← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

والمراد بالسلف: القرض (١)، كأن يقول: أبيعك هذه السيارة على أن تقرضني كذا، وقد فسره الإمام مالك بهذا المعنى (٢)، أو أقرضك كذا على أن تبيعني سيارتك، فهذا لا يجوز، وقد حكى ابن عبد البر وابن هبيرة وابن رشد اتفاق العلماء على ذلك (٣). وقال ابن قدامة: (لا أعلم فيه خلافًا) (٤). ووجه المنع أن البيع صار وسيلة للقرض، فيكون قرضًا جرَّ منفعة؛ لأنه لم يقرضه إلا من أجل هذا البيع، والقرض يجب أن يكون إرفاقًا محضًا، لا يقصد به حاجة أخرى. الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز الجمع بين شرطين في عقد البيع، وقد اختلف العلماء في تفسير ذلك، فمن أهل العلم من حمله على ظاهره، وفسره بأن يشترط المشتري على البائع شرطين، كأن يشتري الحطب ويشترط على البائع حمله إلى منزله وتكسيره، أو يشتري الثوب ويشترط تفصيله وخياطته، ونحو ذلك، فهذا لا يصح، وقد عزا هذا التفسير ابن المنذر إلى الإمام أحمد وإسحاق (٥)، ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: (الشرط الواحد لا بأس به، إنما نُهي عن الشرطين) (٦). واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز، ووجه النهي: أن اشتراط شرطين يفضي إلى النزاع، بخلاف اشتراط شرط واحد فإن الحاجة تدعو إليه، وليس سببًا للنزاع. والقول الثاني: أن المراد بالشرطين: أن يقول البائع: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العِينة. وهذا قول ابن القيم معلِّلًا لذلك: بأن الشرط يطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط. وَرَدَّ التفسير الأول بأنه بعيد عن مقصود الحديث؛ لأن اشتراط منفعة

стр. 2347

البائع في البيع إن كان فاسدًا فسد الشرط والشرطان، وإن كان صحيحًا فأي فرق بين شرط أو شرطين أو أكثر؟!. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يربح في شيء لم يقبضه، وهو أن يبيع السلعة المشتراة قبل قبضها من البائع ويربح فيها، وذلك لأن السلعة قبل قبضها ليست من ضمان المشتري، وإنما هي من ضمان البائع، فلو تلفت تلفت من ماله، فإذا باعها قبل قبضها فقد ربح في سلعة ليس عليه ضمانها لو تلفت، وهذا لا يجوز، وهذا معنى الحديث الآخر: "الخراج بالضمان"، ومعناه: أن الفائدة التي تحصل من العين المبيعة مستحقة لمن تقع العين في ضمانه، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على هذا الحديث في موضعه. • الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع ما ليس عنده؛ أي: ما ليس في ملكه وتحت تصرفه، وذلك بأن يبيع ما لا يملكه وقت العقد، على أن يمضي إلى السوق فيشتريه ويسلمه للمشتري، وقد دل على ذلك حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: (لا تبع ما ليس عندك) (١). قال ابن قدامة: (ولا نعلم فيه خلافًا) (٢). وذكر الشيخ عبد العزيز بن باز أنه يدخل في الحديث ما لو باع أعيانًا اشتراها وهي في ذمم الناس، فليس له بيعها حتى يقبضها؛ لأنه يشملها قوله: "لا تبع ما ليس عندك"، وقد ذكر ذلك من قَبْلُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى هذا فمعنى: "ما ليس عندك" ما ليس في ملكك، وما ليس تحت يدك (٣). وعلة المنع هي الغرر الناشيء عن عدم القدرة على تسليم المبيع وقت العقد، وما يترتب على ذلك من النزاع، فإن البائع قد لا يجد المبيع في

стр. 2348

السوق، ولو كان البائع يثق بوجوده فقد يقع أمور بخلاف ذلك، والمشتري يطالب بالمبيع، ولا يرضى بإمهاله؛ لأن العقد تم على تسليم المبيع في الحال. وقد حمل العلماء، ومنهم: فقهاء الحنابلة، وغيرهم كالإمام الخطابي، والبغوي (١)، هذا النهي على بيع الأعيان التي لا يملكها البائع حال العقد، أما لو باع شيئًا موصوفًا في الذمة فإن البيع يصح، وهذا هو السَّلَم الذي هو بيع موصوف في الذمة، وهو بيع ما ليس عند البائع، فتشترط له شروطه، ومنها: قبض الثمن في مجلس العقد، فإذا قُبِضَ الثمن وأُجِّل المثمن صار دَينًا كسائر الديون، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وسيأتي الكلام عليه في بابه، إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

стр. 2349

حكم بيع العربون ٨٠٢/ ٢١ - عَنْ عَمْرَوَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيعِ الْعُرْبَانِ، روَاهُ مَالِكٌ، قَال: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، بِهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مالك في "الموطأ" في أول كتاب "البيوع"، باب"ما جاء في بيع العربان" (٢/ ٦٠٩) عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وهذا إسناد ضعيف، لإبهام الثقة الذي رواه عنه مالك، قال ابن عدي: (ويقال: إن مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، ولم يسمِّه لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مشهور) (١). ونقل ابن القيم أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث، فقال: (ليس بشيء) (٢). وقد روى الحديث أبو داود (٣٥٠٢)، وابن ماجه (٢١٩٢)، وأحمد (١١/ ٣٣٢) من طريق الإمام مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به. وهذا حديث ضعيف، فيه انقطاع؛ لأنه من رواية مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب ولم يدركه، فبينهما راوٍ لم يُسمَّ.

стр. 2350

° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بيع العربان) العربان في اللغة: بضم العين، ويقال: عربون بضم العين وفتحها وتسكين الراء، وأصله في اللغة: التسليف والتقديم، يقال: عربنه: أعطاه العربون (١). وعند الفقهاء: أن يشتري الرجل شيئًا أو يستأجره، ويدفع جزءًا من الثمن أو الأجرة، على أنه إن تم العقد حُسِبَ المبلغ المدفوع من ثمن المبيع أو قيمة الإجارة، وإلا فهو ملك للطرف الثاني، وهو البائع أو المؤجر. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع العربان، والنهي يقتضي الفساد، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو الخطاب (٢). قالوا: ولأنه من باب الغرر والمخاطرة، وفيه أكل المال بغير عوض ولا مقابل. والقول الثاني: جواز بيع العربون، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو من مفردات المذهب (٣)، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄، كما روي عن بعض السلف، كابن سيرين ومجاهد (٤)، واستدلوا بما يلي: ١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم أن النبي ﷺ أحل العربان في البيع (٥).

стр. 2351

٢ - ما رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فرُّوخ، عن نافع بن الحارث -عامل عمر على مكة- أنه اشترى من صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف درهم، واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم (١). وقد أخذ الإمام أحمد بظاهر هذه الرواية، قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: (أي شيء أقول؟ هذا عمر ﵁) يعني: هذا عمر ﵁ أخذ به وذهب إليه (٢). ٣ - ما علقه البخاري عن ابن سيرين قال: قال رجل لِكَرِيِّهِ: أَدْخِلْ ركابك، فإن لم أرحل معك في يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه (٣). والقول بالجواز فيه وجاهة، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز، بشرط أن يقيد الاشتراط بزمن معين، لما يترتب على الإطلاق من ضرر؛ لأنه يكون بيعًا معلقًا، ولأنه يؤخذ بالاشتراط في خيار الشرط. وقولهم: إنه بغير مقابل، نقول: هو مقابل الإمهال والانتظار بالبيع وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري، وتفويت فرصة البيع من شخص آخر، فلا يصح القول بأن العربون أمر قد شُرط للبائع بغير مقابل. لكن لو تركه البائع لكان أفضل، لعموم قوله ﷺ : "من أقال مسلمًا أقاله الله عثرته يوم القيامة"، وهو حديث صحيح سيأتي في موضعه. ولأن في تركه خروجًا من خلاف العلماء، وأخذًا بالاحتياط، وهو أسلم لدين المؤمن.

стр. 2352

وإلا فأدلة المانعين ليست قوية، فإذا أخذه البائع احتياطًا لنفسه فله ذلك، والمسلمون على شروطهم، وما ذكره أصحاب القول الثاني وقائع يمكن الاستدلال بها، والله أعلم (١).

стр. 2353

النهي عن بيع السلعة قبل قبضها ٨٠٣/ ٢٢ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: ابْتَعْتُ زيتًا في السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ، لَقِيَيني رَجُل فَأعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأخَذَ رَجلٌ مِنْ خَلْفِي بِذرَاعي، فَالْتَفَت، فَإذَا هُوَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَال: لا تَبِعْهُ حَيثُ ابْتَعْتَهُ حتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِكَ، فَإن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السّلَعُ حَيثُ تُبْتَاعُ، حتى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأبو دَاوُدَ واللّفْظُ لَهُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٥/ ٥٢٢)، وأبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في بيع الطعام قبل أن يُستوفى" (٣٤٩٩)، وابن حبان (١١/ ٣٦٠)، والحاكم (٢/ ٤٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن عبيد بن حنين، عن عبد الله بن عمرو ﵄. وهذا سند حسن من أجل ابن إسحاق، وهو صدوق، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد وابن حبان وغيرهما، فانتفت شبهة تدليسه، وهو متابع -أيضًا- فقد رواه الطبراني في "الكبير" (٥/ ١١٣) والدارقطني (٣/ ١٢)، من طريق جرير بن حازم، والدارقطني (٣/ ١٢) من طريق إسحاق بن حازم، كلاهما عن أبي الزناد، به. وأما قول الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، فهذا فيه نظر، فإن مسلمًا ما روى لابن إسحاق في الأصول، وإنما

стр. 2354

روى له في المتابعات مقرونًا بغيره، وهي خمسة أحاديث، كما ذكر الذهبي (١). فهو حسن الحديث؛ لأن في حفظه شيئًا، فلا يرقى حديثه إلى درجة الصحة. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ابتعت) أي: اشتريت، يقال: ابتاع زيد الدار، أي: اشتراها، وتقدم هذا في أول "البيوع". قوله: (زيتًا) هو دهن الزيتون، وعند ابن حبان: (قدم رجل من الشام بزيت)، ويطلق على دهن غيره. قوله: (فلما استوجبته) أي: استحققته، وذلك بتمام عقد البيع بيني وبين البائع، وظاهر السياق أن ابن عمر باعه قبل قبضه. قوله: (فأردت أن أضرب على يد الرجل) أي: أعقد معه البيع؛ لأن من عادة المتبايعين أن يضرب أحدهما يده في يد الآخر عند عقد البيع إشعارًا بالموافقة. قوله: (حيث ابتعته) أي: حيث اشتريته، والمعنى: لا تبعه في المكان الذي اشتريته فيه. قوله: (حتى تحوزه) أي: تحرزه وتضمه إليك بنقله إلى مكانك والتصرف فيه، تقول: حزت الشيء أحوزه حوزًا وحيازة: إذا ضممته وجمعته، والحوز والحيازة والقبض ألفاظ مترادفة. قوله: (إلى رحلك) رحل الإنسان: مسكنه، وما يستصحبه من أثاث ومتاع. قوله: (حيث تبتاع) أي: نهى أن تباع الأمتعة في المكان الذي تشترى فيه. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز للمشتري أن يبيع ما

стр. 2355

اشتراه قبل أن يقبضه ويحوزه إلى مكانه، وتقدم وجه النهي عن بيع السلعة قبل قبضها. وظاهر الحديث أنه عام في كل مبيع، سواء كان طعامًا أو غيره من المنقولات، كالأمتعة، والكتب، والمواد الغذائية، والحيوانات، وغير ذلك. فإن قوله: (السلع) لفظ عام يشمل الطعام وغيره، ومما يؤيد ذلك قول ابن عباس ﵄: (أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع قبل أن يقبض)، قال ابن عباس: (ولا أحسب كل شيء إلا مثله) (١). وهذا من تفقه ابن عباس، وهو راوي الحديث، وأعرف بمعناه. وهذا القول بمنع بيع المنقولات حتى تقبض، هو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، وأضافوا -أيضًا- العقار؛ لأن القبض شرط في كل مبيع، إلا عند الحنفية فإنه إذا كان المبيع عقارًا لا يخشى هلاكه جاز بيعه قبل قبضه (٣). وكيفية القبض إن كان منقولًا فإنه يختلف باختلاف المقبوض، فالمكيل وما يشابهه بالكيل، والصبرة والجزاف أو ما ينقل عادة كالأمتعة والكتب والمواد الغذائية والأخشاب ونحوها يكون بنقلها وتحويلها إلى مكان لا اختصاص للبائع به. وإن كان مما يتناول باليد كالحلي والجواهر ونحوها فقبضه بتناوله، وما عدا ذلك يرجع فيه إلى العرف. وأما قبض العقار كالأراضي والمساكن والمحلات التجارية، وكذا بيع الثمر على الشجر، فمانه يكون بالتخلية بينه وبين مشتريه يتصرف فيه، بلا مانع ولا حائل، وذلك بتسليم المفاتيح إن وجدت؛ لأن قبض العقار لا يتصور إلا بذلك فهو قبض له في العرف.

стр. 2356

ويلحق بالعقار الأشياء الثقيلة، كوسائل الري المعروفة الآن، أو البضائع الكثيرة في المواني، ونحو ذلك مما يترتب على نقله وتحويله من مكان إلى آخر تبعات مالية عظيمة، فالظاهر أن قبضها يحصل بالتخلية (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2357

حكمُ اقتضاءِ الذهبِ فضةً ٨٠٤/ ٢٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنّي أَبِيعُ الإبلَ بِالْبِقِيع، فَأبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذ هذَا مِنْ هذِهِ، وَأُعْطِي هذهِ مِنْ هذَا؛ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا بَأسَ أَنْ تَأخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفرّقَا وَبَينَكُمَا شَيء"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصحّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في اقتضاء الذهب من الورق" (٣٣٥٤) (٣٣٥)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣)، وابن ماجه (٢٢٦٢)، وأحمد (٨/ ٤٨٩)، والحاكم (٢/ ٤٤) من طرق، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄، به. وهذا إسناد ضعيف، تفرد سماك بن حرب برفعه، قال الترمذي: (هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر موقوفًا) (١). وسماك بن حرب صدوق لا بأس به، لكن قال عنه النسائي: (إذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يُلقن فيتلقن)، وقال ابن معين: (أسند أحاديث

стр. 2358

لم يسندها غيره، وهو ثقة) (١). وقال ابن حزم: (سماك بن حرب ضعيف يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة) (٢). وقد جاء الحديث -كما ذكر الترمذي- من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسًا؛ يعني: في قبض الدراهم من الدنانير، والدنانير من الدارهم (٣)، وجاء -أيضًا- من طريق أبي هاشم -وهو الرماني الواسطي- عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ (٤). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بالبقيع) بالباء الموحدة، يطلق على مواضع منها: "بقيع الغرقد" نسبة إلى شجر ينبت فيه، وهو مدفن أهل المدينة الواقع شرقي المسجد النبوي، وكان قبل ذلك سوقًا للإبل في المدينة؛ لأن القبور لم تكن قد كثرت فيه. ويطلق البقيع -أيضًا- على موضع يقع شمال شرقي المسجد النبوي وشمال بقيع الغرقد، يقال له: بقيع الأسواق أو بقيع الأصواف، وسماه السمهودي: بقيع الخيل، وقال: (إنه هو المراد بهذا الحديث)، ورد القول بأنه بقيع الغرقد، وقال: (إنه لم يذكر أحد من مؤرخي المدينة أنه كان فيه سوق مع عنايتهم بذكر أسواق المدينة) (٥). قوله: (فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم) أي: يبيع الإبل بالدنانير ويأخذ بدلها دراهم، وكذا العكس. قوله: (آخذ هذا من هذه) هكذا في نسخة "البلوغ"، وفي "سنن أبي داود": (آخذ هذه من هذه) أي: آخذ الدراهم بدل الدنانير.

стр. 2359

° الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجوز أن يُقْضَى عن الذهب فضة، وعن الفضة ذهبًا، فإذا استقر في ذمة المشتري عند المبايعة ذهبًا فدفعها فضة أو بالعكس ورضي البائع جاز، بشرط أن يتقابضا قبل التفرق من مجلس العقد، فإذا اختل هذا الشرط لم تصح المعاملة، وتصير داخلة في ربا النسيئة؛ لأن الذهب والفضة مالان ربويان، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر إلا بشرط التقابض بإجماع أهل العلم (١)، فإن لم يقبض شيئًا بطل العقد كله، وإن قبض البعض صح العقد فيما قبِضَ لوجود شرطه، وبطل فيما لم يقبض لفوات شرطه. ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"، وقوله ﷺ : "ولا يباع غائب منها بناجز"، وسيأتي الكلام على هذين الحديثين. ومثل ذلك لو باع سلعة بالريال السعودي فله أن يعتاض عنه بالدينار الكويتي -مثلًا- بشرط التقابض. ° الوجه الرابع: ظاهر قوله: (لا بأس أن تأخذ بسعر يومها) أن هذا شرط، فيكون اقتضاء الذهب فضة والعكس له شرطان، وهذا قول الإمام أحمد، واختيار الخطابي والشوكاني والشيخ عبد العزيز بن باز (٢). واشتراط سعر الوقت لئلا يربح فيما لم يدخل في ضمانه. والقول الثاني: أنه لا يشترط بل يجوز بسعر يومها وأغلى وأرخص، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ومال إليه الصنعاني (٣). واستدلوا بعموم قوله: "إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم"، لكن قال الأولون: إن هذا حديث عام، وحديث الباب خاص، فيبنى العام على الخاص، ويخصص به، والله تعالى أعلم.

стр. 2360

النهي عن النجش ٨٠٥/ ٢٤ - عَنْ ابْنِ عُمَر ﵄ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ النَّجْشِ، مُتَّفَق عَلَيهِ. * الكلام عليه من وحوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "النجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع" (٢١٤٢)، ومسلم (١٥١٦) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (النجش) بفتح النون وسكون الجيم، أو بفتحهما، هو لغة: من نَجَشَ الصيدَ نجشا: أي استثاره واستخرجه ليمر على الصائد. وشرعًا: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ولكن لقصد نفع البائع أو مضرة المشتري، أو يمدح السلعة ليروجها، سمي بذلك: لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة لتحصل الزيادة في ثمنها من المشتري. والنجش يكثر حدوثه في الأسواق، ولا سيما في زماننا هذا؛ لفساد الذمم وانعدام النصح، والحرص على حطام الدنيا. وأكثر ما يقع النجش في سوق المزاد العلني "الحراج" أو في سوق الدلالين. ويقع النجش من البائع نفسه، كأن يقول: أنا اشتريت هذه السلعة بكذا وهو كاذب، لكي يغتر به المشتري، ويشتريها بقيمة مرتفعة، أو يقول: دُفع لي بهذه السلعة مبلغ كذا، أو يقول: سيمت بكذا وهو كاذب.

стр. 2361

وقد ذكر الفقهاء من صور النجش أن يمدح الإنسان السلعة ويطلبها بثمن ثم لا يشتري بنفسه ولكن ليسمع غيره، فيزيد في ثمنها. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم النجش، للنهي عنه، وهو عند الإطلاق للتحريم، وقد ورد -أيضًا- في حديث أبي هريرة ﵁: "ولا تناجشوا" (١). قال ابن بطال: (أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله) (٢). لما في النجش من الغش والغبن والخديعة لمن يرغب في شراء السلعة؛ لأنه يرى من يزايد في السلعة فيندفع معهم إلى المزايدة حتى يقف عليه السوم بابتعادهم، فيقع عليه البيع بثمن مرتفع ليس قيمة للسلعة في واقع الأمر. والواجب النصح للمسلم وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والله المستعان. لكن إن وقع النجش من غير مواطأة مع البائع فإن الإثم على الناجش وحده، وإن كان بمواطأة كان الإثم عليهما. ° الوجه الرابع: اتفق العلماء على تحريم النجش إذا كانت الزيادة فوق ثمن المثل لظهور الخديعة، والنبي ﷺ يقول: "المكر والخديعة في النار" (٣). أما الزيادة لتصل السلعة إلى ثمن مثلها، ففيها قولان: القول الأول: التحريم وأن النجش حكمه واحد، سواء أراد رفع ثمن السلعة أو نقصها أو الوصول بها إلى ثمن نظائرها. وهو قول بعض المالكية وبعض الشافعية (٤)، واستدلوا بحديث الباب. والقول الثاني: الجواز، بل قال بعضهم: إنه مأجور ومثاب على فعله

стр. 2362

هذا، وبه قال الحنفية، وأكثر المالكية، وبعض الشافعية (١)، واستدلوا بحديث: "الدين النصيحة" (٢)، والناجش في هذه الحالة إنما أراد نصح أخيه المسلم ونفعه من غير إضرار بغيره. والقول الأول أرجح لقوة دليله، وأما الاستدلال بالحديث فهو مردود لأمرين: الأول: أن النصيحة إنما تطلب إذا كانت محققة للمصلحة ولا مضرة فيها على آخر. الثاني: أنه قد يحصل من إسدائها إيهام الغير بأن الناجش يريد الشراء، وليس الأمر كذلك، وإنما يريد رفع السلعة على من يريد شراءها. ° الوجه الخامس: اختلف العلماء في أثر النجش على العقد على ثلاثة أقوال: الأول: أن البيع فاسد، وإليه ذهب من التابعين عمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد (٣)، ودليلهم نهي النبي ﷺ عن النجش، والنهي يقتضي الفساد، ونوقش ذلك بأن النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا إلى شرطه، بل إلى أمر خارج عنه، وهو النجش، وهذا لا يقتضي الفساد، كالتصرية، والبيع مع الغش ونحوهما. والقول الثاني: أن العقد صحيح، ولا خيار للمشتري؛ لأن البيع قد تم بأركانه وشروطه، فلم يرجع إليه النجش، وإنما عاد إلى الناجش، وما حصل فهو تفريط من المشتري حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة، وهذا مذهب الحنفية، والأصح عن الشافعية (٤). وهذا مردود بأن استشارة أهل الخبرة في كل سلعة أمر بالغ الصعوبة لا

стр. 2363

تأت الشريعة بمثله، والشريعة جاءت برفع الضرر في مثل هذه الحالة، ولذا ثبت الخيار في التصرية، وتلقي الركبان ونحوهما. والقول الثالث: أن العقد صحيح وللمشتري الخيار، وهذا مذهب المالكية والحنابلة (١)، لكن قالت المالكية: إن النجش كالعيب فالمشتري بالخيار، وقالت الحنابلة: لا خيار إلا إذا غبن غبنًا يزيد عن العادة بزيادة الناجش، واستدلوا بهذا الحديث الذي ورد فيه النهي عن النجش، وقالوا: النهي يعود إلى الناجش لا إلى العاقد، فلم يؤثر في صحة البيع، وحيث إن النهي لحق آدمي معين يمكن تداركه كالبيع مع الغش وتلقي الركبان، فإنه يثبت الخيار. وهذا القول هو أظهر الأقوال، وفيه جمع بين الأدلة، وعمل بالقاعدة الشرعية: "الضرر يزال"، ولأن الرضا شرط من شروط العقد، والعاقد المتضرر بالنجش قد شاب رضاه شائبة، ولا يمكن تعويضه إلا بإعطائه حق الخيار، والله تعالى أعلم.

стр. 2364

النهي عن بعض المعاملات ٨٠٦/ ٢٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ أَن النَّبي ﷺ نهي عنْ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثنْيا، إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. ٨٠٧/ ٣٦ - وعَنْ أنسٍ ﵁ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في المخابرة" (٣٤٠٥)، والترمذي (١٢٩٠)، والنسائي (٧/ ٣٧، ٣٨) من طريق عباد بن العوام، قال: أخبرني سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء، عن جابر ﵁. وأخرجه أحمد (٢٣/ ١٥٩) من طريق ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر ﵁، وأخرجه -أيضًا- (٢٢/ ٢٥٨) من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، به. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال في "العلل الكبير": (سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فلم يعرفه من حديث سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء، وقال: لا يعرف ليونس بن عبيد سماعًا من عطاء بن أبي رباح) (١).

стр. 2365

والحديث ورد عن جابر ﵁ من غير هذا الطريق، ومن حديث أنس وأبي هريرة ﵁ وغيرهما، في "الصحيحين" أو في أحدهما، دون ذكر الثنيا. وأما حديث أنس ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع، بابٌ "في بيع المخاضرة" (٢٢٠٧) من طريق عمر بن يونس، قال: حدثنا أبي (١)، قال: حدثني إسحاق بن أبي طلحة الأنصاري، عن أنس بن مالك ﵁، به مرفوعًا. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (نهى عن المحاقلة) بالحاء المهملة والقاف، مأخوذة من الحقل، وهو الزرع وموضعه، والمراد بها هنا: بيع الحنطة بسنبلها، بحنطة صافية من التبن، وقد ورد هذا التفسير عن أبي عبيد القاسم بن سلّام (٢). قوله: (والمزابنة) بضم الميم، مأخوذة من الزبن، وهو الدفع الشديد، والمراد بها: أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان عنبًا بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا بطعام كيلًا، سميت بذلك كأن كل واحد من المتعاقدين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه؛ أي: يدفعه. وهذا التفسير ورد في حديث ابن عمر ﵄، وسيأتي الكلام عليه في باب "الربا" إن شاء الله، وأكثر الأحاديث قصرت تفسير المزابنة على النخل، وبعضها على النخل والكرم، وهذا أعم منها حيث جعلها في النخل والكرم والزرع، ولا منافاة؛ لأن عادة السلف أنهم يفسرون الشيء بمثاله، ولا يريدون به الحصر، ومن الفقهاء من وقف عند هذه التفاسير الواردة في الأحاديث؛ لأنها إن كانت من كلام النبي ﷺ فلا معدل عنها، وإن كانت من الصحابي فهو أعلم بما رواه، ومنهم من توسع في تفسيرها وهم المالكية، فقد فسَّرها

стр. 2366

الإمام مالك بأنها بيع كل شيء لا يعلم كيله أو وزنه أو عدده بشيء من جنسه سواء كان يجري فيه الربا أم لا، فيدخل فيها بيع التمر بالرطب، والزبيب بالعنب، والقديد باللحم، واللبن بالجبن، وغير ذلك من كل مجهول بيع بمعلوم من جنسه (١). قوله: (والمُخابرة) بضم الميم، مأخوذة من الخبار: وهي الأرض اللينة القابلة للزرع، أو من خبرت الأرض: شققتها للزراعة فأنا خبير. والمراد بها: زراعة الأرض بجزء مما يخرج منها، بأن يكون لصاحب الأرض جانب معين، وللمزارع جانب، أو يخصص لصاحب الأرض أطايب الزرع، كالذي على الأنهار والجداول، فكل مزارعة فيها جهالة فهي مخابرة. قوله: (وعن الثنيا) بالمثلثة المضمومة بعدها نون ساكنة على وزن (دُنيا): وهي أن يبيع شيئًا ويستثني منه شيئًا غير معلوم، يقول: بعتك هذه الكتب أو هذه الأشجار أو هذه الأغنام ونحوها إلا بعضها. قوله: (إلا أن تعلم) هذا الاستثناء عائد على (الثنيا)، والمعنى: إلا أن يكون معلومًا، كأن يقول: بعتك هذه الكتب إلا هذا الكتاب. وقد ورد الحديث في "صحيح مسلم" بلفظ: (نهى عن الثنيا) -كما تقدم (٢) - وليس فيه الاستثناء، ولهذا اختار الحافظ هذه الرواية على رواية مسلم؛ لأن فيها الاستثناء، وعمومات الأدلة تؤيده، بغض النظر عن صحة هذه الزيادة أو عدم صحتها، ولو أن الحافظ ذكر رواية مسلم وأردفها بهذه لكان أحسن، قال النووي: (هذه الزيادة التي ذكرها الترمذي والنسائي حسنة، فإنها مبينة لرواية مسلم) (٣). قوله: (والمخاضرة) هي بيع الثمار خضرًا قبل أن يبدو صلاحها، وقد ورد عند الإسماعيلي في روايته: (قال يونس بن القاسم: والمخاضرة: بيع

стр. 2367

الثمار قبل أن تطعم، وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه) (١). قوله: (والملامسة) هي المبايعة بمجرد اللمس، كلمس الرجل ثوب الآخر؛ لأن المفاعلة هي المشاركة بين اثنين في الفعل، فيقول: إذا لمست ثوبي ولمست ثوبك فقد وجب البيع بغير تأمل، وهذا التفسير ورد في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم (٢)، والنسائي (٣). وفسرت -أيضًا- بأن يقول البائع: أيّ ثوب لمسته فهو لك بكذا، وهذا التفسير يوافق ما في حديث أبي سعيد عند النسائي (٤). ولها تفاسير أخرى كلها تجتمع في أن المبيع غير معلوم للمشتري، وأن اللمس قد جعل أمارة على انعقاد البيع، فهو داخل في الغرر المنهي عنه، وإنما خُصَّت بالذكر؛ لأنه من بيوع الجاهلية المشهورة. قوله: (والمنابذة) هي مفاعلة من النبذ، وتستدعي الفعل بين اثنين، ومعناها: أن ينبذ كل واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه، وقد ورد هذا التفسير في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، وفي حديث أبي سعيد عند النسائي. وفسرت -أيضًا- بأن يقول البائع: أي ثوب نبذته إليك فهو لك بكذا. ° الوجه الثالث: في هذين الحديثين سبع صور من صور المعاملات الجاهلية، ذكر هذا علماء الحديث والفقه (٥)، فجاء الإسلام وأبطلها؛ لأنها مبنية على الغرر والجهالة والمخاطرة، وكل هذا يفضي إلى النزاع. ° الوجه الرابع: في الحديث الأول دليل على النهي عن المحاقلة، وهي بيع الحنطة بسنبلها بحنطة، ووجه النهي عنها أنها جمعت محذورين: الجهالة، والربا؛ أما الجهالة فلأن الحب في سنبله مستور بأوراقه وتبنه، فهو مجهول لا يعرف مقداره، ولا تعرف جودته ورداءته، وأما الربا فلأن الجهل بأحد العوضين

стр. 2368

يوقع في ربا الفضل؛ لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكمَ. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على النهي عن المزابنة التي هي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، كأن يبيع ثمر نخله بتمر كيلًا، أو يبيع العنب بزبيب كيلًا، أو يبيع زرعه بكيل طعام من جنسه، ووجه النهي في الربويات كالتمر والحنطة الغرر والتفاضل؛ لأن فيها الجهل بتساوي العوضين، وهذا يفضي إلى الربا لما تقدم، وأما في غير الربويات فلما فيها من الغرر الناشئ عن عدم تحقق قدر المبيع. ° الوجه السادس: الحديث دليل على النهي عن المخابرة، والمراد بها المزارعة القائمة على تحديد جانب معين من الزرع لصاحب الأرض وللمزارع جانب آخر، ووجه النهي هو الجهالة والغرر والمخاطرة، فإن هذا من أبواب الميسر، إذ لا يعلم عاقبة الأمر، فربما صلح هذا الجانب وتلف الآخر. فإن كان لصاحب الأرض جزء مشاع معلوم كالنصف -مثلًا- جاز ليشتركا في الغنم والغرم ويسلما من الجهالة، وسيأتي لذلك مزيد بيان -إن شاء الله- في باب "المساقاة". ° الوجه السابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز استثناء شيء من المبيع إلا إذا عين، فلا يقول: أبيعك هذا القطيع من الغنم إلا عشرًا، وهي غير معينة، فإذا عينها بوصف أو إشارة ونحو ذلك جاز؛ لأن عدم التعيين نوع من الغرر، لجهالة المستثنى، وهذا يفضي إلى النزاع للتفاوت بين شاة وأخرى. ° الوجه الثامن: حديث أنس ﵁ دليل على النهي عن المخاضرة، وهي بيع الزرع الأخضر والثمر الأخضر؛ لأنه إذا باعه على شرط البقاء فهو عرضة للآفات، فيكون وجه النهي ما فيه من الغرر والخطر، ولهذا جاء النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، كما سيأتي إن شاء الله. أما إذا باعه بشرط حصاده في الحال فلا بأس إذا كان ينتفع به علفًا للبهائم. ° الوجه التاسع: في الحديث دليل على النهي عن بيع الملامسة والمنابذة، لما فيهما من الجهالة المفضية إلى الخصام، والله تعالى أعلم.

стр. 2369

النهي عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي ٨٠٨/ ٢٧ - عَنْ طَاوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ"، قُلْتُ لابْنِ عَبّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: "وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟، قَال: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. ٨٠٩/ ٢٨ - وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَلَقَّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإذَا أتى سيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني، بالولاء، من أكابر التابعين تفقهًا في الدين، ورواية للحديث، وتقشفًا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك، روى عن العبادلة الأربعة وغيرهم، قال الذهبي: (لازم ابن عباس مدة، وهو معدود في كبراء أصحابه)، ولد سنة (٣٣ هـ) ومات سنة (١٠٦ هـ) حاجًّا بالمزدلفة أو منى، ﵀ (١). ° الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث ابن عباس ﵄، فقد أخرجه البخاري في "البيوع"، باب "هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ " (٢١٥٨)، ومسلم (١٥٢١) من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄.

стр. 2370

وأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه مسلم في كتاب "البيوع"، باب "تحريم تلقي الجلب" (١٥١٩) (١٧) من طريق ابن جريج، أخبرني هشام القردوسي، عن ابن سيرين، قال: سمعت أبا هريرة يقول: … الحديث. ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظها: قوله: (لا تلقوا) أصله: لا تتلقوا، بتاءين، فحذفت إحداهما، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أصله: تتلظى. والتلقي: أصله الاستقبال، والمعنى: لا تستقبلوا الذين يحملون السلع إلى البلد للشراء منهم قبل قدومهم ومعرفة السعر. قوله: (الركبان) جمع راكب، وهو في الأصل: راكب الإبل، ثم صار يطلق على راكب كل دابة، والمراد بهم: القادمون من السفر بالسلع لبيعها في أسواق البلد، والركوب وصف أغلبي لا مفهوم له، فيشمل المشاة، بدليل الحديث الذي بعده: "لا تلقوا الجلب"، كما أنه لا فرق بين أن يكونوا جماعة أو واحدًا، وإنما خرج الحديث على الأغلب في أن الجالب يكون عددًا. قوله: (ولا يبيعُ) هكذا لفظ "البلوغ"، والمثبت في البخاري: "ولا يبع" بالجزم بلا الناهية، وأصله: يبيع، فالتقى ساكنان بسبب الجزم، فحذفت الياء، وفي رواية: "ولا يبيع" بالرفع على أن (لا) نافية (١). قوله: (حاضر لبادٍ) اسم فاعل من حضر، وجمعه حُضَّر وحضار وحضور: وهو المقيم في المدن والقرى، ضده البادي: وهو المقيم في البادية، وقوله: "لبادٍ"، اسم منقوص حذفت ياؤه، والمراد بالبادي: القادم لبيع سلعته بسعر وقتها، سواء كان بدويًّا أم حضريًّا، كما لو جاء من مدينة أو قرية إلى مدينة أخرى. قوله: (سمسارًا) بكسر أوله وسكون ثانيه، اسم فاعل من سمسر فلان:

стр. 2371

توسط بين البائع والمشتري بجُعل. ومصدره: السمسرة، وهو فارسي معرَّب، ومعناه: الوسيط بين البائع والمشتري لتسهيل الصفقة (١)، وهو الدلال، سواء كان متوليًا البيع للبائع أو الشراء للمشتري، قال البخاري: (قال ابن سيرين عن أنس: لا يبيع له شيئًا، ولا يبتاع له شيئًا). قوله: (الجلب) بالتحريك، هو في اللغة: الشيء المجلوب يجاء به من بلد إلى آخر للتجارة، و (تلقي الجلب) استقبال القادمين الذين يحملون البضائع والأقوات لشرائها منهم قبل أن يبلغوا السوق، و (تلقي الجلب) تعبير فقهاء الحنفية، ويسميه فقهاء الشافعية والحنابلة (تلقي الركبان)، والمالكية (تلقي السلع). قوله: (فمن تُلقي) لفظ مسلم: "فمن تلقاه فاشترى منه". قوله: (فإذا أتى سيده) المراد به جالب السلعة. قوله: (فهو بالخيار) أي: بين إمضاء البيع أو فسخه. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن تلقي القادمين لبيع سلعهم والشراء، منهم قبل أن يصلوا إلى السوق، والنهي للتحريم عند الجمهور؛ لأنه مقتضى النهي عند الاطلاق. ° الوجه الخامس: الحكمة من النهي عن تلقي الركبان: ١ - الرفق بصاحب السلعة، لئلا يُبخس في ثمن سلعته؛ لأنه لا يعرف الأسعار، فيشتري منه المشتري بدون القيمة، وهذا قول الشافعي، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ الذي فيه إثبات الخيار للبائع لا لأهل السوق. ٢ - الرفق بأهل السوق الذين جاءوا يبتغون من فضل الله، وفي تلقي الركبان إفساد عليهم، وهذا قول مالك، ويؤيده حديث ابن عمر ﵄، وفيه: " … ولا تلقوا السلع حتى يُهبط بها إلى السوق" (٢). ولا دلالة في ذلك؛ لأنه

стр. 2372

يمكن أن يكون ذلك لمنفعة البائع؛ لأنه إذا هبط السوق عرف السعر، ولا مانع من الجمع بين العلتين، كما يقول الشوكاني (١). ° الوجه السادس: اختلف العلماء في حكم شراء متلقي الركبان على قولين: الأول: أن البيع مردود؛ لأنه بيع منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد مطلقًا، وقد جزم بذلك البخاري، فقال: (باب النهي عن تلقي الركبان، وأن بيعه مردود؛ لأن صاحبه عاص آثم إذا كان به عالمًا، وهو خداع في البيع، والخداع لا يجوز)، وذكره ابن قدامة رواية عن أحمد (٢). ونسبه الشوكاني إلى بعض المالكية وبعض الحنابلة، قال الصنعاني: (وهو الأقرب). والقول الثاني: أن البيع صحيح وللبائع الخيار، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، ومال إليه الحافظ، واختاره الشوكاني، واستدلوا بدليلين: الأول: حديث أبي هريرة المذكور، فإنه يدل على انعقاد البيع وصحته، ولو كان فاسدًا لم يجعل للبائع الخيار. الثاني: أن النهي في حديث الباب لا يعود إلى ذات العقد ولا إلى شرطه، وإنما يعود إلى أمر خارج عن المنهي عنه، وهو الإضرار بالركبان، وهذا لا يقتضي الفساد. وهذا القول وجيه -في نظري- فإن النبي ﷺ قال: "لا تلقوا"، ولم يقل: لا تشتروا، ثم إن الحديث الذي أثبت الخيار واضح الدلالة على المراد. ° الوجه السابع: لا نزاع في ثبوت الخيار للبائع مع الغبن، حكى ذلك ابن القيم (٣). وأما ثبوته بلا غبن بأن يشتري منه بمثل سعر البلد أو أكثر، ففيه روايتان عن أحمد:

стр. 2373

الأولى: أنه يثبت، وهو قول الشافعي، واختاره الشوكاني (١). لظاهر قوله: "فإذا أتى صيده السوق فهو بالخيار"، فأطلق له ﷺ الخيار ولم يقيده. الثانية: أنه لا يثبت له الخيار، وهو وجه للشافعية، وقول الحنفية، نظرًا لانتفاء المعنى، وهو الغرر والضرر. وهذا القول له وجه إذ لا حاجة إلى الخيار ما دام أنه ليس فيه غبن، لكن القول الأول أظهر، وهو أن له الخيار مطلقًا غبن أو لم يغبن، لإطلاق الحديث، ولأمور ثلاثة: ١ - قطع النزاع، فإن الغبن قد يختلف الناس فيه، فهذا يقول: مغبون، وهذا يقول: غير مغبون. ٢ - أنه أطيب لقلبه. ٣ - تعزير المتلقي وتأديبه حتى لا يعود لمثل ذلك. ° الوجه الثامن: الحديث دليل على نهي بيع الحاضر للبادي، وصورة ذلك أن يأتي إلى البلد من يريد بيع سلعته فيتولى بيعها له أحد المقيمين في البلد، وعموم الحديث يدل على أنه لا فرق بين أن يكون البادي قريبًا للحاضر أو أجنبيًّا، وسواء كانت السلعة يحتاجها أهل البلد أم لا، وقد ورد عن أنس ﵁ أنه قال: (نهينا أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه أو أباه) (٢). ولعل الحكمة في ذلك -والله أعلم- خشية إغلاء السلعة على المقيمين إذا باعها عليهم أحد منهم؛ لأنه لا يبيعها إلا بسعر البلد، بخلاف ما إذا باعها البادي فإنه ربما يبيعها برخص، وهو الغالب، فتحصل التوسعة على الناس، فترخص الأسعار، وتتوفر الخيرات، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: "لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (٣). ° الوجه التاسع: استدل بهذا الحديث من قال ببطلان بيع الحاضر

стр. 2374

للبادي، وهم المالكية والحنابلة في المشهور عندهم، وهو قول الظاهرية (١). ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى أن يبيع الحاضر للبادي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وعليه فيكون البيع باطلًا؛ لأنه بيع محرم من إنسانٍ منهي عنه. وذهبت الحنفية والشافعية وبعض المالكية إلى صحة بيع الحاضر للبادي، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢)، وقالوا: إن النهي يعود إلى معنى في غير البيع، وهو الإضرار بأهل البلد، والنهي إذا عاد إلى غير المنهي عنه فإنه لا يوجب بطلان العقد. واستدلوا بقوله ﷺ في حق المسلم على أخيه: "وإذا استنصحك فانصح له" (٣). قالوا: هذا حديث عام، ناسخ لأحاديث النهي عن بيع الحاضر للبادي؛ لأن النهي إنما كان أول الإسلام؛ لما كانوا عليه من الضيق في ذلك. وهذا استدلال ضعيف، لأمرين: ١ - أن دعوى النسخ لا تثبت بالاحتمال، بل لا بد من دليل. ٢ - أن أحاديث النصيحة وإن كانت عامة، إلا أنها مُخَصَّصَةٌ بأحاديث النهي عن بيع الحاضر للبادي. وعلى هذا فالقول الأول هو الأظهر لقوة دليله، وهو ألا يبيع الحاضر للبادي، بل يُترك القادم يبيع سلعته بما يكفيه، والغالب أنه لا يستقصي جميع قيمتها، فيحصل بذلك السعة على المشترين، ويؤيد ذلك أمران: الأول: أن القول بصحة البيع فيه إضرار بأهل البلد في التضييق عليهم. الثاني: أن الحاضر قد لا يكون صادقًا مع البادي في إخباره بالسعر الحقيقي للسلعة مما قد يؤدي إلى الإضرار به.

стр. 2375

° الوجه العاشر: في الحديث دليل على تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، فالإسلام يمنع مصلحة فرد واحد يتلقى الركبان؛ لأجل مصلحة أهل البلد الذين لهم الحق في أن ينتفعوا جميعًا من الشراء من الجالب مباشرة، وفي بيع الحاضر للبادي هو المستفيد، لكن الإسلام منع ذلك لينتفع أهل البلد بشرائهم السلعة رخيصة، والله تعالى أعلم.

стр. 2376

النهي عن البيع على بيع أخيه أو سومه على سومه ٨١٠/ ٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ ما في إِنَائِهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَلِمُسْلِم: "لا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْم الْمُسْلِمِ". • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "لا يبيع على بيع أخيه، ولا يسوم على سَوم أخيه حتَّى يأذن له أو يترك" (٢١٤٠)، ومسلم مختصرًا (١٥٢٠) من طريق سفيان، عن الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁. وهذا لفظ البخاري. وأخرجه مسلم (١٥١٥) (١٢) من طريق شعبة، عن عدي -وهو ابن ثابت-، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ نحو لفظ البخاري. وأخرجه -أيضًا - (١٥١٥) (٩) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَسُمِ المسلمُ على سوم أخيه". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ولا يبيع) يروى برفع الفعل على أن (لا) نافية، وبالجزم (ولا يبع) على أنَّها ناهية. قوله: (ولا يَخْطُبُ) مضارع خطب، من باب "قتل" فالمضارع بالضم،

стр. 2377

يقال: خَطَبَ المرأة يَخْطُبُهَا خِطبة، بكسر الخاء في المصدر: إذا طلب الزواج منها أو من وليها فهو خاطب. وخَطَبَ يَخْطُبُ: بالضم -أيضًا- خُطبة بضم الخاء في المصدر: إذا وعظ الناس، فهما يتفقان في الماضي والمضارع، ويختلفان في المصدر. قوله: (طلاق أختها) أي: غيرها، سواء كانت أختها من النسب، أو أختها في الإسلام، أو كانت كتابية. قوله: (لتكفأ) مضارع كفأ الإناء: إذا قلبه وأفرغ ما فيه. قوله: (لا يسم) أصل السوم: الذهاب في ابتغاء شيء، يقال: سام البائع السلعة سومًا: أي عرضها للبيع وذكر ثمنها، وسام المشتري المبيع واستامه سومًا: طلب شراءه بالثمن الذي تقرر به البيع، والتساوم بين اثنين: أن يعرض البائع سلعته بثمن ما، ويطلبها صاحبه بثمن دونه. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه لا يجوز للرجل أن يبيع على بيع أخيه، وذلك بأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة أو أعطيك خيرًا منها بثمنها، أو يغريه بمدة سدادٍ طويلةِ الأجل، والغالب أن يقول: ذلك قبل لزوم العقد، مثل أن يكونا في المجلس أو يكون في العقد خيار شرط. ومثل ذلك الشراء على شراء أخيه، فهو محرم؛ لأنه في معنى المنهي عنه، ولأن الشراء يسمى بيعًا فيدخل في النهي، وذلك بأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: أنا أشتريها منك بعشرة. ووجه النهي أن بيعه على بيع أخيه من أسباب العداوة والبغضاء والتقاطع بين المسلمين، حيث تعدى على حق أخيه، وأفسد المعاملة التي بينهما. وظاهر الحديث تحريم بيعه على بيع أخيه مطلقًا، سواء كان ذلك في زمن الخيارين: خيار الشرط وخيار المجلس، أو بعد انقضاء زمنهما، لعموم الحديث، ولأنه لو باع على بيع أخيه بعد انقضائهما لربما تحيل المشتري بأي سبب من الأسباب، كان يدعي عيبًا أو ما شابه ذلك مما يمكنه من الفسخ، ولأنه يورث العداوة بين البائع الأول والمشتري ويدعي أنَّه غبنه.

стр. 2378

والقول الثاني: أن محل النهي هو زمن الخيارين؛ لأن هذا هو الغالب في مسألة البيع على بيع أخيه، فإذا انقضى زمنهما جاز بيعه على بيع أخيه، وعللوا لذلك بأن عقد البيع قد تمَّ، فوجود البيع على بيعه أو الشراء على شرائه وعدمه سواء. والقول الأول هو الصواب، لما تقدم من بيان حكمة النهي. • الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن الخطبة على خطبة أخيه، بأن يتقدم لطلب زواج امرأة بعد أن تقدم إليها غيره، ووجه النهي أن هذا التصرف من أسباب الشحناء والعداوة، ولأنه ظلم لأخيك وتعدٍّ عليه فإنه قد سبق إلى ذلك، وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتَّى يذر" (١). وقد جاء تقييد ذلك في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يخطب بعضكم على خطبة أخيه، حتَّى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" (٢). وسيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب "النكاح" إن شاء الله. • الوجه الخامس: الحديث دليل على نهي المرأة أن تسعى عند زوجها في طلاق أختها، وقد فسره النووي ﵀ ﵀ بأن تسأل المرأة الأجنبية رجلًا أن يطلق زوجته ويتزوجها مكانها، بحيث يكون لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة، فعبر عن ذلك بإكفاء ما في الصحفة مجازًا (٣). • الوجه السادس: الحديث دليل على نهي المسلم أن يسوم على سوم أخيه، ومعناه: أن يتفق البائع والمشتري على البيع، ولم يعقداه، فيأتي إنسان ويقول للبائع: استرده، وأنا اشتريه منك بأكثر، أو يقول: للمستام: رده، وأنا أبيعك خيرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص.

стр. 2379

والفرق بين بيعه على بيعه وسومه على سومه، أن الأول تم العقد إلَّا أن بينهما خيار شرط أو مجلس، أما في السوم على سومه فهذا بعد الاتفاق تمام وقبل العقد. والسوم على السوم إنما يحرم إذا كانت السلعة معروضة بغير طريق المزايدة واستقر الثمن بالتراضي بين المتعاقدين، أما إذا كانت معروضة بطريق المزايدة فلا بأس بذلك باتفاق أهل العلم؛ لأن البائع يطلب المزايدة؛ لكونه لم يركن إلى أحد. ومعنى بيع المزايدة: أن يعرض البائع سلعته في السوق، ويتزايد المشترون فيها، فتباع لمن يدفع الأكثر، وهو المعروف بـ (بيع المزاد العلني) (١). وعلى هذا فالفرق بين بيع المزايدة وسوم المسلم على سوم أخيه أنَّه في بيع المزايدة لم يقع ركون ولا تقارب مع أحد من المشترين، وعلامة ذلك ألا يكفَّ المنادي على السلعة عن طلب الزِّيادة من الحاضرين، وهذا بخلاف السوم على سوم أخيه فإن الزِّيادة تحصل من الطرف الثالث بعد الكف عن المناداة والركون إلى التعاقد مع الراغب في السلعة. والجمهور من أهل العلم على جواز بيع المزايدة إذا خلا من الغش والتدليس والاحتيال، قال ابن قدامة بعد أن ذكر جوازه واستدل له من السنة: (وهذا -أيضًا- إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2380

النهي عن التفريق بين الأقارب في البيع ٨١١/ ٣٠ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَرَّقَ بَين وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَينَهُ وَبَينَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَلكِنْ في إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ. ٨١٢/ ٣١ - وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ قَال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن أَبِيعَ غُلامَين أَخَوَينِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْتُ بَينَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَال: "أَدْرِكْهُمَا، فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُود، وابْنُ حِبَّانَ، والْحَاكِمُ، والطَّبَرَانِيُّ، وابْنُ الْقَطَّانِ. * الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي أيوب ﵁، فقد أخرجه أحمد (٣٨/ ٤٨٥)، والتِّرمِذي في كتاب "البيوع" (١)، باب "ما جاء في كراهية أن يُفَرَّقَ بين الأخوين أو بين الوالدة وولدها في البيع" (١٢٨٣)، والحاكم (٢/ ٥٥) من طريق حيي بن عبد الله المَعَافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن أبي أيوب ﵁، به مرفوعًا. والحديث رجاله ثقات غير حُيي بن عبد الله المعافري فقد اختلف فيه،

стр. 2381

والأكثرون على تضعيفه، وهو مراد الحافظ بقوله: (ولكن في إسناده مقال). وقد حسَّنه التِّرمِذي، وهو الذي نقله عنه المزي (١)، وأما قول الحافظ: (وصحَّحه التِّرمِذي) فلم أقف عليه في "جامعه"، والحافظ نفسه قال في "التلخيص": ( … والتِّرمِذي وحسنه) (٢)، بل إن ابن القطان لما نقل تحسين التِّرمِذي قال: (وإنَّما لم يصححه؛ لأنه من رواية ابن وَهْب، عن حيي بن عبد الله … قال البخاري: (فيه نظر)، وقال الإِمام أحمد: (أحاديثه مناكير)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، فلأجل الاختلاف فيه لم يصححه) (٣). وأما الحاكم فإنه قال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وهذا فيه نظر؛ لأن حيي بن عبد الله لم يخرج له مسلم شيئًا (٤). وله شاهد -كما قال الحافظ - من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها، فقيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: "حتَّى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية" (٥). وأما حديث علي ﵁، فقد أخرجه أحمد (٢/ ١٥٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁. وهذا الإسناد رجاله ثقات -كما قال الحافظ - إلَّا أنَّه منقطع، فإن سعيد بن أبي عروبة لم يسمع من الحكم شيئًا، كما قال ذلك أحمد وأَبو حاتم والبزار والنَّسائي والدارقطني وغيرهم (٦). ومما يدل على ذلك أن الإِمام أحمد أخرجه -أيضًا - (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩)

стр. 2382

وكذا البيهقي (٩/ ١٢٧) عن سعيد بن أبي عروبة، عن رجل، عن الحكم بن عتيبة، به. وأخرجه ابن الجارود (٥٧٥) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، به. وله طرق أخرى عن الحكم، ومنها: طريق شعبة عنه، أخرجه الدَّارَقُطني (٣/ ٦٥، ٦٦)، والحاكم (٢/ ٥٤)، والبيهقي (٩/ ١٢٧) وقال الحاكم: (هذا حديث غريب، صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي. وقد ذكر الدَّارَقُطني أن رواية شعبة هذه غير محفوظة، وأن المحفوظ رواية سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم (١)، كما تقدم، وهي رواية أحمد. وقال البيهقي: (هذا أشبه -يعني رواية أحمد-، وسائر أصحاب شعبة لم يذكروه عن شعبة، وسائر أصحاب سعيد قد ذكروه عن سعيد هكذا -يعني: عن رجل عن الحكم - وهذا أشبه) وقال أيضًا: (قيل عن شعبة عن الحكم، وهو وهم). ولما نقل ابن القطان كلام الدَّارَقُطني، قال: (والمقصود أن نبين أن رواية شعبة صحيحة لا عيب فيها، وأنها أولى ما اعتمد في هذا الباب) (٢). ولعل هذا مراد الحافظ بقوله - هنا -: (وصححه ابن القطان)، لكنَّ كلام ابن القطان ليس بشيء أمام كلام الدَّارَقُطني والبيهقي. ثم إنه قد اختلف على الحكم بن عتيبة، فمن الرواة من يرويه عنه، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي ﵁ رواه أَبو داود (٢٦٩٦)، والتِّرمِذي (١٢٨٤)، وابن ماجة (٢٢٤٩)، وأحمد (٢/ ١٨١)، وهذه رجحها أَبو حاتم، ومن الرواة من يرويه عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كما تقدم، ويرى الدَّارَقُطني أنَّه (لا يمتنع أن يكون الحكم سمعه منهما جميعًا، فرواه مرة عن هذا، ومرة عن هذا، والله أعلم) (٣).

стр. 2383

ولو أن الحافظ ضمَّ هذين الحديثين إلى حديث ابن عمر ﵄ المتقدم في بيع أمهات الأولاد لكان أحسن. • الوجه الثاني: حديث أبي أيوب ﵁ دليل على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها في البيع، ونحوه كالهبة، والقسمة وغيرهما، وأن الأرقاء لا يفرق بينهم، بل يباعون جميعًا أو يبقون جميعًا، حرصًا على بقاء الرحم والتعاطف بينهما، وحديث الباب فيه وعيد شديد، وهو يدل على تحريم ذلك، ولا فرق بين البيع وغيره؛ لأن الحديث عام في التفريق بأي وجه من الوجوه لقوله: "من فرق". وظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين حالة البلوغ وما قبلها، ولو صحَّ حديث عبادة - المتقدم - لكان صالحًا لتقييد الإطلاق في حديث أبي أيوب ﵁، ويكون النهي خاصًّا بما قبل البلوغ، وهذا رواية عن الإِمام أحمد. والقول الثاني: جواز التفريق بعد البلوغ، وهي الرواية الصحيحة عن الإِمام أحمد، وهو قول الشَّافعي، لما ورد أن سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر بامرأة وابنتها، فنفَّله أبو بكر ابنتها … الحديث (١). قال النووي: (فيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا … ) (٢). ولأن الولد بعد البلوغ يصير مستقلًا بنفسه، والعادة التفريق بين الأحرار، فإن المرأة تزوج ابنتها، ويفرق بين الحرة وولدها إذا افترق الأَبوان (٣). • الوجه الثالث: حديث علي ﵁ دليل على تحريم التفريق بين الأخوين وأن العقد إذا تم بالتفريق فإنه لا يصح، بل يجب نقضه، وهذا الحديث نص في تحريم التفريق بالبيع، لكن ألحق به العلماء تحريم التفريق بأسباب أخرى كالهبة، والله تعالى أعلم.

стр. 2384

حكم التسعير ٨١٣/ ٣٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: غَلا السِّعْرُ بالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَال النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ تَعَالى وَلَيسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلا مَالٍ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسائِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أَبو داود في "البيوع"، باب "التسعير" (٣٤٥١)، والتِّرمِذي (١٣١٤)، وابن ماجة (٢٢٠٠)، وأحمد (٢٠/ ٤٦) (٢٢/ ٤٤٤، ٤٤٥) وابن حبان (١١/ ٣٠٧) كلهم من طريق حمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة وثابت وحميد، عن أَنس ﵁، به مرفوعًا. وقال التِّرمِذي: (حسن صحيح)، وقال الحافظ: (إسناده صحيح على شرط مسلم) (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (غلا السعر) الغلاء: ممدود، وهو ارتفاع السعر على معتاده. والسعر: بكسر أوله وسكون ثانيه، جمعه أسعار، والمراد: الثمن.

стр. 2385

قوله: (سعر لنا) بتشديد العين، ومصدره التسعير، وهو تحديد أثمان الأشياء. والمراد به: أن يأمر السلطان أو نائبه أهل السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلَّا بسعر كذا، فيمنع من الزِّيادة عليه أو النقصان منه لمصلحة. قوله: (إن الله هو المسعر) بتشديد العين المكسورة، قال ابن الأثير: (أي: إنه هو الذي يُرخص الأشياء ويغليها، فلا اعتراض لأحد، ولذلك لا يجوز التسعير) (١). قوله: (القابض الباسط) أي: مضيق الرزق وغيره على من شاء، كيف شاء، وموسعه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. قوله: (الرازق) اسم فاعل من رزق، بمعنى: واهب العباد أرزاقهم، وهو ليس من أسماء الله، أما الرزاق فهو صيغة مبالغة، وهو من أسماء الله تعالى، والرزق: هو كل ما يُنْتَفَعُ به. قوله: (بمظلمة) مصدر ظلم، واسم ما أُخذ منك بغير حق، وما تطلبه عند الظالم، وجمعها مظالم، وهي بكسر اللام على الأشهر (٢). • الوجه الثالث: الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الأئمة الأربعة على أن التسعير لا يجوز في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها، وذلك لأن الرسول ﷺ لم يسعّر وقت غلاء السعر، فمن باب أولى أن لا يكون تسعير في الأحوال العادية، ولأن التسعير في هذه الحال قد يكون سببًا للغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم التسعير لم يقدموا بسلعهم بلدًا يُكرهون فيه على بيعها بغير ما يريدون، ومن عنده بضاعة يخفيها فيطلبها أهل الحاجة فلا يجدونها، فيدفعون ثمنها ليصلوا إليها، فتغلوا الأسعار، ويحصل الإضرار بالملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وبالمشتري من الوصول إلى غرضه.
следующие страницы →