الثانية: أن يشفع لغيره في الحصول على أمر لا يستحقه من وظيفة أو عمل، فهذه شفاعة محرمة؛ لأن فيها تعديًا على حقوق الآخرين الذين يستحقون هذا العمل، كما أن فيه إضرارًا بالعمل نفسه حيث تولاه من لا يستحقه، كما أن فيها ظلمًا للشخص نفسه حيث تولى ما ليس له، وما أخذ على هذا النوع فهو حرام، بل هو الرشوة بعينها المحرمة باتفاق، كما سيأتي. ويدخل في هذا الشفاعة في حدود الله تعالى فهي محرمة، وما دفع لأجلها فهو رشوة.
الثالثة: أن تكون الشفاعة في أمر مباح ليس بواجب لكن فيه فائدة للمشفوع له، كما لو شفع له في نقل وظيفته من مكان لآخر، أو شفع له في إنجاز معاملته وليس في ذلك تعدٍّ على حق غيره، فإن بذل الشافع ذلك بلا مقابل وجعله من باب الإحسان فهذا أفضل، وإن أخذ عليه عوضًا فالظاهر جوازه، لعموم حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " … من أدى إليكلم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه (١) فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2487
تحريم الرشوة
٨٤٤/ ١٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في كراهية الرشوة" (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧) من طريق ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو ﵄.
وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
وهذا الحديث قد أعاده الحافظ في كتاب "القضاء" من رواية أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم"، ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا شاهدًا له.
ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث في باب "الربا" لإفادة أن المال المستفاد من الرشوة كالمال المستفاد من الربا، وقد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، كما لعن آكل الرشوة وموكلها.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الراشي) هذا اسم فاعل من رشا يرشو فهو راشٍ، والمراد به: دافع الرشوة. قال في "القاموس": (الرشوة -مثلثة-: الجُعل، جمعه: رُشًا ورِشًا، ورشاه: أعطاه إياها … ) (١)، وقال ابن الأثير: (الرشوة:
стр. 2488
الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به الماء) (١).
وعلى هذا فالرشوة مشتقة من الرشاء، وهو الحبل الذي يربط به الدلو ليصل إلى الماء في البئر، وهذا هو الأظهر؛ لأن وجه الشبه عليه أتم، من حيث إن إعطاء الراشي الرشوة ليصل إلى غرضه، يشبه ربط الدلو بالرشاء ليمتلئ بالماء.
وأما حقيقة الرشوة فهي: ما يدفع من مال ونحوه كمنفعة، ليتوصل به إلى ما لا يحل.
فالرشوة قد تكون مالًا، وهذا هو الغالب، وقد تكون منفعة يمكِّنه منها، أو يقضيها له.
قوله: (والمرتشي) هو اسم فاعل من ارتشى، وهو آخذ الرشوة، وهو لفظ عام؛ لأن (أل) الموصولة من صيغ العموم، فيشمل كل من أخذ الرشوة من حاكم أو قاضٍ أو وزير أو وكيل أو موظف وغيرهم.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الرشوة وأنها من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ قد توعد أكلة الرشوة والمتعاملين بها بالطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.
والرشوة من أنواع السحت الذي ذم الله تعالى به اليهود، فقال: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، قال ابن مسعود ﵁ وغير واحد من السلف: السحت: الرشوة. نقله ابن جرير وغيره (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، قال البغوي: (إن الآية شاملة لجميع وجوه الباطل، ومنها الرشوة) (٣).
والرشوة مجالاتها متعددة، فقد تكون الرشوة في الحكم بأن يحكم له
стр. 2489
بما لا يستحق، أو يلقنه الحجة، أو يتهاون في تنفيذ الحكم، ونحو ذلك، وهذا سيأتي -إن شاء الله- في كتاب "القضاء".
وقد تكون الرشوة في غير الحكم، فتكون في الوظائف والمسابقات، وقد تكون في تنفيذ المشاريع، بأن يبذل أحد المنفذين رشوة للمسؤول فيرسو المشروع عليه مع أن غيره أحق به وأنصح له، وقد تكون الرشوة في تحقيق جناية أو حادث فيتساهل المحقق من أجل الرشوة، وقد تقع الرشوة في التعليم فينجح من أجلها من لا يستحق النجاح، أو تقدم له أسئلة الاختبار أو يشار إلى مواضعها من المقررات، أو نحو ذلك فيتقدم هذا الطالب مع ضعف مستواه العلمي، ويتأخر من هو أحق منه.
* الوجه الرابع: جاء في "المسند" وغيره من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن ثوبان ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش: يعني الذي يمشي بينهما" (١).
وهذا الحديث بهذه الزيادة وهي لعن الرائش، وهو الوسيط بين الراشي والمرتشي ضعيف، لضعف ليث بن أبي سليم واضطرابه في رواية هذا الحديث، وشيخه أبو الخطاب قال عنه البزار وتبعه المنذري: (لا يعرف). وقال الذهبي: (مجهول). وأبو زرعة -وهو يحيى بن أبي عمرو السيباني- روايته عن ثوبان مرسلة، فتكون زيادة منكرة (٢).
والرائش ليس بركن أساسي في تعاطي الرشوة، لإمكان تحقيقها مباشرة بين الراشي والمرتشي بدونه، وإنما هو مجرد شريك، ولهذا -والله أعلم- لم يثبت لعنه مع الراشي والمرتشي، لكنه على خطر عظيم؛ لأن كل من أعان على باطل فهو آثم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقد تقدم أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: "هم سواء"، فإذا لُعِنَ هؤلاء على تعاطي الربا والمشاركة فيه، فالمشارك في تعاطي الرشوة على خطر عظيم.
стр. 2490
* الوجه الخامس: الحديث دليل على عناية الإسلام بالمجتمعات الإسلامية، وتطهيرها من أسباب الفساد وعوامل الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، فحرم الإسلام الرشوة وتوعّد عليها؛ لأن آثارها سيئة، ومفاسدها عظيمة، ومن ذلك:
١ - أنها من كبائر الذنوب، وسبب لمنع إجابة الدعاء، وتعرّض لغضب الله، والطرد من رحمته.
٢ - تضييع حقوق العباد، والإعانة على الظلم والعدوان، وهدر كرامة الإنسان.
٣ - الرشوة ظلم للنفس؛ لأن الراشي يظلم نفسه ببذل المال لأخذ ما ليس له، والمرتشي يظلم نفسه بأكل المال بالباطل وظلم الآخرين.
٤ - الرشوة كسب خبيث، وأكل لأموال الناس بالباطل، ومنهج الإسلام في الأكل الحلال والكسب الطيب مما تواترت فيه النصوص.
٥ - إذا انتشرت الرشوة في المجتمع، شاعت فيه روح النفعية، لا روح الواجب، فتتعطل مصالح المسلمين وتتأخر أعمالهم، فلا يتم إنجازها إلا بالرشوة، لا بمقتضى الواجب والتكليف من ولاة الأمور، والله تعالى أعلم.
стр. 2491
النهي عن بيع المزابنة
٨٤٥/ ١٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كيلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيلًا، وَإِنْ كانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بكَيلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب "البيوع"، ومنها باب "بيع الزرع بالطعام كيلًا" (٢٢٠٥)، ومسلم (١٥٤٢)(٧٦) من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄. وقد جاء عند مسلم زيادة: "وعن كل ثمر بخرصه".
وقد تقدم ذكر المزابنة في باب "النهي عن بعض المعاملات" في حديث جابر وحديث أنس ﵄، وفيهما تعداد بعض المعاملات المنهي عنها، ومنها المزابنة، ولعل الحافظ ذكر حديث ابن عمر ﵄ في باب "الربا"؛ لأن فيه تفسير المزابنة وأن بيعها من صور (ربا الفضل)، كما سيتبين إن شاء الله.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن بيع المزابنة، وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه -كما تقدم-، كأن يبيع الثمر على رؤوس النخيل بتمر كيلًا، أو يبيع الزرع في سنبله بحنطة كيلًا، أو يبيع العنب بزبيب كيلًا، والعلة في النهي عن ذلك هي الجهل بالتساوي المشروط بمبادلة الربوي بجنسه، وهذا الجهل يفضي إلى الربا، كما تقدم من أن الجهل بالتساوي
стр. 2492
كالعلم بالتفاضل، وإذا باع الثمر على رؤوس النخل بتمر جاف فقد خفي التساوي من وجهين:
١ - كون البيع خرصًا.
٢ - كون أحدهما رَطْبًا والآخر جافًا، ويستثنى من ذلك مسألة (العرايا)، كما سيأتي إن شاء الله.
وعلى هذا فكل ربويين جهل تساويهما حرم بيع أحدهما بالآخر، فيحرم بيع الحب بدقيقه، كصاع من البر بصاع من دقيق البر، وهو الطحين، وذلك لعدم التساوي؛ لأن الحب إذا طحن تنتشر أجزاؤه، وأجاز بعض العلماء بيعه وزنًا؛ لأنه يمكن التساوي بالوزن.
فإن كان المبيعان ليسا من الأصناف الربوية فالعلة هي الغرر الناشئ عن عدم التحقق من قدر المبيع؛ لأنه بيع معلوم بمجهول، كما لو باع شيئًا من الخضار أو الفواكه وأحدهما معلوم القدر والآخر مجهول، والنهي في ذلك كله يقتضي الفساد.
* الوجه الثالث: هذا الحديث من أدلة الجمهور على أن الربا يجري في الأصناف الأربعة في حديث عبادة ﵁ المتقدم- وما وافقها في العلة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الزبيب بالعنب، وهو ليس من الأصناف المذكورة في حديث عبادة، بل إن قوله في رواية مسلم: "وعن كل ثمر بخرصه" عام فيما ذُكر في حديث عبادة وغيره، والله تعالى أعلم.
стр. 2493
حكم مبادلة الرَّطْبِ باليابس من الربويات
٨٤٦/ ١٧ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَن اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ. فَقَال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذلِكَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِي، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في التمر بالتمر" (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٨، ٢٦٩)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وأحمد (٣/ ١٠٠)، وابن حبان (١١/ ٣٧٢)، والحاكم (٢/ ٣٨) من طريق مالك، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش (١) أخبره، أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسّلْت (٢). فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل … وذكر الحديث.
وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
ونقل الحافظ عن علي بن المديني: (أن أباه حدث به، عن مالك، عن داود بن الحصين، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن أبي عياش، قال: وسماع
стр. 2494
أبي من مالك قديم، قال: فكان مالكًا كان علقه عن داود، ثم لقي شيخه فحدثه به مرة عن داود، ثم استقر رأيه على التحديث به عن شيخه) (١).
وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح، لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث، إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة، ثم لمتابعة هؤلاء الأئمة في روايته عن عبد الله بن يزيد، والشيخان لم يخرجاه، لما خشياه من جهالة زيد بن أبي عياش). وقد صرح بجهالته ابن حزم (٢) وعبد الحق الإشبيلي (٣)، وهذا مردود لما يلي:
١ - أن ابن حبان قد وثقه، وقال الدارقطني: (ثقة، ثبت) (٤).
٢ - أنه روى عنه ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم.
٣ - أن أئمة هذا الشأن قد عرفوه، فهذا الإمام مسلم قد ذكره في كتاب "الكنى" (٥)، وهذا الإمام مالك قد أخرج حديثه في "موطئه" مع شدة تحرّيه في الرجال ونقده وتتبّعه لآرائهم (٦).
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز بيع أحد نوعي الجنس بالآخر، وأحدهما رطب والآخر يابس، مثل بيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، واللحم الرَّطْبِ بالقديد؛ لأن أحدهما أزيد من الآخر قطعًا، فإن الرَّطْبَ إذا يبس نقص كثيرًا، فلا يحصل التساوي، ومثل ذلك إذا لم يستويا في النشاف بأن كان أحدهما أكثر رطوبة من الآخر، مثل أن يبيع خبزًا من البر بخبز من البر وأحدهما أنشف من الآخر، فلا يجوز لعدم التساوي المشترط في قوله ﷺ : "مثلًا بمثل، سواءً بسواء".
стр. 2495
وقوله ﷺ هنا: "أينقص الرطب إذا يبس؟ "، هذا السؤال لا يقصد منه المعرفة؛ لأن مسألة نقصان الرطب إذا يبس جلية مستغنية عن الاستكشاف؛ لأن من المعلوم لكل عاقل أن الرطب ينقص إذا يبس، لزوال الرطوبة الموجبة لزيادته وثقله. وإنما قصد ﷺ بذلك بيان مناط الحكم ووجه العلة بتحريم البيع، وهذا يحصل به اقتناع السائل بوقوفه على علة النهي.
وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على ما إذا كان الرطب مقطوعًا على الأرض، وقالوا: ليس هذا من المزابنة؛ لأنه لم يرد في تفسيرها كما تقدم، فإن كان التمر على رؤوس النخل فهو بيع المزابنة كما مضى، وقد يكون هذا غرض الحافظ من ذكر حديث سعد ﵁ بعد حديث المزابنة، والله تعالى أعلم.
* الوجه الثالث: يستدل بهذا الحديث علماء الأصول على نوع من أنواع مسالك العلة، وهو إثبات العلة بالأدلة النقلية بطريق التنبيه والإيماء، وهو أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا لو لم يعلل الحكم بهذا الوصف لكان ذكره في الكلام لغوًا لا فائدة فيه، فيعلل الحكم به صيانة لكلام الشرع عن اللغو، وذلك أن السؤال عن نقصان الرطب باليبس لو لم يقدر التعليل به، وأنه سبب المنع من بيع الرطب بالتمر ما دام أن الرطب ينقص عند اليبس لكان السؤال عنه غير مفيد؛ لأنه أمر ظاهر، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
стр. 2496
النهي عن بيع الدين بالدين
٨٤٧/ ١٨ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ : نَهَى عَنْ بَيعِ الكَالِيءِ بالْكَالِيءِ؛ يَعْنِي: الدَّينَ بالدَّينِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ، وَالْبَزَّارُ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البزار (١) (١/ ٥٠٨ مختصر زوائده)، والدارقطني (٣/ ٧٢) من طريق موسى بن عُبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ -قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، وعن بيع المَجْرِ، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع آجل بعاجل … " الحديث بتمامه، وفيه تفسير لهذه المذكورات في هذا الحديث، ومنها بيع الكالئ بالكالئ حيث فسِّر ببيع الدَّين بالدَّين، وبهذا يتبين أن التفسير ليس من الحافظ ابن حجر، وإنما هو في سياق الحديث.
قال البزار: (لا نعلم أحدًا رواه بهذا التمام إلا موسى، وهو ضعيف، وفي الصحيح طرف منه).
وأخرجه الدارقطني (٣/ ٧١)، والحاكم (٢/ ٥٧)، والبيهقي (٥/ ٢٩٠) من طريق الخَصيب بن ناصح: نا الدراوردي، عن موسى بن عبيدة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به.
إلا أن الدارقطني سمَّاه موسى بن عقبة في الموضعين المذكورين، وكذا
стр. 2497
الحاكم، وغلَّطهما البيهقي، لكن الظاهر أن الوهم ليس من الدارقطني، بل من غيره، بدليل أنه جزم في "العلل" بأن موسى بن عبيدة تفرد به (١)، وقال الألباني: (أنا أظن أن الوهم من ابن ناصح، فهو الذي قال ذلك؛ لأن توهيمه أولى من توهيم حافظين مشهورين: الدارقطني، والحاكم، والله أعلم) (٢).
وموسى بن عبيدة وهو الرَّبذي ضعيف، نقل ابن عدي تضعيفه عن الإمام أحمد، فإنه قال: (منكر الحديث)، وقال: (لا تحل عندي الرواية عنه)، قال: فقيل لأحمد: إن شعبة روى عنه قال: ( .. لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه) (٣)، وقال الذهبي: (ضعفوه، وقال أحمد: لا تحل الرواية عنه) (٤)، ونقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: (أهل الحديث يوهنون هذا الحديث)، وعن الإمام أحمد قال: (ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دَين بدَين) (٥).
وعلى هذا فالحديث ضعيف، وقد ضعّفه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "نظرية العقد" (٦)، وليس في المسألة إلا الإجماع، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية نفى الإجماع في ذلك.
* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يجوز بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع الدين بالدين، والكالئ بمعنى: المؤخر الذي لم يقبض في مجلس العقد، من كلأ الدين: أي تأخر.
وبيع الدَّين بالدَّين له صور، منها:
١ - بيع الحيوان بالحيوان نسيئة من الطرفين، وتقدم ذلك.
٢ - بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه، مثال ذلك: أن يكون عند زيد لعمرو مائة صاع من البر قرضًا أو ثمنًا لمبيع مؤجل، فيقول زيد
стр. 2498
لعمرو: أعطيك عن البر ألف ريال ولكنها مؤجلة، فهذا لا يجوز؛ لأن العوضين -وهما البر والريالات- مما يجري فيه ربا النسيئة، لقوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"، وعلى هذا فلا بد من التقابض، فإذا كان أحد العوضين لا يجري فيه الربا، فقولان، مثال ذلك: أن يبيع عاصم على خالد ثلاجة بألف ريال إلى سنة، فلما حَلَّ الأجل أعطاه خالد مقابل الألف عشرة أثواب إلى سنة، فالأكثرون على أنها لا تصح؛ لعموم الحديث وما ذكر من الإجماع، وقال بجوازها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وآخرون. وقد نقل ابن القيم عن شيخه أنه نفى الإجماع في مسألة بيع الدَّين بالدَّين (١).
فمن أجاز ذلك قال: إن هذه المعاملة لا تدخل في معنى الحديث، فإن الكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض -كما تقدم- وهنا ليس فيه بيع كالئ بكالئ، وإنما كانت ذمة المشتري مشغولة بشيء وهو الألف، فانتقلت إلى شاغل آخر وهي الأثواب، وهذا مثل ما لو كان لكل منهما عند الآخر وديعة فاشتراها بوديعته عند الآخر، والمقصود أنه نُهي عن بيع الدين بالدين؛ لئلا تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة حصلت، وأما في هذه المسألة فقد حصل بهذا العقد براءة كل منهما (٢).
وهذا قول وجيه، لكن بشرط ألا يربح في هذه المعاملة، لئلا يربح فيما لم يدخل في ضمانه، إضافة إلى ما تقدم وهو ألا يكون العوضان مما يجري فيهما ربا النسيئة، فإن تحقق هذان الشرطان جاز وإلا فلا.
ولعل الحكمة -والله أعلم- من النهي عن بيع الدين بالدين ما فيه من المضار الكثيرة، فإنه إذا باع دينًا بدين حصل بهذا التسامح والتساهل، فتكثر الديون في الذمم، وتعظم المشقة، ويعظم الحرج، فمن رحمة الله أن جاءت الشريعة بالنهي عن ذلك حتى لا يتساهل المعدمون بهذه البيوع التي تضرهم
стр. 2499
وتشغل ذممهم بلا حاجة بينة، مع ما يصاحب ذلك من كثرة الخصومات، وانتشار العداوة والبغضاء.
فإن باع الدين بعين؛ أي: بثمن حالٍّ جاز، كما لو كان لخالد على محمد عشرة آلاف مؤجلة، فلما حلَّ الأجل قال محمد: ليس عندي ريالات، عندي دنانير كويتية -مثلًا- صح البيع إذا تقابضا في مجلس العقد -كما تقدم- بشرط أن يكون ذلك بسعر يومه، لئلا يربح فيما لم يدخل تحت ضمانه، فيأخذ من الدنانير ما يقابل عشرة آلاف ريال بدون زيادة.
ودليل ذلك حديث ابن عمر المتقدم، وفيه: "لا بأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء" وهذا على القول بأنه بيع، أما على القول بأنه من جنس الاستيفاء (١) -وهو الأظهر- فإن الأمر واضح، فإن المشتري لم يملك شيئًا، وإنما سقط من ذمته عشرة آلاف ريال مقابل الدنانير التي دفعها.
٣ - ومن صور بيع الدَّين بالدَّين: دَين السلم إذا لم يقبض في المجلس، كما لو أسلم حنطة في الذمة بدراهم في الذمة مؤجلة. وشرط صحة السلم قبض الثمن في مجلس العقد، وتسمى مسألة "بيع الدين بالدين ابتداءً"، ووجه النهي: أنه بيع دين بدين، والمقصود من العقود القبض، وهذا عقد لم يحصل به مقصود أصلًا بل هو التزام بلا فائدة (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2500
باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار
هذا الباب اشتمل على ثلاث مسائل تتعلق بأحاديث الباب:
الأولى: في بيع ثمر العرايا، والمراد به: بيع الرطب بالتمر.
الثانية: في بيع الأصول والمراد بها: الأشياء الثابتة كالعقار، والأراضي، وبساتين النخل وغيرها، والبحث هنا فيما إذا حصل بيع النخل بعد تأبيره؛ أي: تلقيحه، فهل تدخل الثمرة في البيع أو لا تدخل؟
الثالثة: في بيع الثمار؛ أي: في حكمه قبل بدو الصلاح.
وهذه المسائل أفردت بباب مستقل؛ لأنه ورد فيها أحاديث خاصة بأحكامها، وإلا فهي داخلة ضمن أحاديث البيوع من جهة شروط البيع وموانعه، والتي ذكر شيء منها أول البيوع.
стр. 2501
حكم العرايا
٨٤٨/ ١ - عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ في الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: رَخَّصَ في الْعَرِيَّةِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأَكُلُونَهَا رُطَبًا.
٨٤٩/ ٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
حديث زيد بن ثابت ﵁ أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "تفسير العرايا" (٢١٩٢)، ومسلم (١٥٣٩)(٦٤) من طريق عبيد الله: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت ﵃، مرفوعًا.
ورواية مسلم (١٥٣٩)(٦١) جاءت من طريق يحيى بن سعيد، أخبرني نافع، أنه سمع عبد الله بن عمر يحدث أن زيد بن ثابت حدثه …
ولعل غرض الحافظ من إيراد رواية مسلم أنها بينت حكمة الترخيص في العرايا، كما سيأتي إن شاء الله.
وأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في باب "بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة" (٢١٩٠)، ومسلم (١٥٤١) من طريق
стр. 2502
داود بن الحصين، عن أبي سفيان (١) (مولى ابن أبي أحمد)، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
قال البخاري (٢٣٨٢) ومسلم: (يشك داود، قال: خمسة أو دون خمسة).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (رخص) تقدم أن الترخيص في الأصل: هو السهولة والتيسير، وعند الأصوليين: التسهيل والتيسير في أمر ملزم به، إما بفعله، أو بتركه.
قوله: (في العرايا) هذا على حذف مضاف دل عليه حديث أبي هريرة ﵁ الذي بعده؛ أي: في بيع ثمر العرايا.
والعرايا: جمع عرية، وهي النخلة التي يهب صاحبها ثمرها لأحد المحتاجين، وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجدب، تتطوع بذلك على من لا ثمر له، سميت بذلك لانفرادها عن أخواتها، يقال: عَرَى النخلة، بفتح العين والراء، يعروها، إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لشخص يأكل ثمرها على سبيل الهدية، وتبقى الرقبة للمالك.
والمراد هنا: بيع رطب في رؤوس نخله بتمر كيلًا، وهذا التعريف قال به الإمام الشافعي وأحمد (٢) وغيرهما، وهذا التفسير هو الذي يتمشى مع الأدلة الواردة في هذا الباب، وفي تفسيرها أقوال أخرى.
قوله: (أن تباع) في تأويل مصدر مجرور بـ (في)؛ أي: في بيعها، والجار والمجرور بدل مما قبله.
قوله: (بخرصها) الخرص هو الحزر والتقدير، وهو مصدر الفعل خَرَصَ يخرص، بضم الراء وكسرها، يقال: باعه خرصًا: أي تقديرًا من غير وزن ولا كيل.
стр. 2503
والمراد هنا: تقدير ما على النخيل من الرطب تمرًا، بأن يقول الخارص: هذا الرطب إذا صار تمرًا فهو يقارب خمسين صاعًا، أو مائة وخمسة عشر كيلو -مثلًا- فيدفع المشتري التمر بهذا المقدار، ويعطيه البائع النخلة التي عليها الرطب، ولا بد من التقابض في مجلس العقد، فالتمر على رأس النخلة بتخليته، وعوضه من التمر بكيله وقبضه.
قوله: (كيلًا) تمييز، والمعنى: أنه رخص في بيع الرطب على رؤوس النخل خرصًا بقدر كيله من التمر؛ لأن التمر مكيل.
قوله: (بخرصها تمرًا) أي: بقدر ما فيها إذا صار الرطب تمرًا، وهذا بيان لكيفية الخرص، وتمرًا: تمييز؛ أي: من التمر.
قوله: (يأكلونها رطبًا) منصوب على الحال، والرطب: -بضم الراء وفتحها-، ما فيه رطوبة من جميع الثمار، من نخل وغيره كالعنب والتين وغيرهما، وهو ضد اليابس الجاف.
والرطب هنا: ما أدرك ونضج قبل أن يتتمَّر.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بيع الثمر على النخل، وهو الرطب بتمر مثله، وهذا هو بيع المزابنة المنهي عنه بالاتفاق، وهو بيع التمر على رؤوس النخل بتمر كيلًا، كما تقدم. وقد نقل النووي الاتفاق على تحريمه وأنه ربا (١) ومأخذ التحريم من قوله: (رخص).
* الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز بيع العرايا، وهو بيع رُطَبٍ بتمر يابس، وهذا مذهب الجمهور، وهو مستثنى من بيع المزابنة المنهي عنه، وقد ورد في حديث جابر ﵁: "نهى النبي ﷺ عن بيع الثمر حتى يطيب، ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا" (٢).
لأنه إذا باع الرطب على رؤوس النخل بتمر جاف فقد خفي التساوي من وجهين:
стр. 2504
١ - كون البيع خرصًا.
٢ - كون أحدهما رطبًا والآخر جافًا، وقد تقدم أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
وإباحة بيع العرايا دليل على يسر الإسلام وسماحته، وتلبية رغبات الناس فيما أباح الله لهم، فإن الأثمان قد تكون قليلة بأيدي الناس، فيأتي وقت الرطب والتفكه به، وليس عند كل واحد نقود يشتري بها رطبًا، وقد يكون عنده شيء من تمر العام الماضي، فرخص الشرع للناس أن يشتروا بهذا التمر الجاف ما يتفكهون به من الرطب، مع مراعاة التساوي في المقدارين: التمر والرطب، وذلك بتقدير الرطب تمرًا بالكيل أو الوزن (١).
* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن هذه الرخصة لمن احتاج إلى أكل الرطب؛ لقوله في رواية مسلم: "يأكلونها رطبًا"، وعلى هذا فلا بد أن تؤكل العرية رطبًا، فإن لم يأخذها المشتري رطبًا تبينَّا عدم الحاجة، فيبطل العقد؛ لأن شراءها على هذه الصفة إنما جاء للحاجة إلى أكل الرطب، وقال الشافعي: لا يبطل؛ لأن العبرة بحال الشراء (٢).
* الوجه السادس: حديث زيد ﵁ مطلق لم يحدد مقدارًا معينًا في بيع العرايا، وفي حديث أبي هريرة ﵁ جاء التقييد بجواز العرايا فيما دون خمسة أوسق، وهذا لا خلاف فيه (٣)؛ لأن الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة، فيجب حمل المطلق على المقيد.
والوسق: ستون صاعًا، فيكون الجواز بما دون ثلاثمائة صاع، وبالتقدير العصري (٦٧٥) كيلو بناء على أن الصاع كيلوان وربع -كما تقدم تحريره في الزكاة- وما زاد على الخمسة فهو على الأصل، وهو التحريم، بلا خلاف (٤)، وأما الخمسة ففيها قولان:
стр. 2505
الأول: أنها على الأصل وهو التحريم، وهو قول أحمد وابن المنذر، وقول للشافعي، فيؤخذ باليقين وهو ما دون الخمسة، ويترك المشكوك فيه، كما تقدم في رواية داود بن الحصين.
الثاني: جواز العرايا في خمسة أوسق، وهذا قول مالك، والشافعي في أحد قوليه، ورواية عن الإمام أحمد (١)، عملًا برواية الشك، ونظرًا إلى عموم الرخصة، فلا يضر الشك بالزيادة القليلة.
فإن قيل: يلزم أن تجيزوا ما زاد على الخمسة إذا كان يسيرًا، فالجواب: أن الخمسة ورد بها النص، أما ما زاد عليها فلم يرد به النص أصلًا، وعليه فلا يجوز ما زاد على الخمسة، كما تقدم.
* الوجه السابع: ظاهر الحديث أن العرايا خاصة بالتمر، فيقصر الجواز على النخل فقط دون غيرها من الثمار؛ لأن غير العرايا لا يساويها في كثرة الاقتيات وسهولة الخرص، وهذا قول الجمهور.
ويرى جمع من أهل العلم، منهم مالك في رواية عنه، والأوزاعي، ونسبه ابن قدامة إلى القاضي أبي يعلى (٢) يرون التعميم في جميع الثمار، فإذا كان الإنسان عنده زبيب جاز أن يشتري به عنبًا يتفكه به؛ لأن الرطب فاكهة أهل المدينة، ولكل بلد فاكهة، والحكمة موجودة فيها، والرخصة عامة، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، قال صاحب "الإنصاف": (وهو الصواب عند من يعتاده) (٤).
والقول الثالث: أنه يجوز في العنب وحده، وهو قول الشافعي، ومالك في رواية عنه، لوجود التشابه بين الرطب والعنب (٥)، واختاره النووي (٦).
стр. 2506
والأقرب القول بالجواز، لما تقدم، وهذا خاص بما يجري فيه الربا، أما ما لا يجري فيه الربا فلا بأس ببيع رطبه بيابسه.
* الوجه الثامن: اختلف العلماء في بيع الرطب على وجه الأرض بتمر كيلًا على قولين:
الأول: أن البيع صحيح، ونسبه النووي إلى الجمهور (١)، إلحاقًا له بما على رؤوس النخل، ولأن العلة هي الحصول على الرطب، فلا فرق بين أن يكون على الأرض أو على رؤوس النخل.
الثاني: المنع، واختاره ابن دقيق العيد (٢)؛ لأن الرخصة وردت للحاجة إلى تحصيل الرطب، ولأن المقصود الأكل على التدريج، وهذا لا يمكن فيما على وجه الأرض.
والظاهر قول الجمهور؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى شراء الرطب المقطوف حالًا، وإلحاق الرطب المقطوف بما على رؤوس النخل ليس بطريق القياس، وإنما بدخوله تحت عموم اللفظ.
* الوجه التاسع: الحديث دليل على أن غلبة الظن تقوم مقام اليقين إذا تعذر اليقين أو تعسر، فإذا تعذر معرفة قدر ما على رأس النخلة من التمر بالمعيار الشرعي، وهو الكيل أو الوزن، فإنه يكتفى بالخرص.
والعمل بالخرص ثابت، وليس هو ظنًّا وتخمينًا، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار الثمار من العارفين الثقات، وتقدم ذلك في "الزكاة".
* الوجه العاشر: لما كانت العرايا على خلاف الأصل، اشترط العلماء فيها شروطًا، بعضها مأخوذ من أحاديثها، وبعضها من عموم أحاديث الربا، وهذه الشروط:
١ - حاجة المشتري إلى أكل الرطب.
стр. 2507
٢ - ألا يكون عنده نقود يشتري بها رطبًا، وإنما عنده تمر جاف؛ لأن العرية أبيحت للحاجة، ولا حاجة مع وجود النقود.
٣ - أن يكون أقل من خمسة أوسق.
٤ - التقابض قبل التفرق، فالتمر بكيله، والنخلة بتخليتها؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبرت فيه شروطه، ومنها التقابض.
٥ - تقدير التمر بالكيل أو الوزن، أما بيع الرطب بالتمر جزافًا فلا يجوز لما يترتب عليه من كثرة الغرر، والأصل وجوب الكيل من الطرفين، ولكن ترك في أحدهما لتعذره، فيبقى في الآخر على الأصل.
* الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على القاعدة الشرعية: "ما حُرِّم تحريم الوسائل فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة"، وذلك أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز -كما تقدم- لئلا يكون وسيلة إلى ربا الفضل، وهو بيع التمر بالتمر، لكن أبيح ذلك للمصلحة الراجحة، وقد مضى بيانها، يقول ابن القيم: (قاعدة باب سدِّ الذرائع إذا عارضه مصلحة راجحة قدمت عليه) (١).
ومن فروع هذه القاعدة: إباحة الصلوات ذوات الأسباب بعد الفجر والعصر مع أن الوقت وقت نهي، وإباحة النظر للخاطب والشاهد والطبيب من جملة النظر المحرم، وغير ذلك، والله أعلم.
стр. 2508
النهي عن بيع الثمار قبل ظهور صلاحها
٨٥٠/ ٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بيعِ الثِّمَارِ حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَفي رِوَايَةٍ: وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا. قَال: حَتى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ.
٨٥١/ ٤ - وَعَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الثِّمَارِ حَتى تُزْهِيَ. قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قال: "تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
٨٥٢/ ٥ - وَعَنْ أَنَسِ بِنْ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
* الكلام عليها من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجها:
حديث ابن عمر ﵄ أخرجه البخاري في "البيوع"، باب "بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها" (٢١٩٤)، ومسلم (١٥٣٤) من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا.
والرواية المذكورة هي للبخاري في كتاب "الزكاة" (١٤٨٦)، ومسلم (١٥٣٥)(٥٢) والمسؤول هو ابن عمر ﵄، بيّنه مسلم في روايته من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة ولفظه: (فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته).
стр. 2509
وأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الزكاة"، باب "من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه وقد وجب فيه العشر … " (١٤٨٨)، ومسلم (١٥٥٥) من طريق حميد، عن أنس ﵁ مرفوعًا، وتمامه: "أرأيتك إن منع الله الثمرة؟ بم تستحل مال أخيك؟ " (١).
وفي سياق الحافظ للحديث وتخصيصه بالبخاري نظر، فإن الحديث عند البخاري في عدة مواضع، ليس منها هذا اللفظ.
وأما حديث أنس ﵁ الثاني فقد أخرجه أبو داود في "البيوع"، بابٌ "في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها" (٣٣٧١)، والترمذي (١٢٢٨)، وابن ماجه (٢٢١٧)، وأحمد (٢١/ ٣٧)، وابن حبان (١١/ ٣٦٩)، والحاكم (٢/ ١٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس ﵁، مرفوعًا.
وهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين، غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (حتى يبدو صلاحها) مضارع منصوب بـ (حتى)، وهو بفتح الواو، غير مهموز يقال: بدا يبدو، من غير همز، بمعنى: ظهر، وبدأ يبدأ -بالهمزة-: شرع في الشيء.
وبدو الصلاح جاء تفسيره في الرواية المذكورة، وفي حديث أنس الذي بعده، وسيأتي بيانه إن شاء الله.
قوله: (نهى البائع والمبتاع) المبتاع: هو المشتري، وهذه الجملة تأكيد للمنع، وفيها إيذان بأن المنع وإن كان احتياطًا لحق الإنسان، فليس له أن يتركه مع ارتكاب النهي.
قوله: (حتى تذهب عاهته) أي: عاهة الثمر، وفي رواية الكُشْمِيهني: (عاهتها)، والعاهة: هي الآفة التي تصيب الثمر أو الزرع فتفسده أو تعيبه.
стр. 2510
قوله: (حتى تُزهي) بضم التاء من أزهى الرباعي، كأعطى يعطي؛ أي: تحمرَّ وتصفرَّ، والزهو: البسر الملوَّن، وأما زها يزهو فمعناه: ظهرت الثمرة، والظاهر أنهما بمعنى واحد لورود الروايات بهذا وهذا.
وقد ضُبطت اللفظة في بعض كتب الحديث، وبعض نسخ "البلوغ": (تُزهَى) بضم التاء وفتح الهاء على وزن المضارع المبني للمجهول، والظاهر أنه غير صحيح، وقد رأيت ضبطها: (تُزهِيَ) بكسر الهاء في عدة طبعات من "صحيح البخاري" ومنها طبعة الناصر (٢/ ١٢٧)، وهي على قاعدة الفعل الرباعي: كأعطى يعطي، وهذا هو الأظهر حتى يثبت ما يدل على أنه من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول، ولم أقف على ما يدل أنه من الأفعال المبنية للمجهول، وقد ضبطه الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بكسر الهاء.
قوله: (قيل: وما زهوها؟) لم يبين في هذه الروايات من السائل ومن المسؤول، لكن جاء في رواية أخرى في "الصحيحين" من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس وفيه: فقلنا لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمرّ وتصفرّ.
وجاء في رواية عند النسائي: قيل: يا رسول الله، وما تزهي؟ قال: "حتى تحمرّ" (١). فأفاد ذلك أن التفسير مرفوع إلى النبي ﷺ .
قوله: (تحمارَّ وتصفارَّ) بفتح التاء فيهما وسكون ثانيهما، آخرهما راء مشددة، من باب الافعيلال من الثلاثي الذي زيدت فيه الألف والتضعيف؛ لأن أصلهما: حمر وصفر، ومعنى ذلك أن يتغير لون الثمرة إلى الصفرة أو الحمرة، وهو لون غير خالص، وإنما فيه كمودة (٢)، والكمودة تغير اللون وذهاب صفائه، وهذا عند ظهور أوائل الحمرة وأوائل الصفرة، وقد فرق بعض العلماء كالخطابي بين: تحمارَّ وتصفارّ، وتحمر وتصفر، وأن الأول كما تقدم، والثاني يطلق على اللون الخالص، والظاهر أنه لا فرق بينهما، كما قال بعض أهل اللغة؛ لأن الأحاديث وردت بهذا وهذا، كما تقدم في حديث أنس ﵁ لما سئل عن الثمرة: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر.
стр. 2511
قوله: (حتى يسودَّ) بتشديد الدال المفتوحة؛ أي: يبدو صلاحه إذا اسودَّ بعد أن كان أخضر، وهذا في العنب المتلون، وأما غير المتلون، وهو العنب الأبيض، فبأن يتموه، ويتلين، ويؤكل غالبًا.
قوله: (حتى يشتد) بتشديد الدال المفتوحة -أيضًا-، واشتداد الحب: قوته وصلابته.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع الثمار والحبوب حتى يبدو صلاحها، وذلك بأن تظهر الحمرة أو الصفرة في ثمر النخل، ويسوَدَّ العنب، ويشتد الحب، ونحو ذلك، والضابط لبدو الصلاح هو ما يستفاد من مجموع الأحاديث، وهو أن يجتمع في الثمرة وصفان:
١ - صيرورة الثمرة إلى الصفة التي تطلب فيها عادة للأكل، ففي المتلون بانقلاب اللون، وفي غيره بأن يتموه ويتلين، وفي نحو القثاء والباذنجان بأن يكبر ويجنى مثله غالبًا للأكل، وفي الحبوب باشتدادها.
٢ - أن تؤمن العاهة على الثمار غالبًا، وهذا الوصف يستدل عليه بزهو بعض الثمرة، وبمعرفة أهل الخبرة بالثمار أن حصول الأمن من العاهة ببدو الصلاح.
وهذا النهي عند الجمهور يقتضي الفساد، فيكون بيعها غير صحيح.
وقد تعددت الروايات والألفاظ في هذا الباب، وكلها بمعنى واحد، تدل على منع بيعها حتى يبدو صلاحها وتَقِلُّ العاهة ويقل الخطر؛ لأن العاهة تؤمن غالبًا بعد بدو الصلاح، وقبله تسرع إليه لضعفه، ويستثنى من النهي عن بيعها قبل بدو صلاحها لو باعها بشرط القطع في الحال، فهذا يجوز بالإجماع، بشرط أن تكون الثمرة منتفعًا بها للعلف مثلًا، وكذا لو باعها مع أصلها، فهذا لا خلاف في جوازه.
ومفهوم الحديث جواز بيعها إذا بدا صلاحها مطلقًا بشرط القطع، أو بشرط الإبقاء، فإذا بيعت مطلقًا أو بشرط الإبقاء لزم البائع تبقيتها إلى وقت الجذاذ؛ لأن هذا هو العادة فيها.
стр. 2512
* الوجه الرابع: الحكمة من النهي عن بيعها:
١ - أنها قبل بدو صلاحها لا منفعة فيها للمشتري، فيكون المشتري بذل ماله فيما لا نفع فيه، ويكون البائع أكل مال أخيه بالباطل، ويكون المشتري وافق البائع على أمر محرم وأضاع ماله، وقد نهينا عن ذلك.
٢ - أنها قبل بدو صلاحها معرّضة لكثير من الآفات التي تنقص مقدارها، أو تقلل من جودتها، أو تتلفها، وهذا نوع من الغرر، وفي حديث جابر ﵁ الآتي: "بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ".
٣ - قطع أسباب التنازع والتخاصم بين المتعاقدين، وإزالة أسباب العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأن بيعها قبل صلاحها وسيلة لذلك.
* الوجه الخامس: لا خلاف بين العلماء في أنه لا يجوز بيع جنس من الثمار إذا بدا الصلاح في جنس آخر، فإذا بدا الصلاح في النخيل لم يجز بيع العنب؛ لأنه جنس آخر، كما أنه لا خلاف بين العلماء أن الشجرة الواحدة إذا بدا صلاحها جاز بيعها.
وإنما الخلاف في جواز بيع النوع الواحد والجنس الواحد إذا بدا الصلاح في بعض أشجاره.
وأظهر الأقوال في هذه المسألة أنه إذا بدا الصلاح في شجرة جاز بيع سائر أنواعها في البستان دون الأنواع الأخرى، فإذا بدا الصلاح في شجر العنب جاز بيعه كله، وإذا بدا الصلاح في التين جاز بيعه كذلك، وإذا بدا في النخل السكري أو النخلة الشقراء جاز بيعه، لكن لو بدأ في السكري لم يجز بيع غيره مما لم يبد صلاحه، وهذا قول عند الشافعية، وأظهر الروايتين عن أحمد (١).
لأن اعتبار بدو الصلاح في جميع الأشجار يشق، ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي في النوع الواحد، وهذا فيه ما فيه، فوجب أن يتبع ما لم يبد
стр. 2513
صلاحه من نوعه ما بدا صلاحه، وقياسًا أيضًا على الشجرة الواحدة كما تقدم، ولأنه عرف بواسطة أهل الخبرة من الفلاحين أن الصلاح في النوع الواحد يتقارب زمنه عادة، ما لم تقع ظروف طارئة من عطش، أو شدة حر ونحو ذلك.
والقول الثاني: أنه لا بد أن يبدو الصلاح في كل شجرة من شجر الثمرة المبيعة، وهذا قول في مذهب الحنابلة، لدخول ما لم يبد صلاحه تحت عموم النهي (١).
والقول الثالث: إذا بدا الصلاح في الشجرة جاز بيع سائر أنواعها من الجنس الواحد، فإذا بدا الصلاح في السكري -مثلًا- جاز بيع جميع النخيل في البستان مهما تعددت أنواعه، وهذا هو المشهور في مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة، ومذهب المالكية؛ لأن أنواع الجنس الواحد يتلاحق طيبها عادة، والله تعالى أعلم.
стр. 2514
الأمر بوضع الجوائح
٨٥٣/ ٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخيكَ ثَمَرًا فأصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأَخُذَ مِنْهُ شَيئًا، بِمَ تَأَخُذُ مَال أَخِيكَ بِغَيرِ حَقٍّ؟ "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "وضع الجوائج" (١٥٥٤)(١٤) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ … وذكر الحديث.
والرواية المذكورة عند مسلم (١٥٥٤)(١٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر ﵁، به.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (جائحة) هي اسم فاعل من جاح الشيء: استأصله، قال أبو عبيد: (الجائحة: المصيبة تحُلُّ بالرجل في ماله، فتجتاحه كله) (١). وعند الفقهاء: كل آفة لا صنع للآدمي فيها، فيدخل في ذلك المطر الشديد، والحر والبرد، والريح، والجراد، والغبار المفسد، ونحو ذلك من الآفات السماوية، ولا خلاف عند القائلين بوضع الجوائح في اعتبار الآفات السماوية جوائح.
стр. 2515
أما ما كان بفعل الآدمي فيطالب به الجاني، إلا أن العلماء اختلفوا في اعتبار الجيش الذي ينهب الثمار جائحة أم لا؟ والراجح اعتبار ذلك جائحة، وهو قول أكثر المالكية وأحد الوجهين عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١)؛ لأن الجيوش هم خلق الله يسلطهم على من يشاء، كالجراد وسائر الآفات، ولأن العبرة بإمكان الضمان وعدمه، والجيوش في العادة يستحيل تضمينها.
وأما السرقة فلا تعتبر جائحة على الراجح من قولي أهل العلم (٢).
قوله: (بم تأخذ مال أخيك) هذا استفهام إنكاري، لقوله: "فلا يحل لك" وذلك لأنه إذا تلفت الثمرة لا يبقى للمشتري شيء في مقابل ما دفعه، وحذفت ألف (ما) الاستفهامية لدخول حرف الجر عليها، كقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، وعلة الحذف كثرة الاستعمال، وما كثر استعماله التُمِسَ تخفيفه.
قوله: (أمر بوضع الجوائح) مادة (وضع) تدل على الخفض للشيء وحَطِّه، والمراد هنا حَطُّ البائع بعض الثمن عن المشتري إذا تلف بعض الثمرة بما لا يستطاع دفعه، أو حطه كله إذا تلفت كلها به.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على وضع الجائحة، بمعنى: أن الثمار المبيعة إذا تلفت بجائحة، كمطر أو بَرْد أو بَرَدٍ، فهي من مال البائع، لا من مال المشتري، وهذا قول المالكية والحنابلة، وهو قول الشافعي في القديم، وجماعة من السلف (٣)، ووجه الاستدلال بحديث الباب من ثلاثة أوجه:
١ - أن النبي ﷺ نفى حِلَّ أَخْذِ شيءٍ من مشتري الثمرة إذا أصابتها جائحة.
٢ - أن النبي ﷺ أكد حرمة أخذ مال المشتري بصيغة الاستفهام الإنكاري، ووصفه بأنه غير حق.
стр. 2516
٣ - أنه أمر أمرًا صريحًا بوضع الجوائح، والأمر يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على صرفه عن الوجوب، ولم يوجد شيء من ذلك.
ولا فرق عند القائلين بوضع الجوائح بين قليل الجائحة وكثيرها؛ لأن الأحاديث في وضع الجائحة عامة، فلا يجوز تقييدها بمجرد الرأي، إلا ما جرت العادة بتلف مثله، كالشيء اليسير الذي لا ينضبط كشجرة أو شجرتين -مثلًا- لأن مثل هذا لا يسمى جائحة لا لغة ولا شرعًا، أما ما ينضبط كالثلث أو الربع -مثلًا- فيوضع؛ لأنه يصدق عليه أنه جائحة في اصطلاح الفقهاء، وإن أشكل في هذا شيء يرجع إلى العرف.
لكن لو تأخر المشتري في جذاذ النخل -مثلًا- عن وقته المعتاد فأصابته جائحة بمطر -مثلًا- فهو من ضمانه، لا من ضمان البائع؛ لتفريطه بترك نقل الثمرة في وقت نقلها مع قدرته، وهذا قول القاضي (١).
والقول الثاني: أنه لا توضع الجوائح، فالثمار المبيعة إذا تلفت تكون من ضمان المشتري، لا من ضمان البائع، لكن يستحب للبائع أن يضع عن المشتري، وهذا قول الحنفية، والشافعي في الجديد، وابن حزم، وبعض السلف (٢)، واستدلوا بحديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهِيَ، فقيل له: وما تزهي؟ قال: "حتى تحمرّ"، فقال: "أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " وتقدم.
ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها لحفظ مال المسلم من التلف، ولو كان الأمر بوضع الجوائح للوجوب لما كان لهذا النهي معنى، فدل ذلك على عدم وجوب وضع الجوائح.
كما استدلوا بحديث أبي سعيد ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دَينه، فأفلس، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 2517
"تصدقوا عليه … " الحديث (١)، وسيأتي -إن شاء الله- في باب "الحجر".
ووجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أخرج الرجل من جميع ماله لأجل غرمائه، ولم يسقط عنه شيئًا لأجل الجائحة، فدل على عدم وجوب وضع الجوائح.
وأجابوا عن حديث الباب، وهو حديث جابر ﵁، بعدة أجوبة، ومنها: أن الأمر فيه محمول على الندب، بدليل حديث أنس ﵁ كما تقدم، ومنها: أنه محمول على ما لم يقبض، أو لم يبدُ صلاحه، وغير ذلك من الأجوبة، وكلها غير ناهضة لا تناسب ظاهر الحديث (٢).
وعلى هذا فالراجح هو القول الأول، لقوة دليله وصراحته في هذه المسألة.
أما حديث أنس ﵁، فليس فيه دليل على عدم وضع الجوائح، وإنما هو دليل على النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، ووضع الجوائح إنما هو بعد بدو الصلاح لا قبله، والنبي ﷺ قال: "إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة .. "، والبيع المطلق لا ينصرف إلا إلى البيع الصحيح، لا البيع المنهي عنه.
وأما حديث أبي سعيد ﵁ فهو حديث مجمل إذ ليس فيه أن الرجل أصيب بجائحة، وليس فيه أنه طلب وضع الجائحة، ولا أن النبي ﷺ منع وضع الجائحة، فالحديث يطرقه احتمالات عديدة، فلعل هذا الرجل أصيب في هذه الثمار بانحطاط سعرها، أو لعلها جائحة خاصة كسرقة، وعلى أي حال فالاستدلال بهذا الحديث من باب رد المحكم والأخذ بالمتشابه، والله تعالى أعلم (٣).
стр. 2518
حكم ثمر النخل إذا بيع بعد التأبير
٨٥٤/ ٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَها، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "من باع نخلًا قد أُبِّرَتْ" (٢٢٠٤)، ومسلم (١٥٤٣)(٨٠) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من ابتاع نخلًا) أي: اشترى، والمراد: أصل النخل.
قوله: (بعد أن تؤبَّر) بضم التاء، وفتح الواو المهموزة، وتشديد الباء، مضارع أبَّر النخلة تأبيرًا، وأبَرَ النخل يأبُره -بالضم والكسر- أبْرًا وإبارًا وإبارة: إذا أصلحه، والتأبير: التلقيح، وذلك بأن يشق طلع النخلة ليوضع فيها شيء من طلع الفحل، وهو ذكر النخل.
قوله: (إلا أن يشترط المبتاع) المبتاع هو المشتري، بقرينة ذكر البائع؛ أي: إلا أن يشترط المشتري أن الثمرة له، ويوافق البائع على ذلك، ومفعول يشترط محذوف للتعميم؛ أي: إلا أن يشترط الثمرة أو بعضها.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من باع نخلًا قد أُبِّر فإن ثمرته تكون لبائعه، ولا تدخل في البيع، ومفهومه أن الثمرة التي لم تؤبر تدخل في
стр. 2519
البيع وتكون للمشتري، وهذا من باب التخصيص بالصفة، وهذا قول الجمهور، ومنهم: الليث بن سعد، ومالك، والشافعي، وأحمد (١).
والقول الثاني: أن الثمرة تكون للبائع مطلقًا قبل التأبير وبعده، وهذا مذهب الحنفية (٢)، وليس لهم دليل إلا العمل بمنطوق الحديث، وإلغاء مفهوم الصفة على قاعدتهم.
والراجح هو القول الأول؛ لقوة دليله وصراحته في الدلالة على المراد، فإن الحديث برواياته قيد ملكية البائع للثمرة بالتأبير، مما يدل على أن ما لم يؤبر يخالفه في الحكم، وإلا لما كان للصفة المنصوص عليها فائدة.
والتأبير الذي جاء في السنة هو تأبير النخل، وأما غيره فهو مقيس عليه.
* الوجه الرابع: اختلف القائلون بحديث الباب في الصفة المعتد بها في التأبير، فمنهم من قال: إن الصفة المعتد بها هي فعل التأبير لا مجرد التشقق، وهذا قول عند المالكية، ورواية عن أحمد، نصرها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، مستدلين بقوله: (قد أبرت) والتأبير: هو التلقيح، ولا يكون إلا بفعل آدمي.
ومنهم من قال: إن الصفة المعتد بها هي تشقق الطلع ووقت الإبار وإن لم يلقح، وهذا قول عند المالكية، وقول الشافعي، والمشهور عند الحنابلة (٤)، وحجتهم: أن العبرة بظهور الثمرة، فلا فرق بين أن تظهر بعلاج أو بغير علاج، وهي تتشقق وتكسب اللقاح بالرياح اللواقح.
والراجح هو الأول، وهو أنه لا بد من التلقيح، لأمرين:
١ - أن هذا وصف نص عليه الحديث، فهو معتبر، ولا يجوز إلغاؤه.
٢ - أن التأبير فيه كلفة ومشقة إن قام به الفلاح بنفسه، وفيه نفقة إن
стр. 2520
استأجر من يؤبر؛ لأن التأبير يحتاج إلى صعود النخلة، ويحتاج إلى إزالة الأشواك ليتمكن من تأبيرها، وهذا ليس بالأمر السهل، مما يؤدي إلى تعلق نفس البائع بهذه الثمرة.
* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن المشتري إذا اشترط الثمرة مع الأصل أن له ذلك، لقوله: "إلا أن يشترط المبتاع"، ولأن هذا استثناء تَبِعَ الأصل، سواء كانت الثمرة مؤبرة أم لا، كما أن البائع له أن يشترط الثمرة ولو قبل التأبير؛ لأن هذا استثناء لبعض ما وقع عليه العقد، وهو شيء معلوم فصحَّ، كما لو استثنى نخلة بعينها من المزرعة المبيعة، وهذا وإن كان فيه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، لكنه رخص فيه؛ لأنه تابع للأصل وليس مستقلًا، والقاعدة: "يصح تبعًا ما لا يصح استقلالًا".
* الوجه السادس: الراجح من قولي أهل العلم أن الثمرة إذا كانت للبائع بتأبيرها أو بكونه قد اشترطها على المشتري أن له إبقاءها على رؤوس الشجر إلى وقت الجذاذ، وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن المرجع في النقل والتفريغ للمبيع إلى العرف والعادة، وقد جرت العادة أن تفريغ ما في النخل هو وقت الجذاذ؛ لأنه هو وقت الانتفاع بها، ويكون للبائع حق الاستطراق في الأرض المبيعة ما دامت ثمرته فيها (١)، ويستثنى من الإبقاء إلى الجذاذ ما جرت العادة بأخذه بسرًا أو ما بُسره خير من رطبه مثل البرحي، فإن كان كذلك فإنه يجدُّهُ حين استحكام حلاوة بسره، قاله الزركشي وغيره (٢).
وأما قول من قال: يجب على البائع قطعها في الحال، كما هو مذهب الحنفية فهو ضعيف؛ لأن إجبار البائع على قطعها ينافي المعنى الذي من أجله جعل النبي ﷺ الثمرة المؤبرة للبائع، وهو استفادته منها، فيكون حظه التعب والخسارة إذا أمر بقطعها (٣).
стр. 2521
* الوجه السابع: اختلف العلماء فيما إذا أبر بعض النخل وبعضه لم يؤبر فلمن تكون الثمرة، على قولين:
الأول: أن ما أُبر للبائع، وما لم يؤبر للمشتري، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، واستدلوا بهذا الحديث، فإن منطوقه أن ما أبر للبائع، ومفهومه أن ما لم يؤبر للمشتري، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
القول الثاني: أن الكل للبائع، وهذا قول الشافعي دفعًا للضرر؛ لأنه إذا لم يجعل الكل للبائع أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان، وقياسًا على ثمرة النخلة الواحدة، فإنه لا خلاف أن تأبير بعض النخلة يجعل جميعها للبائع (١). والله تعالى أعلم.
стр. 2522
أبواب السَّلَم والقرض والرهن
السَّلَم: بفتح السين واللام، هو السَّلَف وزنًا ومعنى، وهو في اللغة: الدفع والإعطاء والتسليم، فالسلم والسلف بمعنى واحد، إلا أن السلف أعم من السلم؛ لأن السلف قد يستعمل في القرض، فكلُّ سلمٍ سَلَفٌ، وليس كلُّ سلفٍ سلمًا.
والسلم شرعًا: عقد على موصوف في الذمة؛ أي: إنه عقد على شيء يمكن ضبطه بالوصف، وهو متعلق بالذمة لا بعين معينة. فقولنا: (على موصوف) يخرج العقد على معين، مثل: بعتك هذه السيارة. وقولنا: (في الذمة) يخرج الموصوف المعين، مثل: بعتك سيارتي التي صفتها كذا.
مثال السلم: كأن يقول زيد لعمرو: أسلفتك ألف ريال بمائة كيلو تمر سكري صفته كذا بعد أربعة أشهر -مثلًا-.
والقرض لغة: مصدر قَرَضَ الشيء يَقْرِضُهُ: إذا قطعه.
وشرعًا: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به ويرد بدله.
والرهن: مصدر رهن يرهن رهنًا، ومعناه في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن؛ أي: راكد، ويطلق على الحبس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨].
وشرعًا: توثقة دَين أو عين مضمونة بعين أو دين أو منفعة.
فمثال دين بعين: كأن يقترض منه ألف ريال ويعطيه ساعة رهنًا.
ومثال دين بدين: كأن يقترض منه ألف ريال ويرهنه ألف ريال في ذمة زيد.
ومثال توثقة دين بمنفعة: كأن يقترض منه ألف ريال ويرهنه منفعة بيت أو سيارة.
стр. 2523
ومثال توثقة عين بعين: كأن يستعير منه كتابًا ويعطيه ساعته رهنًا.
ومثال توثقة عين بدين: أن يقول لصاحب الكتاب: خذ ألف ريال لي عند زيد رهنًا.
فالرهن وثيقة يأخذها من له دين على إنسان يستوفي منها إذا تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، ويقال له: المرهون.
стр. 2524
مشروعية السلم وبيان شروطه
٨٥٥/ ١ - عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السّنَةَ وَالسَّنَتَينِ، فَقَال: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وللبخاري: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيء".
٨٥٦/ ٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵄، قَالا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّام، فَنُسْلِفُهُمْ في الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ -وَفي رِوَايَةٍ: وَالزَّيتِ- إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو عبد الرحمن بن أبزى -بفتح الهمزة وسكون الزاي- الخزاعي ﵁، مولى نافع بن الحارث، وأحد صغار الصحابة، قال البخاري وجماعة: (له صحبة)، وقال الذهبي: (له صحبة، ورواية، وفقه، وعلم)، وقال أبو حاتم: (أدرك النبي ﷺ وصلى خلفه). وكان نافع قد استنابه حين لقي عمر ﵁ بعسفان، وكان عمر يستعمل نافع بن الحارث على مكة، فقال له: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ
стр. 2525
لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع آخرين" (١).
سكن الكوفة، وذكر ابن الأثير أن عليًّا ﵁ استعمله على خراسان. روى عن النبي ﷺ وعن أبيه، وعن أبي بكر وعمر ﵄ وغيرهم، وروى عنه ابناه: عبد الله وسعيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي وغيرهم، وأما أبوه أبزى ﵁ فإن له صحبة على القول الراجح (٢).
وأما عبد الله بن أبي أوفى ﵁ فقد سبقت ترجمته في أول "صفة الصلاة".
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
حديث ابن عباس ﵄ أخرجه البخاري في مواضع من كتاب "السلم"، ومنها: باب "السلم في كيل معلوم" (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤) من طريق عبد الله بن كثير، عن ابن المنهال، عن ابن عباس ﵄.
وهذا لفظ مسلم، وللبخاري من الطريق المذكور: "من أسلف في شيء" ولعل الحافظ ذكرها لأنها أعم مما قبلها، وهي قوله: "في تمر".
وأما حديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب "السلم"، باب "السلم إلى أجل معلوم" (٢٢٥٤، ٢٢٥٥) من طريق سفيان، عن سليمان الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد، قال: أرسلني أبو بردة وعبد الرحمن بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا: … وذكر الحديث، وفيه: والشعير والزيت ..
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (قدم النبي ﷺ المدينة) أي: قدمها مهاجرًا، والمدينة عَلَم بالغلبة على المدينة النبوية.