وجاءت عند أحمد في إحدى رواياته (٤٤/ ٣٨٧) من طريق محمد بن مصعب، عن الأوزاعي، عن الزهري، به، ولفظه: (عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها استفتت رسول الله ﷺ في فأرة سقطت في سمن لهم جامد … ) الحديث، وقد بيّن ابن عبد الهادي بأن هذه الزيادة من كيس محمد بن مصعب القرقساني، وقد ضعفه يحيى بن معين وجماعة (١). ولخص الحافظ حاله بأنه صدوق كثير الغلط.
وقد دلت هذه الرواية على أن السائلة هي ميمونة ﵂، ووقع في بعض روايات مالك -أيضًا- أن ميمونة هي السائلة (٢).
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أحمد (١٢/ ١٠٠، ١٠١)، وأبو داود (٣٨٤٢) من طريق معمر: أخبرنا ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، به.
ومتن هذا الحديث صحيح، ورجال إسناده ثقات، رجال الشيخين، إلا أنه كما قال البخاري وأبو حاتم والترمذي والدارقطني وغيرهم (٣): إن معمر بن راشد قد أخطأ في إسناده، فإنه رواه عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وقد خالفه أصحاب الزهري أمثال الإمام مالك وابن عيينة فرووه عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة، قال البخاري: (هذا خطأ، أخطأ فيه معمر)، وقال أبو حاتم: (وَهْمٌ) (٤).
وقد جاء في "صحيح البخاري": (قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: ما سمعت الزهري يقول: إلا عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ ، ولقد سمعته منه مرارًا) (٥).
стр. 2312
وفي الحديث خطأ آخر وقع فيه معمر، وهو الزيادة التي تفرق بين السمن الجامد والذائب، فتكون مخالفة معمر حصلت في الإسناد والمتن، ومعمر معروف بالغلط، ولا سيما أحاديثه في البصرة، قال أبو حاتم الرازي: (ما حدَّث بالبصرة ففيه أغاليط، وهو صالح الحديث) (١)، ومعظم الذين رووا عنه هذا الحديث بصريون. ويكون الحديث بهذا التفصيل غير محفوظ، وإنما المحفوظ أن الحديث من مسند ميمونة، لا من مسند أبي هريرة، كما أن المحفوظ هو عدم التفصيل بين الجامد والمائع.
وظن طائفة من العلماء أن حديث معمر محفوظ، فعملوا به، وممن أثبته محمد بن يحيى الذهلي، فيما جمعه من أحاديث الزهري، وكذا احتج به أحمد لما أفتى بالفرق بين الجامد والمائع، وكان أحمد يحتج أحيانًا بأحاديث ثم يتبين له أنها معلولة (٢).
° الوجه الثاني: حديث ميمونة ﵂ دليل على أن الفأرة إذا وقعت في السمن وماتت فيه نَجَّست ما حولها مما وقعت فيه، فيجب إلقاؤها وإلقاء ما حولها، ويحكم على البقية بأنه طاهر، لا تسري النجاسة إلى كل أجزائه، فيجوز أكله، ولا فرق في ذلك بين كثير السمن وقليله.
وظاهر الحديث أنه لا فرق بين الجامد والمائع، فإن النبي ﷺ أجاب من سأله جوابًا عامًّا مطلقًا بأن يلقوها وما حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم هل كان سمنهم مائعًا أو جامدًا مع أن الغالب على سمن الحجاز أنه مائع.
وحد الجامد: ما إذا أُخذ منه شيء لم يترادَّ من الباقي مكانه، ولا يسيل إذا كسر إناؤه، وأما المائع، فهو عكسه: فإنه يتراد عند الأخذ منه، ويسيل إذا كسر إناؤه، وهذا قول بعض أهل الحديث كالبخاري، كما تشعر بذلك ترجمته على حديث ميمونة، وهو رواية عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
стр. 2313
والقول الثاني: التفريق بين الجامد والمائع، وأن الجامد يحكم فيه بنجاسة ما جاور النجاسة وبطهارة الباقي، بل حكى ابن عبد البر الاتفاق على ذلك (١)، وأما المائع فكله ينجس بملاقاة النجاسة، قلَّ أم كثر، تغير أم لم يتغير، وهذا مذهب الجمهور، مستندين إلى الزيادة المذكورة في رواية معمر.
وبهذا يتبين أن سبب الخلاف هو الاختلاف في تصحيح الزيادة المذكورة في الحديث.
والقول الأول أرجح، وهو عدم تنجس المائعات إلا بالتغير، لقوة دليله، وقد أفتى بذلك عدد من الصحابة، كابن عباس وابن مسعود وغيرهما ﵃ (٢).
وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.
وأما زيادة معمر عن الزهري التي تفرق بين المائع والجامد فهي ضعيفة، كما تقدم، إضافة إلى أن فيها اضطرابًا، وقد أفتى الزهري الذي مدار الحديث عليه بخلافها، فقد روى البخاري من حديث يونس أن الزهري سئل عن الدابة تموت في السمن الجامد وغيره، فأفتى بأن النبي ﷺ أمر بفارة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح (٣). فهذه فتيا الزهري الذي مدار الحديث عليه في الجامد وغير الجامد، وقد حكم عليهما باستواء الحكم، فيكيف يروي التفريق بينهما؟!. ولأن مائع الدهن وأشباهه قريب من الجامد؛ لأنه ليس له الميعان الكامل.
ثم إن القول بتنجس المائعات لا يخلو من حرج ومشقة لوجود القناطير المقنطرة من الزيت الذي يكون في معاصر الزيتون أو العسل أو غيرهما، ولا يمكن صيانتها عما يقع فيها، فالقول بنجاسة ذلك فيه حرج شديد، فإنه لو كان ماء لما أُتلف ما دون القلتين عند الجمهور، فكيف بالمائعات من الدهن والعسل ونحوهما؟!.
° الوجه الثالث: أن الحكم بطهارة السمن ونحوه، مشروط بألا يتغير
стр. 2314
بالنجاسة التي تظهر فيه ريحه أو طعمه أو لونه، فإن تغير بشيء من ذلك فإنه يكون نجسًا، فلا يجوز استعماله؛ لأن الماء وهو الطهور إذا تغير بشيء مما ذكر نَجِسَ، فكيف بالمائعات التي لا تدفع عن نفسها نجاسة؟!.
ومعلوم أن الجامد يكون فيه ما حول النجاسة قليلًا لجموده، وقد أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء بن يسار أنه يكون قدر الكف (١). فإن كان مائعًا صار الذي حول النجاسة أكثر فيلقى أكثر من الجامد.
° الوجه الرابع: يلحق بالسمن غيره من المائعات كالزيت والعسل واللبن ونحوها، وذكر السمن إنما هو واقعة عين لميمونة ﵂، وإلحاق ما ذكر من القياس الواضح (٢).
° الوجه الخامس: دلَّ الحديث بمفهومه على أن الفأرة لو وقعت في السمن ثم خرجت وهي حية أن السمن لا ينجس، ولذا جعل الفقهاء الهرة وما دونها في الخلقة طاهرًا في حال الحياة.
° الوجه السادس: اعلم أن الكلام في مسألة السمن المائع الذي وقعت فيه الفارة إنما هو باعتبار أنه يحل أو لا يحل، لكن لو كرهه الإنسان فلا بأس بإراقته، لا سيما وأن له شبهة قوية في كراهته؛ لأن الجمهور يقولون بتحريمه، كما تقدم.
فإن كان جامدًا وكرهه فالأولى عدم إراقته، بل يعطيه أو يتصدق به، لئلا تكون إراقته من باب إضاعة المال، ولا يلزم أن يبين ما وقع فيه (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 2315
حكم بيع الكلب والسِّنَّور
٧٩٠/ ٩ - عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ قَال: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ فَقَال: زَجَرَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: إلَّا كَلبَ صَيدٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "تحريم ثمن الكلب … والنهي عن بيع السنور" (١٥٦٩) من طريق الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا … الحديث.
وأخرجه النسائي (٧/ ١٩٠، ٣٠٩) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير بالزيادة المذكورة، وقال النسائي: (ليس هو بصحيح) وقال في الموضع الثاني: (هذا منكر)، ووجه النكارة استثناء كلب الصيد من عموم الكلاب، ولم يرد هذا في الروايات الأخرى، ومنها رواية مسلم، والمراد تضعيف هذه الزيادة، وإلا فالحديث صحيح بدون هذا الاستثناء.
وفي الحديث علة أخرى، وهي أنه قد اختلف على حماد بن سلمة في رفع هذا الحديث ووقفه، فرواه وكيع عن حماد عن جابر موقوفًا، ورواه الهيثم بن جميل وآخرون عن حماد مرفوعًا، وقد رجح الدارقطني الوقف (١).
قال البيهقي: (الأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن
стр. 2316
الكلب خالية من هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شُبِّه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة، الذي هم دون الصحابة والتابعين، والله أعلم) (١).
° الوجه الثاني: تقدم أن هذا الحديث من أدلة القائلين بجواز بيع الكلب، وبما أن هذه الزيادة غير صحيحة، فإن الاستدلال لا يتم.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم ثمن السِّنَّور، وهو بكسر المهملة وتشديد النون: القط والهر، وتحريم ثمنه يدل باللزوم على تحريم بيعه؛ لأنه نجس العين، ولا ينتفع به إلا لحاجة كأكل الفأر والحشرات، ونحو ذلك، والقول بمنع بيع السنور قد أفتى به جابر بن عبد الله، وأبو هريرة ﵄، وهو قول طاووس ومجاهد، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز، وابن القيم (٢)، وصححها ابن رجب (٣).
وذهب الجمهور من أهل العلم إلى جواز بيعه (٤)، وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه مشى الخرقي في "مختصره" (٥)، واستدلوا بأن فيه منفعة كما تقدم، وحملوا الحديث في النهي عن بيعه على هرٍّ مملوك أو لا فائدة منه؛ لأن أكثر الهررة معتدٍ لا يمكن الانتفاع به، أو أن النهي مراد به الكراهة إلى غير ذلك مما قالوه (٦).
والصواب الأول؛ لصحة الحديث بذلك، وعدم ما يعارضه، فوجب القول به، قال البيهقي: (متابعة ظاهر السنة أولى، ولو سمع الشافعي ﵀ الخبر الوارد فيه لقال به إن شاء الله) (٧). وما قاله أصحاب القول الثاني صرف للحديث عن ظاهره بلا دليل (٨)، فالعمل بالعموم أقوى، والله تعالى أعلم.
стр. 2317
صحة الشروط المشروعة وبطلان غيرها
٧٩١/ ١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أُوْقِيَّةٌ، فَأَعِينِينيِ، فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالتْ لَهُمْ؛ فَأَبَوْا عَلَيها، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالتْ: إِني قَدْ عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ ، فأخبرت عائشةُ النبي ﷺ . فَقَال: "خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في النَّاسِ خطيبًا فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَتْ في كِتَابِ اللهِ ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَال: "اشْتَريهَا، وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطي لَهُمْ الْوَلاءَ".
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في أربعة وعشرين موضعًا من "صحيحه" أولها في كتاب "الصلاة"، باب "ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد" (٤٥٦) وأخرجه في "البيوع"، باب "إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل" (٢١٦٨) من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، بهذا اللفظ الذي
стр. 2318
ذكر الحافظ، وأخرجه في "النكاح" وسيأتي بيان ذلك هناك إن شاء الله تعالى.
وأخرجه مسلم في كتاب "العتق"، باب "بيان أنما الولاء لمن أعتق" (١٥٠٤) من عدة طرق، واللفظ الذي ذكره الحافظ جاء من طريق أبي أسامة: حدثنا هشام بن عروة، أخبرني أبي، عن عائشة ﵂، به.
وهذا الحديث حديث عظيم، جليل القدر، كثير الفوائد، استنبط منه الحافظ ابن حجر قريبًا من مائة وعشرين فائدة (١)، وذكر في "الإصابة" أن بعض الأئمة جمع فوائده في مصنف مستقل، فزادت على الثلاثمائة (٢).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (جاءتني بريرة) هي مولاة عائشة ﵂، اشترتها وأعتقتها، وكانت تخدمها قبل أن تشتريها، وكانت تحت مغيث مولى أبي أحمد بن جحش الأسدي، وكان عبدًا، فعتقت، فخيرها النبي ﵁، فاختارت فراقه، وسيأتي ذلك في كتاب "النكاح" إن شاء الله، عاشت بريرة ﵂ إلى زمن معاوية ﵁ (٣).
قوله: (كاتبت أهلي) الكتابة: شراء العبد نفسه من سيده، وذلك بأن يقع عقد بين الرقيق وبين سيده على أن يدفع له مبلغًا من المال منجمًا -أي: أقساطًا محددة- ليصير بذلك حرًّا، والمراد بقولها: (أهلي) مواليها، وهم ناس من الأنصار.
قوله: (على تسع أواقٍ) جمع أوقية، وتقدم أنها في ذلك الوقت أربعون درهمًا، وأواقٍ أصلها: أواقيّ: بتشديد الياء، ويجوز تخفيفها بحذفها.
قوله: (أن أعدها لهم) أي: أدفعها لهم معدودة دفعة واحدة، كما في رواية البخاري: (أرأيت إن عددت لهم عدة واحدة أيبيعك أهلك؟ … (٤)).
стр. 2319
قوله: (ولاؤك لي) أي: ولاء عتقك يكون لي، وولاء العتق: أن يرث المعتقُ أو ورثته العتيقَ إذا لم يكن له وارث من عصبته، وأصل الولاء: السلطة والنصرة، ويطلق الولاء على القرابة، والمراد هنا: ولاء العتاقة، أي: الذي سببه العتق، وهو عصوبة، سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.
قوله: (إنما الولاء لمن أعتق) أي: إن شرطهم هذا لا قيمة له؛ لأن الولاء لمن أعتق لا لمن باع، ومقتضى الحصر بـ (إنما) أن إثبات الولاء لمن أعتق يلزم منه نفيه عمن لم يعتق.
قوله: (ما بال رجال) جواب (أما) والأصل أن يكون بالفاء، وحذفها هنا نادر، كما ذكر ابن هشام، ومثل بهذا الحديث (١). ومعنى: "ما بال" ما شأن وما حال رجال، وقوله: "رجال" لا مفهوم له، وإنما لأن قصة المبايعة كانت مع رجال، وقد جاء في بعض الروايات: "ما بال أقوام".
قوله: (ليست في كتاب الله) أي: ليست في شرع الله وقضائه، في كتابه أو سنة رسوله ﷺ ، بل هي مخالفة لذلك. وليس المراد بكتاب الله: القرآن؛ لأن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، وإنما علمت من السنة.
قوله: (فهو باطل) الباطل: ضد الصحيح، وهو لغة: الذاهب ضياعًا وخسرًا، واصطلاحًا: ما لا تترتب آثار فعله عليه، عبادة كان أم عقدًا.
قوله: (قضاء الله أحق) أي: شرع الله تعالى وحكمه أولى بالاتباع من الشروط المخالفة للحق.
قوله: (وشرط الله أوثق) أي: أقوى وأشد إحكامًا، فهو أحكم الشروط، وأوثقها، والظاهر أن اسم التفضيل في الموضعين ليس على بابه، إذ لا مشاركة بين الحق والباطل، وإنما هو من باب الصفة المشبهة، فالمعنى: أن قضاء الله هو الحق، وشرطه هو القوي.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية مكاتبة الرقيق؛ لأنها طريق
стр. 2320
إلى تخليصه من الرق، فيتفق السيد مع رقيقه على عوض معين يدفعه إليه، ويطلق السيد الحرية للمكاتب في الكسب، فإذا دفع العوض صار حرًّا، وهذا يدل على حرص الإسلام على العتق، وذلك بمشروعية العديد من وسائله.
° الوجه الرابع: أن الكتابة يكون دينها مؤجلًا يحل قسطًا قسطًا؛ لأن الرقيق حين عقد الكتابة لا يملك شيئًا، لكن ليس التأجيل شرطًا، فيجوز أن تكون حالَّة إذا كان المال من غير العبد، كما في هذا الحديث: (إنْ أحب أهلك أن أعدها لهم … )، وقد يحصل ذلك من العبد إذا كان قويًّا وله صنعة يستطيع بها أن يجمع الثمن في نجم واحد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ [النور: ٣٣] ولم يذكر آجالًا، وإنما أمر بالكتابة.
° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز بيع العبد المكاتب بشرط العتق؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر اشتراط العتق، وإنما أنكر اشتراط الولاء؛ لأن بريرة كانت مكاتبة، وباعها أهلها على عائشة بثمن منقود لتعتقها، وقد بوّب البخاري في كتاب "العتق" باب "بيع المكاتب إذا رضي" (١)، وإذا بيع المكاتب أدى نجوم الكتابة إلى مشتريه، فإن أدى إليه عتق، وولاؤه له، وإن عجز عاد قنًّا له.
° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الولاء لمن أعتق الرقيق لا لمن باعه، واشتراطه من قِبَل البائع باطل، ولا يؤثر في صحة العقد، بل يبطل الشرط وحده، ويصح العقد.
° الوجه السابع: الحديث دليل على أن الشروط التي على خلاف مقتضى العقد شروط فاسدة بنفسها، غير مفسدة للعقد، وهي شروط محرمة لا يجوز اشتراطها؛ لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، والنبي ﷺ قد أنكر على هؤلاء الذين اشترطوا شروطًا ليست من شرع الله تعالى وحكمه، قال ابن القيم: (الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم) (٢).
стр. 2321
° الوجه الثامن: اختلف العلماء في قوله: "اشترطي لهم الولاء" حيث دل بظاهره أنه ﷺ أذن في البيع على شرط فاسد، فكيف يأذن لهم في وقوع البيع بناءً على شرط سيتم إبطاله؟. وللعلماء في الجواب عن ذلك مسلكان:
الأول: إبطال هذه اللفظة وأنها لم تثبت؛ لأنه تفرد بها مالك، عن هشام، عن عروة، بدليل أنه وقع سقوطها في كثير من الروايات، وهذا مسلك ضعيف؛ لأن الأكثرين من أهل العلم على إثبات هذه اللفظة؛ للثقة برواتها.
الثاني: أن يقال: إنهم قد علموا فساد الشرط؛ لأن المحاورة قد طالت في مسألة بريرة، فعلموا أن اشتراطهم الولاء لا يصلح إلا لمن أعتق، لكنهم أصروا على اشتراطه وأقدموا عليه، فتركهم النبي ﷺ يشترطونه، وكأنه قال: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم؛ لأن وجوده كعدمه، ثم أعلن فساده وعدم نفوذه، وبتن ذلك للأمة بيانًا عامًّا، وهو إلغاء كل شرط خالف حكم الله وشرعه.
° الوجه التاسع: في الحديث دليل على جواز بيع التقسيط. وصورته: أن يبيع بضاعة إلى أجل، ويزيد في سعرها مقابل الأجل. وهو جائز في قول عامة أهل العلم، بل حكى الحافظ ابن حجر الإجماع على جوازه (١)، والأدلة على جوازه كثيرة، ومنها حديث الباب، وحديث السلم الآتي في بابه وغيرها، ومن جهة المعنى أن بيع التقسيط فيه مصلحة للمتعاقدين، وليس فيه ضرر.
لكن ينبغي لمن يبيع بالتقسيط أن يكون قنوعًا من ناحية الربح، فلا يزيد فيه بما يضر أخاه المسلم ويشق عليه سداده، والله تعالى أعلم.
стр. 2322
حكم بيع أمهات الأولاد
٧٩٢/ ١١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيعِ أُمّهَاتِ الأَوْلَادِ، فَقَال: لَا تُبَاعُ، وَلا تُوهَبُ، وَلا تُورَثُ، لِيَسْتَمْتِعْ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيهَقِيُّ، وَقَال: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ.
٧٩٣/ ١٢ - وعَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَال: كُنَّا نَبِيعُ سَرَارَينَا؛ أُمّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبيُّ ﷺ حَيٌّ، لا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄، فقد أخرجه مالك في "الموطأ" في كتاب "العتق والولاء"، باب "عتق أمهات الأولاد" (٢/ ٧٧٦) من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، والبيهقي (١٠/ ٣٤٢، ٣٤٣) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال البيهقي: (وغلط فيه بعض الرواة … فرفعه إلى النبي ﷺ ، وهو وهم لا يحل ذكره)، وسبقه إلى هذا الدارقطني فقال عن وقفه: إنه هو الصواب (١).
أما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٥/ ٥٦) (٥٠٢١) في كتاب "العتق"، باب "في أم الولد"، وابن ماجه (٢٥١٧)، والدارقطني (٤/ ١٣٥)، وابن حبان (١٠/ ١٦٥) من طريق ابن جريج، قال:
стр. 2323
أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: … وذكر الحديث. وإسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه النووي (١)، والألباني (٢).
وأخرجه أبو داود (٣٩٥٤)، وابن حبان (١٠/ ١٦٦)، والحاكم (٢/ ١٨، ١٩)، والبيهقي (١٠/ ٣٤٧) من طريق حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر ﵁ قال: (بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر انتهينا)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، كما قال الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وصححه الألباني (٣).
° الوجه الثاني: أثر عمر ﵁ فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد، والمراد بهن: الإماء اللائي ولدن من سادتهن، وقد وافق عمرَ ﵁ على ذلك المهاجرون والأنصار؛ لأن في بيعهن تفريقًا بينهن وبين أولادهن وتعريضًا لأولادهن الأحرار للاسترقاق والأذى، فرأى ﵁ ألا يُبعن، بل يُعْتِقُهن أولادهن بعد موت السيد، وتكون بعد موت سيدها حرة تامة الحرية تملك جميع تصرفاتها، وإنما منع بيعها لأنها استحقت أن تعتق بموته، وبيعها يمنع ذلك.
وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وحكاه بعضهم إجماعًا (٤). والظاهر أنه لا يثبت لوجود الخلاف، لكن الذي عليه جمهور أهل العلم وهو كالإجماع أنهن لا يُبعن أخذًا بما رآه الصحابة ﵃، وقد حكي ابن قدامة إجماع الصحابة على ذلك (٥).
وقد أراد علي ﵁ في خلافته أن يرجع عن ذلك، فقد أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: قال علي ﵁: (ناظرني عمر بن الخطاب ﵁ في بيع أمهات الأولاد، فقلت: يُبعن، وقال: لا يُبعن، قال: فلم يزل عمر يراجعني حتى قلت بقوله، فقضى بذلك حياته، فلما أفضى الأمر إليّ رأيت أن يبعن، فقال عبيدة: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إليّ من رأيك وحدك في الفرقة) (٦).
стр. 2324
° الوجه الثالث: دلَّ حديث جابر ﵁ على جواز بيع أمهات الأولاد وأن النبي ﷺ كان يعلم ذلك ويقرهم عليه، وهذا القول روي عن علي وابن عباس وابن الزبير ﵃ (١)، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وبه قال داود الظاهري، وقتادة، وجماعة آخرين (٣).
وذكر بعض العلماء أن حديث جابر ﵁ غير ناهض على الاستدلال به على الجواز لأمرين:
الأول: أن الحافظ البيهقي قال: (ليس في شيء من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ علم بذلك وأقرهم عليه) (٤)، وهذا فيه نظر؛ لما تقدم.
الثاني: أن قوله: (لا نرى بذلك بأسًا) قد ثبت بالنون التي للجماعة، ولو كان بالياء التحتية (لا يَرى) لكان فيه دلالة على التقرير.
قالوا: وأما رواية: (بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر انتهينا) فليس بدليل على النسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في زمن النبي ﷺ ، وإنما معناه -والله أعلم-: أن البيع كان مباحًا، ثم نهى عنه في آخر حياته، ولم يظهر النهي لمن باعها، ولا علم أبو بكر ﵁ عمن باع في زمانه لقصر مدته، واشتغاله بأهم أمور الدين، فلما ظهر ذلك في زمان عمر ﵁ نهاهم، وأظهر النهي والمنع (٥).
والقول بجواز البيع فيه وجاهة، لعمل الصحابة ﵃، وقد يستدل على ذلك بإقرار الله تعالى لهم، وقال الشوكاني: (الأحوط اجتناب البيع؛ لأن أقل أحواله أن يكون من الأمور المشتبهة، والمؤمنون وقّافون عندها، كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق ﷺ ، والله أعلم) (٦).
стр. 2325
النهي عن بيع فضل الماء وثمن عَسْبِ الفحل
٧٩٤/ ١٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد اللهِ ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيعِ فَضْلِ الْمَاءِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَعَنْ بَيعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ.
٧٩٥/ ١٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "تحريم بيع فضل الماء الذي يكون بالفلاة ويُحتاج إليه لرعي الكلأ، وتحريم منع بذله وتحريم بيع ضراب الفحل" (١٥٦٥) من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، به.
وأخرجه -أيضًا- من طريق روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء، والأرض لتحرث، فعن ذلك نهى النبي ﷺ .
وأما حديث ابن عمر ﵄، فقد أخرجه البخاري في كتاب "الإجارة"، باب "عَسْب الفحل" (٢٢٨٤) من طريق علي بن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به (١).
стр. 2326
ولعل الحافظ أورد حديث ابن عمر ﵄، لأنه أعم من حديث جابر ﵁، لأن الأول خاص بالجمل، وهذا عام في كل فحل.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (فَضْلِ الماء) المراد به: الماء الزائد عن كفاية صاحبه، وهو الماء الذي في الفلاة، ويُحتاج إليه لرعي الكلأ.
قوله: (ضراب الجمل) بكسر الضاد المعجمة، وهو نزوه على الناقة.
قوله: (عسب الفحل) العسب: بفتح العين المهملة وسكون السين، هو ماء الفحل الذي يقذفه في رحم أنثاه، وقيل: هو طَرْقُ الفحل، أي: ضِرابه قال أهل اللغة: (عَسَبَ الفحلُ الناقةَ عَسْبًا من باب ضرب: طرقها) (١).
والقول الثاني: أن عسب الفحل: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، يقال: (عَسَبْتُ الرجلَ عسبًا: أعطيته الكِراء على الضراب) وهذا هو الأقرب، وهو اختيار أبي عبيد (٢)؛ لأن الضراب نفسه غير منهي عنه، بل هو مطلوب لذاته لمصالح العباد، وإلا لأدى ذلك إلى انقطاع النسل، فيكون المقصود النهي عن أخذ الأجرة على ضراب الفحل.
والفحل: هو الذكر من كل حيوان، جملًا كان أو خروفًا أو تيسًا أو فرسًا أو غير ذلك.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بيع فضل الماء، وأن الواجب بذل الزائد منه لمحتاجه، والمراد بذلك: ما كان في الفلاة من مورد ونحوه، وكذا نقع البئر والعين الجارية، ونحو ذلك مما يفضل عن حاجة الإنسان ولا يلحق في بذله أذى، أما إذا كان الماء بقدر حاجته فله منعه.
أما المياه التي حازها صاحبها في بركة أو خزان أو قربة أو إناء فهي مياه مملوكة يجوز بيعها، ولا يحل أخذها إلا بإذن صاحبها، قياسًا على جواز
стр. 2327
بيع الحطب إذا أحرزه الحاطب، ولا يجب على صاحبه بذله إلا لمضطر. ومن مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التسامح في ذلك وبذل الماء للناس من عين أو بئر إذا لم يكن ضرر، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" (١)، وفسَّر سفيان بن عيينة الحديث بقوله: (يكون حول بترك الكلأ، فتمنعهم فضل مائك، فلا يعودون أن يرعوا) (٢). ووجه هذا النهي أن العرب كانت تمنع فضل الماء لا لشحّ بالماء، ولكن لئلا ينزل عندهم بغنمه أو إبله فيأكل من الكلأ، فيمنعونه من فضل الماء لئلا ينزل بقربهم، فنهى النبي ﷺ عن ذلك؛ لأن في المنع عن فضل الماء منعًا عن فضل الكلأ، ولا يجوز شيء من ذلك.
ومما يؤيد المنع من بيع الماء قوله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار"، وسيأتي الكلام عليه مع مزيد بحث -إن شاء الله- في باب "إحياء الموات".
° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن بيع ضراب الفحل وأخذ الأجرة عليه، ووجوب بذله مجانًا، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه مما ينبغي التعاون والتسامح فيه بين الناس، وبذله ابتغاء وجه الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا.
وقد علل الفقهاء المنع بأنه معدوم عند العقد، وغير مقدور على تسليمه، فإن صاحبه عاجز عن ذلك، قال ابن القيم: (إن النهي عن بيع عسب الفحل من محاسن الشريعة وكمالها، فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان وجعله محلًّا لعقود المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجن عند العقلاء) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 2328
من البيوع المنهي عنها
٧٩٦/ ١٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يتَبايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تنتجَ النَّاقَةُ، ثُم تُنتجُ الَّتي في بَطْنِهَا. مُتَفَق عَلَيهِ، وَالَّلفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
* الكلا عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "بيع الغرر وحَبَلِ الحَبَلَةِ" (٢١٤٣) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ بهذا السياق، وأخرجه مسلم (١٥١٤) من طريق الليث، عن نافع، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن بيع حبل الحبلة.
وأخرجه مسلم -أيضًا- من طريق عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة: أن تُنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (حبل الحبلة) بفتح الحاء والباء فيهما، والحبل: مصدر، أريد به الجنين الموجود في بطن أمه حين العقد، والحبلة: جمع حابل، مثل: كاتب وكتبة، وهو النتاج، والهاء للمبالغة، وقيل: للإشعار بالأنوثة، والأكثر استعمال الحبل للنساء خاصة، والحمل لهن ولغيرهن من إناث الحيوان، وحبل الحبلة: هو نتاج النتاج.
وقد فسره في الحديث بأنه من بيوع الجاهلية، ومعناه: أن يشتري الناقة
стр. 2329
ويؤجل ثمنها إلى أن تلد الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجتها، وهذا التفسير مروي عن ابن عمر ﵄، كما جاء صريحًا في رواية مسلم المذكورة.
والتفسير الثاني: البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ما في بطنها، ثم تلد التي ولدتها، وهذا تفسير لابن عمر -أيضًا- عند البخاري، كما في حديث الباب.
والتفسير الثالث: البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ما في بطنها، وهذا تفسير نافع، كما أخرجه البخاري (١).
والبيع على هذه التفاسير الثلاثة بيع بثمن مؤجل، غير أنها مختلفة في الأجل، فعلى تفسير نافع هو ولادة الناقة، وعلى تفسير ابن عمر الأول ولادة الناقة وحمل ما ولدته، وعلى التفسير الثاني ولادة الناقة وولادة ما ولدته.
التفسير الرابع: أن يبيع ولد الناقة الحابل في الحال، وهذا تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبي عبيد القاسم بن سلَّام وآخرين من أهل اللغة (٢)، وهذا بيع قائم على الغرر.
ومن أهل العلم من قال: إن تفسير ابن عمر ﵄ -هو المقدم؛ لأنه تفسير راوي الحديث، والراوي أعلم بمعنى ما روى، والمحققون من أهل الأصول أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر، والأظهر أنه لا مانع من الأخذ بجميع هذه التفاسير؛ لأن بعضها من راوي الحديث، وبعضها تحتمله اللغة، ولا داعي للترجيح إذ لا تعارض، والله أعلم.
قوله: (الجاهلية) هو اسم لما كانت عليه العرب قبل الإسلام من الشرك وعبادة الأوثان، مشتق من الجهل لغلبته عليهم.
قوله: (يبتاع الجزور) أي: يشتريها، والجزور: بفتح الجيم، البعير ذكرًا كان أم أنثى، وذكر الجزور هنا إما لأنه كان فعل الجاهلية فيه خاصة،
стр. 2330
وإما أن يكون ذكره على سبيل التمثيل، إذ لا فرق بين الجزور وغيرها من الحيوانات في ذلك.
قوله: (تُنتج الناقة) أي: تلد، وتنتج: بضم أوله وفتح ثالثه، من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول، يقال: نُتجت الناقة، بالبناء للمجهول دائمًا، تُنْتَجُ، بمعنى: تلد ولدًا، ويعرب ما بعد الفعل فاعلًا لا نائب فاعل، وهي قاعدة الأفعال الملازمة للبناء للمجهول.
قوله: (ثم تنتج التي في بطنها) أي: تلد التي في بطن الناقة التي وقع عليها العقد، بمعنى: تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع حبل الحبلة، وهذا النهي للتحريم، ويفيد فساد العقد؛ لأنه على التفاسير الثلاثة الأوَلِ بيع إلى أجل مجهول؛ لأن أجل الثمن غير معلوم، والأجل له وقع في الثمن في طوله وقصره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فدلت الآية على اشتراط كون الأجل معلومًا فيما كان بأجل، ولأن جهالة الأجل تفضي إلى الخصام والنزاع بين المتعاقدين، وهذا أمر لا يرضاه الإسلام.
وأما على التفسير الرابع وهو أن المراد بيع الناقة الحامل في الحال فهي جهالة المبيع؛ لأنه لا يعلم قدره ونوعه، فلا يعلم هل هو أنثى؟ وهل هو واحد أو اثنان؟ وهل هو حي أو ميت؟ وفيه -أيضًا- جهالة الأجل؛ لأنه أجل غير محدد بزمن، فقد يطول، وقد يقصر، وقد يتخلف فلا يوجد أصلًا، فأبطل الشارع ذلك لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، مع ما يصاحب ذلك من النزاع والخصام.
وهذه البيوع تدل على تساهل أهل الجاهلية، وعدم عنايتهم بضبط أمور دنياهم، والسر في ذلك -والله أعلم- أن المبيع قد لا يكون له أهمية، فلهذا لا يبالون بهذه الآجال المجهولة، وبهذا الثمن المعدوم؛ لأن المبيع إما ناقة كبيرة جدًّا أو شبه ذلك مما لا يهمهم لو تأخر الثمن أو لم يحصل، والله تعالى أعلم.
стр. 2331
النهي عن بيع الولاء وهبته
٧٩٧/ ١٦ - عَنْ ابْنِ عُمَر ﵄ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "العتق"، باب "بيع الولاء وهبته" (٢٥٣٥) من طريق شعبة قال: أخبرني عبد الله بن دينار، سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: …
وأخرجه في "الفرائض"، باب "إثم من تبرأ من مواليه" (٦٧٥٦) من طريق سفيان، عن عبد الله بن دينار، به، وأخرجه مسلم (١٥٠٦) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، به، وقال مسلم بعد سياقه: (الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث)، أي: لأن هذا الحديث اشتهر عنه، ولذا قال الترمذي: (حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار … ) (١)، وقصد الترمذي أن هذا الحديث لا يصح إلا من طريق عبد الله بن دينار، لأن له طرقًا أخرى، وكلها ضعيفة.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن بيع ولاء العتق، وهو التنازل عنه بثمن لشخص آخر، والنهي عن هبته، وهو التنازل عنه بغير ثمن لشخص آخر، وذلك لأن الولاء عصوبة تحصل للإنسان بسبب العتق، فلا تباع ولا توهب؛ لأنها أمر معنوي، كالنسب الذي لا يتأتى انتقاله، كالأبوة
стр. 2332
والأخوة، فلو قلت: يا فلان بعتك قرابتي من أخي أو وهبتك إياها ما صار أخًا لهذا الشخص، بل الحكم باقٍ، وهو الأخوة، فكذا ولاء العتق.
وقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى عنه الشارع، وهذا مذهب الجمهور، وسيأتي -إن شاء الله- في كتاب "العتق" مزيد كلام، والله تعالى أعلم.
стр. 2333
النهي عن بيع الغرر
٧٩٨/ ١٧ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيعِ الْغَرَرِ، رَوَاهُ مسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في أول "البيوع"، باب "بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر" (١٥١٣) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، به.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (عن بيع الحصاة) هذا من إضافة المصدر إلى نوعه، كبيع الخيار، وليس من إضافة المصدر إلى مفعوله، كبيع الميتة والخمر؛ لأن البيع يقع على الميتة والخمر، وليس المقصود -هنا- وقوعه على الحصاة، والمعنى: نهى عن البيع الذي استعملت فيه الحصاة، وله صور ذكرها ابن القيم (١)، ومنها:
١ - أن يقول البائع للمشتري: إذا نبذت إليك بالحصاة فقد وجب البيع فيما بيني وبينك، وهذا تفسير المحدثين، ذكره الترمذي، ثم قال: (وهذا شبيه ببيع المنابذة، وكان هذا من بيوع الجاهلية) (٢).
٢ - أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا.
стр. 2334
٣ - أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة.
٤ - أن يبيعه سلعة ويقبض على كف من حصا، ويقول: لي بكل حصاة درهم.
٥ - أن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة، ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك بكذا. وهذه الأربعة الأخيرة عند الفقهاء من أرباب المذاهب.
قوله: (وعن بيع الغرر) هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن بيع الحصاة من الغرر، والإضافة فيه من إضافة الموصوت إلى صفته، أو من إضافة المصدر إلى نوعه، ليعم كل بيوع الغرر -كما سيأتي-.
والغرر: بفتحتين، هو الخطر (١)، وفي اصطلاح الفقهاء: ما كان مستور العاقبة، بمعنى أن البيع قائم على الجهل، بحيث لا تُعرف أوصافه ولا يُدرى هل يحصل أو لا؟. قال الخطابي: (أصل الغرر: هو ما طُوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسِرُّه، وهو مأخوذ من قولك: طويت الثوب على غَرِّه؛ أي: على كسره الأول، وكل بيع كان المقصود منه مجهولًا غير معلوم، ومعجوزًا عنه غير مقدور عليه، فهو غرر" (٢).
والغرر قد يكون في العين، وقد يكون في الثمن، وقد يكون في الأجل، فالعين كبيع الحصاة والجمل الشارد، وبيع ما لم يتم ملك البائع عليه، وسيأتي لذلك زيادة أمثلة -إن شاء الله- في باب "من مسائل الغرر"، والثمن كان يبيع السلعة بقيمتها أو برقمها والمشتري لا يعرفه عند العقد، أو بما ينقطع به السعر، أو بما يُعطى فيها، ونحو ذلك. والأجل كأن يكون مجهولًا، مثل: إلى ميسرة أو إلى أن أبيع كذا.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع الحصاة، وفساد العقد؛ لأنه مقتضى النهي، وقد اتفق الفقهاء على العمل بموجب هذا الحديث، ولكنهم اختلفوا في تفسيره كما تقدم، وهو من بيوع الجاهلية التي نهى عنها الإسلام؛ لما فيها من الغرر والجهالة.
стр. 2335
° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن بيع الغرر، وفساد العقد، سواء كان الغرر في العقد أو في الثمن أو في الأجل، ويدخل تحته أنواع كثيرة.
قال النووي: (النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة … ) (١).
والحكمة من النهي عنه حفظ أموال الناس من أن تضيع؛ لأن البيع بهذه الصفة من أكل أموال الناس بالباطل، وأيضًا قطع الخصومة والنزاع بين الناس؛ لأن بيع الغرر يؤدي إلى ذلك قطعًا.
الوجه الخامس: المراد بالغرر هنا ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار يوصف ببيع الغرر، فهذا لا خلاف في منعه.
وأما يسير الغرر وما يُتسامح فيه عادة أو يشق الاحتراز عنه فإنه لا يؤثر في فساد العقد؛ لأنه لا يكاد يخلو منه عقد من العقود، كبيع الدار وإن لم يرَ أساسها، وبيع السيارة نظرًا لظاهرها وظاهر محركها، وبيع الشاة التي فيها لبن، ونحو ذلك مما يدخل تبعًا ولا يصح لو أُفرد، وكذا كل ما لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، ومثله بيع المغيبات في الأرض، كالجزر والفجل والبصل، ونحوها.
وما يقع فيه الخلاف بين الفقهاء فمرجعه إلى تقدير الغرر، فمن يجعله يسيرًا يصحح البيع، ومن يراه كثيرًا يبطل البيع، والله تعالى أعلم.
стр. 2336
النهي عن بيع الطعام قبل قبضه
٧٩٩/ ١٨ - عَنْ أَبي هُرَيرَة ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتى يَكْتَالهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "البيوع"، باب "بطلان بيع المبيع قبل القبض" (١٥٢٨) من طريق الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (طعامًا) هو في اللغة: اسم لكل ما يؤكل، وربما خُصَّ بالبر (١)، كما في حديث أبي سعيد ﵁ في زكاة الفطر: " … صاعًا من طعام، أوصاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير … " (٢)، وهذا هو عرف أهل الحجاز، ويطلق الطعام على كل ما يطعم من مأكول أو مشروب، قال تعالى عن الماء: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣) [البقرة: ٢٤٩]. والأظهر أنه يدخل فيه كل ما تعارف الناس على إطعامه، وعلى هذا فهو اسم لسائر المطعومات من القمح والرز والشعير والتمر، أو الأشربة كالزيت والعسل، وغيرهما.
قوله: (فلا يبعه) هكذا بجزم المضارع على أن (لا) ناهية.
стр. 2337
قوله: (حتى يكتاله) أي: يستوفيه بالكيل، وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"، وفي لفظ: "حتى يقبضه" (١). يقال: كال الدافع، واكتال الآخذ، قال تعالى: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣]. وظاهر اللفظ: "يكتال" يشعر بأنه خاص بما يحتاج إلى كيل، لكن لفظ: "يستوفيه"، ولفظ: "يقبضه" يفيد العموم، كما سيأتي؛ لأن مجموع الألفاظ يفيد معنى القبض والحيازة.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي من اشترى طعامًا أن يبيعه قبل قبضه، وعبَّر بالكيل عن القبض، وذلك بأن يكتاله ويستوفيه؛ لأن قبض المكيل لا يحصل إلا بالكيل، وهذا النهي للتحريم؛ لأنه الأصل في صيغة النهي ما لم توجد قرينة تصرفها عن ذلك، وليس هنا قرينة صارفة عن التحريم، بل قد جاء في بعض الروايات ما يؤكد التحريم، فقد قال عبد الله بن عمر ﵄: (لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جِزَافًا -يعني الطعام- يُضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم) (٢). والعقوبة بالضرب لا تكون إلا على أمر محرم.
° الوجه الرابع: جعل الفقهاء هذا الحكم عامًّا في كل مبيع يحتاج قبضه إلى حق توفيةٍ من مكيل وموزون ومذروع ومعدود، وهذا من باب القياس، فلا يصح بيع شيء من ذلك إلا بعد استيفائها من البائع بما تقبض به، بواحد من هذه الطرق؛ لأن كلًّا منها معيار لتقدير الأشياء، فيجب أن يكون كل ما يحتاج إلى تقدير يجري القبض فيه باستيفاء قدره.
° الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن المنع من بيع الطعام قبل قبضه عام في كل طعام بيع كيلًا أو بيع جزافًا (٣)، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن
стр. 2338
الإمام أحمد (١)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣).
كما استدلوا بعموم الأدلة التي تفيد النهي عن بيع المشترَى قبل قبضه مطلقًا، فيدخل في عمومها بيع الطعام، سواء كان مقدرًا أو جزافًا، وسيأتي شيء منها إن شاء الله.
والقول الثاني: أن الطعام إذا بيع جزافًا جاز بيعه قبل قبضه، وإذا كان مقدرًا بكيل أو نحوه لم يجز بيعه قبل قبضه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (٤). واستدلوا بدليلين:
١ - حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشترى طعامًا بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه" (٥)، قالوا: فتخصيص الطعام بالكيل والوزن دليل على أن ما بيع جزافًا لا يشترط فيه قبض.
٢ - قول ابن عمر ﵄: (ما أَدْرَكَتِ الصفقة حيًّا مجموعًا (٦) فهو من المبتاع) (٧).
والمعنى: أنه من مال المشتري وفي ضمانه، فدل ذلك على جواز التصرف فيه قبل قبضه، قالوا: ولأنه كان متعينًا بالعقد لا يحتاج إلى توفية بكيل أو وزن ونحوهما بحيث يكون المشتري قد تمكن من قبضه، فهو من ضمانه، قبضه أو لم يقبضه (٨).
والقول الأول أرجح لقوة دليله، وهو أنه لا بد من القبض، سواء بيع مقدرًا أو جزافًا، ووجه الترجيح أمور:
стр. 2339
الأول: قوة الأدلة.
الثاني: أنه قبل القبض عُرضة للتلف وهو في ضمان البائع.
الثالث: أنه ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، كما سيأتي.
الرابع: أنه ما دام في حوزة البائع فهو في خطر؛ لأنه قد ينكر البيع، وقد يتحيل على إبطاله إذا رأى أنه مغبون، أو أن المشتري قد ربح فيه أو ما أشبه ذلك (١)، والشريعة الإسلامية جاءت بما هو كفيل بقطع أسباب النزاع والخصومات والاختلاف والتباغض، ولا شك أن بيوع الغرر، ومنها بيع الطعام قبل قبضه من أسباب ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 2340
حكم البيعتين في بيعة
٨٠٠/ ١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائي، وَصححَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبّانَ.
وَلأبي دَاوُدَ: "مَنْ بَاعَ بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا، أَو الرِّبَا".
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٣٥٨)، والنسائي (٧/ ٢٩٥، ٢٩٦)، والترمذي (١٢٣١)، وابن حبان (١١/ ٣٤٧ من طرق، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به.
وهذا سند حسن؛ لأنه من رواية محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وفيه كلام يسير في حفظه، قال في "التقريب": (صدوق له أوهام)، وقد روى له البخاري مقرونًا، ومسلم في المتابعات.
وأما رواية أبي داود (٣٤٦٠) فقد أخرجها -أيضًا- ابن حبان (١١/ ٣٤٨)، والحاكم (٢/ ٤٥)، وعنه البيهقي (٥/ ٣٤٣) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به.
قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي، وصححه ابن حزم (١)، لكن تعقبه الألباني بأن الحديث حسن؛ لما تقدم في محمد بن
стр. 2341
عمرو، وأن حديثه لا يرقى إلى درجة الصحيح (١)، وهذا فيه نظر، فإن يحيى بن زكريا وإن كان ثقة، فقد خالفه عدد من الحفاظ أمثال عبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب بن عطاء وغيرهم، كلهم رووا الحديث باللفظ الأول، وهذا هو المحفوظ، وأما اللفظ الثاني فهو شاذ (٢).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (بيعتين في بيعة) البيعة: هي صفقة البيع، والمراد: عقدان في عقد واحد، وقد اختلف العلماء في تفسير ذلك على أقوال:
الأول: أن يقول: أبيعك هذا الثوب نقدًا بعشرة أو نسيئة بعشرين، وهذا تفسير سماك بن حرب راوي حديث ابن مسعود: (نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة واحدة (٣)) (٤). وهو تفسير الإمام مالك، كما في "الموطأ"، وهو تفسير النسائي، كما في "سننه"، وهو أحد تفسيري الشافعي، كما نقله ابن عبد البر (٥)، وهو تفسير سفيان الثوري، كما نقله عنه عبد الرزاق (٦).
الثاني: أن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر عقدًا آخر، كسلف، أو بيع، أو إجارة، أو شركة، ونحو ذلك كأن يقول البائع: أبيعك هذه السيارة بكذا على أن تبيعني سيارتك بكذا، أو تؤجرني بيتك، وهذا تفسير الحنابلة، ونسبه ابن عبد البر إلى الشافعي أيضًا (٧).
стр. 2342
الثالث: أن يبيعه سلعة بمائة إلى أجل ثم يشتريها منه حالًّا بأقل، وهذه مسألة العينة، كما سيأتي؛ لأن البيع بمائة عقد، والشراء بثمانين عقد آخر، وهذا هو الذي تدل عليه رواية أبي داود، وقد اختار هذا التفسير ابن تيمية، وابن القيم حيث قال: (هذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره) (١).
قوله: (فله أوكسهما أو الربا) قال في "اللسان": (الوكس: النقص). والمعنى: أن من باع سيارة -مثلًا- بمائة ألف مؤجلة، ثم اشتراها بثمانين نقدًا، فلا يخلو من أمرين: إما أن يمضي العقد وهذا هو الربا؛ لأن حقيقة الأمر أنه أعطاه ثمانين بمائة، وجعل السلعة واسطة، حيلة على الربا. وإما أن يأخذ الأقل وهي الثمانون، ويسلم من الربا، وهذا هو الأوكس، بمعنى: الأنقص.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيعتين في بيعة، وهذا يقتضي تحريم العقد وفساده، وقد اتفق الفقهاء على القول بموجب أحاديث النهي عن بيعتين في بيعة، ولكنهم اختلفوا في تفسير ذلك؛ كما تقدم (٢).
فأما التفسير الأول فليس فيه بيعتان، وإنما هي بيعة واحدة بثمن مبهم، فإن اتفقا على أحدهما قبل التفرق فالأمر واضح، وإن تفرقا على غير شيء بقي الثمن مجهولًا، واختل شرط من شروط البيع، فلا يصح، إلا إن كان بينهما خيار ليومين -مثلًا- فتكون العلة عدم استقرار الثمن، وهذا المعنى بعيد من هذا الحديث، لما تقدم (٣).
وأما على التفسير الثاني فهما عقدان لا محذور فيهما في الظاهر إلا تعليق البيع بشرط مستقبل يجوز وقوعه وعدم وقوعه، فلم يستقر الملك. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (الحديث لا يتناول هذه الصورة لا بلفظه ولا بمعناه، ولا محذور في ذلك) (٤)، على أن الشوكاني ذكر أن هذا التفسير
стр. 2343
يصلح لرواية: (نهى عن بيعتين في بيعة) لكنه لا يوافق الرواية الثانية، وهي رواية أبي داود، وقد تقدم ما فيها.
أما الثالث فهو أظهر التفاسير وأقربها وهو ينطبق على الروايتين معًا، والنهي عن هذه الصورة لسد ذريعة الربا، كما تقدم.
° الوجه الرابع: في الحديث أوضح دليل على النهي عن الحيل التي هي في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا.
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على قاعدة سد الذرائع وأن الأمور بمقاصدها، والله أعلم.
стр. 2344
من مسائل البيع
٨٠١/ ٢٠ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيعٌ، وَلَا شَرْطَانِ في بَيعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيعُ مَا لَيسَ عِنْدَكَ"، رَوَاهُ الْخمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيمَةَ، وَالحاكم.
وأخْرَجَهُ في "عُلُوم الحديثِ" من روايةِ أبي حَنِيفَةَ، عن عَمروٍ المذكورِ بلفظِ: "نَهى عن بَيعٍ وشَرْطٍ" ومِنْ هذا الوجهِ أخْرَجَهُ الطَّبَراني في "الأَوْسَطِ" وَهُوَ غرِيبٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في الرجل يبيع ما ليس عنده" (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٨٨)، وابن ماجه (٢١٨٨)، وأحمد (١١/ ٢٠٣، ٢٥٣، ٥١٦)، والحاكم (٢/ ١٧) من طرق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وهذا سند حسن، بناءً على الراجح من أقوال أهل العلم في أحاديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقد صححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، قال ابن القيم: (هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحيل الربوية) (١).
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥/ ١٨٤)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (٢)، وابن حزم في "المحلى" (٨/ ٤١٥، ٤١٦) من طريق عبد الله بن
стр. 2345
أيوب الضرير، قال: حدثنا محمد بن سليمان الذهلي، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة، فقلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا؟ قال: البيع باطل، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى، فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة، فسألته فقال: البيع جائز، والشرط جائز، فقلت: يا سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم عليَّ في مسألة واحدة! فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن نبي الله ﷺ نهى عن بيع وشرط، البيع باطل، والشرط باطل … وساق تمام الحديث.
وهذا إسناد واهٍ؛ لأن فيه عبد الله بن أيوب الضرير القِربي، قال عنه الدارقطني: (متروك) (١)، وشيخه محمد بن سليمان الذهلي، قال عنه الألباني: (لم أعرفه). ومحل الشاهد الذي ساقه الحافظ فيه أبو حنيفة، وهو ضعيف في الحديث، ضعّفه كبار الأئمة، كالإمام مسلم والإمام أحمد وعبد الله بن المبارك والنسائي والدارقطني وغيرهم، وذلك لسوء حفظه. قال ابن حبان: (كان رجلًا جَدِلًا، ظاهر الورع، لم يكن الحديث صناعته، حدَّث بمائة وثلاثين حديثًا مسانيد، ما له في الدنيا غيرها، أخطأ في مائة وعشرين حديثًا، إما أن يكون أقلب إسناده، أو غيَّر متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار) (٢). فهو ﵀ وإن كان فقيهًا ورعًا زاهدًا، لكن ليس من شأنه الرواية وضبط الأخبار، بل كان شغله في الفقه والعبادة، ثم إن هذا الحديث في لفظه نكارة، فإن قوله: (نهى عن بيع وشرط) مخالف لحديث جابر ﵁ المتفق عليه- وتقدم-، ثم هو مخالف لحديث: "ولا شرطان في بيع"، ومخالف للإجماع، كما ذكر شيخ الإسلام ابن (٣) تيمية، وابن القيم (٤).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز الجمع بين سلف وبيع،
стр. 2346
والمراد بالسلف: القرض (١)، كأن يقول: أبيعك هذه السيارة على أن تقرضني كذا، وقد فسره الإمام مالك بهذا المعنى (٢)، أو أقرضك كذا على أن تبيعني سيارتك، فهذا لا يجوز، وقد حكى ابن عبد البر وابن هبيرة وابن رشد اتفاق العلماء على ذلك (٣). وقال ابن قدامة: (لا أعلم فيه خلافًا) (٤).
ووجه المنع أن البيع صار وسيلة للقرض، فيكون قرضًا جرَّ منفعة؛ لأنه لم يقرضه إلا من أجل هذا البيع، والقرض يجب أن يكون إرفاقًا محضًا، لا يقصد به حاجة أخرى.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز الجمع بين شرطين في عقد البيع، وقد اختلف العلماء في تفسير ذلك، فمن أهل العلم من حمله على ظاهره، وفسره بأن يشترط المشتري على البائع شرطين، كأن يشتري الحطب ويشترط على البائع حمله إلى منزله وتكسيره، أو يشتري الثوب ويشترط تفصيله وخياطته، ونحو ذلك، فهذا لا يصح، وقد عزا هذا التفسير ابن المنذر إلى الإمام أحمد وإسحاق (٥)، ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: (الشرط الواحد لا بأس به، إنما نُهي عن الشرطين) (٦). واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز، ووجه النهي: أن اشتراط شرطين يفضي إلى النزاع، بخلاف اشتراط شرط واحد فإن الحاجة تدعو إليه، وليس سببًا للنزاع.
والقول الثاني: أن المراد بالشرطين: أن يقول البائع: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العِينة. وهذا قول ابن القيم معلِّلًا لذلك: بأن الشرط يطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط.
وَرَدَّ التفسير الأول بأنه بعيد عن مقصود الحديث؛ لأن اشتراط منفعة
стр. 2347
البائع في البيع إن كان فاسدًا فسد الشرط والشرطان، وإن كان صحيحًا فأي فرق بين شرط أو شرطين أو أكثر؟!.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يربح في شيء لم يقبضه، وهو أن يبيع السلعة المشتراة قبل قبضها من البائع ويربح فيها، وذلك لأن السلعة قبل قبضها ليست من ضمان المشتري، وإنما هي من ضمان البائع، فلو تلفت تلفت من ماله، فإذا باعها قبل قبضها فقد ربح في سلعة ليس عليه ضمانها لو تلفت، وهذا لا يجوز، وهذا معنى الحديث الآخر: "الخراج بالضمان"، ومعناه: أن الفائدة التي تحصل من العين المبيعة مستحقة لمن تقع العين في ضمانه، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على هذا الحديث في موضعه.
• الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع ما ليس عنده؛ أي: ما ليس في ملكه وتحت تصرفه، وذلك بأن يبيع ما لا يملكه وقت العقد، على أن يمضي إلى السوق فيشتريه ويسلمه للمشتري، وقد دل على ذلك حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: (لا تبع ما ليس عندك) (١). قال ابن قدامة: (ولا نعلم فيه خلافًا) (٢).
وذكر الشيخ عبد العزيز بن باز أنه يدخل في الحديث ما لو باع أعيانًا اشتراها وهي في ذمم الناس، فليس له بيعها حتى يقبضها؛ لأنه يشملها قوله: "لا تبع ما ليس عندك"، وقد ذكر ذلك من قَبْلُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى هذا فمعنى: "ما ليس عندك" ما ليس في ملكك، وما ليس تحت يدك (٣).
وعلة المنع هي الغرر الناشيء عن عدم القدرة على تسليم المبيع وقت العقد، وما يترتب على ذلك من النزاع، فإن البائع قد لا يجد المبيع في
стр. 2348
السوق، ولو كان البائع يثق بوجوده فقد يقع أمور بخلاف ذلك، والمشتري يطالب بالمبيع، ولا يرضى بإمهاله؛ لأن العقد تم على تسليم المبيع في الحال.
وقد حمل العلماء، ومنهم: فقهاء الحنابلة، وغيرهم كالإمام الخطابي، والبغوي (١)، هذا النهي على بيع الأعيان التي لا يملكها البائع حال العقد، أما لو باع شيئًا موصوفًا في الذمة فإن البيع يصح، وهذا هو السَّلَم الذي هو بيع موصوف في الذمة، وهو بيع ما ليس عند البائع، فتشترط له شروطه، ومنها: قبض الثمن في مجلس العقد، فإذا قُبِضَ الثمن وأُجِّل المثمن صار دَينًا كسائر الديون، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وسيأتي الكلام عليه في بابه، إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
стр. 2349
حكم بيع العربون
٨٠٢/ ٢١ - عَنْ عَمْرَوَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيعِ الْعُرْبَانِ، روَاهُ مَالِكٌ، قَال: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، بِهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مالك في "الموطأ" في أول كتاب "البيوع"، باب"ما جاء في بيع العربان" (٢/ ٦٠٩) عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وهذا إسناد ضعيف، لإبهام الثقة الذي رواه عنه مالك، قال ابن عدي: (ويقال: إن مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، ولم يسمِّه لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مشهور) (١).
ونقل ابن القيم أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث، فقال: (ليس بشيء) (٢).
وقد روى الحديث أبو داود (٣٥٠٢)، وابن ماجه (٢١٩٢)، وأحمد (١١/ ٣٣٢) من طريق الإمام مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به.
وهذا حديث ضعيف، فيه انقطاع؛ لأنه من رواية مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب ولم يدركه، فبينهما راوٍ لم يُسمَّ.
стр. 2350
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (بيع العربان) العربان في اللغة: بضم العين، ويقال: عربون بضم العين وفتحها وتسكين الراء، وأصله في اللغة: التسليف والتقديم، يقال: عربنه: أعطاه العربون (١).
وعند الفقهاء: أن يشتري الرجل شيئًا أو يستأجره، ويدفع جزءًا من الثمن أو الأجرة، على أنه إن تم العقد حُسِبَ المبلغ المدفوع من ثمن المبيع أو قيمة الإجارة، وإلا فهو ملك للطرف الثاني، وهو البائع أو المؤجر.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع العربان، والنهي يقتضي الفساد، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو الخطاب (٢). قالوا: ولأنه من باب الغرر والمخاطرة، وفيه أكل المال بغير عوض ولا مقابل.
والقول الثاني: جواز بيع العربون، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو من مفردات المذهب (٣)، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄، كما روي عن بعض السلف، كابن سيرين ومجاهد (٤)، واستدلوا بما يلي:
١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم أن النبي ﷺ أحل العربان في البيع (٥).