وعلى هذا فيجري الربا في كل ما اتخذه الناس عملة وراج رواج النقدين، مثل الأوراق النقدية الآن، وعلى هذا فلا يجوز بيع خمسة عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا بستة عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا، ويجوز بيع بعضها ببعض من غير جنسها إذا كان يدًا بيد، كما لو باع ورق النقد السعودي بليرة سورية أو لبنانية مثلًا؛ لأن العملات الورقية أجناس متعددة بتعدد جهات إصدارها، فالورق النقدي السعودي -مثلًا- جنس، والكويتي جنس، والمصري جنس، وهكذا، ويكون حكمها حكم الذهب والفضة في جواز بيع بعضها ببعض من غير جنسها مطلقًا إذا كان يدًا بيد.
وأما علة التحريم في الأصناف الأربعة، وهي البر والشعير والتمر والملح، فقد اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:
الأول: أن علة الربا فيها الكيل والجنس، فيجري الربا في كل ما يكال مع اتحاد الجنس، كالأرز، والذرة، والعدس، ونحوها، وإن لم يكن مطعومًا كالحناء والأشنان، وغيرهما، أما غير المكيل فلا ربا فيه، كالمعدودات، مثل: البيض والرمان ونحوهما، وهذا مذهب أبي حنيفة (١)، والمشهور من مذهب أحمد، وبه قال: النخعي والزهري وإسحاق (٢).
واستدلوا بحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵁ الآتي- وفيه: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، فقال: "لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثل".
ووجه الاستدلال: أنه ﷺ نهى عن التفاضل في التمر ببيع الصاع بالصاعين، فدلَّ على أن العلة هي الكيل مع الجنس.
وأجيب عنه: بأنه لا يلزم من ذكر الصاع أن يكون هو العلة المؤثرة وحدها في الحكم، إذ لو كان الأمر كذلك لاقتصر النبي ﷺ على ذكره ولم ينص على الأصناف الأربعة أو على الطعم، كما في حديث معمر ﵁ الآتي.
стр. 2452
القول الثاني: أن العلة هي الطعم، فيجري الربا في كل طعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، كالحبوب والفواكه والبقول واللحوم والبيض والسمك والسمن وغيرها، وهذا مذهب الشافعي (١) ورواية عن أحمد (٢).
واستدلوا بحديث معمر ﵁ الآتي-: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه علته، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وأجيب عن ذلك بأجوبة:
الأول: أن الحديث فيه "مثلًا بمثل"، فدل على أن العلة ليست هي الطعم وحده بل لا بد من المماثلة، وهي لا تتحقق إلا بالكيل أو الوزن.
الثاني: أنه يلزم على هذا الحديث عدم بيع البر بالشعير متفاضلًا؛ لأن كلًّا منهما طعام مع أن حديث عبادة المتقدم صريح بجواز ذلك (٣)، لقوله ﷺ بعد ذكر البر والشعير: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم".
الثالث: لو كان الطعم وحده هو الوصف المقصود للشارع لاكتفى بذكر أحد هذه الأصناف الأربعة في حديث عبادة.
القول الثالث: أن العلة هي الاقتيات والادخار، أي: كون الطعام قوتًا يقتات به الإنسان غالبًا، ويدخره مدة من الزمن فلا يفسد، كالقمح والأرز والذرة ونحوها، وهذا مذهب مالك، واختاره ابن القيم (٤).
واستدلوا بحديث عبادة ﵁، ووجه الاستدلال: أن الأصناف المذكورة في حديث عبادة ﵁ يجمعها وصف الاقتيات والادخار، وقد نبه الشارع بكل واحد منها على ما في معناه، فنبه بالبر والشعير على أصناف الحبوب المدخرة، كالأرز والدخن والذرة والفول والعدس ونحوها، ونبه بالتمر على
стр. 2453
أنواع الحلاوات المدخرة، كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على أنواع التوابل (١) المدخرة لإصلاح الطعام، مثل: الكمون وأنواع الأبزار (٢).
وأجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: أن التعليل بالادخار منتقض بالرطب، فإنه يجري فيه الربا وليس مدخرًا.
الثاني: أن الحديث فيه الملح، وهو ليس قوتًا، فإن قيل: إنه مما يصلح به القوت، لزم القول بجريان الربا في الماء والحطب وغيرهما مما يصلح به القوت، وكذا الإدام، وأنتم لا تقولون به.
القول الرابع: أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن، فكل مطعوم مكيل أو موزون يجري فيه الربا، كالأرز والذرة والدهن واللبن واللحم ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالرمان والسفرجل والأُترج والبيض، ولا في غير مطعوم كالأشنان والحديد والنحاس، وهذا قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، رجَّحها ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، واستدلوا بما يلي:
١ - أن الأصناف المذكورة في حديث عبادة ﷺ مطعومة مكيلة، فيلحق بها كل ما كان كذلك.
٢ - حديث معمر: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، ومعلوم أن الطعم وحده لا تتحقق به المماثلة، لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تتحقق بالمعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن، لحديث: (إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين)، فهذا فيه اعتبار الكيل، وحديث معمر فيه اعتبار الطعم والكيل، فيكون النهي عن بيع الطعام بالطعام مقيدًا بما فيه معيار شرعي،
стр. 2454
وهو الكيل أو الوزن (١). وهذا أظهر الأقوال، وبه تجتمع الأدلة.
° الوجه السابع: حديث أبي هريرة ﵁ فيه دليل على أن التساوي المشروط في بيع الربوي بجنسه إنما يكون بمعياره الشرعي، وهو الكيل في المكيلات وهي الأنواع الأربعة، والوزن في الموزونات كما في الذهب والفضة، والفرق بين الكيل والوزن أن الكيل تقدير الشيء بالحجم، والوزن تقديره بالثقل والخفة، وقد جاء عند البيهقي حديث عبادة ﵁ بلفظ: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل، والشعير بالشعير كيلًا بكيل … " (٢).
فمثلًا: البر لا يجوز بيعه ببر إلا كيلًا ليحصل التساوي، ولا يباع وزنًا؛ لأنه يختلف في الخفة والثقل، فإذا وضع في الميزان حصل في كفة الخفيف أكثر من كفة الثقيل، فيفوت التساوي.
وقد استثنى شيخ الإسلام ابن تيمية ما إذا كان الربوي لا يختلف وزنًا أو كيلًا كالأدهان والألبان فإنهما من المكيلات -على المذهب-؛ لأن كل مائع يجري فيه الربا فهو مكيل، لكن لو بيعت بمثلها وزنًا صح على ما اختاره الشيخ، وذكر عن أحمد ما يدل على ذلك (٣)؛ لأن المثلية في قول النبي ﷺ : "مثلًا بمثل" متحققة هنا بالكيل أو الوزن لتساوي أجزائها.
أما إذا بيع الجنس بغير جنسه كبُر بشعير فلا يشترط المعيار الشرعي وهو الكيل، بل يجوز بيعه وزنًا؛ لأن التساوي ليس بشرط، وهكذا لو باع بزًا أو شعيرًا أو تمرًا بدراهم، جاز بيعها وزنًا لعدم شرط التساوي، والله تعالى أعلم.
стр. 2455
تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد
٨٣٦/ ٧ - عَنْ أبي سَعِيدٍ، وأبي هُرَيرَةَ ﵁، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيب، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أكُلُّ تَمْرِ خَيبَرَ هَكَذَا؟ " فَقَال: لا وَالله يَا رَسُولَ اللهِ، أنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَينِ والثَّلاثةِ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَفْعل، بع الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالذَرَاهِمِ جَنِيبًاإ، وَقَال في الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَق عَلَيهِ.
وَلمُسْلِمٍ: "وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ".
° الكلام مع عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه" (٢٢٠١، ٢٢٥٢)، ومسلم (١٥٩٣)(٩٥) من طريق عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵁.
قوله: (ولمسلم: "وكذلك الميزان") ظاهر هذا أن مسلمًا تفرد بهذا اللفظ وليس كذلك، فهو عند البخاري -أيضًا- في كتاب "الاعتصام" (٧٣٥٠) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد المجيد، به.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (استعمل رجلًا) أي: بعثه وجعله عاملًا وأميرًا على خيبر بعد فتحها، وهو سواد بن غزية -بوزن عطية- وهو من بني عدي بن النجار من الأنصار ﵃، وقد ورد في رواية سليمان بن بلال المذكورة: (بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر، فأمَّره عليها … ).
стр. 2456
قوله: (على خيبر) بلدة معروفة، تبعد عن المدينة شمالًا بـ (١٦٥) كيلًا.
قوله: (جنيب) بفتح الجيم، أي: طَيِّبٍ، قال الخطابي: هو أجود تمورهم، وقيل: هو الذي لا يخلط بغيره.
قوله: (بالصاعين والثلاثة) في بعض الروايات: (بالثلاث) بلا تاء، وكلاهما جائز؛ لأن الصاع يذكّر ويؤنّث، وفي رواية للبخاري: (إنا نشتري الصاع بالصاعين من الجمع) (١).
قوله: (لا تفعل) أي: لا تبع التمر بتمر اخر متفاضلًا مهما اختلفت أنواعه. وفي رواية عند البخاري: "لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا".
قوله: (بع الجمع) بفتح الجيم، هو التمر المجموع من أنواع متفرقة ليس مرغوبًا فيها. وفي حديث أبي سعيد: (كنا نرزق تمر الجمع على عهد رسول الله ﷺ وهو الخِلْطُ من التمر … " الحديث (٢).
قوله: (ثم ابتع بالدراهم جنيبًا) أي: ثم اشتر بالدراهم جنيبًا.
قوله: (وقال في الميزان مثل ذلك) أي: قال فيما يباع وزنًا إذا بيع بجنسه مثل ما قال في المكيل؛ أي: إنه لا يجوز بيعه متفاضلًا، فالمراد بالميزان: الموزون؛ لأن الميزان نفسه ليس من أموال الربا.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد من الأشياء الربوية، كالتمر والبر ونحوهما، فلا يجوز بيع صاع تمر بصاعين ولو كان أحدهما أجود من الآخر، بل لا بد فيه من التساوي والتماثل، لقوله -كما في رواية البخاري-: "ولكن مثلًا بمثلًا.
والظاهر أن الحكمة في هذا -والله أعلم- سَدُّ الباب، وحسم مادة الربا؛ لأنه لو فتح في مسألة التنوع لأفضى إلى الربا في كل شيء، ثم إن ضبط الجودة والرداءة قد يختلف.
стр. 2457
والجنس: ما له اسم خاص يشمل أنواعًا، كالتمر جنس، وله أنواع كالسكري، والبرحي، والشقراء، والخِلَاصِ وغيرها. والبر جنس وله أنواع كاللقيمي، والمِعَية، والجريباء وغيرها مما هو معروف عند أهل التمور والحبوب، وهكذا ..
° الوجه الرابع: في الحديث بيان شيء من آداب المفتي، وهو أنه إذا سئل عن مسألة محرمة، فنهى عنها المستفتي أن يفتح له بدلًا عنها أبواب الحلال، ويرشده إلى الطرق المباحة التي تغني عنها؛ لأن المستفتي يريد مخرجًا مشروعًا مباحًا، بدليل أنه جاء يسأل، وما جاء يسأل إلا وفي قلبه شيء من التقوى دعاه إلى الحرص على أمر دينه وإبراء ذمته.
وقد بيّن النبي ﷺ لهذا الرجل الطريق المباح الذي يسلم به من الربا، وهو أنه إذا أراد استبدال الرديء من الأموال الربوية كالتمر فإنه يبيعه بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرًا جيدًا، ومثل ذلك الحنطة الرديئة أو الذهب الرديء ونحوهما.
° الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد من الأشياء الربوية التي معيارها الوزن، لقوله: "وكذلك الميزان"، وذلك كالذهب والفضة وغيرهما مما يوزن ويجري فيه الربا، فلا يصح بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا وزنًا بوزن، ليحصل التساوي المشروط.
وأما الاستدلال بهذه الجملة على أن كل موزون يجري فيه الربا -كما ذكر المجد ابن تيمية (١) - ولا يجوز فيه التفاضل كالحديد والرصاص واللحم وسائر الموزونات فهذا غير ناهض؛ لأن لفظة: "وكذلك الميزان" مجملة، فتحمل على الذهب والفضة، ويكون معنى الحديث: وكذلك الميزان عند بيع الذهب والفضة -كما تقدم- جمعًا بين هذا الحديث وحديث عبادة وغيره (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2458
الجهل بالتساوي في الربويات كالعلم بالتفاضل
٨٣٧/ ٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ -لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا- بِالْكَيلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَمْرِ، رَوَاهُ مُسْلِم.
° الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "البيوع"، باب "تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بالتمر" (١٥٣٠) من طريق ابن وهب: حدثني ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: … وذكر الحديث.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن بيع الصبرة من التمر -وهي الكومة- التي لا يعلم كيلها بتمر آخر علم كيله؛ لأن الصبرة يُجهل كيلها ومقدارها، فالتساوي غير معلوم، وذلك مظنة للزيادة، فيكون ربا؛ لأن بيع التمر بالتمر يشترط فيه التساوي والتماثل -كما تقدم- وهذا لا يتحقق إلا بمعرفة قدر كل من العوضين، فإذا جهل قدرهما أو قدر أحدهما كان ذلك بمنزلة العلم بزيادة أحدهما على الآخر، وهذا ربا، وهكذا الحكم في بقية الأنواع الربوية.
وهذا الحديث هو دليل القاعدة في هذا الباب، وهي أن الجهل بالتساوي فيما يشترط فيه التساوي كالعلم بالتفاضل (١). وذلك أن الأحوال ثلاث:
стр. 2459
١ - التساوي بين العوضين، فهذا هو الواجب.
٢ - التفاضل بين العوضين، فهذا محرم؛ لأنه ربا.
٣ - الجهل بالتساوي، وهذا -أيضًا- محرم؛ لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، ولهذا جاء تحريم بيع المزابنة التي هي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه لهذا المعنى، وتقدم ذلك، وتَجَنُّبُ ذلك يكون بكيل المكيل، ووزن الموزون من كل واحد من البدلين. والله تعالى أعلم.
стр. 2460
حكم بيع الطعام بالطعام
٨٣٨/ ٩ - عَنْ مَعْمَرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَال: إِني كُنتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الطَّعَامُ بِالطَّعَام مِثْلًا بِمِثْلٍ"، وَكَانَ طَعامُنَا يَوْمَئِذٍ الشعِيرَ، رَوَاهُ مُسْلِم.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "بيع الطعام مثلًا بمثل" (١٥٩٢) من طريق أبي النضر، أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا أخبره بذلك، فقال له معمر: لِمَ فعلت ذلك؟ انطلق فرده، ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: … الحديث. قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن يضارع.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الطعام بالطعام) بالرفع على تقدير مضاف؛ أي: بيعُ الطعامِ بالطعام، أو يباع الطعام بالطعام، ويجوز النصب كما تقدم.
قوله: (مثلًا بمثل) أي: يجب فيه التماثل ويحرم التفاضل.
قوله: (وكان طعامنا يومئذٍ الشعير) أي: فكأنه ﷺ قال: "الشعير بالشعير". وهذا لا نزاع فيه بين أهل العلم، غير أن القصة المتقدمة تفيد أن معمرًا كان يخشى أن هذا اللفظ النبوي ربما شمل بيع البر بالشعير وأنه لا بد فيهما من المماثلة.
стр. 2461
قوله: (أن يضارع) أي: يشابه.
° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن علة الربا في الأصناف الربوية الأربعة هي الطعم، لقوله: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، وتقدم وجه الاستدلال، والجواب عنه، وظاهر الحديث أنه عام في كل مطعوم، وأنه لا يباع متفاضلًا ولو اختلف الجنس، لكن تقدم أن الطعام إذا كان من جنس واحد كالبر فإنه لا يباع إلا مثلًا بمثل، أما إذا كان من أجناس مختلفة كالبر والشعير فإنه لا يلزم التماثل -على أحد القولين-، أما التقابض فلا بد منه، لما تقدم في حديث عبادة ﵁.
° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث مالك والأوزاعي -كما تقدم- على أن البر والشعير جنس واحد، لقوله: "ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل".
والراجح قول الجمهور؛ لأن حديث عبادة ﵁ نص صريح في أنهما صنفان، حيث عُطِفَ أحدهما على الآخر، وأما حديث معمر هذا فلا حجة فيه؛ لأنه لم يصرح بأنهما جنس واحد، وإنما خاف من المشابهة فتورع احتياطًا، أو يقال: إن ظاهره أنه اجتهاد منه (١)، وثمرة الخلاف: أنه على الأول يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، وعلى الثاني: لا يجوز، والله تعالى أعلم.
стр. 2462
حكم مبادلة الربوي بربوي ومعه غيره
٨٣٩/ ١٠ - عَنْ فَضَالةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَال: اشتريتُ يَوْمَ خَيبَرَ قِلادَةً بِاثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَب وَخَرَز، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أكثَرَ مِنْ أثنَي عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَال: "لا تُبَاعُ حَتى تُفْصَّلَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو فضالة -بفتح الفاء- بن عبيد بن نافذ الأنصاري العمري الأوسي، أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشهد أُحدًا وما بعدها، وبايع تحت الشجرة، وشهد فتح الشام ومصر، ثم سكن الشام، وولي قضاء دمشق بعد أبي الدرداء ﵁ بإشارة منه، ومات في خلافة معاوية ﵁ سنة ثلاث وخمسين، وحمل معاوية سريره ﵁ (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "بيع القلادة فيها خرز وذهب" (١٥٩١)(٩٠) من طريق حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد، قال: … وذكر الحديث.
وقد تعددت الروايات في ثمن القلادة وما صَاحَبَ ذهبها من خرز أو جوهر، حتى قال بعضهم: إنه حديث مضطرب. لكن هذا لا يؤثر؛ فإن
стр. 2463
المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصَّل، أما جنس القلادة وقدر ثمنها فهذا لا يتعلق به ما يوجب الحكم بالاضطراب، ويؤخذ برواية الأحفظ، ويحكم على ما عداها بالشذوذ، ونظير ذلك ما تقدم في قصة جمل جابر ﵁ وما ورد في مقدار ثمنه، وهذا كلام حسن، ذكره الحافظ (١)، وبه يجاب عن كل ما يشابه هذا الحديث.
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (اشتريت يوم خيبر) أي: يوم غزوة خيبر، وذلك بعد انتهاء المعركة وتقسيم المغانم، كما ورد في إحدى الروايات عند مسلم.
قوله: (قلادة) بكسر القاف، ما يجعل في العنق من حلي وغيره.
قوله: (خرز) بفتح الخاء والراء، جمع خرزة، وهي حبات مثقوبة تصنع من أي نوع، وتنظم في سلك، ويتزين بها.
قوله: (ففصلتها) بتشديد الصاد، أي: ميزت خرزها من ذهبها، فجعلت الذهب وحده، والخرز وحده، وذلك بعد الشراء.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز بيع الذهب ومعه غيره بذهب إلا بعد نزع الذهب وتمييزه عن غيره ووزنه بمثله من الذهب، وهذا قول الشافعية، والحنابلة في قول (٢)، وذلك لأن الذهب إذا كان معه غيره ولم يميز فإنه لا يعلم مقداره، فإن التساوي بين اثني عشر دينارًا من الذهب، وبين ما في القلادة من الذهب مجهول، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم، كما تقدم، فيكون هذا من عقود الربا، لما ورد في حديث فضالة: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن"، وفي رواية لمسلم من طريق حنش قال: (كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة، فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وَوَرِقٌ وجوهر، فأردت أن أشتريها، فسألت فضالة بن عبيد، فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلًا بمثل،
стр. 2464
فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذنَّ إلا مثلًا بمثل").
وهكذا الحكم في بيع أيِّ ربوي بربوي ومعه غيره، كالفضة مع غيرها بفضة، وكذا سائر الأصناف الربوية، ولذا تقدم النهي عن بيع الصبرة من التمر بالكيل المسمى من التمر؛ لعدم معرفة التساوي على التحقيق.
والقول الثاني في المسألة: أنه يجوز بيع الذهب المخلوط بغيره إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذي في القلادة ونحوها، لا مثله ولا دونه، وهذا قول الحنفية، وقريب منه رأي ابن تيمية (١).
قالوا: لأنه لا حيلة على الربا حينئذ؛ لأنه حصل الذهب في مقابلة الذهب، والزائد من الذهب في مقابلة المصاحب له من خرز ونحوه، فيصير كعقدين.
وأجابوا عن حديث فضالة بأن الذهب الذي في القلادة أكثر من اثني عشر دينارًا؛ لما جاء في بعض الروايات عند مسلم: (ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا .. ) وهذا الاستدلال غير واضح في نظري.
والقول الثالث: جواز البيع بشرط أن يكون التابع الثلث فأقل، وهذا رأي المالكية (٢). ومثّلوا لذلك بالسيف المحلى بالذهب ونحوه، قالوا: لأنه إذا كان قيمة الذهب الثلث فأقل فهو مغلوب ومكثور للجنس المخالف، والأكثر ينزل في غالب الأحكام منزلة الكل.
وفيه قول رابع: وهو جواز بيعه بالذهب مطلقًا مثلًا بمثل أو أقل أو أكثر، ونسب لحماد بن أبي سليمان (٣)، وهذا غلط مخالف لصريح الحديث،
ولعل قائله ما بلغه حديث القلادة.
والراجح هو القول الأول، وهو أنه لا يجوز بيع الذهب مع غيره
стр. 2465
بذهب، وكذا الفضة، حتى يفصل ذلك الغير ويميز، ووجه ذلك أن الحديث نص على علة المنع، وهي عدم الفصل حيث قال: (لا، حتى تفصل) وهذا يفيد عدم الفرق بين المساوي والأقل والأكثر؛ لأن فصله هو الطريق إلى تساوي العوضين، وهو شرط كما تقدم.
° الوجه الخامس: هذه المسألة التي يدور حولها الحديث اشتهرت عند الفقهاء باسم مسألة: (مُدُّ عجوة) والمد: مكيال معروف، ومقداره ربع صاع كما تقدم في "الزكاة"، والعجوة: ضرب من أجود أنواع التمر بالمدينة النبوية.
وضابطها كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه، مثل: لو باع صاع تمر ودرهم بصاع تمر ودرهم، أو باع صاعًا من التمر ودرهمًا بصاعين من التمر.
وقد ذكر الشيخ لهذه المسألة ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلًا ويضم إلى الأقل من غير الجنس حيلة، مثل أن يبيع ألفي دينار بألف دينار في منديل، أو صاع حنطة بصاع حنطة وغِرارة (١) أو في زنبيل فهذا محرم، والحيلة ظاهرة؛ لأنه أراد مبادلة الألفين بالألف وجعل المنديل ليكون هناك تغير في الجنس، وإلا فمن المعلوم أنه لا يعجز أحد في ربا الفضل أن يضم إلى أحد العوضين شيئًا آخر.
الثاني: أن يكون المقصود بيع غير ربوي مع ربوي، وإنما دخل الربوي تبعًا وضمنًا كبيع شاة ذات لبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف، فالربوي هنا -وهو اللبن والصوف، بناءً على أن العلة هي الوزن- دخل تبعًا وليس بمقصود، فهذا يجوز على الصحيح في مذهب مالك وأحمد (٢)، فكأنه باع شاة بشاة.
стр. 2466
الثالث: أن يكون كلاهما مقصودًا، مثل مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم، فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز نص عليه أحمد. وبه قال مالك، والشافعي، وآخرون (١). واستدلوا بحديث الباب.
والقول الثاني: الجواز، وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). واستدلوا بأن الأصل حمل العقود على الصحة، والحاجة داعية إلى مثل هذه المعاملة، فقد يكون شخص عنده تمر من السكري -مثلًا- بمقدار صاعين، وهذا عنده تمر من نوع آخر بمقدار صاع ومعه عشرة ريالات، فأراد بيعه، فلا باس، ويكون الصاع بمقابلة الصاع، والصاع الزائد بمقابلة الريالات، ولا حيلة على الربا في ذلك (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 2467
حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
٨٤٠/ ١١ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب ﵁، أَنَّ النَّبِي ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الْحَيَوانِ بالْحَيَوانِ نسيئةً. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصححَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْجَارُودِ.
٨٤١/ ١٢ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أنْ يُجَهِّزُ جَيشًا فَنَفِدَتِ الإبلُ، فَأمَرَهُ أنْ يَأخُذَ علَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ قَال: فَكُنْتُ آخُذُ البَعِيرَ بِالبَعِيرَينِ إلى إِبْلِ الصدَقَةِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ، والْبَيهَقِي، ورِجَالُهُ ثِقَات.
° الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث سمرة ﵁، فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، باب "في الحيوان بالحيوان نسيئة" (٣٣٥٦)، والترمذي (١٢٣٧)، والنسائي (٧/ ٢٩٢)، وابن ماجه (٢٢٧٠)، وأحمد (٣٣/ ٣٢٠)، وابن الجارود (٦١١) من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة، به.
وهذا إسناد ضعيف، فإن الحسن البصري مشهور بالتدليس، فلا يحتج بحديثه عن سمرة إلا ما صرح فيه بالسماع، وهنا قد روى بالعنعنة.
وأما سماعه من سمرة فهو موضع خلاف بين أهل العلم، مضى ذكره في باب "الغسل" وترجيح صحة سماعه منه في الجملة.
لكن للحديث شواهد، وإن كانت لا تخلو من مقال، لكنها باجتماعها وتعدد رواتها من الصحابة ﵃ يقوي بعضها بعضًا على رأي من يستدل بها.
стр. 2468
وقد روى البيهقي عن الشافعي أنه قال: (أما قوله: "إنه نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة" فهذا غير ثابت عن رسول الله ﷺ ) (١).
ومن شواهد الحديث ما رواه أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة .. " (٢).
وعن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة" (٣).
وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄، فقد أخرجه أبو داود في باب "الرخصة في الحيوان بالحيوان نسيئة" (٣٣٥٧)، وأحمد (١١/ ١٦٤)، والحاكم (٢/ ٥٦، ٥٧)، والبيهقي (٥/ ٢٨٧، ٢٨٨) من طريق مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حَرِيش (٤)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وهذا سياق الإسناد عند أبي داود، وكذا البيهقي، وفي "المسند" اختلاف بتقديم بعض الرجال على بعض.
وهذا حديث حسن، وفي إسناده ضعف، أبو سفيان قال عنه الذهبي: (لا يعرف)، وفي موضع آخر قال: (ثقة) (٥)، وعمرو بن حريش قال عنه ابن القطان: (مجهول الحال)، واعتمده الحافظ في "التقريب". وفيه محمد بن إسحاق: صدوق حسن الحديث، إذا صرح بالتحديث. وفي إسناده اضطراب بزيادة بعض الرواة وتقديم بعضهم على بعض، وبه أعله ابن القطان (٦).
والحديث له شواهد كما سيأتي.
стр. 2469
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (نسيئة) بإثبات الهمزة بعد الياء على وزن كريمة، والنسيئة والنسأ في اللغة واصطلاح الفقهاء يعني: التأخير والتأجيل، خلاف النقد والتعجيل، وبيع النسيئة: بيع الشيء مع تأخير بدله.
قوله: (فَنَفِدَتِ الإبل) بفتح النون وكسر الفاء، من باب "تعب"؛ أي: فنيت وانتهت فلم يفِ الموجود منها بالمطلوب.
قوله: (فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة) أي: أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو ﵄ أن يبتاع أو يستلف إبلًا على أن يؤدى عوضها من إبل الصدقة عند تحصيلها من المزكين. والقلائص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة.
° الوجه الثالث: حديث سمرة دليل على أنه لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، أي: (مؤخرًا) بل لا بد من التقابض في مجلس العقد، وأما التفاضل فإنه يجوز كبيع شاة بشاتين، لإطلاق الحديث، حيث إنه لا يدل على تفاضل أو تماثل، ولحديث عبد الله بن عمرو الذي بعده. وهذا مذهب الحنفية، ورواية عند الحنابلة (١)، واختاره الشوكاني (٢).
والقول الثاني: جواز بيع الحيوان بالحيوان مطلقًا، سواء كان من جنسه أم لا، متفاضلًا ونسيئة، وهذا قول الشافعية، وبعض المالكية، والصحيح من المذهب عن الحنابلة (٣)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو: (فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة).
وقد ذكر البخاري تعليقًا أن ابن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالرَّبَذَةِ، وذكر -أيضًا- أن رافع بن خديج اشترى بعيرًا
стр. 2470
ببعيرين، فأعطاه أحدهما وقال: آتيك بالآخر غدًا رهوًا (١) إن شاء الله.
وقال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان: البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل (٢).
وهذا القول هو الراجح؛ لقوة دليله، فإن حديث عبد الله بن عمرو ﵂ نص صريح في الموضوع، ثم هو مؤيد بعمل الصحابة ﵃، كما ذكر البخاري.
وأما حديث سمرة فعنه جوابان:
الأول: أنه حديث ضعيف كما تقدم، وقد مضى قول الشافعي ﵀.
الثاني: أنه على فرض صحته بشواهده -كما تقدم- فهو محمول على ما إذا كان البيع نسيئة من الطرفين (٣)؛ لأن اللفظ يحتمل ذلك كما يحتمل النسيئة من طرف واحد، فلو قال: أبيعك ناقة سِنُّها كذا، أسلمها لك بعد شهرين بخمس من الغنم سِنُّها كذا، تسلمها لي بعد شهر لم يجز؛ لأن ذلك من بيع الدَّين بالدَّين -كما سيأتي-، أما إذا كان أحدهما حالا والآخر نسيئة، فلا حرج في ذلك، كما تقدم، والله أعلم.
وأما بيع اللحم بالحيوان، ففيه أربعة أقوال:
الأول: أنه إن كان اللحم من جنس الحيوان كلحم شاة بشاة فإنه لا يجوز؛ لأنه من باب الغرر والقمار؛ لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر، لحديث سعيد بن المسيب ﵀ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (٤).
стр. 2471
وقد ذكر ابن قدامة (١) هذا الدليل، لكن الاستدلال به على ما ذُكر فيه نظر، فإنه عام فيما إذا كان الحيوان من جنس اللحم أو من غير جنسه (٢)، فإن كان من غير جنسه كلحم إبل بشاة جاز، لعموم: "إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم"، ولحم الإبل جنس، والشاة جنس، وهذا قول مالك وأحمد (٣).
والقول الثاني: جواز بيع اللحم بالحيوان مطلقًا، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (٤)، وعللوا لذلك بأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه، أشبه بيع اللحم بالدراهم أو بلحم من غير جنسه.
والقول الثالث: أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان مطلقًا، وهذا قول الشافعي (٥)، مستدلًّا بما روى ابن عباس ﵄: (أن جزورًا نُحرت على عهد أبي بكر ﵁ فقسمت على عشرة أجزاء، فقال رجل: أعطوني جزءًا منها بشاة، فقال أبو بكر ﵁: لا يصلح هذا) (٦)، قال الشافعي: (لا أعلم لأبي بكر مخالفًا من الصحابة) (٧).
والقول الرابع: التفصيل وهو إن أريد بالحيوان اللحم فهذا لا يجوز؛ لأنه باع لحمًا بلحم من غير تماثل، وإن أريد به الانتفاع بركوب أو تأجير أو حرث أو غير ذلك فلا بأس، وكذا لو كان من غير جنسه، وهذا رأي ابن تيمية وابن القيم (٨).
стр. 2472
وأما بيع اللحم باللحم فإن اللحم أجناس، فلحم الإبل جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الضأن جنس .. وهكذا، ولا يجوز بيع اللحم بلحم من جنسه إلا بالتساوي، لئلا يدخله ربا الفضل، فلا يباع كيلو من لحم الضأن بكيلوين منه، ويجوز كيلو من البقر بكيلوين من لحم الضأن لاختلاف الجنس، واللحم موزون، فيكون ملحقًا بالأصناف الستة بجامع الطعم والوزن، والله تعالى أعلم.
стр. 2473
حكم بيع العينة
٨٤٢/ ١٣ - عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
"إِذَا تبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَركْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّط اللهُ عَلَيكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
وَلأَحْمَدَ نحوُهُ: مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وصَحّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، باب "في النهي عن العينة" (٣٤٦٢) من طريق أبي عبد الرحمن الخرساني، أن عطاء الخرساني حدثه أن نافعًا حدثه، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … الحديث.
والحديث سكت عنه أبو داود، وذكر الحافظ -هنا- أن في إسناده مقالًا، وذلك لأن فيه إسحاق بن أَسِيد أبا عبد الرحمن الخرساني نزيل مصر لا يحتج بحديثه، قال أبو حاتم: (شيخ ليس بالمشهور، ولا يشتغل به) (١) وقال أبو أحمد الحاكم: (مجهول) (٢) ولما ترجمه الذهبي ذكر هذا الحديث من مناكيره (٣)، وبه أعله الإشبيلي، وتبعه ابن القطان (٤).
стр. 2474
وفيه -أيضًا- عطاء الخراساني، وفيه مقال، قال في "التقريب": (يهم كثيرًا، ويرسل، ويدلس).
وقد رواه أحمد (٨/ ٤٤٠)، والطبراني في "الكبير" (١٢/ ٤٣٢) من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا -يعني ضَنَّ الناس بالدينار والدرهم- تبايعوا بالعِين، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".
وهذا الحديث رجاله ثقات -كما قال الحافظ- وصححه ابن القطان، وسكت الحافظ هنا عن تصحيحه له، لكن تعقبه في "التلخيص": (بأن الإسناد معلول؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلس، ولم يذكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني، فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر، فرجع الحديث إلى الإسناد الأول وهو المشهور) (١). لكن قوله: (يحتمل أنه عطاء الخراساني) لم يتضح لي وجهه، فإن الذي في "المسند" و"معجم الطبراني" أنه عطاء بن أبي رباح -إن لم يكن خطأ- وهو لم يسمع من ابن عمر، وإنما رآه رؤية (٢)، فيكون السند منقطعًا، أضعف إلى ذلك تفرد أبي بكر بن عياش دون علية أصحاب الأعمش، فهذا مما يؤثر على الإسناد.
والحديث له شواهد كثيرة، عقد لها البيهقي بابًا في "سننه" وذكرها وبيّن عللها، وقد صحح الحديث جمع من الأئمة منهم ابن القطان، كما ذكر الحافظ، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والألباني، وغيرهم (٣).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا تبايعتم بالعينة) أي: اشتغلتم بالمعاملات الربوية، وحرصتم على المال بحيث لا يمنع منه ما نهى الله عنه، بسبب ضعف الإيمان، وشدة
стр. 2475
الطمع. والعينة: بكسر العين، تطلق على السلف -كما قال الجوهري (١) -، وتطلق على شراء ما باع مؤجلًا باقل من ثمن البيع -كما قاله الفيروزآبادي (٢) -، وتطلق على غير ذلك. قال الأزهري: (إن العينة اشتقاقها من العين، وهو النقد الحاضر يحصل له من فوره) (٣).
وعند الفقهاء: بيع سلعة بثمن مؤجل، ثم شراؤها بأقل منه نقدًا، وهذا تعريف الحنابلة، وهو المعروف عن الصحابة ﵃، كعائشة ﵂، كما سيأتي، وهو الذي ذكر الفقهاء الخلاف في العينة على ضوئه.
وقال ابن عبد البر عن بيع العينة: (إنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، بينهما سلعة محللة) (٤). وهذا تعريف مختصر وشامل لجميع صور العينة التي منها ما تقدم، سميت بذلك لحصول العين - وهو النقد- فيها، والنقد هو المال الحاضر الذي يأخذه المشتري؛ لأنه يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه فورًا ليحصل على مقصوده، أو سميت بذلك لأنه يعود إلى البائع عين ماله.
قوله: (وأخذتم أذناب البقر) هذا كناية عن الاشتغال بالحرث.
قوله: (ورضيتم بالزرع) أي: اشتغلتم بالزرع ورضيتم به عن أمور الدين والجهاد في سبيل الله تعالى.
قوله: (وتركتم الجهاد) أي: المتعين فعله.
قوله: (سلّط الله عليكم ذلًّا) بضم الذال المعجمة وكسرها؛ أي: صَغارًا واستهانة وضعفًا، والذليل: هو الضعيف المهين.
قوله: (لا ينزعه) بكسر الزاي من باب "ضرب"؛ أي: لا يرفعه ولا يزيله عنكم.
стр. 2476
قوله: (حتى ترجعوا إلى دينكم) أي: حتى ترجعوا إلى الاهتمام بأمور الدين والقيام بها، وتتركوا هذه الخصال المذمومة التي صارت سببًا في حلول البلاء، وفي هذا زجر بليغ؛ لأنه نَزَّلَ الوقوع في هذه الأمور منزلة الخروج من الدين.
* الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على تحريم مسألة العينة، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ نزَّل الوقوع في هذه الأمور المذكورة ومنها بيع العينة منزلة الخروج من الدين، لقوله: "حتى ترجعوا إلى دينكم"، وجعلها سببًا لإنزال البلاء وتسليط الذل عليهم، فدل على تحريم مسألة العينة؛ لأن ما كان سببًا في نزول البلاء فهو محرم.
* الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم مسألة العينة، وهي أن يبيع -مثلًا- سيارة بمائة ألف مؤجلة إلى سنة، ثم يشتريها منه بثمانين حالّة، على قولين:
الأول: أنه يحرم بيع العينة، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (١)، واستدلوا بهذا الحديث.
كما استدلوا بما ورد عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته أنها دخلت على عائشة ﵂ ومعها أُمُّ ولدِ زيدِ بن أرقم الأنصاري وامرأةٌ أخرى، فأخبرت أمُّ ولدِ زيدِ بنِ أرقمَ عائشةَ ﵂ أنها باعت غلامًا من زيد بثمانمائة إلى العطاء، ثم اشترته منه بستمائة درهم، فقالت لها عائشة: (بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب)، قالت: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل، قالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أو قالت: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ
стр. 2477
فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] (١). والظاهر أن عائشة ﵂ لا تقول مثل هذا الكلام باجتهاد منها؛ لأن هذا التغليظ لا يكون إلا بتوقيف من النبي ﷺ (٢).
القول الثاني: جواز بيع العينة، وهذا مذهب الشافعية، وأبي يوسف من الحنفية، وابن حزم، وبعض الشافعية يرى الكراهة (٣).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ووجه الدلالة: أن العينة بيع، فهي حلال بنص القرآن، ولم يأتي تفصيل تحريمها في كتاب ولا سنة.
كما استدلوا بحديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ المتقدم، وفيه: "بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا"، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمره أن يشتري بثمن الجمع جنيبًا، ويمكن أن يكون بائع الجنيب هو الذي اشترى منه الجمع، فيكون قد عادت إليه دراهمه التي هي عين ماله؛ لأن الرسول ﷺ لم يفصل، ولم ينه عن الشراء من الذي باع عليه الجمع.
والقول الأول هو الراجح، لقوة أدلته، فإن النهي في حديث ابن عمر وحديث عائشة ﵂ صريح في التحريم، ولأن العينة ذريعة إلى الربا، والربا حرام، والذريعة إلى الحرام حرام، فالعينة محرمة؛ لأن المتبايعين لم يعقدا على السلعة عقدًا يقصدان به تملكها، ولا غرض لهما فيها بحال، بل القصد دراهم بدراهم أكثر منها، وإدخال السلعة من باب التدليس، فليس فيها بيع ولا شراء حقيقة، وإنما هو قرض ربوي جاء بصورة البيع والشراء، فهو من الحيل التي يلجأ إليها المرابون.
стр. 2478
أما الآية التي استدل بها القائلون بالجواز فهي عامة، وقد خُصص منها بيع العينة بالأحاديث الثابتة، كما خص منها بيع الغرر ونحوه، وأنتم تقولون بتحريمه. وأما حديث أبي سعيد ﵁ فهو مطلق قيدته الأحاديث التي تنهى عن العينة (١).
فإن اشترى السلعة وباعها على آخَرَ غيرِ من اشتراها منه لم تكن من مسألة العينة، وإنما هي مسألة التورق، وهي أن يشتري من يحتاج المال سلعةً مؤجلة بأكثر من قيمتها، ثم يبيعها على أجنبي نقدًا، كأن يحتاج خالد إلى مال لغرضٍ ما، ولم يجد من يقرضه، فيشتري من عليٍّ (٢٥) كيسًا من الرز -مثلًا- بخمسة آلاف ريال مؤجلة إلى سنة، ثم يبيعها على محمد بأربعة آلاف نقدًا ليسد حاجته، وبهذا يتبين أن الغرض من هذه المعاملة هو تحصيل الدراهم للحاجة إليها، وهذا محل النزاع، أما لو اشترى السلعة لقصد التجارة، أو لقصد الانتفاع بها كالأكل والشرب واللبس ونحوها فهذا يجوز بالإجماع (٢).
والتورق في اللغة: مأخوذ من الوَرِقِ، والورِق له عدة معانٍ في اللغة، ومنها: الدراهم والمال بجميع أنواعه (٣)، وسميت بهذا الاسم؛ لأن مشتري السلعة يبيعها بالورق، وهو الفضة.
وأكثر الفقهاء يذكرونها ضمن صور العينة، إلا فقهاء الحنابلة فإنهم يفردونها بالذكر، ولا يجعلونها من صور العينة (٤).
وقد اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها مكروهة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد (٥)؛ لأن فيها إعراضًا عن مبرة القرض التي حث عليها الإسلام.
стр. 2479
والقول الثاني: أنها محرمة، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ورواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، ومال إليه ابن القيم (٢)؛ لأن الغرض منها أخذ دراهم بدراهم، ودخلت السلعة بينهما تحليلًا.
والقول الثالث: أنها جائزة، وهو قول إياس بن معاوية، ومذهب الحنابلة، واختار ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم، وعبد العزيز بن باز، وأجازها الشيخ محمد بن عثيمين بشروط (٣).
واستدلوا على الجواز بأن الرجل يشتري السلعة ويكون غرضه إما عين السلعة وإما عوضها، وكلاهما غرض صحيح.
والأظهر -والله أعلم- القول بجوازها، بشرط أن يكون صاحبها محتاجًا إلى دراهم ولا يجد من يقرضه، فإذا اشترى من زيد سلعة -وهي في ملكه وحوزته- إلى أجل كسيارة أو أكياس من الرز أو الهيل أو غير ذلك ثم قبضها وحازها، ثم باعها في سوق من يزيد أو على من شاء بثمن معجَّل ليتزوج أو ليقضي دينًا أو ليعمر سكنًا أو ما أشبه ذلك، فالصواب أنه لا حرج في ذلك، لأمور ثلاثة:
١ - النصوص العامة في الشريعة التي تدل على أن الأصل في المعاملات الحل، إلا ما ورد الدليل بتحريمه، وليس في الأدلة ما يمنع هذه المعاملة.
٢ - عموم الأدلة على جواز المداينات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتورق نوع من المداينات الداخلة في عموم الآية.
٣ - وجود الحاجة إليها، فيكون في منعها تضييق على الناس، إذ ليس
стр. 2480
كل أحد يجد من يقرضه، فما بقي إلا أن يشتري ويبيع حتى يحقق مطلوبه ويقضي حاجته.
وهي ليست من مسألة العينة؛ لأن البيع فيها إلى أجل على شخص، والبيع بالنقد على شخص آخر، فليس فيها حيلة على الربا، ولا هي وسيلة إليه، فإن كان هناك تواطؤ بين الثلاثة على هذه المعاملة فإنها تحرم، كمسألة العينة (١).
فإن أمكن المسلم الاستغناء عن هذه المعاملة، والاقتصاد في كل ما يحتاج إليه، فهذا أحسن وأحوط، خروجًا من خلاف العلماء، واحتياطًا للدين، وابتعادًا عن إشغال الذمة بما قد يشق تخليصها منه (٢).
ومما ينبغي أن يعلم أن المصارف اليوم توسعت في بيع التورق توسعًا أخرجه عن صورته المباحة عند من أباحه، وصورته: شراء سلعة من المصرف كحديد -مثلًا- دون القيام من مجلس العقد، بل في أوراق، ثم يقوم المشتري بتوكيل المصرف في بيعها، ثم في ساعات ينزل في حساب العميل السيولة المالية وهي بهذا حيلة ظاهرة على الربا، فبدل ما يدفع المصرف (١٠٠.٠٠٠) بـ (١٢٠.٠٠٠) مؤجلة، سيتعامل بهذه الصورة، وقد صدر قرار من مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحريم هذه الصورة بعينها، والمحاذير فيها متعددة، منها:
١ - التحيل على الربا؛ لأن ما ذكر أشبه بالبيع والشراء الصوري.
٢ - أن فيها شبهًا بمسألة العينة، سواء كان الالتزام بالتوكيل صراحة أو بالعرف.
٣ - الإخلال بشروط القبض الشرعي (٣).
* الوجه الخامس: ذم الحرث والزرع في هذا الحديث محمول على ما
стр. 2481
إذا شغل عن القيام بالواجبات كالجهاد ونحوه من الأمور المطلوبة، وقد بوّب البخاري ﵀ فقال: (باب ما يُحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أُمِرَ به)، وبوَّب قبل ذلك فقال: (باب فضل الزرع والغرس إذا أُكِلَ منه) (١)، فأحاديث الذم محمولة على الاستكثار والاشتغال بالدنيا عن أمور الدين، وأحاديث الإباحة محمولة على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها.
* الوجه السادس: الحديث دليل على أن إقبال الناس على البيع والشراء والزراعة وإعراضهم عن الجهاد من أسباب الذل وطمع الأعداء، كما وقع من أزمان طويلة وقرون متعددة، وأعظم ذلك ما وقع في زماننا هذا.
والواجب على أهل الإسلام أن تعلو همتهم، وأن يشمروا إلى الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، ونصرة دينه، وقهر أعدائه، وألا يشغلهم عنه شاغل، وما ضعف المسلمون وتسلط عليهم الأعداء إلا يوم تركوا الجهاد، وقد جاء في حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأَكَلَةُ إلى قَصْعتها"، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهَنَ"، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت"، وفي رواية: "وكراهيتكم القتال" (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 2482
حكم الهدية في مقابل الشفاعة
٨٤٣/ ١٤ - عَنْ أَبِي أُمَامَة ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُوُ دَاوُدَ، وَفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في الهدية لقضاء الحاجة" (٣٥٤١) من طريق عمر بن مالك، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁، مرفوعًا.
وأخرجه أحمد (٣٦/ ٥٨٨) من طريق ابن لهيعة: حدثنا عبيد الله بن أبي جعفر، به.
وهذا الإسناد فيه مقال، عبد الله بن لهيعة ضعيف سيء الحفظ، لكن تابعه عمر بن مالك، كما في رواية أبي داود، وعمر بن مالك قال عنه الحافظ في "التقريب": (لا بأس به، فقيه). وعبيد الله بن أبي جعفر ضعفه أحمد في رواية، وعنه أنه قال: (ليس به بأس) (١)، وقال أبو حاتم والنسائي وابن سعد: (ثقة)، واحتج به الشيخان.
والقاسم -وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي- قال عنه في "التقريب": (صدوق يُغرب)، وقال الألباني: (فيه كلام يسير، لا ينزل به حديثه عن مرتبة
стр. 2483
الحسن) (١). لكن له أفراد (٢)، وهذا الحديث منها، فإن مداره عليه فلم يتابعه عليه أحد.
والحديث حسّنه الألباني في "صحيح الجامع" (٣)، و"صحيح سنن أبي داود" (٤)، كما حسّن الحديث الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على "البلوغ" (٥).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من شفع) الشفاعة: مصدر شفعت في الأمر شفعًا وشفاعة فأنا شفيع وشافع: طالبت بوسيلة أو ذِمام، وأصل الشفع: جعل الشيء اثنين، فكأن الشفيع يضم صوته لصوت المشفوع له في قضاء حاجته.
والشفاعة اصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
قوله: (لأخيه) المراد: أخوه في الإسلام.
قوله: (فأهدى له هدية فقبلها) الهدية في اللغة: ما أُتحف به، وعند الفقهاء: ما بعثته لغيرك بقصد الإكرام أو التودد أو المكافأة. فالدافع للهدية إما المحبة أو الصداقة أو طلب حاجة. والفرق بينها وبين الهبة، أن الهدية ما يتقرب به المهدي إلى المُهدى إليه، وليس كذلك الهبة، وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب "الهبة" إن شاء الله تعالى.
قوله: (فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا) أي: فقد دخل مدخلًا عظيمًا من مداخل الربا وانغمس في الحرام.
وتسميته ربا من باب الاستعارة للشبه بينهما، وذلك لأن الربا هو الزيادة لا في مقابل عوض، وهذا مثله، ولعل هذا غرض الحافظ من ذكر هذا الحديث في باب "الربا".
стр. 2484
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يعتاض عن الشفاعة شيئًا، بل ينبغي أن تكون الشفاعة وقضاء حاجة الآخرين لله تعالى، من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب الإحسان، وهذا من أخلاق المسلمين الجميلة، ومن صفاتهم الحميدة، فمن وفّقه الله تعالى لقضاء حوائج إخوانه المسلمين فلا ينبغي له أن يقبل مكرمة مقابل ذلك ليخلص العمل لله تعالى، ويرجو ثوابه وجزاءه. قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، والمعنى: أن من سعى في أمر ترتّب عليه خير كان له نصيب من ذلك الخير عند الله تعالى.
وعن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة، قال: "اشفعوا فلتؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء"، وفي رواية: "ما أحبَّ" (١).
وعلى هذا فمن شفع لأخيه أن يواسَى فقره، أو يعفى من ضريبة، أو يقضى دينه، أو شفع في أمور أخرى مما أباح الله، ثم أهدى له هذا المشفوع له، فلا ينبغي أن يقبل ذلك، يقول أبو الحارث: إن أبا عبد الله -يعني: الإمام أحمد- سئل عن الرجل يسأله الرجل حاجة فيسعى فيها، فيكافئه على ذلك بلطفه، ويهدي له، ترى له أن يقبلها؟ قال: (إذا كان شيء من البر وطلب الثواب كرهت له ذلك) (٢). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الهدية في الشفاعة مثل أن يشفع لرجل عند ولي أمر ليرفع عنه مظلمة، أو يوصل إليه حقه، أو يوليه ولاية يستحقها، أو يستخدمه في الجند المقاتلة -وهو مستحق لذلك-، أو يعطيه من المال الموقوف على الفقراء … ونحو هذه الشفاعة التي فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرم فهذه -أيضًا- لا يجوز فيها قبول الهدية، ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه أو دفع الظلم عنه، هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر، وقد رخص
стр. 2485
بعض المتأخرين من الفقهاء في ذلك، وجعل هذا من باب "الجعالة" (١)، وهذا مخالف للسنة وأقوال الصحابة والأئمة، فهو غلط … ؛ لأن المصالح العامة يكون القيام بها فرضًا إما على الأعيان وإما على الكفاية … ) (٢). وعلى هذا فالهدية للأمير أو العامل أو القاضي لا تجوز لهذا المعنى، ولأن له من رزق بيت المال ما يكفيه. وإذا شفع الإنسان لغيره في أمر من الأمور، فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يشفع لغيره بتحصيل شيء واجب أو يدفع مظلمة فهذه شفاعة واجبة من القادر عليها، فيحرم أخذ شيء عليها. يقول الحافظ ابن رجب: (الهدية لمن يشفع له شفاعة عند سلطان ونحوه لا تجوز، ذكره القاضي، وأومأ إليه أحمد؛ لأنها كالأجرة، والشفاعة من المصالح العامة، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، وفيه حديث صريح في السنن … ) (٣). وتقدم في كلام أبي الحارث أن الإمام أحمد يرى الكراهة، ولعل المراد: كراهة التحريم، ليتفق ذلك مع ما نقله عنه ابن رجب، والله أعلم.
ويرى ابن حزم الظاهري: (جواز قبول الهدية ممن نُصر في حق أو رفع عنه ظلم؛ لأنه من جملة شكر المنعم، وهدية بطيب نفس، ولا نعلم قرآنًا ولا سنة في المنع … ) (٤). وهذا رأي الغزالي، إلا أن الغزالي يرى الجواز والقياس على الجعالة إذا كان العمل فيه سعي وتَعَبٌ، وإلا فيحرم أخذ الهدية؛ لأنه عوض عن الجاه.
وكلام ابن حزم له حظ من النظر؛ لعدم قوة الحديث، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنها من باب ردِّ المعروف، وليس فيها أيُّ تواطؤ. ويمكن حمل كلام الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية على الهدية مقدمًا، أو جعلها كالأجرة. أما إذا كان الشافع أخلص في ذلك والمشفوع له أهدى إحسانًا منه، فما المانع من ذلك؟
стр. 2486
الثانية: أن يشفع لغيره في الحصول على أمر لا يستحقه من وظيفة أو عمل، فهذه شفاعة محرمة؛ لأن فيها تعديًا على حقوق الآخرين الذين يستحقون هذا العمل، كما أن فيه إضرارًا بالعمل نفسه حيث تولاه من لا يستحقه، كما أن فيها ظلمًا للشخص نفسه حيث تولى ما ليس له، وما أخذ على هذا النوع فهو حرام، بل هو الرشوة بعينها المحرمة باتفاق، كما سيأتي. ويدخل في هذا الشفاعة في حدود الله تعالى فهي محرمة، وما دفع لأجلها فهو رشوة.
الثالثة: أن تكون الشفاعة في أمر مباح ليس بواجب لكن فيه فائدة للمشفوع له، كما لو شفع له في نقل وظيفته من مكان لآخر، أو شفع له في إنجاز معاملته وليس في ذلك تعدٍّ على حق غيره، فإن بذل الشافع ذلك بلا مقابل وجعله من باب الإحسان فهذا أفضل، وإن أخذ عليه عوضًا فالظاهر جوازه، لعموم حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " … من أدى إليكلم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه (١) فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2487
تحريم الرشوة
٨٤٤/ ١٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في كراهية الرشوة" (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧) من طريق ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو ﵄.
وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
وهذا الحديث قد أعاده الحافظ في كتاب "القضاء" من رواية أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم"، ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا شاهدًا له.
ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث في باب "الربا" لإفادة أن المال المستفاد من الرشوة كالمال المستفاد من الربا، وقد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، كما لعن آكل الرشوة وموكلها.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الراشي) هذا اسم فاعل من رشا يرشو فهو راشٍ، والمراد به: دافع الرشوة. قال في "القاموس": (الرشوة -مثلثة-: الجُعل، جمعه: رُشًا ورِشًا، ورشاه: أعطاه إياها … ) (١)، وقال ابن الأثير: (الرشوة:
стр. 2488
الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به الماء) (١).
وعلى هذا فالرشوة مشتقة من الرشاء، وهو الحبل الذي يربط به الدلو ليصل إلى الماء في البئر، وهذا هو الأظهر؛ لأن وجه الشبه عليه أتم، من حيث إن إعطاء الراشي الرشوة ليصل إلى غرضه، يشبه ربط الدلو بالرشاء ليمتلئ بالماء.
وأما حقيقة الرشوة فهي: ما يدفع من مال ونحوه كمنفعة، ليتوصل به إلى ما لا يحل.
فالرشوة قد تكون مالًا، وهذا هو الغالب، وقد تكون منفعة يمكِّنه منها، أو يقضيها له.
قوله: (والمرتشي) هو اسم فاعل من ارتشى، وهو آخذ الرشوة، وهو لفظ عام؛ لأن (أل) الموصولة من صيغ العموم، فيشمل كل من أخذ الرشوة من حاكم أو قاضٍ أو وزير أو وكيل أو موظف وغيرهم.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الرشوة وأنها من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ قد توعد أكلة الرشوة والمتعاملين بها بالطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.
والرشوة من أنواع السحت الذي ذم الله تعالى به اليهود، فقال: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، قال ابن مسعود ﵁ وغير واحد من السلف: السحت: الرشوة. نقله ابن جرير وغيره (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، قال البغوي: (إن الآية شاملة لجميع وجوه الباطل، ومنها الرشوة) (٣).
والرشوة مجالاتها متعددة، فقد تكون الرشوة في الحكم بأن يحكم له
стр. 2489
بما لا يستحق، أو يلقنه الحجة، أو يتهاون في تنفيذ الحكم، ونحو ذلك، وهذا سيأتي -إن شاء الله- في كتاب "القضاء".
وقد تكون الرشوة في غير الحكم، فتكون في الوظائف والمسابقات، وقد تكون في تنفيذ المشاريع، بأن يبذل أحد المنفذين رشوة للمسؤول فيرسو المشروع عليه مع أن غيره أحق به وأنصح له، وقد تكون الرشوة في تحقيق جناية أو حادث فيتساهل المحقق من أجل الرشوة، وقد تقع الرشوة في التعليم فينجح من أجلها من لا يستحق النجاح، أو تقدم له أسئلة الاختبار أو يشار إلى مواضعها من المقررات، أو نحو ذلك فيتقدم هذا الطالب مع ضعف مستواه العلمي، ويتأخر من هو أحق منه.
* الوجه الرابع: جاء في "المسند" وغيره من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن ثوبان ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش: يعني الذي يمشي بينهما" (١).
وهذا الحديث بهذه الزيادة وهي لعن الرائش، وهو الوسيط بين الراشي والمرتشي ضعيف، لضعف ليث بن أبي سليم واضطرابه في رواية هذا الحديث، وشيخه أبو الخطاب قال عنه البزار وتبعه المنذري: (لا يعرف). وقال الذهبي: (مجهول). وأبو زرعة -وهو يحيى بن أبي عمرو السيباني- روايته عن ثوبان مرسلة، فتكون زيادة منكرة (٢).
والرائش ليس بركن أساسي في تعاطي الرشوة، لإمكان تحقيقها مباشرة بين الراشي والمرتشي بدونه، وإنما هو مجرد شريك، ولهذا -والله أعلم- لم يثبت لعنه مع الراشي والمرتشي، لكنه على خطر عظيم؛ لأن كل من أعان على باطل فهو آثم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقد تقدم أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: "هم سواء"، فإذا لُعِنَ هؤلاء على تعاطي الربا والمشاركة فيه، فالمشارك في تعاطي الرشوة على خطر عظيم.
стр. 2490
* الوجه الخامس: الحديث دليل على عناية الإسلام بالمجتمعات الإسلامية، وتطهيرها من أسباب الفساد وعوامل الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، فحرم الإسلام الرشوة وتوعّد عليها؛ لأن آثارها سيئة، ومفاسدها عظيمة، ومن ذلك:
١ - أنها من كبائر الذنوب، وسبب لمنع إجابة الدعاء، وتعرّض لغضب الله، والطرد من رحمته.
٢ - تضييع حقوق العباد، والإعانة على الظلم والعدوان، وهدر كرامة الإنسان.
٣ - الرشوة ظلم للنفس؛ لأن الراشي يظلم نفسه ببذل المال لأخذ ما ليس له، والمرتشي يظلم نفسه بأكل المال بالباطل وظلم الآخرين.
٤ - الرشوة كسب خبيث، وأكل لأموال الناس بالباطل، ومنهج الإسلام في الأكل الحلال والكسب الطيب مما تواترت فيه النصوص.
٥ - إذا انتشرت الرشوة في المجتمع، شاعت فيه روح النفعية، لا روح الواجب، فتتعطل مصالح المسلمين وتتأخر أعمالهم، فلا يتم إنجازها إلا بالرشوة، لا بمقتضى الواجب والتكليف من ولاة الأمور، والله تعالى أعلم.