← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، ومن الناس من يصلح ولكنه يظلم ويجور، فيصلح بين ضعيف مظلوم وقادر ظالم بما يُرضي به القادر صاحب الجاه طمعًا في جاهه أو دنياه، فيجعل الحظ له، والإغماض والحيف على الضعيف، وقد يأتي بالعبارات والتحذيرات التي يقبل بها الضعيف الصلح مع الظالم، هذا ظلم وجور. * الوجه السابع: الحديث دليل على أنه إذا شرط أحد المتعاقدين على الآخر ما له فيه مصلحة أن ذلك جائز، وهو لازم إذا وافق الآخر عليه واعترف به، كأن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة، كسكنى الدار، أو المحل التجاري مدة معلومة، أو يستعمل السيارة أو يسافر عليها إلى مكان معين مدة معلومة، أو يشترط المشتري في المبيع وصفًا مقصودًا، يكون الدابة لبونًا، أو أن الثمن أو بعضه مؤجل، وغير ذلك مما يذكره الفقهاء في كتاب "البيوع"، وقد تقدم شيء منه. ومن ذلك شرط الزوجة على زوجها أن يكون معها أولادها من غيره، أو أن تبقى في بلدها، أو تسكن في دارها، ونحو ذلك، كما يدخل في ذلك شروط الواقفين والموصين في أوقافهم ووصاياهم ما فيه نفع ومصلحة. * الوجه الثامن: النهي عن الشروط التي تحل حرامًا، أو تحرم حلالًا، ولا يجوز الوفاء بها؛ لأنها شروط باطلة، لقوله على: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١) والمراد بكتاب الله: حكم الله وشرعه، والله تعالى أعلم.

стр. 2592

نهي الجار عن منع جاره من غَرْزِ خَشَبَةٍ في جداره ٨٧٥/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبةً في جِدَارِهِ" ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ واللهِ لأرْمِيَنَّ بِهَا بَينَ كتَافِكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه عن وجوه: * الوجه الأولى: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "المظالم"، باب "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٥٩) من طريق مالك، عن ابن لثهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وهذا لفظ البخاري. وهذا الحديث ذكره الحافظ في باب "الصلح" على عادة الفقهاء في ذكر مسائل تتعلق بالجوار في آخر باب "الصلح" ومنها مسألة الجدار. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يمنع) بالجزم على أن (لا) ناهية، ويروى بالرفع على أن (لا) نافية، ويكون خبرًا بمعنى النهي، وعند أحمد: "لا يمنعَنَّ" بنون التوكيد، وهي تؤيد رواية الجزم، وقد وقع ذلك في "عمدة الأحكام" (١) مع أن اللفظة ليست في "الصحيحين"!. قوله: (جار جاره) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "لا يمنع أحدكم جاره".

стр. 2593

قوله: (خشبةً) أي: من خشب سقفه الذي يسقف به داره، وقد روي بالإفراد والتنوين، وروي بالجمع (خَشَبَهُ)، والمعنى واحد؛ لأن المراد بالمفرد الجنس؛ لأن المفرد يقوم مقام الجمع إذا أتى بلفظ النكرة عند أهل اللغة (١). قوله: (في جداره) الضمير يعود على الجار؛ أي: في جدار جاره، وقيل: يعود إلى المالك؛ أي: في جدار نفسه ولو تضرر به الجار لأجل الضوء مثلًا، والأول هو الصواب. قوله: (ثم يقول أبو هريرة) جاء في رواية سفيان، عن الزهريّ، عند أبي داود: (فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي أراكم قد أعرضتم) (٢)، وعند أحمد من هذا الطريق: (فلما حدثهم أبو هريرة طأطأوا رؤوسهم … ) (٣)، فهذا فيه بيان سبب هذه المقالة. قوله: (عنها) (بها) الضميران يعودان إلى السنة المذكورة في كلامه، فيكون مرجع الضمير مذكورًا معنى لا لفظًا. قوله: (معرضين) أي: غير مسارعين للعمل بها وتطبيقها، أو غير مقبلين على سماع هذه السنة. قوله: (لأرمين بها بين أكتافكم) جمع كتف، بفتح الكاف وكسر التاء، وهو عظم عريض خلف المنكب، ويروى (أكنافكم) بالنون، جمع كَنَفٍ، بالفتح، وهو جانب الشيء، قال الخطابي: (معناه: إن لم تقبلوه فتتلقوه بأيديكم راضين، حملته على رقابكم كارهين، وهذا غاية الإيجاب والإلزام) (٤). * الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي الجار أن يمنع جاره من غرز خشبة في جداره، بل عليه أن يوافق على طلبه ذلك؛ لأن هذا من حسن

стр. 2594

الجوار، ومراعاة حق الجار، لئلا يحتاج إلى نفقات بناء جدار آخر يضع عليه خشبه، وهذا مقيد بما إذا لم يكن ضرر من وضع الخشب على الجدار، وكان في الجار حاجة إلى ذلك؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر. ويقاس على وضع الخشب غيره من الانتفاعات التي يستفيد منها الجيران عند الحاجة إليها وليس فيها مضرة. * الوجه الرابع: أجمع العلماء على أنه إذا وجد ضرر من وضع الخشب أن الجار لا يُلزم بالموافقة على وضعها إلا إذا أذن، كما أنهم أجمعوا على أنه ليس للجار أن يغرز خشبة في جدار جاره إن كان به غُنية عن ذلك. وإنما اختلفوا فيما إذا لم يكن هناك ضرر وكان بصاحب الخشب حاجة إلى وضعها بحيث لا يمكنه التسقيف إلا بالوضع على جدار جاره، على قولين: فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد، إلى أنه لا يجوز وضع الخشب على حائط الجار إلا بإذنه، وإن لم يأذن فلا يجبر عليه، لكن يستحب له بذله، وخرَّجه أبو الخطاب وجهًا من الرواية الثانية عن الإِمام أحمد في المنع من وضع الخشب على جدار المسجد (١)، واستدلوا بأن الأصل المنع من حق الغير إلا برضاه، لقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" (٢)، وقوله: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم .. " (٣)، وحملوا النهي في حديث أبي هريرة ﵁ على التنزيه لا على التحريم، جمعًا بينه وبين هذه الأدلة، كما تقدم. وذهب الإِمام أحمد والشافعي في القديم، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث وابن حزم إلى أنه يجب على الجار أن يبذل حائطه لجاره مع الحاجة

стр. 2595

وقلة الضرر، وأنه يجبر على ذلك إذا امتنع (١)، وهذا مذهب عمر بن الخطاب ﵁، كما سيأتي، واستدلوا بما يلي: ١ - أن حديث الباب ورد بصيغة النهي، والنهي يقتضي التحريم، فإذا كان الامتناع محرمًا دل على أن البذل واجب. ٢ - أن أبا هريرة ﵁ الذي روى الحديث استنكر عدم الأخذ به، وتوعد على ذلك، وهذا يدل على أنه فهم وجوب البذل وتحريم الامتناع، ولولا أنه فَهِمَ ذلك ما كان ليوجب عليهم غير واجب، وراوي الحديث أعرف بمعناه. ٣ - ما ورد أن الضحاك بن خليفة مسألة محمَّد بن مسلمة أن يسوق خليجًا (٢) له فيجريه في أرض محمَّد بن مسلمة، فامتنع، فقال عمر ﵁: لم تمنع أخاك ما ينفعه؟ وهو لك نافع، تسقي به أولًا وآخرًا، وهو لا يضرك، فقال محمَّد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يجريه، ففعل الضحاك (٣). والذي يظهر -والله أعلم -هو القول الأول، وهو أنه ينبغي للجار أن يبذل جداره لجاره، ولا يمتنع ما دام أن جاره يستفيد من شيء ليس فيه ضرر عليه، لكن ينبغي أن يضاف إليه قيد الاستئذان؛ لأن استئذان الجار قبل وضع الخشب على جداره مما يبعث روح المحبة والتعاون بين الجيران، وَيسْتَلُّ الأحقاد والضغائن؛ لأن حديث الباب دليل واضح على نهي الجار عن الامتناع، ثم إن هذا من حسن الجوار ومراعاة الحقوق، ومما يديم الألفة والمودة بين الجيران، بخلاف ما إذا امتنع فتنشأ الأحقاد والضغائن وتحصل القطيعة، وهذه أمور لا يرضاها الإِسلام. أما استدلال أصحاب القول الثاني، فعنه جوابان: الأول: أنها عمومات، والقاعدة تقديم الخاص على العام، يقول

стр. 2596

البيهقي: (لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها) (١). الثاني: أن النهي ينصرف إلى التمليك والاستملاك وليس الانتفاع كذلك، وكيف يكون الانتفاع منهيًا عنه والنبي ﷺ بينهما، فأوجب أحدهما ومنع الآخر؟! (٢). وهذا الحديث يعمل به عندما كان الناس يحتاج بعضهم إلى بعض لتلاصق الجدران وتقارب البيوت، أما اليوم فقد تغيرت الحال في كثير من المدن والقرى، لكنه يبقى الاستدلال به في كل ما يحتاجه الجار من جاره من المنافع التي ينتفع بها الجار ولا ضرر في بذلها، وهي أمور تقع، ولأنهاية لها. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على فضل أبي هريرة ﵁ حيث جهر بهذه السنة واستنكر على المخاطبين عدم الأخذ بها، والله تعالى أعلم.

стр. 2597

النهي عن مال المسلم إلا بطيب نفس منه ٨٧٦/ ٤ - عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيٍّ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ لامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ". رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِم في "صَحِيحَيهِمَا". * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٩/ ١٨، ١٩)، وابن حبان (١٣/ ٣١٦)، والبزار (١٣٧٣)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٧/ ٢٥١)، والبيهقي (٩/ ٣٥٨) من طرق عن سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي حميد الساعدي ﵁، مرفوعًا. والحديث إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن سعد، وهو ابن الصحابي أبي سعيد الخدري سعد بن مالك ﵁، وهو ثقة. قال البزار: (لا نعلمه عن أبي حميد إلا بهذا الطريق، وإسناده حسن، وقد روي من وجوه عن غيره من الصحابة)، والقول بأن الراوي عن أبي حميد هو عبد الرحمن بن سعد قد جاء عند ابن حبان والطحاوي، وجاء كذلك عند البيهقي من رواية ابن وهب، عن سليمان بن بلال .. ثم قال: (ورواه أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان، فقال: عبد الرحمن بن سعيد) (١) وهو كذلك في "المسند" (٢)، ورجح هذا الألباني، لاتفاق جمع من الثقات عليه، ثم قال:

стр. 2598

(هو عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، أبو محمَّد المدني، وهو ثقة. . .) (١). وقد جاء الحديث عند أحمد -أيضًا- بلفظ: ("لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقه" وذلك لما حرم الله مال المسلم على المسلم). وأما عزوه للحاكم فالظاهر أنه وهم من الحافظ، والله أعلم. وإيراد هذا الحديث في باب الصلح لا تظهر مناسبته، إلا إن كان الحافظ قصد بيان أن النهي في الحديث الذي قبله محمول على التنزيه جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه (٢)، والله أعلم. * الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم أخذ أموال الناس بغير حق مهما كانت قليلة، وقد جاء هذا المعنى في أحاديث كثيرة، ومنها: حديث جابر ﵁ أنه ﷺ قال في خطبة حجة الوداع في عرفة: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا … ". ومنها: حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا" (٣). ومنها: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه … " الحديث (٤). ومنها: حديث أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه، أن رسول الله ﷺ قال: " … إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه … " (٥).

стр. 2599

فهذه الأحاديث دلت على الأمور الآتية: ١ - وجوب احترام الأموال كاحترام الدماء والأعراض؛ لأن النبي ﷺ قرن بينهما، وقد شبه النبي ﷺ تحريم الدم والمال والعرض بما هو مستقر في نفوسهم، وهو حرمة اليوم، وهو يوم النحر، والشهر، وهو شهر ذي الحجة؛ لأنه من الأشهر الحرم، والبلد، وهو البلد الحرام. ٢ - أن الرسول ﷺ بيّن حرمة مال المسلم في أعظم مجمع على الإطلاق حيث خطب بذلك في عرفة وفي مني يوم النحر. ٣ - في ذلك دليل على احترام الإِسلام للملكية الفردية وصيانتها من التعدي عليها، وذلك بما شرع من أحكام؛ كتحريم مال المسلم بغير إذنه، وتعظيم شأن الغصب والتعدي، وقطع يد السارق، ونحو ذلك، وهذا دليل قاطع على بطلان الاشتراكية؛ لأن النبي ﷺ أضاف الأموال إلى أربابها مما يدل على ملكيتهم لها واختصاصهم بها، وسيأتي لذلك زيادة في آخر باب "الغصب" إن شاء الله. ٤ - ذكر العصا أو اللبن، كما في بعض الأحاديث لتساهل الناس فيهما، فَنُبِّهَ بهما على ما هو أعظم وأولى منهما، والله تعالى أعلم.

стр. 2600

باب الحوالة والضمان (١) الحوالة: بفتح الحاء، مأخوذة من التحول والانتقال؛ لأنها تحول الحق وتنقله من ذمة إلى ذمة. وشرعًا: نقل دين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وهي مشروعة بالسنة والإجماع، أما السنة فحديث الباب، وأما الإجماع فقد حكاه النووي وابن قدامة وغيرهما (٢). وفائدتها: تسهيل المعاملات بين الناس، ولا سيما إذا كان الغريم في بلد والمحال عليه في بلد آخر، ويسهل على المحال الاستيفاء منه، وفيها -أيضًا- حلٌّ للمشاكل التي قد تنشأ بين الناس بسبب ما بينهم من حقوق، وليست من باب بيع الدين بالدين؛ لجوازها بين الدينين المتساويين جنسًا وصفة، والتفرق قبل القبض، وإنما هي من جنس إيفاء الحق، فهي عقد إرفاق، ولذا أمر بها النبي ﷺ في معرض الوفاء. ولها ثلاثة شروط: ١ - اتفاق الدينين جنسًا، كذهب بذهب؛ وصفة، كَبُرٍّ جيد ببر جيد، إلا إن رضي المحال بأخذ الرديء عن الجيد. ٢ - اتفاق الدينين حلولًا وتأجيلًا، إلا إذا سمح من عليه مؤجل أن يعجله. ٣ - رضا المحيل، وهو الذي عليه الحق، قال ابن قدامة: (لا خلاف

стр. 2601

في هذا) (١). والحوالة يتعلق بها ثلاثة أطراف: ١ - المحال: وهو صاحب الحق، ويقال: المحتال. ٢ - المحيل: وهو من عليه حق، وله حق. ٣ - المحال عليه: وهو من عليه حق للمحيل. والضمان: مصدر ضَمِنَ الشيء ضمانًا، فهو ضامن، وضمين، وهو مشتق من التضمن؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق، أو من الضَمْن؛ لأن ذمة الضامن صارت في ذمة المضمون عنه. وشرعًا: التزام المرء ما وجب أو يجب على غيره من حق. فهو التزام إنسان يصح تبرعه ما وجب على غيره؛ كثمن مبيع، أو قرض، أو قيمة متلف مع بقائه على المضمون عنه، فلا يسقط عنه بالضمان، أو التزام ما قد يجب عنه مستقبلًا؛ كجُعْلٍ على عمل أو ثمن مبيع مستقبل، وعلى هذا فالضمان متعلق بالحقوق المالية، سواء أكان على حق حتى أم ميت؛ كما سيأتي. والضمان جائز بالنسبة للمضمون عنه، بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أي: ولمن جاء بصواع الملك الذي فُقِدَ ﴿حِمْلُ بَعِير﴾ أي: ما يحمله من طعام ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل ضامن. ومن السنة: أحاديث الباب. وأما بالنسبة للضامن فهو مستحب؛ لأنه من "الإحسان" والله تعالى يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. والكفالة: مصدر كَفَلَ، بمعنى: التزم. وشرعًا: التزام إحضار بدن المكفول.

стр. 2602

والكفالة صحيحة لقوله تعالى: ﴿قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] فالآية دليل على جواز الكفالة بإحضار البدن لقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾. والفرق بين الكفالة والضمان: ١ - أن الضمان التزام الدين، وهي التزام بإحضار البدن. ٢ - لا يبرأ الضامن بموت المضمون عنه، ويبرأ الكفيل بموت المكفول. ٣ - يصح ضمان دين الميت، ولا تصح كفالة الميت. ٤ - يجوز مطالبة الضامن مع حضور المضمون عنه، ولا تجوز مطالبة الكفيل مع حضور المكفول.

стр. 2603

مشروعية الحوالة وقبولها ٨٧٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَد: "فَلْيَحْتَلْ". * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع منها: في كتاب "الحوالة"، باب "الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟ " (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وأخرجه أحمد (١٦/ ٤٧، ٤٨) من طريق سفيان، عن أبي الزناد … ولفظه: "مَطْلُ الغني ظلم، ومن أُحيل على مليء فليحتل". ولعل الحافظ أورد رواية أحمد لأنها مفسرة لقوله: "فليتبع" كما سيأتي إن شاء الله. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (مَطْل الغني) أصل المطل: المدُّ، تقول: مطلت الحديدة، أمطلها مطلًا: إذا مددتها لتطول، والمطل في الحق مأخوذ منه، وهو تطويل العِدَة التي يضربها الغريم للطالب (١)، فيكون المراد هنا: تأخير ما استُحق أداؤه بغير عذر.

стр. 2604

ومطل مصدر مضاف إلى فاعله، والمفعول محذوف، والتقدير: مَطْلُ الغنيِّ غَرِيمَهُ، والمراد بالغني: من عنده موجودات مالية يقدر بها على الوفاء. قوله: (ظلم) أصل الظلم: أخذك ما ليس لك، ووضعك الشيء في غير موضعه، ويطلق على الجور ومنع الحق. قوله: (وإذا أُتبع أحدكم) أتبع: بضم الهمزة، وسكون التاء المثناة، وكسر الباء الموحدة، مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله، ومعناه: أحيل، ومناسبة الجملة لما قبلها أنه لما دل على أن مطل الغني ظلم عقَّبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء، لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، وروي بالفاء "فإذا أُتبع" فيكون ذلك كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة؛ أي: إذا كان المطل ظلمًا، فليقبل من يحتال بدينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم فلا يمطل. قوله: (على مليء) بتسكين الياء المهموزة، مأخوذ من الملاءة بالهمز، يقال: مَلُؤَ الرجل، بضم اللام، من باب كرُم؛ أي: صار مليئًا. والمليء: هو الموسر غير المماطل، ويُروى (مليٍّ) بدون همز، والأول هو الأصل، كما ذكر الأزهري والخطابي وغيرهما، وقد جاءت نسخ "البلوغ" بهذا وهذا (١). قوله: (فليتبع) بفتح الياء، وسكون التاء، بمعنى: فليحتل، كما في رواية أحمد، ومعناها: فليقبل الحوالة ولا يمتنع. * الوجه الثالث: في الحديث أدب من آداب المعاملة الحسنة بأمر المدين بحسن القضاء، وأمر الدائن بحسن الاقتضاء. * الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم مطل الغني غريمه، وأن من عليه حقًّا لغيره وطلبه فعليه أن يبادر إلى أدائه من غير أن يحوج صاحب الحق إلى طلب والحاح أو شكاية، ومن فعل ذلك مع قدرته على الوفاء فهو ظالم، والظلم ظلمات يوم القيامة على أهله، ويدخل في عموم الحديث كل من لزمه حق لغيره كالزوج لزوجته، والسيد في نفقة رقيقه، والحاكم لرعيته، ونحو ذلك. * الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا يجب الوفاء ويحرم التأخير إلا

стр. 2605

إذا طلب صاحب الحق حقه، أو وجد ما يشعر برغبته في الاستيفاء، وهذا مأخوذ من لفظ المطل. * الوجه السادس: أن التحريم خاص بالغني المتمكن من الأداء، أما الفقير أو العاجز لشيء من الموانع فهو معذور، وقد أوجب الله تعالى على صاحب الحق إنظاره إلى الميسرة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهذا بطريق المفهوم من الحديث، ومن لا يقول به يجيب بأن العاجز لا يسمى: ماطلًا. * الوجه السابع: في الحديث دليل على حسن الاقتضاء، وأن المدين إذا أحال صاحب الحق على قادر على الوفاء غير مماطل ولا ممانع فإنه يقبل الحوالة؛ لأن هذا من السماحة وحسن الاستيفاء، وفاعل ذلك يرجى له الخير في الدنيا والدين، لدخوله تحت دعوة النبي ﷺ بقوله: "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى" (١). وهذا مشاهد محسوس، والجزاء من جنس العمل، وجزاء التيسير التيسير. وإذا قبل صاحب الحق الحوالة على المليء برئت ذمة المحيل، وتحول حق الغريم إلى من أحيل عليه، في قول عامة الفقهاء، وعن الإِمام أحمد رواية أنه لا يبرأ المحيل مطلقًا، فللمحتال الرجوع إن لم يحصل له الوفاء ممن أحيل عليه، واختار ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي (٢). * الوجه الثامن: دل الحديث بمفهومه على أن من أحيل على غير مليء فليس عليه أن يقبل الحوالة، لما فيه من الضرر عليه؛ لأن الرسول ﷺ أمر بقبول الحوالة على المليء. * الوجه التاسع: اختلف العلماء هل الأمر بقبول الحوالة إذا كانت على مليء للوجوب أو للاستحباب؟ على قولين:

стр. 2606

الأول: أن الأمر للاستحباب، وهذا قول الجمهور، ومنهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة؛ لأن الحوالة معاوضة يشترط لها الرضا من المحيل والمحال، فلا يلزم قبولها بل يستحب؛ لأن حق المحال في ذمة المحيل، فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه. الثاني: أن الأمر للوجوب، وهذا قول الإِمام أحمد وأهل الظاهر (١)؛ لأن الأمر في قوله: "فليتبع" "فليحتل" أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فيتحتم على من أحيل بحقه على مليء أن يقبل الحوالة. وهذا القول هو الأظهر؛ لقوة مأخذه، وصَرْفُ الأمر من الوجوب إلى الاستحباب لا بد له من دليل، قال الصنعاني: (ولا أدري ما الحامل على صرفه عن ظاهره) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2607

جواز ضمان دين الميت وأنه لا يبرأ إلا بالأداء ٨٧٨/ ٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَال: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَنَّاهُ، ثُمَّ أتينَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيهِ؟ فَخَطَا خُطىً، ثُمَّ قَال: "أَعَلَيهِ دَينٌ؟ "، قُلْنَا: دِينَارَانِ. فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَينَاهُ، فَقَال أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَقَّ الْغَرِيمِ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟!، قَال: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٢٢/ ٤٠٥، ٤٠٦) من طريق زائدة بن قدامة، والحاكم (٢/ ٥٨) من طريق شريك بن عبد الله، كلاهما عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر ﵁، وتمامه: ثم قال بعد ذلك: "ما فعل الديناران؟ " فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : "الآن برَّدت عليه جلده" وهذا لفظ أحمد. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمَّد بن عقيل؛ لأن في حفظه ضعفًا يسيرًا، كما تقدم في أحاديث مضت. ثم إنه لم ينفرد فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، باب "التشديد في الدين" (٣٣٤٣)، والنسائي (٤/ ٦٥، ٦٦)، وابن حبان (٧/ ٣٣٤) من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁.

стр. 2608

وهذا سند صحيح على شرط الشيخين (١)، ويختلف لفظ الحديث عند هؤلاء عن لفظ أحمد، وهو الذي سبق هنا بتمامه. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وحنطناه) الحنوط: أخلاط من طيب تعد للأموات خاصة، يذر بين الأكفان، ويجعل في المغابن، وهي مجامع الوسخ، كطيِّ ركبتيه، وسُرّته، ونحو ذلك، وكذا في مواضع سجوده، وتقدم هذا في "الجنائز". قوله: (فخطا خُطىً) بضم الخاء، على وزن هدى، جمع خطوة؛ أي: مشى عدة خطوات ليتقدم بعض الشيء ليصلي على الميت. قوله: (فقلنا: ديناران) ورد في حديث سلمة بن الأكوع ﵁: (فقالوا: ثلاثة دنانير، قال: "صلوا على صاحبكم" قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله، وعليَّ دينه، فصلى عليه) (٢)، وجمع بين الحديثين بأنهما كانا دينارين وشطرًا، فمن قال: ثلاثة، جبر الكسر، ومن قال: ديناران، ألغاه، أو كان أصلهما ثلاثة فوفى قبل موته دينارًا، وبقي عليه ديناران، قال الحافظ: (والأول أليق) (٣) ويحتمل أنهما قصتان، ويرى الصنعاني أن فيه بعدًا (٤). قوله: (فتحملهما أبو قتادة) أي: فضمن أبو قتادة الدينارين عن الميت لصاحب الدين. قوله: (حقَّ الغريم وبرئ منهما الميت؟) جملة استفهامية، بدليل الجواب بقوله: (نعم) وهذه الجملة انفرد بها أحمد، كما تقدم، وحَقَّ: منصوب بفعل محذوف يستفاد من السياق ومن الروايات الأخرى، والتقدير: قد أوفى الله حَقَّ الغريم وبرئ الميت؟ أو قد التزمت حَقَّ الغريم أو أوفيت، ونحو ذلك، وذكر الشارح المغربي، وتبعه الصنعاني أنه منصوب على المصدرية مؤكد لمضمون قوله: (الديناران عليَّ)؛ أي: حَقَّ عليك الحق وثبت

стр. 2609

عليك وكنت غريمًا (١). وقد ساق المجد ابن تيمية في "المنتقى" هذا الحديث بلفظ: وقد أوفى الله حَقَّ الغريم … " وعزاه إلى أحمد، ولم أجد هذه الجملة في "المسند"، والله أعلم. قوله: (الآن برَّدت عليه جلده) أي: نجا من العذاب بسبب قضاء الدين (٢). * الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم خطر الدين، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتخلص منه متى تحققت الأسباب التي تعين على الوفاء وإبراء الذمة منه قبل أن يفجأه الأجل، وقد تقدم في أول كتاب "الجنائز" ما يدل على أن نفس المؤمن محبوسة ومرهونة بالدين مهما كان صلاحها واستقامتها حتى يقضى عنه. * الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب المبادرة بقضاء دين الميت لينتهي الميت من تبعات الدين، ولأن النبي ﷺ تأخر عن الصلاة على من عليه دين. وقد اختلف العلماء في الحكمة من امتناع النبي ﷺ من الصلاة على من عليه دين في أول الأمر، فقيل: تأديبًا لأصحاب الديون ليسعوا في أدائها ويرغبوا عن الاستكثار منها، ولئلا يتأكَّلوا أموال الناس فتذهب، وقيل: إن صلاته تطهر للميت، وحق الآدمي لا تطهر منه فيتنافيان. * الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز ضمان الحقوق المالية عن الميت؛ كالدين، وثمن المبيع، ونحوهما؛ لأن النبي ﷺ أقر أبا قتادة ﵁ على تحمل الدينارين عن الميت، وصلى عليه، فدل ذلك على صحة الضمان. * الوجه السادس: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن من ضمن دينًا عن الميت فإنه يلزمه قضاؤه، وليس له أن يرجع في هذا الضمان، مستدلين بهذا الحديث، ووجه الاستدلال: أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلى

стр. 2610

النبي ﷺ على الرجل حتى يوفي أبو قتادة الدين، لاحتمال أن يرجع أبو قتادة عن ضمانه، فيكون النبي ﷺ صلى على مدين دينه باقٍ عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع. لكن يشكل على هذا الاستدلال بحديث جابر ﵁؛ ما ورد في حديث أبي قتادة ﵁ أنه قال: (أرأيت إن قضيت عنه أتصلي عليه؟ قال: "إن قضيت عنه بالوفاء صليت عليه" قال: فذهب أبو قتادة فقضى عنه، فقال: "أوفيت ما عليه؟ " قال: نعم، فدعا به رسول الله ﷺ فصلى عليه) (١). وظاهر هذا أنه قضى الدين قبل الصلاة، فإما أن تحمل القصة على التعدد، وهذا فيه بُعْد، أو يرجح حديث أبي قتادة على حديث جابر ﵁؛ لأن فيه عبد الله بن عقيل، وهو حسن الحديث فيما لم يخالف فيه، أما مع المخالفة فليس بحجة (٢)، وهناك وجه ثالث في الجمع: وهو أن أبا قتادة بعد أن قال: (على دينه) ذهب إلى الغريم وضمن له ما على الميت وإن لم يدفعه بالفعل، وبهذا الضمان برئ الميت من الدين، فصلى عليه النبي ﷺ ، وهذا التأويل يؤيده سياق حديث جابر ﵁ (٣). وقد ترجم البخاري في كتاب "الكفالة" بقوله: "باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع" ثم ساق حديث سلمة بن الأكوع ﵁ المتقدم ذكره (٤). والقول الثاني: أنه يجوز للضامن أن يرجع على مال الميت إذا كان له مال ويأخذ ما ضمن من دينه؛ لأن الضامن حلَّ محل المدين في أداء دينه، وهذا قول مالك. والقول الثالث: أنه لا يصح ضمان دين الميت إلا إن ترك وفاء لدينه، فإن لم يترك لم يصح الضمان، وقد نقل ابن بطال عن ابن المنذر أنه قال:

стр. 2611

(إن أبا حنيفة قد خالف هذا الحديث، فإن النبي ﷺ قد صحح ضمان أبي قتادة ﵁ وأقره، مع أن الميت لم يترك وفاءً، كما في حديث سلمة بن الأكوع ﵁، وفيه: "هل ترك شيئًا؟! قالوا: لا. . .) (١). * الوجه السابع: الحديث دليل على أن خلوص الميت من الدين وبراءة ذمته من تبعاته ودفع العذاب عنه إنما يكون بالقضاء عنه، لا بمجرد تحمل الدين وضمانه (٢)، قوم قوله ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" (٣)، ولأن النبي ﷺ سارع إلى سؤال أبي قتادة في اليوم الثاني عن القضاء، ولما قال له أبو قتادة: إنما مات أمس، يريد أن الزمن قريب لم يتمكن فيه من قضائهما، مسألة من الغد، ولما أخبره بقضائهما، قال: "الآن بَرَّدت عليه جلده". * الوجه الثامن: الحديث دليل على أنه ينبغي للإمام وسائر المسلمين أن يحضوا من تحمل حمالة عن ميت على الإسراع بالقضاء؛ لأن هذا من المعاونة على الخير والمسارعة إلى إبراء ذمة الميت، والله تعالى أعلم.

стр. 2612

جواز ضمان دين الميت المفلس من بيت المال ٨٧٩/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: "هَلْ تَرَكَ لِدَينِهِ مِنْ قَضَاء؟ " فَإنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيهِ، وإِلَّا قَال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ الْفُتُوحَ قَال: "أَنَا أَوْلَى بالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيهِ دَينٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " .. فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً .. ". * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأولى: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه" أولها في كتاب "الكفالة"، باب "الدين" (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩) من طرق، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وتمامه: "ومن ترك مالًا فلورثته". وأخرجه البخاري في كتاب "الفرائض"، باب "قول النبي ﷺ : "من ترك مالًا فلأهله"" (٦٧٣١) من طريق يونس، عن ابن شهاب، به، ولفظه: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته". ولعل الحافظ أورد رواية البخاري هذه لأنها مُقَيِّدَةٌ لما أُطلق في الرواية قبلها، وأن قضاء دين الميت من بيت المال مخصوص بمن لم يترك وفاء (١).

стр. 2613

* الوجه الثاني: لعل الحافظ ساق هذا الحديث بعد حديث جابر ﵁ لبيان أن الامتناع من الصلاة لمن كان عليه دين ولم يترك قضاء أنه منسوخ، وذلك أن الله تعالى لما فتح على المسلمين بلدان الكفار وصار في بيت المال من أموال الفيء، قال النبي ﷺ : "فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه" وظاهر هذا وجوب القضاء، كما أن ظاهر السياق يشعر بأنه كان يقضيه من مال المصالح؛ لقول الراوي: (فلما فتح الله الفتوح) وبهذا جزم ابن بطال، وقيل: بل كان يقضيه من خالص ماله، قال ابن بطال: (وهكذا يلزم السلطان أن يفعله لمن مات وعليه دين، فإن لم يفعله وقع القصاص منه في الآخرة، ولم يحبس الغريم عن الجنة بدين له مثله في بيت المال، إلا أن يكون الدين أكثر مما له في بيت المال. . .) (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2614

حكم الكفالة في الحدود ٨٨٠/ ٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا كَفَالة فِي حَدٍّ". رَوَاهُ الْبَيهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٢٢)، والبيهقي (٦/ ٧٧) من طريق بقية، عن عمر الدمشقي: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: … وذكره. وهذا سند ضعيف كما قال الحافظ، قال ابن عدي بعد سياق أحاديث من رواية عمر بن أبي عمر الكلاعي الحميدي الدمشقي، ومنها حديث الباب: (وهذه الأحاديث بهذه الأسانيد غير محفوظات، وعمر بن أبي عمر مجهول، ولا أعلم يروي عنه غير بقية، كما يروي عن سائر المجهولين). وقال البيهقي: (إسناده ضعيف، تفرد به بقية، عن أبي محمَّد عمر بن أبي عمر الكلاعي، وهو من مشايخ بقية المجهولين، ورواياته منكرة، والله أعلم). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا كفالة) الكفالة في اللغة: مصدر كفل، بمعنى: التزم، وشرعًا: التزام إحضار بدن المكفول. وعلى هذا فالكفالة غير الضمان، فالكفالة تكون للأبدان، والضمان

стр. 2615

يكون للأموال، كما تقدم، ومن الفقهاء من لا يفرق بين الكفالة والضمان، ويجعلهما بمعنى واحد، والظاهر أن الحافظ جرى على هذا، فإنه ذكر هذا الحديث في الكفالة مع أنه لم يذكر الكفالة ضمن الترجمة المتقدمة. قوله: (في حدّ) الحد في اصطلاح الفقهاء: عقوبة بدنية مقدرة شرعًا لحق الله تعالى، كعقوبة الزنا، والسرقة، والشرب، والقذف. والحد في لسان الشرع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنه يطلق على هذه العقوبات تارة، وتارة يراد به نفس المعاصي، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وتارة يراد به شرائع الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولهذا مزيد تفصيل في أول "الحدود" إن شاء الله تعالى. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الكفالة بالنفس لا تصح في الحد مطلقًا، سواء كان حقًّا لله تعالى كحد الزنا، أو لآدمي كحد القذف والقصاص، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ منع الكفالة في الحدود، ولم يفرق بين ما كان لله تعالى وما كان للعبد، ولأنه لا يجوز استيفاء الحد من الكفيل حال تعذر الاستيفاء من المكفول، ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق، كذلك لا تصح الكفالة فيمن عليه عقوبة مطلقة على ترك وأجب أو فعل محرم، لما تقدم. والقول بأن الكفالة لا تصح في الحد هو أحد القولين في مذهب المالكية والحنابلة، وقول للشافعية. والقول الثاني: أن الكفالة بالنفس تصح مطلقًا في حدود الله تعالى وحقوق الآدميين، وهذا قول في مذهب الشافعية؛ لأن الحد حق لازم، فأشبه المال، ولأن الحضور مستحق على الجاني، فتصح الكفالة بإحضاره. والقول الثالث: التفصيل، وهو أن الكفالة بالنفس لا تصح في حدود الله تعالى، وتصح في حقوق الآدميين كحد القذف والقصاص، وهو مذهب الحنفية، وقول ثالث في مذهب الشافعية، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية،

стр. 2616

وصاحب الفائق (١)؛ لأن هذا حق لآدمي فصحت الكفالة به، كسائر حقوق الآدميين، وذلك كما لو كان على المكفول دين؛ لأن الواجب فيهما هو حضور الأصيل، ولأن المضمون هو إحضار نفس من عليه القصاص أو حد القذف وهو ممكن بإحضار الكفيل، فتكون الكفالة به جائزة. وهذا القول -في نظري -هو الأظهر، لقوة مأخذه، وأما حديث الباب ففيه المقال المتقدم، وأما قولهم: إنه لا يمكن الاستيفاء من الكفيل، فيجاب عنهْ بأن الواجب عليه هو إحضار المكفول وهو قادر عليه، فإن بذل الأسباب وعجز عنه فلا شيء عليه، وتتولى الجهات المعنية إحضاره إلى مجلس الحكم (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2617

باب الشركة والوكالة الشركة لغة: مصدر شَرِكْتُهُ في الأمر أَشْرِكُهُ من باب (تعب) شَرَكًا وشَرِكَةً -بفتح أوله وكسر ثانيه-، ويجوز كسر أوله وتسكين ثانيه: إذا صرت له شريكًا. وشرعًا: الاجتماع في استحقاق أو تصرف. فالأول: شركة الملك، وهي أن يشترك شخصان في ملك شيء حصلا عليه إما بشراء أو إرث أو وصية، ونحو ذلك. والثاني: شركة العقود، وهي المراد بهذا الباب، وهي الاجتماع في التصرف. والشركة لها أنواع مذكورة في كتب الفقه، وورد فيها بعض الأحاديث التي ذكرها الحافظ في هذا الباب. وقد أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها (١). وإباحة الشركة من محاسن الشريعة؛ لما فيها من التعاون والألفة والنصح، وكثرة العمل المثمر، ونحو ذلك؛ لأن من الناس من يملك المال، لكن ليس عنده المهارة الكافية لممارسة التجارة، فهو محتاج إلى من يقوم بذلك، كما أنه يوجد من لا يملك المال وعنده من المهارات والخبرات الشيء الكثير، فباجتماع أصحاب رؤوس الأموال وأهل القدرات والطاقات يستفيد المجتمع كله، وتسعد الأمة في بناء اقتصادها بناء سليمًا، يقوم على العمل وكسب الرزق بالطرق المشروعة.

стр. 2618

والوكالة لغة: بفتح الواو وكسرها، لغتان فصيحتان، ذكرهما ابن السكيت وغيره (١)، وهي اسم مصدر بمعنى التوكيل؛ أي: التفويض، تقول: وكَلْتُ هذا الأمر إلى فلان وكلًا ووكولًا: إذا فوضته إليه وجعلته نائبًا، ووكَّل يوكل توكيلًا ووكالة فهو وكيل. وشرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة. وهي مباحة للموكِّل، مستحبة للوكيل إن توكل بقصد الإحسان إلى الموكل وإعانته في قضاء حاجته، أو ظن أنه إن تركه تولاه من لا يصلحه أو يضيعه، أو يكون الموكِّل له حق واجب عليه ولم يجد غيره. وإباحتها من محاسن الإِسلام، فهي من المعاملات التي يتجلى فيها التعاون بين المسلمين، فإن الإنسان قد يتعذر عليه أو يشق قضاء حوائجه وتحصيل أموره بنفسه، فكان من التيسير عليه أن يباح له استنابة غيره في ذلك. وقد دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] وقال تعالى: ﴿قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ومن السنة الأحاديث الآتية في هذا الباب، وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة: (أجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة) (٢).

стр. 2619

الحث على المشاركة مع النصح وعدم الخيانة ٨٨١/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَال اللهُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في الشركة" (٣٣٨٣)، والحاكم (٢/ ٥٢) من طريق محمَّد بن الزِّبْرِقان، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، رفعه، قال: … وذكر الحديث. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. قال ابن كثير: (إسناده جيد) (١). وهذا فيه نظر، فإن الحديث ضعيف؛ لأن فيه علتين: الأولى: جهالة والد أبي حيان التيمي، وهو سعيد بن حيان، قال ابن القطان: (أبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حيان أحد الثقات، ولكن أبوه لا تعرف له حال، ولا يعرف من روى عنه غير ابنه) (٢). وقد ذكره العجلي في "تاريخه" فقال: (ثقة) (٣)، لكن هذا مردود، فإن العجلي معروف بالتساهل في التوثيق، ولهذا لم يجزم الحافظ بتوثيقه، وإنما قال في "التقريب": (وثقه العجلي) (٤) فاكتفى بنقل كلامه، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥).

стр. 2620

العلة الثانية: أن الحديث اختلف في وصله إرساله، فقد رواه ابن الزبرقان موصولًا بذكر أبي هريرة ﵁ فيه، كما تقدم، وابن الزبرقان وثقه ابن الديني، وقال أبو حاتم: (صالح الحديث صدوق) وقال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق يهم). وخالفه جرير بن عبد الحميد الضبي، فقال: عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ … هكذا مرسلًا. أخرجه الدارقطني (١) وقال عن إرساله: (هو الصواب) (٢). وجرير بن عبد الحميد، قال عنه الحافظ: (ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه). * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الشريكين ما داما على الصدق والأمانة فإن الله تعالى معهما بتوفيقه وتأييده وإعانته، وإنزال البركة في تجارتهما وعملهما، وهذه معية خاصة. فإذا خان أحدهما الآخر نزعت البركة ورفعت الإعانة والرعاية. وليس هذا من باب التأويل، بل من باب بيان المعنى والحقيقة؛ لئلا يتوهم من لا بصيرة له خلاف الحق في معنى المعية. وهذا فيه حض الشريكين على الصدق والأمانة ومحافظة كل منهما على حق صاحبه، وتحذيرهما من الخيانة والغش، ونصوص الشريعة وعموماتها كثيرة في هذا المعنى، والله تعالى أعلم.

стр. 2621

ما جاء في أن الشركة معروفة قبل الإِسلام ٨٨٢/ ٢ - عَنْ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ ﵁، أَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ الْنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، فَجَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَال: "مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو السائب بن أبي السائب المخزومي، واسم أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو والد عبد الله بن السائب قارئ أهل مكة، ولولده عبد الله هذا صحبة كأبيه ﵄. كان السائب شريكًا للنبي ﷺ قبل البعثة -على أحد الأقوال- ثم أسلم وحسن إسلامه، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من المعمرين، عاش إلى زمن معاوية ﵁ (١). قال ابن عبد البر: (إن الحديث فيمن كان شريك النبي ﷺ مضطرب جدًّا، منهم من يجعل الشركة للسائب بن أبي السائب (٢)، ومنهم من يجعلها لأبي السائب، ومنهم من يجعلها لقيس بن السائب (٣)، ومنهم من يجعلها لعبد الله بن السائب، وهذا اضطراب لا يثبت به شيء، ولا تقوم به حجة). وقد ذكر الرافعي أن اسمه: السائب بن يزيد، فتعقبه الحافظ بأن هذا وهم، وإنما هو السائب بن أبي السائب (٤).

стр. 2622

* الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٢٤/ ٢٦١)، وأبو داود في كتاب "الأدب"، بابٌ "في كراهية المِراءِ" (٤٨٣٦)، وابن ماجه (٢٢٨٧) من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب ﵁. ولفظ "البلوغ" هو لفظ أحمد (٢٤/ ٢٦٣)، والحاكم (٢/ ٦١) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن السائب بن أبي السائب، به، وفيه: كان لا يداري ولا يماري … الحديث بتمامه. والمداراة: هي المدافعة، وأصلها لا يدارئ بالهمز، أي: لا يدافع ذا الحق عن حقه، ولا يماري؛ أي: لا يجادل. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وصححه الذهبي، وصحح الحديث -أيضًا- الألباني (١). وذكر المزي أن المحفوظ: عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب (٢). ثم إن لفظ الحديث يختلف عند أحمد عن أبي داود وابن ماجه، فهو عند أحمد من قول النبي ﷺ في السائب، كما في سياقه في "البلوغ"، وعند أبي داود وابن ماجه من قول أبي السائب في النبي ﷺ ، وهذا اضطراب في المتن، فالحديث فيه اضطراب في سنده ومتنه. ومن الاضطراب في سنده -أيضًا- اختلاف أصحاب مجاهد، فإبراهيم بن مهاجر يقول: عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب، وهذا هو المحفوظ -على ما قاله المزي- وإبراهيم بن ميسرة يقول: عن مجاهد، عن السائب، قال ابن مهدي: (وهو أثبت هذه الأحاديث) (٣). وقال الأعمش: عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب، وهذا لا إشكال فيه على قول الحافظ الآتي.

стр. 2623

وقائد السائب مجهول، ولا يعرف اسمه، وقال الحافظ ابن حجر: (إن الظاهر أن قائد السائب هو عبد الله بن السائب، فقد روى عنه مجاهد، وروى عن أبيه، لكن صنيع المزي يقتضي أنه غيره، حيث فرق بينهما في ذكر شيوخ مجاهد، وهذا موضع يحتاج إلى تحرير، ولم أرَ من سبقني إلى التنبيه على ذلك، والله الموفق) (١). * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الشركة كانت موجودة في الجاهلية قبل الإِسلام، ثم قررها الإِسلام وأثبتها، وقد كان السائب بن أبي السائب شريكًا للنبي ﷺ قبل الإِسلام، وقيل: بل في أول الإِسلام على ما قيل من الاختلاف فيمن كان شريكًا للنبي ﷺ . يقول الشيخ علي الخفيف: (وقد أقر الإِسلام هذا النوع من المعاملة والتجارة، لحاجة الناس إليها وتعارفهم إياها، فقد كانت الشركات -ولا تزال- ذات نشاط اقتصادي مرموق في الحياة والأعمال التجارية الهامة، وعليها تقوم أعظم الأعمال الصناعية وأهم المشاريع التجارية، حتى كان لها سلطان ونفوذ لا يفوقه إلا سلطان الحكومات ونفوذها، وذلك لما تقوم عليه الشركات من التضامن والتعاون بين أعضائها بما لهم من أموال وقوة ونظر وتدبير، لا يصل إلى مستواه ما للفرد من ذلك) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2624

حكم شركة الأبدان ٨٨٣/ ٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَال: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَغَيرُه. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في الشركة على غير رأس مال" (٣٣٨٨)، والنسائي (٧/ ٣١٩)، وابن ماجه (٢٢٨٨) من طريق أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود ﵁، وتمامه: (فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين). وهذا سند ضعيف؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، كما قال أبو حاتم والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: (قلت للبخاري: أبو عبيدة ما اسمه؟ فلم يعرف اسمه، وقال: هو كثير الغلط) (١)، لكنه في حكم الموصول؛ لأن أبا عبيدة كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، كما تقدم أول "البيوع" (٢)، وعليه فلا بأس أن يحتج به. * الوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على جواز شركة الأبدان (٣)، وهي أبي يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبون من صنائعهم كالحدادة والخياطة والنجارة وأعمال البناء ونحو ذلك، أو يشتركون فيما يكتسبون من المباح، كالاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات.

стр. 2625

والقول بجوازها هو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، إلا أن الحنفية لا يقولون بجواز الاشتراك فيما يُكتسب من المباح، بل هي عندهم شركة فاسدة، ويكون لكل من الشركاء ما اكتسبه دون صاحبه؛ لأن الشركة تتضمن الوكالة، والتوكيل في أخذ المباح باطل؛ لأن أمر الموكل به غير صحيح، والوكيل يملكه بدون أمره، فلا يصلح نائبًا عنه (١)، والمالكية تشترط اتحاد الصنعة والمكان. وقالت الشافعية والظاهرية بعدم جواز شركة الأبدان وأنها إن وقعت فهي باطلة؛ لأن معنى الشركة هو الاختلاط، وهو لا يتحقق إلا في الأموال، أما شركة الأبدان فهي قائمة على الجهد البدني، وعمل كل إنسان ملك له يختص به ولا يشاركه فيه غيره (٢). وأجاب ابن حزم عن حديث الباب بأنه منقطع، وعلى فرض صحته فإن غنائم بدر كانت للرسول ﷺ يدفعها إلى من شاء، لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وهذا يدل على بطلان الشركة في الغنائم. وَرُدَّ هذا بأن غنائم بدر كانت لمن أخذها من قبل أن يُشَرِّكَ الله تعالى بينهم. والقول بجواز شركة الأبدان هو الراجح، وليس ذلك لحديث الباب فإنه ضعيف، ولكن لأمور ثلاثة: ١ - أن الأصل في العقود الجواز، ومنها الشركات، ما لم يقم دليل على المنع، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا أمر بالتزام الوفاء بالعقود التي يعقدها المسلم ما لم تخالف الشرع. ٢ - أن الناس ما زالوا يتعاملون بهذه الشركة من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا من غير أن ينكر ذلك أحد، فيكون هذا إجماعًا سكوتيًّا.

стр. 2626

٣ - أن شركة الأبدان فيها منافع كثيرة للفرد والمجتمع، ولا محذور فيها شرعًا، ففيها ازدهار الاقتصاد، والسعي في طلب الرزق، والقول بمنعها فيه تعطيل لذلك كله، وبعض الناس قد يتقن مهنة ما، ولكنه لا يملك الجرأة التي تحمله على تقبل الأعمال بمفرده؛ لأنه يخاف المسؤولية، فإذا اشترك معه آخر قويت عزيمته، فيحصل بذلك التكاتف والتعاون في إنجاح الأعمال التي تعود على المجتمع بالنفع والخير (١). وأما القول بأن الشركة لا تتحقق إلا بالمال ففيه نظر؛ لأن مقصود الشركة هو تحصيل الربح على الاشتراك، وهو لا يقتصر على المال، بل يجوز بالعمل -أيضًا-كما في المضاربة، فيجوز بالتوكيل، وهو ما تقوم عليه شركة الأبدان، والله تعالى أعلم.

стр. 2627

مشروعية الوكالة ٨٨٤/ ٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَال: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيبَرَ، فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: "إذَا أتيتَ وَكِيلِي بِخَيبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا … ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ. الكلام عليه من وجوده: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الأقضية"، بابٌ "في الوكالة" (٣٦٣٢)، والدارقطني (٤/ ١٥٤، ١٥٥)، والبيهقي (٦/ ٨٠) من طريق عبيد الله بن سعد بن إبراهيم: حدثنا عمي، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله ﵄ … وتمامه: "فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته" وهذا لفظ أبي داود، وعند الدارقطني: "خذ منه ثلاثين وسقًا". والحديث حسنه الحافظ في "التلخيص" (١) مع أن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه. ولما ذكره عبد الحق الأشبيلي في "أحكامه" (٢) وسكت عنه تعقبه ابن القطان بقوله: (سكت عنه، وهو من رواية ابن إسحاق ولم يبين ذلك) (٣)، ونقله عنه الزيلعي، وأقره (٤). وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" (٥). وقول الحافظ عن أبي داود إنه صححه لم أجده في "السنن"، إلا أن يكون قد استفاده من سكوته عنه، وقد عزاه ابن عبد الهادي في "المحرر" إلى

стр. 2628

أبي داود وأبي بكر بن أبي عاصم، ولم يذكر تصحيح أبي داود. وقد علق البخاري طرفًا منه في كتاب "فرض الخُمس"، بابٌ "ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازنُ النبيَّ ﷺ -برضاعه فيهم- فتحلل من المسلمين، وما كان النبي ﷺ يَعِدُ الناس أن يعطيهم من الفيء والأنفال والخمس، وما أعطى الأنصار، وما أعطى جابر بن عبد الله من تمر خيبر" (١). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وسقًا) بفتح الواو، وسكون السين المهملة، آخره قاف، والوسق: ستون صاعًا نبويًّا، وتقدم في "الزكاة". قوله: (فإن ابتغى منك آية) أي: فإن طلب منك علامة تدل على صدقك. قوله: (ترقوته) بفتح المثناة الفوقية، وسكون المهملة، ثم ضم القاف، مقدم الحلق في أعلى الصدر حيثما يَتَرقَّى فيه النفس، قاله في "القاموس" (٢)، وقال في "المعجم الوسيط": (عظمة مشرفة بين ثُغْرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان، وجمعه تراقٍ) (٣). *الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة الوكالة، وهذا أمر مجمع عليه كما تقدم أول الباب، والحديث صريح في جوازها حيث أفاد أن النبي ﷺ قد اتخذ لنفسه وكيلًا في خيبر يتولى تصريف أملاك الدولة هناك، وقد ورد أدلة أخرى تفيد ذلك بعمومها. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب اتخاذ أمارة بين الوكيل وموكله لا يطلع عليها غيرهما، ليعتمد الوكيل عليها في تنفيذ أوامر موكله، وهذا قد يُحتاج إليه في حالة تتعذر فيها الكتابة ونحوها، والعلامة أسهل من الكتابة، فقد لا يكون أحدهما ممن يحسنها، ولأن الخط يشتبه.

стр. 2629

* الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز العمل بالقرينة في مال الغير، لتدل على صدق المرسَل، والقرينة: هي كل أمر ظاهر يصاحب شيئًا خفيًّا فيدل عليه. فمن طلب مالًا من وكيل -مثلًا- وأظهر له القرينة، جاز دفعه إليه، لقوله ﷺ : "فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته". ووجه الاستدلال: أنه لو لم يكن للقرينة والأمارة اعتبار ما أمر النبي ﷺ بالعمل بها (١)، وفي السنة أدلة أخرى على اعتبار القرائن والعمل بها، وكذا ورد عن الصحابة ﵃ قضايا في مسائل عديدة كان اعتمادهم فيها على القرائن والأمارات (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2630

حكم تصرف الوكيل في مصلحة موكله ٨٨٥/ ٥ - عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ ﵁، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ، يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في أثنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقدَّمَ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم تخريجه في كتاب "البيوع"، "حكم تصرف الفضولي" رقم (٨٢٠)، وهو حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، وأخرجه البخاري في كتاب "المناقب" (٣٦٤٢) في أثناء حديث، من طريق سفيان بن عيينة: حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحيَّ يتحدثون عن عروة، أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه. * الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تصرف الوكيل في حدود مقصود موكله، وبذل وسعه في تحصيل المنفعة للموكل، فإذا أوصى الموكل وكيله في شراء شيء معين بدينار -مثلًا- فاشترى الوكيل ضعفه بالدينار صح ذلك، وينبغي للموكل أن يقبل هذا التصرف، وأن يشكر وكيله ويدعو له؛ لأن مقصوده قد حصل، وزاده الوكيل خيرًا بلا محذور شرعي. وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الوكيل إذا اشترى شيئًا لم يأذن فيه صاحبه فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفًا على إجازة موكله، فإن أمضى
следующие страницы →