* الوجه السابع: اختلف العلماء فيما إذا أبر بعض النخل وبعضه لم يؤبر فلمن تكون الثمرة، على قولين:
الأول: أن ما أُبر للبائع، وما لم يؤبر للمشتري، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، واستدلوا بهذا الحديث، فإن منطوقه أن ما أبر للبائع، ومفهومه أن ما لم يؤبر للمشتري، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
القول الثاني: أن الكل للبائع، وهذا قول الشافعي دفعًا للضرر؛ لأنه إذا لم يجعل الكل للبائع أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان، وقياسًا على ثمرة النخلة الواحدة، فإنه لا خلاف أن تأبير بعض النخلة يجعل جميعها للبائع (١). والله تعالى أعلم.
стр. 2522
أبواب السَّلَم والقرض والرهن
السَّلَم: بفتح السين واللام، هو السَّلَف وزنًا ومعنى، وهو في اللغة: الدفع والإعطاء والتسليم، فالسلم والسلف بمعنى واحد، إلا أن السلف أعم من السلم؛ لأن السلف قد يستعمل في القرض، فكلُّ سلمٍ سَلَفٌ، وليس كلُّ سلفٍ سلمًا.
والسلم شرعًا: عقد على موصوف في الذمة؛ أي: إنه عقد على شيء يمكن ضبطه بالوصف، وهو متعلق بالذمة لا بعين معينة. فقولنا: (على موصوف) يخرج العقد على معين، مثل: بعتك هذه السيارة. وقولنا: (في الذمة) يخرج الموصوف المعين، مثل: بعتك سيارتي التي صفتها كذا.
مثال السلم: كأن يقول زيد لعمرو: أسلفتك ألف ريال بمائة كيلو تمر سكري صفته كذا بعد أربعة أشهر -مثلًا-.
والقرض لغة: مصدر قَرَضَ الشيء يَقْرِضُهُ: إذا قطعه.
وشرعًا: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به ويرد بدله.
والرهن: مصدر رهن يرهن رهنًا، ومعناه في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن؛ أي: راكد، ويطلق على الحبس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨].
وشرعًا: توثقة دَين أو عين مضمونة بعين أو دين أو منفعة.
فمثال دين بعين: كأن يقترض منه ألف ريال ويعطيه ساعة رهنًا.
ومثال دين بدين: كأن يقترض منه ألف ريال ويرهنه ألف ريال في ذمة زيد.
ومثال توثقة دين بمنفعة: كأن يقترض منه ألف ريال ويرهنه منفعة بيت أو سيارة.
стр. 2523
ومثال توثقة عين بعين: كأن يستعير منه كتابًا ويعطيه ساعته رهنًا.
ومثال توثقة عين بدين: أن يقول لصاحب الكتاب: خذ ألف ريال لي عند زيد رهنًا.
فالرهن وثيقة يأخذها من له دين على إنسان يستوفي منها إذا تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، ويقال له: المرهون.
стр. 2524
مشروعية السلم وبيان شروطه
٨٥٥/ ١ - عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السّنَةَ وَالسَّنَتَينِ، فَقَال: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وللبخاري: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيء".
٨٥٦/ ٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵄، قَالا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّام، فَنُسْلِفُهُمْ في الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ -وَفي رِوَايَةٍ: وَالزَّيتِ- إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو عبد الرحمن بن أبزى -بفتح الهمزة وسكون الزاي- الخزاعي ﵁، مولى نافع بن الحارث، وأحد صغار الصحابة، قال البخاري وجماعة: (له صحبة)، وقال الذهبي: (له صحبة، ورواية، وفقه، وعلم)، وقال أبو حاتم: (أدرك النبي ﷺ وصلى خلفه). وكان نافع قد استنابه حين لقي عمر ﵁ بعسفان، وكان عمر يستعمل نافع بن الحارث على مكة، فقال له: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ
стр. 2525
لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع آخرين" (١).
سكن الكوفة، وذكر ابن الأثير أن عليًّا ﵁ استعمله على خراسان. روى عن النبي ﷺ وعن أبيه، وعن أبي بكر وعمر ﵄ وغيرهم، وروى عنه ابناه: عبد الله وسعيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي وغيرهم، وأما أبوه أبزى ﵁ فإن له صحبة على القول الراجح (٢).
وأما عبد الله بن أبي أوفى ﵁ فقد سبقت ترجمته في أول "صفة الصلاة".
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
حديث ابن عباس ﵄ أخرجه البخاري في مواضع من كتاب "السلم"، ومنها: باب "السلم في كيل معلوم" (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤) من طريق عبد الله بن كثير، عن ابن المنهال، عن ابن عباس ﵄.
وهذا لفظ مسلم، وللبخاري من الطريق المذكور: "من أسلف في شيء" ولعل الحافظ ذكرها لأنها أعم مما قبلها، وهي قوله: "في تمر".
وأما حديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب "السلم"، باب "السلم إلى أجل معلوم" (٢٢٥٤، ٢٢٥٥) من طريق سفيان، عن سليمان الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد، قال: أرسلني أبو بردة وعبد الرحمن بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا: … وذكر الحديث، وفيه: والشعير والزيت ..
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (قدم النبي ﷺ المدينة) أي: قدمها مهاجرًا، والمدينة عَلَم بالغلبة على المدينة النبوية.
стр. 2526
قوله: (وهم يسلفون) جملة حالية لبيان أن السلف كان موجودًا في المدينة قديمًا.
قوله: (السنة والسنتين) منصوبان على نزع الخافض؛ أي: إلى السنة والسنتين، وليس نصبهما على الظرفية؛ لأن الظرف يتضمن معنى (في)، ولفظ (السنة) -هنا- لم يتضمن معنى (في).
قوله: (من أسلف في تمر) روي بالمثناة (تمر)، قال النووي: هكذا هو في أكثر الأصول، وروي بالمثلثة (ثمر) وهي أعم من الأولى، وقد ورد في حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري ومسلم بلفظ: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار … " (١).
قوله: (في كيل معلوم) أي: إذا كان مما يكال كالقمح وسائر الحبوب وغيرها.
قوله: (ووزن معلوم) الواو بمعنى (أو) والمراد اعتبار الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، كالسمن، والقطن، أو التمر، كما قال الأثرم: (الناس ها هنا لا يعرفون الكيل في التمر) (٢).
قوله: (في شيء) هذه الرواية أعم مما قبلها؛ لأن الشيء يشمل الثمار وغيرها من كل شيء يمكن ضبط صفاته، فيدخل في ذلك ما تقدم من المكيل والموزون، وكذا الصناعات الحديثة التي يمكن ضبطها كالأواني المنزلية والأدوات المدرسية والملابس والفرش وغير ذلك مما يضبط ولا يختلف بواسطة المصانع.
قوله: (المغانم) جمع مغنم، وهي الأموال التي يأخذها المسلمون من الكفار قهرًا.
قوله: (أنباط) هم قوم من العرب دخلوا في العجم فاستعجموا فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، سموا بذلك لكثرة معرفتهم بإنباط الماء؛ أي: استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة.
стр. 2527
قوله: (وفي رواية: والزيت) أي: في رواية عند البخاري من طريق جرير، عن سليمان الشيباني أنه قال: "في الحنطة والشعير والزبيب" (١). وكان الأولى أن يقول الحافظ في السياق: ( … والزيت، وفي رواية: والزبيب)؛ لأن رواية الزيت هي الأصل، كما تقدم سياق إسنادها.
قوله: (قيل: أكان لهم زرع) لفظ البخاري: (قال: قلت: أكان لهم زرع) والقائل هو محمد بن أبي مجالد راوي الحديث عن عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز السلم؛ لأن النبي ﷺ أقر أهل المدينة على هذه المعاملة، ولأنه نوع من البيوع؛ لأنه بيع إلى أجل، فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقد دل القرآن على جواز السلم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ووجه الدلالة من الآية: أن الآية أباحت الدين، والسلم نوع منه. قال ابن عباس ﵄: (أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمَّى قد أحله الله في كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية) (٢).
وقد أجمعت الأمة على جوازه، وهو على وفق القياس؛ لأن فيه مصلحة للبائع والمشتري، أما المشتري فلأنه ينتفع بشراء السلعة بأقل من ثمنها الحاضر؛ لأن المؤجل أرخص من الحال، وأما البائع فلأنه ينتفع بتعجيل الثمن، وليس فيه غرر، وليس هو من باب بيع ما ليس عندك المنهي عنه؛ لأن السلم لم يقع العقد فيه على شيء معين حتى نقول: إنه معدوم، وإنما وقع على شيء موصوف في الذمة لا بد من تسليمه إذا حلَّ الأجل، فالسلم متعلق بالذمم لا بالأعيان، كدار أو شجرة ونحوهما؛ لأن ذلك ربما يتلف قبل أوان
стр. 2528
التسليم، ولأنه يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السلم فيه، بل يأخذ العين بدل دراهمه وينتهي الأمر.
ومما يدل على أن السلم متعلق بالذمة لا بالأعيان قوله: "قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك"، فهذا يدل على أن السلم ليس متعلقًا بعين معينة، ولهذا لم يكونوا يسألونهم: هل لهم زرع أو لا؟.
ثم إن الحاجة داعية إلى السلم؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات والصناعات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فيجوز لهم السلم ليرتفقوا، ويرتفق دافع مال السلم بالاسترخاص (١).
° الوجه الخامس: عناية الإسلام بمصالح العباد وما يتعلق ببيعهم وشرائهم، حيث أقرهم على السلم، ثم بيّن لهم أحكامًا تبعدهم عن الغرر والمنازعات.
° الوجه السادس: يشترط في السلم ما يشترط في البيع؛ لأنه أحد أنواعه ويزيد السلم شروطًا قُصِدَ بها ضبطه وإبعاده عن الخصام والنزاع بسبب كونه مؤجلًا، وهذه الشروط دل عليها هذا الحديث، وهي ثلاثة:
الأول: إمكان ضبط صفات المسلم فيه -وهو الشيء المبيع- والمراد الصفات التي لها أثر في اختلاف الثمن، لترتفع الجهالة، وتُسدُّ الأبواب التي تفضي إلى المنازعات عند التسليم، وهذا يكون فيما يمكن ضبط صفاته، ومنه المكيل والموزون، كمائة صاع من البر أو التمر أو الشعير ونحوها من المكيلات، أو مائة كيلو من السمك أو اللحم أو القطن ونحوها من الموزونات.
وخص النبي ﷺ الكيل والوزن بالذكر لغلبتهما، وللتنبيه على غيرهما، والمقصود أن كل شيء يمكن ضبط صفاته يجوز السلم فيه، وكل شيء لا يمكن ضبط صفاته لا يجوز السلم فيه، وهو ما يختلف في الصغر والكبر
стр. 2529
كالبقول والجلود ونحوها إلا إن أمكن ضبطها بالوزن أو بالوصف. ولو أسلم في المكيل وزنًا كَبُرٍّ وتمر صح على الراجح؛ لأن الغرض معرفة قدره فبأي شيء قدَّره جاز، وعمل الناس من أزمنة بعيدة إلى يومنا هذا على بيع التمر وزنًا، ويلحق بالموزون والمكيل: المعدود، كالفواكه والبقول والأسطال والأباريق ونحو ذلك مما يمكن ضبطه بالصفات، والمذروع كالثياب والخيوط والحبال ونحوها، بجامع ارتفاع الجهالة بمعرفة المقدار، خلافًا لابن حزم حيث خص السلم بالمكيل والموزون فقط اقتصارًا على النص (١).
الشرط الثاني: أن يكون مؤجلًا، ولا بد في الأجل أن يكون معلومًا، وهذا يدل عليه ظاهر الحديث؛ لأن عدم تحديد الأجل يفضي إلى الخصومة والنزاع والغرر؛ لأن صاحب الحق لا يدري متى يحصل له حقه، والمدين لا يدري متى يطالب؟.
ويتم العلم بالأجل بتقدير مدته بالأهلّة، مثل: أول شهر ربيع الأول، أو منتصف رجب، أو بعد سنة، أو بعد ستة أشهر، أو نحو ذلك. ولا خلاف بين العلماء أن السلم المؤجل لا بد فيه من ذكر أجل معلوم، إلا أن المالكية قالوا: إن الأيام المعلومة عند الناس كالمنصوصة، فيجوز التأجيل إلى وقت حصاد الزرع أو جذاذ النخل ونحو ذلك، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها صاحب الفائق، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
فإن كان السلم حالًّا، أوكان الأجل مجهولًا لم يصح، وهذا مذهب ابن عباس -كما تقدم- وأبي سعيد الخدري ﵄ والأسود بن يزيد النخعي، والحسن البصري، ذكر ذلك البخاري في "صحيحه" (٣)، ونسب الشوكاني القول باشتراط الأجل إلى الجمهور (٤).
وقالت الشافعية: يجوز حالًّا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا مع الغرر فجوازه حالًّا أولى، فهم أجازوه بقياس الأَوْلَى.
стр. 2530
قالوا: وليس ذكر الأجل في الحديث لأجل اشتراطه، وإنما معناه: أنه إن كان السلم مؤجلًا فليكن الأجل معلومًا.
ورجح الشوكاني قول الشافعية لعدم ورود دليل يدل على اشتراطه، ولا يلزم التعبد بحكم شرعي إلا بدليل، والحديث ليس نصًّا في اشتراط الأجل، وإنما هو نص في اشتراط الأجل المعلوم، وبينهما فرق؛ لأنه على الثاني إن كان مؤجلًا فلا بد أن يكون الأجل معلومًا.
ومما يرجح قول الجمهور أن السلم شرع لأجل الإرفاق، وهو لا يظهر في السلم الحالِّ، وإنما في السلم المؤجل.
الشرط الثالث: تسليم رأس المال في مجلس العقد، فلو تفرقا قبله بطل العقد، وهذا مأخوذ من قوله: "فليسلف" والسلف في اللغة: هو الإعطاء، فيكون معنى "فليسلف": فليعط؛ لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه، وإلا يكون غير مسلي شيئًا. فالسلف: هو البيع الذي عُجِّلَ ثمنه وأُجِّلَ مثمنه، فاستنبطوا اشتراط قبض الثمن في المجلس من هذا الحديث، ولئلا يصير من باب بيع الدين بالدين، المنهي عنه، ولأنه إذا لم يقبض رأس المال في المجلس صار العقد عديم الفائدة للطرفين، لبقاء ذمة كل واحد من العاقدين مشغولة بغير فائدة (١). وهذا الشرط مجمع عليه، إلا أن الإمام مالكًا يجيز التأجيل اليسير كيومين أو ثلاثة، وقد اختار ابن عبد البر المالكي مذهب الجمهور، فقال: (والذي به أقول: أنه لا يجوز فيه إلا تعجيل النقد، وإلا دخله الكالئ بالكالئ؛ أي: الدين بالدين) (٢).
° الوجه السابع: الحديث دليل على أنه لا يشترط كون المسلم فيه موجودًا حال العقد؛ لأنه ليس وقت وجوب التسليم، فيجوز أن يسلم في الرطب وقت الشتاء -مثلًا- مع أن الشتاء ليس فيه رطب.
ووجه الدلالة من الحديث: أنه ﷺ لم يذكر الوجود، ولو كان شرطًا
стр. 2531
لذكره ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة (١).
وأما ما كان منقطعًا عند حلول الأجل فإنه لا يجوز باتفاق، كما لو أسلمه في رطب يسلمه له في شهر شوال -مثلًا- وهو يأتي في وسط الشتاء؛ لأن الرطب لا يوجد في ذلك الشهر، إلا ما كان محفوظًا في البرادات.
° الوجه الثامن: الحديث الثاني دليل على أنه لا يشترط أن يكون البائع في السلم له زرع وحرث، بل يجوز السلم مع الفلاح ومع غير الفلاح في كل شيء يمكن ضبطه؛ لأن المسلم إليه يمكن أن يشتري المسلم فيه من السوق ويوفي الدين الذي عليه، وهذا يدل عليه قوله: "قلت: كان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك"، وقد بوّب البخاري عليه فقال: "باب السلم إلى من ليس عنده أصل" والمراد به: أصل الشيء المسلم فيه، فالزرع أصل للحب، والشجر أصل للثمر، وهكذا. والله تعالى أعلم.
стр. 2532
جزاء من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها
٨٥٧/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَال النَّاسِ يُريدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلافَهَا، أَتْلَفَهُ الله". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الاستقراض"، باب "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها" (٢٣٨٧) من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن يزيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من أخذ أموال الناس) هذا عام في أخذ الأموال عن طريق القرض، أو البيع إلى أجل، أو الشركة، أو العارية، أو أي معاملة من وجوه المعاملات الأخرى.
قوله: (يريد أداءها) أي: عند أخذه لها كانت نيته الوفاء والأداء مما يرزقه الله تعالى.
قوله: (أدى الله عنه) تأدية الله عنه يشمل تيسيره تعالى لقضائها في الدنيا بأن يعينه الله ويوسع رزقه، ويسوق له من المال ما يقضي به دَينه لحسن نيته، ويشمل أداءها عنه في الآخرة بإرضائه غريمه بما شاء الله، فإن فاته الأول في دار الدنيا لم يفته الثاني -إن شاء الله- في الدار الآخرة لحسن نيته.
стр. 2533
قوله: (يريد إتلافها) أي: إنه عند أخذه لها لم تكن نيته الوفاء، بل يريد إتلاف ما أخذ على صاحبه، وهو يشمل ما إذا إدَّان وليس عنده نية الوفاء، أو أخذها بلا حاجة إليها وإنما يريد إتلافها على صاحبها.
قوله: (أتلفه الله) الضمير يعود على (من) في قوله: "ومن أخذها يريد اتلافها" وعبر بـ (أتلفه)؛ لأن إتلاف المال كإتلاف النفس.
وظاهر الحديث أن الإتلاف يقع له في الدنيا بإتلاف الشخص نفسه وإهلاكه، ويدخل فيه إتلاف ماله وجاهه وطيب عيشه وتضييق أموره وتعسير مطالبه، ولا مانع من تفسير الحديث بالمعنيين، والله أعلم.
° الوجه الثالث: في الحديث ترغيب في حسن النية عند الاستدانة من الناس، والترهيب من ضد ذلك، وأن من أخذ مال غيره بنية طيبة أوفى الله عنه وأعانه، ومن أخذها بنية فاسدة وخيانة أتلفه الله، قال العلماء: (وهذا وعيد شديد، يشمل من أخذ دينًا وتصدق به، وهو لا يجد وفاء؛ لأن الصدقة تطوع، ووفاء الدين واجب) (١).
° الوجه الرابع: في الحديث بشارة عظيمة من يستدين ونيته الوفاء، وقد روى النسائي بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ميمونة زوج النبي ﷺ استدانت فقيل لها: يا أم المؤمنين، تستدينين وليس عندك وفاء؟ قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ دينًا وهو يريد أن يؤدي أعانه الله " (٢).
° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه ﷺ جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه إتلاف الله له.
стр. 2534
° الوجه السادس: لا معارضة بين هذا الحديث وحديث: "نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه" (١)، وحديث: "ما فعل الديناران؟ "، قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: "الآن بردت جلدته" (٢)، فإن هذا مقيد بمن له مال يُقضى منه دينه، وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء فإن حديث الباب يدل على أن الله يؤدي عنه، والله تعالى أعلم (٣).
стр. 2535
حكم شراء السلعة بثمنٍ مؤجل
٨٥٨/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيهِ فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَينِ بنَسيئَة إلَى مَيسَرَة، فَأَرْسَلَ إِلَيهِ، فَامْتَنَعَ. أَخْرَجَهُ الحاكمُ، وَالْبَيهَقِيُّ، ورجَالُهُ ثِقِاتٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الترمذي في أبواب "البيوع"، باب "ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل" (١٢١٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٤)، وأحمد (٤٢/ ٧٠)، والحاكم (٢/ ٢٣، ٢٤)، والبيهقي (٦/ ٢٥) كلهم من طريق يزيد بن زريع، عن عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن عائشة ﵂ قالت: كان على رسول الله ﷺ ثوبان قِطْريان غليظان، فكان إذا قعد فَعَرِقَ ثَقُلا عليه، فقدمَ بزٌّ من الشام لفلان اليهودي، فقلت: لو بعثت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة، فأرسل إليه، فقال: قد علمتُ ما يريد، إنما يريد أن يذهب بمالي أو بدراهمي، فقال رسول الله ﷺ : "كذب، قد علم أني من أتقاهم لله، وآداهم للأمانة".
وأخرجه أحمد (٤٢/ ٧٠) من طريق شعبة، عن عمارة، به.
وقال الترمذي: (حديث حسن غريب صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه).
والحافظ قد عزى الحديث في "التلخيص" (١) إلى الترمذي والنسائي، فلا أدري لما اقتصر -هنا- على الحاكم والبيهقي؟!.
стр. 2536
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قِطْريان) مثنى قطري بكسر القاف: ضرب من البرود فيه حمرة، وله أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حلل جياد تحمل من قرية في أعراض البحرين يقال لها: قَطَر، فكسروا القاف للنسبة وخففوا.
قوله: (فقدم بزٌّ) بفتح الباء والزاي المشددة نوع من الثياب الغليظة.
قوله: (إلى ميسرة) أي: مؤجلًا إلى وقت اليسر والسعة والغنى. ولعلها ﵂ كانت متوقعة إلى أجل معلوم، وإلا فجهالة الأجل مفسدة للعقد.
قوله: (وآداهم) بمد الهمزة؛ أي: أحسنهم وفاءً، قال الجوهري: (أدّى دينه تأدية، أي: قضاه، والاسم الأداء، وهو آدى للأمانة منك، بمد الألف) (١).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز بيع النسيئة وصحة تأجيل الثمن إلى ميسرة، وهذا في غير الربويات، كالسيارات والعقارات والأمتعة من الملابس ونحوها، أما الربويات فما بيع بجنسه كَبُرٍّ ببر أو ما بيع بغير جنسه لكنه يساويه في العلة كَبُرٍّ بشعير فلا بد من الحلول والتقابض، أما إذا بيع الربوي بربوي لا يساويه في العلة كبُر بذهب، أو تمر بريالات لم يشترط الحلول والتقابض، فيجوز التأجيل بالإجماع -كما تقدم (٢) -، وقد بوّب البخاري بقوله: "باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة". قال الحافظ: (لعل المصنف تخيل أن أحدًا يتخيل أنه ﷺ يشتري بالنسيئة؛ لأنها دين، فأراد دفع ذلك التخيل) (٣).
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ممتحنون، ويحصل لهم ما يحصل لغيرهم حتى في المعاملة وشراء حوائجهم، وما ذلك إلا لأنهم بشر، يعتريهم ما يعتري غيرهم، وأن بعض الناس قد لا
стр. 2537
يحترمهم ولا يبالي بهم؛ لكفره وضلاله، فإن هذا اليهودي امتنع من البيع بثمن مؤجل على النبي ﷺ ، وهو يعلم أن النبي ﷺ من أوفى الناس وأكرم الناس، ولكن الحقد الذي ملأ قلبه جعله يعامل النبي ﷺ هذه المعاملة الجافية، ويقول هذه المقالة السيئة.
° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز معاملة الكفار والشراء منهم والبيع عليهم وغير ذلك من التصرفات، وأن هذا لا يعتبر من موالاتهم ولا الركون إليهم، وعن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعًا من حديد" (١). قال الصنعاني: (وهو معلوم من الدين ضرورة، فإنه ﷺ وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة يعاملون المشركين، وأقام النبي ﷺ بالمدينة عشرًا يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب، وينزلون أسواقهم كسوق بني قينقاع وغيره) (٢).
° الوجه السادس: حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه وتحمُّله، وأنه لم يعاتب هذا اليهودي بل أعرض عنه امتثالًا لما أدبه ربه جل وعلا به في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقد دلَّ ذلك على أن الناس أحرار في بيعهم وشرائهم ما داموا متقيدين بأحكام الشرع، وأنهم إذا اعتذروا عن البيع سواء كان معجلًا أو مؤجلًا فلا حرج، إلا إن وجد أسباب تقتضي إلزام من امتنع، مثل حالة الاحتكار وحاجة الناس إلى ما عند التجار فإنهم يلزمون بالبيع.
ومن الناس من يجد في نفسه شيئًا على بعض إخوانه ممن امتنع أن يبيع عليه إلى أجل، وهذا البائع قد لا يرى البيع عليه إما لأنه يتهمه بأنه مماطل، أو أنه يُعرف بذلك، أو لأسباب أخرى، فإذا امتنع من البيع عليه أمكن وجود ذلك عند غيره، ولا حاجة إلى المعاتبة، ففي فعله ﷺ أسوة صالحة، والله تعالى أعلم.
стр. 2538
حكم انتفاع المرتهن بالرهن
٨٥٩/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ". رَوَاهُ الْبُخَارَيُّ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الرهن"، بابٌ "الرهنُ مركوبٌ ومحلوب" (٢٥١٢) من طريق عبد الله بن المبارك: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الظهر) المراد به: الحيوان المعدُّ للركوب من بعير وحصان وحمار وغيرها.
قوله: (يُركب، ويُشرب) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، وفي آخر الحديث: "وعلى الذي يركب ويشرب" بالبناء للفاعل، لكن لم يبين الفاعل هل هو الراهن -وهو مالك الشيء المرهون- أو المرتهن -وهو صاحب الدين- فمن أجرى الحديث على ظاهره قال: الفاعل: المرتهن، ومن أولَّه قال: الفاعل: الراهن، وهو المالك، وسيأتي.
قوله: (بنفقته) الباء هي باء المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، مثل: اشتريت الكتاب بعشرة، ومعنى في بنفقته" أي: مقابل نفقته، والنفقة: هي المؤنة من علف وسقي ورعاية ونحو ذلك.
стр. 2539
قوله: (لبن الدَّرِّ) بفتح الدال المهملة وتشديد الراء، هو اللبن، أو الكثير منه، وهو من إضافة الشيء إلى نفسه، مثل: قَمْحِ بُرٍّ، وكقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، والدر: مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: الدارة، والمراد: ذات الضرع واللبن، يقال: در الضرع: امتلأ لبنًا، ودر الضرع: سال باللبن.
قوله: (يشرب بنفقته) أي: يشرب لبن الحيوان المرهون كالبقرة أو الشاة -مثلًا- مقابل نفقته.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الرهن، وهو مجمع عليه في الجملة؛ لأنه من العقود الشرعية التي تحفظ به الحقوق، ويستحصل منها الدين إذا تعذر الحصول عليه من المدين.
ومن الأدلة على مشروعيته: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والمعنى: وإن كنتم على سفر وهي حالة يعدم فيها الكاتب غالبًا فالوثيقة رهان، يقبضها من له الحق، ليستوثق بها، ومن الأدلة -أيضًا-: حديث عائشة ﵂ الذي تقدم قريبًا.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز رهن الحيوان؛ ويؤخذ من ذلك أن كل عين يجوز بيعها فإنه يجوز رهنها؛ لأن المقصود من الرهن -كما تقدم- توثقة الدين، بحيث إذا تعذر الاستيفاء من ذمة الراهن فإنه يستوفى من ثمن الرهن، وهذا يتحقق في كل عين يجوز بيعها.
° الوجه الخامس: اختلف العلماء في استحقاق المرتهن الانتفاع بالرهن في مقابل نفقته على أقوال ثلاثة:
الأول: أنه يجوز انتفاعه به إذا قام بنفقته، وهذا مختص بالمركوب والمحلوب من الحيوان، وعليه أن يتحرى العدل في الحلب والركوب، وهذا مذهب أحمد وإسحاق (١)، واستدلوا بهذا الحديث. لكن اعترض على استدلالهم بأن الحديث مجمل لم يبيِّن من الذي يركب ويشرب، هل هو
стр. 2540
الراهن أم المرتهن؟ وقد أجابوا عن هذا الاعتراض بأن سياق الحديث دل على أن الفاعل هو المرتهن؛ لأنه جعل الانتفاع بالرهن في مقابل النفقة، وذلك يختص بالمرتهن، وأما الراهن فينتفع بالرهن لكونه ملكه، وهو ينفق عليه بكل حال.
ثم إنه جاء حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد من طريق هُشيم، عن زكريا، عن الشعبي، عنه بلفظ: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشربه نفقته، ويَركب" (١). فتكون هذه الرواية مفسرة لحديث الباب.
أما ما لا يحتاج إلى نفقة كالدار والمتاع والسيارة ونحوها فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن، قال ابن قدامة: (لا نعلم في هذا خلافًا؛ لأن الرهن ملك الراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه، فليس لغيره أخذهما بغير إذنه) (٢).
فإن كان الحيوان لا يركب عادة كالبقر والغنم أو لا يصلح للركوب لكونه هزيلًا، أو ليس فيه لبن، فإن المرتهن ينفق على الحيوان، ويحسب ذلك على الراهن إذا لم يتبرع بذلك.
القول الثاني: أن المرتهن لا ينتفع بشيء من المرهون مطلقًا؛ لأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به، ولا الإنفاق، فلم يكن له ذلك كغير الرهن، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (٣).
وقالوا: إن الحديث مخالف للقياس من وجهين:
стр. 2541
١ - التجويز لغير المالك بأن يركب ويشرب بغير إذن المالك، والأصل أنه لا يجوز لغير المالك إلا بإذنه، ومن هذا الأصل حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلبن أحدكم ماشية امرئ بغير إذنه" (١).
٢ - تضمينه ذلك الانتفاع بالنفقة لا بالقيمة، والأصل أن المنفعة تقابل بقيمة.
القول الثالث: أن المراد بالحديث إذا امتنع الراهن من الإنفاق على الحيوان المرهون، ففي هذه الحالة يباح للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظًا لحياته، وله في مقابل ذلك الانتفاع به، وهذا قول الأوزاعي والليث وأبي ثور (٢).
والراجح هو القول الأول لقوة دليله، ووضوح مأخذه.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحديث موافق للقياس لأمرين:
الأول: أن نفقة المرهون واجبة على الراهن، فإذا أنفق المرتهن عليه فقد أدى واجبًا عن غيره بغير إذنه فيما له حق فيه، فلو حُكِمَ على فعله بمثل ما حكم به على نظائره لاقتضى أن يرجع المنفق على من عليه الواجب، والركوب والشرب هو هذا الرجوع.
الثاني: أن الركوب والشرب منفعة رضي بها المنفق عوضًا عن النفقة، وهي صالحة لتكون بدلًا، فلو حكم عليه بمثل ما حكم به على نظائره من الأعواض الصالحة للبدلية التي رضي بها المستعاض عوضًا مثل رزق وكسوة المرضعات لاقتضى القياس جواز كونهما عوضًا عن النفقة (٣).
ولو فرضنا أن الحديث مخالف للأصول لم يقتض ذلك رده؛ لأنه إذا صح الحديث أصبح أصلًا بنفسه.
стр. 2542
وأما القول الثالث فهو تقييد للحديث بما لم يقيده به الشرع.
وهذا كله إذا لم يصطلح الراهن والمرتهن على شيء معين، فإن حصل اصطلاح على أن الراهن هو الذي ينفق على دابته المرهونة ويأخذ اللبن فلا بأس، فإن لم يحصل شيء من ذلك فالمعول على ما دل عليه الحديث، وأن المرتهن يركب بقدر النفقة، ويشرب بقدر النفقة، وهذا فيه مصلحة إراحة الراهن من تعب النفقة، وإراحة المرتهن من المطالبة بالدر، والله تعالى أعلم.
стр. 2543
المرتهن لا يستحق الرهن بعجز الراهن عن الأداء
٨٦٠/ ٦ - عن أبي هريرة ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذي رَهَنَه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيهِ فُرْمُهُ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلا أَن الْمَحْفُوظَ عنْدَ أَبي دَاوُدَ وَغَيرِهِ إِرْسَالُهُ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث روي موصولًا بذكر أبي هريرة ﵁، وروي مرسلًا، فجاء موصولًا من طرق كثيرة، ومنها: ما أخرجه الدارقطني في "السنن" (٣/ ٣٢)، وفي "العلل" (٩/ ١٦٤)، والحاكم (٢/ ٥١)، وعنه البيهقي (٦/ ٣٩) من طريق عبد الله بن عمران العابدي: ثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
قال الدارقطني: (زياد بن سعد من الحفاظ الثقات، وهذا إسناد حسن متصل)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لخلاف فيه على أصحاب الزهري)، وقال البيهقي: (قد رواه غيره، عن سفيان عن زياد مرسلًا، وهو المحفوظ).
ورواه الدارقطني (٣/ ٣٣)، والحاكم (٢/ ٥١ - ٥٢) من طريق كُدير أبي يحيى، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وللموصول طرق كثيرة كلها معلولة، ولو سلم بعضها من العلة لعُدَّ شاذًّا؛ لمخالفته الروايات الصحيحة الكثيرة التي ذكرت الحديث مرسلًا.
فقد أخرجه أبو داود في "المراسيل" (١٧٥)، وعبد الرزاق (٨/ ٢٣٧)،
стр. 2544
ومن طريقه الدارقطني (٣/ ٣٣)، وفي "العلل" (٩/ ١٦٩)، والبيهقي (٦/ ٤٠) من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن النبي ﷺ مرسلًا، بلفظ: "لا يَغْلَقُ الرهن"، وإسناد هذا المرسل صحيح. وله طرق أخرى عن الزهري.
وقد رجَّح جمع من الحفاظ إرساله، قال الحافظ: (صحح أبو داود والبزار والدارقطني وابن القطان إرساله، وله طرق في الدارقطني والبيهقي كلها ضعيفة، وصحح ابن عبد البر وعبد الحق وصله) (١).
ثم إن الحديث إنما هو بلفظ: "لا يغلق الرهن"، وأما قوله: "له غنمه وعليه غرمه"، فالصحيح أنه ليس من الحديث، وإنما هو مدرج من قول سعيد بن المسيب، لأمرين:
الأول: أن الحديث رواه جماعة كالإمام مالك (٢) من طريق الزهري، ومن طريقه الخطيب (٣) بدون هذه الزيادة.
الثاني: أنه جاء التصريح بانها من كلام سعيد في رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، قال: قال النبي ﷺ : "لا يغلق الرهن" قال الزهري: قال ابن المسيب: (له غنمه، وعليه غرمه). ومثل ذلك في رواية يونس بن يزيد، عن الزهري.
قال البيهقي: (ورواه أبو عمرو الأوزاعي، ويونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن ابن المسيب مرسلًا، إلا أنهما جعلا قوله: "له غنمه، وعليه غرمه" من قول ابن المسيب، والله أعلم).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يغلق الرهن) بفتح الياء وسكون الغين المعجمة، ثم لام مفتوحة آخره قاف، مضارع غَلِقَ، يَغْلَق، غلوقًا، من باب "تَعِبَ" وأصل الغَلَق في اللغة: الانسداد والانغلاق، يقال: غَلِقَ الباب، وانغلق: إذا عَسُرَ، والغلق
стр. 2545
في الرهن ضد الفكّ، فإذا فَكَّ الراهن الرهن فقد أطلقه من وثاقه عند مرتهنه، ويقال: غَلِقَ الرهن: إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، بسبب عدم قدرته على أداء الدين، وكان هذا من فعل الجاهلية، أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهنُ الرهنَ واستحله، فأبطله الإسلام (١).
فمعنى: (لا يغلق الرهن) أي: لا يستحقه المرتهن بمجرد حلول الأجل، فهو لا يزال في ملك الراهن وإن استمر محبوسًا بيد المرتهن حتى يَفُكَّهُ الراهن بقضاء الدين الذي عليه.
قوله: (من صاحبه) أي: الراهن.
قوله: (له غُنمه) بضم الغين المعجمة، وسكون النون؛ أي: للراهن زيادة الرهن وثمرته وكسبه مدة كونه مرهونًا، كان يكون حيوانًا أنسل، أو شجرًا أثمر، أو دارًا أُجِّرت، أو نحو ذلك.
قوله: (وعليه غُرمه) بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة؛ أي: وعلى الراهن ما يحصل على المرهون من نقص أو تلف أو نفقة أو غيرها، إذا تلف بدون تَعَدٍّ من المرتهن، كموت الحيوان أو نقصانه، أو انهدام الدار ونحو ذلك.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرتهن لا يستحق الرهن إذا عَجَزَ الراهن عن أداء الدين؛ لأن الرهن ملك للراهن لا يزول ملكه عنه، وإنما هو وثيقة بيد المرتهن يتوثق ممن عليه الدين، فإذا حل الدين وجب على الراهن أداؤه وأخذ رهنه، فإن لم يتيسر ذلك أو امتنع باع الحاكم الرهن لتعينه طريقًا لأداء الواجب، وقضى دينه من ثمنه؛ لأنه حق تعين عليه، فقام الحاكم مقدمه فيه، ويُرد الباقي على صاحب الرهن.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن زيادة الرهن ونماءه ملك للراهن، وأن عليه نفقته، وليس على المرتهن شيء، وإن حصل له نقص أو تلف فهو من ملك الراهن، وليس على المرتهن شيء؛ لأنه أمين، فالتلف في يده كالتلف في يد المالك، إلا إن حصل منه تعد أو تفريط فإنه يضمن، والله تعالى أعلم.
стр. 2546
جواز القرض والزيادة في ردِّ البدل
٨٦١/ ٧ - عَنْ أَبي رَافِع ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيهِ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَال: لا أَجِدُ إلَّا خِيَارًا، قَال: "أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه" (١٦٠٠) من طريق ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع ﵁.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (استسلف) أي: اقترض، والعرب تسمي القرض: سلفًا، وهو الدارج على ألسنة الناس، إلا أن السلف أعم من القرض؛ لأن السلف يطلق على السلم، كما تقدم.
قوله: (بكرًا) بفتح الباء: هو الصغير من الإبل، والأنثى بكرة.
قوله: (فقال: لا أجد إلا خيارًا) لفظ مسلم: (فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا)، والخيار: هو الجيد، يطلق على الواحد والجمع.
والرَّبَاعِيُّ من الإبل -بفتح الراء وتخفيف الموحدة-: هو الذكر منها إذا أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة حين طلعت رباعيته، والأنثى رباعية بالتخفيف.
стр. 2547
° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز القرض وإباحته إذا علم المقترض من نفسه الوفاء، وأنه ليس من المسألة المذمومة؛ لأنه ارتفاق بالشيء يرد بدله، ولأنه ﷺ فعله، لكن ينبغي للمسلم ألا يقترض إلا عند الحاجة، لما جاء في نصوص الشريعة من تعظيم أمر الدين، وعلى الإنسان ألا يتساهل في الاقتراض لأمور يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها، كما عليه بعض الناس.
وأما القرض من جهة المقرض فهو مندوب إليه، ومن القُرَب التي حث عليها الإسلام، لما فيه من إعانة المسلم وقضاء حاجته وتفريج كربته.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز اقتراض الحيوان كالإبل وغيرها، وقد بوّب البخاري في كتاب "الاستقراض": "باب استقراض الإبل" (١).
° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الوفاء بما هو أفضل من الشيء المقترض، وأن هذا من الزيادة المستحبة شرعًا، لفعل النبي ﷺ وثنائه على حسن القضاء، ويدل على ذلك جواز قبول المقترض لهذه الزيادة؛ لأن بذلها دليل على جواز أخذها، وهذا من مكارم الأخلاق المحمودة شرعًا وعرفًا.
وعلى الصحيح من قولي أهل العلم فإن الحديث يعم الزيادة في الصفة بأن يرد المقترض أجود مما أخذ، كان يعطيه بعيرًا أجود من بعيره أو يعطيه بُرًّا أحسن من بُرِّهِ، ويعم الزيادة في المقدار بأن يرد المقترض أكثر مما أخذ، أو بأن يزيده هدية من مال آخر، كأن يقترض منه صاعًا فيرد له صاعين، أو مائة ريال فيعطيه مائة وعشرة، أو يعطيه مع المائة كتابًا -مثلًا- لأن الحديث نص عام، يتناول حسن القضاء في الصفة، كما يتناول حسن القضاء في المقدار، وخصوص السبب في هذا الحديث وهو القضاء بالأجود صفة لا
стр. 2548
تخصص اللفظ العام، ولا تمنع من عمومه؛ لأنه تقرر في الأصول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ومحل الجواز ألا تكون الزيادة مشروطة، وإلا فسد القرض ووجب فسخه -كما سيأتي إن شاء الله- ويرجع إلى المثل في ذوات الأمثال، وإلى القيمة في غيرها، والله تعالى أعلم.
стр. 2549
حكم القرض إذا جرَّ منفعة
٨٦٢/ ٨ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا"، رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ.
٨٦٣/ ٩ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ: عَنْ فَضَالةَ بْنِ عُبَيدٍ. عِنْدَ الْبَيهَقِيِّ.
٨٦٤/ ١٠ - وآخَرُ مَوْقُوفٌ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَّامٍ. عِنْدَ الْبُخَارِيِّ.
° الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث علي ﵁ فقد أخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" (١/ ٥٠٠) من طريق سوار بن مصعب، عن عمارة الهمداني، عن علي ﵁، مرفوعًا.
وهذا إسناد ساقط، سوار بن مصعب قال عنه ابن معين: (ليس بشيء)، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي وغيره: (متروك)، وقال أبو داود: (ليس بثقة) (١).
وأما حديث فضالة بن عبيد ﵁، فقد أخرجه البيهقي (٥/ ٣٥٠) من طريق إدريس بن يحيى، عن عبد الله بن عياش، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق التُّجِيبي (٢)، عن فضالة بن عبيد أنه قال: (كل قرض جرَّ منفعة فوجه من وجوه الربا).
стр. 2550
وهذا إسناد متصل، رجاله ثقات، سوى عبد الله بن عياش، فقد قال فيه أبو حاتم: (ليس بالمتين، صدوق يكتب حديثه)، وقال أبو داود والنسائي: (ضعيف)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يغلط). وإدريس بن يحيى وهو الخولاني المصري، قال فيه ابن أبي حاتم: (صدوق)، وكذا قال أبو زرعة، وقال ابن حبان: (مستقيم الحديث إذا كان دونه ثقة، وفوقه ثقات).
وأما حديث عبد الله بن سلام ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "مناقب الأنصار"، باب: مناقب عبد الله بن سلام ﵁ " (٣٨١٤) من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: (أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁ فقال: ألا تجيءُ فأطعمَك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيتٍ؟ ثم قال: إنك في أرضٍ (١) الربا بها فاشٍ، إذا كان لك على رجل حق، فأهدي إليك حِمْلَ تبنٍ، أو حملَ شعير، أو حمل قَتٍّ، فإنه ربا).
وأخرجه مختصرًا في كتاب "الاعتصام" من "صحيحه" (٧٣٤٢).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن القرض إذا جرَّ منفعة للمقرض فهو محرم؛ لأنه ربًا، وقد حمله العلماء على اشتراط الزيادة في بدل القرض، سواء أكانت الزيادة في القدر أم في الصفة، كما تقدم؛ لأنها منفعة جرها القرض فتكون ربًا، وهذا ربا القرض، وهو من ربا الجاهلية، ومعناه: إقراض مال إلى أجل بشرط الزيادة، كأن يقرضه عشرة آلاف ريال على أن يرد له معها ألف ريال، وذلك لأن الغرض من القرض هو الإرفاق والقربة، فإذا شرط المقرض فيه الزيادة لنفسه خرج عن كونه قربة، فمنع صحته؛ لأنه يكون بذلك قرضًا للزيادة لا للإرفاق والقربة، ووجه كونه ربًا أن هذه الزيادة تشبه الربا؛ لأنها فضل لا يقابله عوض.
وعلى هذا فالحديث ليس على عمومه، وأن كل منفعة يجرها القرض فهي ربًا محرم، فيخرج من عمومه المنفعة غير المشروطة للمقرض، فإنها
стр. 2551
تجوز، بل هي من حسن القضاء كما تقدم، كما يخرج من عمومه المنفعة المشروطة للمقترض، كاشتراط الوفاء بالأقل، أو اشتراط أجل معين لوفاء القرض على القول بالجواز، ويبقى هذا النص أو الإجماع في المنفعة المشروطة للمقرض.
والحديث وإن كان ضعيفًا جدًّا كما تقدم، فإن ما ورد عن الصحابة ﵃ من موقوفات تشهد له، وتدل على أن معناه صحيح. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على مقتضاه، فقال: (أجمع العلماء على أن المسلف إذا شرط عُشْرَ السلف هدية أو زيادة، فأسلفه على ذلك أن أخذه الزيادة ربًا) (١).
وقال ابن عبد البر: (كل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلف فهي ربًا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إذا كان بشرط) (٢).
ويدخل في الحديث اشتراط المقرض أيّ عمل يجر إليه نفعًا، كأن يسكنه المقترض داره مجانًا، أو يعيره سيارته، أو يعمل له كذا، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع.
أما الهدية للمقرض، فهي موضع خلاف بين أهل العلم، والأظهر أنه ليس للمقرض أن يقبل هدية من المقترض إلا إذا كان هناك عادة جارية بينهما بذلك قبل القرض، لقرابة أو صداقة بينهما، بحيث لا تكون الهدية بسبب القرض، فيجوز قبولها، والمنع من ذلك إذا لم تجرِ عادة من باب سد ذريعة أخذ الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، أو يتخذ ذريعة إلى تأخير الدَّين فيكون ربًا؛ لأنه يعود إليه ماله مع أخذ الفضل الذي استفاده، وقد حكم عبد الله بن سلام ﵁ -كما تقدم- على الهدية أنها ربًا، قال الحافظ: (يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام ﵁، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربًا إذا شرطه، نعم الورع تركه) (٣).
стр. 2552
ويستثنى من ذلك ما إذا نوى المقرض احتساب ما أعطاه المقترض من دينه، أو نوى مكافأته عليه، فإنه يجوز، وقد أخرج البيهقي عن سالم بن أبي الجعد، قال: (كان لنا جار سمَّاك، عليه لرجل خمسون درهمًا، فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن عباس ﵄ فسأله عن ذلك. فقال: قاصِّه بما أهدى إليك) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 2553
باب التفليس والحجر
التفليس: مصدر فلَّس الحاكم الرجل تفليسًا: حكم بإفلاسه ومنعه من التصرف في ماله.
والمفلس: من عنده مال لا يفي بكل ما عليه من الدين.
والحجر لغة: بفتح الحاء مصدر، ومعناه: المنع والتضييق.
واصطلاحًا: منع الإنسان من التصرف في ماله. والحجر نوعان:
الأول: حجر لحظ المحجور عليه، وهو الحجر على الصغير والسفيه والمجنون في ماله، وذلك بإقامة ولي عليه يتصرف في ماله بالأحسن.
الثاني: حجر لحظ غيره، وهو المذكور -هنا-، وهو الحجر على المفلس لحق الغرماء، ولا يحجر عليه إلا بشروط ثلاثة:
١ - أن يكون الدين الذي عليه حالًّا، فإن كان مؤجلًا لم يحجر عليه؛ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل حلوله.
٢ - أن يكون عنده مال لا يفي بكل ما عليه، فإن كان ماله يفي بكل ما عليه لم يحجر عليه، لعدم الحاجة إلى ذلك، وأُمِرَ بالوفاء إذا طلب غريمه.
٣ - أن يطلب الحجر غرماؤه أو بعضهم؛ لأن الحق لهم، والحجر بسؤال بعض الغرماء إنما هو على أحد القولين في المسألة.
وقد ذكر الحافظ في هذا الباب الأحاديث المتعلقة بالمحجور عليه لحظ غيره، وذكر ما يتعلق بالبلوغ في حق المحجور عليه لحظه.
وجواز الحجر من محاسن الإسلام وعدالة أحكامه، لما يترتب على ذلك من المصالح العظيمة، فإن الحجر على الصغير والسفيه والمجنون له فيه
стр. 2554
مصلحة، من حفظ ماله من الضياع والتصرف فيه بما ينفع.
وأما الحجر على المفلس ففيه مصلحة له ولغيره، ذلك أن الرجل إذا افتقر بعد غنى وكثرت ديونه، اختلطت أموره، وأصيب بشيء من التقلب والاضطراب، فيتصرف تصرفات فيها شيء من الحيف والجور، وربما يوفي بعض غرمائه، ويترك بعضهم، وقد يستولي أقوياء غرمائه على موجوداته، وربما أخفى أمواله أو بعضها، إلى غير ذلك من التصرفات التي قد تضره أو تضر غيره، فجاء الإسلام بمشروعية الحجر وتفريق موجودات المفلس بين غرمائه، تفريقًا عادلًا.
стр. 2555
حكم من وجد ماله عند مفلس
٨٦٥/ ١ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالهُ بِعَينِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيرِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَالِكٌ: مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسلًا، بِلَفْظِ: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِض الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ".
وَوَصَلَهُ الْبَيهَقِيُّ، وَضَعَّفَهُ تبَعًا لأَبي دَاوُدَ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ: مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ، قَال: أتينَا أَبَا هُرَيرَةَ في صَاحِبٍ لنَا قَدْ أفلَسَ، فَقَال: لأقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ أفلَسَ أَو مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ". وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَضَعَّفَ أَبُو دَاوُدَ هذِهِ الزِّيَادَةَ في ذِكْرِ الْمَوْتِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، اسمه وكنيته واحد، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة النبوية، كان ثقة فقيهًا عالمًا، شيخًا، محدثًا، مشهودًا له بكثرة الرواية، وكان يقال له: راهب قريش، لكثرة صلاته، روى عن أبي هريرة وعمار بن ياسر وأبي مسعود الأنصاري وعائشة
стр. 2556
وأم سلمة وغيرهم ﵃، وقد حدث عنه عمر بن عبد العزيز وأبناؤه، وابن شهاب الزهري، وغيرهم ﵏، مات ﵀ سنة الفقهاء سنة أربع وتسعين، على أحد الأقوال (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الاستقراض"، باب "إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة، فهو أحق به" (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: … فذكره.
وأخرجه مالك (٢/ ٦٧٨) ومن طريقه أبو داود (٣٥٢٠) عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، مرسلًا، به، وتابع مالكًا يونس، أخرجه أبو داود (٣٥٢١) فذكر معنى حديث مالك، وزاد: "وإن قضى من ثمنها شيئًا، فهو أسوة الغرماء".
وأخرجه أبو داود (٣٥٢٢)، وابن الجارود (٦٣٢)، والدارقطني (٣/ ٣٠)، والبيهقي (٦/ ٤٧) من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، هكذا موصولًا، بنحوه، وزاد: "وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء".
وقد ضعفه أبو داود، فقال: (حديث مالك أصح) وتبعه البيهقي، فقال: (لا يصح) يعني موصولًا، وقال الدارقطني: (إسماعيل بن عياش، مضطرب الحديث، ولا يثبت هذا عن الزهري مسندًا، وإنما هو مرسل). وقال ابن عبد الهادي: (رواه مالك وأبو داود هكذا مرسلًا، وقد أُسند من وجه غير قوي) (٢).
стр. 2557
وقد مال الحافظ في "التلخيص" (١) إلى تصحيح الحديث، وصححه -أيضًا- الألباني (٢). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وصله أبو داود … ولم يضعفه، ولكن قال: حديث مالك أصح (يعني: المرسل) ولا يقتضي هذا تضعيف الموصول، إذ لا يلزم من نفي الأصحية نفي الصحة، بل ذلك أدل على إثبات الصحة من نفيها، وهذا الإسناد جيد … والمرسل المذكور يعضد الموصول ويقويه، والله أعلم) (٣) ولكن يبدو لي أن كلام الأئمة الكبار أمثال الدارقطني مقدم على كلام من جاء بعدهم.
ولعل الحافظ ذكر هذه الرواية عند أبي داود ومالك؛ لأن فيها بعض الشروط في مسألة من وجد ماله عند مفلس، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه.
وأما الرواية الأخيرة فقد أخرجها أبو داود (٣٥٢٣)، وابن ماجه (٢٣٦٠)، والحاكم (٢/ ٥٠) من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر، عن عمر بن خَلْدة (٤) قال: … وذكر الحديث.
وهذا سند ضعيف؛ لأن أبا المعتمر، وهو ابن عمر بن رافع المدني مجهول الحال، كما في "التقريب" وغيره، وتعقبه الألباني بأنه مجهول العين؛ لأنه لم يرو عنه أحد غير ابن أبي ذئب (٥).
وقد حكى المنذري عن أبي داود أنه قال بعد هذا الحديث: (من يأخذ بهذا؟ أبو المعتمر: من هو؟ لا يعرف) (٦).
وأما تصحيح الحاكم لهذا الحديث ففيه نظر، لما عرفت من حال
стр. 2558
أبي المعتمر، وكذا سكوت الذهبي عن تصحيح الحاكم مع أنه قال عنه: (لا يعرف) (١).
ولعل غرض الحافظ من سياق هذه الرواية بيان أن الموت ملحق بالفلس في رجوع من وجد متاعه بعينه، كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله.
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (من أدرك ماله) هذا لفظ عام، يشمل من كان له مال عند آخر بقرض أو بيع أو وديعة أو غير ذلك، وترجمة البخاري على الحديث كما تقدم تفيد ذلك، وقد ورد في أحاديث أخرى التصريح بلفظ البيع، ومنها ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان بالإسناد المتقدم عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: "إذا ابتاع الرجل سلعة، ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء" (٢)، لكن هذا لا يقتضي تخصيص المسألة بالبيع؛ لأن الخاص الموافق للعام في الحكم لا يخصص العام، كما في الأصول.
قوله: (بعينه) أي: لم يتغير ولم يتبدل بزيادة أو نقص.
قوله: (عند رجل) في رواية أخرى: (عند رجل أو إنسان) وهذا قيد أغلبي، وإلا فالمرأة حكمها كذلك، ولعل تخصيص الرجل بالذكر؛ لأن أكثر من يتعامل بالمال هم الرجال.
قوله: (قد أفلس) أي: افتقر، قال ابن الأثير: (أفلس الرجل: إذا لم يبق له مال) (٣) والمفلس في عرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخَرْجُهُ أكثر من دخله، سمي مفلسًا: لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسًا، أو لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، أو لأنه يُمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة (٤).
стр. 2559
قوله: (فهو) الضمير يعود إلى (من).
قوله: (أحق به من غيره) أي: أحق بماله من غيره كائنًا من كان؛ لأنه وجد ماله بعينه فلا ينازعه فيه أحد، فإن ماله موجود، ومال غيره مفقود.
قوله: (أسوة الغرماء) أي: حظ البائع من هذا المتاع كحظ سائر الدائنين، لا مزية له فيه عليهم.
والغرماء: جمع غريم، والغريم: هو الخصم، وهو من الأضداد يقال: غريم: من عليه الدين، ولمن له الدين، والمراد هنا الثاني.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من وجد ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فله الرجوع فيه، وفسخ العقد إن كان بيعًا أو غيره، وهذا مذهب جمهور العلماء، ودلالة الحديث على هذا واضحة وقوية جدًّا، ولهذا قال الاصطخري من أصحاب الشافعي: (لو قضى القاضي بخلافه، نقضت حكمه) (١).
وقال أبو حنيفة والحسن والنخعي: البائع أسوة الغرماء (٢)؛ لأن السلعة صارت بالبيع ملكًا للمشتري ومن ضمانه، قالوا: والحديث خبر واحد، مخالف للأصول.
وهذا اعتذار مردود، فإن الحديث مشهور، ورد من حديث ابن عمر وأبي هريرة وسمرة، وقضى به عثمان ﵃، وعمر بن عبد العزيز ﵀، قال الشوكاني: (والاعتذار بأنه مخالف للأصول اعتذار فاسد، لما عرفناك من أن السنة الصحيحة هي من جملة الأصول، فلا يترك العمل بها إلا لما هو أنهض منها، ولم يرد في المقام ما هو كذلك) (٣).
стр. 2560
° الوجه الخامس: اشترط العلماء في هذه المسألة شروطًا أخذوها من مجموع أحاديث هذه المسألة، وهي ثلاثة:
١ - أن تكون عين المتاع موجودة عند المشتري المفلس لم تتغير بذهاب صفة من صفاتها بما يزيل اسمها، كخياطة الثوب، وخبز الحب، وجَعْلِ الخشب بابًا، ومثله لو تلف بعض الثوب، أو تضررت السيارة، أو انهدمت الدار أو بعضها، ونحو ذلك، وهذا الشرط مأخوذ من قوله: "بعينه" فإن تغيرت صفات المتاع أو تلف بعضه فصاحبه أسوة الغرماء؛ أي: مثل الغرماء، وهم أصحاب الديون على هذا المفلس، فيأخذ كما يأخذون، ويحرم كما يحرمون، وهذا قول الجمهور.
٢ - ألا يتعلق بالمتاع حق من شفعة أو رهن، وأولى من ذلك ألّا يباع ولا يوهب ولا يوقف، ونحو ذلك، فلا رجوع للبائع على المشتري في شيء من ذلك، ما لم يكن تصرف المشتري حيلة لإبطال الرجوع، فالحِيَلُ باطلة، وهذا الشرط داخل في قوله: "بعينه" لأن المتاع بهذه التصرفات شبيه بالمتلف، حيث لم يجد متاعه بعينه.
٣ - أن يكون الثمن غير مقبوض من المشتري، فإن قبض البائع شيئًا من الثمن فلا رجوع له على المفلس بعين ماله، بل هو أسوة الغرماء، وقد دل على هذا الشرط رواية مالك وأبي داود في قوله: "ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا" ولأن في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضًا للصفقة على المشتري وإضرارًا به.
٤ - أن يكون المشتري حيًّا، فإن مات فلا رجوع للبائع بل هو أسوة الغرماء، لقوله في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن: "وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، ويمكن أن يستفاد هذا الشرط -أيضًا- من قوله: "عند رجل" فإن هذا ما وجد ماله عند رجل -وهو المشتري- وإنما وجده عند الورثة، ولأن الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة، أشبه ما لو باعه، وهذا قول مالك وأحمد وإسحاق.