الحج عبادة تجب بأصل الشرع، فلم يُفِد الاشتراط فيها، كالصوم والصلاة، وأجابوا عن حديث ضباعة بأجوبة غير ناهضة (٢)، وقد أطنب ابن حزم في الردِّ على من أنكر الاشتراط بما لا مزيد عليه (٣). والقول الثالث: أن الاشتراط مشروع في حق من يخاف مانعاً من إتمام النسك، وأما من لا يخاف فالسنّة تركه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وهو أرجح الأقوال؛ لأنه به تجتمع الأدلة. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من اشترط عند إحرامه ثم حصل له ما يمنعه من مرض أو عدو أو ذهاب نفقة، أنه يحلل ويخرج من إحرامه، ولا يلزمه شيء لا قضاء ولا غيره. ووجه الاستدلال من الحديث: أن الرسول ﷺ أمر ضباعة بالاشتراط، ولو لم يكن فيه فائدة لما أمرها به، ولا فائدة له إلا ما ذُكر، وقد جاء في بعض روايات حديث ابن عباس في قصة ضباعة « … فإن لكِ على ربكِ ما استثنيتِ» (٥)، وفي رواية: «فإن ذلك لكِ»، والله تعالى أعلم.

стр. 2275

من حصل له مانع من إتمام نسكه ٧٨١/ ٣ - عَنْ عِكْرِمَةَ، عنِ الحَجَّاجِ بن عَمْرٍو الأنصاريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كُسِر أَوْ عَرَجَ فَقَد حَلَّ، وعليه الحَجُّ مِنْ قابِل»، قال عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابنَ عَبَّاسٍ وَأَبا هُرَيْرَةَ عنْ ذلكَ فقالا: صَدَقَ. رواهُ الخمسة، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: فأما عكرمة، فهو أبو عبد الله عكرمة مولى ابن عباس ﵄، أصله من البربر، وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها، سمع ابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد وعائشة ﵃ وغيرهم، قال عنه الحافظ في التقريب: (ثقة، ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة … )، وقد أخرج له البخاري في «صحيحه» ولم يلتفت إلى ما اتهم به، مما يدل على أنه ثقة عنده. روى الواقدي عن أبي بكر بن أبي سبرة قال: باع علي بن عبد الله بن عباس عكرمة على خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: ما خِيْرَ لك، بعتَ علم أبيك بأربعة آلاف دينار؟! فاستقاله، فأقاله، وأعتقه، مات سنة (١٠٥) على أحد الأقوال، وله ثمانون سنة (١)، ﵀.

стр. 2276

وأما الحجاج فهو ابن عمرو بن غزيَّة الأنصاري المازني ﵁، قال البخاري: (له صحبة). روى عنه كثير بن العباس، وعكرمة مولى ابن عباس، وعبد الله بن رافع، يُعَدُّ في أهل المدينة، روى له الأربعة حديثاً واحداً في الحج، وهو يدل على سماعه من النبي ﷺ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الإحصار» (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي (٥/ ١٨٩ - ١٩٩)، وابن ماجه (٣٠٧٧)، وأحمد (٢٤/ ٥٠٨ - ٥٠٩) من طريق الحجاج بن أبي عثمان الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، به. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وقد أخرجه أبو داود (١٨٦٣)، وابن ماجه (٣٠٧٨) - أيضاً - من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بمثله. وبمعناه رواه معاوية بن سلاَّم، عن يحيى، به. قال البخاري: (رواية معمر ومعاوية بن سلاَّم أصح) (٢). ونقل البيهقي عن علي بن المديني قوله: (الحجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير أثبت) (٣). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (من كُسر) بضم الكاف وكسر السين، أي: أصابه كسر في يده أو رجله مثلاً. قوله: (أو عَرَجَ) بفتح الراء، أي: أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإن كان خلقة قيل: عَرِج، بكسر الراء، وقد جاء في رواية أبي داود من طريق معمر، عن يحيى زيادة: «أو مَرِضَ».

стр. 2277

قوله: (فقد حَلَّ) أي: حَلَّ من إحرامه، فيجوز له أن يرجع إلى بلده، ولا شيء عليه. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المحرم بحج أو عمرة إذا أصابه عذر منعه من إكمال نسكه من كسر أو مرض أو حادث، فإنه يحل من إحرامه بحصول ذلك المانع، وتقدم حكم القضاء. الوجه الخامس: استدل بالأثر من قال: إن الإحصار يتحقق بكل ما يمنع المحرم من المضي في نسكه من عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة، ونحو ذلك. وبه قال بعض الصحابة والتابعين؛ كابن مسعود ﵁ ومجاهد وعطاء وقتادة والنخعي وغيرهم (١)، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن القيم، وقال الزركشي: (لعلها أظهر) (٤)، وهو اختيار البخاري، فإنه ساق بعد الآية - تعليقاً - قول عطاء: (الإحصار من كل شيء يحبسه) (٥)، قال ابن القيم: (لو لم يأت نص بحلِّ المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه؟) (٦) واختار ذلك - أيضاً - الشيخ عبد العزيز بن باز. والقول الثاني: أن الإحصار خاص بحصر العدو دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وابن الزبير ﵃، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه (٧)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا

стр. 2278

اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وقد تقدم أنها نزلت في صدَّ المشركين النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية، كما استدلوا بقول ابن عباس ﵄: (لا حصر إلا من العدو) (١). كما استدلوا - أيضاً - بما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (من حُبس دون البيت بمرض، فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة) (٢). وعلى هذا القول فالمحصر بالمرض ونحوه لا يتحلل من إحرامه - إن لم يكن قد اشترط ـ؛ بل يبقى محرماً إلى أن يبرأ من مرضه، ثم يكمل النسك، فإن فاته الوقوف تحلل بعمرة. وحملوا حديث عكرمة المذكور في هذا الباب الدال على أنه يتحلل على ما إذا اشترط عند الإحرام، بدليل حديث عائشة ﵂ في قصة ضباعة بنت الزبير - كما تقدم - وهذا القول حكاه البغوي عن بعض العلماء (٣)، وهو قول فقهاء الشافعية، كما حكاه النووي (٤)، وهو اختيار الشنقيطي (٥). والقول الأول، وهو أن الإحصار عام قول قوي، فكل من عاقه عائق عن البيت، تحلل بذبح الهدي إن كان معه، ثم بالحلق أو التقصير، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ … ﴾ أي: منعتم عن إتمامها، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو (٦). وليس على المحصر إذا تحلل قضاء، إلا أن يكون الحج الذي أُحصر عنه واجباً - كما تقدم ـ. لكن قد يشكل على ذلك حديث عائشة ﵂ في الاشتراط، فقد يقال: لو كان سيتحلل مطلقاً من الإحصار بالمرض - مثلاً - ما احتاجت ضباعة بنت

стр. 2279

الزبير إلى الاشتراط، وقد تولى ابن القيم الإجابة عن هذا الإشكال بأن الاشتراط يفيد جواز الإحلال، وسقوط الدم (١). والله تعالى أعلم. انتهى الجزء الخامس ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء السادس وأوله: كتاب «البيوع»

стр. 2280

كتاب البيوع باب شروطه وما نُهي عنه البيوع: جمع بيع، وهو مصدر يقع على القليل والكثير بلفظ واحد، لكن جَمَعَهُ المصنف لاختلاف أنواعه، كما سيأتي. والبيع لغة: أخذ الشيء وإعطاء الشيء، وهو يطلق على بيع الشيء، الذي هو ضد شرائه، وهو أشهر إطلاقاته، ويطلق على الشراء، فتكون بعت بمعنى: اشتريت، وعلى هذا فهو من الأضداد (١). وشرعًا: معاوضةُ عينٍ أو منفعةٍ بمثلهما ولو في الذمة على الوجه المشروع (٢). فالعين: كالدار والسيارة والكتاب. والمنفعة: كممر في دار. وقولنا: (بمثلهما) أي: عين بعين، أو عين بمنفعة، أو منفعة بمنفعة، أو منفعة بعين. وقولنا: (ولو في الذمة) مثل: كتاب صفته كذا أو سيارة صفتها كذا. وقولنا: (على الوجه المشروع) لإخراج الربا؛ فإن فيه معاوضة، لكنه ليس بمشروع، بل هو محرم، كما سيأتي إن شاء الله.
следующие страницы →