٣ - أن شركة الأبدان فيها منافع كثيرة للفرد والمجتمع، ولا محذور فيها شرعًا، ففيها ازدهار الاقتصاد، والسعي في طلب الرزق، والقول بمنعها فيه تعطيل لذلك كله، وبعض الناس قد يتقن مهنة ما، ولكنه لا يملك الجرأة التي تحمله على تقبل الأعمال بمفرده؛ لأنه يخاف المسؤولية، فإذا اشترك معه آخر قويت عزيمته، فيحصل بذلك التكاتف والتعاون في إنجاح الأعمال التي تعود على المجتمع بالنفع والخير (١).
وأما القول بأن الشركة لا تتحقق إلا بالمال ففيه نظر؛ لأن مقصود الشركة هو تحصيل الربح على الاشتراك، وهو لا يقتصر على المال، بل يجوز بالعمل -أيضًا-كما في المضاربة، فيجوز بالتوكيل، وهو ما تقوم عليه شركة الأبدان، والله تعالى أعلم.
стр. 2627
مشروعية الوكالة
٨٨٤/ ٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَال: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيبَرَ، فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: "إذَا أتيتَ وَكِيلِي بِخَيبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا … ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ.
الكلام عليه من وجوده:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الأقضية"، بابٌ "في الوكالة" (٣٦٣٢)، والدارقطني (٤/ ١٥٤، ١٥٥)، والبيهقي (٦/ ٨٠) من طريق عبيد الله بن سعد بن إبراهيم: حدثنا عمي، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله ﵄ … وتمامه: "فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته" وهذا لفظ أبي داود، وعند الدارقطني: "خذ منه ثلاثين وسقًا".
والحديث حسنه الحافظ في "التلخيص" (١) مع أن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه.
ولما ذكره عبد الحق الأشبيلي في "أحكامه" (٢) وسكت عنه تعقبه ابن القطان بقوله: (سكت عنه، وهو من رواية ابن إسحاق ولم يبين ذلك) (٣)، ونقله عنه الزيلعي، وأقره (٤). وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" (٥).
وقول الحافظ عن أبي داود إنه صححه لم أجده في "السنن"، إلا أن يكون قد استفاده من سكوته عنه، وقد عزاه ابن عبد الهادي في "المحرر" إلى
стр. 2628
أبي داود وأبي بكر بن أبي عاصم، ولم يذكر تصحيح أبي داود.
وقد علق البخاري طرفًا منه في كتاب "فرض الخُمس"، بابٌ "ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازنُ النبيَّ ﷺ -برضاعه فيهم- فتحلل من المسلمين، وما كان النبي ﷺ يَعِدُ الناس أن يعطيهم من الفيء والأنفال والخمس، وما أعطى الأنصار، وما أعطى جابر بن عبد الله من تمر خيبر" (١).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (وسقًا) بفتح الواو، وسكون السين المهملة، آخره قاف، والوسق: ستون صاعًا نبويًّا، وتقدم في "الزكاة".
قوله: (فإن ابتغى منك آية) أي: فإن طلب منك علامة تدل على صدقك.
قوله: (ترقوته) بفتح المثناة الفوقية، وسكون المهملة، ثم ضم القاف، مقدم الحلق في أعلى الصدر حيثما يَتَرقَّى فيه النفس، قاله في "القاموس" (٢)، وقال في "المعجم الوسيط": (عظمة مشرفة بين ثُغْرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان، وجمعه تراقٍ) (٣).
*الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة الوكالة، وهذا أمر مجمع عليه كما تقدم أول الباب، والحديث صريح في جوازها حيث أفاد أن النبي ﷺ قد اتخذ لنفسه وكيلًا في خيبر يتولى تصريف أملاك الدولة هناك، وقد ورد أدلة أخرى تفيد ذلك بعمومها.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب اتخاذ أمارة بين الوكيل وموكله لا يطلع عليها غيرهما، ليعتمد الوكيل عليها في تنفيذ أوامر موكله، وهذا قد يُحتاج إليه في حالة تتعذر فيها الكتابة ونحوها، والعلامة أسهل من الكتابة، فقد لا يكون أحدهما ممن يحسنها، ولأن الخط يشتبه.
стр. 2629
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز العمل بالقرينة في مال الغير، لتدل على صدق المرسَل، والقرينة: هي كل أمر ظاهر يصاحب شيئًا خفيًّا فيدل عليه. فمن طلب مالًا من وكيل -مثلًا- وأظهر له القرينة، جاز دفعه إليه، لقوله ﷺ : "فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته". ووجه الاستدلال: أنه لو لم يكن للقرينة والأمارة اعتبار ما أمر النبي ﷺ بالعمل بها (١)، وفي السنة أدلة أخرى على اعتبار القرائن والعمل بها، وكذا ورد عن الصحابة ﵃ قضايا في مسائل عديدة كان اعتمادهم فيها على القرائن والأمارات (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2630
حكم تصرف الوكيل في مصلحة موكله
٨٨٥/ ٥ - عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ ﵁، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ، يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في أثنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقدَّمَ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم تخريجه في كتاب "البيوع"، "حكم تصرف الفضولي" رقم (٨٢٠)، وهو حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، وأخرجه البخاري في كتاب "المناقب" (٣٦٤٢) في أثناء حديث، من طريق سفيان بن عيينة: حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحيَّ يتحدثون عن عروة، أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تصرف الوكيل في حدود مقصود موكله، وبذل وسعه في تحصيل المنفعة للموكل، فإذا أوصى الموكل وكيله في شراء شيء معين بدينار -مثلًا- فاشترى الوكيل ضعفه بالدينار صح ذلك، وينبغي للموكل أن يقبل هذا التصرف، وأن يشكر وكيله ويدعو له؛ لأن مقصوده قد حصل، وزاده الوكيل خيرًا بلا محذور شرعي.
وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الوكيل إذا اشترى شيئًا لم يأذن فيه صاحبه فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفًا على إجازة موكله، فإن أمضى
стр. 2631
التصرف وأجازه صح، وإلا لزم الوكيل، وقد مضى الكلام على هذه المسألة.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه ينبغي أن يُشكر الوكيل الناصح على تصرفه وأن يدعا له بما يناسب المقام، من باب مكافأته وتشجيعه وأمثاله على التصرف الذي ينفع الموكِّل. والله تعالى أعلم.
стр. 2632
جواز الوكالة في قبض الزكاة من أربابها
٨٨٦/ ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ … الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
الكلام عليه من وجوده:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب "الزكاة"، باب "قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] (١٤٦٨)، ومسلم كذلك (٩٨٣) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عمُّ رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليَّ، ومثلها معها، ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عَمَّ الرجل صِنْوُ أبيه". وهذا لفظ مسلم؛ لأن لفظ البخاري: "أمر رسول الله ﷺ بالصدقة … " وليس فيه ذكر عمر ﵁، وسيذكر الحافظ طرفًا من هذا الحديث في "باب الوقف" وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على صحة الوكالة وجوازها في قبض الصدقة ممن هي عليه؛ لأن الراجح من قولي أهل العلم أن المراد بالصدقة هنا الزكاة الواجبة، وليست صدقة التطوع، كما قاله بعض أهل العلم، وذلك لأن صدقة التطوع لا يُبعث عليها السعاة لجمعها، وإنما تبعث السعاة لجباية صدقة الفرض.
стр. 2633
ومن قال: إنها صدقة التطوع، قال: لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة ﵃ أن يمنعوا الزكاة الواجبة.
وأجيب عن ذلك: بأنهم ما منعوها جحدًا ولا عنادًا، إلا ابن جميل، فقد قيل: إنه كان منافقًا، ثم تاب بعد ذلك، وأما خالد ﵁ فكان متأولًا بإجزاء حَبْسِ أدراعه وأعتاده في سبيل الله تعالى، وأما العباس فقد التزم النبي ﷺ أن يدفع الزكاة عنه ويزيد مثلها تطوعًا، جبرًا لما حصل، ومبالغة في الكرم وصلة القرابة، ولهذا عذر النبي ﷺ خالدًا والعباس، ولم يعذر ابن جميل.
* الوجه الثالث: يدخل في عموم الحديث جواز الوكالة في العبادات المالية أو التي لها تعلق بالمال كالزكاة -كما تقدم- وزكاة الفطر والصدقات والمنذورات والكفارات. فكل هذه وغيرها يجوز التوكيل في قبضها وتفريقها على مستحقها، لما عُلم من أنه ﷺ كان يبعث عماله إلى الأمصار لقبض الصدقات وتفريقها.
أما العبادات البدنية المحضة كالوضوء والصلاة والصيام والاعتكاف ونحوها فلا تصح فيها الوكالة؛ لأنها تتعلق ببدن من هي عليه؛ لأن المقصود منها ابتلاء المكلف بعينه واختباره بإتعاب نفسه، وهذا لا يتحقق بالتوكيل فيها، إلا ركعتي الطواف فتصح فيهما الوكالة؛ لأنهما تبع للحج أو العمرة التي تجوز فيها الوكالة، ولو أفردهما بالتوكيل لم يصح ذلك.
وأما الصوم عن الميت كما لو نذر صومًا، أوكان عليه أيام من رمضان -على أحد القولين- فإنه يُفعل عنه أداءً لما وجب عليه، وليس ذلك من باب الوكالة؛ لأن الميت لم يستنب الولي، وإنما أمره الشرع بذلك في قوله ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" كما تقدم في "الصيام".
وأما الحج والعمرة فتجوز الوكالة فيهما بإنابة من يؤديهما عن الإنسان، بشرط أن يكون ميتًا، أو عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله، وتقدم هذا في "الحج".
стр. 2634
وأما حقوق الآدميين فهي قسمان:
الأول: ما يتعلق بشخص الفاعل، فهذا لا تدخله النيابة، كالحدود والقصاص.
الثاني: ما يتعلق بالفعل نفسه، فهذا تدخله النيابة في الجملة، سواء كان من العقود كالبيع والشراء والإجارة والإبراء والنكاح ونحوها، أوكان من الفسوخ كالإقالة والخلع والطلاق ونحو ذلك.
والخلاصة أن كل أمر يجوز أن يباشر التصرف فيه غير صاحبه فإنه يجوز له أن يوكل فيه غيره، وكل أمر لا يجوز أن يباشره سوى الشخص نفسه فإنه لا يجوز له أن يوكل فيه، والله تعالى أعلم.
стр. 2635
جواز الوكالة في نحر الهدي
٨٨٧/ ٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، أَن النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أنْ يَذْبَحَ الْبَاقيَ … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم تخريجه في كتاب "الحج" (٧٤٢) وقد ساقه الحافظ هناك، واختصر في أثنائه، ومن ذلك هذه الجملة، فإنه لم يذكرها هناك في سياقه للحديث.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز التوكيل في نحر الهدي، وكذا الأضاحي، وتفريق لحومها وجلودها وجلالها على المساكين، لحديث علي ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجزار منها شيئًا، وقال: "نحن نعطيه من عندنا" (١).
وسيأتي شرح حديث علي ﵁ في باب "الأضاحي" وفيه فوائد تتعلق بهذا الباب، والله تعالى أعلم.
стр. 2636
جواز الوكالة في الحدود إثباتًا واستيفاءً
٨٨٨/ ٨ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ في قِصَةِ الْعَسِيفِ، قَال النَّبِيُّ ﷺ : "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفتْ فَارْجُمْهَا … " الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
الكلام عليه منب وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، أولها في كتاب "الوكالة"، باب "الوكالة في الحدود" (٢٣١٤، ٢٣١٥) وساقه مختصرًا، وهو لفظ الحافظ في "البلوغ" وساقه بتمامه في مواضع أخرى، وإنما اقتصر في الوكالة على القدر المحتاج إليه في الترجمة، وأخرجه مسلم (١٦٩٧، ١٦٩٨) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد وأبي هريرة ﵄. وله طرق وألفاظ، وسيأتي ذلك إن شاء الله في كتاب "الحدود" حيث ساقه الحافظ هناك بتمامه.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الوكالة في إثبات الحدود واستيفائها، فإن قوله ﷺ : "فإن اعترفت فارجمها" دليل على أن الحد لم يثبت قبل التوكيل، وإنما كان التوكيل في إثباته أولًا ثم استيفائه ثانيًا، والله تعالى أعلم.
стр. 2637
باب الإقرار
الإقرار لغة: مصدر أقر بالشيء، يقر إقرارًا: إذا اعترف به، فهو مقر.
وشرعًا: اعتراف الإنسان بما عليه للغير من حقوق.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ومن السنة حديث الباب "قُلِ الحقَّ ولوكانَ مُرًا"، فإن الإقرار داخل في عموم قول الحق؛ لأنه يشمل قول الإنسان على نفسه وقوله على غيره، كما سيأتي، ولهذا ذكر الحافظ هذا الحديث في باب الإقرار تبعًا للرافعي (١) في "شرح الوجيز" (٢)، إلا أنه ذكر الحديث بلفظ حديث علي ﵁ الآتي في تخريج حديث الباب.
وقول الحافظ: (فيه الذي قبله وما أشبهه) أي: ورد في الإقرار الحديث الذي قبله، وهو حديث أبي هريرة ﵁ في قصة العسيف، وما أشبه هذا الحديث مما فيه إقرار الإنسان على نفسه كاقرار ماعز، والغامدية ﵄ على أنفسهما بالزنا، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في "الحدود".
وقد أجمع المسلمون على صحة الإقرار؛ لأنه إخبار بالحق على وجه لا تهمة فيه، ولا ريبة؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه في شيء يَضُرُّ بها.
والإقرار له ارتباط بكثير من العقود، وأهمها البيوع، ولهذا جعله بعض الفقهاء والمحدثين أثناء أبواب البيوع أو بعدها، وبعضهم يختم به كتاب
стр. 2638
الفقه؛ لأن من كان آخر كلامه من الدنيا "لا إله إلا الله دخل الجنة" (١)، وبعضهم يختم بكتاب العتق تفاؤلًا بأن يعتقه الله من النار.
стр. 2639
وجوب قول الحق وإن كان مرًّا
٨٨٩/ ١ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَال: قَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا". صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ طَويلٍ.
الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن حبان (٢/ ٧٦) من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، قال: حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر ﵁، قال: دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده، قال: "يا أبا ذر إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما … " وساق الحديث بطوله، وفيه وصايا نبوية، وعدد الأنبياء، إلى أن قال: قلت: يا رسول الله! أوصني، قال: "أوصيك بتقوى الله … " إلى أن قال: قلت: يا رسول الله! زدني، قال: "قل الحق وإن كان مرًا … " الحديث.
وإبراهيم بن هشام تكلم فيه أئمة الجرح والتعديل، فقد وثقه ابن حبان، والطبراني، وقال فيه أبو زرعة: (كذاب) ومثله قال أبو حاتم (١)، واعتبره الذهبي من عداد المتروكين الذين مشَّاهم ابن حبان، فلم يصب (٢).
وهذا القدر الذي ساقه الحافظ هنا ورد عند الإمام أحمد (٣٥/ ٣٢٧) من طريق سلَّام أبي المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁، قال: (أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين،
стр. 2640
والدنوِّ منهم، وأمرني أن أنظر إلى من دوني، ولا أنظر إلى من فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش).
وهذا الحديث فيه سلَّام أبو المنذر المقرئ المصري، وهو صدوق يهم، كما في "التقريب"، وقد توبع، تابعه الأسود بن شيبان، كما عند ابن حبان (٢/ ١٩٤)، وهشام بن حسان، والحسن بن دينار، عند البيهقي (١٠/ ٩١) ثلاثتهم عن محمد بن واسع.
وقد اقتصر على القدر المذكور الشهاب القضاعي في "مسنده" (٦٥١)، والطبراني في "مكارم الأخلاق" (١)، من طريق إبراهيم بن هشام، به.
وهذا القدر له شاهد من حديث علي ﵁، رواه أبو عمرو بن السماك في "حديثه" -كما ذكر الألباني-: حدثنا جعفر بن محمد الزعفراني الرازي، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا حسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁، قال: لما ضممت إليّ سلاح رسول الله ﷺ وجدت في قائم سيف رسول الله رقعة فيها: "صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك". قال الألباني: هذا إسناد صحيح (١)، مع أن فيه حسين بن زيد ضعفه أبو حاتم وابن المدني، وله بعض مناكير عن جعفر، ذكرها ابن عدي (٢).
* الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على وجوب الإقرار بالحق، وأن الإنسان يخبر بجميع ما عليه لغيره من مال أو إتلاف، أو أي حق من الحقوق؛ لأن هذا من الصدق، وفيه إظهار الحق، وإبراء الذمة، ولا يثنيه عن إقراره ما قد يترتب عليه من تبعات مالية أو غيرها، ولهذا قال ﷺ "وإن كان مرًّا"، وهذا من باب التشبيه؛ لأن الحق قد يصعب
стр. 2641
إجراؤه على النفس خوفًا من عواقبه وتبعاته، كما يصعب عليها إساغة المرِّ لمرارته، والحديث شامل لما على المقر نفسه من الحقوق، وشامل لما على غيره من أداء الشهادة على إنسان، وإنكار المنكر إذا رآه أو سمعه، ونحو ذلك مما يتعلق بالآخرين.
والحديث فيه ما علمت، لكن مقتضى النصوص العامة، ومقاصد الشريعة تنص على هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: اشهد بالحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه، وإن كان مضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 2642
باب العارية
العارية: بتخفيف الياء وتشديدها، مشتقة من العُري، وهو التجرد، سميت عارية: لتجردها عن العوض.
وشرعًا: دفع عين لمن ينتفع بها مجانًا ويردها.
فقولنا: (لمن ينتفع بها) يخرج البيع؛ لأنه تمليك، وقولنا: (مجانًا) يخرج الإجارة؛ لأنها تمليك المنفعة بمال. وقولنا: (ويردها) فيه إشارة إلى أن العارية إنما تكون حال حياة المعير، ويخرج بذلك الوصية بالمنفعة؛ لأنها تمليك بعد الوفاة.
ومن أمثلة العارية: أن يعيره دارًا يسكنها، أو سيارة يركبها، أو نخلة يأكل ثمرتها، أو منيحة يشرب لبنها، أو كتابًا يقرأ فيه، أو شيئًا من متاع البيت؛ كالقدر ونحوه، ينتفع به.
والعارية مباحة للمستعير، مستحبة للمعير؛ لأن فيها عونًا للمسلم، وقضاءً لحاجته، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وهي من الإحسان، والله يحب المحسنين.
وقد تكون العارية واجبة أحيانًا، وقد حكى ابن قدامة الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾، ولحديث جابر ﵁ الآتي، وقد قيد ابن تيمية ذلك بكون المعير غنيًّا، وذكر أنه أحد القولين في مذهب أحمد (١).
стр. 2643
وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، أما الكتاب فعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧] فقد ذكر جمهور المفسرين أن المراد بـ (الماعون) ما يستعيره الجيران بعضهم من بعض من الأواني أو الأمتعة، قال عبد الله بن مسعود ﵁: "كنا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول ﷺ ، عارية الدلو والقدر" (١).
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: (أي: يمنعون إعطاء الشيء الذي لا يضر إعطاؤه على وجه العارية، أو الهبة؛ كالإناء والدلو، والفأس، ونحو ذلك مما جرت العادة ببذله والسماح به … ففيه الحث على فعل المعروف، وبذل الأمور الخفيفة؛ كعارية الإناء والدلو والكتاب، ونحو ذلك؛ لأن الله ذم من لم يفعل ذلك … ) (٢).
وأما الأدلة من السنة فهي أحاديث الباب، ومنها -أيضًا- حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها … " الحديث قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: "إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله" (٣).
وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة: (أجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها) (٤).
وأما القياس فلأنه لما جازت هبة الأعيان كالثياب والأواني والكتب جاز هبة المنافع من هذه الأشياء وغيرها، ولهذا تصح الوصية بالأعيان والمنافع جميعًا، والله تعالى أعلم.
стр. 2644
وجوب رد ما أُخذ من ملك الغير
٨٩٠/ ١ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁، قال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣٣/ ٢٧٧)، وأبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في تضمين العارية" (٣٥٦١)، والترمذي (١٢٦٦)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٣)، وابن ماجه (٢٤٠٠) والحاكم (٢/ ٤٧) كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ ، زاد أبو داود والترمذي والحاكم: (قال قتادة: ثم إن الحسن نسي، فقال: هو أمينك لا ضمان عليه) (١). وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
قال المنذري: (هذا يدل على أن الترمذي يصحح سماع الحسن من سمرة، وفيه خلاف تقدم) (٢).
وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، على شرط البخاري، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. قال ابن دقيق العيد: (وليس كما قال، وإنما هو على شرط الترمذي) (٣). والحديث أعل بتدليس الحسن البصري، وقد عنعنه،
стр. 2645
وفي سماعه من سمرة ﵁ خلاف تقدم ذكره في باب "الغسل" من كتاب "الطهارة"، عند الحديث (١١٥).
والحديث له شواهد تؤيد معناه، كحديث يعلى بن أمية الآتي، وفيه: "بل عارية مؤداة"، وحديث أبي أمامة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول: "العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم" (١).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (على اليد ما أخذت) الجار والمجرور خبر مقدم، وعلى: للوجوب؛ أي: يجب على اليد، واليد: اسم لليد الجارحة، كالتي تأخذ العارية أو الوديعة ونحوهما، وكذا اليد المعنوية، والمراد بها المستولية على مال الغير بغير حق، كما لو استولى على أرض غيره أو نخله، أو نحو ذلك.
وفي الكلام لفظ منوي من باب دلالة الاقتضاء، وهو ما يتوقف فهم المراد منه على مقدر، والتقدير: على اليد ضمان ما أخذت، أو حفظ ما أخذت (٢)، فمن قدر الضمان أوجبه على المستعير، ومن قدر الحفظ أوجبه، ولم يوجب الضمان إذا وقع التلف مع الحفظ المعتبر.
قوله: (ما أخذت) ما: اسم موصول مبتدأ مؤخر، والعائد محذوف، والتقدير: ما أخذته، والموصول صيغة عموم؛ أي: ما أخذته من مال الغير بحق كالرهن والإجارة والإعارة والوديعة، وغيرها، أو بغير حق كالغصب، وذُكِرَ الحديث في باب العارية لشموله لها.
قوله: (حتى تؤديه) ي: إلى صاحبه أو من يقوم مقامه، فتؤديه من غير نقص عين ولا صفة، والإسناد إلى اليد للمبالغة؛ لأنها هي المتصرفة.
стр. 2646
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجب على الإنسان رَدُّ ما أخذته يده من مال غيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه، فالمرتهن والمستأجر والموح والمستعير كل منهم يرد ما أخذ متى انقضى الغرض من العين، إن كان قد أخذها لمصلحته، أو يردها إذا طلبها صاحبها إذا كان أخذها لحفظها كالوديعة.
وما أُخذ يلزم رد عينه إن كانت موجودة، ورد المثل أو البدل إذا كانت قد استهلكت أو تلفت.
وكذا الغاصب أو السارق أو من أخذ مال غيره بالدعاوى الباطلة أو اليمين الكاذبة يرد ما أخذه إلى أصحابه ولو غرم على رده أضعاف قيمته؛ لأنه هو الذي أدخل الضرر على نفسه.
ويقع كثير من الناس في أخطاء في موضوع العارية، أهمها ثلاثة:
الأول: عدم إعادة العين إلى صاحبها متى انتهى منها المستعير، بل يهملها ويتركها، وقد ينساها صاحبها، أو لا يدري من المستعير إذا طال الزمن!.
الثاني: الإساءة إلى العين وعدم ردها كما أُخذت، وهذا يقع كثيرًا في استعارة الكتب، وبعض الأمتعة.
الثالث: إعارة المستعير ما استعاره لغيره.
واعلم أن الراجح من قولي أهل العلم أنه لا يجوز للمستعير إعارة العارية لغيره بغير إذن مالكها، وهو قول الشافعية والحنابلة، قياسًا للمستعير على الضيف، بجامع عدم الملك، فكما أن الضيف الذي أبيح له الطعام لا يجوز له أن يبيحه لغيره، فكذلك المستعير لا يجوز له أن يعير غيره.
وأما من أجاز ذلك قياسًا على المستأجر الذي يملك أن يعير، لملكه المنفعة، فهذا قول مرجوح، لاعتماده على قياس غير صحيح؛ لأن الإعارة ليست تمليكًا للمنفعة كالإجارة، وإنما هي إباحة انتفاع، ومن أبيح له منفعة فإنه لا يملك نقل ما أبيح له لغيره (١).
стр. 2647
فإن أذن المعير للمستعير بإعارة ما استعاره منه جاز ذلك باتفاق الفقهاء؛ لأن الحق في العارية لمالكها، فإذا أن للمستعير بالإعارة فقد رضي بذلك وتنازل عن حقه.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مؤنة رد العارية على المستعير إن احتاجت إلى ذلك؛ لأن وجوب ردها لا يتم إلا بالمؤنة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن الإعارة مكرمة، فلو لم تجعل المؤنة على المستعير لامتنع الناس منها.
* الوجه الخامس: هذا الحديث يعتبر قاعدة شرعية جليلة من قواعد الضمان في التشريع الإسلامي، وهو أصل في باب العارية والغصب والإتلاف (١)، ولا يخفى ما في هذا الأصل وأمثاله من صيانة الأملاك وحفظ الحقوق، وإقامة العدل بين الناس، مما يؤكد تحريم أخذ أموال الآخرين بالباطل، وفي حالة التعدي عليها يتقرر الضمان، والله تعالى أعلم.
стр. 2648
وجوب ردِّ الأمانات والعواري ونحوها
٨٩١/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِي.
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "البيوع"، باب "في الرجل يأخذ حقه من تحت يده" (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، والحاكم (٢/ ٥٣) من طريق طلق بن غنام، عن شريك وقيس، عن أبي حَصين (١)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وقال الترمذي: (حديث حسن غريب)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.
وهذا فيه نظر، فإن شريكًا وهو ابن عبد الله القاضي إنما أخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول، كما قال الذهبي نفسه (٢)، وهو سيء الحفظ، كما تقدم في أحاديث.
وحديثه هذا مقرون برواية قيس، وهو ابن الربيع (٣)، وهو سيء الحفظ أيضًا (٤).
стр. 2649
وقد أعلَّ الحديث أبو حاتم، فقال: (إنه حديث منكر، لم يروه غير طلق بن غنام) (١)، وتعقبه الألباني بقوله: (لا ندري ما وجهه؛ لأن طلقًا ثقة بلا خلاف، وثقه ابن سعد، والدارقطني، وابن شاهين وغيرهم. وقول ابن حزم فيه: (ضعيف) (٢) مردود، لشذوذه، ولأنه جرح غير مفسَّر، ثم استدركت فقلت: لعل وجهه أن طلقًا لم يثبت عند أبي حاتم عدالته، فقد أورده ابنه في "الجرح والتعديل" وحكى عن أبيه أسماء شيوخه والرواة عنه، ثم لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذلك مما لا يضره، فقد ثبتت عدالته بتوثيق من وثقه، لا سيما وقد احتج به الإمام البخاري في "صحيحه") (٣).
لكن قد يقال: إن الثقة قد ينكر عليه بعض أحاديثه التي لا توجب ضعفه، ولا يلزم أن يكون كل ما رواه محفوظًا، لا سيما أن طلقًا ذكره ابن شاهين في "الثقات"، وقال: (قال عثمان بن أبي شيبة: "ثقة صدوق، لم يكن بالمتبحر في العلم") (٤).
والحديث له شواهد عن أنس وأبي أمامة وأُبي بن كعب وغيرهم ﵃، وكلها معلولة، لا تفيد في تقوية الحديث، فإن أبا حاتم أنكره كما تقدم، وقال الإمام أحمد (هذا حديث باطل، لا أعرفه من وجه يصح) (٥). وقال ابن الجوزي: (هذا الحديث من جميع طرقه لا يصح) (٦).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أدِّ الأمانة) أي: أعطها ورُدَّها. والأمانة: ضد الخيانة، والمراد بها هنا: الشيء الذي يوجد عند الأمين، سواء أكان أمانة بقصد حفظه كالوديعة، أو كان أمانة ضمن عقد كالمال عند الوكيل أو عامل المضاربة أو الشريك ونحو ذلك، أو كان بدون عقد ولا قصد كما لو ألقت الريح في دار أحد مال جاره كثوب ونحوه.
стр. 2650
والأمين: هو الذي في يده مال لغيره برضى المالك، كالمودَعَ والوكيل والشريك، أو برضى الشارع كولي الصغير أو اليتيم، أو برضى من له الولاية عليه كأمين الحاكم ونحو ذلك.
قوله: (إلى من ائتمنك) أي: إلى صاحبها الذي رضي بكونها عندك وجعلك أمينًا عليها.
قوله: (ولا تخن من خانك) الخيانة: مصدر خان يخون، وهو مأخوذ من مادة (خ ون) التي تدل على التنقُّص يقال: خنت فلانًا، وخنت أمانة فلان بمعنى: نقصان الوفاء (١)، والخيانة هنا: هي عدم الوفاء بالأمانة إما بالتفريط في حفظها، أو بجحدها وعدم أدائها، أو بالتصرف فيها بلا إذن صاحبها، أو بالنقص منها، فكل ذلك خيانة.
* الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أنه يجب على المؤتمن أن يرد الأمانة إلى صاحبها متى طلبها منه؛ لأنه قبض الأمانة على سبيل الحفظ والإحسان إلى صاحبها، فإذا طلبها وجب ردها إليه بأيسر الطرق وأسهلها، وليس له أن يؤذيه بردها أو يعوقه.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب حفظ الأمانة والعناية بها وعدم التعدي عليها أو التفريط بحفظها؛ لأن هذا من لوازم أدائها، فإن الأداء لا يتم إلا بحفظها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقوله: ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾ فيه دليل على أن الأمانة لا تدفع ولا تؤدى لغير صاحبها الذي ائتمنك عليها، ووكيله بمنزلته، ومثل ذلك لو أعطاها ابنه الذي جرت عادته بأن يتولى مال أبيه ونحو ذلك، ولو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديًا لها.
والفرق بين التعدي والتفريط: أن التفريط ترك ما يجب من الحفظ، والتعدي فعل ما لا يجوز من التصرفات، فالتفريط أن يتساهل في حفظ الأمانة كان يضعها في غير حرز، والتعدي أن يستعملها أو يتصرف بها بلا إذن صاحبها كالقراءة في الكتاب، أو ركوب السيارة، ونحو ذلك.
стр. 2651
* الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم الخيانة، وأن المؤمن الحق لا يقابل الخيانة بخيانة مثلها، فإذا خان صاحبُ الأمانة -مثلًا- مَنْ عنده الأمانة، فليس للمؤتمن أن يخون خيانة تغضب الله عليه ويلحقه عارها، بل ياع الخائن يبوء بإثمه، ويسلم هو من الإثم، وللمخون أن يطالب بحقه بالطرق الشرعية.
وقد عدَّ الإمام الذهبي وغيره الخيانة من كبائر الذنوب (١) مستدلًا بهذا الحديث، وحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (٢)، والخيانة قبيحة في كل شيء، وبعضها شر من بعض، فقد تكون الخيانة في الأمانات والودائع والعين المستأجرة، وقد تكون في أهل الإنسان، وهي من علامات النفاق، ودليل على فساد الطوية، وإضمار الشر، فهي من أسوأ ما يبطن الإنسان، ومفاسدها عظيمة، ولذا نهى الله عنها فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
* الوجه السادس: استدل العلماء بهذا الحديث على أن من له حق على إنسان وامتنع من أدائه فإنه ليس لصاحب الحق الأخذ من ماله بغير إذنه، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الخيانة، وأخذ الإنسان قدر حقه من مال غيره بغير علمه خيانة فلا يجوز، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول للمالكية (٣).
والقول الثاني: أنه يجوز الأخذ من ماله بغير إذنه، وهذا قول الشافعية، وعليه الفتوى عند الحنفية، وهو المعتمد عند المالكية، ووجه مُخَرَّجٌ عند الحنابلة، واستدلوا بدليلين:
الأول: العمومات الدالة على جواز المعاملة بالمثل، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وأيُّ سيئة أو اعتداء أعظم من أخذ أموال الناس ثم المماطلة في دفعها أو إنكارها.
стр. 2652
الدليل الثاني: قول النبي ﷺ لهند بنت عتبة: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١) وسيأتي -إن شاء الله- في باب "النفقات". ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أجاز لهند الأخذ بغير إذن أبي سفيان، ولو كان الإذن شرطًا لبينه النبي ﷺ .
والقول الثالث: التفصيل وهو أنه إن كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج إلى بينة جاز الأخذ، وذلك مثل النفقة، فتأخذ المرأة من مال زوجها بلا علمه لأجل أن تنفق على نفسها وأولادها إذا امتنع عن النفقة أصلًا أو تكميلًا؛ لقصة هند، ومثل ذلك حق الضيف، وقد ورد في مسألة الضيافة، حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: إنا نمر بأقوام لا يُقْرُوْنَنَا، فهل نأخذ من أموالهم؟ قال: "إذا مررتم بأقوام لم يقروكم ما ينبغي للضيف، فخذوا منهم بقدر قِراكم" (٢)، وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محرومًا، له أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه" (٣)، فيأخذ ما يكفيه من طعام من نزل عليه ولم يضيفه فهذا يجوز، لما تقدم؛ ولأن السبب إذا ظهر لم ينسب الآخذ إلى الخيانة، بل يحال آخذه إلى السبب الظاهر.
وأما إن كان السبب خفيًّا، كأن يكون له دين على آخر من قرض أو ثمن مبيع أو نحو ذلك من الحقوق التي تخفى، فهذا لا يجوز له الأخذ من ماله بغير إذنه، لحديث الباب، ولئلا يعرض نفسه للتهمة، ولأن في المنع سدًا للباب، لئلا ينفتح باب الشر ويدعي الآخذ أن له حقًّا وهو مبطل. وهذا هو ظاهر المذهب عند الحنابلة، كما قال ابن رجب (٤)، وهو اختيار ابن القيم، وابن سعدي (٥)، وهذا أرجح الأقوال، وبه تجتمع الأدلة، كما تقدم. والله تعالى أعلم.
стр. 2653
حكم ضمان العارية
٨٩٢/ ٣ - عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَال: قال لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتتْكَ رُسُلِي فَأعطِهِمْ ثَلَاثينَ دِرْعًا"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ، أوْ عَارِيةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَال: "بَلْ عَارِيةٌ مُؤَدَّاةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٨٩٣/ ٤ - وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيةَ، أَن النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَينٍ، فَقَال: أَغصْبٌ يَا مُحَمدُ؟ قَال: "بَلْ عَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
٨٩٤/ ٥ - وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄.
* الكلام عليها من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو صفوان بن أمية بن خلف القرشي الجمحي، يكنى أبا وهب، وقيل: أبو أمية. كان صفوان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان من أفصح قريش لسانًا، وهو أحد المُطْعِمِينَ، وممن كان يملك مستودعات للأسلحة يخزنها لوقت الحاجة إليها، قتل أبوه يوم بدر كافرًا، وحضر هو وقعة حنين قبل أن يسلم، ثم أسلم وحسن إسلامه، وقد استعار منه النبي ﷺ سلاحه لما خرج إلى حنين، وأعطاه النبي ﷺ من المغانم فأكثر، فقال: (أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي) فأسلم، وعن المسيب، عن صفوان، قال: (والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني
стр. 2654
حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ) (١). مات صفوان بمكة سنة اثنتين وأربعين في أول خلافة معاوية ﵁ على ما ذكره ابن عبد البر (٢).
وأما يعلى بن أمية فقد تقدمت ترجمته في كتاب "الحج" (٣).
* الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث يعلى بن أمية ﵁ فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٤٧١، ٤٧٢)، وأبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في تضمين العارية" (٣٥٦٦)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٣١)، وابن حبان (١١/ ٢٢، ٢٣) من طريق همام بن يحيى: حدثنا قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه مرفوعًا.
وهذا إسناد صحيح، قال ابن حزم: (حديث حسن، ليس في شيء مما روي في العارية خبر يصح غيره، وأما ما سواه فليس يساوي الاشتغال به) (٤).
وأما حديث صفوان بن أمية ﵁ فقد أخرجه أبو داود في الباب المذكور (٣٥٦٢)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٢)، والحاكم (٢/ ٥٤) من طريق شريك، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أمية بن صفوان، عن أبيه مرفوعًا، وتمامه: (فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له، قال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب) هذا لفظ النسائي وأحمد.
وهذا إسناد ضعيف؛ لأمور ثلاثة:
الأول: ضعف شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، كما تقدم.
الثاني: جهالة حال أمية بن صفوان، فإنه لم يوثقه أحد، ولم يرو عنه غير اثنين.
стр. 2655
الثالث: الاضطراب في إسناده، فقد قال الترمذي: (سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث فيه اضطراب، ولا أعلم أن أحدًا روى هذا غير شريك، ولم يقوِّ هذا الحديث).
وقد جاء هذا الحديث من رواية شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية كما تقدم، وجاء من رواية يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، عن شريك، عن ابن رفيع، عن ابن أبي مليكة، عن أمية، به. بزيادة ابن أبي مليكة في الإسناد، أخرجه الطحاوي في "شرح المشكل" (١٢/ ٢٩١)، والطبراني في "الكبير" (٧٣٣٩).
ومن رواية قيس بن الربيع، عن ابن رفيع، عن ابن أبي مليكة، عن أمية به، أخرجه الدارقطني (٣/ ٤٠).
ومن رواية أبي الأحوص، عن ابن رفيع، عن عطاء بن أبي رباح، عن ناس من آل صفوان مرسلًا، أخرجه أبو داود (٣٥٦٤).
ومن رواية جرير، عن ابن رفيع، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان، أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٤٣) ومن طريقه أبو داود (٣٥٣٦) إلى غير ذلك من وجوه الاضطراب.
وقد أشار إلى هذا الاضطراب الطحاوي، ووصفه بأنه اضطراب شديد، وما كان هذا سبيله لا تقوم به حجه (١).
لكن يشهد له حديث جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ سار إلى حنين … فذكر الحديث، وفيه: ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعًا، مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك"، ثم خرج رسول الله ﷺ سائرًا.
أخرجه الحاكم (٣/ ٤٨، ٤٩)، والبيهقي (٦/ ٨٩) من طريق ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه
стр. 2656
جابر ﵁، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي، والصواب أنه حديث حسن؛ لأن فيه ابن إسحاق، وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث (١).
ولحديث صفوان شاهد آخر ضعيف، كما أشار إلى ذلك الحافظ، بل هو ضعيف جدًّا، وهو ما أخرجه الحاكم -أيضًا- (٢/ ٤٧) وعنه البيهقي (٦/ ٨٨) عن إسحاق بن عبد الواحد القرشي: ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان بن أمية أدراعًا وسلاحًا في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله أعارية مؤداة؟ قال: "عارية مؤداة"، وهذا سند ضعيف، علته إسحاق هذا، وقد نقل الذهبي عن أبي عليٍّ الحافظ أنه قال: (متروك الحديث)، وقال الخطيب: (لا بأس به)، فردَّه الذهبي بقوله: (قلت: بل هو واهٍ) (٢).
ثم إن متن هذا الحديث مخالف لما قبله في قوله: "عارية مؤداة" وفي الذي قبله: "عارية مضمونة" وبينهما فرق، كما سيأتي إن شاء الله.
قال البيهقي بعد سياق الأحاديث في هذا الباب: (وبعض هذه الأخبار وإن كان مرسلًا فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول، والله أعلم).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:
قوله: (درعًا) بكسر الدال هو قميص من حلقات الحديد متشابكة، يلبس للوقاية من السلاح، يغطي البدن حتى نصف الساق، وقد يلبس المقاتل درعين، كما فعل النبي ﷺ في غزوة أُحد.
قوله: (أعارية مضمونة أو عارية مؤداة) العارية المضمونة: هي التي تضمن إن تلفت بمثلها أو بقيمتها. والعارية المؤداة: هي التي يجب أداؤها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن.
قوله: (أغصب) الغصب: أخذ الشيء أو الاستيلاء عليه ظلمًا وقهرًا، وغَصْبٌ: بالرفع عند أبي داود والنسائي، وهي خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: أهو
стр. 2657
غصب أو أذلك غصب. وعند أحمد (١) بالنصب، فهي معمول لفعل محذوف؛ أي: أتأخذها غصبًا لا تردها عليَّ؟.
قوله: (يا محمد) لم يقل: يا رسول الله لأنه لم يكن إذ ذاك مسلمًا.
قوله: (عارية مضمونة) مضمونة: صفة يحتمل أنها كاشفة وموضحة لحقيقة العارية؛ أي: إن شأن العارية الضمان، فيدل على ضمانها مطلقًا، ويحتمل أنها صفة للتقييد فهي مُخَصِّصَةٌ؛ أي: أستعيرها منك متصفة بأنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان، وهذا هو الأظهر؛ لأن الصفة المقيِّدة تأسيس، والتأسيس أولى، ولأنها كثيرة في الكلام.
* الوجه الرابع: لا خلاف بين العلماء في أن العارية إذا تلفت عند المستعير إما بتعدٍّ منه في استعمالها ونحوه، أو بتفريط في حفظها فإنه يضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، والمراد بذلك كل شيء له مثل وشبيه ومقارب، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٢)، وهذا التفسير للمثلي ينطبق على أشياء كثيرة في زماننا هذا، كالكتب والأقمشة والأواني المنزلية ونحوها، بعد ظهور المطابع والمصانع؛ لأن تقدم الصناعة جعل كثيرًا من الأموال القيمية في الماضي أموالًا مثلية، فإن كانت العارية ليس لها مثل ولا شبيه ضمنها المستعير بقيمتها يوم تلفها؛ لأن يوم التلف يتحقق فيه فوات العارية.
فإن تلفت بلا تعدٍّ ولا تفريط فقد اختلف العلماء في ضمانها على أربعة أقوال:
القول الأول: أنها مضمونة مطلقًا، سواء شُرط عليه الضمان أم لا، وهذا قول ابن عباس وعطاء، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول الشافعي، وقول لمالك (٣)، ونسبه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور (٤)،
стр. 2658
واستدلوا بحديث سمرة المتقدم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ووجه الاستدلال: أن اليد مطالبة برد ما أخذته، ولا يتم ذلك في حال التلف إلا بالضمان.
القول الثاني: أن العارية غير مضمونة مطلقًا؛ لأن المستعير أمين، ولا معنى للائتمان إلا انتفاء الضمان، وقد قال النبي ﷺ : "ليس على المستعير غير المُغِلِّ ضمان … " (١). وهذا قول أبي حنيفة، واختاره ابن القيم (٢).
والقول الثالث: إن كان تلف العارية بأمر ظاهر كالحريق والسيل وموت الحيوان وانقلاب السيارة فلا يضمن، وإن كان بأمر لا يُطلع عليه كدعوى سرقة الكتاب أو الحلي، أو ضياع القدر، ونحو ذلك فهذا يضمن، إلا أن يأتي ببينة تشهد على التلف، وهذا مذهب مالك (٣)، وسر هذا التفريق أن العارية أمانة غير مضمونة، إلا أنه لا يقبل قول المستعير فيما يخالف التلف بأمر ظاهر.
والقول الرابع: أن العارية لا تضمن إلا بشرط التضمين، وذلك بطلب صاحبها من المستعير أن يضمنها إذا تلفت، أو بتبرع المستعير، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجح هذا القول الصنعاني، والشيخ عبد الرحمن السعدي (٤).
واستدلوا بقوله ﷺ : "عارية مضمونة" ووجه الاستدلال: أن وصفها بمضمونة للتقييد، والمعنى: أستعير منك عارية متصفة بأنها مضمونة لا عارية
стр. 2659
مطلقة عن الضمان، فهو دليل على ضمانها عند الشرط؛ لأن المستعير تعهد بذلك.
والراجح -والله أعلم- أن العارية غير مضمونة إذا لم يحصل تعدٍّ ولا تفريط كسائر الأمانات، إلا إذا حصل اشتراط لضمانها فالمسلمون على شروطهم؛ لأن أسباب الضمان إما تعد، دماما تقصير عن الواجب، وإما تصرف لم يؤذن له فيه، وهذا مفقود في العارية.
وأما حديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" فليس فيه دليل على الضمان؛ لأن معناه: عليها رد ما قبضت لمالكه لا ضمانه؛ لأن الضمان شيء والأداء شيء آخر، ولأن اليد الأمينة أيضًا عليها ما أخذت حتى تؤدي وإلا ليست أمينة، ومعلوم أنه لا ضمان عليها.
وهذا يدخل تحت القاعدة الفقهية: (التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد أو يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقًا) ويدخل في ذلك الوديع والوكيل والمرتهن والأجير والشريك والمضارب وناظر الوقف والملتقط وولي الصغير والمجنون والسفيه، فكل هؤلاء ومن أشبههم لا يضمنون ما تلف بأيديهم؛ لأن هذا هو معنى الائتمان.
وأما من بيده مال غيره بغير حق فهو ضامن مطلقًا، سواء أتلف بتعد أم تفريط أم لا؛ لأن يد الظالم يد عادية، فيدخل في هذا الغاصب والخائن في الأمانة، ومن عنده لقطة فسكت ولم يعرفها وما أشبه ذلك (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 2660
باب الغصب
الغصب لغة: مصدر غَصَبَهُ يَغْصِبُهُ، من باب (ضرب)، ويقال: اغتصبه أيضًا، وغصبته منه، وغصبته عليه، ومعناه: أخذ الشيء قهرًا وظلمًا.
واصطلاحًا: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق (١).
وقولنا: (الاستيلاء) يفيد أن الغصب تصرف فعلي، يقال: استولى عليه: ظهر عليه، وتمكن منه وصار في يده.
وقولنا: (على حق غيره) هذا عام؛ أي: سواء أكان الحق مالًا كالدراهم والأمتعة ونحوها من العقارات أو المنقولات، أو اختصاصًا ككلب الصيد والسرجين -وهو السماد والزِّبل- فإنه ليس بمال، ولذا لا يباع على أحد الأقوال المتقدمة، ولكن صاحبه أخص به من غيره.
وقولنا: (قهرًا) المراد به المجاهرة والمغالبة، وهذا يخرج السرقة؛ لأن السرقة هي الأخذ خفية على وجه الاستسرار، بخلاف الغصب فإنه يقع بعلم المجني عليه، ولهذا لا قطع على غاصب بخلاف السارق، كما سأتي في موضعه.
وقولنا: (بغير حق) يخرج استيلاء الولي على مال الصغير، وعلى مال البالغ غير الرشيد أو المجنون، أو استيلاء الحاكم على مال المفلس، على ما هو مقرر في باب "الحجر".
والغصب محرم إجماعًا في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه، والدليل على تحريمه الكتاب والسنة، أما الكتاب فعموم الآيات التي تنهى عن الظلم
стр. 2661
والاعتداء على مال الغير، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] والغصب من جملة الباطل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
وأما السنة: فالأدلة كثيرة ومنها أحاديث الباب، ومن حيث النظر فإن في إباحة الغصب انتهاكًا لأموال المسلمين والتعدي عليها، وفي ذلك إشاعة الشر ونشر الفساد لما يترتب على التعدي من العداوة والبغضاء وحصول القتل وإزهاق النفوس كما يحصل بين الغاصب والمغصوب منه، والمال المأخوذ غصبًا محرم على غاصبه؛ لأن الغصب عدوان على ملك الغير، والعدوان لا يكون سببًا للتملك، ولهذا يجب على الغاصب رد المال المغصوب إلى صاحبه على التفصيل الآتي -إن شاء الله-، ولا يجوز له الانتفاع به مطلقًا.
стр. 2662
إثم من ظلم شبرًا من الأرض
٨٩٥/ ١ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيدٍ ﵁، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرج البخاري في كتاب "المظالم"، باب "إثم من ظلم شيئًا من الأرض" (٢٤٥٢) من طريق طلحة بن عبد الله، أن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل أخبره أن سعيد بن زيد ﵁، قال: … وذكر الحديث.
وأخرجه في كتاب"بدء الخلق"، باب "ما جاء في سبع أرضين" (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠)(١٣٩) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد ﵁.
وأخرجه -أيضًا- من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن سعيد بن زيد، بهذا اللفظ المذكور في "البلوغ".
وله طرق أخرى عند مسلم.
وللحديث قصة، وهي أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ؟ … ثم ساق الحديث. فقال مروان: لا أسألك (١) بينة بعد هذا. فقال: اللهم إن كانت
стр. 2663
كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. هذا لفظ مسلم.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من اقتطع) أي: أخذ، وقد جاء بهذا اللفظ في "الصحيحين"، وجاء عند البخاري بلفظ: "من ظلم"، واقتطع افتعل، من القطع، كأنه قطع هذا الشبر عن صاحبه، أو أخذ قطعة من ماله، وهذا فيه استعارة حيث شبه من أخذ ملك غيره وأوصله إلى ملك نفسه بمن اقتطع قطعة من شيء يجري فيه القطع الحقيقي.
قوله: (شبرًا) بكسر أوله وسكون ثانيه، جمعه أشبار، والشبر: ما بين رأسي الخنصر والإبهام من كف مفتوحة. وذكر الشبر إشارة إلى استواء القليل والكثير في الوعيد، وعند البخاري: "شيئًا" (١) وهذا أعم. وفي رواية "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂ (٢): "قيد شبر" وهي بكسر القاف؛ أي: قدر شبر.
قوله: (من الأرض) بيانية.
قوله: (طوقه الله … ) أي: جعله طوقًا في عنقه، وفيه معنيان:
الأول: أنه يكلف يوم القيامة نقل ما ظلم منها إلى المحشر، ويكون كالطوق في عنقه، لا أنه طوق حقيقة، ويؤيده حديث يعلى بن مرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يُطَوَّقَهُ يوم القيامة، حتى يفصل بين الناس" (٣).
الثاني: أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقًا في عنقه، ويؤيد هذا المعنى حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا بلفظ:
стр. 2664
"من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" (١).
وفيه أقوال أخرى ذكرها الحافظ، ثم قال: (ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو تنقسم أصحاب هذه الجناية فيعذب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا بحسب قوة المفسدة وضعفها) (٢).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغصب؛ لأنه من الظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين العباد محرمًا.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الغصب في القليل والكثير، لقوله: "شبرًا" ولقوله: "شيئًا".
* الوجه الخامس: تغليظ عقوبة الغصب، ولا سيما الأرض؛ لأن مدة الاستيلاء عليها تطول غالبًا، وقد ورد في حديث أبي مالك الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه رجل فيطوقه من سبع أرضين" (٣).
وقد ذكر القرطبي أن أخذ شيء من الأرض من أكبر الكبائر، وكأنه فَرَّعَ ذلك على أن الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد، كما ذكر تعريف الكبيرة في أوائل شرحه على "مختصر صحيح مسلم" (٤).
* الوجه السادس: الحديث دليل على إمكان غصب الأرض، وهذا قول الجمهور، وغصبها يكون بالاستيلاء عليها على وجه يحول بينها وبين مالكها، والحديث نص في ذلك، ونُقل عن أبي حنيفة أنه لا يرى إمكان غصب الأرض (٥)؛ لأن الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعلٍ في العين، وهذا لا يتصور في العقار.
стр. 2665
وهذا تعليل في مقابلة النص فلا يقبل، وغصب كل شيء بحسبه، فالمنقول بنقله وأخذه، وغير المنقول كالأراضي والدور والبساتين بالاستيلاء عليه.
* الوجه السابع: الحديث دليل على أن من ملك أرضًا ملك باطنها إلى تُخُومها (١)، فلا يجوز لأحد أن يحفر تحتها نفقًا، أو يضع تمديدات ماء أو كهرباء ونحو ذلك إلا بإذنه، ويكون مالكًا لما فيها من أحجار مدفونة أو معادن، وله هواؤها، وله أن يحفر ما شاء ما لم يضر بجاره، فإن ضَرَّ بجاره لم يجز، لأن الضرر يزال، والله تعالى أعلم.