← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وأم سلمة وغيرهم ﵃، وقد حدث عنه عمر بن عبد العزيز وأبناؤه، وابن شهاب الزهري، وغيرهم ﵏، مات ﵀ سنة الفقهاء سنة أربع وتسعين، على أحد الأقوال (١). ° الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الاستقراض"، باب "إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة، فهو أحق به" (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: … فذكره. وأخرجه مالك (٢/ ٦٧٨) ومن طريقه أبو داود (٣٥٢٠) عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، مرسلًا، به، وتابع مالكًا يونس، أخرجه أبو داود (٣٥٢١) فذكر معنى حديث مالك، وزاد: "وإن قضى من ثمنها شيئًا، فهو أسوة الغرماء". وأخرجه أبو داود (٣٥٢٢)، وابن الجارود (٦٣٢)، والدارقطني (٣/ ٣٠)، والبيهقي (٦/ ٤٧) من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، هكذا موصولًا، بنحوه، وزاد: "وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء". وقد ضعفه أبو داود، فقال: (حديث مالك أصح) وتبعه البيهقي، فقال: (لا يصح) يعني موصولًا، وقال الدارقطني: (إسماعيل بن عياش، مضطرب الحديث، ولا يثبت هذا عن الزهري مسندًا، وإنما هو مرسل). وقال ابن عبد الهادي: (رواه مالك وأبو داود هكذا مرسلًا، وقد أُسند من وجه غير قوي) (٢).

стр. 2557

وقد مال الحافظ في "التلخيص" (١) إلى تصحيح الحديث، وصححه -أيضًا- الألباني (٢). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وصله أبو داود … ولم يضعفه، ولكن قال: حديث مالك أصح (يعني: المرسل) ولا يقتضي هذا تضعيف الموصول، إذ لا يلزم من نفي الأصحية نفي الصحة، بل ذلك أدل على إثبات الصحة من نفيها، وهذا الإسناد جيد … والمرسل المذكور يعضد الموصول ويقويه، والله أعلم) (٣) ولكن يبدو لي أن كلام الأئمة الكبار أمثال الدارقطني مقدم على كلام من جاء بعدهم. ولعل الحافظ ذكر هذه الرواية عند أبي داود ومالك؛ لأن فيها بعض الشروط في مسألة من وجد ماله عند مفلس، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه. وأما الرواية الأخيرة فقد أخرجها أبو داود (٣٥٢٣)، وابن ماجه (٢٣٦٠)، والحاكم (٢/ ٥٠) من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر، عن عمر بن خَلْدة (٤) قال: … وذكر الحديث. وهذا سند ضعيف؛ لأن أبا المعتمر، وهو ابن عمر بن رافع المدني مجهول الحال، كما في "التقريب" وغيره، وتعقبه الألباني بأنه مجهول العين؛ لأنه لم يرو عنه أحد غير ابن أبي ذئب (٥). وقد حكى المنذري عن أبي داود أنه قال بعد هذا الحديث: (من يأخذ بهذا؟ أبو المعتمر: من هو؟ لا يعرف) (٦). وأما تصحيح الحاكم لهذا الحديث ففيه نظر، لما عرفت من حال

стр. 2558

أبي المعتمر، وكذا سكوت الذهبي عن تصحيح الحاكم مع أنه قال عنه: (لا يعرف) (١). ولعل غرض الحافظ من سياق هذه الرواية بيان أن الموت ملحق بالفلس في رجوع من وجد متاعه بعينه، كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله. ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (من أدرك ماله) هذا لفظ عام، يشمل من كان له مال عند آخر بقرض أو بيع أو وديعة أو غير ذلك، وترجمة البخاري على الحديث كما تقدم تفيد ذلك، وقد ورد في أحاديث أخرى التصريح بلفظ البيع، ومنها ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان بالإسناد المتقدم عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: "إذا ابتاع الرجل سلعة، ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء" (٢)، لكن هذا لا يقتضي تخصيص المسألة بالبيع؛ لأن الخاص الموافق للعام في الحكم لا يخصص العام، كما في الأصول. قوله: (بعينه) أي: لم يتغير ولم يتبدل بزيادة أو نقص. قوله: (عند رجل) في رواية أخرى: (عند رجل أو إنسان) وهذا قيد أغلبي، وإلا فالمرأة حكمها كذلك، ولعل تخصيص الرجل بالذكر؛ لأن أكثر من يتعامل بالمال هم الرجال. قوله: (قد أفلس) أي: افتقر، قال ابن الأثير: (أفلس الرجل: إذا لم يبق له مال) (٣) والمفلس في عرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخَرْجُهُ أكثر من دخله، سمي مفلسًا: لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسًا، أو لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، أو لأنه يُمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة (٤).

стр. 2559

قوله: (فهو) الضمير يعود إلى (من). قوله: (أحق به من غيره) أي: أحق بماله من غيره كائنًا من كان؛ لأنه وجد ماله بعينه فلا ينازعه فيه أحد، فإن ماله موجود، ومال غيره مفقود. قوله: (أسوة الغرماء) أي: حظ البائع من هذا المتاع كحظ سائر الدائنين، لا مزية له فيه عليهم. والغرماء: جمع غريم، والغريم: هو الخصم، وهو من الأضداد يقال: غريم: من عليه الدين، ولمن له الدين، والمراد هنا الثاني. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من وجد ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فله الرجوع فيه، وفسخ العقد إن كان بيعًا أو غيره، وهذا مذهب جمهور العلماء، ودلالة الحديث على هذا واضحة وقوية جدًّا، ولهذا قال الاصطخري من أصحاب الشافعي: (لو قضى القاضي بخلافه، نقضت حكمه) (١). وقال أبو حنيفة والحسن والنخعي: البائع أسوة الغرماء (٢)؛ لأن السلعة صارت بالبيع ملكًا للمشتري ومن ضمانه، قالوا: والحديث خبر واحد، مخالف للأصول. وهذا اعتذار مردود، فإن الحديث مشهور، ورد من حديث ابن عمر وأبي هريرة وسمرة، وقضى به عثمان ﵃، وعمر بن عبد العزيز ﵀، قال الشوكاني: (والاعتذار بأنه مخالف للأصول اعتذار فاسد، لما عرفناك من أن السنة الصحيحة هي من جملة الأصول، فلا يترك العمل بها إلا لما هو أنهض منها، ولم يرد في المقام ما هو كذلك) (٣).

стр. 2560

° الوجه الخامس: اشترط العلماء في هذه المسألة شروطًا أخذوها من مجموع أحاديث هذه المسألة، وهي ثلاثة: ١ - أن تكون عين المتاع موجودة عند المشتري المفلس لم تتغير بذهاب صفة من صفاتها بما يزيل اسمها، كخياطة الثوب، وخبز الحب، وجَعْلِ الخشب بابًا، ومثله لو تلف بعض الثوب، أو تضررت السيارة، أو انهدمت الدار أو بعضها، ونحو ذلك، وهذا الشرط مأخوذ من قوله: "بعينه" فإن تغيرت صفات المتاع أو تلف بعضه فصاحبه أسوة الغرماء؛ أي: مثل الغرماء، وهم أصحاب الديون على هذا المفلس، فيأخذ كما يأخذون، ويحرم كما يحرمون، وهذا قول الجمهور. ٢ - ألا يتعلق بالمتاع حق من شفعة أو رهن، وأولى من ذلك ألّا يباع ولا يوهب ولا يوقف، ونحو ذلك، فلا رجوع للبائع على المشتري في شيء من ذلك، ما لم يكن تصرف المشتري حيلة لإبطال الرجوع، فالحِيَلُ باطلة، وهذا الشرط داخل في قوله: "بعينه" لأن المتاع بهذه التصرفات شبيه بالمتلف، حيث لم يجد متاعه بعينه. ٣ - أن يكون الثمن غير مقبوض من المشتري، فإن قبض البائع شيئًا من الثمن فلا رجوع له على المفلس بعين ماله، بل هو أسوة الغرماء، وقد دل على هذا الشرط رواية مالك وأبي داود في قوله: "ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا" ولأن في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضًا للصفقة على المشتري وإضرارًا به. ٤ - أن يكون المشتري حيًّا، فإن مات فلا رجوع للبائع بل هو أسوة الغرماء، لقوله في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن: "وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، ويمكن أن يستفاد هذا الشرط -أيضًا- من قوله: "عند رجل" فإن هذا ما وجد ماله عند رجل -وهو المشتري- وإنما وجده عند الورثة، ولأن الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة، أشبه ما لو باعه، وهذا قول مالك وأحمد وإسحاق.

стр. 2561

وقالت الشافعية: إن الموت كالإفلاس (١)، فللبائع الرجوع وأخذ عين ماله إذا مات المشتري، مستدلين برواية عمر بن خلدة. والأول أرجح، لقوله في حديث أبي هريرة المتقدم: "وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء". وأما رواية عمر بن خلدة التي فيها التسوية بين الإفلاس والموت وأنه يثبت الرجوع فيهما فقد أجيب عنه بجوابين: ١ - أنه حديث ضعيف كما تقدم، فلا تقوم به حجة. ٢ - أنه غير معمول به إجماعًا؛ لأنه جَعَلَ المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري من غير شرط فلسه ولا تعذر وفائه، ولا عدم قبض ثمنه، والأمر بخلاف ذلك عند جميع العلماء (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2562

تحريم مطل الواجد وما يباح في حقه ٨٦٦/ ٢ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَعَلَّقَهُ الْبُخارِيُّ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عمرو بن الشريد -بفتح الشين بوزن الطويل- بن سُويد، أبو الوليد الثقفي الطائفي، روى عن أبيه، وأبي رافع، وابن عباس، وآخرين ﵁، وروى عنه إبراهيم بن ميسرة، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، ويعلي بن عطاء، ومحمد بن ميمون بن مسيكة، وغيرهم، قال العجلي: (حجازي، تابعي، ثقة). وأما أبوه فهو الشريد بن سُويد الثقفي ﵁، قال ابن السكن: (له صحبة) حديثه في أهل الحجاز، سكن الطائف، وكان اسمه مالكًا، فسمي الشريد في قصة ذكرها عبد الرزاق في "مصنفه"، وقيل غير ذلك، وقال أبو نعيم: (شهد بيعة الرضوان) (١). ° الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الأقضية"، بابٌ "في الحبس في الدين وغيره" (٣٦٢٨)، والنسائي (٧/ ٣١٦)، وابن ماجه (٣٦٢٧)، وأحمد (٢٩/ ٤٦٤، ٤٦٥)، وابن حبان (١١/ ٤٨٦) من طريق وبْرِ بن أبي دُليلة، شيخ من أهل الطائف، عن محمد بن ميمون بن مُسيكة -وأثنى عليه خيرًا-، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، مرفوعًا.

стр. 2563

وقد علقه البخاري في كتاب "الاستقراض"، بابٌ "لصاحب الحق مقال" (١). والحديث حسنه الحافظ في "فتح الباري" (٢)، ولعل تحسينه من أجل محمد بن ميمون، فإنه قد أثنى عليه وَبْرُ بن أبي دليلة، كما في سياق الإسناد، وقال الذهبي: (روى عنه وبرة بن أبي دليلة فقط، وقد قال أبو حاتم: روى عنه الطائفيون، وذكره ابن حبان في "الثقات") (٣)، وقال الحافظ في "التقريب": (مقبول)، والحديث حسّنه الألباني -أيضًا- (٤). ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (ليُّ الواجد) هو بفتح اللام، وتشديد الياء، مصدر لوى يلوي ليًا، وأصله: لويًا، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأُدغمت الياء في الياء. ومعناه: التسويف والمطل بتأخير الأداء بلا عذر. والواجد: هو الغني القادر على الوفاء. قوله: (يحل عرضه) بضم الياء من أحلَّ الرباعي؛ أي: يبيح لدائنه أن يصفه بكونه ظالمًا وأنه مماطل. والعرض: بكسر العين، موضع المدح والذم من الإنسان. قوله: (وعقوبته) أي: حبسه أو تأديبه حسب رأي الحاكم. قال سفيان: (عرضه: يقول: مطلتني، وعقوبته: الحبس) (٥). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مطل الغني القادر على أداء الدين وتأخيره الأداء بلا عذر ظلم لصاحب الحق، وأن هذا المطل والتسويف يبيح لصاحب الحق عرضه، بأن يقول عند القاضي أو من يزيل ظلامته: ظلمني ومنعني حقي ونحو ذلك، ولا يكون ذلك من الغيبة، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] فكلُّ من ظُلِمَ فلا

стр. 2564

حرج عليه أن يشتكي ممن ظلمه. كما يبيح عقوبته من حبس أو تأديب أو بهما جميعًا على ما يراه القاضي، حتى يؤدي الحق الواجب عليه، إذا لم يؤد ما عليه إلا بذلك، وهذه إحدى حالات الغريم إذا حلَّ عليه الدين، وهي أن يكون موسرًا بجميع الدين، فيجب عليه المبادرة بوفائه، وتحرم عليه المماطلة، ويُلزم بالأداء إن لم يفعل. ° الوجه الخامس: دل الحديث بمفهومه على أن تأخير المعسر أداء ما عليه لا يحل عرضه ولا عقوبته، وإنما الواجب إنظاره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: وإن وُجِدَ صاحب عسرة لا يستطيع الوفاء فعليكم نظرة إلى ميسرة، وقد ورد أحاديث كثيرة في فضل إنظار المعسر، ومنها: ما رواه أبو قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من سرَّه أن ينجيه الله من كُرَبِ يوم القيامة فلينفِّس عن معسر أو يضع عنه" (١) وهذه هي الحالة الثانية من حالات الغريم: وهي أن يكون معسرًا، وبقيت حالة ثالثة: وهي أن يكون معسرًا ببعض الدين، فيحجر عليه إذا طلب ذلك الغرماء أو بعضهم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. والله تعالى أعلم.

стр. 2565

قسم مال المفلس ومشروعية الصدقة عليه ٨٦٧/ ٣ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَينُهُ، فَأَفْلَسَ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيهِ"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلك وَفَاءَ دَينِهِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيسَ لَكُمْ إلا ذلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "استحباب الوضع من الدين" (١٥٥٦) من طريق ليث، عن بكير، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أصيب رجل) أي: ابتلي ونزل به حادثة. قوله: (ابتاعها) أي: اشتراها. قوله: (تصدقوا عليه) أي: لقضاء دينه، وليتبين لغرمائه أنه ليس عنده شيء، فتطيب قلوبهم بما أخذوا، ويسهل عليهم ترك الباقي. قوله: (ولم يبلغ ذلك) في مسلم: (فلم يبلغ ذلك) والمعنى: أن ما جمع له من الصدقة لم يكف لوفاء دينه. قوله: (لغرمائه) جمع غريم، والمراد هنا: من له الدين. قوله: (وليس لكم إلا ذلك) أي: وليس لكم إلا ما وجدتم مما تصُدِّقَ به عليه، وليس لكم تعزيره أو عقوبته أو سجنه.

стр. 2566

° الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب مساعدة المدين وإعانته، وذلك بالصدقة عليه؛ لأن الدين من أهم الواجبات التي يسعى المسلم للتخلص منها، ومن تصدق على أخيه المدين فقد سعى في تخليص ذمته من المطالبة المستقبلة، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الإمكان إن كان وقع ذلك (١). ويجوز إعطاء المدين من الزكاة إذا كان عاجزًا عن وفاء دينه، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] أي: المدينين العاجزين عن الوفاء، ولعموم قوله هنا: "تصدقوا عليه" فإن الزكاة صدقة، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يجب على المدين المفلس أن يسلم إلى الغرماء جميع ماله، ما لم يقض دينهم، لقوله: "خذوا ما وجدتم" وقد أخذ بظاهر الحديث شريح ومالك والشافعي، فقالوا: تباع داره التي يسكنها، ويكتري بدلها، واختاره ابن المنذر، لعموم "خذوا ما وجدتم"، وهذا مما وجدوا، ولأنه عين مال المفلس، فوجب صرفه كسائر ماله. وذهب أبو حنيفة وأحمد وإسحاق (٢) إلى أنه لا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها؛ لأنها بثيابه وقوته أشبه، وأما قوله: "خذوا ما وجدتم" فالظاهر أنه ليس على عمومه، وإنما معناه: خذوا ما وجدتم مما تصدق به عليه؛ لأنه المذكور قبل ذلك. وهذا القول هو الراجح، وهو أن المفلس لا تباع داره التي يسكنها ولا دابته أو سيارته التي يركبها، وكذا آلة صناعته وحرفته، كأدوات نجارة ونحوها، لحاجته إليها، كثيابه ومسكنه، ولوقيل: إنه ينظر إلى سعة الدار وقيمتها، وكذا قيمة السيارة، ويعتاض منهما بأقل من قيمتهما ما كان بعيدًا، ولا سيما في زماننا هذا، وقد نصَّ الفقهاء على ذلك (٣). ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ليس للغرماء أن ينالوا من

стр. 2567

عِرْضِ المدين المفلس ولا أن يطلبوا من الحاكم سجنه، لقوله: "وليس لكم إلا ذلك" وهذا مذهب الجمهور، وحكي عن القاضي شريح سجنه حتى يقضي دينه، والصواب الأول. ° الوجه السادس: هذا الحديث من أدلة القائلين بعدم وضع الجوائح، وأن الثمار المبيعة إذا أجيحت فهي من ضمان المشتري. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أخرج هذا الرجل من جميع ماله وأعطاه غرماءه، ولم يسقط عنه شيئًا من الدين لأجل الجائحة، فدل على عدم وجوب وضع الجائحة. وأجيب عنه: بأن الحديث مجمل؛ لأنه لم يبين سبب كثرة ديون هذا الرجل، وليس فيه أنه أصيب بجائحة، ولا أن النبي ﷺ منع وضع الجائحة، ولا يتم الاستدلال به إلا بإثبات هاتين المقدمتين، وقد تقدم ذلك. ° الوجه السابع: استدل أكثر العلماء بهذا الحديث على أن المفلس إذا قسم ماله وبقيت عليه بقية وله صنعة أن الحاكم لا يجبره على إيجار نفسه ليقضي دينه، وهذا قول مالك والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، كما استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولأن هذا تكسُّب للمال، فلم يجبره الحاكم عليه، كقبول الهبة والصدقة. والقول الثاني: أن الحاكم يجبره على التكسب، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق؛ لأن الإجارة عقد معاوضة، فجاز إجباره عليها، كبيع ماله في وفاء الدين، وهذا القول هو الأظهر، لقوة مأخذه، وهو اختيار الموفَّق، وعبد الرحمن بن قدامة، وأما الآية فالظاهر أنه لا يدخل في عمومها؛ لأنها محمولة على من لا صنعة له (١)، وهذا فيه جمع بين الأدلة، والله تعالى أعلم.

стр. 2568

مشروعية الحجر على المفلس ٨٦٨/ ٤ - عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالهُ، وَبَاعَهُ في دَينٍ كَانَ عَلَيهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا، وَرُجِّحَ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وقد ورد تسميته عبد الرحمن في "المصنف" لعبد الرزاق وغيره، وكان لكعب بن مالك عبد الله وعبيد الله ومحمد ومعبد وعبد الرحمن، وكل واحد منهم قد روى عن أبيه كعب ﵁. قال ابن سعد: (كان ثقة، وهو أكثر حديثًا من أخيه عبد الله، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك) (١). ° الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث روي موصولًا، وروي مرسلًا، فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٣٠، ٢٣١)، والحاكم (٢/ ٥٨، ٣/ ٢٧٣) من طريق أبي إسحاق إبراهيم بن معاوية بن الفرات الخزاعي: حدثنا هشام بن يوسف -قاضي اليمن-، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، به. وقال الحاكم: ( .. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.

стр. 2569

وهذا خطأ فاحش، فإن إبراهيم بن معاوية ليس هو من رجال الصحيحين ولا السنن الأربعة، وقد تفرد به، قال الطبراني عقبه: (لم يروه موصولًا عن معمر إلا هشام، تفرد به إبراهيم). ثم إن الذهبي لما ذكر إبراهيم هذا قال عنه: (ضعفه زكريا الساجي (١) وغيره) (٢). وقد أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٢٦٨) ومن طريقه أبو داود في "المراسيل" رقم (١٦١)، من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، مرسلًا. وهذا المرسل إسناده صحيح، وقد صحح الإرسال جماعة من المحدثين، وهو الذي يفهم من صنيع البيهقي (٦/ ٤٨) وقال عبد الحق: (المرسل أصح) (٣)، وقال ابن عبد الهادي: (المشهور في الحديث الإرسال)، وقال: (الصحيح أنه مرسل) (٤). وترجيح الإرسال يؤكد ضعف إبراهيم بن معاوية، وأنه أخطأ على معمر في وصل الحديث، إن لم يكن الخطأ من هشام بن يوسف، خلافًا لعبد الرزاق عنه فإنه أرسله كما تقدم، وقد رواه سعيد بن منصور في "سننه" من طريق ابن المبارك: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلًا، نقل ذلك ابن عبد الهادي في "التنقيح". وقال ابن الطَّلَّاع: (هو حديث ثابت، وكان سنة تسع من الهجرة، وخَلَّصَهُ رسول الله ﷺ من ماله لغرمائه، وحصل لهم خمسةُ أسباعِ حقوقهم) (٥). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من قل ماله عن الديون التي عليه وسأل غرماؤه الحجر عليه، أن الحاكم يحجر عليه، ومعناه: أن يمنعه من

стр. 2570

التصرف في ماله الموجود، أو الحادث الذي يتجدد بعد الحجر كأرش جناية أو إرث أو هبة، ونحو ذلك، والغرض من هذا الحجر مصلحة الغريم، لئلا يتوسع في الدين، ومصلحة الغرماء لما فيه من حفظ أموالهم حتى لا تضيع حقوقهم، وإنما كان الحجر عن طريق الحاكم لأمرين: الأول: أن الحجر يحتاج إلى اجتهادٍ في الحكم به. الثاني: أن الحجر يحتاج إلى ولاية تشريعية تنفيذية، ولا يقوم بذلك إلا الحاكم، ومثله القاضي. ثم يقسم الحاكم مال المفلس على الغرماء بقدر ديونهم الحالَّة، ويبيع ما ليس من جنس الدين، كمنزل، أو سيارة ونحو ذلك مما هو زائد عن حاجته، إلا إن رضي أحد الغرماء بأخذه عوضًا عن ماله أخذه إن كان بقدر دينه. وقسمة مال المفلس على الغرماء لا تكون بالتساوي، وإنما على قدر ديونهم؛ لأن في ذلك تسوية بينهم ومراعاة لمقدار حقوقهم، كما قال ابن الطلَّاع في قصة معاذ ﵁: (إنه حصل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم). وكيفية القسمة: أن تُنسب الموجود من مال المفلس إلى الدين، ويُعطى كل واحد من الغرماء من دينه بقدر تلك النسبة، فلو كان دينه عشرة آلاف ريال، والموجود من ماله ثمانية آلاف، فإن نسبة الثمانية إلى العشرة أربعة أخماس، فيأخذ كل واحد من الغرماء أربعة أخماس ماله من الدين، فمن له على المفلس خمسة آلاف أخذ أربعة، ومن له ثلاثة أخذ ألفين وأربعمائة، ومن له ألفان أخذ ألفًا وستمائة … وهكذا. والله تعالى أعلم.

стр. 2571

من علامات البلوغ ٨٦٩/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: عُرِضْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفِيي رِوَايَةٍ لِلْبَيهَقيِّ: فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحَّحَهَا ابْنُ خُزَيمَةَ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب "بلوغ الصبيان وشهادتهم" (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨) من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، قال: حدثني ابن عمر ﵄ … وذكر الحديث … وزادا: قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فحدثته، فقال: إن هذا لحدٌّ بين الصغير والكبير، وكتب إلى عماله أن يفرضوا (١) من بلغ خمس عشرة. وزاد مسلم: (ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال). وأما زيادة البيهقي (٦/ ٥٥) فقد أخرجها -أيضًا- ابن حبان (١١/ ٣٠، ٣١) كلاهما من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع، به. وقد نقل الحافظ هنا تصحيحها عن ابن خزيمة، وقال في "الفتح": (هي زيادة صحيحة لا مطعن فيها، لجلالة ابن جريج … وقد صرح

стр. 2572

فيها بالتحديث، فانتفى ما يخشى من تدليسه) (١)، ونقل البيهقي عن ابن صاعد (٢) أنه قال: (في هذا الحديث حرف غريب، وهو قوله: "ولم يرني بلغت"). ولعل غرض الحافظ من ذكر رواية البيهقي أن فيها بيان السبب الذي جعل النبي ﷺ لم يجز ابن عمر ﵄ في أُحد، وهو أنه ﷺ لم يكن رآه قد بلغ، وأجازه في الخندق لقدرته الجسمية والطاقة على القتال (٣). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عرضت على النبي ﷺ ) أي: قُدِّمْتُ إلى الرسول ﷺ ، لينظر إليَّ ويعرف حالي ومقدرتي على القتال. قوله: (يوم أُحد) أي: في غزوة أُحد، وهي سنة ثلاث بلا خلاف. قوله: (فلم يُجزني) بضم الياء، من أجاز الرباعي، بمعنى: أنفذ، والمعنى: لم يأذن لي في الخروج إلى القتال في أُحد، وقوله: "فأجازني" أي: أمضاني وأذن لي في غزوة الخندق لما بلغت خمس عشرة؛ لأنه جعل لي حكم الرجال المقاتلين. قوله: (يوم الخندق) أي: في غزوة الخندق، سنة خمس على القول الراجح (٤)، وعلى هذا يكون سِنُّ ابن عمر ست عشرة؛ لأن بين أُحد والخندق سنتين كاملتين، وقد أجاب ابن القيم عن هذا بجوابين: الأول: أن النبي ﷺ رده لما استصغره عن القتال، وأجازه لما وصل إلى السِّن التي رآها فيها مطيقًا. الثاني: لعله كان في أُحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الخندق في آخر الخامسة عشرة (٥).

стр. 2573

° الوجه الثالث: استدل بحديث ابن عمر ﵄ من قال: إن الخمس عشرة سنة بلوغ، يلزم به الفرائض والحدود وغيرها من الأحكام، وهذا قول الشافعي وأحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وهو قول الأوزاعي (١). وعن أحمد رواية: أن الخمس عشرة بلوغ للذكر وحده دون الجارية. قال أصحاب هذا المذهب: إن العادة الفاشية والغالب أن الاحتلام والحيض يكونان في هذا السن، ولا يتأخر عنه إلا قليل، والعبرة بالعام والغالب لا بالقليل (٢). والقول الثاني: أنه ليس للبلوغ من معين، لا خمس عشرة ولا غيرها، إلا بالاحتلام، وهذا قول داود الظاهري، ورواية عن الإمام أحمد، وقول للإمام مالك، وإليه مال ابن القيم وقوَّاه (٣). مستدلين بما تقدم من حديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم … ". ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل غاية رفع التكليف: الاحتلام، وعلى هذا فإثبات التكليف بغير الاحتلام مخالفة للخبر. وأجابوا عن حديث ابن عمر ﵄ بأنه لا دلالة فيه على البلوغ، وإنما هو محمول على إرادة القدرة والطاقة على القتال، يؤيد ذلك حديث سمرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعرض غلمان الأنصار في كل عام، فيلحق من أدرك منهم. قال: فَعُرضت عامًا، فألحق غلامًا وردني، فقلت: يا رسول الله لقد ألحقته ورددتني، ولو صارعته لصرعته، قال: "فصارعه" فصارعته، فصرعته، فألحقني) (٤).

стр. 2574

ثم إن حديث ابن عمر ليس بدليل واضح على أن البلوغ بخمس عشرة، لما تقدم من أن سِنَّ ابن عمر في الخندق يزيد على خمس عشرة، لوجود سنتين كاملتين بين أُحد والخندق، يقول ابن حزم: (ولا خلاف في أنه يقال في اللغة من بقي عليه من ستة عشر عامًا الشهر والشهران: هذا ابن خمسة عشر عامًا). وهذا القول وجيه، فإنه لم يرد في اعتبار السن بلوغًا حديث، سوى حديث ابن عمر ﵄ من إجازته ورده، ومما يؤيد ذلك اضطراب أقوال العلماء واختلافها في السن الذي يحكم للصبي عنده بالبلوغ، فقيل: أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: سبع عشرة، أو ثمان عشرة، أو تسع عشرة، والله تعالى أعلم.

стр. 2575

البلوغ بالإنبات ٨٧٠/ ٦ - عَنْ عَطِيّةَ الْقُرَظيِّ ﵁ قَال: عُرضْنَا عَلَى النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلهُ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلي. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عطية القرظي -بضم القاف، وفتح الراء- نسبة إلى قريظة، وهم بطن من اليهود كانوا يسكنون المدينة النبوية، وكان بينهم وبين النبي ﷺ عهد، فنكثوا عهدهم، وأظهروا العداوة لما رأوا اجتماع القبائل يوم الخندق، وانضموا إلى الأحزاب، وأوقعوا المسلمين في أشد المواقف حرجًا، فلما هزم الله الأحزاب أمكن الله نبيه منهم، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁ بأن تقتل رجالهم، وتسبى نساؤهم وذراريهم، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت فإنه يسبى، ومن هؤلاء عطية القرظي، فخلي سبيله وأسلم، وصار من عداد الصحابة ﵃. قال ابن عبد البر: (لم أقف على اسم أبيه، وأكثر ما يجيء هكذا: عطية القرظي)، روى عنه جماعة، أشهرهم عبد الملك بن عمير -الكوفي الثقة الفقيه- فقد اشتهر حديثه عنه، وبه عرف (١). ° الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الحدود"، بابٌ "في الغلام يصيب الحد"

стр. 2576

(٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، والترمذي (١٥٨٤)، والنسائي (٦/ ١٥٥)، وابن ماجه (٢٥٤١)، وأحمد (٣١/ ٦٧)، وابن حبان (١١/ ١٠٤)، والحاكم (٢/ ١٢٣) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، أنه سمع عطية القرظي ﵁ يقول: … فذكره. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، غير صحابيه، فإنهما لم يخرجا له. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (يوم قريظة) أي: غزوة قريظة، وكانت بعد الانتهاء من غزوة الأحزاب يوم الخندق سنة خمس. قوله: (من أنبت) الإنبات عند أهل اللغة: ظهور شعر العانة واستبانته، وهذا معناه عند الفقهاء، إلا إنهم يقيدون الشعر الثابت بكونه خشنًا، بحيث يحتاج في إزالته إلى الحلق أو ما يقوم مقامه، كما أنهم يقيدون ذلك بوقت يمكن فيه الاحتلام. * الوجه الرابع: استدل بحديث عطية من قال: إن الإنبات من علامات البلوغ، والمراد به -كما تقدم- الشعر الخشن حول ذكر الرجل أو قبل المرأة، وأما الزَّغَبُ الضعيف فلا اعتبار به؛ لأنه قد ينبت في حق الصغير، وهذا قول مالك، والشافعي في قول له، وأحمد في المشهور عنه، وابن حزم، وجماعة من السلف، وعند الشافعي أن الإنبات بلوغ في حق المشركين يميز به بين الذرية والمقاتلة، فَيُقتل من أنبت، ويترك من لم ينبت (١). ووجه الاستدلال من الحديث واضح، وهو أن الصحابة ﵃ كانوا يكشفون عانة من شكّوا فيه من بني قريظة، أهو من المقاتلة، أم من الذراري؟ فإن وجدوا عانته قد نبتت قتلوه، ومن وجدوه لم ينبت تركوه؛ لأنه ليس بالغًا، فيكون من الذرية ويسْتَرَقُّ.

стр. 2577

والقول الثاني: أن الإنبات ليس بلوغًا ولا من علامات البلوغ، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد؛ لأنه نبات شعر، فأشبه نبات شعر سائر البدن، فلا ينبغي أن يكون دليلًا على البلوغ، أسوة بباقي الشعر في جسم الإنسان (١). وأجاب الأولون بمنع هذا القياس، وذلك أن العادة جرت على أن نبات العانة يصاحب الاحتلام أو يقاربه، فيصح أن يكون علمًا على البلوغ. والذي يظهر -والله أعلم- أن الحديث يدل صراحة على أن من أنبت من الكفار يقتل، ومن لم ينبت فلا يقتل، وأما دلالته على أن الإنبات دليل على البلوغ في حق المسلمين فليس بواضح، وإنما هو يدل على أن الإنبات من علامات البلوغ في حق الكفار؛ لأن الكفار لا يمكن الوقوف على احتلامهم؛ لأن أقوالهم غير مقبولة عندنا، لا سيما في الأمور التي يترتب عليها هلاكهم أو فرض الجزية عليهم، فيعدل إلى علامة لا يمكن إنكارها، وهي الإنبات، فأما في حق المسلمين فليس بدليل على البلوغ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وقال النبي ﷺ : "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم"، وفي رواية: "حتى يبلغ"، ولم يذكر الإنبات، فإثبات البلوغ والتكليف بغير الاحتلام مخالفة للخبر، والمسلمون يمكن الوقوف على مقادير أسنانهم لأنها محفوظة، وأوقات مواليدهم مؤرخة معلومة، ولا سيما في زماننا هذا، وأخبارهم في ذلك مقبولة (٢). والذي أجمع عليه العلماء من علامات البلوغ هو الاحتلام، وهو إنزال المني يقظة أو منامًا، وهو علامة في حق الذكر والأنثى، وكذا الحيض في حق الأنثى، وما عداهما من العلامات، كالسن والإنبات وغيرهما، فهو موضع خلاف بين أهل العلم، والله أعلم.

стр. 2578

حكم تصرف المرأة في مالها بلا إذن زوجها ٨٧١/ ٧ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جدهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا". وَفي لَفْظٍ: "لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمرٌ في مَالِهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عصْمَتَهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلا التِّرْمِذِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأولى: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في عطية المرأة بغير إذن زوجها" (٣٥٤٧)، والنسائي (٥/ ٦٥، ٦٦)، وابن ماجه (٢٣٨٨)، وأحمد (١١/ ٢٦٤، ٢٦٥)، والحاكم (٢/ ٤٧) كلهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. والحديث سنده حسن، على الراجح من كلام أهل العلم في أحاديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، كما قرر ذلك الذهبي وغيره (١)، وقد رواه الإِمام أحمد مطولًا، ولبعض جُمَلِهِ شواهد يصح بها. واللفظ الثاني لأبي داود (٣٥٤٦)، والنسائي (٦/ ٢٧٨)، وأحمد (١١/ ٦٣٢، ٦٣٣) من طريق داود بن أبي هند وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، به.

стр. 2579

والغرض من ذكر هذه الرواية بيان أن المراد بقوله في الرواية الأولى: "لا يجوز لامرأة عطية … " أي: من مالها، فتكون مفسرة للرواية الأولى، وقول السندي في شرح الرواية الأولى: أي: من مال الزوج، وإلا فالعطية من مالها لا يحتاج إلى إذن عند الجمهور (١)، فيه نظر، ولعله غفل عن هذه الرواية المفسِّرة؛ لكونها في موضع آخر عند النسائي، كما تقدم. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (هذا حديث مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أن للمرأة التصرف في مالها مطلقًا إذا كانت رشيدة، كحديث جابر ﵁ وابن عباس ﵄ في حث النبي ﷺ النساء يوم العيد على الصدقة، فجعلن يتصدقن بأقراطهن وخواتيمهن .. الحديث. ولم يخبرهن بأن ذلك مقيد بإذن الزوج، وحديث ميمونة ﵂ في إعتاق الجارية من غير إذن زوجها، وهو النبي ﷺ . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وعمرو بن شعيب حديثه حسن إذا لم يخالف الثقات، أما إذا انفرد بما يخالفهم فلا يحتج به، فكيف بمثل هذا؟ والله الموفق) (٢). * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المرأة محجورة عن التصرف في مالها إذا كانت ذات زوج، إلا فيما أذن فيه زوجها، وهذا صريح في الرواية الثانية لزيادة لفظ: "في مالها". ولم يأخذ بهذا الحديث إلا طاوس، كما نقله عنه ابن حزم (٣)، وهو قول المالكية إذا كان التصرف بأكثر من الثلث، وهو رواية عن الإِمام أحمد (٤). وذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الحنفية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، إلى أن للمرأة الرشيدة التصرف بمالها كله بالتبرع

стр. 2580

والمعاوضة، ولا يشترط إذن الزوج (١)، واستدلوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ [النساء: ٦] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا وعلم الرشد منهم، وهذا ظاهر في فَكِّ الحجر عنهم، وإطلاقهم في التصرف، والآية عامة في المذكور والإناث. ٢ - حديث ابن عباس ﵄ في موعظة النبي ﷺ للنساء يوم العيد وأنه قال: "يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن … " (٢) وأنهن تصدقن، فقبل صدقتهن، ولم يسأل عن إذن أزواجهن لهن في الصدقة، فدل على أنه لا يشترط. ٣ - عن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵄ أنها أعتقت وليدة لها، ولم تستأذن النبي ﷺ ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله، أني أعتقت وليدتي، قال: "أو فعلت؟ " قالت: نعم، قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" (٣). ووجه الاستدلال: أن ميمونة ﵄ أعتقت ولم تستأذن النبي ﷺ ، ولم يستدرك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو الأولى، ولو كان لا ينفذ تصرفها في مالها إلا بإذن الزوج لأبطله النبي ﷺ . وهذا القول هو الراجح -إن شاء الله- لقوة أدلته، ولقياس المرأة على الغلام بجامع الرشد، فكما أن الغلام إذا رشد وجب دفع ماله إليه، وجاز له التصرف فيه من غير إذن، فكذلك المرأة. وأما حديث عمرو بن شعيب فأجيب عنه بجوابين: ١ - أن مرويات عمرو بن شعيب من قبيل الحسن، لكن هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة المتقدمة الدالة على الجواز، فيكون شاذًّا، وقد

стр. 2581

ذكر العلماء أن حديث عمرو بن شعيب من قبيل الحسن إذا لم يخالف الثقات، أما إذا انفرد بما يخالفهم فلا يحتج به (١). ٢ - أن الحديث محمول على الأدب والاختيار، وحسن العشرة، وأن من ذلك أن تستشير المرأة زوجها وتستأذنه في التصرف في مالها ببيع أو شراء أو هبة ونحو ذلك، وهذا دليل على احترام المرأة زوجها، والثقة بعقله ورأيه ومشورته، والله تعالى أعلم.

стр. 2582

كما جاء في أن الإعسار لا يثبت إلا بشهادة ثلاثة ٨٧٢/ ٨ - عَنْ قَبيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِي ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلا لأَحَدِ ثلاثة: رَجُلٍ تَحَمّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَها، ثُمَّ يُمْسِك، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحةٌ اجْتَاحَتْ مَالهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأولى: في تخريجه: هذا الحديث تقدم الكلام عليه في آخر كتاب "الزكاة"، باب "قسمة الصدقات" رقم (٦٤٥) وهو من الأحاديث التي كررها الحافظ في "البلوغ". * الوجه الثاني: لعل الحافظ ذكر هذا الحديث في هذا الباب لبيان أن هذا الرجل الذي تحمل حمالة قد لزمه دين، فلا يكون له حكم المفلس في الحجر عليه، بل يترك حتى يسأل الناس فيقضي دينه، أو أن غرضه بيان أنه لا بد في ثبوت إفلاس المفلس من شهادة ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن فلانًا أصابته فاقة، وليكون ذلك مبيحًا له سؤال الناس. وظاهر الحديث أنه لا بد من ثلاثة، وأن الإعسار لا يثبت بأقل من ذلك، وهذا قول ابن خزيمة، وبعض أصحاب الشافعي، وذكر ابن قدامة أنه نُقِلَ عن أحمد ما يدل عليه (١).

стр. 2583

وذهب الجمهور إلى أنه يقبل في ذلك عدلان كسائر الشهادات، غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب. والذي يظهر من لفظ الحديث أن شهادة الثلاثة لا تكون إلا فيمن أصابته فاقة بعد الغنى، أما من كان معروفًا بالفقر وعدم الغنى فلا تشترط شهادة الثلاثة لحِلِّ المسألة له. والظاهر اعتبار العدد المذكور في حل المسألة وفي ثبوت الإعسار، بل قال ابن القيم: إذا كان يعتبر العدد في أخذ الزكاة وحِلِّ المسألة فاعتباره في دعوى الإعسار أولى وأحرى لتعلق حق العبد مسألة (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2584

باب الصلح الصلح: اسم مصدر للفعل صالح، ومصدره المصالحةُ والصِلاحُ بالكسر، على وزن الفِعال والمفاعلة، ومعناه لغة: قطع المنازعة، وهو مأخوذ من صَلَحَ الشيء: إذا كمل، وهو خلاف الفساد، قال ابن فارس: (الصاد واللام والحاء أصل واحد، يدل على خلاف الفساد) (١). واصطلاحًا: عقد يرفع النزاع بالتراضي. كالإصلاح بين قبيلتين أو متخاصمين أو بين زوجين أو طالبين أو نحو ذلك. وقد رغب الإِسلام في الصلح وحث عليه، لما فيه من حسم النزاع، وسلامة القلوب، وبراءة الذمم، فهو من أكبر العقود فائدة، ولهذا جاز الكذب فيه، كما دلت السنة على ذلك. وقد أمر الله تعالى بالصلح وبيّن فضله وأهميته، فقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال تعالى: ﴿لَا خَيرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَينَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وحث عليه النبي ﷺ بقوله وفعله، فمن الفعل أنه ﷺ خرج إلى بني عمرو بن عوف في قباء ليصلح بينهم، كما في حديث سهل بن سعد ﵁ المتفق عليه. ومن القول: حديث الباب، وحديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال

стр. 2585

رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ ". قالوا: بلى، قال: "إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة" (١). وقد أجمع العلماء على مشروعية الصلح، وإن كان بينهم ثمة اختلاف في جواز بعض صوره.

стр. 2586

جواز الصلح ما لم يخالف الشريعة ٨٧٣/ ١ - عَن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَينَ المُسْلِمِينَ، إلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا، وَأَحَل حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حلالًا، وَأَحَلَّ حَرَامًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ. وَأَنْكَرُوا عَلَيهِ؛ لأَنَّ رَاويَهُ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ، وَكأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. ٨٧٤/ ٢ - وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: مِنْ حَدِيثِ أَبيِ هُرَيرَةَ ﵁. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأولى: في ترجمة الراوي: وهو عمرو بن عوف بن زيد المزني، أبو عبد الله، كان قديم الإِسلام، ويقال: إنه قدم مع النبي ﷺ المدينة، وأول غزوة شهدها الأبواء، وقيل: إن أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين الذين قال الله فيهم: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] كما ذكر ذلك ابن جرير وابن كثير وغيرهما (١). جاء عنه عدة أحاديث من رواية كثير بن عبد الله المزني، وهو ضعيف، كما سيأتي، ذكر ابن سعد وغيره أنه مات في آخر ولاية معاوية ﵄ (٢). * الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث عمرو بن عوف ﵁ فقد أخرجه الترمذي في "الأحكام"،

стр. 2587

باب "ما ذكر عن رسول الله ﷺ في الصلح بين الناس" (١٣٥٢) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). وقد أنكر العلماء على الترمذي تصحيحه لهذا الحديث، قال الذهبي في ترجمة "كثير بن عبد الله": (وأما الترمذي فروى من حديثه: "الصلح جائز بين المسلمين" وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي (١)) (٢). قال ابن كثير: (وقد نوقش الترمذي في تصحيحه هذا الحديث وما شاكله من الأحاديث الضعاف) (٣)، وقال ابن عبد الهادي: (لم يُتَابَعِ الترمذي على تصحيحه. . .) (٤)، وذلك لأن الحديث كما تقدم من رواية كثير بن عبد الله المزني، وهو ضعيف جدًّا، بل رُمي بالكذب. قال ابن معين: (ليس بشيء)، وقال الشافعي وأبو داود: (ركن من أركان الكذب)، وقال الدارقطني وغيره: (متروك)، وقال النسائي: (ليس بثقة)، وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: (أمرني أبي أن أضرب على حديثه)، وقال ابن عدي: (كَثِيرٌ هذا عامة أحاديثه لا يتابع عليها) (٥). وقول الحافظ: (كأنه اعتبره بكثرة طرقه) هذا اعتذار عن الترمذي لتصحيح الحديث، والحديث ليس له طرق أخرى، فالظاهر أن مراد الحافظ كثرة شواهده. ومنها حديث أبي هريرة ﵁ الذي أشار إليه الحافظ، فقد أخرجه أبو داود (٣٥٩٤)، وأحمد (١٤/ ٣٨٩)، وابن حبان (١١/ ٤٨٨)، والحاكم (٢/ ٤٩) من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين" زاد ابن حبان: "إلا صلحًا

стр. 2588

أحل حرامًا، أو حرم حلالًا" وزاد أبو داود والحاكم في أوله: "المسلمون على شروطهم". وهذا سند حسن، من أجل كثير بن زيد الأسلمي، فإنه مختلف فيه، وهو حسن الحديث، لا بأس به، قال ابن عدي: (كثير بن زيد الأسلمي لم أر بحديثه بأسًا، وأرجو أنه لا بأس به) (١)، وقال الألباني: (فمثله حسن الحديث -إن شاء الله تعالى- ما لم يتبين خطؤه، كيف وهو لم يتفرد به) (٢). وباقي رجال الإسناد ثقات غير الوليد بن رباح فهو صدوق، ولعل الحافظ لم يورد حديث أبي هريرة ﵁ واعتبره شاهدًا مع أنه أصح من حديث عمرو بن عوف؛ لأنه أخصر، وحديث عمرو أتم. وعلى هذا فلعل الترمذي صححه باعتبار شواهده، أو أن الترمذي يُقَوِّي أمر كثير بن عبد الله؛ لأن الحافظ قال: (كثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثرين، لكن البخاري (٣) ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يُقَوُّوْنَ أمره) (٤). قال ابن العربي: (قد روي من طرق عديدة ومقتضى القرآن وإجماع الأمة على لفظه ومعناه) (٥) ولما ساق شيخ الإِسلام ابن تيمية هذا الحديث وبعض شواهده قال: (وهذه الأسانيد وإن كان الواحد منها ضعيفًا، فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا (٦). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (الصلح جائز) أي: ليس بحكم لازم يقضى به وإن لم يرض الطرف الآخر، وظاهر العبارة العموم، فيشمل جميع أنواع الصلح الجائزة في الأموال والأنفس والأنكحة والحروب، ونحو ذلك مما سيأتي. قوله: (بين المسلمين) خصهم لا لإخراج غيرهم، بل لدخولهم في ذلك دخولًا أوليًّا اهتمامًا بشأنهم، ولأنهم المنقادون لأحكام الشرع، فيكون مما

стр. 2589

خرج مخرج الغالب؛ لأن الصلح جائز بين الكفار، وبين المسلم والكافر إن كان فيه مصلحة للمسلم. قوله: (إلا صلحًا حرم حلالًا) أي: تضمن تحريم ما أحله الله تعالى، وهذا تخصيص للعموم المتقدم، والصلح الذي يحرم حلالًا كمصالحة الزوجة زوجها على ألا يطلقها، أو لا يتزوج عليها. قوله: (وأحل حرامًا) هكذا بالواو في الموضعين في نسخ "البلوغ" والذي في "السنن" (أو) والصلح الذي أحلَّ حرامًا كأن يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره والمدين عالم به، فيصالحه على ما يجحف بصاحب الحق، أو يصالح امرأة على مال لِتقرَّ له بالزوجية، أو يصالح على إسقاط الحد عنه بدفع شيء من المال. قوله: (والمسلمون على شروطهم) أي: ثابتون عليها لا يرجعون عنها بحكم إسلامهم، وفي تعديته بـ (على) ووصفهم بالإِسلام دلالة على علو مرتبتهم وأنهم لا يُخِلّونَ بشروطهم. والشروط: مفرد شرط، والمراد هنا: إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة، كما في البيع، والإجارة، والنكاح، ونحو ذلك. قوله: (إلا شرطًا حرم حلالًا) أي: تضمن تحريم ما أحله الله تعالى، كأن يُشترط ألا يطأ زوجته، أو يشترط البائع على المشتري ألا يتصرف في المبيع، أو شرط على زوجته أن لا مهر لها، أو لا ينفق عليها، أو يقسم لها أكثر من ضرتها أو أقل، أو شرطت طلاق ضرتها، ونحو ذلك من الشروط المحرمة. قوله: (وأحل حرامًا) كأن يتزوج المرأة بشرط تحليلها لزوجها، أو يُوجِرَهُ محلًا على أن يبيع محرمًا كالدخان وآلات اللهو والطرب، ونحوهما. * الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الصلح وأنه جائز إذا اعتُمد فيه رضا الله تعالى، ورضا الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، ولا يكون ذلك إلا بشرطين: العلم، والعدل؛ العلم بالوقائع، والمعرفة بالواجب، وقصد العدل بين المتصالحين.

стр. 2590

* الوجه الخامس: يدخل في الصلح الجائز الصلح المتعلق بالأموال، وذلك في صلح الإقرار بأن يقر له بدين، أو عين، أو حق، فيصالحه عنه ببعضه أو غيره. وصلح الإنكار: وهو أن يدعي شخص على آخر شيئًا، فينكره المدعى عليه، ثم يصالح عنه، قطعًا للخصومة والنزاع، بشرط أن يكون المدعي معتقدًا أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، أما إذا كان أحدهما عالمًا بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه، وما أخذه العالم بكذب نفسه حرام عليه؛ لأنه من أكل المال بالباطل، كما يدخل في الصلح الجائز، الصلح عن الحقوق المجهولة، كأن يكون بين شخصين معاملة طويلة جَهِلَا فيها ما على أحدهما للآخر، أو جهلا ما بينهما من الحقوق، فاصطلحا على شيء معين، وتمام ذلك أن يسامح أحدهما الآخر. وكذلك الصلح عن الدين المؤجل ببعضه حالًا، فإنه يجوز على الراجح من قولي أهل العلم، وهو رواية عن الإِمام أحمد، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني (١)؛ لأن فيه مصلحة للدائن، وهي أنه تعجل قبض حقه، ومصلحة للمدين وهي براءة ذمته، وإسقاط بعض الدين عنه، وقد يحتاج صاحب الحق إلى حقه لعذر من الأعذار، ولا دليل على المنع، وليس هذا من الربا؛ لأن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابل الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابل سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابل سقوط بعض الأجل، فانتفع كل واحد منهما. * الوجه السادس: أن الصلح إذا تضمن تحريم الحلال أو تحليل الحرام فإنه فاسد؛ لأنه صلح محرم، وكذا الصلح الجائر الذي فيه ظلم لأحد الطرفين؛ لأن الله تعالى قيد الصلح بالعدل، فقال سبحانه: ﴿فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا

стр. 2591

بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، ومن الناس من يصلح ولكنه يظلم ويجور، فيصلح بين ضعيف مظلوم وقادر ظالم بما يُرضي به القادر صاحب الجاه طمعًا في جاهه أو دنياه، فيجعل الحظ له، والإغماض والحيف على الضعيف، وقد يأتي بالعبارات والتحذيرات التي يقبل بها الضعيف الصلح مع الظالم، هذا ظلم وجور. * الوجه السابع: الحديث دليل على أنه إذا شرط أحد المتعاقدين على الآخر ما له فيه مصلحة أن ذلك جائز، وهو لازم إذا وافق الآخر عليه واعترف به، كأن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة، كسكنى الدار، أو المحل التجاري مدة معلومة، أو يستعمل السيارة أو يسافر عليها إلى مكان معين مدة معلومة، أو يشترط المشتري في المبيع وصفًا مقصودًا، يكون الدابة لبونًا، أو أن الثمن أو بعضه مؤجل، وغير ذلك مما يذكره الفقهاء في كتاب "البيوع"، وقد تقدم شيء منه. ومن ذلك شرط الزوجة على زوجها أن يكون معها أولادها من غيره، أو أن تبقى في بلدها، أو تسكن في دارها، ونحو ذلك، كما يدخل في ذلك شروط الواقفين والموصين في أوقافهم ووصاياهم ما فيه نفع ومصلحة. * الوجه الثامن: النهي عن الشروط التي تحل حرامًا، أو تحرم حلالًا، ولا يجوز الوفاء بها؛ لأنها شروط باطلة، لقوله على: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١) والمراد بكتاب الله: حكم الله وشرعه، والله تعالى أعلم.

стр. 2592

نهي الجار عن منع جاره من غَرْزِ خَشَبَةٍ في جداره ٨٧٥/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبةً في جِدَارِهِ" ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ واللهِ لأرْمِيَنَّ بِهَا بَينَ كتَافِكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه عن وجوه: * الوجه الأولى: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "المظالم"، باب "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٥٩) من طريق مالك، عن ابن لثهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وهذا لفظ البخاري. وهذا الحديث ذكره الحافظ في باب "الصلح" على عادة الفقهاء في ذكر مسائل تتعلق بالجوار في آخر باب "الصلح" ومنها مسألة الجدار. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يمنع) بالجزم على أن (لا) ناهية، ويروى بالرفع على أن (لا) نافية، ويكون خبرًا بمعنى النهي، وعند أحمد: "لا يمنعَنَّ" بنون التوكيد، وهي تؤيد رواية الجزم، وقد وقع ذلك في "عمدة الأحكام" (١) مع أن اللفظة ليست في "الصحيحين"!. قوله: (جار جاره) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "لا يمنع أحدكم جاره".

стр. 2593

قوله: (خشبةً) أي: من خشب سقفه الذي يسقف به داره، وقد روي بالإفراد والتنوين، وروي بالجمع (خَشَبَهُ)، والمعنى واحد؛ لأن المراد بالمفرد الجنس؛ لأن المفرد يقوم مقام الجمع إذا أتى بلفظ النكرة عند أهل اللغة (١). قوله: (في جداره) الضمير يعود على الجار؛ أي: في جدار جاره، وقيل: يعود إلى المالك؛ أي: في جدار نفسه ولو تضرر به الجار لأجل الضوء مثلًا، والأول هو الصواب. قوله: (ثم يقول أبو هريرة) جاء في رواية سفيان، عن الزهريّ، عند أبي داود: (فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي أراكم قد أعرضتم) (٢)، وعند أحمد من هذا الطريق: (فلما حدثهم أبو هريرة طأطأوا رؤوسهم … ) (٣)، فهذا فيه بيان سبب هذه المقالة. قوله: (عنها) (بها) الضميران يعودان إلى السنة المذكورة في كلامه، فيكون مرجع الضمير مذكورًا معنى لا لفظًا. قوله: (معرضين) أي: غير مسارعين للعمل بها وتطبيقها، أو غير مقبلين على سماع هذه السنة. قوله: (لأرمين بها بين أكتافكم) جمع كتف، بفتح الكاف وكسر التاء، وهو عظم عريض خلف المنكب، ويروى (أكنافكم) بالنون، جمع كَنَفٍ، بالفتح، وهو جانب الشيء، قال الخطابي: (معناه: إن لم تقبلوه فتتلقوه بأيديكم راضين، حملته على رقابكم كارهين، وهذا غاية الإيجاب والإلزام) (٤). * الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي الجار أن يمنع جاره من غرز خشبة في جداره، بل عليه أن يوافق على طلبه ذلك؛ لأن هذا من حسن

стр. 2594

الجوار، ومراعاة حق الجار، لئلا يحتاج إلى نفقات بناء جدار آخر يضع عليه خشبه، وهذا مقيد بما إذا لم يكن ضرر من وضع الخشب على الجدار، وكان في الجار حاجة إلى ذلك؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر. ويقاس على وضع الخشب غيره من الانتفاعات التي يستفيد منها الجيران عند الحاجة إليها وليس فيها مضرة. * الوجه الرابع: أجمع العلماء على أنه إذا وجد ضرر من وضع الخشب أن الجار لا يُلزم بالموافقة على وضعها إلا إذا أذن، كما أنهم أجمعوا على أنه ليس للجار أن يغرز خشبة في جدار جاره إن كان به غُنية عن ذلك. وإنما اختلفوا فيما إذا لم يكن هناك ضرر وكان بصاحب الخشب حاجة إلى وضعها بحيث لا يمكنه التسقيف إلا بالوضع على جدار جاره، على قولين: فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد، إلى أنه لا يجوز وضع الخشب على حائط الجار إلا بإذنه، وإن لم يأذن فلا يجبر عليه، لكن يستحب له بذله، وخرَّجه أبو الخطاب وجهًا من الرواية الثانية عن الإِمام أحمد في المنع من وضع الخشب على جدار المسجد (١)، واستدلوا بأن الأصل المنع من حق الغير إلا برضاه، لقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" (٢)، وقوله: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم .. " (٣)، وحملوا النهي في حديث أبي هريرة ﵁ على التنزيه لا على التحريم، جمعًا بينه وبين هذه الأدلة، كما تقدم. وذهب الإِمام أحمد والشافعي في القديم، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث وابن حزم إلى أنه يجب على الجار أن يبذل حائطه لجاره مع الحاجة

стр. 2595

وقلة الضرر، وأنه يجبر على ذلك إذا امتنع (١)، وهذا مذهب عمر بن الخطاب ﵁، كما سيأتي، واستدلوا بما يلي: ١ - أن حديث الباب ورد بصيغة النهي، والنهي يقتضي التحريم، فإذا كان الامتناع محرمًا دل على أن البذل واجب. ٢ - أن أبا هريرة ﵁ الذي روى الحديث استنكر عدم الأخذ به، وتوعد على ذلك، وهذا يدل على أنه فهم وجوب البذل وتحريم الامتناع، ولولا أنه فَهِمَ ذلك ما كان ليوجب عليهم غير واجب، وراوي الحديث أعرف بمعناه. ٣ - ما ورد أن الضحاك بن خليفة مسألة محمَّد بن مسلمة أن يسوق خليجًا (٢) له فيجريه في أرض محمَّد بن مسلمة، فامتنع، فقال عمر ﵁: لم تمنع أخاك ما ينفعه؟ وهو لك نافع، تسقي به أولًا وآخرًا، وهو لا يضرك، فقال محمَّد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يجريه، ففعل الضحاك (٣). والذي يظهر -والله أعلم -هو القول الأول، وهو أنه ينبغي للجار أن يبذل جداره لجاره، ولا يمتنع ما دام أن جاره يستفيد من شيء ليس فيه ضرر عليه، لكن ينبغي أن يضاف إليه قيد الاستئذان؛ لأن استئذان الجار قبل وضع الخشب على جداره مما يبعث روح المحبة والتعاون بين الجيران، وَيسْتَلُّ الأحقاد والضغائن؛ لأن حديث الباب دليل واضح على نهي الجار عن الامتناع، ثم إن هذا من حسن الجوار ومراعاة الحقوق، ومما يديم الألفة والمودة بين الجيران، بخلاف ما إذا امتنع فتنشأ الأحقاد والضغائن وتحصل القطيعة، وهذه أمور لا يرضاها الإِسلام. أما استدلال أصحاب القول الثاني، فعنه جوابان: الأول: أنها عمومات، والقاعدة تقديم الخاص على العام، يقول
следующие страницы →