← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال جمع من المحققين: إن هذه اللفظة موقوفة على عروة، بدليل قول هشام في اخره: (وقال أبي: ثم توضأ لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)، فإن هذا ظاهر في الوقف، لأن هشاماً لم يرو الحديث عن غير أبيه، فيكون غرضه من هذا تمييز المرفوع من الموقوف، ومجيء هذه الزيادة موصولة بالإسناد المذكور أول الحديث هو من الاختلاف على أبي معاوية، فإنه قد اضطرب في روايتها، وقد قال عنه الإمام أحمد: (في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظاً جيداً) (١). وأخرج الحديث مسلم من طريق حماد بن زيد، عن هشام، وقال: (وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره) ومراده بالحرف الزيادة المذكورة عند البخاري. وكأن مسلماً حذفها لتفرد حماد بن زيد بها، يؤيد ذلك قول النسائي: (قد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة، ولم يذكر فيه «وتوضئي» غير حماد، والله تعالى أعلم) (٢)، وقال البيهقي (١/ ٣٢٧): (وفيه زيادة الوضوء لكل صلاة، وليست بمحفوظة). وهذا التعليل من النسائي لهذا الحرف في رواية حماد بن زيد ليس بجيد - كما يقول الحافظ ابن حجر (٣) ـ لأن أبا معاوية تابعه عليه، كما تقدم عند البخاري والترمذي، وأيضاً فقد تابعهما عليه حماد بن سلمة، فرواه الدارمي من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وقال فيه: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرُها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي»، قال هشام: فكان أبي يقول: (تغتسل غسل الأول، ثم ما يكون بعد ذلك فإنها تَطَهّرُ وتصلي) (٤)، لكن هذا ليس فيه إلا الأمر بالوضوء عقب غسل الدم لا لكل صلاة، وقد رواه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ١٠٤) من طريق عفان عن حماد وليس فيه (وتوضئي) وعفان من أثبت أصحاب حماد فهو مقدم على غيره. وأيضاً فقد تابعهم أبو حمزة محمد بن ميمون السكري، عن هشام بن

стр. 282

عروة، عن أبيه (١)، لكنه تارة يرويه موصولاً بذكر عائشة وتارة مرسلاً، وتابعهم أبو عوانة - أيضاً ـ (٢)، وقد روى الحديث بالمعنى، وسيأتي ما في روايته. والقول بأن هذه اللفظة موقوفة على عروة وأن رفعها غير محفوظ فيه وجاهة لأمور ثلاثة: ١ - إن هذا هو ظاهر صنيع البخاري، لأن هشاماً روى الحديث عن أبيه فقط، ثم قال: (قال: أبي … ) فلو لم يكن غرضه بيان المرفوع من الموقوف لما كان لهذا التخصيص معنى (٣). ٢ - أن الأئمة الكبار حكموا بأنها غير محفوظة، منهم مسلم والنسائي والبيهقي، وقال ابن رجب: (الصواب أن لفظة «الوضوء» مدرجة في الحديث من قول عروة، وكذلك روى مالك، عن هشام، عن أبيه أنه قال: «ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلاً واحداً، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة» (٤). ٣ - أن هذا الحديث رواه عن هشام بضعة عشر رجلاً، ومنهم أئمة حفاظ، لم يذكر واحد منهم هذه الزيادة منهم الإمام مالك ووكيع وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد (٥)، ولعل إدراجها في المرفوع حصل من بعض الرواة الذين لم يبلغوا مبلغ من لم يذكرها في الحفظ والإتقان، لأن الذين رووها لم يخلُ أحد منهم إلا وقد خالف واختلف عليه فيها، ما عدا أبا عوانة فإنه لم يختلف عليه، لكن مخالفته لمن هو أكثر عدداً وأعلى قدراً لا تحتمل. واعلم أن هذه اللفظة «ثم توضئي لكل صلاة» هي المقصودة من إيراد هذا الحديث في نواقض الوضوء، وإلا فمناسبة الحديث باب «الحيض»، وسيذكره المصنف هناك.

стр. 283

الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (فاطمة بنت أبي حُبيش) بالحاء المهملة بلفظ التصغير، واسمه: قيس بن المطلب بن أسد، وهي قرشية أسدية، وهي إحدى المستحاضات في زمن الرسول ﷺ . قوله: (أُستحاض) أي: تصيبني الاستحاضة، وهي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة، كما سيأتي - إن شاء الله - في «باب الحيض». قوله: (فلا أطهر) الطهر: النظافة، والمعنى: فلا أنظف من الدم، والمستقر عندها أن طهارة الحائض لا تُعرف إلا بانقطاع الدم، فَكَنّتْ بعدم الطهر عن اتصاله. قوله: (أفأدع الصلاة) سؤال عن استمرار حكم الحيض حالة دوام الدم أو عدمه، بعد أن تقرر عندها أن الحائض تمنع من الصلاة، فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم. قوله: (قال: لا) أي: لا تدعي الصلاة. قوله: (إنما ذلك عرق) بكسر الكاف خطاب للمرأة السائلة، وقوله: (عرق)، أي: بكسر العين، وهو المسمى بالعاذل - بالذال المعجمة ـ، ويقال: العاذر، بالراء المهملة (١)، والمعنى: أن دمك ليس دم الحيض؛ لأن دم الحيض يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، وهذا بسبب انفجار عرق، وفي ذلك إخبار باختلاف المَخْرَجَيْنِ. قوله: (فإذا أقبلت حيضتك .. ) المراد بإقبال الحيضة: حصول وقتها وابتداء خروج الدم أيام عادتها، والمراد بإدبارها: وقت انقطاع الدم عنها أيام عادتها، والمعنى أنها تميز بين دم حيضها ودم استحاضتها، فتجلس أيام عادتها، فإذا انقضت اغتسلت وصلّت، ولا تنظر بعد ذلك إلى ما معها من الدم؛ لأنه استحاضة.

стр. 284

الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن دم الاستحاضة حدث من الأحداث الناقضة للوضوء؛ لأن الشرع أمر بالوضوء منه في قوله: «ثم توضئي لكل صلاة»، وهذا قول الجمهور، إلا المالكية فإنهم يرون أن الاستحاضة لا تنقض (١). وهكذا كل خارج من أحد السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء أكان بولاً أم غائطاً أم دماً أم مذياً، وكذا الريح من الدبر، وهذا مجمع عليه، كما نقله ابن المنذر وغيره (٢). وهذا غرض الحافظ من إيراد هذا الحديث في هذا الباب، ويستثنى من ذلك من حدثه دائم فإنه لا ينتقض وضوؤه، كمن به سلس بول أو ريح أو غائط، ومثل الاستحاضة عند المالكية. الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إنه يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة؛ بناءً على ثبوت زيادة الوضوء؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، ومعنى ذلك أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة - كالظهر مثلاً - إلا بعد دخول وقتها، أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة كصلاة الضحى - مثلاً - فإنها تتوضأ لها عند إرادة فعلها، وسأذكر هذه المسألة بأوسع مما هنا عند الكلام على غسل المستحاضة في باب «الحيض» إن شاء الله تعالى. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا دم الاستحاضة لقوله: «وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي». وتقدم ذلك في باب «إزالة النجاسة». وسأذكر فوائد هذا الحديث وأحكام المستحاضة في باب «الحيض» إن شاء الله تعالى.

стр. 285

بيان حكم المذي ٦٩/ ٣ - عَنْ عَليّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذّاءً، فأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النبيّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: «فِيه الْوُضُوءُ». مُتَّفَقٌ عَليهِ، وَاللّفظُ لِلبخاري. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «العلم» باب «من استحيا فأمر غيره بالسؤال» (١٣٢) من طريق عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵁، به. وأخرجه في كتاب «الوضوء» باب «من لم يَرَ الوضوء إلا من المخرجين» (١٧٨) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، به. وأخرجه في كتاب «الغسل» باب «غسل المذي والوضوء منه» (٢٦٩) من طريق زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁، به. وقد شرحه الحافظ في «فتح الباري» في هذا الموضع، واللفظ المذكور في «البلوغ» هو لفظ البخاري في كتاب «العلم». وأخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «المذي» (٣٠٣) من طرق، إلا أن فيه (فقال: منه الوضوء). قال ابن عبد البر: (والحديث ثابت عند أهل العلم، صحيح، له طرق شَتّى عن عليٍّ، وعن المقداد، وعن عمار - أيضاً - كلها صحاح حسان،

стр. 286

أحسنها ما ذكره عبد الرزاق .. ) (١) وسيأتي ذكر لفظه إن شاء الله، وسيكون شرح هذا الحديث - بعون الله - على ضوء معظم ألفاظه، لا سيما ما يتعلق بفوائده، والذي يستفاد من الأحاديث أن الذين سألوا الرسول ﷺ عن المذي ثلاثة: ١ - علي ﵁، وحديثه في الصحيحين. ٢ - سهل بن حُنيف، وسيأتي حديثه - إن شاء الله - في الوجه «الحادي عشر». ٣ - عبد الله بن سعد الأنصاري، وسيأتي حديثه - أيضاً - في الوجه «السابع». الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كنت رجلاً مَذّاءً) بفتح الميم، وتشديد الذال، وبالمد، صيغة مبالغة أي: كثير المذي، يقال: مَذَى يَمْذِي مثل: مضى يمضي، ثلاثياً، ويقال: أمذى يُمذي، رباعياً، وفي رواية أنه قال: (كنت رجلاً مذاء، فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أو ذُكر له فقال: «لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل» (٢). والمَذْيُ: بفتح الميم وسكون الذال، ويقال: المَذِيّ: بفتح الميم وكسر الذال، وتشديد الياء، وهو ماء رقيق يخرج عقب الشهوة بدون دفق ولا إحساس بخروجه، وتقدم ذكره في الحديث الرابع من أحاديث «إزالة النجاسة». قوله: (فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله ﷺ جاء في رواية البخاري في كتاب «الغسل»: (فأمرت رجلاً .. )، وجاء في رواية للبخاري

стр. 287

ـ أيضاً - في سبب ذلك وهو قوله: فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ وفي لفظ لهما: (لمكان ابنته مني)، وفي لفظ لمسلم: (من أجل فاطمة)، والمراد أن العلة والسبب من استحيائه من رسول الله ﷺ مكان ابنته ﷺ منه، لأنها زوجته، والمذي يتعلق بأمر الشهوة، فاستحيا أن يسأل النبي ﷺ عما يتعلق بذلك. وظاهر هذا السياق أن السائل هو المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، نسبة إلى الأسود بن عبد يغوث الزهري؛ لأنه تبناه، أسلم المقداد قديماً، وهاجر الهجرتين، وتزوج ضُباعة بنت الزبير ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، وشهد غزوة بدر وما بعدها، توفي سنة ثلاث وثلاثين، ودفن بالبقيع في المدينة (١) ﵁. وإنما أمره عليّ بسؤال النبي ﷺ ولم يأمر غيره لمذاكرة جرت بينهما في المذي، كما أخرجه عبد الرزاق من طريق عائش بن أنس، قال: (تذاكر علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود المذي، فقال علي: إني رجل مذاء، فاسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فإني أستحي أن أسأله عن ذلك لمكان ابنته مني، لولا مكان ابنته مني لسألته، فقال عايش: فسأل أحدُ الرجلين: عمارٌ أو المقداد .. ) (٢). وقد ورد في بعض الروايات أنه أمر عماراً أن يسأل (٣). وفي رواية ثالثة أنه قال: سألت النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: «مِن المذي الوضوءُ، ومن المني الغسل» (٤).

стр. 288

والجمع بين هذه الروايات أن علياً أمر المقداد أن يسأل فسأل، وأما نسبة السؤال إلى عمار فهي محمولة على المجاز لكون عليٍّ قصده، لكن تولى المقداد الخطاب دونه، وأما نسبة السؤال إلى عليّ فإما أن يحمل على أن علياً أمر المقداد أن يسأل ثم سأل بنفسه (١)، أو هو محمول على المجاز بأن بعض الرواة أطلق عليه أنه سأل لكونه الآمر بذلك، ويؤيده أنه استحيى أن يسأل لمكان فاطمة، فهذا قد يضعف القول بأنه سأل بنفسه، والله أعلم. قوله: (فقال: فيه الوضوء) في رواية مسلم: «منه الوضوء» كما تقدم، وهذا اللفظ الذي أورده الحافظ لم يرد فيه ذكر غسل الذكر، وهو في الصحيحين. ولعل الحافظ اقتصر على ما يتعلق بالوضوء، لكون الكلام في نواقض الوضوء، وأما غسل الذكر فيتعلق بإزالة النجاسة، فلم ير إيراد اللفظ الدال عليه، والله أعلم. الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز التوكيل في السؤال والاستنابة في الاستفتاء، للعذر كالحياء ونحوه، سواء أكان المستفتي حاضراً أم غائباً، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث - كما تقدم - بقوله: (باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال). ويشترط أن يكون الوكيل موثوقاً في فهمه وحفظه ودينه، لأجل أن ينقل السؤال ويفهم الجواب، كما ينبغي. الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يقبل خبر الواحد في المسائل العلمية والرواية إذا كان المخبر ثقة. الوجه الخامس: أن من الأدب وحسن المعاشرة مع الأصهار أن لا يذكر الزوج ما يتعلق بأسباب الجماع ومقدماته والاستمتاع بالزوجة مع حضرة أبيها أو أخيها أو ابنها أو غيرهم من أقاربها، مع كون السؤال في الحديث عن حكم شرعي، فكيف إذا ذكر ذلك لغير حاجة؟.

стр. 289

الوجه السادس: الحديث دليل على نجاسة المذي، لكونه أمره بغسل ذكره، وأمره بالوضوء، فدل هذا على أن حكم المذي كحكم البول في النجاسة، وعلى الصحيح من قولي أهل العلم أنه يعفى عن يسير المذي، وهو رواية عن الإمام أحمد ذكرها صاحب «الإنصاف» ثم قال: (قلت: وهو الصواب خصوصاً في حق الشباب) (١)؛ لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها، لكثرة ما يصيب ثياب الشباب العُزّاب (٢)، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الخف. الوجه السابع: أن المذي ناقض للوضوء، فيتوضأ منه لقوله: (اغسل ذكرك وتوضأ) ولا يوجب الغسل بالإجماع، كما حكاه ابن عبد البر (٣)، ونقله ابن قدامة عن ابن المنذر (٤). وفي حديث عبد الله بن سعد الأنصاري قال: (سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: «ذاك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة» (٥). فإن كان المذي سَلسَاً لا ينقطع فحكمه حكم سلس البول، فإذا دخل وقت الصلاة غسل فرجه وتلجم بشيء حتى لا تتعدى نجاسة المذي إلى ملابسه وبدنه، ثم توضأ وصلى، ولا يضره ما خرج بعد ذلك لكونه بغير اختياره إلحاقاً له بحكم المستحاضة، كما تقدم. وقد جاء في رواية البخاري: «توضأ واغسل ذكرك» (٦) وظاهره أن الأمر بالوضوء مقدّم على غسل الذكر، وقد وقع في «عمدة الأحكام»: «اغسل ذكرك وتوضأ» (٧) والواو لا تقتضي الترتيب، ولأن لفظ مسلم «يغسل ذكره

стр. 290

ويتوضأ» (١)، بيَّن المراد، والأنسب تقديم غسله على الوضوء. الوجه الثامن: أن الواجب في المذي غسل الذكر كلّه ما أصابه المذي وما لم يصبه، لقوله: «اغسل ذكرك» وهذا أمر، والأمر للوجوب، وهذا قول مالك، ورواية عن أحمد (٢). والقول الثاني: أنه يغسل جميع الذكر والأُنثيين، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣)، لرواية: «يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ» وفي حديث عبد الله بن سعد: «فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتتوضأ»، لكن لفظة (وأنثييه) لم تثبت في حديث علي ﵁ (٤). والقول الثالث: أنه يُكتفى بغسل رأس الذكر، أو الموضع الذي أصابته النجاسة منه، وهو قول جمهور الفقهاء من الشافعية، والحنفية، ورواية عن أحمد (٥)، إلحاقاً له بسائر النجاسات، فهو حدث من الأحداث، فلا يغسل منه إلا المخرج، كما في البول والغائط، ولأن الأحاديث لم تذكر فيه إلا الوضوء. والقول الثاني أوفق لظاهر الحديث، فإن عموم اللفظ في قوله: «يغسل ذكره» يوجب غسل الذكر كله ما أصابه المذي وما لم يصبه، إضافة إلى غسل الأُنثيين، لما تقدم، فلما ثبت ذلك بدليل صحيح تعين الأخذ به، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز. والحكمة من الأمر بغسل الذكر والأنثيين - عند من يقول بغسلهما - أن المذي فيه لزوجة، فربما انتشر على الذكر والأنثيين ولم يشعر به الإنسان، قاله الخطابي (٧)، وقيل: إن ذلك يخفف المذي أو يقطعه، ولا سيما إذا كان غسله بالماء البارد، فإنه من أسباب قطعه وعدم استمرار خروجه.

стр. 291

وأما لفظ البخاري: «توضأ وانضح فرجك» فالمراد به الغَسْل، فإن النضح يكون غسلاً ويكون رشاً، وقد تقدم في أحد ألفاظ البخاري: «اغسل ذكرك»، فيكون المراد بالنضح هنا الغسل. وقد طعن الحفاظ في رواية أحمد وأبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن علي ﵁؛ لأنها مرسلة، حيث لم يسمع عروة من علي ﵁، كما قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (١). لكن أخرجه أبو عوانة من طريق عَبيدة السلماني، عن علي ﵁ بهذه الزيادة «يغسل ذكره وأُنثييه» (٢)، قال الحافظ: (وإسناده لا مطعن فيه) (٣)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن قيل: يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن علي، وهو لم يدركه؟ قلنا: مُرْسِلُهُ أحد أجلاء الفقهاء السبعة، رواه ليبين الحكم المذكور فيه، وهذا من أقوى المراسيل) (٤). الوجه التاسع: الحديث دليل على تعين الماء في إزالة المذي دون الاستجمار بالأحجار ونحوها؛ لأنه عين له الغسل، والمعين لا يقع الامتثال إلا به، ولا يصح إلحاقه بالبول؛ لأن الشرع أمره بغسل ذكره وأُنثييه، فدل على أنه حكم يخص المذي دون البول؛ لأن البول لا يغسل منه إلا ما أصاب المحل، ولأن الآثار كلها على اختلاف ألفاظها وأسانيدها ليس في شيء منها ذكر الاستجمار بالأحجار، فدل على أنها لا تكون إلا في البول والغائط (٥). الوجه العاشر: اختلف العلماء في المذي يصيب الثوب على قولين: الأول: أنه لا يجزئ فيه إلا الغَسْل، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٦)، أخذاً بأحاديث غسله.

стр. 292

الثاني: أنه يجزئ فيه النضح، وهو الرش بالماء، وهو رواية عن أحمد، فقد نقل عنه الترمذي أنه قال: (أرجو أنه يجزئه النضح) (١)، ودليل ذلك حديث سهل بن حُنيف أن الرسول ﷺ قال له: «يكفيك بأن تأخذ كفاً من ماء، فتنضح بها ثوبك، حيث ترى أنه أصابه منه» (٢). فالصواب - إن شاء الله - أنه يكفي نضح الثوب ورشه بالماء بلا غسل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٣)؛ لأن الغسل ورد في الفرج لا في الثوب، ورواية نضح الثوب لا معارض لها، أما الفرج فقد ورد النضح وورد الغسل، فيفسر النضح بالغسل، كما تقدم، وقد ذكر ابن عبد البر: أن النضح في لسان العرب يكون مرة الغسل ومرة الرش (٤). قال ابن تيمية: (المذي يعفى عنه في أقوى الروايتين؛ لأن البلوى تعم به، ويشق التحرز منه، فهو كالدم بل أولى، للاختلاف في نجاسته والاجتزاء عنه بنضحه) (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 293

تقبيل المرأة ولمسها لا ينقض الوضوء ٧٠/ ٤ - عَنْ عَائشَةَ ﵂ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثمّ خَرَجَ إلى الصّلَاةِ وَلمْ يَتَوَضّأْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٤٢/ ٤٩٧) من طريق وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ به، وفي اخره: قال عروة: قلت لها: من هي إلا أنت؟ قال: فضحكت. وأخرجه - أيضاً - أبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجه (١/ ١٦٨) كلهم من طريق وكيع، عن الأعمش، بهذا الإسناد. وقد حكم البخاري على هذا الحديث بالضعف، كما ذكر المصنف، كما حكم عليه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (١)، وقد أخرجه البيهقي في «المعرفة» (١/ ٢١٦) وقال: (هذا أشهر حديث روي في هذا الباب، وهو معلول). وقد أعل الحديث بعلتين: الأولى: أن عروة المذكور ليس هو ابن الزبير، إنما هو شيخ مجهول يعرف بعروة المزني - كما وردت تسميته في الطريق الأخرى ـ، وهذا قول جمع من الأئمة منهم ابن حزم (٢). الثانية: الانقطاع؛ لأن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، وهو

стр. 294

قول يحيى بن سعيد القطان والبخاري وأحمد وأبي حاتم ويحيى بن معين (١)، وهم قد تبعوا سفيان الثوري فيما نقله عنه أبو داود أنه قال: (ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني) (٢)، يعني بذلك أنه لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء؛ لأنه لم يسمع منه. والظاهر أن أبا داود لم يرتض كلام الثوري، فلذا ساقه بصيغة التمريض (وروي عن الثوري)، ثم قال بعده: (وقد روى حمزة الزيات عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ حديثاً صحيحاً) (٣). وهذا مثبت، وذاك نافٍ، لكن حمزة الزيات متكلم فيه، قال الحافظ: (صدوق زاهد، ربما وهم). وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: (حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة) والظاهر أن هذا هو مراد الحافظ هنا بقوله: (وضعفه البخاري) (٤). وقد صحح الحديث جمع من الأئمة المتأخرين منهم ابن جرير، وابن عبد البر، وابن كثير، وابن التركماني، والزيلعي، والشيخ أحمد شاكر، والألباني، والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهم. قالوا: وأما ما أعل به الحديث فهو غير قادح، وبيانه كما يلي: أما العلة الأولى، وهي أن عروة ليس هو ابن الزبير، وإنما هو عروة المزني فهذا مردود بما يلي: ١ - أنه قد ورد تسميته عند غير واحد من الثقات ممن روى الحديث عن وكيع مثل الإمام أحمد في المسند - كما تقدم في سياق «سنده» - وابن ماجه. ٢ - ما جاء في اخر الحديث من قول عروة فقلت لها: (من هي إلا أنت؟ فضحكت)، وغير عروة بن الزبير لا يَجْسُرُ أن يقول هذا الكلام لعائشة، لأنها خالة عروة.

стр. 295

٣ - أنه سيأتي أن الأعمش صرح في الحديث بأنه حدثه شيوخه عن عروة المزني، فلو كان عروة هذا مجهولاً فكيف يحدث عنه الكثيرون؟! فعلم أنه عروة بن الزبير، ووصفه بالمزني غلط من أحد الرواة، كما سيأتي. ٤ - أن المعروف عند المحدثين أن من يُذكر غير منسوب يحمل قطعاً على المشهور المتعارف بينهم، لا على المجهول، وعلى تقدير صحة ما قيل: إن عروة هو المزني؛ أفلا يحتمل أن حبيباً سمعه من ابن الزبير وسمعه من المزني - أيضاً - كما يقع ذلك في بعض الأحاديث. وأما العلة الثانية وهي الانقطاع فمردودة - أيضاً - فإن حبيب بن أبي ثابت - وهو ثقة متفق على توثيقه - لا يُنْكَرُ لقاؤه عروة؛ لأنه قد روى عمن هو أكبر من عروة وأجلّ وأقدم موتاً، وهو إمام من أئمة العلماء الجلّة. ذكر ذلك ابن عبد البر، وقال في موضع اخر: (لا شك أنه لقي عروة) (١)، ويؤيد ذلك ما تقدم من قول أبي داود: (وقد روى حمزة الزيات عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثاً صحيحاً)، والمراد بهذا الحديث ما أخرجه الترمذي في كتاب (الدعوات) من جامعه: حدثنا أبو كريب، أخبرنا معاوية بن هشام، عن حمزة الزيات، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري .. » (٢). والذي يظهر أن علة الانقطاع غير مدفوعة، لأن قول ابن عبد البر لا يقابل قول الأئمة الكبار - كما تقدم - وليس عند ابن عبد البر إلا مجرد إمكان اللقي، وهذا لا يبرر سماع حبيب من عروة، ولا يكفي في رد كلام الأئمة. وأما مقولة أبي داود فهي من طريق حمزة الزيات، وتقدم ما فيه، ثم إن صح فهو محمول على حديث خاص، وهذا لا يعني أن حبيباً سمع من عروة مطلقاً. وقد ورد حديث الباب من طريق أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قبّلها ولم يتوضأ. أخرجه أبو داود (١٧٨)، والنسائي

стр. 296

(١/ ١٠٤) لكنه مرسل؛ لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، كما قال أبو داود بعد سياقه الحديث، والنسائي، والترمذي (١)، وغيرهم، ويؤكد ذلك أن إبراهيم التيمي توفي سنة (٩٢ هـ) وله أربعون سنة، وتوفيت عائشة سنة (٥٨ هـ)، وأما أبو روق فاسمه عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، وقد ضعفه ابن حزم (٢) والبيهقي (٣) والحق أنه ثقة، فقد قال أحمد كما نقل عنه ابنه عبد الله (٤): (ليس به بأس) وكذا قال النسائي، ويعقوب بن سفيان، وقال في موضع اخر: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صدوق) (٥). وله طريق ثالث عن عبد الرحمن بن مَغْراءَ، عن الأعمش، عن أصحاب له، عن عروة المزني، عن عائشة، أخرجه أبو داود (١٨٠) وإسناده ضعيف، عبد الرحمن بن مغراء متكلم فيه، قال ابن المديني: (ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث، فتركناه، لم يكن بذلك)، وقال ابن عدي: (وهذا الذي قاله علي بن المديني هو كما قال، إنما أُنكرت عليه أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه الثقات عليها) (٦)، ثم إن الإسناد فيه رواة مجاهيل؛ لأن الأعمش قال: أصحاب لنا، فهم مجهولون، ولم يُسمّ منهم إلا حبيب بن أبي ثابت، وعروة المزني قال عنه الذهبي: (شيخ لحبيب بن أبي ثابت لا يعرف) (٧)، وقال في «التقريب»: (مجهول). وخلاصة ذلك أن هذا الحديث معلول، وله طرق وشواهد معلولة أيضاً، وقد ذكر شيئاً منها الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «جامع الترمذي»، وحكم بأن بعضها صحيح، وبعضها يقارب الصحيح (٨). الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن تقبيل المرأة ولمسها لا ينقض الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، ذكرها

стр. 297

ابن قدامة (١)، وروي ذلك عن علي وابن عباس ﵄ وعطاء وطاووس والحسن ومسروق، وهو القول الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ عبد العزيز بن باز ﵏. والقول الثاني: أن لمس المرأة ينقض الوضوء مطلقاً، سواء أكان بشهوة أم بدون شهوة، وهذا قول الشافعية، ورواية عن أحمد (٢)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فقد قرأ حمزة والكسائي - من السبعة - (أو لمستم النساء) بغير ألف، فيكون المراد اللمس باليد؛ لأن اللمس حقيقة في المس باليد، والملامسة مجاز في الجماع أو كناية، ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة، والآية قد أوجبت الوضوء، فيكون لمس المرأة ناقضاً للوضوء. أما أصحاب القول الأول فيقولون: المراد بالآية: الجماع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والقول الثالث: التفصيل وهو أنه إن كان اللمس بشهوة نقض الوضوء وإن لم يكن بشهوة لم ينقض، وهذا هو المشهور من المذهب عند الحنابلة، وهو قول مالك وجماعة من السلف، واستدلوا: ١ - بالآية السابقة، وحملوها على اللمس بشهوة؛ لأن الشهوة مظنة الحدث، فوجب حمل الآية عليه. وبهذا يتبين أن سبب الاختلاف في هذه المسألة - كما يقول ابن رشد - اشتراك اسم اللمس في كلام العرب بين اللمس باليد، وبه فسر أصحاب القول الثاني الآية، وبين الجماع، وهو تفسير أصحاب القول الأول (٣). ٢ - حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ

стр. 298

ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (١). ولو كان مجرد اللمس ينقض الوضوء لانتقض وضوء النبي ﷺ واستأنف الصلاة. ٣ - قالوا: ولأن إيجاب الوضوء على من مس مطلقاً لا يخلو من إيقاع الناس في الحرج والمشقة، فقد لا يسلم منه أحد، وما فيه حرج فهو منتفٍ شرعاً. والراجح - والله أعلم - هو القول الأول، وهو أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً، إلا إن خرج منه شيء من مذي أو نحوه، ووجه الترجيح ما يلي: ١ - حديث عائشة ﵂ الوارد في الصحيحين، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ عن عائشة ﵂ قالت: (فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه … الحديث) (٢). ٢ - أن الأصل عدم النقض وبقاء الطهارة حتى يرد دليل صريح صحيح على ذلك. ٣ - ولأن لمس المرأة مما تعم به البلوى في البيوت، فلو كان ذلك ناقضاً للوضوء لبينه النبي ﷺ للأمة بياناً واضحاً، فلما لم يبينه دل على أنه لا ينقض الوضوء. وأما الآية الكريمة فلا دلالة فيها على ما ذكر؛ لأن المراد بالملامسة الجماع، وليس اللمس باليد، لما يلي: ١ - أن ابن عباس، وهو حبر الأمة وترجمان القران الذي علمه الله تأويل كتابه واستجاب فيه دعوة رسوله، فَسّرَ الملامسة بالجماع، فقد عَلَّقَ

стр. 299

البخاري في صحيحه عنه أنه قال: (الدخول والمسيس واللماس هو الجماع) (١)، وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة أن عبيد بن عمير وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح اختلفوا في الملامسة، قال سعيد وعطاء: هو اللمس والغمز، وقال عبيد بن عمير: هو النكاح، فخرج عليهم ابن عباس وهم كذلك، فسألوه وأخبروه بما قالوا، فقال: أخطأ الموليان، وأصاب العربي، وهو الجماع، ولكن الله يَعِفّ ويكني (٢)، وتفسيره أرجح من تفسير غيره لتلك المزية. وقد ورد هذا التفسير عن جماعة من السلف، كما نقل ذلك ابن جرير في «تفسيره» (٣)، قال ابن كثير: (وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك) (٤)، وقد رجح ذلك ابن جرير (٥). ٢ - أنه إذا حمل لفظ الملامسة أو اللمس في القراءة الأخرى على الجماع تكون الآية شاملة للحدثين: الأصغر في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والأكبر في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهذا أبلغ وأشمل، أما إذا أريد منه المس باليد - مثلاً - فإنه يكون قليل الفائدة، إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من موجبات الوضوء، فتخلوا الآية من ذكر موجب الغسل، وهو الحدث الأكبر. ٣ - أن تفسير اللمس في الآية بالجماع فيه جمع بين الأدلة وإعمال لها كلها، بخلاف ما إذا فسر باللمس باليد فإن ذلك يلغي دلالة السنة على عدم الوضوء من لمس المرأة. وأما قولهم: إن اللمس حقيقة في المس باليد فهذا صحيح، لكنه تعورف عند إضافته إلى النساء في معنى الجماع، بل يكاد يكون ظاهراً فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع.

стр. 300

وأما حمل الآية على اللمس بشهوة لكون ذلك مظنة الحدث فمردود بأن المظنة لا تنقض الوضوء، ما لم تكن قوية؛ لأن الأصل الطهارة، كما سيأتي في حديث أبي هريرة ﵁. وأما حديث عائشة الذي في الصحيحين فهو دليل على أن اللمس لا ينقض الوضوء، وأما قول الحافظ: (وتعقب باحتمال الحائل أو الخصوصية) (١) فليس بشيء؛ لأن الأصل عدم الخصوصية إلا بدليل، كما في الأصول، فكيف تبنى المسائل على الاحتمال، وأما احتمال الحائل فلا يفكر فيه إلا متعصب (٢)، وقد خالف الحافظ في كلامه هنا ما ذكره في «التلخيص» (٣) من أن الحديث دليل على أن اللمس في الآية الجماع؛ لأنه مَسّها في الصلاة واستمر، وهذا هو الحق إن شاء الله. وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأن لمس المرأة ينقض الوضوء بلا شهوة قولاً شاذاً، ليس له أصل في الكتاب، ولا في السنة، ولا في أثر عن أحد من سلف الأمة، ولا هو موافق لأصول الشريعة، فإن اللمس العاري عن شهوة لا يؤثر في شيء من العبادات، فمن جعله مفسداً للطهارة فقد خالف الأصول (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 301

حكم الشك في الحدث مع تيقُّن الطهارة ٧١/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيْئاً، فَأَشْكلَ عَلَيْهِ: أَخرَجَ مِنْهُ شيءٌ، أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنّ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحاً». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (٣٦٢) في كتاب «الحيض» باب «الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك» من طريق جرير بن عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه (١)، عن أبي هريرة ﵁. وقد جاء في معناه أحاديث أخرى، تأتي إن شاء الله. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً) أي: إذا حسّ بتردد الريح في بطنه، وهو صوت الأمعاء، وهو القرقرة: أي: قرقرة البطن (٢). قوله: (فأشكل عليه) أي: التبس عليه الأمر أَوُجِدَ ناقض أم لا؟ قوله: (فلا يخرجن من المسجد) أي: لأجل أن يتوضأ. قوله: (حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) أي: حتى يتيقن الحدث بسمعه أو شمه و (أو) للتنويع، وخص السمع والشم بالذكر لكونهما الغالب، وإلا فلو

стр. 302

كان لا يسمع ولا يشم لآفة أو مرض وتيقن بغير هذين الطريقين انتقض وضوؤه. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المتطهر إذا شك في الحدث لم يلزمه الوضوء، بل يصلي بطهارته تلك حتى يتيقن أنه أحدث، إما بسماع صوت أو شم ريح. وقد دل على ذلك - أيضاً - حديث عبد الله بن زيد ﵁ أنه شكا إلى النبي ﷺ الرجل الذي يخيل أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (١). الوجه الرابع: هذا الحديث دليل على قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة وهي (اليقين لا يزول بالشك)، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهي من القواعد الفقهية الكبرى التي يتخرج عليها فروع فقهية كثيرة في العبادات والمعاملات والعقود. قال القرافي: (هذه قاعدة مجمع عليها، وهي أن كل مشكوك فيه يُجعل كالمعدوم الذي يُجزم بعدمه) (٢). وقال أبو داود: (سمعت أحمد سُئل عن رجل يشك في وضوئه؟ قال: إذا توضأ فهو على وضوئه حتى يستيقن الحدث، وإذا أحدث في وضوئه فهو محدث حتى يستيقن أنه توضأ) (٣). الوجه الخامس: هذا الحديث سند عظيم لإغلاق باب الوسوسة الذي يدخل منه الشيطان على العبد لإفساد طهارته وصلاته وعبادته. وقد دل هذا الحديث على أنه لا ينبغي للمسلم أن يستسلم للوسواس، فإنه داء عضال، إذا اشتد بصاحبه لا ينفك عنه، فيقع في الحرج والمشقة،

стр. 303

ويواجه عناء في أداء الواجبات؛ لأن الوسواس أكثر ما ينشأ من الشك، ومتى استسلم الإنسان للوساوس وانقاد لها تعب منها، ومتى غَفَلَ عنها ولم يلتفت لها فإنها تزول بإذن الله تعالى. الوجه السادس: دل الحديث على أن الريح ناقض للوضوء، لقوله: «حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». وسيذكر المصنف أحاديث في هذا الموضوع في اخر هذا الباب، وكان الأولى جمعها في موضع واحد، والله تعالى أعلم.

стр. 304

ما جاء في أن مس الذكر لا ينقض الوضوء ٧٢/ ٦ - عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي. أَوْ قَالَ: الرّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصّلَاةِ، أَعَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَا، إنّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وَقَالَ ابْنُ المَدِيني: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو علي، طلق بن علي بن طلق بن عمرو، ويقال: طلق بن علي ابن المنذر بن قيس السحيمي اليمامي مشهور، له صحبة، ووفادة، ورواية، وقد ورد في صحيح ابن حبان عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: بنيت مع رسول الله ﷺ مسجد المدينة، فكان يقول: «قدموا اليمامي من الطين، فإنه من أحسنكم له مسّاً» (١)، روى عنه ابنه قيس، وابنته خلدة وغيرهما (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أبو داود (١٨٢، ١٨٣) في كتاب «الطهارة» باب «الرخصة»، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١/ ١٠١)، وابن ماجه (٤٨٣)، وابن حبان (١١١٩) كلهم من طريق ملازم بن عمرو الحنفي، ثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه. وهو حديث صحيح، قال الطحاوي فيه: (فهذا حديث ملازم، صحيح

стр. 305

مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا في متنه)، ثم أسند عن ابن المديني قوله: (حديث ملازم هذا أحسن من حديث بسرة) (١)، وقال الترمذي: (هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب) (٢)، وقال ابن حزم: (هذا خبر صحيح) (٣) وصححه ابن التركماني (٤). وأخرجه أحمد (٢٦/ ٢١٤) من طريق أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه. وأيوب بن عتبة ضعيف، لكنه توبع، وله طرق أخرى. وضعفه اخرون، ومنهم الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والبيهقي، والدارقطني، وابن الجوزي (٥)، وذلك لأن قيس بن طلق ليس بالقوي عندهم، كما يقول البيهقي (٦). ونقل الدارقطني عن يحيى بن معين قوله: (قد أكثر الناس في قيس، ولا يحتج به) (٧)، وقال الذهبي: (ضعفه أحمد ويحيى في إحدى الروايتين عنه) (٨)، وقد ثبت عن يحيى نقيض ذلك، فروى عنه عثمان بن سعيد الدارمي قال: (قلت: فعبد الله بن نعمان عن قيس بن طلق؟ قال: شيوخ يمامية ثقات) (٩). أما تضعيف أحمد له فقد نقله - أيضاً - ابن الجوزي (١٠)، والذي نقله عنه الخلال أنه قال: (غيره أثبت منه) (١١)، وليس هذا تضعيفاً! وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (١٢)، وقال العجلي: (قيس بن طلق يمامي، تابعي ثقة) (١٣).

стр. 306

وأما قول النووي: (إنه ضعيف باتفاق الحفاظ) (١)، فهو وهم منه، وكأن ابن عبد الهادي أراده بقوله: (وأخطأ من حكى الاتفاق على ضعفه) (٢). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (قال رجل: مَسِسْتُ ذكري) مَسِسَ: من باب تعب، وفي لغة: مَسَسْته مساً، من باب قتل، أفضيت إليه بيدي من غير حائل. قوله: (لا) أي: لا وضوء من مسه. قوله: (بضعة منك) البضعة: بفتح الباء ويجوز كسرها، القطعة من اللحم، والمراد: أنه كاليد والأذن والرجل ونحوهما. الوجه الرابع: الحديث دليل لمن قال: إن مس الذكر لا ينقض الوضوء؛ لأنه وصفه بأنه بضعة من الإنسان، كمسّ أذنه أو يده ونحوهما، وهو قول الحنفية، وبعض المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول ابن المنذر (٣). وسيأتي توضيح هذه المسألة وبيان الراجح فيها في الحديث الآتي، إن شاء الله تعالى.

стр. 307

ما جاء في أن مس الذكر ينقض الوضوء ٧٣/ ٧ - عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: «مَنْ مَسّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضّأْ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحهُ التّرْمِذِيّ وَابْنُ حِبّانَ، وَقَالَ الْبُخَارِيّ: هُوَ أَصَحّ شَيْءٍ في هذَا الْبَابِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي بُسْرة - بضم الباء وإسكان السين المهملة - بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية، وهي بنت أخي ورقة بن نوفل، وأخت عقبة بن معيط لأمه، وقيل في نسبها غير ذلك، وما ذُكر صَوّبه ابن عبد البر. وقال ابن الأثير: (هو الأصح) (١)، روى عنها عبد الله بن عمر، ومروان بن الحكم، وابن المسيب، وغيرهم، قال الشافعي: (لها سابقة قديمة وهجرة)، وقال ابن حبان: (كانت من المهاجرات) (٢)، وقال مصعب بن الزبير: (كانت من المبايعات) (٣). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (١٨١) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من مسّ الذكر»، والنسائي (١/ ١٠٠)، وأحمد (٤٥/ ٢٦٥)، ومالك (١/ ٤٢)، وابن حبان (١١١٢) من طريق عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان:

стр. 308

ومِنْ مَسِّ الذكر، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان .. وذكر الحديث. وأخرجه الترمذي (٨٣)، وابن ماجه (٤٧٩)، وابن حبان (١١١٥) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة بنت صفوان، وفي لفظ لابن حبان: (من مس فرجه فليتوضأ)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ونقل عن البخاري أنه قال: (أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة). وظاهر السياق عند أبي داود وغيره أن الحديث من رواية مروان بن الحكم عن بسرة، وقد طعن فيه بعضهم، بسبب ولايته وأخباره في التاريخ من قَتْلِ طلحة ﵁ وشَهْرِهِ السيف وطلبه الخلافة، وقد دافع عنه ابن حجر، بأن قتله طلحة كان فيه متأولاً، وأما إشهاره السيف في طلب الخلافة فقد كان بعد هذا الحديث، لأنه قد حدث به حينما كان أميراً على المدينة (١)، وقد احتج به البخاري في «صحيحه» ومالك في «الموطأ»، وأحمد في «مسنده» وهذا كافٍ في الاحتجاج به. وقد ورد الحديث من رواية هشام بن عروة، عن عروة، عن بسرة، بدون ذكر مروان، أخرجه الترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٧)، وأحمد (٤٥/ ٢٧٠) وهذه مخالفة لرواية الأكثرين، فإما أن يحكم بشذوذها، أو يقال: إن عروة سمع الحديث من مروان أولاً، ثم أراد أن يستوثق، فلقي بسرة وسمع منها، كما في رواية شعيب بن إسحاق، عند ابن حبان (١١١٣)، والدارقطني (١/ ١٤٦) وغيرهما. الوجه الثالث: الحديث دليل لمن قال: إن مس الذكر وكذا مس الفرج ينقض الضوء، وهو قول الشافعي، وقول لمالك في المشهور عنه، والمشهور في مذهب أحمد (٢)، وهو معارض بحديث طلق بن علي المتقدم

стр. 309

الذي يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، وقد اختلفت كلمة أهل العلم (١) في إزالة هذا التعارض على ثلاثة مسالك، وهي المسالك المعروفة في الأصول: فمن أهل العلم من سلك مسلك النسخ، وأن حديث طلق بن علي منسوخ بحديث بسرة؛ لأن حديثه متقدم، وحديثها متأخر، ودليل تقدمه ما مضى في ترجمته من أنه قدم المدينة على رسول الله ﷺ وهم يبنون المسجد في أول الهجرة. وممن قال بالنسخ: ابن حبان (٢) والطبراني (٣) وابن العربي (٤) والحازمي (٥) والبيهقي (٦) وابن حزم (٧)، وأيد ابن حزم القول بالنسخ بأن قوله ﷺ : «هل هو إلا بضعة منك» دليل على أن ذلك كان قبل الأمر بالوضوء من مس الذكر؛ لأنه لو كان بعده لم يقل ﵊ هذا الكلام، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلاً، وأنه كسائر الأعضاء. لكن القول بالنسخ فيه ضعف لأمرين: الأول: أن القاعدة عند الأصوليين أنه لا يعدل إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الدليلين؛ لأن النسخ إبطال لأحدهما، والجمع بينهما عمل بهما، وهو ممكن. الثاني: أن العلماء قالوا: إن التاريخ لا يعلم بتقدم إسلام الراوي أو تقدم أَخْذِه، لجواز أن يكون الراوي المتأخر رواه عن غيره من الصحابة، ولذا قال الشوكاني: (إن هذا ليس دليلاً عند المحققين من أئمة الأصول) (٨).

стр. 310

المسلك الثاني: مسلك الترجيح، والمحققون على ترجيح حديث بسرة بنت صفوان على حديث طلق بن علي، فيجب الوضوء من مس الذكر، وهذا اختيار الصنعاني (١) والشيخ عبد العزيز بن باز، وذلك لما يلي: ١ - أن حديث بسرة أصح من حديث طلق بن علي، فإنه سليم الإسناد، وحديث طلق ضعفه جماعة، كما تقدم، وقد قال البخاري عن حديث بُسرة: (إنه أصح شيء في هذا الباب) وإن كان شيخه علي بن المديني قد خالفه، فرجح حديث طلق، لكن قول البخاري في هذا الموضع أولى؛ لأنه مؤيد بما سيُذكر. وقد نقل الحافظ عن البيهقي قوله: (يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يخرجه الشيخان، ولم يحتجا بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته، إلا أنهما لم يخرجاه … ) (٢). ٢ - أن حديث بسرة له شواهد كثيرة تعضده، رواها سبعة عشر صحابياً، وحديث طلق لا شاهد له. ومن شواهده: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ» (٣). وحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (٤). وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (٥).

стр. 311

وحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (١). ٣ - ومن مرجحات حديث بسرة أنه ناقل عن البراءة الأصلية التي هي عدم الوضوء من مس الذكر، والناقل عن البراءة الأصلية مقدم؛ لأن معه زيادة علم. ٤ - أن حديث بسرة أحوط وأبرأ للذمة. المسلك الثالث: مسلك الجمع بين الحديثين، وهو مسلك جيد؛ لأن فيه عملاً بكلا الدليلين، وهؤلاء اختلفوا على قولين: الأول: أن مس الذكر يستحب منه الوضوء مطلقاً عملاً بحديث بسرة، ولا يجب عملاً بحديث طلق بن علي، وقد بوب ابن خزيمة في صحيحه بقوله: (باب استحباب الوضوء من مس الذكر) ثم ذكر حديث بسرة، ثم روى بسنده عن مالك أنه قال: (أرى الوضوء من مس الذكر استحباباً ولا أوجبه)، وروى بسنده - أيضاً - عن الإمام أحمد أنه سئل عن الوضوء من مس الذكر، فقال: (أستحبه ولا أوجبه)، ثم اختار القول بوجوب الوضوء كقول الشافعي (٢). واختار هذا القول - وهو الاستحباب - ابن المنذر، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣). الثاني: أنه إن كان المس بشهوة وجب الوضوء لحديث بسرة، وإن كان لغير شهوة لم يجب لحديث طلق، ويؤيد ذلك أنه قال في حديث طلق: «هل هو إلا بضعة منك»، فإن هذا يقتضي أن الحكم في مس الذكر كالحكم في مس سائر الأعضاء الذي لا يقارن مسه شهوة، فإن مسه مساً يخرج به عن مس نظائره من بقية الجسد وهو ما كان بشهوة وجب عليه الوضوء (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 312

بيان شيء من نواقض الوضوء ٧٤/ ٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ، أَوْ مَذْيٌ فلينصرف فَلْيَتَوَضّأْ، ثُمّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذلِكَ لَا يَتكلّم». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. قولنا: (بيان شيء من نواقض الوضوء) هي: القيء، والرعاف، والقَلْسُ، والمذي، والظاهر أن هذا هو غرض الحافظ من إيراد هذا الحديث هنا، وقد بوّب عليه ابن ماجه في كتاب «الصلاة» باب «البناء على الصلاة»، وذكر الحافظ في باب «شروط الصلاة» ما يتعلق بذلك، وأعاد هذا الحديث مرة أخرى هناك على ما في بعض النسخ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن ماجه (١٢٢١) في كتاب «الصلاة» باب «ما جاء في البناء على الصلاة» من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة (١) عن عائشة ﵂ به. وهذا الحديث من أفراد ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وإسناده ضعيف، ضعفه البوصيري (٢)، وسبب ضعفه: ١ - أنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، وابن جريج حجازي، وإسماعيل شامي، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد

стр. 313

خالفه الحفاظ في روايته، قال عنه في «التقريب»: (صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط عن غيرهم). ٢ - أن الحفاظ أصحاب ابن جريج خالفوا إسماعيل في روايته، فرووه عن عبد الملك بن جريج، عن أبيه عبد العزيز بن جريج، عن النبي ﷺ مرسلاً، ونقل ابن عدي عن الإمام أحمد: أن الصواب عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلاً (١). وقال أبو حاتم عن وصل الحديث: (هذا خطأ، وإنما يروونه عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسلاً) (٢). ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال في حديث ابن جريج، عن أبيه: (ليست هذه الرواية بثابتة عن النبي ﷺ (٣). وعلى هذا فالصواب أن رفع إسماعيل له شاذ، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسلاً. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من أصابه قيء) القيء: بالهمزة، إلقاء ما أكل أو شرب، أو هو ما قذفته المعدة عن طريق الفم. قوله: (أو رعاف) بضم الراء المهملة، وهو خروج الدم من الأنف، وفعله رَعَفَ رَعْفاً من بابي: (قتل) و (نفع) ورَعُفَ بالضم لغة، وقيل: الرعاف الدم نفسه، وأصله: السبق والتقدم، وفرس راعف، أي: سابق، والرعاف سَبَق علم الراعف وتقدم. قوله: (أو قَلْسٌ) بفتح القاف وسكون اللام، يقال: قَلَس قلْساً، من باب (ضرب): خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم، وذلك أثناء الجشا، وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم أو دونه، فإن غلب فهو قيء،

стр. 314

والقَلَس: - بفتحتين - اسم للمقلوس، وهو ما يخرج من الفم. قوله: (أو مذي) تقدم. قوله: (وليبن على صلاته) أي: أو ليحسب ما كان قد صلى قبل الوضوء من ركعة أو أكثر، ويصلي ما كان باقياً. قوله: (وهو في ذلك لا يتكلم) أي: في حال انصرافه ووضوئه. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الخارج النجس من غير السبيلين كالقيء، والقَلَسِ، والرعاف أنه ناقض للوضوء، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، على تفاصيل عندهم؛ لأنه خارج نجس، وكل خارج نجس من البدن فهو ناقض عندهم (١). كما استدلوا بحديث مَعْدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء ﵁: (أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ، فلقيت (٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه) (٣)، لكن لا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلا بأمرين: الأول: أن تكون الفاء للسببية، وهي ليست نصاً في ذلك، بل يحتمل أن تكون للتعقيب. الثاني: أن يكون لفظ (فتوضأ) بعد لفظ (قاء) محفوظاً، وهو محل بحث (٤) .. ثم لو ثبت ذلك فلا دليل فيه، كما سيأتي. والقول الثاني: أن الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء،

стр. 315

وأن من قاء أو رَعَفَ فإن طهارته باقية، وهو قول الشافعي، ومالك، ورواية عن الإمام أحمد (١)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وهو اختيار الشوكاني (٣) والشيخ عبد الرحمن السعدي (٤) والشيخ عبد العزيز بن باز. واستدلوا بما يلي: ١ - حديث جابر ﵁ في قصة عَبَّاد بن بشر في غزوة ذات الرقاع عندما أصيب بسهام وهو يصلي وخرج منه دماء كثيرة واستمر في صلاته (٥)، قالوا: ويبعد أن لا يطلع النبي ﷺ على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أنكر أو أخبره بأن صلاته بطلت. ٢ - وجوب البقاء على البراءة الأصلية، فلا يحكم بالنقض حتى يثبت الشرع، ولا يصار إلى أن الدم أو القيء ناقض إلا لدليل ناهض، والقياس ممتنع في هذا الباب؛ لأن علة النقض غير معقولة، وهي مختلفة. والراجح - والله أعلم - أن الرعاف والقيء والقَلَسَ لا تنقض الوضوء، لعدم وجود أدلة واضحة تدل على ذلك، فيبقى الأصل وهو عدم النقض إلا بدليل شرعي، ولأن الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي. وأما ما استدل به القائلون بالنقض، فحديث الباب ضعيف - كما تقدم - فلا تقوم به حجة، وأما حديث أبي الدرداء فإنه لا يدل على وجوب الوضوء من القيء، فإن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهراً وغير طاهر، ولأن هذا

стр. 316

فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، بل يدل على مشروعية التأسي، فمن توضأ من باب الاحتياط فهو حسن، وأما الوجوب فليس عليه دليل ظاهر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا توضأ من الرعاف فهو أفضل، ولا يجب عليه في أظهر قولي العلماء) (١). وقال أيضاً: (استحباب الوضوء من القيء متوجه ظاهر، والفعل إنما يدل على الاستحباب) (٢). وأما انتقاض الوضوء بخروج المذي فقد مضى الكلام عليه وأنه ناقض للوضوء بالإجماع. وأما غير دم الرعاف، وهو الدم الخارج من أي موضع من البدن غير السبيلين، فسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - عند حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ احتجم ولم يتوضأ. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي وهو في الصلاة أنه ينصرف ثم يتوضأ ويبني على صلاته، وشَرْطُ ذلك ألا يتكلم، لقوله في اخر الحديث: (وهو في ذلك لا يتكلم) ولكن الحديث ضعيف كما تقدم، والصواب أن الحدث كالمذي والريح ونحوها تفسد الصلاة، كما سيأتي في باب «شروط الصلاة» من حديث علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة». أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان، لكنه حديث ضعيف، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.

стр. 317

حكم لحم الإبل والغنم من حيث النقض وعدمه ٧٥/ ٩ - عَنْ جَابِر بن سَمُرَةَ ﵄ أَنّ رَجُلاً سَأَلَ النّبِيَّ ﷺ : أَتَوَضّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ» قَالَ: أَتَوَضّأُ مِنْ لُحُومِ الإبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، جابر بن سمرة بن جُنادة العامري السُّوائي - بضم السين المهملة وتخفيف الواو - نسبة إلى سُواءَ من أجداده، له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة، ومات بها سنة ست وستين، وقيل: أربع وسبعين (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «الوضوء من لحوم الإبل» (٣٦٠) من طريق أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل»، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا». قال ابن خزيمة: (لم نر خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل، ورَوَى هذا الخبر - أيضاً - عن جعفر بن أبي ثور أشعثُ بن

стр. 318

أبي الشعثاء المحاربي، وسماكُ بن حرب، فهؤلاء الثلاثة من أجلة رواة الحديث، قد رووا عن جعفر بن أبي ثور هذا الخبر) (١). وقد أخرجه مسلم - أيضاً - من هذين الطريقين: طريق سماك بن حرب وأشعث بن أبي الشعثاء. وكأن ابن خزيمة يقصد بذلك - والله أعلم - الرد على من أعلّ الحديث بجعفر بن أبي ثور راويه عن جابر بن سمرة وأنه مجهول، ونُسب هذا إلى علي بن المديني (٢)، وهذا ليس بصحيح، فإن جعفراً هذا مشهور، وهو يروي عن جده جابر بن سمرة، وقد أودع مسلم حديثه في «صحيحه». الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الوضوء من لحم الغنم لا يجب، وإنما يباح لقوله: «إن شئت» لأنه غير ناقض للوضوء، ويكون هذا الوضوء بهذا الاعتبار تجديداً للوضوء السابق، فيستدل به على جواز ذلك. الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب الوضوء من لحم الإبل؛ لقوله: «نعم» لأنه ناقض للوضوء، وهذا مذهب الإمام أحمد، وهو من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن المنذر وابن خزيمة واختاره البيهقي، وحكي عن جماعة من الصحابة، ورجحه ابن القيم (٣)، ورجحه النووي، وقال: (هذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه) (٤). وقال الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: لحم الإبل لا ينقض الوضوء (٥)، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان اخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار) وفي لفظ: (مما مسَّت النار) (٦).

стр. 319

ووجه الدلالة: أن قوله: (مما مست النار) عام فيدخل فيه لحم الإبل؛ لأنه من أفراد ما مسته النار، بدليل أنه لا يؤكل نيئاً، بل يؤكل مطبوخاً، فلما نُسخ الوضوء مما مسته النار نُسخ الوضوء من أكل لحوم الإبل أيضاً. والقول الأول هو الراجح في هذه المسألة؛ لأن حديث الباب نص في الموضوع، ويؤيد حديث الباب، حديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضؤوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا تتوضؤوا منها .. » الحديث (١). وأما حديث جابر ﵁ فعنه ثلاثة أجوبة: الأول: أنه حديث مضطرب، كما قال أبو حاتم (٢)، وله علة أخرى فقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله هذا صدوق، في حديثه لين، كما في «التقريب» (٣). الثاني: على فرض صحته فلا دلالة فيه؛ لأن لحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مَسِّ النار، بل لمعنى يختص به ويتناوله نيئاً ومطبوخاً. الثالث: أن ما قاله جابر نقل للفعل لا للقول، فإنهم قد شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ (٤). وحديث جابر ﵁ لا معارضة بينه وبين حديث الباب وما في معناه حتى يقال بالنسخ، بل حديث جابر عام، وحديث الباب خاص، فيقدم الخاص على العام، ويخرج عن العام الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، فلا يتوضأ مما مست النار إلا من لحم الإبل. الوجه الخامس: لا فرق في النقض من لحوم الإبل بين أن يكون

стр. 320

اللحم قليلاً أو كثيراً أو نيئاً أو مطبوخاً، لصدق اسم اللحم على ذلك. وقد اختلف العلماء هل نقض الوضوء خاص باللحم، أو شامل لجميع أجزاء الإبل من الهبر - وهو قطع اللحم (١) ـ أو الكرش أو الكبد أو الكلية أو الأمعاء وما أشبه ذلك، على قولين: الأول: أنه شامل لجميع أجزاء الإبل، وهذا وجه في المذهب عند الحنابلة، واختاره ابن سعدي (٢)، ودليل ذلك ما يلي: ١ - أن لفظ اللحم في الشرع يشمل جميع أجزاء الحيوان، بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، ولحم الخنزير شامل لكل ما حواه الجلد، بل الجلد كذلك، وكون بعض الأجزاء له اسم خاص لا يدلّ على خروجه عن حكم اللحم. ٢ - أن العموم المعنوي يؤيد ذلك، فإن الهبر وبقية الأجزاء يتغذى بدم واحد، وطعام واحد، وشراب واحد، والرسول ﷺ لم يفصل للسائل، وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا وهذا، فلو كان اللحم يختلف لم يترك الرسول ﷺ بيانه. ٣ - أنه ليس في الشريعة الإسلامية حيوان تتبعض الأحكام في أجزائه، فيكون بعضها حلالاً وبعضها حراماً، وإنما الحيوان إما حرام كله كالخنزير، وإما حلال كله كبهيمة الأنعام. القول الثاني: أنه لا ينقض إلا اللحم فقط، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وقال الزركشي: (هو اختيار الأكثرين) (٣)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (٤)، واستدلوا بأن النص ورد في اللحم، وغير اللحم مما ذكر لا يتناوله النص.
следующие страницы →