← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

والحديثان وإن كان فيهما المقال المتقدم، لكن هذه البيوع منها ما ورد فيه أدلة أخرى صحيحة، ومنها ما هو داخل في عموم حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم -: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر) رواه مسلم. وبهذا يمكن أن نقول: بأن جميع ما ورد في الحديثين قد ثبت النهي عنه، إما صراحة بأدلة مستقلة، وإما ضمنًا لدخوله في عموم أحاديث النهي عن بيع الغرر، وهذه الأنواع هي: الأول: شراء ما في بطون الأنعام حتَّى تضع، والمراد بذلك بيع الحمل في بطن أمه، وهذا هو بيع الملاقيح المنهي عنه، على تفسير أكثر العلماء. وعلة النهي عنه ما فيه من الغرر من جهتين: الأولى: الجهالة، فإنها لا تعلم صفته ولا حياته، ولا يدرى هل يخرج أو لا يخرج، وإذا خرج لا يدرى أيكون تامًّا أم ناقصًا، ذكرًا أو أنثى؟! وهذا كله يتفاضل بالقيمة. الثانية: تعذر تسليمه في الحال. وأحد هذين الأمرين يفسد العقد، فإذا اجتمعا تأكد النهي وفساد العقد. الثاني: بيع ما في ضروع الأنعام، وهو اللبن، وعلة النهي ما فيه من الغرر بسبب جهالة المقدار، إذ قد يرى امتلاء الضرع من السِّمَن فيظن أنَّه من اللبن فيحصل النزاع، كما أن فيه الجهالة بصفته، لأن الألبان تختلف في جودتها وخفتها وحلاوتها. أما شراء اللبن وبيعه كيلًا أو وزنًا، بأن يتعامل المشتري مع صاحب أبقار على مقدار معين كل يوم مثل: مائة كيلو، فهذا جائز إذ لا غرر في ذلك من جهة المقدار؛ لأن البائع إذا لم يفِ بالمقدار المطلوب فإن المشتري يدفع من الثمن بمقدار ما أخذ. الثالث: بيع العبد وهو آبق، والآبق: هو العبد الهارب من سيده، فلا يجوز بيع العبد الآبق ونحوه كالجمل الشارد، والمال الضائع. وعلة المنع هي عدم القدرة على تسليمه، وظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين

стр. 2417

أن يُعلم مكانه أو يجهل، وفي المسألة خلاف بين الفقهاء، فمنهم من أجاز بيعه إذا علم مكانه وكان المشتري قادرًا على رده؛ لأن الحكم يثبت بعلته ويزول بزوالها، ومنهم من منع بيعه مطلقًا (١). الرابع: شراء المغانم حتَّى تقسم. والمغانم: جمع مغنم، وهو ما اسْتُولي عليه قهرًا من أموال الكفار المحاربين، فهذا لا يجوز بيعه. وعلة النهي: الجهالة؛ لأن نصيب الغانم مجهول المقدار، ثم إنه باع ما لا يملك. الخامس: شراء الصدقات حتَّى تقبض، فهذا لا يجوز للجهالة بالمقدار، ولأنه باع ما لا يملك، كالذي قبله. السادس: النهي عن ضربة الغائص، فلا يجوز بيعها، ومعناها: أن يقول الغواص في البحر للتاجر: أغوص غوصة فما أخرجه من اللآلي فهو لك بكذا. وعلة النهي: هي الغرر بسبب الجهالة، فإنه قد يحصِّل شيئًا كثيرًا وقد يحصل شيئًا قليلًا، وقد لا يحصل شيئًا، وأيضًا لعدم ملك البائع للمبيع حين العقد. السابع: شراء السمك في الماء، فلا يجوز بيع السمك وهو في الماء، وهذا يشمل بيعه قبل أن يُصطاد، وهذا لا يجوز باتفاق العلماء؛ لأنه قبل صيده مال مباح غير مملوك لأحد، فلا يكون محلًا للبيع. ويشمل بيعه بعد أن يملك بالصيد أو غيره وهو لا يزال في الماء، كأن يحوزه في شبكة ونحوها، فهذا لا يجوز للجهل به، فإن السمك في الماء غير معروف المقدار، ومثل ذلك أن يقول: أصيد لك سمكة أو سمكتين بكذا، فلا يجوز للجهالة بالمقدار فقد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، وأيضًا لعدم القدرة على الحصول عليه وتسليمه للمشتري. وقد استثنى الفقهاء ما إذا كان السمك بماء مَحوزٍ كبركة يسهل أخذه

стр. 2418

ويعرف حجمه لصفاء الماء، فهذا يجوز لإمكان التسليم وانتفاء الجهالة بالمقدار. ومثل ذلك بيع الطير في الهواء، فإنه لم يرد نص في هذه المسألة لكنها شبيهة ببيع السمك في الماء، فلا يجوز بيع الطير في الهواء - مثل الحمام - مطلقًا، سواء اعتاد الرجوع إلى مكانه أم لا، لما فيه من الغرر، ولأنه لا يوثق برجوعه، فقد يُرمى وقد يهلك، فهو غير مقدور على تسليمه، وهذا مذهب الحنابلة والشَّافعية والحنفية. والقول الثاني: إن أَلِفَ الرجوع صح بيعه، وهو اختيار ابن عقيل الحنبلي وبعض الحنفية، فإن رجع وإلَّا للمشتري الفسخ (١)، وهذا هو الأظهر، والله تعالى أعلم.

стр. 2419

من مسائل بيوع الغرر أيضًا ٨٢٤/ ٤٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتى تُطْعِمَ، وَلا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهرٍ، وَلا لَبَنٌ في ضَرْع، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ في "الأَوْسَطِ"، وَالدَّارَقُطْنيُّ. وَأَخْرَجهُ أَبُو دَاوُدَ في "الْمَرَاسِيل" لِعِكْرِمَةَ، وَهُوَ الرَّاجِح. وأَخْرَجَهُ أَيضًا مَوْقُوفًا على ابنِ عباسٍ بإسنادٍ قَويٍّ، وَرَجَّحَهُ البيهقيُّ. ٨٢٥/ ٤٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الْمَضَامِينِ، والْمَلاقِيحِ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفي إسْنَادِهِ ضعْفٌ. * الكلام عليهما من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عبَّاس ﵄ فقد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤/ ٤٣٠) وفي "الكبير" (١١/ ٣٣٨)، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ٦٥)، والدارقطني (٣/ ١٤، ١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٤٠) من طريق عمر بن فروخ، حدثني حبيب بن الزُّبَير، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، به مرفوعًا، وزاد ابن عدي والدارقطني والبيهقي: (أو سمنٍ في لبن). وقد ذكر الطبراني أنَّه لم يروه عن حبيب بن الزُّبَير إلَّا عمر بن فروخ. وقال البيهقي: (تفرد برفعه عمر بن فروخ، وليس بالقوي)، فتعقبه ابن التركماني فقال: (عمر هذا يعرف بالقتاب (١)، ولم يتكلم فيه أحد بشيء من جرح فيما

стр. 2420

علمت غير البيهقي، وذكره البخاري في "تاريخه" وسكت عنه، ولم يتعرض ابن عدي إلى ضعفه، بل وثقه ابن معين وأَبو حاتم، ورضيه أَبو داود). وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (١). وقال الحافظ عن عمر هذا: (صدوق ربما وهم). وقد أخرجه أَبو داود في "المراسيل" (١٧١) من طريق ابن المبارك، عن عمر بن فروخ، عن عكرمة، عن النبي ﷺ بمعناه، ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٥٣٤)، ومن طريقه الدَّارَقُطني (٣/ ١٥) من طريق عمر، عن حبيب بن الزُّبَير، عن عكرمة به. ولا يبعد أن يكون الوهم من عمر بن فروخ هذا، حيث روى الحديث عن عكرمة، عن ابن عبَّاس موصولًا، ورواه عن عكرمة مرسلًا، ورواه مرة عن حبيب بن الزُّبَير عن عكرمة، وأخرى عن عكرمة من غير واسطة. وأخرجه -أيضًا - (١٧٥)، من طريق زهير بن معاوية، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٣٣) من طريق أبي الأحوص، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس موقوفًا. وأَبو إسحاق وهو السبيعي اختلط بأخرة، والراوي عنه أَبو الأحوص، وهو ثقة، وزهير بن معاوية وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط، لكن تابعه سفيان، كما أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٧٥)، والدارقطني (٣/ ١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٤٥)، والثوري ممن سمع من أبي إسحاق قبل اختلاطه، كما صرح بذلك الحافظ في مقدمة "فتح الباري" (٢). لكن تبقى رواية أبي إسحاق عن عكرمة في جميع هذه الطرق بالعنعنة وهو مدلس، كما وصفه بذلك النَّسائي والذهبي والعلائي وابن حبان وغيرهم. فهذه ثلاثة أوجه لهذا الحديث، روي مسندًا، وروي مرسلًا، وروي موقوفًا، وقد رجح البيهقي الموقوف -كما ذكر الحافظ - وقال: (إنه هو المحفوظ). وقد أخرج الإِمام أحمد الجزء الأول من هذا الحديث فقط مرفوعًا بلفظ: "لا يباع الثمر حتَّى يُطعِمَ"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين (٣).

стр. 2421

وأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه البزار (١/ ٥٠٧ مختصر زوائده) من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهْريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا. قال البزار: (لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلَّا صالح، ولم يك بالحافظ)، وقال الحافظ في "التقريب": (ضعيف، يعتبر به) أي: يصلح للاعتبار والاستشهاد. وقال في كتابه "الدراية": (فيه صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف، والمعروف عن سعيد بن المسيب موقوف، أخرجه مالك في "الموطأ" (١) عن الزُّهْريّ عنه) (٢). • الوجه الثاني: في هذين الحديثين بعض من بيوع الغرر وقد تقدم سبعة منها، وهذه بقيتها: فالثامن: النهي عن بيع الثمرة حتَّى تُطْعِم، بضم التاء وسكون الطاء وكسر العين؛ أي: حتَّى يبدو صلاحها وتصير طعامًا يطيب أكلها، يقال: أطعمت الشجرة: إذا أثمرت، وأطعمت الثمرة: إذا أدركت؛ أي: صارت ذات طعم وشيئًا يؤكل منها، ويجوز فتح العين (حتَّى تُطْعَمَ) أي: تؤكل، ولا تؤكل إلَّا إذا أدركت (٣). فلا يجوز بيع الثمار حتَّى يدخلها الطَّعَمُ ويبتدئ فيها النضج، وهذا إذا بيعت بشرط تركها، وعلة النهي ما فيه من الغرر؛ لأنه لا يدرى هل يبقى الثمر إلى أن ينضج أم تصيبه آفة فيهلك؛ وسيأتي - إن شاء الله - بحث هذه المسألة في باب "بيع الأصول والثمار"، أما بيعها بشرط قطعها في الحال فيصح إذا كان الثمر يُنْتَفَعُ به. التاسع: بيع الصوف على الظهر، فلا يجوز بيع الصوف ما دام على ظهر

стр. 2422

الدابة؛ لأنه مجهول، فيفضي إلى الغرر والخصومة والنزاع في موضع قصه وجزه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول الحنفية على ما في ظاهر الرواية، وهو قول الشَّافعية هاسحاق وابن المنذر (١)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، عملًا بهذا الحديث؛ لأن العلة ظاهرة في المنع. والقول الثاني: جواز بيع الصوف على الظهر بشرط جزه في الحال. ووجه الجواز أنَّه معلوم مشاهد يمكن تسليمه في الحال، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٢). والقول الأول وجيه في نظري، لوجود الغرر الذي من شأنه أن يفضي إلى النزاع؛ لأن تحديد موضع الجز غير واضح، كما أنَّه قد يفضي إلى إيذاء الحيوان، فإن المشتري يريد أن يستأصل الصوف، فيؤذي الحيوان ولا يبقى عليه شيء، والبائع يريد أن يرفع الجزَّ قليلًا ليبقى على الحيوان شيء منه. ثم إنه لا حاجة إلى البيع على هذه الصفة؛ لأنه من الممكن بيع الصوف بعد جزه. العاشر: بيع المضامين، وقد فسره أكثر العلماء بما في أصلاب الفحول، بمعنى أن يحمل البائعُ الفحلَ على ناقته فما أنتجته كان للمشتري بكذا. وفسره بعضهم بما في أرحام الإناث أو ما في بطون الحوامل، وعلة النهي أن المبيع مجهول الصفة، ومتعذر التسليم. الحادي عشر: بيع الملاقيح، وقد فسره أكثر العلماء على أنَّه ما في أرحام الإناث، أو ما في بطون الحوامل، وفسره بعضهم بما في أصلاب الفحول، وهذا بيع كان متعارفًا عليه في الجاهلية. قال أَبو عبيد: (الملاقيح: ما في البطون، وهي الأجنة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول) (٣) وعلة النهي كما تقدم، والله أعلم.

стр. 2423

باب الخيار الخيار: اسم مصدر من اختار يختار اختيارًا وخيارًا، ومعناه: طلب خير الأمرين أو الأمور، والمراد هنا: طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه. والخيار له أنواع مذكورة في كتب الفقه بتفاصيلها، وتختلف المذاهب في عددها، وأشهرها: ١ - خيار المجلس. ٢ - خيار الغبن. ٣ - خيار الشرط. وهذه الأنواع الثلاثة سيأتي الكلام عليها في أحاديث هذا الباب إن شاء الله. ٤ - خيار العيب، والإضافة فيه من إضافة الشيء إلى سببه؛ أي: الخيار الذي سببه العيب، وهو أن يكون لأحد المتعاقدين حق الفسخ بسبب عيب يجده فيما تملَّك، ولم يطلع عليه وقت العقد. ٥ - خيار الرؤية، والإضافة فيه من إضافة الشيء إلى سببه -أيضًا- أي: الخيار الذي سببه عدم الرؤية، وهو أن يكون للعاقد الذي عقد على شيء لم يره حق الفسخ إذا رآه. ٦ - خيار التدليس، والإضافة فيه من إضافة الشيء إلى سببه؛ أي: الخيار الذي سببه تدليس البائع على المشتري. ومعناه: أن يكون للعاقد على شيء حق الفسخ إذا كان المبيع على صفة، فإن للمشتري خلافها. وهذه الأنواع ليست محل اتفاق بين العلماء، بل الخلاف فيها ثابت في موضعه.

стр. 2424

استحباب إقالة النادم في البيع ٨٢٦/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أقَال مُسْلِمًا بيعته، أَقَالهُ اللهُ عَثْرَتَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَة، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١). • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أَبو داود في كتاب "البيوع"، باب "في فضل الإقالة" (٣٤٦٠)، وابن حبان (١١/ ٤٠٥)، والحاكم (٢/ ٤٥) من طريق يحيى بن معين، ثنا حفص بن غياث، ورواه ابن ماجة (٢١٩٩) من طريق مالك بن سُعير، كلاهما عن الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا، وزاد ابن ماجة وابن حبان: "يوم القيامة". وهذا الحديث ما رواه عن الأعمَش إلَّا حفص بن غياث ومالك بن سعير، وما رواه عن حفص إلَّا يحيى بن معين، ذكر هذا البزار والدارقطني وابن حبان وغيرهم (٢)، وهذا التفرد مظنة الخطأ. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من أقال … ) الإقالة في اللغة تعني: الرفع والإزالة، ومن ذلك قولهم: أقال الله عثرته؛ أي: رفعه من سقوطه، ومن ذلك الإقالة في البيع؛ لأنها رفع للعقد، ونقض وإبطال.

стр. 2425

والإقالة في اصطلاح الفقهاء: رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين (١). قوله: (مسلمًا) هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن ثواب الإقالة ثابت في إقالة غير المسلم، وقد ورد عند البزار بلفظ: "من أقال نادمًا" (٢). قوله: (عثرته) العثرة: الزلة والخطيئة، وهي اسم مرة، وقيل: للزلة عثرة؛ لأنها سقوط في الإثم. • الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على فضل الإقالة في البيع أو غيره، وهي إحسان ومعروف في حق المقيل؛ لأن الإنسان قد يندم إذا باع ويندم إذا اشترى، فقد يندم المشتري إما لظهور الغبن في المبيع، أو لزوال حاجته إليه، أو لكونه لا يجد الثمن أو نحو ذلك، فإذا أقال البائعُ المشتريَ أو أقال المشتري البائعَ، فقد أحسن إلى أخيه، وحظي بهذه الدعوة المباركة، وهي أن الله تعالى يقيل عثرته في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الجزاء من جنس العمل ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وأما في حق المستقيل فهي مباحة لا حرج فيها، وليست من السؤال المذموم؛ لأن النبي ﷺ رتب الفضل على وقوعها. والأصل في الإقالة أن تكون باللفظ، مثل: أقلتك، فسخت البيع، وقبلت ذلك. وقد تكون بالفعل، كأن يتراد المتعاقدان المبيع والثمن. • الوجه الرابع: اختلف العلماء في الإقالة هل هي فسخ أو بيع؛ على قولين: الأول: أنَّها فسخ وإلغاء للعقد وليست بيعًا، إذ هي ليست ابتداء عقد، وهذا رواية عن الإِمام أحمد، اختارها الخرقي والقاضي والأكثرون، وهي أصح الروايتين. ووجه هذا القول أن الإقالة هي الرفع والإزالة، كما تقدم، وهذا عين الفسخ.

стр. 2426

الثاني: أنها بيع، وهو رواية عن أحمد، ومذهب الإمام مالك؛ لأن المبيع عاد إلى البائع الأول على الصفة التي خرج عليها منه، فكان بيعًا كالأول (١). وهذا الخلاف له فوائد كثيرة ذكرها ابن رجب في "ملحق القواعد" (٢)، ومنها: ١ - من حلف لا يبيع، فأقال: لم يحنث على القول الأول، ويحنث على القول الثاني بأنها بيع، كسائر البيوع. ٢ - على القول بأنها فسخ تجوز قبل القبض وبعده، وعلى الثاني لا تجوز قبل القبض، فيما يعتبر فيه القبض كالمكيل والموزون -مثلًا-؛ لأن بيعه على بائعه لا يجوز قبل قبضه، كما لا يجوز على غيره. ٣ - على القول بأنها فسخ تصح بعد النداء الثاني يوم الجمعة، وعلى أنها بيع لا تصح. ° الوجه الخامس: اختلف العلماء في حكم الإقالة بأقل أو أكثر من ثمن السلعة على قولين: الأول: أنها لا تجوز إلّا بالثمن، وقد نقل عن أحمد ما يدل على كراهة الزيادة؛ لأن مقتضى الإقالة رد الأمر على ما كان عليه، ورجوع كل واحد منهما إلى ماله، فلم تجز بأكثر من الثمن، ولأنه يخشى شبهها بمسالة العينة؛ لأن البائع يرجع إليه عين ماله، ويثبت له على المشتري فضل دراهم. والقول الثاني: جواز الإقالة بأقل أو أكثر من الثمن، وقد نقل عن الإمام أحمد ما يدل على جواز ذلك، مستدلًا بمسالة بيع العربون -المتقدمة- وذلك لأنه من جنس الإقالة بربح. ورجح ذلك الحافظ ابن رجب في "القواعد" وقال: (إن محذور الربا هنا بعيد جدأ؛ لأنه لا يقصد أحد أن يدفع عشرة ثم يأخذ نقدًا خمسة -مثلًا-، لا سيما والدافع هنا هو الطالب لذلك الراغب فيه) (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 2427

ثبوت خيار المجلس للمتبايعين ٨٢٧/ ٢ - عَن ابْنِ عُمرَ ﵄، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الاخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولَمْ يَتْرُكْ وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيعُ"، مُتَّفَق عَلَيهِ، وَاللفْظُ لِمُسْلِمٍ. ° الكلام عليه من وجوده: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "إذا خير أحدهما الآخر بعد البيع فقد وجب البيع" (١٢١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤) من طرق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا تبايع الرجلان) أي: أوقعا العقد بينهما لا تساوما من غير عقد، وذكر الرجلين باعتبار الغالب، وإلا فالمرأتان كذلك. قوله: (فكل واحد منهما بالخيار) أي: في إمضاء البيع أو فسخه، والمراد هنا: خيار المجلس، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كل) أي: كل واحد منهما محكوم له بالخيار على صاحبه. قوله: (ما لم يتفرقا) (ما) مصدرية ظرفية، والتقدير: فكل واحد منهما بالخيار مدة عدم تفرقهما، والمراد: تفرقهما بالأبدان من المجلس بدليل رواية الدارقطني والبيهقي الآتية: "حتى يتفرقا من مكانهما". ولأن راوي الحديث

стр. 2428

وهو ابن عمر فسره بذلك، ففي رواية البخاري: (وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه). والمراد بالمكان: مكان العقد. قوله: (وكانا جميعًا) هذا توكيد لما قبله في المعنى؛ لأن المراد: وكانا جميعًا في مكان واحد، وهو حال من الضمير في قوله: "ما لم يتفرقا". قوله: (أو يخير أحدهما الآخر) معناه: أن يقول أحدهما للآخر: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فإذا اختار البيع وجب البيع، وإن اختار الفسخ انتهى الأمر، فينقطع خيارهما وإن لم يتفرقا. وقد نقل ابن المنذر هذا المعنى عن سفيان الثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وإسحاق (١). ويحتمل أن معناها: أن يشترط أحدهما أو كلاهما الخيار مدة معلومة، فإن الخيار لا ينقضي بالتفرق، بل يبقى حتى تمضي المدة التي شُرطت، وهذا المعنى حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور (٢)، والمعنى الأول أصح، لما ورد في إحدى الروايات: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار" (٣). قوله: (فتبايعا على ذلك) الإشارة ترجع على ما يفهم مما قبله؛ أي: تبايعا على إسقاط الخيار أو إثباته مدة معينة. قوله: (فقد وجب البيع) أي: ثبت ولزم. قوله: (وإن تفرقا) هذا تصريح بمفهوم الجملة السابقة: (ما لم يتفرقا) والمراد: تفرقا بابدانهما، بدليل رواية الدارقطني الآتية. قوله: (بعد أن تبايعا) أي: عقدا عقد البيع. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على إثبات خيار المجلس لكل من البائع والمشتري، وأن لكل منهما إمضاء البيع أو فسخه ما داما في مكان العقد، فإذا تفرقا انقضى الخيار وثبت البيع.

стр. 2429

والحكمة من مشروعية خيار المجلس إعطاء؛ المتعاقدين فرصة للتأمل والنظر، وحصول تمام الرضا الذي لا بد منه في العقود؛ لأن البيع قد يقع بغتة من غير تروٍّ ولا نظر، فأثبت الشارع خيار المجلس لذلك ما دام المتعاقدان في مكانهما. ولم يرد في الحديث ضابط التفرق، فيكون مرجعه إلى العرف، فما عده الناس تفرقًا لزم به العقد حسب اختلاف المكان الذي حصل به التبايع، فلو كانا في السوق فيحصل التفرق بمفارقة أحدهما للآخر، وذلك بأن يمشي قليلًا، وإن كانا في محل أو نحوه فبخروج أحدهما، أو في سيارة بنزول أحدهما منها، فإن كان البيع عن طريق الهاتف بقي خيارهما من صدور القبول من المشتري إلى نهاية المكالمة بينهما ولو طالت، فإذا انتهت لزم العقد، تنزيلًا لانقطاع الكلام منزلة التفرق بالأبدان (١). ° الوجه الرابع: القول بإثبات خيار المجلس، هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة وأرباب المذاهب، وبه قالت الظاهرية وابن حبيب، وابن عبد البر من المالكية (٢). مستدلين بحديث ابن عمر هذا وغيره مما ورد في هذا الباب. وذهب أبو حنيفة ومالك وأكثر أصحابهما إلى عدم ثبوت خيار المجلس وأن العقد متى تمَّ في مجلسه بصدور القبول امتنع الرجوع إلا بعيب أو نحوه؛ لأن صفة العقد الإلزام، ولا إلزام إذا أجزنا لأيّ منهما الرجوع (٣). وقد استدلوا بادلة لا علاقة لها بمحل النزاع، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فقالوا: إن البيع عُقِدَ قبل التخيير، فيجب الوفاء به، وخيار المجلس يؤخر الوفاء به.

стр. 2430

وعلى فرض شمول هذه الأدلة لخيار المجلس فهي أعم مطلقًا، وأحاديث الخيار خاصة، والخاص يقضي على العام. وقد اعتذروا عن العمل بالأحاديث بأعذار ضعيفة، ومنها قولهم: إن أحاديث الخيار منسوخة بقول النبي ﷺ : "المسلمون على شروطهم"، ومنها قولهم: إن الحديث من رواية مالك، وقد عمل مالك نفسه بخلافه، فدل على أنه عارضه ما هو أقوى منه، ومنها: أن المراد بالتفرق: التفرق بالأقوال. قال اين عبد البر المالكي: (قد أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من الاحتجاج لمذهبهما في رد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره تشغيب لا يُحصل منه على شيء لازم لا مدفع له) (١). وقد عاب كثير من أهل العلم على مالك مخالفته الحديث مع روايته له في "موطئه" وثبوته عنده، حتى نُقل عن بعضهم الخشونة في الرد على مالك (٢). ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن البائع والمشتري لو اتفقا على إسقاط الخيار بعد العقد وقبل التفرق وأنه لا خيار لهما لزم العقد وثبت البيع؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما، وكيفما اتفقا جار، فإن اشترط أحدهما الخيار مدة معلومة لم ينقض الخيار بالتفرق، بل لا بد من انقضاء المدة، فإذا انقضت ولم يحصل من أحدهما فسخ للبيع بطل الخيار ولزم العقد، وسيأتي -إن شاء الله- مزيد كلام على خيار الشرط، والله تعالى أعلم.

стр. 2431

نهي المتعاقدين عن ترك المجلس خشية الاستقالة ٨٢٨/ ٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبي ﷺ قَال: "الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرّقَا، إلا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا ابْنَ مَاجَهْ، والدَّارَقُطْنيُّ، وابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ. وَفي روَايَة: "حَتى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهمَا". ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في خيار المتبايعين" (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٧/ ٢٥١، ٢٥٢)، وأحمد (١١/ ٣٣٠، ٣٣١)، والدارقطني (٣/ ١٥٠)، وابن الجارود (٦٢٠) كلهم من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص -ضي الله عنهما -. قال الترمذي: (هذا حديث حسن)، والمراد بذلك قوله: "ولا يحل له … " إلخ؛ لأنه من رواية عمرو بن شعيب وحديثه من قبيل الحسن، كما تقدم مرارًا، وأما أول الحديث فهو صحيح لغيره؛ لأن له شواهد، ومنها حديث ابن عمر ﵄، كما تقدم. وأما رواية: (حتى يتفرقا من مكانهما) فهي عند الدارقطني، والبيهقي (٥/ ٢٧١)، ولعل غرض الحافظ من إيرادها أنها مفسرة للمراد من التفرق في

стр. 2432

حديث ابن عمر ﵄ المتقدم: "ما لم يتفرقا" وأن المراد التفرق بالأبدان، لا بالأقوال، كما يقول نفاة خيار المجلس. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إلا أن تكون صفقة خيار) برفع (صفقة) على الفاعلية على أَنَّ (تكون) تامة، والمعنى: إلا أن توجد أو تحدث صفقة خيار. وبنصبها على أن (تكون) ناقصة، واسمها محذوف يفهم من السياق، والتقدير: إلا أن تكون البيعة صفقة خيار، أو إلا أن تكون الصفقة صفقة خيار. والصفقة لغة: اسم المرة من الصفق، وهو الضرب باليد على يد أخرى، ثم استعمل اللفظ في عقد البيع؛ لأن العرب إذا وجب البيع ضرب أحد المتبايعين يده على يد صاحبه. والإضافة للبيان؛ لأن الصفقة قد تكون للبيع أو للعهد. والمعنى: أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا، إلا إذا قال أحدهما للآخر: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فاختار الإمضاء، تم البيع وإن لم يتفرقا، وهذه هي صفقة الخيار. قوله: (ولا يحل له أن يفارقه) أي: لا ينبغي لأحد المتعاقدين أن يفارق صاحبه ويقوم مسرعًا من مكان العقد، وهذا مقيد لما تقدم من قوله: (ما لم يتفرقا) فيكون المراد التفرق الذي لم يقصد به إسقاط حق صاحبه. قوله: (خشية أن يستقيله) مفعول لأجله منصوب؛ أي: خشية أن يرجع صاحبه في بيعته معه ويفسخها، فالمراد بالإقالة هنا: فسخ النادم منهما للبيع، وليس المراد الاستقالة التي تقدمت، إذ لو كان هذا هو المراد لم تمنعه من المفارقة؛ لأنها لا تختص بمجلس العقد، بل تجوز بعده، فدل على أن المراد فسخ البيع. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على إثبات خيار المجلس للمتعاقدين ما لم يتفرقا بأبدانهما من مكان العقد، فإن تفرقا بطل الخيار ولزم البيع، وكذا لو قال أحدهما للآخر في مكان العقد بعد العقد: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فاختار إمضاء البيع انقطع خيارهما وإن لم يتفرقا.

стр. 2433

° الوجه الرابع: الحديث دليل على نهي المتعاقدين عن التفرق والهرب من مجلس العقد لأجل أن يلزم العقد، بل ينبغي التريث وعدم العجلة؛ لأن هروبه تحيل على إسقاط حق الغير الواجب، فإن أخاه قد يندم على البيع، وهو قد يندم أيضًا، فلا حاجة إلى العجلة، والمسلم أخو المسلم، لا ينبغي له أن يعجل بشيء قد يحرم أخاه من مصلحته، بل ينتظر حتى يقوم القيام المعتاد. وإذا هرب أحدهما فقد اختلف العلماء على ثلاثة أقوال: الأول: يلزم العقد، وينقطع الخيار؛ لأنه فارقه باختياره، ولأنه متمكن من الفسخ بالقول، وهذا قول الحنابلة، وقول عند الشافعية، صححه النووي (١). والقول الثاني: أنه يبقى الخيار ولا ينقطع، معاملةً له بنقيض قصده. والقول الثالث: التفصيل وهو أنه إن تمكن أن يتبعه ولم يتبعه بطل خيارهما؛ لأن تاخره عن اللحاق به رِضًى بالتفرق، وإن لم يتمكن بطل خيار الهارب، وبقي خيار الآخر (٢). ° الوجه الخامس: ورد عن نافع أنه قال: (وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه)، وفي لفظ: (فكان ابن عمر إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه) (٣)، وقد حمله العلماء على أن ابن عمر ﵄ لم يبلغه حديث النهي هذا، ولو بلغه لما خالفه، ذكر هذا ابن قدامة (٤)، وبه جزم الحافظ في "التلخيص" (٥)، ولا ريب أن السنة إذا صحت لم يجز أن تُعارض باجتهاد صحابي ولا غيره؛ لأن الصحابي قد يخفى عليه الحديث، وقد يجتهد، فإذا ثبتت السنة وجب الرد إليها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والله تعالى أعلم.

стр. 2434

حكم الخيار لمن يُخدع في البيع ٨٢٩/ ٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: ذَكَرَ رَجُلٌ لِلنبي ﷺ أنهُ يُخْدَعُ في الْبُيُوعِ. فَقَال: "إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ"، مُتَّفَق عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "ما يكره من الخداع في البيع" (٢١١٧)، ومسلم (١٥٣٣) من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، به. وقد جاء في رواية مسلم: (فكان إذا بايع يقول: لا خيابة)، أي: يقولها بالياء المثناة بدل اللام، وبالذال المعجمة بدل اللام أيضًا، قال النووي: (والصواب الأول) (١) والظاهر أنه لا يفصح باللام للثغة في لسانه، وقد ورد عند أحمد: (وكانت في لسانه لُوثَة … ). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ذكر رجل) اختلف في تعيينه، وقد جاء في رواية ابن الجارود من طريق ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: أن حَبَّان بن منقذ سَفَعَ في رأسه مأمومة، فثقلت لسانه، وكان يخدع في البيع، فجعل رسول الله ﷺ مما ابتاع فهو بالخيار ثلاثًا … الحديث (٢).

стр. 2435

قوله: (يخدع) أي: يغرُّ ويغبن. قوله: (لا خلابة) لا: نافية للجنس، وخلابة: اسمها مبني على الفتح. والخلابة: بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام: هي الخديعة. وخبر (لا) محذوف، والتقدير: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، والمعنى: لا تحل لك خديعتي، أو لا تلزمني خديعتك. وقد لقنه النبي ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع، فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع وأثمانها. ° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: بإثبات خيار الغبن، وأن العاقد المغبون له حق الخيار حتى يستطيع رفع الغبن الواقع عليه، وهذا قول أحمد وبعض المالكية، بشرط أن يكون الغبن ثلث القيمة عند المالكية، وعند الحنابلة أن يكون فاحشًا يخرج عن العادة (١)، والمرجع في تحديده إلى عرف الناس، ولعلهم أخذوا هذا التقييد مما علم أنه لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في غالب الأحوال، ولأن القليل يُتسامح به في العادة. وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يثبت الخيار لكل مغبون (٢)، لعموم أدلة البيع ونفوذه، من غير تفرقة بين الغبن أو لا، إلا من كان مثل هذا الرجل في ضعف عقله، بشرط أن يقول هذه المقالة. وقد ورد في حديث أنس ﵁ أنه كان يبتاع وكان في عقدته -يعني: في عقله- ضعف … الحديث (٣). وقالوا: لا يستدل به على ثبوت الغبن لكل مغبون وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن، ولم يقل هذه المقالة. وقد رجح النووي هذا القول، وقال: الأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أثبت

стр. 2436

له الخيار، وإنما قال له قل: "لا خلابة"؛ أي: لا خديعة، ولا يلزم من هذا ثبوت الخيار … ) (١). كما رجحه الشوكاني (٢). ° الوجه الرابع: استدل بعض الفقهاء، ومنهم فقهاء الشافعية والحنفية بهذا الحديث على إثبات خيار الشرط (٣)، وهو أن يشترط أحد المتعاقدين أو كلاهما لنفسه حق الفسخ مدة معلومة، كأن يقول المشتري -مثلًا-: اشتريت منك هذه السيارة بكذا على أني بالخيار ثلاثة أيام. ووجه الاستدلال بالحديث؛ أن الرسول ﷺ جعل لهذا الرجل الخيار ثلاثة أيام، كما تقدم في رواية ابن إسحاق عن نافع، عن ابن عمر، لكن قال النووي: (إن هذه الرواية ليست بثابتة، وإنها زيادة منكرة) (٤)، وإن أقوى ما يحتج به على ثبوت خيار الشرط هو الإجماع، لكن هذا فيه نظر، فقد ذكر ابن رشد أن هذا قول الجمهور، وخالف فيه الثوري وابن شبرمة وطائفة من أهل الظاهر (٥). وقد يستدل له بعموم: "المسلمون على شروطهم" (٦). ومدة الخيار عند أبي حنيفة والشافعي ثلاثة أيام ولا تزيد أخذًا بهذا النص، وقال أحمد ومالك: إذا كانت مدة معلومة جاز، ولو زادت على ثلاثة أيام، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، إلا أن مالكًا يقيد الزيادة بالحاجة، ووجه ذلك أن الخيار شرع للتروي ودفع الغبن، والحاجة قد تدعو إلى الزيادة على ثلاثة أيام، والله تعالى أعلم.

стр. 2437

باب الربا الربا لغة: اسم مقصور من ربا يربو: إذا زاد ونما وعلا، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: علت وارتفعت، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: أكثر عددًا. وهو يكتب بالألف؛ لأن ألفه أصلها واو، وتثنيته ربوان. وشرعًا: الزيادة الحاصلة بمبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات. والربا نوعان: ربا البيع، وربا القرض، وربا البيع نوعان: ١ - ربا الفضل؛ أي: الزيادة، وهو بيع شيء من الأموال الربوية بجنسه متفاضلًا، كأن يبيع صاعًا من البر بصاعين، أو يبيع خمسين غرامًا من ذهب بستين غرامًا، والغالب أنه لا يكون مثل هذا التعامل إلا للتفاوت الذي بين النوعين جودة أو رداءة ونحو ذلك. ٢ - ربا النسيئة؛ أي: التأخير، وهو بيع الشيء بجنسه أو بغير جنسه مما يساويه في العلة بدون تقابض، وهذا النوع هو الذي كان مشهورًا في الجاهلية، كانوا إذا حل الدين قال طالبه للمدين: إما أن تَقضي وإما أن تُربي، فإن قضاه وإلا زاد في الدين ومدَّ في الأجل، ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، وهذا النوع هو الذي جاء القرآن بتحريمه، وأما ربا الفضل فهو الذي بينته السنة، كما سيأتي إن شاء الله. وأما ربا القرض (١)، فهو القرض بفائدة، كأن يقرضه دراهم -مثلًا-

стр. 2438

ويشترط النفعَ بإيفاءِ أكثرَ مما أقرضه، أو أحسن، أو أن ينتفع بسيارته أو داره أو نحو ذلك، فهذا هو الربا بعينه، وليس قرضًا في الحقيقة؛ لأن المقصود بالقرض الإحسان والإرفاق، وهذه معاوضة ظاهرة. والربا محرّم بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. ففي الآية دليل على تحريم الربا، وفيها تهديد بأن من لم يترك الربا فقد أعلن الحرب مع الله ورسوله، وما أَذل المحاربَ لله ورسوله وأخذله وأعظم جرمه! ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غير الربا. وأما الدليل من السنة فسيأتي في الباب، وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على تحريم الربا وأنه من الكبائر، وإن كانوا قد يختلفون في شيء من مسائله. وأما الحكمة من تحريم الربا، فقد حرمه الإسلام لأغراض سامية ومقاصد عظيمة، ومنها: ١ - أنه متضمن للظلم وأكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه أَخْذُ فضل بلا مقابل، وهو بهذا -كما يقول ابن تيمية- أشد من الميسر الذي هو القمار؛ لأن المرابي قد أخذ فضلًا محققًا من محتاج، إذ هو لم يبع ولم يَتَجِرْ، وأما المقامر فقد يحصل له فضل وقد لا يحصل له. ٢ - أن المرابي متصف بالغلظة في طبعه والشح في إنفاقه والعزوف عن الصدقات والبعد عن فعل الخيرات، يدل على ذلك أنه لا تكاد توجد آية من آيات الربا إلا وهي مسبوقة أو متبوعة بآيات الحض على الصدقة والإنفاق. ٣ - تعطل المكاسب والتجارات والحرث والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها، إذ من يحصِّل درهمين بدرهم بإيداع ماله في مصرف ربوي كيف يتجشم مشقة كسب أو تجارة؟!.

стр. 2439

٤ - انقطاع المعروف والإحسان في القرض، إذ لو حلَّ درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله، كما في القرض (١). وقد انتشر الربا في هذا العصر، وعمَّ التعامل به في كثير من المصارف وغيرها، وقد ورد بسند فيه ضعف حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان يكون فيه الربا"، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: "من لم يأكل منهم، ناله من غُباره" (٢). وعنه -أيضًا ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أَخَذَ منه، أَمِنَ الحلال أم من الحرام؟ (٣). وقد وقع مصداق ذلك في زماننا هذا، فإنك تجد الكثير من الناس لا يتحرى الحلال في مكسبه، بل همه جمع المال ولو بطريق الغش والكذب والتدليس، أو بعدم إتقان ما أُنيط به من عمل، وقد دخل الربا في الكثير من معاملات الناس، والله المستعان.

стр. 2440

تحريم الربا وما جاء فيه من الوعيد ٨٣٠/ ١ - عَنْ جَابر ﵁ قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيهِ، وَقَال: "هُمْ سَوَاءٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٨٣١/ ٢ - وللْبُخَاريِّ نحوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبي جُحَيفَةَ. ٨٣٢/ ٣ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "الرِّبا ثَلاثةٌ وَسَبْعُون بَابًا، أيسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحَ الرّجُلُ أمّهُ، وإنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا، وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَصَحّحَهُ. ° الكلام عليها من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "لعن آكل الربا وموكله" (١٥٩٨) من طريق هشيم، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر ﵁، به مرفوعًا. وأما حديث أبي جُحيفة ﵁، فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، ومنها في كتاب "اللباس"، باب "مَنْ لَعَنَ المصوِّر" (٥٩٦٢) من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه أنه اشترى غلامًا حجامًا، فقال: (إن النبي ﷺ نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن أكل الربا وموكله، والواشمة والمستوشمة، والمصور). ولعل الحافظ أشار إلى حديث أبي جحيفة ﵁ لبيان أن لَعْنَ آكل الربا وموكله قد جاء في "الصحيحين"، أما لعن الكاتب والشاهد فهذا مما انفرد به مسلم.

стр. 2441

وأما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٥) قال: حدثنا عمرو بن علي الصيرفي أبو حفص، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زُبيد، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابا"، وقد اقتصر ابن ماجه على هذه الجملة فقط، وهذا مراد الحافظ بقوله: (رواه ابن ماجه مختصرًا)، قال البوصيري: (هذا إسناد صحيح) (١)، وصححه الألباني -أيضًا- (٢). وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٧)، وعنه البيهقي في "شعب الإيمان" (٤/ ٣٩٤) من طريق محمد بن غالب، حدثنا عمرو بن علي، به، وزاد: "أيسرها … " إلخ. وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، والظاهر أن هذه الزيادة تفرد بها محمد بن غالب؛ لأنه وإن كان ثقة فقد وهم في أحاديث، كما قال الدارقطني، ومما يؤيد ذلك أربعة أمور: ١ - أنه خالف ابن ماجه في متنه. ٢ - أن الحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (٩/ ٣٧٤) من طريق سفيان، عن زُبيد، به، موقوفًا على ابن مسعود بلفظ: "الربا بضع وسبعون بابا"، فصح الحديث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا وموقوفًا، بدون هذه الزيادة. ٣ - أن الحديث اختلف في متنه، فقد روي بلفظ: "سبعون بابا"، ومرة: "ثلاثة وسبعون"، ومرة: "خمسة وسبعون"، ومرة: "خمسة وثلاثون" … ٤ - أن الأئمة استنكروا متنه، فقد قال البيهقي: (هذا إسناد صحيح، والمتن منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلا وهمًا، وكأنه دخل لبعض رواته إسناد في إسناد). وما أحسن قول ابن الجوزي بعد أن ذَكَرَ عددًا من الأحاديث في هذا

стр. 2442

الموضوع: (واعلم أن مما يردُّ صحة هذه الأحاديث أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيرها، والزنا يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل لقمة لا تتعدى ارتكاب نهي، فلا وجه لصحة هذا) (١). وأما قوله ﷺ : "وإن أربى الربا … " إلخ، فقد صح من حديث سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق" (٢). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (لعن رسول الله) أي: دعا على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة. وأصل اللعن من الله الطرد والإبعاد عن الرحمة، ومن الخلق: السب والدعاء. قوله: (آكل الربا) أي: آخذ الربا وإن لم يأكل، وخص الأكل من بين سائر الانتفاعات؛ لأنه أعظم المنافع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]. قوله: (وموكله) بضم الميم وكسر الكاف، اسم فاعل، والمراد به: معطي الربا؛ لأنه ما حصل الربا إلا منه، فيكون داخلًا في الإثم. قوله: (وكاتبه) أي: كاتب عقد الربا ووثيقته بين الآكل والموكل. قوله: (وشاهديه) أي: حاضري توثيقه لإثبات وثيقته على آكله وموكله. وفي رواية أبي داود: "وشاهده" بالإفراد على إرادة الجنس، وإنما لُعِنَ هذان لإعانتهما على المحظور. قوله: (هم سواء) أي: هم في الإثم سواء.

стр. 2443

قوله: (ثلاثة وسبعون بابا) أي: شعبة. قوله: (مثل أن ينكح) بكسر الكاف وفتحها، مضارع نكح، من باب ضرب ومنع، وهو يطلق على الوطء وعلى العقد، والظاهر أن المراد هنا الأول؛ أي: يواقعها، بدليل الروايات الأخرى. قوله: (وإن أربى الربا) الربا: الزيادة والارتفاع -كما تقدم- فالمعنى: من أفحش الزيادة وأقبح الارتفاع وأشنعه. قوله: (عرض الرجل المسلم) العرض: هو موضع الذم والمدح من الإنسان، فيدخل في ذلك الأمور التي بذكرها يرتفع أو يسقط، ومن جهتها يذم أو يحمد. وقد جاء في بعض شواهد الحديث: "من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"، وقد فسر العلماء الاستطالة بأن يتناول من عرض أخيه أكثر مما يستحقه على ما قيل له وأكثر مما رخص له فيه، وذلك بأن يتوسع في الذم ويستمر عليه، ولذا مثله بالربا وعده من عداده؛ لأنه إذا تناول أكثر مما يستحقه شابه مَنْ أخذ من المال أكثر من حقه، ثم فضله على جميع أفراده؛ لأنه أكبر مضرة، وأشد فسادًا، فإن العرض شرعًا وعقلًا أعز على النفس من المال (١). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الربا، وأنه من كبائر الذنوب (٢)، بل من أكبرها (٣)؛ لأن الرسول ﷺ لعن المذكورين، واللعن لا يكون إلا على أمر محرم وكبيرة من الكبائر، وهذا أمر مجمع عليه، وإنما اختلف العلماء في بعض التفاصيل، وفي الحديث تغليظ شديد في أكل الربا؛ لأنه إذا لُعِنَ الكاتب والشاهدان مع أنهما لا يصيبهما منه شيء فلأن يلعن المباشر له من آخذ ومعطٍ بالأولى، لكن قال العلماء: إن لَعْنَ الكاتب والشاهد مقيد بما إذا علما ذلك، فأما من كتب أو شهد وهو غير عالم فلا يدخل في الوعيد.

стр. 2444

° الوجه الرابع: هذا الوعيد ليس خاصًّا بالآكل، وإنما هو حاصل لكل من أخذ الربا، سواء أكل منه أو لبس أو اشترى سكنًا أو سيارة أو غير ذلك من وجوه الانتفاع. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وكل الربا، وكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (١). ° الوجه الخامس: تحريم كتابة عقود الربا بين المترابين والشهادة عليه، ويدخل في ذلك من يعمل بالبنوك الربوية ويكتب عقود الربا؛ لأن ذلك من إعانتها على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، فالله تعالى ينهى عن المعاصي وعن الإعانة عليها، ولا شك أن الكتابة والشهادة إعانة على الربا، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (ويظهر من هذا أن جميع أنواع المساعدات على الربا داخلة في ذلك، سواء كان كاتبًا أو شاهدًا أو محاسبًا أو خازنًا أو ما أشبه ذلك مما يعين على أموال الربا، وبهذا يظهر أن الوظيفة في البنوك [الربوية] داخلة في هذا؛ لأنها من نوع المعاونة لأهلها على أعمالهم الربوية، فيدخل في ذلك الحارس وعامل القهوة والفرَّاش وأشباه ذلك ممن عمله نوع من المعونة لهم وتسهيل أمورهم .. ) (٢). ° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الوقوع في عرض المسلم والاستطالة فيه من أكبر الكبائر؛ لأن الشارع جعلها من أربى الربا وأشده. فعلى المسلم الحريص على صلاحه واستقامة أموره وسلامته من تبعات حقوق العباد أن يحذر أشد الحذر من الوقوع في عرض أخيه المسلم وأن

стр. 2445

يحفظ لسانه مما تساهل فيه كثير من الناس في هذا الزمان، ومن استقام لسانه استقامت جوارحه وحسنت أعماله، ومن اعوج لسانه ظهر ذلك على سائر جوارحه، وساءت أعماله، والله الموفق، لا إله غيره، أعلم.

стр. 2446

الأصناف الربوية وكيفية المبادلة فيها ٨٣٣/ ٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا تبيعوا الذهَبَ بِالذهَب إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، ولَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض، وَلا تَبِيعوا الْوَرِقَ بِالْوَرِق إلا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِز"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ٨٣٤/ ٥ - وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالْفِضةِ، وَالْبُرُّ بِالبُرّ، وَالشعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإذَا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعوا كيفَ شئتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَد"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٨٣٥/ ٦ - وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذهَبُ بالذهبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْل، وَالْفِضةُ بِالْفِضةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْل، فَمَنْ زادَ أَو استَزَادَ فَهوَ رِبًا"، رَوَاهُ مُسْلِم. ° الكلام عليها من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أبي سعيد ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "بيع الفضة بالفضة" (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤) من طريق نافع، عن أبي سعيد ﵁، مرفوعًا. وأما حديث عبادة ﵁، فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا" (١٥٨٧) (٨١) من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة ﵁، مرفوعًا.

стр. 2447

وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه مسلم في الباب المذكور (١٥٨٨) (٨٤) من طريق أبي فضيل، عن أبيه، عن ابن أبي نعيم، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وتقديم الحافظ لحديث أبي سعيد لكونه متفقًا عليه، ولما كان مقتصرًا على الذهب والفضة أردفه بحديث عبادة عند مسلم، وهو جامع للأصناف الربوية الستة، وأما إيراد حديث أبي هريرة فلأن فيه إشارة إلى أن التساوي المطلوب في بيع الربوي بجنسه إنما يكون بالمعيار الشرعي، كما سيأتي إن شاء الله. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قولي: (إلا مثلًا بمثل) هذا مستثنى من أعم الأحوال، والتقدير: لا تبيعوا الذهب بالذهب في حال من الأحوال إلا حال كونهما متماثلين؛ أي: متساويين، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ بيان أن التساوي يكون بالوزن. قوله: (ولا تشفوا) بضم المثناة الفوقية، فشين معجمة مكسورة، ففاء مشددة؛ أي: لا تفضلوا ولا تزيدوا بعضها على بعض، من أشف الرباعي، يقال: شف "الشيء يشِفُّ شفًا من باب "ضرب": إذا زاد، وقد يستعمل في النقص -أيضًا- فيكون من الأضداد، يقال: هذا يَشِف قليلًا؛ أي: ينقص، وأشففت هذا على هذا؛ أي: فضلت. وفي هذه الجملة "ولا تشفوا" تصريح بمفهوم الجملة السابقة من باب التأكيد. قوله: (الورِق) بفتح الواو وكسر الراء هو الفضة مضروبة أو غير مضروبة، وتقدم ذلك في "الزكاة". قوله: (غائبًا بناجز) الغائب: ما لم يكن موجودًا عند العقد، سواء كان مؤجلًا أم لا، والناجز: الحاضر، وفي هذا إشارة إلى التقابض. قوله: (الذهب بالذهب) يجوز فيه الرفع على تقدير: بيعُ الذهب بالذهب، فحذف المضاف للعلم به وأقيم المضاف إليه مقامه، وأُعرب

стр. 2448

بإعرابه، أو يباع الذهبُ بالذهب، ويجوز النصب؛ أي: بيعوا الذهبَ بالذهب، ولفظ الذهب عام يدخل فيه جميع أصنافه، من مضروب، ومنقوش، وجيد، ورديء، وصحيح، ومكسر، وحلي، وتبر، وخالص، ومغشوش. قوله: (والبر بالبر) هو الحنطة والقمح، وهي ألفاظ مترادفة. قوله: (والشعير بالشعير) بفتح أوله، وحكي جواز كسره. قوله: (سواء بسواء) السواء: هو المثل والنظير؛ أي: مثلًا بمثل، وجُمِعَ مع ما قبله للتوكيد والمبالغة في الإيضاح. قوله: (يدًا بيد) حال؛ أي: متقابضين في مكان التبايع قبل أن يتفرقا. قوله: (فبيعوا كيف شئتم)؛ أي: من حيث الكمية متساويًا ومتفاضلًا، وهذا إطلاق مقيد بما بعده، وهو قوله: "إذا كان يدًا بيد". قوله: (فمن زاد أو استزاد … )؛ أي: فمن أعطى زيادة على قدر المبيع الآخر من جنسه، أو طلب الزيادة فهذا الزائد ربا. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأموال الربوية ستة، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وقد اتفق العلماء على تحريم الربا في هذه الأصناف الستة، واختلفوا فيما عداها، وسيأتي إن شاء الله. فإذا بيع الربوي بجنسه كبُرٍّ ببُرّ، أو تمر بتمر، أو ذهب بذهب، فلا يصح البيع إلا بشرطين: الأول: التساوي في المقدار، فلا يصح أن يبيع صاع بر بصاعين منه، وهذا الشرط قد دل عليه قوله: "مثلًا بمثل سواء بسواء" والغالب أنه لا يفعل مثل ذلك إلا للتفاوت الذي بين النوعين جودة أو رداءة أو غير ذلك، كما تقدم أول الباب. الثاني: التقابض قبل التفرق من مكان العقد، لقوله: "يدًا بيد"، فإذا اختل الشرط الأول صارت المعاملة من ربا الفضل، وإن اختل الثاني صارت المعاملة من ربا النسيئة، أو داخلة فيهما إن لم يتحقق الشرطان معًا.

стр. 2449

وإذا بيع الربوي بغير جنسه مما يساويه في العلة -كالكيل مع الطعم، أو الثمنية- فلا بد لصحة البيع من شرط واحد، وهو التقابض قبل التفرق، فإذا باع صاعين من الرز بصاع من البر صح البيع إذا تقابضا قبل التفرق، وكذا لو باع ريالات سعودية بدنانير، أو أي عملة بعملة أخرى صح البيع بشرط القبض، وقد دل على ذلك قوله: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد". فإن لم يتحقق هذا الشرط صارت المعاملة من ربا النسيئة. فإن بيع الربوي بغير جنسه مما لا يساويه في العلة كبيع بر بذهب، أو شعير بفضة صح البيع مطلقًا بدون شرط التساوي والتقابض. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن التقابض في مجلس العقد شرط في جميع الأموال الربوية التي تتساوى في العلة؛ لأن الرسول ﷺ ذكر قوله: "يدًا بيد" مع اتحاد الأصناف ومع اختلافها، كما في حديث عبادة ﵁. ° الوجه الخامس: استدل الجمهور من أهل العلم بحديث عبادة ﵁ على أن البر والشعير صنفان، لعطف أحدهما على الآخر (١)، وذهب مالك والليث والأوزاعي إلى أنهما صنف واحد (٢)، وسبقهم إلى ذلك معمر بن عبد الله ﵁ (٣)، فأخرج مسلم عنه أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام فاخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؛ انطلق فرده، ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل … الحديث، وسيأتي بتمامه، وما يترتب على هذا الخلاف إن شاء الله. ° الوجه السادس: اختلف العلماء في إلحاق غير هذه الأصناف الستة بها، على قولين: القول الأول: أن الربا مقصور على الأصناف الستة لا يتعداها إلى

стр. 2450

غيرها، وهذا قول طاوس وقتادة والظاهرية (١) وابن عقيل الحنبلي (٢)، واختاره الصنعاني (٣)، أما الظاهرية فقولهم مبني على إنكارهم القياس، وأما ابن عقيل فإنه وإن كان يرى القياس إلا أنه لم يقل به هنا؛ لأن علل القياسيين -على رأيه- ضعيفة، وإذا لم تظهر العلة امتنع القياس. الثاني: أنه يلحق بها ما شاركها في العلة، وهو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، مستدلين بما سيأتي من حديث معمر بن عبد الله ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل … "، ولفظ (الطعام) أعم من الأصناف الأربعة المذكورة في حديث أبي سعيد وعبادة ﵁. كما استدلوا بالمعنى، وذلك أن ما وافقها في العلة يجب أن يأخذ حكمها، مراعاة لمقصود الشارع في التحريم، فما دام أن العلة واضحة وموجودة في غير هذه الأصناف فليحكم بالإلحاق؛ لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين، كما لا يجمع بين مختلفين، قالوا: وقد اقتصر الحديث على الأصناف الستة من باب الاكتفاء بالأشياء التي لا يستغني عنها الناس عادة. ثم اختلف هؤلاء في علة التحريم على أقوال أرجحها: أن العلة في الذهب والفضة هي مطلق الثمنية؛ أي: إنهما أثمان للأشياء، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وقول للمالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٤). ووجه ترجيح هذا القول أن التعليل بالثمنية فيه مناسبة لتحريم الربا فيهما؛ لأن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان كذلك لصار كالسلع فلا يوجد ثمن تقوَّم به المبيعات.

стр. 2451

وعلى هذا فيجري الربا في كل ما اتخذه الناس عملة وراج رواج النقدين، مثل الأوراق النقدية الآن، وعلى هذا فلا يجوز بيع خمسة عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا بستة عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا، ويجوز بيع بعضها ببعض من غير جنسها إذا كان يدًا بيد، كما لو باع ورق النقد السعودي بليرة سورية أو لبنانية مثلًا؛ لأن العملات الورقية أجناس متعددة بتعدد جهات إصدارها، فالورق النقدي السعودي -مثلًا- جنس، والكويتي جنس، والمصري جنس، وهكذا، ويكون حكمها حكم الذهب والفضة في جواز بيع بعضها ببعض من غير جنسها مطلقًا إذا كان يدًا بيد. وأما علة التحريم في الأصناف الأربعة، وهي البر والشعير والتمر والملح، فقد اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال: الأول: أن علة الربا فيها الكيل والجنس، فيجري الربا في كل ما يكال مع اتحاد الجنس، كالأرز، والذرة، والعدس، ونحوها، وإن لم يكن مطعومًا كالحناء والأشنان، وغيرهما، أما غير المكيل فلا ربا فيه، كالمعدودات، مثل: البيض والرمان ونحوهما، وهذا مذهب أبي حنيفة (١)، والمشهور من مذهب أحمد، وبه قال: النخعي والزهري وإسحاق (٢). واستدلوا بحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵁ الآتي- وفيه: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، فقال: "لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثل". ووجه الاستدلال: أنه ﷺ نهى عن التفاضل في التمر ببيع الصاع بالصاعين، فدلَّ على أن العلة هي الكيل مع الجنس. وأجيب عنه: بأنه لا يلزم من ذكر الصاع أن يكون هو العلة المؤثرة وحدها في الحكم، إذ لو كان الأمر كذلك لاقتصر النبي ﷺ على ذكره ولم ينص على الأصناف الأربعة أو على الطعم، كما في حديث معمر ﵁ الآتي.

стр. 2452

القول الثاني: أن العلة هي الطعم، فيجري الربا في كل طعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، كالحبوب والفواكه والبقول واللحوم والبيض والسمك والسمن وغيرها، وهذا مذهب الشافعي (١) ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بحديث معمر ﵁ الآتي-: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه علته، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وأجيب عن ذلك بأجوبة: الأول: أن الحديث فيه "مثلًا بمثل"، فدل على أن العلة ليست هي الطعم وحده بل لا بد من المماثلة، وهي لا تتحقق إلا بالكيل أو الوزن. الثاني: أنه يلزم على هذا الحديث عدم بيع البر بالشعير متفاضلًا؛ لأن كلًّا منهما طعام مع أن حديث عبادة المتقدم صريح بجواز ذلك (٣)، لقوله ﷺ بعد ذكر البر والشعير: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم". الثالث: لو كان الطعم وحده هو الوصف المقصود للشارع لاكتفى بذكر أحد هذه الأصناف الأربعة في حديث عبادة. القول الثالث: أن العلة هي الاقتيات والادخار، أي: كون الطعام قوتًا يقتات به الإنسان غالبًا، ويدخره مدة من الزمن فلا يفسد، كالقمح والأرز والذرة ونحوها، وهذا مذهب مالك، واختاره ابن القيم (٤). واستدلوا بحديث عبادة ﵁، ووجه الاستدلال: أن الأصناف المذكورة في حديث عبادة ﵁ يجمعها وصف الاقتيات والادخار، وقد نبه الشارع بكل واحد منها على ما في معناه، فنبه بالبر والشعير على أصناف الحبوب المدخرة، كالأرز والدخن والذرة والفول والعدس ونحوها، ونبه بالتمر على

стр. 2453

أنواع الحلاوات المدخرة، كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على أنواع التوابل (١) المدخرة لإصلاح الطعام، مثل: الكمون وأنواع الأبزار (٢). وأجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن التعليل بالادخار منتقض بالرطب، فإنه يجري فيه الربا وليس مدخرًا. الثاني: أن الحديث فيه الملح، وهو ليس قوتًا، فإن قيل: إنه مما يصلح به القوت، لزم القول بجريان الربا في الماء والحطب وغيرهما مما يصلح به القوت، وكذا الإدام، وأنتم لا تقولون به. القول الرابع: أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن، فكل مطعوم مكيل أو موزون يجري فيه الربا، كالأرز والذرة والدهن واللبن واللحم ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالرمان والسفرجل والأُترج والبيض، ولا في غير مطعوم كالأشنان والحديد والنحاس، وهذا قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، رجَّحها ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، واستدلوا بما يلي: ١ - أن الأصناف المذكورة في حديث عبادة ﷺ مطعومة مكيلة، فيلحق بها كل ما كان كذلك. ٢ - حديث معمر: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، ومعلوم أن الطعم وحده لا تتحقق به المماثلة، لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تتحقق بالمعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن، لحديث: (إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين)، فهذا فيه اعتبار الكيل، وحديث معمر فيه اعتبار الطعم والكيل، فيكون النهي عن بيع الطعام بالطعام مقيدًا بما فيه معيار شرعي،

стр. 2454

وهو الكيل أو الوزن (١). وهذا أظهر الأقوال، وبه تجتمع الأدلة. ° الوجه السابع: حديث أبي هريرة ﵁ فيه دليل على أن التساوي المشروط في بيع الربوي بجنسه إنما يكون بمعياره الشرعي، وهو الكيل في المكيلات وهي الأنواع الأربعة، والوزن في الموزونات كما في الذهب والفضة، والفرق بين الكيل والوزن أن الكيل تقدير الشيء بالحجم، والوزن تقديره بالثقل والخفة، وقد جاء عند البيهقي حديث عبادة ﵁ بلفظ: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل، والشعير بالشعير كيلًا بكيل … " (٢). فمثلًا: البر لا يجوز بيعه ببر إلا كيلًا ليحصل التساوي، ولا يباع وزنًا؛ لأنه يختلف في الخفة والثقل، فإذا وضع في الميزان حصل في كفة الخفيف أكثر من كفة الثقيل، فيفوت التساوي. وقد استثنى شيخ الإسلام ابن تيمية ما إذا كان الربوي لا يختلف وزنًا أو كيلًا كالأدهان والألبان فإنهما من المكيلات -على المذهب-؛ لأن كل مائع يجري فيه الربا فهو مكيل، لكن لو بيعت بمثلها وزنًا صح على ما اختاره الشيخ، وذكر عن أحمد ما يدل على ذلك (٣)؛ لأن المثلية في قول النبي ﷺ : "مثلًا بمثل" متحققة هنا بالكيل أو الوزن لتساوي أجزائها. أما إذا بيع الجنس بغير جنسه كبُر بشعير فلا يشترط المعيار الشرعي وهو الكيل، بل يجوز بيعه وزنًا؛ لأن التساوي ليس بشرط، وهكذا لو باع بزًا أو شعيرًا أو تمرًا بدراهم، جاز بيعها وزنًا لعدم شرط التساوي، والله تعالى أعلم.

стр. 2455

تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد ٨٣٦/ ٧ - عَنْ أبي سَعِيدٍ، وأبي هُرَيرَةَ ﵁، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيب، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أكُلُّ تَمْرِ خَيبَرَ هَكَذَا؟ " فَقَال: لا وَالله يَا رَسُولَ اللهِ، أنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَينِ والثَّلاثةِ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَفْعل، بع الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالذَرَاهِمِ جَنِيبًاإ، وَقَال في الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَق عَلَيهِ. وَلمُسْلِمٍ: "وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ". ° الكلام مع عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه" (٢٢٠١، ٢٢٥٢)، ومسلم (١٥٩٣) (٩٥) من طريق عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵁. قوله: (ولمسلم: "وكذلك الميزان") ظاهر هذا أن مسلمًا تفرد بهذا اللفظ وليس كذلك، فهو عند البخاري -أيضًا- في كتاب "الاعتصام" (٧٣٥٠) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد المجيد، به. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (استعمل رجلًا) أي: بعثه وجعله عاملًا وأميرًا على خيبر بعد فتحها، وهو سواد بن غزية -بوزن عطية- وهو من بني عدي بن النجار من الأنصار ﵃، وقد ورد في رواية سليمان بن بلال المذكورة: (بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر، فأمَّره عليها … ).
следующие страницы →