← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

والأكثرون على تضعيفه، وهو مراد الحافظ بقوله: (ولكن في إسناده مقال). وقد حسَّنه التِّرمِذي، وهو الذي نقله عنه المزي (١)، وأما قول الحافظ: (وصحَّحه التِّرمِذي) فلم أقف عليه في "جامعه"، والحافظ نفسه قال في "التلخيص": ( … والتِّرمِذي وحسنه) (٢)، بل إن ابن القطان لما نقل تحسين التِّرمِذي قال: (وإنَّما لم يصححه؛ لأنه من رواية ابن وَهْب، عن حيي بن عبد الله … قال البخاري: (فيه نظر)، وقال الإِمام أحمد: (أحاديثه مناكير)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، فلأجل الاختلاف فيه لم يصححه) (٣). وأما الحاكم فإنه قال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وهذا فيه نظر؛ لأن حيي بن عبد الله لم يخرج له مسلم شيئًا (٤). وله شاهد -كما قال الحافظ - من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها، فقيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: "حتَّى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية" (٥). وأما حديث علي ﵁، فقد أخرجه أحمد (٢/ ١٥٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁. وهذا الإسناد رجاله ثقات -كما قال الحافظ - إلَّا أنَّه منقطع، فإن سعيد بن أبي عروبة لم يسمع من الحكم شيئًا، كما قال ذلك أحمد وأَبو حاتم والبزار والنَّسائي والدارقطني وغيرهم (٦). ومما يدل على ذلك أن الإِمام أحمد أخرجه -أيضًا - (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩)

стр. 2382

وكذا البيهقي (٩/ ١٢٧) عن سعيد بن أبي عروبة، عن رجل، عن الحكم بن عتيبة، به. وأخرجه ابن الجارود (٥٧٥) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، به. وله طرق أخرى عن الحكم، ومنها: طريق شعبة عنه، أخرجه الدَّارَقُطني (٣/ ٦٥، ٦٦)، والحاكم (٢/ ٥٤)، والبيهقي (٩/ ١٢٧) وقال الحاكم: (هذا حديث غريب، صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي. وقد ذكر الدَّارَقُطني أن رواية شعبة هذه غير محفوظة، وأن المحفوظ رواية سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم (١)، كما تقدم، وهي رواية أحمد. وقال البيهقي: (هذا أشبه -يعني رواية أحمد-، وسائر أصحاب شعبة لم يذكروه عن شعبة، وسائر أصحاب سعيد قد ذكروه عن سعيد هكذا -يعني: عن رجل عن الحكم - وهذا أشبه) وقال أيضًا: (قيل عن شعبة عن الحكم، وهو وهم). ولما نقل ابن القطان كلام الدَّارَقُطني، قال: (والمقصود أن نبين أن رواية شعبة صحيحة لا عيب فيها، وأنها أولى ما اعتمد في هذا الباب) (٢). ولعل هذا مراد الحافظ بقوله - هنا -: (وصححه ابن القطان)، لكنَّ كلام ابن القطان ليس بشيء أمام كلام الدَّارَقُطني والبيهقي. ثم إنه قد اختلف على الحكم بن عتيبة، فمن الرواة من يرويه عنه، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي ﵁ رواه أَبو داود (٢٦٩٦)، والتِّرمِذي (١٢٨٤)، وابن ماجة (٢٢٤٩)، وأحمد (٢/ ١٨١)، وهذه رجحها أَبو حاتم، ومن الرواة من يرويه عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كما تقدم، ويرى الدَّارَقُطني أنَّه (لا يمتنع أن يكون الحكم سمعه منهما جميعًا، فرواه مرة عن هذا، ومرة عن هذا، والله أعلم) (٣).

стр. 2383

ولو أن الحافظ ضمَّ هذين الحديثين إلى حديث ابن عمر ﵄ المتقدم في بيع أمهات الأولاد لكان أحسن. • الوجه الثاني: حديث أبي أيوب ﵁ دليل على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها في البيع، ونحوه كالهبة، والقسمة وغيرهما، وأن الأرقاء لا يفرق بينهم، بل يباعون جميعًا أو يبقون جميعًا، حرصًا على بقاء الرحم والتعاطف بينهما، وحديث الباب فيه وعيد شديد، وهو يدل على تحريم ذلك، ولا فرق بين البيع وغيره؛ لأن الحديث عام في التفريق بأي وجه من الوجوه لقوله: "من فرق". وظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين حالة البلوغ وما قبلها، ولو صحَّ حديث عبادة - المتقدم - لكان صالحًا لتقييد الإطلاق في حديث أبي أيوب ﵁، ويكون النهي خاصًّا بما قبل البلوغ، وهذا رواية عن الإِمام أحمد. والقول الثاني: جواز التفريق بعد البلوغ، وهي الرواية الصحيحة عن الإِمام أحمد، وهو قول الشَّافعي، لما ورد أن سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر بامرأة وابنتها، فنفَّله أبو بكر ابنتها … الحديث (١). قال النووي: (فيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا … ) (٢). ولأن الولد بعد البلوغ يصير مستقلًا بنفسه، والعادة التفريق بين الأحرار، فإن المرأة تزوج ابنتها، ويفرق بين الحرة وولدها إذا افترق الأَبوان (٣). • الوجه الثالث: حديث علي ﵁ دليل على تحريم التفريق بين الأخوين وأن العقد إذا تم بالتفريق فإنه لا يصح، بل يجب نقضه، وهذا الحديث نص في تحريم التفريق بالبيع، لكن ألحق به العلماء تحريم التفريق بأسباب أخرى كالهبة، والله تعالى أعلم.

стр. 2384

حكم التسعير ٨١٣/ ٣٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: غَلا السِّعْرُ بالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَال النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ تَعَالى وَلَيسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلا مَالٍ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسائِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أَبو داود في "البيوع"، باب "التسعير" (٣٤٥١)، والتِّرمِذي (١٣١٤)، وابن ماجة (٢٢٠٠)، وأحمد (٢٠/ ٤٦) (٢٢/ ٤٤٤، ٤٤٥) وابن حبان (١١/ ٣٠٧) كلهم من طريق حمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة وثابت وحميد، عن أَنس ﵁، به مرفوعًا. وقال التِّرمِذي: (حسن صحيح)، وقال الحافظ: (إسناده صحيح على شرط مسلم) (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (غلا السعر) الغلاء: ممدود، وهو ارتفاع السعر على معتاده. والسعر: بكسر أوله وسكون ثانيه، جمعه أسعار، والمراد: الثمن.

стр. 2385

قوله: (سعر لنا) بتشديد العين، ومصدره التسعير، وهو تحديد أثمان الأشياء. والمراد به: أن يأمر السلطان أو نائبه أهل السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلَّا بسعر كذا، فيمنع من الزِّيادة عليه أو النقصان منه لمصلحة. قوله: (إن الله هو المسعر) بتشديد العين المكسورة، قال ابن الأثير: (أي: إنه هو الذي يُرخص الأشياء ويغليها، فلا اعتراض لأحد، ولذلك لا يجوز التسعير) (١). قوله: (القابض الباسط) أي: مضيق الرزق وغيره على من شاء، كيف شاء، وموسعه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. قوله: (الرازق) اسم فاعل من رزق، بمعنى: واهب العباد أرزاقهم، وهو ليس من أسماء الله، أما الرزاق فهو صيغة مبالغة، وهو من أسماء الله تعالى، والرزق: هو كل ما يُنْتَفَعُ به. قوله: (بمظلمة) مصدر ظلم، واسم ما أُخذ منك بغير حق، وما تطلبه عند الظالم، وجمعها مظالم، وهي بكسر اللام على الأشهر (٢). • الوجه الثالث: الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الأئمة الأربعة على أن التسعير لا يجوز في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها، وذلك لأن الرسول ﷺ لم يسعّر وقت غلاء السعر، فمن باب أولى أن لا يكون تسعير في الأحوال العادية، ولأن التسعير في هذه الحال قد يكون سببًا للغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم التسعير لم يقدموا بسلعهم بلدًا يُكرهون فيه على بيعها بغير ما يريدون، ومن عنده بضاعة يخفيها فيطلبها أهل الحاجة فلا يجدونها، فيدفعون ثمنها ليصلوا إليها، فتغلوا الأسعار، ويحصل الإضرار بالملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وبالمشتري من الوصول إلى غرضه.

стр. 2386

• الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم التسعير في حالة الغلاء على قولين: الأول: أنَّه لا يجوز التسعير، وبه قال كثير من المالكية والشَّافعية والحنابلة (١)، واختاره الشوكاني (٢)، واستدلوا بحديث الباب، ووجه الدلالة من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ صلى لم يسعر، وقد سألوه ذلك، ولو كان التسعير جائزًا لأجابهم إليه. الثاني: أنَّه ﷺ علل امتناعه بكونه مظلمة؛ لأن الناس مسلَّطون على أموالهم، وفي التسعير حجر عليهم، والظلم حرام، فعليه يكون التسعير حرامًا. القول الثاني: أنَّه يجوز التسعير عند الحاجة، وذلك إذا غلت الأسعار، وباع التجار بأكثر من الأسعار المعقولة، وهذا قول الحنفية، وبعض المالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٣). واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد، قوّم عليه قيمة عدل، فأعْطَى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلَّا فقد عتق منه ما عتق" (٤). ووجه الاستدال: أن جعل العبد على هوى صاحبه يتحكم في قيمته إضرار بالمعتق، فمن أعتق شركًا له في عبد فإنه لا يُترك صاحب الشرك الثاني يطلب من القيمة ما أراد، بل يُقَوَّم عليه قيمة عدل، فيسلم المعتِقُ قسطه من

стр. 2387

الثمن كالنصف - مثلًا - لصاحب النصف الثاني، فهذا التقويم نوع من التسعير للضرورة، إذ لو تُرك الشريك يتحكم لطمع في ظلم أخيه وإيذائه، والمعتق عمل عملًا يحبه الله، فلا ينبغي أن يضيق عليه ويؤذى. كما استدلوا بما تقدم من النهي عن بيع الحاضر للبادي، لىلا يزيد الثمن إذا باعها الحاضر عليهم. وهذا القول هو الراجح، وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في التسعير تفصيلًا وافيًا، وهذه خلاصته: التسعير منه ما هو ظلم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم ما يحرم عليهم من أخذ الزِّيادة على عوض المثل، فهذا جائز بل واجب. وقد يحصل ذلك في الغالب من فئة خاصة كالجزارين والخبازبن ونحوهم، فيتفقون على إغلاء الأسعار بلا موجب، على ألا يبيعوا إلَّا بكذا، وهو شيء زائد على المعتاد، فلولي الأمر أن يمنعهم من ذلك، ويسعر لهم. وهذا لا يعارض حديث الباب؛ لأنه ليس لفظًا عامًّا، بل جاء في قضية معينة هي غلاء السعر في المدينة لقلة الجلب إليها (١)، قال ابن العربي: (وما قاله النبي ﷺ حق، وما فعله حكم، لكن على قوم صح ثباتهم، واستسلموا لربهم، وأما قوم قصدوا أكل أموال الناس والتضييق عليهم، فباب الله أوسع، وحكمه أمضى) (٢). ولا بد من أن يستند التسعير إلى دراسات منضبطة، قائمة على أسس

стр. 2388

علمية وموضوعية، تقوم بها عدة لجان من مختلف قطاعات الدولة التي يعنيها هذا الأمر. أما إذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، فارتفع السعر إما لقلة الشيء أو لكثرة الخلق، فهذا إلى الله تعالى، وإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها" إكراه بغير حق؛ لأن الأصل في الشريعة الإسلامية حرية التعامل بين الناس، ما داموا متقيدين بأوامر الشرع، فلا ظلم ولا غش ولا احتكار ولا تلاعب بالأسعار، ولا ريب أن هذه الحرية تعتبر من أهم العوامل التي توفر المتاع وتزيد في الاقتصاد. وقد ذكر بعض الباحثين المعاصرين أن إخضاع أي سلعة إلى سياسة التسعير يعتبر أقصر الطرق نحو ارتفاع سعر السلعة أو اختفائها من الأسواق أو حدوث الأزمات التموينية، وقال: (لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك بأن التسعير الإجباري الرسمي لم يخدم المستهلكين ومحدودي الدخل، بل إن المحتكرين والقادرين على الضغط هم المستفيدون منه) (١).

стр. 2389

النهي عن الاحتكار ٨١٤/ ٣٣ - عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: "لا يَحْتَكِرُ إلا خَاطئٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو معمر -بفتح الميم وسكون المهملة- بن عبد الله بن نضلة العدوي، ويقال له: معمر بن أبي معمر، أسلم ﵁ قديمًا، وهاجر الهجرتين، وروى عن النبي ﷺ ، وعن عمر ﵁، وروى عنه سعيد بن المسيب، وبشر بن سعيد وآخرون (١). • الوجه الثاني: في تخرجه: فقد أخرجه مسلم في "المساقاة"، باب "تحريم الاحتكار في الأقوات" (١٦٠٥) (١٣٠) من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله، به مرفوعًا. وأخرجه -أيضًا- من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد به، بلفظ: "من احتكر فهو خاطئ"، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر، قال سعيد: إن معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر. • الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يحتكر) الاحتكار في اللغة: مصدر احتكر يحتكر، وأصل معناه: الجمع والإمساك.

стр. 2390

وفي اصطلاح الفقهاء: حَبْسُ الطَّعام طَلَبَ غلائه، أو حبس ما يحتاج إليه الناس من السلع والمنافع حتَّى يغلو سعره أو ينقطع عن السوق، وهذا التعريف أحسن؛ لأنه أشمل من الأول، فإنه عام في الأقوات وغيرها فيما يشتريه أو تنتجه أرضه أو حيواناته أو مصنعه، وسيأتي مزيد إيضاح إن شاء الله. قوله: (إلَّا خاطئ) الخاطئ: المذنب، يقال: خَطِئَ يخطأ فهو خاطئ: إذا أذنب، وأخطأ يخطئ فهو مخطئ: إذا فعل ضد الصواب. • الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الاحتكار، وإثم المحتكر، ووجه الدلالة: التصريح بأن المحتكر خاطئ والخاطئ: هو العاصي الآثم، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]، فدل على أن الاحتكار معصية وذنب يجب الاستغفار منه. وعن أبي أمامة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يُحتكر الطَّعام) (١). فهذا نهي، والأصل فيه التحريم. والحكمة من النهي عن الاحتكار: دفع الضرر عن عامة الناس؛ لأن الاحتكار يؤدي إلى الإضرار بهم والتضييق عليهم، وإيقاعهم في الحرج، وفيه سوء معاشرة للمسلمين. • الوجه الخامس: اختلف العلماء هل الاحتكار عام في كل شيء أو أنَّه خاص بالطعام؟ على ثلاثة أقوال: الأول: أن الاحتكار محرم في كل شيء، سواء أكان قوتًا، أم إدامًا، أم لباسًا، أم غير ذلك من السلع التي يلحق الناس بحبسها ضرر، وهذا قول مالك، والثوري، وأبي يوسف من الحنفية، وهو ظاهر قول ابن حزم (٢)، واختاره الصنعاني والشوكاني (٣)، وهو قول علماء الاقتصاد، فإنهم يتفقون مع هذا القول الذي سبقهم إليه فقهاء المسلمين بمئات السنين.

стр. 2391

واستدلوا بحديث الباب. ووجه الاستدلال: أنَّه نص مطلق لم يقيد الاحتكار بشيء معين، فيتناول كل ما يحتكر؛ لأن المطلق يعمل به على إطلاقه، كما في الأصول. والقول الثاني: أن الاحتكار خاص بالأقوات، سواء أكان قوت الآدميين، أم قوت البهائم، كالحنطة والشعير والتبن والبرسيم. وهذا قول الحنفية، والشَّافعية، وقد ألحق بعض الشَّافعية بالقوت كل ما يعين عليه كاللحم والفواكه (١). واستدلوا: ١ - بحديث أبي أمامة المتقدم: "نهى رسول الله ﷺ أن يحتكر الطَّعام"، قالوا: فلما خُصَّ الطَّعام بالنهي عن احتكاره - وهو شامل للقوتين: قوت الآدمي وقوت البهائم - دل على أن غيره يجوز. ٢ - أن غير الأقوات لا ضرر في احتكاره غالبًا، لعدم عموم الحاجة إليه، فكان احتكاره جائزًا. والقول الثالث: أن الاحتكار خاص في قوت الآدمي دون غيره، وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢)، وهو قول سعيد بن المسيب، كما سيأتي. واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أبي أمامة المتقدم: "نهى أن يحتكر الطَّعام"، قالوا: ومعلوم أن الطَّعام هو قوت الآدميين، وقد خُصَّ بالنهي فلا يتعداه إلى غيره. ٢ - ما جاء في تتمة حديث الباب: (فقيل لسعيد: فإنك تحتكر، قال سعيد: إن معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر)، قال أَبو داود: (كان سعيد بن المسيب يحتكر النوى والخَبَط والبَزْرِ (٣)) (٤)، فدل ذلك على أن الاحتكار المنهي عنه إنما هو في قوت الناس فقط.

стр. 2392

٣ - أن غير قوت الآدمي لا تعم الحاجة إليه، فأشبه الثياب والحيوانات. والقول الأول هو الراجح، وهو أن الاحتكار يكون في كل شيء من أقوات الآدميين والبهائم وسائر السلع التي يحتاجها الناس. ووجه الترجيح: عموم الدليل الذي ينهى عن الاحتكار، ولأن القول بالعموم هو الذي يتفق مع العلة التي من أجلها نهى عن الاحتكار، فإن حاجة الناس قد لا تكون مقصورة على القوت، فقد تكون في الثياب كأيام الشتاء، أو في أدوية، أو نحو ذلك. وأما حديث: "نهى أن يحتكر الطَّعام"، فلا يصح الاستدلال به على تخصيص الاحتكار بالطعام لأمرين: الأول: أن ذكر الطَّعام من باب ذكر ما يقع فيه الاحتكار؛ لأن الطَّعام فرد من أفراده، وليس من باب تقييد المطلق. الثاني: أن أحاديث الاحتكار منها ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد بالطعام، والقاعدة في الأصول أن ما كان من الأدلة على هذا الأسلوب يعمل فيه بالمطلق على إطلاقه، ولا يقيد بالمقيد، لعدم التعارض بينهما، لكون حكمهما واحدًا. وأما التعليل بأن غير الأقوات لا ضرر فيه غالبًا فهو مردود، فإن حكمة النهي -كما تقدم- دفع الضرر عن عامة الناس فيما يحتاجون إليه من أقوات وغيِرها. وأما ما ورد عن احتكار معمر وسعيد، فالظاهر كما قال الحافظ البيهقي وغيره أنَّه محمول على احتكارٍ لا ضرر فيه، فلا يكون محرمًا (١)، وإنما هو من قبيل الاحتكار للتوسعة على الناس وقت الحاجة، فإنه لا يجوز على سعيد بن المسيب في علمه وفضله أن يروي حديثًا عن النبي ﷺ ثم يخالفه، وهو على الصحابي أبعد إمكانًا، وعلى فرض التعارض وعدم القدرة على

стр. 2393

التوفيق بين الحديث وبين فعل راويه فإن العبرة عند الأصوليين في باب التعارض بما روى لا بما رأى؛ لأن الصحابي قد يطرأ عليه النسيان، ويجتهد فيخطئ، فلا يُترك المعلوم للمظنون (١). • الوجه السادس: مذهب الجمهور على أن من حبس غلة مزرعته أو نتاج حيواناته أو إنتاج مصنعه لا يعد محتكرًا. قالوا: لأن ذلك خالص حقه، لم يتعلق به حق العامة، فكما أن له ألا يزرع، فكذلك له ألا يبيع. والقول الثاني: أنَّه يكون محتكرًا، وبه قال بعض الحنفية (٢)، وهؤلاء نظروا إلى وجود الضرر في حبسه. والذي يظهر - والله أعلم - أن المسألة منوطة بما يترتب على ذلك من الضرر والتضييق الذي يحدده ظرف الناس ووضعهم الاقتصادي، ويؤيد ذلك ما ذكره القاضي عياض من أن الأصل في الاحتكار مراعاة الضرر، فكل ما أضر بالمسلمين وجب أن يُنفى عنهم (٣). وقد رأى بعض الباحثين أن القول بالجواز محمول على زراعة مساحات قليلة قد لا تؤثر على حاجة القائم عليها، كما في الأزمنة القديمة، أما إذا كانت المساحة كبيرة والإنتاج كثيرًا، كما في عصرنا هذا بحيث يتضرر الناس بحبس الإنتاج فإنه يكون من الاحتكار (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 2394

نهي البائع عن التصرية ٨١٥/ ٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والْغَنَمَ، فَمَن ابْتَاعَهَا بعدُ فَإِنَّهُ بخَيرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْر، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَلمُسْلِمٍ: "فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثلاثةَ أَيَّام". وَفي رِوَايَةٍ لَهُ، عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ: "رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَام، لا سَمْرَاءَ"، قَال الْبُخَارِيُّ: وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ. ٨١٦/ ٣٥ - وعَنْ ابْنِ مَسْعُود ﵁ قَال: مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً، فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وزَادَ الإِسْمَاعِيليُّ: مِنْ تَمْرٍ. * الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "النهي للبائع أن لا يحفِّل الإبل والبقر والغنم وكلَّ (١) محفلة" (٢١٤٨) من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج (٢)، قال أَبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ … الحديث. وأخرجه مسلم (١٥٢٤) (٢٣) من طريق داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، بنحوه.

стр. 2395

وأخرجه -أيضًا - (١٥٢٤) (٢٤) من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر". وأخرجه -أيضًا - (١٥٢٤) (٢٥) من طريق أبي عامر العقدي: حدَّثنا قرة، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من طعام لا سمراء"، وعلقها البخاري فقال: (وقال بعضهم عن ابن سيرين صاعًا من طعام، وهو بالخيار ثلاثًا … ) (١). وأما أثر ابن مسعود ﵁، فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (٢١٤٩) بعد حديث أبي هريرة بينه من طريق معتمر، قال: سمعت أبي (٢) يقول: حدَّثنا أَبو عثمان، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (من اشترى شاة محفلة فردَّها، فليرد معها صاعًا من تمر). وقول الحافظ: (وزاد الإسماعيلي: من تمر)، هذه اللفظة موجودة في سياق البخاري، كما تقدم، وليست من زيادة الإسماعيلي، وقد أخرج البخاري هذا الأثر مرة أخرى (٢١٦٤) وليس فيه هذه اللفظة، فلعله ﵀ استحضر هذا الموضع، وغاب عنه ذاك، فظن أنَّها من زيادة الإسماعيلي. ولم يظهر لي غرض الحافظ من إيراد أثر ابن مسعود ﵁ إلَّا أن يقال: إنه قصد به الرد على من اعتذروا عن العمل بحديث أبي هريرة ﵁ بأنه لم يكن في مستوى غيره من فقهاء الصحابة ﵃، فلا يؤخذ بما رواه مخالفًا للقياس الجلي (٣) -كما سيأتي- وهذا كلام قد آذى فيه قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، فإن هذا الحكم لم ينفرد به أَبو هريرة ﵁،

стр. 2396

فقد رواه غيره، كابن مسعود ﵁، مما يدل على أنهما جميعًا يستضيئان بنور صادر من مشكاة النبوة، ولعل الحافظ تبع البخاري في ذلك، وكلامه في "الفتح" قد يستفاد منه ما تقدم. والله تعالى أعلم. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (لا تُصَروا) بضم أوله وفتح ثانيه بوزن لا تُزكوا، يقال: صَرَّى الشاة يُصَرِّيهَا تصرية فهي مصراة، مثل: غذى الطفلة يغذيها فهي مغذاة، والتصرية معناها: الجمع، تقول: صرَّيت الماء في الحوض، وصريته بالتخفيف: إذا جمعته، والمراد هنا: حبس اللبن في ضروع الإبل والغنم حتَّى يجتمع. وأجاز بعضهم فتح التاء وضم الصاد وتشديد الراء من الصَّرِّ بمعنى: الشد والربط، وظاهر كلام النَّسائي في ترجمته يشير إلى ذلك (١). قوله: (الإبل والغنم) الظاهر أن ذكر الإبل والغنم دون غيرهما خرج مخرج الغالب فيما كانت العرب تصريه وتبيعه تدليسًا وغشًا؛ لأن البقر قليل في بلادهم، وغير الأنعام لا يقصد لبنها غالبًا، فلم يكونوا يصرون غير الإبل والغنم، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، وعلى هذا فالبقر داخل في الحكم، ولهذا ذكر البخاري البقر في التَّرجمة، مع أنَّها لم تذكر في الحديث. قوله: (فمن ابتاعها) أي: اشتراها. قوله: (بعد) ظرف مبني على الضم؛ لأن المضاف إليه محذوف، والتقدير: بعد التصرية. قوله: (فهو بخير النظرين) أي: يختار أحد الرأيين. قوله: (إن شاء أمسكها) أي: أبقاها في ملكه. قوله: (وإن شاء ردها وصاعًا من تمر) بنصب (صاعًا) عطفًا على

стр. 2397

الضمير في ( .. ردها) بدليل رواية مسلم: "ورد معها صاعًا"، لكن لا بد من تأويل الفعل بفعل مناسب؛ أي: ردها وأعطى صاعًا من تمر؛ لأنه يصدق عليه أنَّه ردها، لكن ما ردَّ صاعًا وإنَّما أعطى. قوله: (من تمر) سواء كان التمر قوتًا لذلك البلد أم لا. وخصه بالتمر؛ لأنه كان غالب قوتهم في ذلك الوقت، فاستمر حكم الشرع على ذلك، وقدره الشرع بمقدار صاع من تمر لا يزيد ولا ينقص، لقطع الخصام والنزاع لو ترك تقدير ذلك إليهما بادعاءات متعددة. وهذا الصاع عوض عن اللبن في الضرع حال البيع، وإنَّما لم يجب مثل اللبن ولا قيمته بل وجب صاع في القليل والكثير ليكون ذلك حدًّا يرجع إليه، ويزول به التخاصم، وقد يكون في مكان لا تعرف فيه قيمة اللبن، وقد يتلف اللبن ويحصل التنازع في قلته وكثرته. قوله: (لا سمراءَ) السمراء: هي الحنطة الشامية، وذكر العيني أنَّها أغلى ثمنًا من البر الحجازي (١)، ومعنى نفيها: أنَّه لا يلزم أن يعطي الحنطة؛ لأنها أغلى من التمر في الحجاز، وإنَّما يكفي الطَّعام الذي هو غالب قوت البلد، وهو التمر. قوله: (والتمر أكثر) أي: إن الروايات قد اختلفت فيما يرد مع المصراة، والروايات التي تنص على التمر أكثر عددًا من الروايات التي لم تنص عليه، أو أبدلته بذكر الطَّعام. قوله: (محفلة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الفاء الموحدة، يقال: حَفَلَ اللبن في الضرع: اجتمع، وضرع حافل؛ أي: عظيم، واحتفل القوم: كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل. • الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن تصرية اللبن في ضروع بهيمة الأنعام عند إرادة بيعها، وقد ورد التقييد بذلك في حديث أبي هريرة ﵁

стр. 2398

عند النَّسائي: "إذا باع أحدكم الشاة أو اللقحة (١) فلا يحفِّلها" (٢). أما التصرية لا للبيع وإنَّما ليجتمع الحليب للولد أو لعياله أو لضيف، فأجازه قوم، ومنعه آخرون، فمن منعه علل ذلك بما فيه من إيذاء الحيوان، ومن أجازه عمل بالنص المذكور آنفًا فإنه يقتضي أن التحريم مختص بحالة البيع، فيجوز فيما عداها، وأجاب عن التأذي بأنه يسير لا يحصل منه ضرر مستمر، فيغتفر لأجل المصلحة المتعلقة به، كما يغتفر تأذي الدابة في الركوب والحمل، لكن إن طالت المدة حرم لتحقق الضرر. والحكمة من تحريم التصرية ما فيها من التدليس والتغرير بالمشتري جيث يظن أن هذا اللبن عادة لها، فهو من الغش والكذب وأكل أموال الناس بالباطل. • الوجه الرابع: الحديث دليل على صحة بيع المصراة، وهذا مجمع عليه، وذلك لقوله: "إن رضيها أمسكها" لأن الباطل لا يقره الشرع، فلما أقر الشرع البيع دل على صحته. • الوجه الخامس: الحديث دليل على ثبوت الخيار لمن اشترى بهيمة مصراة بين إمساكها وردها، وذلك إذا علم بالتصرية، سواء علم قبل الحلب أو بعده، وإنَّما ذكر الحلب قيدأ في قوله: "بعد أن يحلبها"؛ لأن التصرية لا تعرف غالبًا إلَّا بعد الحلب، ولو علم قبل الحلب بطريق أخرى كشهادة عدل أو اعتراف البائع، خيّر المشتري بين الإمساك والرد ولو لم يحلبها. وخياره يمتد ثلاثة أيام منذ علم بالتصرية، وهذا مذهب الجمهور مستدلين برواية مسلم. والقول الثاني: أن الرد بالتصرية فوري، لقوله: "فهو بخير النظرين" لأن الفاء تدل على التعقيب من غير تراخٍ، ولقوله: "وإن سخطها ردها" وقياسًا على سائر العيوب، وهذا قول لبعض الشَّافعية، ذكر النووي أنَّه هو الأصح عندهم (٣).

стр. 2399

وأجابوا عن التقييد بثلاثة أيام بأنه محمول على ما إذا لم يعلم بالتصرية إلَّا في الثلاث، لكون الغالب أنَّها لا تعلم قبل مضي هذه المدة، لجواز نقصان اللبن باختلاف العلف ونحو ذلك، لكن لو علم بالتصرية قبل الثلاث فعليه أن يردها. والقول الأول أرجح؛ لأن رواية مسلم: "له الخيار ثلاثة أيام" مقدمة على الإطلاق في قوله: كوإن سخطها ردهال، من باب حمل المطلق على المقيد، لاتحاد الحكم والسبب. • الوجه السادس: ذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، مالك والشَّافعي وأحمد إلى أن المشتري إذا رد المصراة على البائع رد معها صاعًا من تمر عوضًا عن اللبن الذي كان في ضرعها وقت البيع سواء كان قليلًا أو كثيرًا (١)، ولو تراضيا على غير التمر من طعام البلد جاز؛ لأن الحق لهما. أما اللبن الحادث وهي عند المشتري فلا يرد عنه شيئًا للحديث الآتي: "الخراج بالضمان" فهي لما كانت في ضمان المشتري لو تلفت صار لبنها له. والقول الثاني: أنَّه لا يرد شيئًا وللمشتري اللبن بدل علفها، ونسب الحافظ هذا القول لأكثر الحنفية (٢). واعتذروا عن الحديث بأعذار لا حاجة لشغل الأوقات والأوراق بها، ومنها: أن الحديث مخالف لقياس الأصول، وهو أن اللبن مثلي فيضمن بلبن مثله، والضمان يكون بقدر المثل، وهذا ضُمِنَ بصاع مطلقًا قلَّ اللبن أو كثر. وهذا مردود فإن الحكم برد الصاع ثابت بالسنة، والسنة أصل، والقياس مردود إلى الكتاب والسنة، فالسنة أصل، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟! ثم إن الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: إن الأصل يخالف نفسه؟! والله تعالى أعلم.

стр. 2400

النهي عن الغش ٨١٧/ ٣٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالتْ أَصَابِعُهُ بلَلًا، فَقَال: "مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ "، قَال: أَصَابَتْهُ السمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: "أفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَي يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيسَ مِنِّي"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الإيمان"، باب "قول النبي ﷺ : "من غشنا فليس منا" (١٦٤) (١٠٢) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا". * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (على صبرة) بضم الصاد وإسكان الباء هي: الكومة من الطَّعام، سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض، وجمعها صُبر، كغرفة وغرف. قوله: (فنالت بللًا) أي: أدركت، والبلل: بفتح الموحدة واللام، الرطوبة والنداوة، وهذا البلل كان مستورًا بالطعام اليابس. قوله: (ما هذا؟) استفهام إنكاري؛ أي: ما هذا البلل المنبئ غالبًا عن الغش.

стр. 2401

قوله: (يا صاحب الطَّعام) يحتمل أنَّه ترك نداءه باسمه لعدم العلم به، أو أنَّه للتسجيل عليه بإضافته إلى ما غش به زيادة في زجره وتوبيخه (١). قوله: (أصابته السماء) أي: المطر، فسمَّاه باسم مكانه؛ لأنه نازل منها، وهذا من المجاز المرسل عند البلاغيين، وعلاقته المحلية. قوله: (أفلا جعلته فوق) استفهام يراد به النصح والإرشاد؛ أي: لتسلم من الغش الذي هو من أقبح الأوصاف. قوله: (كي يراه الناس) تعليل لما قبله. قوله: (من غشَّ) هذه الرواية بدون ضمير، وفي الرواية الأخرى، كما تقدم: "من غشنا" واللفظ الأول أعم؛ لأن الثاني معناه: من غشنا معشر المسلمين. والغش: ضد النصح، مأخوذ من الغشش، وهو المشرب الكدر، والمراد هنا: كتم عيب المبيع أو الثمن، والمراد بالعيب هنا: كل وصف يعلم من حال آخذه أنَّه لو اطلع عليه لم يأخذه بذلك الثمن الذي بذله. قوله: (فليس مني) أي: ليس ممن اهتدى بهديي، واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي. وفي الرواية الأخرى: "فليس منا" أي: ليس على هدينا ومن أهل طريقتنا؛ لأن الفاعل لذلك ارتكب محرمًا وترك واجبًا. وإلَّا فذلك لا يخرجه عن الإسلام عند أهل الحق، وإنَّما هذا للمبالغة في الررع عن الوقوع في ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاقبته: لست مني ولست منك، فالمراد أن فاعل ذلك ليس من المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان. وجاء عن سفيان بن عيينة والإمام أحمد كراهة تأويله، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر (٢).

стр. 2402

واعلم أن الإِمام مسلمًا ﵀ ذكر هذا الحديث في كتاب "الإيمان، ليبين - والله أعلم - أن الغش سبب في نقص الإيمان الواجب، الذي يستحق به صاحبه الثواب المطلق بلا عقاب، ولا يعني هذا أنَّه يخرج من الإيمان، كما تقول الخوارج، بل الصواب أن الاسم المضمر في قوله: "منا" ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب، ومن أخل بشيء من ذلك لم يجب أن يكون من غيرهم مطلقًا، بل معه من الإيمان ما يستحق به مشاركتهم في بعض الثواب، ومعه من الكبيرة ما يستحق به العقاب، كما يقول من استأجر قومًا ليعملوا عملًا، فعمل بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلح أن يقال: هذا ليس منا، فلا يستحق الأجر الكامل، وإن استحق بعضه (١). • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغش في البيع والشراء، وأن الواجب على من يتعاطى البيع والشراء أن يتقي الله، وأن ينصح في المعاملة، وأن يحذر الخيانة والغش، فالغش مجمع على تحريمه شرعًا، ومذموم فاعله عقلًا. وقد حرم الإسلام كتم العيب؛ لأن البائع قد يعرف بسلعته عيبًا ولا يقوم بأي وسيلة من وسائل الغش لإخفائه، ولكنه لا يبينه للمشتري، بل يترك الأمر في كشف العيب لاجتهاد المشتري، وهذا لا يجوز، ومثل ذلك لو كان الغش في الثمن، وقد قال النبي ﷺ عن البائع والمشتري: "فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" (٢). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يحل لامرئ مسلم أن يغيِّب ما بسلعته عن أخيه، إن علم بها تركها" (٣).

стр. 2403

* الوجه الرابع: النهي في الحديث مرتبط بالغش في البيع؛ لأن ذلك سبب الحديث، ولكنه جاء بلفظ العموم، واللفظ العام إذا ورد على سبب خاص، وجب العمل بعموم اللفظ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون الحديث دليلًا على تحريم الغش في البيع والشراء، وتحريم الغش في ذاتية البضاعة أو عناصرها أو كميتها أو وزنها أو مصدرها، ويدخل في ذلك غش العلامات التجارية، بأن يبيع نوعًا غير جيد على أنَّه جيد، والمقصود أن الغش أنواعه كثيرة، والشائع منها أن يكون المبيع أنواعًا فيه الطيب وفيه الرديء، كالتمر أو الفواكه أو الخضار ونحو ذلك، فيجعل الرديء أسفل والطيب فوق؛ لأن المشتري قد لا ينظر إلى الأسفل، أو لا يمكنه ذلك. والضابط من سلامة الغش أن يكون المبيع ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، وأن يكون أخوك معك على بينة، ليس على غش ولا خيانة. * الوجه الخامس: كمال شريعة الرسول ﷺ حيث حذرت من الغش واعتبرت من يزاوله ليس على طريقة الرسول ﷺ ، وحرص الإسلام على سلامة الكسب، وطيب المأكل، وذلك بطلب الرزق من وجوهه المشروعة، والبُعد عن المحرم من الغش والخداع والكذب، والله تعالى أعلم.

стр. 2404

تحريم بيع العنب ممن يتخذه خمرًا ٨١٨/ ٣٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بن بُرَيدَةَ، عَنْ أَبيهِ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَبَسَ الْعِنبَ أَيَّامَ الْقطَافِ، حَتى يَبيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، فَقدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ"، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ في "الأَوْسطِ" بإِسْنَادٍ حَسَنٍ. • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦/ ١٧٠، ١٧١) من طريق عبد الكريم بن أبي عبد الكريم، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من حبس العنب أيام القطاف حتَّى يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرًا … "الحديث. قال الطبراني: (لا يروى عن بريدة إلَّا بهذا الإسناد). وهذا الحديث ضعيف جدًّا، بل قال أَبو حاتم: (حديث كذب باطل) (١). وقال ابن حبان: (هذا الحديث منكر) (٢). وقال الذهبي في ترجمة الحسن بن مسلم: (أتى بخبر موضوع في الخمر) (٣). وساقه الحافظ ابن حجر ﵀ في "اللسان" ولم يعقب عليه (٤). وآفة الحديث هو عبد الكريم بن أبي عبد الكريم، والحسن بن مسلم، فكلاهما لم يعرفهما أَبو حاتم، وقال في كل منهما: (حديثه يدل على الكذب) (٥).

стр. 2405

أما تحسين الحافظ لهذا الحديث فهو وهم فاحش من مثله ﵀، وقد سكت عنه في "التلخيص" (١). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من حبس العنب) أي: أبقاه ومنع جنيه فلم يَقْطُفْه عند نضجه. قوله: (أيام القطاف) بكسر القاف وفتحها، وهو وقت قطف الثمر من الشجر، يقال: قطف العنب ونحوه يقطفه قطفًا، من باب ضرب وقتل: قطعه. قوله: (حتَّى يبيعه ممن يتخذه خمرًا) أي: لأجل أن يبيعه ممن يعصره خمرًا. قوله: (فقد تقحم النار على بصيرة) أي: رمى بنفسه في النار على علم بالسبب الموجب لدخوله. • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم تأخير قطف العنب عن وقت استوائه إلى أن يصير زبيبًا من أجل بيعه على من يتخذه خمرًا، وأن فاعل ذلك قد عمل السبب الذي يوجب له النار، والبيع باطل؛ لأنه عَقَدَ على عيني لمعصية الله فيها، فلم يصح البيع، كما لو آجر الأمة للزنا والغناء. والحديث ضعيف جدًّا كما تقدم، لكن معناه صحيح، وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ويدخل في ذلك نماذج كثيرة منها بيع السلاح لأهل الحرب، أو لقطّاع الطَّرِيق، أو زمن الفتنة. ومنها تأجير المحلات للمصارف الربوية أو لمن يبيع فيها محرمًا، كالأشرطة الفاسدة، أو تاجيرها للحلاقة التي تشمل حلق اللحية، أو يؤجر منزله أو مستراحه من يجعل فيها آلات لهو، كالدشوش، والقنوات الفضائية التي تبث الخلاعة والمجون، أو يقيم فيها اجتماعات مذمومة ينتج عنها ترك الصلوات، أو فعل المحرمات.

стр. 2406

والأمر في ذلك مبني على ما علمه يقينًا أو غلب على ظنه بالقرائن القوية، ولا خلاف بين العلماء في تحريم ما ذكر مع القصد والتعمد (١). فإن كان الأمر محتملًا، مثل أن يشتري الزبيب من لا تعلم حاله أو يستأجر المكان مَنْ ظاهره الصلاح فالبيع والتأجير جائزان، وقد أخرج النَّسائي بسنده عن مصعب بن سعد قال: كان لسعد كروم وأعناب كثيرة، وكان له فيها أمين، فحملت عنبًا كثيرًا، فكتب إليه: إني أخاف على الأعناب الضيعة، فإن رأيت أن أعصره عصرته، فكتب إليه سعد: إذا جاءك كتابي هذا فاعتزل ضيعتي، فوالله لا أئتمنك على شيء بعده أبدًا، فعزله عن ضيعته (٢). وهذا - والله - من كمال الورع والتقوى، والحرص على الكسب الحلال، وعدم الاغترار بالدنيا ومتاعها، وهذا هو المتعين على كل مؤمن يتعاطى البيع والشراء، أو له ضيعة يبيع ثمرتها، أو مصنع يبيع إنتاجه، فرضي الله عن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، وعن جميع الصحابة أجمعين، ورحم الله امرءًا اتقى الله في بيعه وشرائه، والله المستعان.

стр. 2407

ما جاء في أن الخراج بالضمان ٨١٩/ ٣٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْخرَاجُ بالضَّمَانِ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وضَعَّفَهُ الْبخَارِيُّ، وأَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وابْنُ حِبَّانَ، والْحَاكِمُ، وابْنُ الْقَطَّانِ. * الكلام عليه علي من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أَبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا" (٣٥٠٨)، والتِّرمِذي (١٢٨٥، ١٢٨٦)، والنَّسائي (٧/ ٢٥٤)، وابن ماجة (٢٤٤٢)، وأحمد (٤٠/ ٢٧٢)، وابن حبان (١١/ ٢٩٩)، والحاكم (٢/ ١٥) كلهم من طريق ابن أبي ذئب، عن مَخْلد بن خُفاف، عن عروة، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا. وقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح). والحديث رجاله ثقات غير مخلد بن خُفاف بن إيماء الغفاري، فقد وثقه ابن وضاح، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١). وقال البخاري: (فيه نظر) (٢). وقال الحافظ في "التقريب": (مقبول) أي: عند المتابعة. وعلى هذا فمثله يقبل حديثه في المتابعات. لكن نقل التِّرمِذي في "علله" (٣) أن البخاري قال: (هذا حديث منكر) وقال أَبو حاتم: (وليس هذا إسناد تقوم به حجة … غير أني أقول به، لأنه أصلح من آراء الرجال) وساق العقيلي طرق هذا الحديث، ثم قال: (وهذا الإسناد فيه ضعف).

стр. 2408

وقد تابع مخلدًا هشام بن عروة، عن أبيه، أخرجه أَبو داود (٣٥١٠)، وابن ماجة (٢٢٤٣)، وابن الجارود (٦٢٦)، وابن حبان (١١/ ٢٩٨)، والحاكم (٢/ ١٥) وقال: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر، فإن مسلم بن خالد وهو الزَّنجي ضعيف، ضعفه ابن المديني، والبخاري، وغيرهما، بل ضعفه الذهبي نفسه (١)، وقال أَبو داود عقب الحديث: (هذا إسناد ليس بذاك) (٢). وممن تابعه -أيضًا- خالد بن مهران، أخرجه الخطيب في "تاريخه" (٨/ ٢٩٧، ٢٩٨) من طريق إبراهيم بن عبد الله الهروي، حدَّثنا أَبو الهيثم خالد بن مهران -وكان مرجئًا-، عن هشام .. ونقل الخطيب توثيق ابن معين لخالد بن مهران، وإبراهيم بن عبد الله لا بأس به. ولعل الحديث بهذه المتابعات وغيرها يصل إلى درجة الحسن، ولا سيما أن أهل العلم تلقوا هذا الحديث بالقبول -كما يقول الطحاوي (٣) - وعملوا به، ومقتضى النظر الفقهي يقوي معناه. والحديث صححه -أيضًا- ابن القطان (٤)، كما ذكر الحافظ هنا، ونقله عنه -أيضًا- في "التلخيص" (٥). والحديث له سبب وهو أن رجلًا اشترى غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الخراج) بفتح الخاء المعجمة، ما يخرج ويحصل من الفوائد والمنافع الحاصلة من العين المباعة أو المؤجرة، مثل ثمرة الشجر، ولبن الحيوان ونسله، والانتفاع بالدار أو الدابة أو السيارة، وقد جاء الحديث بلفظ: "الغلَّة بالضمان" (٦)، وهذا يفسر لفظ "الخراج" بما تقدم من المعنى.

стр. 2409

قوله: (بالضمان) الباء للسببية، وهي مع مجرورها متعلقان بمحذوف خبر للمبتدأ، والتقدير: الخراج مستحق بالضمان، وقيل: إنها للمقابلة (١)، وهذا أقرب؛ أي: الخراج مقابل الضمان، والضمان: الكفالة والالتزام، والمراد هنا: المؤونة، كالإنفاق والحفظ وتحمل التلف والهلاك، ونحو ذلك. والمعنى: أن ما يحصل من فوائد ومنافع العين المباعة يكون للمشتري في مقابل ضمانه للعين المباعة، إذ لو تلفت العين كانت من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، ومثل ذلك العين المؤجرة. • الوجه الثالث: هذا الحديث مع إيجازه من جوامع الكلم، لاشتماله على معانٍ كثيرة ومسائل عديدة، وهو عند الفقهاء من القواعد الثابتة المستقلة، ولذا أورده العلماء ضمن القواعد الفقهية التي ينطوي تحتها فروع كثيرة، ولهم في ذلك تعبيرات متعددة. فمن اشترى ماشية فحلبها، أو أرضًا فاستعملها، أو سيارة فركبها أو حمل عليها، ثم وجد بشيء من ذلك عيبًا فله أن يرد العين المباعة، ويأخذ الثمن، ولا شيء عليه فيما انتفع به، بل هو مقابل ضمانه المبيع؛ لأنه لو تلف في يده لكان من ضمانه. وقد فرَّع الفقهاء على هذه القاعدة مسائل كثيرة، منها: ١ - أن مؤنة ردِّ العين المنتفع بها في الإجارة على المؤجر؛ لأن العين المستأجرة مقبوضة لمنفعته بأخذ الأجر، وأما مؤنة رد العارية فهو على المستعير؛ لأن منفعتها له. ٢ - إذا احتاج ملك مشترك للتعمير، فعلى كل واحد من الشركاء أن يدفع النفقات بنسبة حصته في ذلك (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 2410

حكم تصرف الفضولي ٨٢٠/ ٣٩ - عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَري بهِ أُضْحِيةً، أَوْ شَاة، فَاشْتَرَى شَاتَينِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بالْبَركَةِ في بَيعِهِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي ضِمْن حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. ٨٢١/ ٤٠ - وَأَوْرَدَ لَهُ التِّرْمذِيُّ شَاهِدًا: مِنْ حَدِيثِ حكيمِ بْنِ حِزَامِ. * الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عروة بن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد البارقي ﵀، قال ابن حبان: (بارق: جبل ينزله الأزد … ) له أحاديث، استعمله عمر ﵁ على قضاء الكوفة، وحديثه عند أهلها، وكان فيمن حضر فتوح الشام ونزلها، قال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة بن الجعد سبعين فرسًا (١) مربوطة، رغبة في رباط الخيل؛ لأنه هو راوي حديث: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢) " (٣). • الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث عروة فقد أخرجه أَبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في المُضارب يخالف" (٤) (٣٣٨٤)، والتِّرمِذي (١٢٥٨)، وابن ماجة (٢٤٠٢)،

стр. 2411

وأحمد (٣٢/ ١٠٠) من طريق شبيب بن غرقدة أنَّه سمع الحيَّ يخبرون، عن عروة البارقي … وساق الحديث. وعند البيهقي (٦/ ١١٢): (عن شبيب بن غرقدة سمع قومه يحدثون عن عروة … ). وإسناده صحيح على شرط البخاري، وقوله: (سمع الحيَّ يخبرون) يعني: قبيلة عروة، وقد تكلم بعض العلماء في صحة إسناد هذا الحديث، وحاولوا تضعيفه بدعوى أن الحي مجهولون، ومن هؤلاء البيهقي، فقد حكم على هذا الإسناد بالانقطاع (١)، وتبعه آخرون. والصواب خلاف ذلك، فإن رواية الحديث عن أهل الحي يدل على تأكيد صحته؛ لأن الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ولذا قال الحافظ: (الصواب أنَّه متصل، في إسناده مبهم) (٢). وقال: (هذا يقتضي أن يكون سمعه من جماعة أقلُّهم ثلاثة … ) (٣)، وقال الألباني: (وهذا لا يضر؛ لأن المبهم جماعة من أهل الحي أو من قومه، كما في الرواية الأخرى، وهي للبيهقي، فهم عدد تنجبر به جهالتهم، وكأنه لذلك استساغ البخاري إخراجه في "صحيحه" … ) (٤). وقول الحافظ: (وقد أخرجه البخاري ضمن حديث، ولم يسق لفظه) هذا وهم منه، فإن البخاري روى الحديث، وساقه بلفظه من طريق شبيب بن غرقدة في كتاب "المناقب" (٣٦٤٢) والحافظ قد ساق هذا الحديث مرة أخرى في "البلوغ" في باب: (الشَّرِكة والوكالة) وقال هناك: (رواه البخاري في أثناء حديث) وسأسوق لفظه هناك، إن شاء الله تعالى. وأما حديث حكيم بن حزام فقد أخرجه التِّرمِذي (١٢٥٧) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم بن حزام ﵁. وهذا سند ضعيف، قال التِّرمِذي: (حبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام) وهو ثقة، لكنه كثير الإرسال والتدليس.

стр. 2412

• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز تصرف الفضولي إذا رأى المصلحة في جانب موكله، وإن لم يعين له ذلك. والفضولي عند الفقهاء: من يتصرف في حق الغير بلا إذن شرعي، من بيع أو إجارة أو رهن أو هبة ونحو ذلك من العقود والتصرفات، وهذا المعنى الشرعي راجع للمعنى اللغوي، فإن الفضولي في اللغة وصف يستعمل في حق من يشتغل بما لا يعنيه، نسبة إلى الفضول جمع فضل، وهو الزِّيادة. فإذا اشترى شيئًا لم يأذن فيه صاحبه، فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفًا على إجازة صاحبه، فإن أمضى التصرف وأجازه صح، وإن لم يمضه لزمه هو؛ لأن صاحبه لم يأذن له فيه، فقد كان عروة ﵁ فضوليًّا في شرائه الشاة الثانية ثم بيعها بعد ذلك، ولو كان بيعه وشراؤه باطلًا ما أقره النبي ﷺ عليه، وما استحلَّ لنفسه الدينار، بل لأَمَره بإعادته إلى صاحبه وَرَدِّ الشاة، فدل ذلك على أن عقده كان صحيحًا موقوفًا على الإجازة، وقد أجازه النبي ﷺ ودعا له بالبركة في بيعه، وهذا عنوان الرضا. وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، وهو رواية عن الإِمام مالك، وعن الإِمام أحمد، اختارها الشيخ عبد الرحمن السعدي (١)، والشيخ عبد العزيز بن باز. والقول الثاني: أن تصرف الفضولي لا يصح؛ لأن الموكِّل لم يرضَ بخروج نقوده من ملكه على غير الوجه الذي يرتضيه، وهذا قول الشَّافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بحديث حكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" (٣) أي: ما ليس في ملكك وحيازتك، والفضولي يبيع ما ليس عنده، وهو بيع منهي عنه بهذا الحديث وأمثاله. والقول الأول أرجح، فإن حديث الباب نص صريح في جواز ذلك؛

стр. 2413

لأن المخالفة إذا كان المقصود منها تحقيق النفع والمصلحة للموكل فينبغي أن تقبل، وأن يشكر المتصرف على ذلك، ولا يأبى مثل هذا إلَّا جاهل أو أحمق، والمسلم مرآة أخيه ينظر له وينصح له. وقد نقل الحافظ عن الشَّافعي أنَّه قال: (إن صح الحديث قلت به) (١). • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الربح ليس له حد معين؛ لأنه رزق من الله تعالى، وله تأثر بظروف التجارة، وهو خاضع لنظام العرض والطلب، فقد يشتري البائع السلعة بثمن رخيص، ثم ترتفع الأسعار فيربح كثيرًا، وقد يشتريها في الغلاء بثمن مرتفع فتنزل قيمتها. ووجه الاستدلال من الحديث: أن عروة ﵁ ربح في بيعه الضعف، فإنه اشترى شاتين بدينار، وباع إحداهما بدينار ولم ينكر عليه النبي ﷺ . لكن ينبغي للبائع ملاحظة الآداب الشرعية من الرفق بالناس، والتيسير عليهم، والرضا باليسير، والسماحة في البيع والشراء أخذًا بقول النبي ﷺ : "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى" (٢). • الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على أن شراء الأضحية ليس تعيينًا لها بحيث لا تبدل؛ لأن الشراء يراد لأمور كثيرة، وإنَّما تتعين باللفظ بأن يقول: هذه أضحية .. أو يذبحها بنية الأضحية وإن لم يتلفظ بذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 2414

من مسائل بيوع الغرر ٨٢٢/ ٤٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا في بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتى تَضَعَ، وَعَنْ بَيعِ مَا في ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِراءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِق، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة، والْبَزَّارُ، وَالدَّارَقُطْنيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف. ٨٢٣/ ٤٣ - وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ غَرَرٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَقْفهُ. • الكلام عليهما من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجهما: حديث أبي سعيد ﵁ أخرجه التِّرمِذي (١٥٦٣)، وابن ماجة (٢١٩٦)، وأحمد (١٧/ ٤٧٠)، والدارقطني (٣/ ٤٤)، والبيهقي (٥/ ٣٣٨) من طريق جهضم بن عبد الله اليمامي، عن محمد بن إبراهيم الباهلي، عن محمد بن زيد العبدي، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد ﵁، به مرفوعًا. وهذا سند ضعيف جدًّا، ضعفه ابن حزم (١)، والبيهقي، والحافظ ابن حجر وغيرهم؛ لأن محمد بن يزيد العبدي مجهول كما في "التقريب"، وكذا محمد بن إبراهيم الباهلي (٢)، وشهر بن حوشب متكلم فيه، فقد وثقه أحمد

стр. 2415

وابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة، وقال النَّسائي وغيره: (ليس بالقوي)، وقال ابن عدي: (لا يحتج به، ولا يتدين بحديثه) (١). وجهضم اليمامي: ثقة، إلَّا أن حديثه منكر فيما روى عن المجهولين، وهذا منها (٢). ولكن مع ضعف سنده فإن متنه تعضده أحاديث أُخر صحيحة، ولهذا قال البيهقي: "وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي فهي داخلة في بيع الغرر الذي نُهي عنه في الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ ). ولعله يقصد بذلك حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في باب "النهي عن بيع الغرر". وأما حديث ابن مسعود ﵁، فقد أخرجه أحمد (٦/ ١٩٧)، والبيهقي (٥/ ٣٤٠) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود ﵁، به مرفوعًا. وهذا سند ضعيف، يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي الكوفي ضعيف، والمسيب بن رافع لم يسمع من ابن مسعود. وقد روي مرفوعًا، وموقوفًا. قال البيهقي: (هكذا روي مرفوعًا، وفيه إرسال بين المسيِّب وابن مسعود، والصحيح ما رواه هُشَيم، عن يزيد موقوفًا على عبد الله … )، وممن رجح وقفه: الدارقطني (٣)، والخطيب، وابن الجوزي، وغيرهم. وقول الحافظ: (وأشار أحمد إلى وقفه) يعني به: قول عبد الله ابن الإِمام أحمد قال أبي: (حدَّثنا هُشَيم، عن يزيد، فلم يرفعه … )، وقد نقل ذلك الطبراني (٤)، والخطيب (٥). • الوجه الثاني: اشتمل الحديثان على سبعة أنواع من بيوع الغرر التي نهى عنها الإسلام لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل، وما تفضي إليه من النزاع الذي يثمر العداوة والبغضاء بين المسلمين.

стр. 2416

والحديثان وإن كان فيهما المقال المتقدم، لكن هذه البيوع منها ما ورد فيه أدلة أخرى صحيحة، ومنها ما هو داخل في عموم حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم -: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر) رواه مسلم. وبهذا يمكن أن نقول: بأن جميع ما ورد في الحديثين قد ثبت النهي عنه، إما صراحة بأدلة مستقلة، وإما ضمنًا لدخوله في عموم أحاديث النهي عن بيع الغرر، وهذه الأنواع هي: الأول: شراء ما في بطون الأنعام حتَّى تضع، والمراد بذلك بيع الحمل في بطن أمه، وهذا هو بيع الملاقيح المنهي عنه، على تفسير أكثر العلماء. وعلة النهي عنه ما فيه من الغرر من جهتين: الأولى: الجهالة، فإنها لا تعلم صفته ولا حياته، ولا يدرى هل يخرج أو لا يخرج، وإذا خرج لا يدرى أيكون تامًّا أم ناقصًا، ذكرًا أو أنثى؟! وهذا كله يتفاضل بالقيمة. الثانية: تعذر تسليمه في الحال. وأحد هذين الأمرين يفسد العقد، فإذا اجتمعا تأكد النهي وفساد العقد. الثاني: بيع ما في ضروع الأنعام، وهو اللبن، وعلة النهي ما فيه من الغرر بسبب جهالة المقدار، إذ قد يرى امتلاء الضرع من السِّمَن فيظن أنَّه من اللبن فيحصل النزاع، كما أن فيه الجهالة بصفته، لأن الألبان تختلف في جودتها وخفتها وحلاوتها. أما شراء اللبن وبيعه كيلًا أو وزنًا، بأن يتعامل المشتري مع صاحب أبقار على مقدار معين كل يوم مثل: مائة كيلو، فهذا جائز إذ لا غرر في ذلك من جهة المقدار؛ لأن البائع إذا لم يفِ بالمقدار المطلوب فإن المشتري يدفع من الثمن بمقدار ما أخذ. الثالث: بيع العبد وهو آبق، والآبق: هو العبد الهارب من سيده، فلا يجوز بيع العبد الآبق ونحوه كالجمل الشارد، والمال الضائع. وعلة المنع هي عدم القدرة على تسليمه، وظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين

стр. 2417

أن يُعلم مكانه أو يجهل، وفي المسألة خلاف بين الفقهاء، فمنهم من أجاز بيعه إذا علم مكانه وكان المشتري قادرًا على رده؛ لأن الحكم يثبت بعلته ويزول بزوالها، ومنهم من منع بيعه مطلقًا (١). الرابع: شراء المغانم حتَّى تقسم. والمغانم: جمع مغنم، وهو ما اسْتُولي عليه قهرًا من أموال الكفار المحاربين، فهذا لا يجوز بيعه. وعلة النهي: الجهالة؛ لأن نصيب الغانم مجهول المقدار، ثم إنه باع ما لا يملك. الخامس: شراء الصدقات حتَّى تقبض، فهذا لا يجوز للجهالة بالمقدار، ولأنه باع ما لا يملك، كالذي قبله. السادس: النهي عن ضربة الغائص، فلا يجوز بيعها، ومعناها: أن يقول الغواص في البحر للتاجر: أغوص غوصة فما أخرجه من اللآلي فهو لك بكذا. وعلة النهي: هي الغرر بسبب الجهالة، فإنه قد يحصِّل شيئًا كثيرًا وقد يحصل شيئًا قليلًا، وقد لا يحصل شيئًا، وأيضًا لعدم ملك البائع للمبيع حين العقد. السابع: شراء السمك في الماء، فلا يجوز بيع السمك وهو في الماء، وهذا يشمل بيعه قبل أن يُصطاد، وهذا لا يجوز باتفاق العلماء؛ لأنه قبل صيده مال مباح غير مملوك لأحد، فلا يكون محلًا للبيع. ويشمل بيعه بعد أن يملك بالصيد أو غيره وهو لا يزال في الماء، كأن يحوزه في شبكة ونحوها، فهذا لا يجوز للجهل به، فإن السمك في الماء غير معروف المقدار، ومثل ذلك أن يقول: أصيد لك سمكة أو سمكتين بكذا، فلا يجوز للجهالة بالمقدار فقد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، وأيضًا لعدم القدرة على الحصول عليه وتسليمه للمشتري. وقد استثنى الفقهاء ما إذا كان السمك بماء مَحوزٍ كبركة يسهل أخذه

стр. 2418

ويعرف حجمه لصفاء الماء، فهذا يجوز لإمكان التسليم وانتفاء الجهالة بالمقدار. ومثل ذلك بيع الطير في الهواء، فإنه لم يرد نص في هذه المسألة لكنها شبيهة ببيع السمك في الماء، فلا يجوز بيع الطير في الهواء - مثل الحمام - مطلقًا، سواء اعتاد الرجوع إلى مكانه أم لا، لما فيه من الغرر، ولأنه لا يوثق برجوعه، فقد يُرمى وقد يهلك، فهو غير مقدور على تسليمه، وهذا مذهب الحنابلة والشَّافعية والحنفية. والقول الثاني: إن أَلِفَ الرجوع صح بيعه، وهو اختيار ابن عقيل الحنبلي وبعض الحنفية، فإن رجع وإلَّا للمشتري الفسخ (١)، وهذا هو الأظهر، والله تعالى أعلم.

стр. 2419

من مسائل بيوع الغرر أيضًا ٨٢٤/ ٤٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتى تُطْعِمَ، وَلا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهرٍ، وَلا لَبَنٌ في ضَرْع، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ في "الأَوْسَطِ"، وَالدَّارَقُطْنيُّ. وَأَخْرَجهُ أَبُو دَاوُدَ في "الْمَرَاسِيل" لِعِكْرِمَةَ، وَهُوَ الرَّاجِح. وأَخْرَجَهُ أَيضًا مَوْقُوفًا على ابنِ عباسٍ بإسنادٍ قَويٍّ، وَرَجَّحَهُ البيهقيُّ. ٨٢٥/ ٤٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الْمَضَامِينِ، والْمَلاقِيحِ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفي إسْنَادِهِ ضعْفٌ. * الكلام عليهما من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عبَّاس ﵄ فقد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤/ ٤٣٠) وفي "الكبير" (١١/ ٣٣٨)، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ٦٥)، والدارقطني (٣/ ١٤، ١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٤٠) من طريق عمر بن فروخ، حدثني حبيب بن الزُّبَير، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، به مرفوعًا، وزاد ابن عدي والدارقطني والبيهقي: (أو سمنٍ في لبن). وقد ذكر الطبراني أنَّه لم يروه عن حبيب بن الزُّبَير إلَّا عمر بن فروخ. وقال البيهقي: (تفرد برفعه عمر بن فروخ، وليس بالقوي)، فتعقبه ابن التركماني فقال: (عمر هذا يعرف بالقتاب (١)، ولم يتكلم فيه أحد بشيء من جرح فيما

стр. 2420

علمت غير البيهقي، وذكره البخاري في "تاريخه" وسكت عنه، ولم يتعرض ابن عدي إلى ضعفه، بل وثقه ابن معين وأَبو حاتم، ورضيه أَبو داود). وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (١). وقال الحافظ عن عمر هذا: (صدوق ربما وهم). وقد أخرجه أَبو داود في "المراسيل" (١٧١) من طريق ابن المبارك، عن عمر بن فروخ، عن عكرمة، عن النبي ﷺ بمعناه، ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٥٣٤)، ومن طريقه الدَّارَقُطني (٣/ ١٥) من طريق عمر، عن حبيب بن الزُّبَير، عن عكرمة به. ولا يبعد أن يكون الوهم من عمر بن فروخ هذا، حيث روى الحديث عن عكرمة، عن ابن عبَّاس موصولًا، ورواه عن عكرمة مرسلًا، ورواه مرة عن حبيب بن الزُّبَير عن عكرمة، وأخرى عن عكرمة من غير واسطة. وأخرجه -أيضًا - (١٧٥)، من طريق زهير بن معاوية، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٣٣) من طريق أبي الأحوص، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس موقوفًا. وأَبو إسحاق وهو السبيعي اختلط بأخرة، والراوي عنه أَبو الأحوص، وهو ثقة، وزهير بن معاوية وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط، لكن تابعه سفيان، كما أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٧٥)، والدارقطني (٣/ ١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٤٥)، والثوري ممن سمع من أبي إسحاق قبل اختلاطه، كما صرح بذلك الحافظ في مقدمة "فتح الباري" (٢). لكن تبقى رواية أبي إسحاق عن عكرمة في جميع هذه الطرق بالعنعنة وهو مدلس، كما وصفه بذلك النَّسائي والذهبي والعلائي وابن حبان وغيرهم. فهذه ثلاثة أوجه لهذا الحديث، روي مسندًا، وروي مرسلًا، وروي موقوفًا، وقد رجح البيهقي الموقوف -كما ذكر الحافظ - وقال: (إنه هو المحفوظ). وقد أخرج الإِمام أحمد الجزء الأول من هذا الحديث فقط مرفوعًا بلفظ: "لا يباع الثمر حتَّى يُطعِمَ"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين (٣).
следующие страницы →