← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وأما الحجاج فهو ابن عمرو بن غزيَّة الأنصاري المازني ﵁، قال البخاري: (له صحبة). روى عنه كثير بن العباس، وعكرمة مولى ابن عباس، وعبد الله بن رافع، يُعَدُّ في أهل المدينة، روى له الأربعة حديثاً واحداً في الحج، وهو يدل على سماعه من النبي ﷺ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الإحصار» (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي (٥/ ١٨٩ - ١٩٩)، وابن ماجه (٣٠٧٧)، وأحمد (٢٤/ ٥٠٨ - ٥٠٩) من طريق الحجاج بن أبي عثمان الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، به. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وقد أخرجه أبو داود (١٨٦٣)، وابن ماجه (٣٠٧٨) - أيضاً - من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بمثله. وبمعناه رواه معاوية بن سلاَّم، عن يحيى، به. قال البخاري: (رواية معمر ومعاوية بن سلاَّم أصح) (٢). ونقل البيهقي عن علي بن المديني قوله: (الحجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير أثبت) (٣). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (من كُسر) بضم الكاف وكسر السين، أي: أصابه كسر في يده أو رجله مثلاً. قوله: (أو عَرَجَ) بفتح الراء، أي: أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإن كان خلقة قيل: عَرِج، بكسر الراء، وقد جاء في رواية أبي داود من طريق معمر، عن يحيى زيادة: «أو مَرِضَ».

стр. 2277

قوله: (فقد حَلَّ) أي: حَلَّ من إحرامه، فيجوز له أن يرجع إلى بلده، ولا شيء عليه. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المحرم بحج أو عمرة إذا أصابه عذر منعه من إكمال نسكه من كسر أو مرض أو حادث، فإنه يحل من إحرامه بحصول ذلك المانع، وتقدم حكم القضاء. الوجه الخامس: استدل بالأثر من قال: إن الإحصار يتحقق بكل ما يمنع المحرم من المضي في نسكه من عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة، ونحو ذلك. وبه قال بعض الصحابة والتابعين؛ كابن مسعود ﵁ ومجاهد وعطاء وقتادة والنخعي وغيرهم (١)، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن القيم، وقال الزركشي: (لعلها أظهر) (٤)، وهو اختيار البخاري، فإنه ساق بعد الآية - تعليقاً - قول عطاء: (الإحصار من كل شيء يحبسه) (٥)، قال ابن القيم: (لو لم يأت نص بحلِّ المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه؟) (٦) واختار ذلك - أيضاً - الشيخ عبد العزيز بن باز. والقول الثاني: أن الإحصار خاص بحصر العدو دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وابن الزبير ﵃، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه (٧)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا

стр. 2278

اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وقد تقدم أنها نزلت في صدَّ المشركين النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية، كما استدلوا بقول ابن عباس ﵄: (لا حصر إلا من العدو) (١). كما استدلوا - أيضاً - بما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (من حُبس دون البيت بمرض، فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة) (٢). وعلى هذا القول فالمحصر بالمرض ونحوه لا يتحلل من إحرامه - إن لم يكن قد اشترط ـ؛ بل يبقى محرماً إلى أن يبرأ من مرضه، ثم يكمل النسك، فإن فاته الوقوف تحلل بعمرة. وحملوا حديث عكرمة المذكور في هذا الباب الدال على أنه يتحلل على ما إذا اشترط عند الإحرام، بدليل حديث عائشة ﵂ في قصة ضباعة بنت الزبير - كما تقدم - وهذا القول حكاه البغوي عن بعض العلماء (٣)، وهو قول فقهاء الشافعية، كما حكاه النووي (٤)، وهو اختيار الشنقيطي (٥). والقول الأول، وهو أن الإحصار عام قول قوي، فكل من عاقه عائق عن البيت، تحلل بذبح الهدي إن كان معه، ثم بالحلق أو التقصير، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ … ﴾ أي: منعتم عن إتمامها، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو (٦). وليس على المحصر إذا تحلل قضاء، إلا أن يكون الحج الذي أُحصر عنه واجباً - كما تقدم ـ. لكن قد يشكل على ذلك حديث عائشة ﵂ في الاشتراط، فقد يقال: لو كان سيتحلل مطلقاً من الإحصار بالمرض - مثلاً - ما احتاجت ضباعة بنت

стр. 2279

الزبير إلى الاشتراط، وقد تولى ابن القيم الإجابة عن هذا الإشكال بأن الاشتراط يفيد جواز الإحلال، وسقوط الدم (١). والله تعالى أعلم. انتهى الجزء الخامس ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء السادس وأوله: كتاب «البيوع»

стр. 2280

كتاب البيوع باب شروطه وما نُهي عنه البيوع: جمع بيع، وهو مصدر يقع على القليل والكثير بلفظ واحد، لكن جَمَعَهُ المصنف لاختلاف أنواعه، كما سيأتي. والبيع لغة: أخذ الشيء وإعطاء الشيء، وهو يطلق على بيع الشيء، الذي هو ضد شرائه، وهو أشهر إطلاقاته، ويطلق على الشراء، فتكون بعت بمعنى: اشتريت، وعلى هذا فهو من الأضداد (١). وشرعًا: معاوضةُ عينٍ أو منفعةٍ بمثلهما ولو في الذمة على الوجه المشروع (٢). فالعين: كالدار والسيارة والكتاب. والمنفعة: كممر في دار. وقولنا: (بمثلهما) أي: عين بعين، أو عين بمنفعة، أو منفعة بمنفعة، أو منفعة بعين. وقولنا: (ولو في الذمة) مثل: كتاب صفته كذا أو سيارة صفتها كذا. وقولنا: (على الوجه المشروع) لإخراج الربا؛ فإن فيه معاوضة، لكنه ليس بمشروع، بل هو محرم، كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 2281

وجواز البيع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، والنظر الصحيح يقتضيه، فإن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وهو لا يبذله له بغير عوض غالبًا. ثم إن اتساع أمور المعاش وبقاء العالم يقتضيه؛ لأن المحتاج يميل إلى ما في يد غيره، فبغير المعاملة يفضي الأمر إلى التنازع والتقاتل، أو النهب والسرقة. فجاءت هذه الشريعة الكاملة الشاملة بإباحته وتنظيمه على أكمل الوجوه، وأيسر السبل، مع البعد عن الظلم والفوضى، وبذر العداوة والبغضاء. والشروط: جمع شرط، وقد تقدم تعريفه في "شروط الصلاة"، وللبيع شروط ذكرها الفقهاء بالتتبع والاستقراء لنصوص الشريعة، وسيتضح ذلك -إن شاء الله تعالى- في أحاديث الباب. وقوله: (وما نُهي عنه) أي: ما ورد النهي عنه من أنواع البيوع.

стр. 2282

فضل البيع المبرور ٧٨٢/ ١ - عَنْ رِفَاعَةَ بِنِ رَافعٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَال: "عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيعِ مَبْرُورٍ"، رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: يحتمل أنه رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الخزرجي الزُّرَقِي، أمه أخت عبد الله بن أُبي رأس المنافقين، شهد بدرًا وأُحدًا وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر الصديق وعبادة بن الصامت ﵄، وروى عنه ابناه عبيد ومعاذ وغيرهما، توفي في أول إمارة معاوية سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، ﵁ (١). ويحتمل أنه رفاعة بن رافع بن خديج، وهو تابعي، روى عن أبيه رافع، وعنه ابنه عباية، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عنه الحافظ في "التقريب": (ثقة)، مات في ولاية الوليد بن عبد الملك (٢). ° الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البزار (٩/ ١٨٣) من طريق إسماعيل بن عمر، قال: نا المسعودي، عن وائل بن داود، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه ﵁. وأخرجه الحاكم (٢/ ١٠) من طريق المسعودي، عن وائل، عن عَباية بن رافع بن خديج، عن أبيه، به (٣).

стр. 2283

وقول الحافظ في "البلوغ": (عن رفاعة بن رافع)، يحتمل أنه رفاعة بن رافع بن مالك، فرواه عنه ابنه عبيد، والحديث متصل لا إرسال فيه؛ لأن رفاعة صحابي، كما تقدم. ويحتمل أنه رفاعة بن رافع بن خديج فيكون مرسلًا؛ لأنه تابعي، كما تقدم، وقد ساقه الحافظ في "التلخيص" (١) على أنه من حديث رافع بن خديج، واعتبر رواية البزار من تخليط المسعودي؛ لأن إسماعيل بن عمر أخذ عنه بعد الاختلاط. وقد اختلف في هذا الحديث على وائل بن داود، فرواه الثوري، عن وائل، عن سعيد بن عمير، عن عمه، به، متصلًا أخرجه الحاكم، ورواه الثوري -أيضًا- عن وائل، عن سعيد بن عمير، به، مرسلًا. أخرجه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ١٧٩ - ١٨٠)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (١١٧١)، ورواه شريك، عن وائل، عن جُميع بن عمير، عن خاله أبي بردة، به، أخرجه الحاكم -أيضًا- (٢/ ١٠)، وأخرجه البزار (٩/ ٢٥٩)، وقال: (عن عمه) بدل (عن خاله). وهذا إسناد معلول غلط فيه شريك -وهو ابن عبد الله القاضي- من وجهين: الأول: في قوله: (جُميع بن عمير) وإنما هو سعيد بن عمير، كما ترجمه البخاري في "تاريخه" (٢). الثاني: وَصْلُهُ، وإنما رواه غيره عن وائل بن داود مرسلًا، إضافة إلى أن شريكًا قد اختلف عليه، قال البخاري: (أسنده بعضهم، وهو خطأ)، وقال أبو حاتم بعد سياقه مرسلًا: (والمرسل أشبه) (٣)، وقد ساقه البيهقي من طريق محمد بن عبيد. ثنا وائل بن داود، عن سعيد بن عبيد، قال: سئل النبي ﷺ … الحديث، ثم قال: (هذا هو المحفوظ مرسلًا) (٤).

стр. 2284

وبهذا يتبين أن هذا الحديث قد أعله كبار المحدثين، وله شاهد من حديث ابن عمر ﵄ عند الطبراني (١)، قال عنه أبو حاتم: (حديث باطل)، وآخر من حديث علي ﵁، وهو كالذي قبله (٢). ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أي الكسب أطيب) الكسب: هو السعي في طلب الرزق والمعيشة، وقال الشيباني: (الاكتساب: تحصيل المال بما يحل من الأسباب) (٣). قوله: (أطيب) أي: أحل وأبرك؛ لأن الطيب هو الحلال (٤). قوله: (عمل الرجل بيده) لفظ (الرجل) خرج مخرج الغالب؛ لأن الرجل هو المطالب بتهيئة القوت والمسكن وتوابع ذلك، والمرأة مثل الرجل في ذلك إذا احتاجت للإنفاق على نفسها أو أولادها. وعمل اليد: كالزراعة والصناعة والنجارة والحدادة والكتابة، ونحو ذلك. وقوله: (وكل بيع مبرور) هو ما توفرت فيه شروطه وأركانه، وانتفت موانعه ومفسداته، وقام على الصدق وبيان الحقيقة، وخلا من الغش والخداع. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن التكسب والسعي في طلب الرزق الحلال لا ينافي التوكل على الله تعالى، بل هو من فعل الأسباب المأمور بها شرعًا؛ لأن الرسول ﷺ أقر السائل عن أطيب الكسب، وأجابه عن سؤاله فأرشده إلى أطيب المكاسب. والتكسب هو طريق المرسلين الذين أمرنا الله تعالى بالاقتداء بهديهم، قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقد كان زكريا ﵇ نجارًا (٥)، وكان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده (٦)، والنبي ﷺ رعى الغنم على قراريط لأهل مكة (٧)، واتجر بمال خديجة ﵂ (٨).

стр. 2285

° الوجه الخامس: حرص الصحابة ﵃ على الكسب الحلال وعلو همتهم حيث لم يسألوا عن الأكثر، وإنما سألوا عن الأطيب، وهذا هو الواجب على كل مسلم يتعاطى البيع والشراء أن يكون هدفه المال الطيب الحلال فإن فيه بركة، لا أن تكون الكثرة هي همّه؛ لأنه قد لا يكون فيها بركة. ° الوجه السادس: أن عمل الرجل بيده أصل المكاسب؛ لأن الرسول ﷺ قدمه على البيع المبرور، وقال ﷺ : "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده … " (١). وقد وقع الخلاف بين أهل العلم في أفضل المكاسب، فمنهم من فضَّل الزراعة والحراثة، ومنهم من فضل البيع والشراء، ومنهم من فضَّل الصناعات والحرف، ولكل قائل وجهة نظر، والذي يظهر -والله أعلم- أن هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والنبي ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" (٢). ويرى الشيباني في كتابه "الكسب" أنه لا داعي لهذه المفاضلة؛ لأن المجتمع بحاجة إلى جميع الحِرَف والمِهَن من زراعة ونجارة وصناعة، والرسول ﷺ يقول: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (٣). لكن إن ثبت حديث الباب فهو نص واضح في أن أفضل المكاسب عمل الرجل بيده، وأفضل المكاسب وأشرفها ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى (٤). ° الوجه السابع: في تمجيد الإسلام للعمل والترغيب فيه إعزاز للعمال أنفسهم، وإشادة بالجهد القيم الذي يبذلونه في سبيل طلب الرزق، وإكرام أنفسهم عن ذل السؤال ومنن الرجال.

стр. 2286

ما نُهي عن بيعه ٧٨٣/ ٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: "إِنَّ اللهَ ورَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ شُحومَ الْمَيتَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَال: "لا، هُوَ حَرَامٌ"، ثُمَّ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، أولها في كتاب "البيوع"، باب "بيع الميتة والأصنام" (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١) من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄. وقد تكلم العلماء في هذا الحديث من جهة أن يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من عطاء، وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: "يزيد بن أبي حبيب عن عطاء، هو من حديث محمد بن إسحاق، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ ، ولا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئًا" (١). لكن جاء ما يدل على أن عطاء قد كتب بهذا الحديث إلى يزيد -كما

стр. 2287

في رواية أحمد (٢٢/ ٣٧٧ - ٣٨٨) من طريق أبي عاصم، حدثنا عبد الحميد، قال: وأخبرني يزيد بن أبي حبيب أن عطاء كتب إليَّ (١) يذكر أنه سمع جابرًا … وهذا ينفي الواسطة بينهما، والكتابة من طرق التحمُّل المعتبرة عند جمهور المحدثين، ولهذا أخرج البخاري هذا الحديث في "صحيحه" وذكر إثره تعليقًا رواية أحمد المذكورة، وكذا رواه مسلم من طريق محمد بن المثنى، عن أبي عاصم، به. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عام الفتح) أي: فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة، وفيها بيان تاريخ التحريم، ويحتمل أن يكون التحريم قبل ذلك وأعاده ﷺ ليسمعه من لم يكن سمعه. قوله: (إن الله ورسوله حرَّم) هذه رواية "الصحيحين" بإسناد الفعل (حرَّم) إلى ضمير الواحد، وكان القياس (حرما)، وفي بعض الروايات: "إن الله حرم"، وعند ابن مردويه في "تفسيره" من طريق الليث: "إن الله ورسوله حرَّما". والأظهر جواز إفراد الضمير في مثل هذا، إشارة إلى أن أمر النبي ﷺ وحكمه ناشئ وتابع لأمر الله تعالى وحكمه، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] ونظيره حديث أنس ﵁ عن الحُمُر الأهلية: "إن الله ورسوله ينهيانكم"، وعند النسائي: "ينهاكم"، أو يكون من باب الحذف والاكتفاء، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. قوله: (الخمر) هي ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء كان من العنب أو التمر أو الشعير أو غيرها، وسواء كان مطبوخًا أو غير مطبوخ، فالمدار على الإسكار وغيبوبة العقل، كما سيأتي في "بابه" إن شاء الله. قوله: (والميتة) اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة شرعية، وقد يسمى المذبوح في بعض الأحيان ميتة حكمًا كذبيحة المرتد. قوله: (والخنزير) حيوان نجس العين، قبيح الشكل، قذر، ومعظم غذائه القاذورات، ويأكل الجيف حتى جيف أقرانه.

стр. 2288

قوله: (والأصنام) جمع صنم -بالتحريك- وهو ما كان منحوتًا على شكل صورة البشر، أو على أيِّ صورة، والوثن: كل ما عبد من دون الله من قبر وغيره، فالفرق بينهما: أن الصنم يكون على شكل صورة وهيئة، وأما الوثن فهو جثة بلا صورة، وقال الجوهري: (الصنم هو الوثن) (١). قوله: (أرأيت شحوم الميتة) أي: أخبرني عن حكم بيع شحوم الميتة، فهل يحل بيعها لما فيها من المنافع التي تقتضي صحة بيعها، أو أخبرني عن حكم الانتفاع بشحوم الميتة. قوله: (فإنها تطلى بها السفن) جملة تعليلية، والمعنى: تدهن السفن بالشحوم بعد أن تذاب، ليمنع ذلك تَشَرُّبَ الخشب للماء. وكأن السائل طلب من النبي ﷺ تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز؛ لما فيها من المنافع، كما طلب العباس ﵁ من الرسول ﷺ تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز. قوله: (وتدهن بها الجلود) أي: بعد دبغ الجلود تدهن بالشحوم بعد إذابتها لتلين. قوله: (ويستصبح بها الناس) أي: يستضيؤن بها حيث يجعلون الشحم المذاب في المصابيح، وهي السرج. قوله: (فقال: لا) أي: لا يحل بيعها، أو لا تبيعوها، أو لا تنتفعوا بها. قوله: (هو حرام) جملة فيها معنى التعليل، أي: لا تبيعوها فإن بيعها حرام، على القول بأن الضمير يعود على البيع، وهو تفسير الشافعي، وعزاه ابن القيم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، لأن السائل سأل عن البيع، وقد ذكر الحافظ أنه في رواية أحمد: (فما ترى في بيع شحوم الميتة؟) (٣)، ولأن الكلام

стр. 2289

مسوق لبيان حكم البيع، فإن النبي ﷺ لما ذكر تحريم بيع الميتة طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكرها. ولقوله في آخر الحديث: "جملوه، ثم باعوه". والقول الثاني: أن الضمير عائد على الانتفاع والأفعال المسؤول عنها، وقال: "هو حرام" ولم يقل: هي؛ لأنه أراد المذكور جميعه، ويؤيد ذلك أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، ومن جهة المعنى أن إباحة هذه الأشياء ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها. والحديث محتمل لرجوع الضمير إلى البيع أو رجوعه إلى الانتفاع، والأول أقرب إلى السياق، كما تقدم. قوله: (قاتل الله اليهود) أي: أهلكهم؛ لأن من قاتله الله فقد هلك، وهذا دعاء عليهم بالهلاك، وقيل معناه: لعنهم الله وطردهم من رحمته، ذكر هذا المفسرون عند قوله تعالى في سورة براءة: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (١)، وقد ورد في حديث ابن عباس ﵄ قال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرًا، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود، حُرمت عليهم الشحوم فجملوها، فباعوها" (٢). قوله: (جملوه) بفتح الجيم والميم المخففة؛ أي: أذابوه حتى يصير وَدَكًا، فيزول عنه اسم الشحم، احتيالًا على الوقوع في المحرم، حيث حُرِّم عليهم الشحم، فباعوه وأكلوا ثمنه، وذلك لأن الشحم المذاب لا يطلق عليه لفظ الشحم في عرف العرب، بل يسمونه: الودك، والضمير في قوله: "جملوه" يعود على الشحوم بتأويله بلفظ: المذكور. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بيع الخمر وعملها وشربها لما فيها من المفاسد وضياع العقل، ولنجاستها على قول الجمهور، كما تقدم في "الطهارة".

стр. 2290

والخمر تحتوي على مواد كيميائية كثيرة، وأهمها مادة "الغَول الإيتيلي" وهو السبب في جميع أضرار تعاطي الخمور بأنواعها، وتوجد في غيرها من المشروبات الأخرى بنسب متفاوتة، وأكثر الأجهزة تأثرًا بهذه المادة هو الدماغ، ثم بقية أجزاء البدن، حسب ما أفاده العلم الحديث (١). ويدخل في اسمها كل مسكر من سائل وجامد أُخذ من أي شيء، سواء كان من عنب أو تمر أو شعير أو غيرها مما ظهر في هذا العصر، كما يدخل في ذلك الحشيش والقات والدخان فكلها خبائث لا يحل بيعها ولا تعاطيها، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "كل مسكر خمر" (٢)، ومن شروط البيع أن تكون العين مباحة النفع، وهذه غير مباحة. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم بيع الخنزير ولحمه وشحمه وجلده وجميع أجزائه؛ لأن عينه نجسة، وفيه مضار عظيمة، فقد أثبت العلم الحديث أن الخنزير ينقل بمفرده إلى الإنسان (٢٧) مرضًا، منها: تليف الكبد، وعسر الهضم، وتصلب الشرايين، والعقم، وكثرة الأكياس الدهنية … ، وقد ذكر بعض الباحثين أن لحم الخنزير وشحمه له تأثير سيء على العفة والغيرة على العرض (٣). قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] والرجس: هو الشيء القذر، والضمير يعود على الخنزير -على أحد القولين (٤) -؛ لأنه أقرب مذكور، ولأنه ذكَّر الضمير وأتى بالفاء و (إنّ) تنبيهًا على علة التحريم لتنزجر النفوس عنه، فإن الخنزير يأكل النجاسات والجيف، وتحريمه يدل على خبثه وقذارته، وتخصيص اللحم في الآية لأنه هو المقصود في العادة بالأكل. ° الوجه الخامس: تحريم بيع الميتة بجميع أجزائها، ويكون هذا الحديث مخصصًا لحديث: "إنما حَرُمَ أكلها" (٥)، فإنه يدل بمفهومه على أن ما

стр. 2291

عدا الأكل حلال، ويستثنى من ذلك السمك والجراد لحل ميتته، وما لا تدخله الحياة كالشعر والصوف والوبر والريش؛ لأنه لا يكتسب من خبثها، ولا يصدق عليه أنه ميتة، وهذا قول الجمهور (١)، وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها؛ لأن اسم الميتة يتناولها. وأما حكم الجلد فتقدم الكلام عليه في باب "الآنية" من كتاب "الطهارة". وقد اختلف العلماء في حكم الانتفاع بشحوم الميتة، وسبب الخلاف مرجع الضمير في قوله: "هو حرام" هل يعود على البيع أو على الانتفاع؟. فالقول الأول: أنه لا يجوز الانتفاع بشحوم الميتة، وعزاه النووي إلى الجمهور (٢)، قالوا: لأن الضمير يعود على الانتفاع؛ لأنه أقرب مذكور، ولأن إباحة الانتفاع ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀. والقول الثاني: يجوز الانتفاع بشحوم الميتة في غير الأكل، كطلي السفن، والاستصباح، ونحو ذلك، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٣)، واستدلوا بقول النبي ﷺ : "إنما حَرُمَ من الميتة أكلها"، ولأن الرسول ﷺ ثبت عنه أنه نهى الصحابة ﵃ عن الاستسقاء من آبار ثمود، وأباح لهم أن يطعموا ما عجنوا من تلك الآبار للبهائم (٤). وهذا قول قوي؛ لأن الانتفاع بالشحوم في غير الأكل انتفاع محض لا مفسدة فيه، فيجوز الانتفاع بها في مثل ذلك دون بيعها، وقد ذكر ابن القيم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، إذ لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع (٥).

стр. 2292

° الوجه السادس: تحريم بيع الأصنام؛ لأنها تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك، فإن كان ينتفع بها بعد تكسيرها، فقد أجاز بيعها بعض العلماء، ومنعه آخرون، فمن منعه نظر لظاهر النهي وإطلاقه، ومن أجازه اعتمد على الانتفاع، وتأول الحديث على ما لم ينتفع برضاضه. ويدخل في الأصنام تماثيل الزعماء التي تنصب في الميادين والشوارع العامة، ففيها فتنة وغلو يَجُرُّ إلى الشرك، كما يدخل في ذلك الصليب الذي هو شعار النصارى، والكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله تعالى، ذكر هذا ابن القيم (١). ° الوجه السابع: تحريم الحيل؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنها، ولعن فاعلها، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٢). ° الوجه الثامن: أن التحيل على محارم الله تعالى سبب لغضب الله ولعنه؛ لأن المتحيل عاصٍ معاندٌ مخادع لله تعالى، وهو متشبه باليهود المغضوب عليهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقد كثرت الحيل في عصرنا ولا سيما في أمور البيع والشراء، وذلك لضعف الإيمان والخوف من الله تعالى والاستهانة باحكام الشريعة، وافتتان الناس بالدنيا وحطامها. ° الوجه التاسع: أن كل ما حرمه الله على العباد فبيعه حرام؛ لتحريم ثمنه، وقد دل على ذلك حديث ابن عباس ﵄: " … إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 2293

الحكم في اختلاف البائع والمشتري ٧٨٤/ ٣ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، وَلَيسَ بَينَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَانِ"، رَوَاهُ الخَمْسَة، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، باب "إذا اختلف البيعان والمبيع قائم" (٣٥١١)، والنسائي (٧/ ٣٠٢، ٣٠٣)، والحاكم (٢/ ٤٥)، والبيهقي (٥/ ٣٣٢) من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قال: اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخُمُسِ من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث، وهذا السياق لأبي داود، والنسائي اقتصر على المرفوع منه فقط. قال البيهقي: (هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه، بأسانيد مراسيل، إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًّا)، وقال شيخه الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي. وتصحيح الحاكم فيه نظر؛ فإن ابن القطان قد أعل هذا الحديث بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه وجده ذكر ذلك في "بيانه"، ونقله عنه الحافظ في "التلخيص" (١).

стр. 2294

وأخرجه الترمذي (١٢٧٠)، وأحمد (٧/ ٤٤٤) من طريق ابن عجلان، قال: حدثني عون بن عبد الله، عن ابن مسعود ﵁، مرفوعًا. وهذا إسناد منقطع؛ لأن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك عبد الله بن مسعود، فقد ذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة (١)، ومحمد بن عجلان: صدوق، حسن الحديث. وأخرجه أبو داود (٣٥١٢)، وابن ماجه (٢١٨٦)، وأحمد (٧/ ٤٤٥) من طريق ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه أن ابن مسعود باع من الأشعث رقيقًا … الحديث. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فإنه سيء الحفظ، كثير الخطأ في المتون والأسانيد، وقد خالف في هذا الحديث رواية الجماعة، حيث قال: "عن أبيه" والصواب: عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، وقد علقه الترمذي (٥٤٨) وهو منقطع بين القاسم وجده ابن مسعود، فإنه لم يدركه. وقد تابع ابن أبي ليلى على وصل الحديث عمر بن قيس الماصر، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، أخرجه ابن الجارود (٦٢٤) وعمر بن قيس ثقة احتج به مسلم، وقال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق ربما وهم). وأخرجه النسائي (٧/ ٣٠٣)، وأحمد (٧/ ٤٤٠) من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، بنحوه، وهذا منقطع -أيضًا-، فإن أبا عبيدة لم يدرك أباه، لكن الظاهر أنه في حكم الموصول، فإن أبا عبيدة كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده في ذلك من العلم ما ليس عند غيره (٢). هذه طرق الحديث عند أصحاب السنن وأحمد، وهي كما ترى فيها مقال، لكن كما قال البيهقي: (إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًّا)، وقال

стр. 2295

ابن عبد الهادي: (الذي يظهر أن حديث ابن مسعود في هذا الباب بمجموع طرقه له أصل، بل هو حديث حسن يحتج به، لكن في لفظه اختلاف) (١). ° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه إذا حصل خلاف بين البائع والمشتري، وليس لدى أحدهما بينة فإن القول قول البائع، ومن صور الاختلاف: الاختلاف في قدر الثمن، بأن يقول البائع: بعتها عليك بمائة ريال، ويقول المشتري: بل بثمانين، ولا بينة، فالقول قول البائع، وهو رب السلعة، "أو يتتاركان" أي: يتفاسخان؛ لأن اختلافهما يمنع تقدير العوض، فكأنه بيع لم يقدر فيه العوض. وظاهر الحديث أن القول قول البائع بدون يمينه، وهذا قول الشعبي، وحكاه ابن المنذر عن الإمام أحمد، كما قال ابن قدامة (٢). وذلك لأن السلعة كانت للبائع، والأصل بقاء ملكه عليها، والأصل براءة ذمة المشتري من الثمن، فيبقى الأمر على ما كان: السلعة لصاحبها، لا تخرج منه إلا برضاه. والقول الثاني: أنهما يتحالفان، لقوله ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (٣)، وكل منهما مدعٍ ومنكر، فإن البائع مدَّع أن الثمن مائة، ومنكِر أنه ثمانون، والمشتري مدع أنه ثمانون ومنكر أنه مائة، وعلى هذا فالقول باليمين مستفاد من دليل آخر، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (٤). والقول الأول أرجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه مؤيد بظاهر الحديث إذا قلنا بتحسينه، ولأن البائع غارم، فلا يمكن أن تخرج السلعة من ملكه إلا بثمن يرضاه، فإما أن يقبل المشتري بذلك، وإما أن يفسخ البيع، ولا حاجة للتحالف (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 2296

من المكاسب الخبيثة ٧٨٥/ ٤ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ"، مُتَفَّقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "ثمن الكلب" (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود ﵁ به. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (نهى) النهي قول يتضمن طلب الترك على وجه الاستعلاء، والأصل فيه التحريم إلا لدليل، وهو يقتضي الفساد، فيكون بيع هذه الأشياء محرمًا والعقد فاسدًا. قوله: (عن ثمن الكلب) أل: للاستغراق، فيكون عامًّا في جميع الكلاب المعلم وغير المعلم، ما يقتنى وما لا يقتنى. قوله: (ومهر البغي) البغي: بفتح الباء وكسر الغين وتشديد الياء، فعول بمعنى فاعلة، من الأوصاف التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، كركوب وحلوب، والبِغَاءُ: الطلب، وكثر استعماله في النساء، تقول العرب: بَغَتِ المرأة إذا زنت، تَبْغِي بِغَاءً، فهي بَغِيٌّ، وهن بغايا. ومهرها: ما تعطاه على الزنا بها، سمي مهرًا: من باب التوسع، أو لكونه على صورة المهر.

стр. 2297

قوله: (وحلوان الكاهن) الحلوان: بضم الحاء، مصدر حلوته: إذا أعطيته، وحلوته: إذا رشوته، فالحلوان في أصل اللغة: العطية والرشوة، والمراد به هنا: ما يأخذه الكاهن مقابل كهانته، شبهه بالشيء الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلًا بلا كلفة ولا مقابلة مشقة. والكاهن: هو الذي يخبر عما يحصل في المستقبل. ° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن بيع الكلب وتحريم ثمنه، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة: فالجمهور، ومنهم: مالك في المشهور، والشافعي، وأحمد على تحريم بيعه مطلقًا، لا فرق بين المعلم وغيره، ولا بين ما يجوز اقتناؤه، ككلب الزرع والماشية أو لا يجوز (١). واستدلوا بعموم هذا الحديث، فإن الأصل في النهي التحريم، والنهي عن ثمن الكلب نهي عن البيع بطريق اللزوم. والقول الثاني: أنه يجوز بيع الكلاب كلها، وهذا قول أبي حنيفة، وعنه رواية في الكلب العقور أنه لا يجوز بيعه، وإنما يجوز بيع كلب الصيد أو الكلب الذي فيه منفعة (٢)، ودليله: ١ - حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور إلا كلب صيد (٣). ٢ - أنه يباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه بالميراث والوصية والهبة، فصحَّ بيعه كالبغل والحمار. والقول الثالث: أنه لا يجوز بيعه، لكن تجب القيمة على متلفه، وهذا قول مالك، وعنه: يجوز بيعه، وعنه: لا يجوز بيعه، ولا تجب القيمة على

стр. 2298

متلفه، ذكر هذا النووي (١)، وقال ابن عبد البر: (والأول -أي تحريم بيعه- تحصيل مذهبه، وهو الصحيح إن شاء الله) (٢). والقول الأول هو الراجح لقوة دليله، فإن الحديث نص واضح في التحريم، ولم يثبت استثناء شيء، فتعين العمل بعموم الحديث. وأما حديث جابر ﵁ باستثناء كلب الصيد، فهو حديث ضعيف، كما سيأتي إن شاء الله. وأما إباحة الانتفاع فلا يلزم منه جواز بيعه؛ لأن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، وتقدم ذلك. وأما القياس على البغل والحمار فهو -كما يقول ابن القيم- من أفسد القياس؛ لأن قياس الكلب على الخنزير أصح من قياسه على البغل والحمار؛ لأن الخنزير أقرب شبهًا بالكلب (٣). وأما وضع اليد عليه فإنما أجازه الشارع لذات المنفعة، واستثنى بيعه، فمنع منه. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم البغاء، وتحريم ما يؤخذ عليه، سواء كان من حرة أو أمة، فهو مال حرام؛ لأنه في مقابل ما حرم الله عليها من الزنا، فليس لها أكله أو الانتفاع به، ويرى ابن القيم أنه يجب التصدق به (٤)، ولو قال: تخرجه بنية التخلص منه، لكان أولى، ولا يرد إلى الزاني؛ لأنه دَفَعَهُ باختياره في مقابل عوض لا يمكن صاحب العوض استرجاعه، فهو كسب خبيث، ولأنه لو رجع إلى دافعه لصار عونًا له على الاستمرار في جريمته، ولأنه بذلك يحصل له غرضه مع رجوع ماله. ° الوجه الخامس: تحريم الكهانة، وتحريم ما يأخذه الكاهن؛ لأنه أكل للمال بالباطل، ولأن التكهن محرم، وما حرم في نفسه حرم عوضه، ولأن فيه إعانة له على كهانته.

стр. 2299

ويدخل في ذلك تحريم إتيان العرَّافين والمنجمين والمشعوذين الدجَّالين، ولا يجوز دفع المال لرؤية ما يفعلون من السحر والشعوذة؛ لأن في ذلك إعانة لهم وتشجيعًا لهم على الاستمرار في عملهم السيء، وعلى ولاة الأمر منعهم من ذلك، قال الماوردي: (يَمْنَعُ المحتسب من التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي) (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2300

حكم اشتراط منفعة المبيع ٧٨٦/ ٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَال: فَلَحِقَنِي النَّبيُّ ﷺ ، فَدَعَا لي، وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَال: "بِعْنِيهِ بِوقيَّةٍ"، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَال: "بِعْنِيهِ" فَبِعْتُهُ بِوقيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَال: "أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في قريب من عشرين موضعًا، مطولًا ومختصرًا، وموصولًا ومعلقًا (١). وهذا يدل على كثرة فوائده، قال القرطبي: (هو حديث عظيم، فيه أبواب من الفقه … ) (٢). وأول موضع رواه فيه كتابُ "الصلاة"، باب "الصلاة إذا قدم من سفر" (٤٤٣) حيث ساقه مختصرًا من طريق مِسْعر، قال: حدثنا محارب بن دثار، عن جابر ﵁، به. ثم أخرجه في "البيوع" وغيره. وأخرجه مسلم في مواضع من "صحيحه"، ومنها: كتاب "المساقاة"، باب "بيع البعير واستثناء ركوبه" (١٠٩) من طريق زكريا، عن عمار، حدثني جابر بن عبد الله ﵄ .. باللفظ الذي ذكر الحافظ في "البلوغ"، وله طرق

стр. 2301

أخرى عند مسلم، وسيكون الكلام - إن شاء الله - على هذا اللفظ، ونذكر بعض الروايات الأخرى التي يستفاد منها بعض الأحكام المتصلة بمسائل البيع. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أنه كان يسير على جمل له) لم يحدد في هذه الرواية جهة السير، وقد جاء في إحدى روايات "الصحيحين": (كنا مع رسول الله ﷺ في غَزَاةٍ)، وعند مسلم: (أقبلنا من مكة إلى المدينة)، وعند أبي عوانة: (فأعطاني الجمل وثمنه وسهمي مع القوم)، فتبين بذلك أنه سفر غزوة، قيل: إنها تبوك، وقيل: ذات الرقاع، وهذا هو الظاهر على ما اختاره الحافظ ابن حجر نقلًا عن ابن إسحاق والواقدي، قال: (لأن أهل المغازي أضبط من غيرهم)، ومما يؤيد ذلك أن الرسول ﷺ سأل في تلك القصة جابرًا: "هل تزوجت؟ "، قال: نعم … الحديث، وفيه أنه اعتذر بتزوجه الثيب من أجل أخواته الصغار، والثيب أقوم عليهن، وذات الرقاع بعد أُحد بسنة واحدة على الأصح، وفيها استشهاد والد جابر ﵄، وتبوك بعدها بسبع سنين، والله أعلم. قوله: (فأعيا) الإعياء: التعب والعجز عن السير، أي: تعب فلم يساير الجيش، يقال: أعيا الرجل أو البعير: إذا تعب وكل من المشي، يستعمل لازمًا ومتعديًا، تقول: أعيا الرجل، وأعياه الله. قوله: (أن يسيبه) أي: يتركه رغبة عنه، ليذهب على وجهه، وليس المراد أن يجعله سائبة لا يركبه أحد، كما كانت الجاهلية تفعل، فإن هذا محرم في الإسلام، ولا يفعله جابر ﵁. قوله: (فلحقني رسول الله ﷺ ) أي: لأنه ﷺ كان في آخر الجيش انتظارًا للعاجزين، ورفقًا بالمنقطعين. قوله: (فدعا لي وضربه)، هذا يفيد أن الدعاء كان لجابر ﵁، وفي رواية: (فضربه برجله ودعا له) وهذا يفيد أن الدعاء كان للجمل، ويجمع بينهما بأنه ﷺ دعا له ولجمله.

стр. 2302

قوله: (بوقية) بحذف الهمزة، والأصل: أوقية، قال النووي: (هي لغة صحيحة، ويقال: أوقية، وهي أشهر) (١)، وقال العيني: (ليست بلغة عالية) (٢) والأوقية: معيار للوزن، جمعها: أواقٍ، ويختلف مقدارها شرعًا باختلاف الموزون، كما يختلف باختلاف البلاد، وكانت في ذلك الوقت أربعين درهمًا، وقد جاء في بعض الروايات: أنها أوقية ذهب، وفي رواية: أربعة دنانير، وهي لا تخالفها؛ لأن الأربعين أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم من الفضة. وقد ذكر البخاري اختلاف الروايات في ثمن الجمل، ثم قال: (وقول الشعبي بوقية أكثر) (٣)؛ أي: أكثر موافقة لغيره من الأقوال، وهذا الاختلاف في ثمن الجمل لا يؤثر؛ لأن أصل المسألة -وهو البيع- ثابت. قوله: (قلت: لا) أي: لا أبيعه، قال ابن التين: (قوله: (لا) ليس بمحفوظ إلا أن يريد لا أبيعُكَهُ، هو لك بغير ثمن)، قال العيني: (كأن ابن التين نزَّه جابرًا عن قوله: لا، لسؤال النبي ﷺ ) (٤)، لكن هذه اللفظ ثابتة في "الصحيحين"، فلا مجال للقول بعدم ثبوتها، والنفي موجه لترك البيع، لا لكلام النبي ﷺ ؛ لأن جابرًا أراد هبة الجمل لرسول الله ﷺ بدليل رواية "الصحيحين": (بل هو لك يا رسول الله) (٥)، وفي رواية لأحمد: "أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ "، قلت: بل أهبه لك، قال: "لا، ولكن بعنيه". قوله: (حُملانه) بضم الحاء وسكون الميم، مصدر مضاف إلى فاعله، والمفعول محذوف، أي: حمله إياي إلى المدينة، وفي رواية: (واستثنيت ظهره إلى أن نقدم). وقوله: (إلى أهلي) أي: في المدينة، بدليل رواية "الصحيحين": (حتى بلغ المدينة).

стр. 2303

قوله: (فلما بلغت) أي: دخلت المدينة على هذا الجمل، بدليل الرواية المتقدمة: (أقبلنا من مكة إلى المدينة). قوله: (أتيته بالجمل) في رواية: (فجئت إلى المسجد فوجدته، فقال: "الآن قدمت؟ " قلت: نعم … ). قوله: (فنقدني ثمنه) قال ابن الأثير: (نقدته كذا؛ أي: أعطيته نقدًا معجلًا) (١)، وقد دلت رواية البخاري ومسلم أن الذي نقده الثمن هو بلال ﵁، فقد جاء في بعض الروايات: (قال لبلال: "أعطه أوقية من ذهب وزده"، فأعطاني أوقية وزادني قيراطًا … ). قوله: (فأرسل في أثري) بفتحتين، أو بكسر فسكون؛ أي: ورائي عن قرب، والمعنى: أرسل من يطلبني ويأتي بي إليه، وقد جاء في رواية: (فانطلقت حتى وَلَّيتُ، فقال: "ادعوا لي جابرًا"، قلت: الآن يرد عليَّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليَّ منه، قال: خذ جملك، ولك ثمنه) (٢)، ولعل جابرًا كره رده عليه؛ لأنه عرف أنه يمكن أن يشتري بثمنه أحسن منه ويبقى له بعض الثمن (٣). قوله: (أتُراني) بضم التاء؛ أي: أتظنني كلمتك لأجل نقص ثمن الجمل، والاستفهام للإنكار. قوله: (ماكستك) من المماكسة، وهي المطالبة بالنقص من الثمن، وأصلها: النقص، ومنه: مكس الظالم، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس، قال الفقهاء: ماكس فلان في البيع ومكس بمعنى: استنقص الثمن، وضد المماكسة: الاسترسال. وهذا إشارة إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع. قوله: (خذ جملك ودراهمك) هذا من أحسن التكرم؛ لأن الغالب أن من باع شيئًا فهو محتاج لثمنه، فإذا تعوض من الثمن بقي في قلبه من المبيع أسف على فراقه، كما قال الشاعر:

стр. 2304

وقد تُخْرِجُ الحاجاتُ يا أُمَّ مالكٍ … نفائسَ مِنْ رَبٍّ بِهِنَّ ضَنينُ فإذا رُد عليه المبيع مع ثمنه ذهب الهمُّ عنه، وثبت فرحه، وقُضيت حاجته، مع ما انضم إلى ذلك من الزيادة في الثمن. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأفضل في حق القائد وأمير القوم أن يكون في مؤخرة الجيش والقافلة انتظارًا للعاجزين والمنقطعين، لقوله: (فلحقني رسول الله ﷺ ). ° الوجه الرابع: رحمة النبي ﷺ ورأفته بأمته، فإنه لم يدع جابرًا وجمله على تلك الحال، بل أعانه بالدعاء، وضَرَبَ الجمل الذي صار له قوة على السير بإذن الله. ° الوجه الخامس: فيه معجزة للنبي ﷺ حيث ضرب هذا الجمل العاجز فسار سيرًا لم يسر مثله قط ولحق بالجيش، وفي رواية عند البخاري: (فقال لي: "كيف ترى بعيرك؟ "، قال: قلت: بخير، قد أصابته بركتك) (١). ° الوجه السادس: جواز المماكسة في البيع قبل استقرار العقد. ° الوجه السابع: اختلف العلماء هل يجوز للبائع أن يشترط نفعًا معلومًا في المبيع، كركوب الدابة إلى موضع كذا، أو سكنى الدار مدة معلومة، ونحو ذلك؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يصح العقد، ولا يصح الشرط؛ لأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، فأشبه ما لو شرط ألا يسلمه المبيع، وذلك لأنه شَرَطَ تأخير تسليم المبيع إلى أن يستوفي البائع المنفعة، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، إلا أن مالكًا أجاز شرط حمل الدابة إلى المكان القريب لقصر الزمن، كثلاثة أيام، ولعله يأخذ بهذا الحديث، لقصر المدة بين مكان العقد والمدينة (٢). واستدل هؤلاء بدليلين:

стр. 2305

١ - حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الثُّنيا (١)، ومعنى (الثنيا): أن يبيع شيئًا ويستثني بعضه. ٢ - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وسيأتي تخريجه إن شاء الله. وأجابوا عن حديث جابر هذا بأجوبة، منها: ١ - أن المبايعة ليست حقيقية، وإنما أراد النبي ﷺ أن ينفع جابرًا بالهبة، فاتخذ ثمن الجمل ذريعة إلى ذلك، بدليل: "أتراني ماكستك لآخذ جملك". ٢ - اختلاف الرواة في ألفاظ الحديث يمنع الاحتجاج به على هذا المطلب، فإن في بعض ألفاظه: (بعته واشترطت حملانه)، وفي لفظ: (أن النبي ﷺ أعاره ظهره إلى المدينة) والأخير يدل على عدم الشرط. والقول الثاني: أنه يجوز اشتراط شرط واحد فقط، وهو قول الأوزاعي والإمام أحمد، ووافقهما على ذلك إسحاق وابن المنذر، فإن جمع بين شرطين بطل البيع (٢)، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب المتقدم: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك". والقول الثالث: يصح البيع مع كل شرط عائد للبائع أو المشتري بمنافع معلومة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي (٣)، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث جابر هذا، فإن الرسول ﷺ أقر جابرًا على اشتراط منفعة الجمل، قال البخاري: باب "إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى

стр. 2306

جاز" ثم أورد الحديث، قال الحافظ: (وهكذا جزم بهذا الحكم لصحة دليله عنده) (١). ٢ - حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالًا أو أحل حرامًا، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. وهذا هو القول الراجح -إن شاء الله- لقوة دليله، ولأن هذه الشروط لا محذور فيها من ربا أو ظلم أو غرر أو ضرر، فكيف تكون محرمة مفسدة للعقد، وكما أنها لا مفسدة فيها فليست -أيضًا- وسيلة إلى مفسدة. وأما حديث نهى عن الثنيا، فليس بدليل للمانعين، بل هو دليل للمجيزين، فإنه بتمامه عند أصحاب السنن إلا ابن ماجه: (نهى عن الثنيا إلا أن تعلم) فإذا عُلِمَ القدر المستثنى صح البيع لعدم الجهالة، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله. وأما حديث: "نهى عن بيع وشرط"، فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا يوجد في شيء من دواو بن الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه … ) (٢). وقال ابن القيم: (لا يعلم له إسناد صحيح مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس، ولانعقاد الإجماع على خلافه) (٣). وأما إجابتكم عن حديث جابر ﵁ فهي مردودة كما يلي: ١ - قولكم: إن المقصود الهبة، خلاف الظاهر، فإن ألفاظ الحديث صريحة بوقوع البيع، كقوله: "بعته منك بأوقية"، وقوله: ""قد أخذته"، ثم إن ظاهر الحديث يفيد أن اشتراط مثل ذلك معلومٌ لديهم جوازه؛ لأن جابرًا هو الذي ابتدأ شَرْطَ ظهرِ الجمل، فأقره النبي ﷺ على شرطه، ولو كان باطلًا لم يقره عليه.

стр. 2307

٢ - وأما اختلاف الرواة في ألفاظه وأن ذلك يمنع الاحتجاج به، فهذا صحيح بشرط التكافؤ أو التقارب، أما إذا كانت إحدى الروايات أرجح فينبغي العمل بها (١). وأما قول مالك بالجواز في الزمان القريب دون البعيد، فلا دليل عليه، فإن الحديث لا يمنع ما كان بعيدًا. وأما دليل أصحاب القول الثاني: "ولا شرطان في بيع"، فهذا دليل صحيح، ولكن الاستدلال به ليس في محله، فإن الحديث لا يتناول الشروط التي فيها مصلحة للبائع أو للمشتري، وهي مقدورة للمشروط عليه ولا محذور فيها، وإنما يتناول الشروط التي تترتب عليها مفسدة شرعية، كمسائل العينة وغيرها، كأن يقول: أبيعك هذه السلعة بألف ريال إلى سنة ثم يشتريها منه حالّة بسبعمائة، فإن مثل هذا لا بد فيه من المشارطة في الغالب لفظًا أو مواطأة، فحمل هذا الحديث على ما فيه محذور شرعي متعين؛ لأن حديث جابر فيه الجمع بين البيع وشرط، وإذا أُذن في شرط أُذن في شرطين لعدم الفارق في نظر الشرع، وسيأتي لذلك مزيد كلام إن شاء الله تعالى.

стр. 2308

حكم بيع المُدَبَّرِ ٧٨٧/ ٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَال: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبيُّ ﷺ فَبَاعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، أولها في كتاب "البيوع"، باب "بيع المزايدة" (٢١٤١) وفي باب "بيع المدبَّر" (٢٢٣٠) ثم أعاد الترجمة نفسها في كتاب "العتق" (٢٥٣٤) وساق الحديث بلفظ مختصر، وهو أقرب ألفاظه إلى لفظ "البلوغ"، وأخرجه في كتاب "الاستقراض"، باب "من باع مال المفلس أو المعدم وقسمه بين الغرماء" (٢٤٠٣). وأخرجه مسلم في كتاب "الزكاة"، باب "الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة" (٩٩٧) كلاهما من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁. وقد أعاد الحافظ هذا الحديث في كتاب "العتق" في أواخر "بلوغ المرام" بلفظ آخر. ° الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز بيع المدبر، والمُدَبَّرُ: بزنة اسم المفعول، هو الرقيق الذي عُلِّقَ عتقه بموت مالكه، بأن يقول السيد لرقيقه: أنت حر بعد موتي، سمي بذلك لأن عتقه جعل دُبُرَ حياة سيده، والموت دبر الحياة.

стр. 2309

وظاهر الحديث أن النبي ﷺ باع هذا المدبر لما علم أن صاحبه لا يملك شيئًا غيره، لما ورد في رواية للبخاري: (أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج … )، وفي رواية أخرى: (لم يكن له مال غيره)، والقول بأنه لا يباع إلا لحاجة من دين أو نفقة هو قول الحسن وعطاء، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن دقيق العيد (١). والقول الثاني: جواز بيعه مطلقًا، سواء باعه لحاجة أم لا، وهذا قول الشافعي، والمشهور من مذهب الإمام أحمد (٢)، قالوا: إنه لما جاز بيعه في صورة من صور البيع جاز في كل صوره، ولأنه شبيه بالوصية التي يجوز الرجوع عنها ما دام الموصي في حال الحياة. وأجابوا عن قوله: "فاحتاج" بأنه لا مدخل له في الحكم، وإنما ذكره لبيان السبب في المبادرة لبيعه، ليتبين للسيد جواز البيع، ولولا الحاجة لكان عدم البيع أولى، والقول الأول فيه وجاهة كما ترى؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة (٣)، وسيأتي الكلام عن بقية أحكامه في الباب المشار إليه، إن شاء الله.

стр. 2310

حكم السمن تقع فيه الفأرة ٧٨٨/ ٧ - عَنْ مَيمُونَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّ فَارَةً وَقَعَتْ في سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْهَا فَقَال: "أَلفُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ أَحْمَدُ، والنَّسَائِيُّ: في سَمْنٍ جَامِدٍ. ٧٨٩/ ٨ - وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ في السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَايعًا فلا تَقْرَبُوهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيهِ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِالْوَهْمِ. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ميمونة ﵂ فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، أولها في كتاب "الوضوء"، باب "ما يقع من النجاسات في السمن والماء" (٢٣٥) (٢٣٦)، وفي كتاب "الذبائح والصيد"، باب "إذا وقعت الفارة في السمن الجامد أو الذائب" (٥٥٤٠) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂. وأخرجه النسائي (٧/ ١٧٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بهذا الإسناد، ولفظه: (أن النبي ﷺ سئل عن فارة وقعت في سمن جامد … ) ومع أن إسنادها صحيح إلا أن فيها نظرًا -كما يقول ابن عبد الهادي-؛ لأن أصحاب مالك لم يذكروها (١).

стр. 2311

وجاءت عند أحمد في إحدى رواياته (٤٤/ ٣٨٧) من طريق محمد بن مصعب، عن الأوزاعي، عن الزهري، به، ولفظه: (عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها استفتت رسول الله ﷺ في فأرة سقطت في سمن لهم جامد … ) الحديث، وقد بيّن ابن عبد الهادي بأن هذه الزيادة من كيس محمد بن مصعب القرقساني، وقد ضعفه يحيى بن معين وجماعة (١). ولخص الحافظ حاله بأنه صدوق كثير الغلط. وقد دلت هذه الرواية على أن السائلة هي ميمونة ﵂، ووقع في بعض روايات مالك -أيضًا- أن ميمونة هي السائلة (٢). وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أحمد (١٢/ ١٠٠، ١٠١)، وأبو داود (٣٨٤٢) من طريق معمر: أخبرنا ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، به. ومتن هذا الحديث صحيح، ورجال إسناده ثقات، رجال الشيخين، إلا أنه كما قال البخاري وأبو حاتم والترمذي والدارقطني وغيرهم (٣): إن معمر بن راشد قد أخطأ في إسناده، فإنه رواه عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وقد خالفه أصحاب الزهري أمثال الإمام مالك وابن عيينة فرووه عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة، قال البخاري: (هذا خطأ، أخطأ فيه معمر)، وقال أبو حاتم: (وَهْمٌ) (٤). وقد جاء في "صحيح البخاري": (قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: ما سمعت الزهري يقول: إلا عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ ، ولقد سمعته منه مرارًا) (٥).

стр. 2312

وفي الحديث خطأ آخر وقع فيه معمر، وهو الزيادة التي تفرق بين السمن الجامد والذائب، فتكون مخالفة معمر حصلت في الإسناد والمتن، ومعمر معروف بالغلط، ولا سيما أحاديثه في البصرة، قال أبو حاتم الرازي: (ما حدَّث بالبصرة ففيه أغاليط، وهو صالح الحديث) (١)، ومعظم الذين رووا عنه هذا الحديث بصريون. ويكون الحديث بهذا التفصيل غير محفوظ، وإنما المحفوظ أن الحديث من مسند ميمونة، لا من مسند أبي هريرة، كما أن المحفوظ هو عدم التفصيل بين الجامد والمائع. وظن طائفة من العلماء أن حديث معمر محفوظ، فعملوا به، وممن أثبته محمد بن يحيى الذهلي، فيما جمعه من أحاديث الزهري، وكذا احتج به أحمد لما أفتى بالفرق بين الجامد والمائع، وكان أحمد يحتج أحيانًا بأحاديث ثم يتبين له أنها معلولة (٢). ° الوجه الثاني: حديث ميمونة ﵂ دليل على أن الفأرة إذا وقعت في السمن وماتت فيه نَجَّست ما حولها مما وقعت فيه، فيجب إلقاؤها وإلقاء ما حولها، ويحكم على البقية بأنه طاهر، لا تسري النجاسة إلى كل أجزائه، فيجوز أكله، ولا فرق في ذلك بين كثير السمن وقليله. وظاهر الحديث أنه لا فرق بين الجامد والمائع، فإن النبي ﷺ أجاب من سأله جوابًا عامًّا مطلقًا بأن يلقوها وما حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم هل كان سمنهم مائعًا أو جامدًا مع أن الغالب على سمن الحجاز أنه مائع. وحد الجامد: ما إذا أُخذ منه شيء لم يترادَّ من الباقي مكانه، ولا يسيل إذا كسر إناؤه، وأما المائع، فهو عكسه: فإنه يتراد عند الأخذ منه، ويسيل إذا كسر إناؤه، وهذا قول بعض أهل الحديث كالبخاري، كما تشعر بذلك ترجمته على حديث ميمونة، وهو رواية عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).

стр. 2313

والقول الثاني: التفريق بين الجامد والمائع، وأن الجامد يحكم فيه بنجاسة ما جاور النجاسة وبطهارة الباقي، بل حكى ابن عبد البر الاتفاق على ذلك (١)، وأما المائع فكله ينجس بملاقاة النجاسة، قلَّ أم كثر، تغير أم لم يتغير، وهذا مذهب الجمهور، مستندين إلى الزيادة المذكورة في رواية معمر. وبهذا يتبين أن سبب الخلاف هو الاختلاف في تصحيح الزيادة المذكورة في الحديث. والقول الأول أرجح، وهو عدم تنجس المائعات إلا بالتغير، لقوة دليله، وقد أفتى بذلك عدد من الصحابة، كابن عباس وابن مسعود وغيرهما ﵃ (٢). وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز. وأما زيادة معمر عن الزهري التي تفرق بين المائع والجامد فهي ضعيفة، كما تقدم، إضافة إلى أن فيها اضطرابًا، وقد أفتى الزهري الذي مدار الحديث عليه بخلافها، فقد روى البخاري من حديث يونس أن الزهري سئل عن الدابة تموت في السمن الجامد وغيره، فأفتى بأن النبي ﷺ أمر بفارة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح (٣). فهذه فتيا الزهري الذي مدار الحديث عليه في الجامد وغير الجامد، وقد حكم عليهما باستواء الحكم، فيكيف يروي التفريق بينهما؟!. ولأن مائع الدهن وأشباهه قريب من الجامد؛ لأنه ليس له الميعان الكامل. ثم إن القول بتنجس المائعات لا يخلو من حرج ومشقة لوجود القناطير المقنطرة من الزيت الذي يكون في معاصر الزيتون أو العسل أو غيرهما، ولا يمكن صيانتها عما يقع فيها، فالقول بنجاسة ذلك فيه حرج شديد، فإنه لو كان ماء لما أُتلف ما دون القلتين عند الجمهور، فكيف بالمائعات من الدهن والعسل ونحوهما؟!. ° الوجه الثالث: أن الحكم بطهارة السمن ونحوه، مشروط بألا يتغير

стр. 2314

بالنجاسة التي تظهر فيه ريحه أو طعمه أو لونه، فإن تغير بشيء من ذلك فإنه يكون نجسًا، فلا يجوز استعماله؛ لأن الماء وهو الطهور إذا تغير بشيء مما ذكر نَجِسَ، فكيف بالمائعات التي لا تدفع عن نفسها نجاسة؟!. ومعلوم أن الجامد يكون فيه ما حول النجاسة قليلًا لجموده، وقد أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء بن يسار أنه يكون قدر الكف (١). فإن كان مائعًا صار الذي حول النجاسة أكثر فيلقى أكثر من الجامد. ° الوجه الرابع: يلحق بالسمن غيره من المائعات كالزيت والعسل واللبن ونحوها، وذكر السمن إنما هو واقعة عين لميمونة ﵂، وإلحاق ما ذكر من القياس الواضح (٢). ° الوجه الخامس: دلَّ الحديث بمفهومه على أن الفأرة لو وقعت في السمن ثم خرجت وهي حية أن السمن لا ينجس، ولذا جعل الفقهاء الهرة وما دونها في الخلقة طاهرًا في حال الحياة. ° الوجه السادس: اعلم أن الكلام في مسألة السمن المائع الذي وقعت فيه الفارة إنما هو باعتبار أنه يحل أو لا يحل، لكن لو كرهه الإنسان فلا بأس بإراقته، لا سيما وأن له شبهة قوية في كراهته؛ لأن الجمهور يقولون بتحريمه، كما تقدم. فإن كان جامدًا وكرهه فالأولى عدم إراقته، بل يعطيه أو يتصدق به، لئلا تكون إراقته من باب إضاعة المال، ولا يلزم أن يبين ما وقع فيه (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 2315

حكم بيع الكلب والسِّنَّور ٧٩٠/ ٩ - عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ قَال: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ فَقَال: زَجَرَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: إلَّا كَلبَ صَيدٍ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "تحريم ثمن الكلب … والنهي عن بيع السنور" (١٥٦٩) من طريق الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا … الحديث. وأخرجه النسائي (٧/ ١٩٠، ٣٠٩) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير بالزيادة المذكورة، وقال النسائي: (ليس هو بصحيح) وقال في الموضع الثاني: (هذا منكر)، ووجه النكارة استثناء كلب الصيد من عموم الكلاب، ولم يرد هذا في الروايات الأخرى، ومنها رواية مسلم، والمراد تضعيف هذه الزيادة، وإلا فالحديث صحيح بدون هذا الاستثناء. وفي الحديث علة أخرى، وهي أنه قد اختلف على حماد بن سلمة في رفع هذا الحديث ووقفه، فرواه وكيع عن حماد عن جابر موقوفًا، ورواه الهيثم بن جميل وآخرون عن حماد مرفوعًا، وقد رجح الدارقطني الوقف (١). قال البيهقي: (الأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن
следующие страницы →