والاعتداء على مال الغير، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] والغصب من جملة الباطل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
وأما السنة: فالأدلة كثيرة ومنها أحاديث الباب، ومن حيث النظر فإن في إباحة الغصب انتهاكًا لأموال المسلمين والتعدي عليها، وفي ذلك إشاعة الشر ونشر الفساد لما يترتب على التعدي من العداوة والبغضاء وحصول القتل وإزهاق النفوس كما يحصل بين الغاصب والمغصوب منه، والمال المأخوذ غصبًا محرم على غاصبه؛ لأن الغصب عدوان على ملك الغير، والعدوان لا يكون سببًا للتملك، ولهذا يجب على الغاصب رد المال المغصوب إلى صاحبه على التفصيل الآتي -إن شاء الله-، ولا يجوز له الانتفاع به مطلقًا.
стр. 2662
إثم من ظلم شبرًا من الأرض
٨٩٥/ ١ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيدٍ ﵁، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرج البخاري في كتاب "المظالم"، باب "إثم من ظلم شيئًا من الأرض" (٢٤٥٢) من طريق طلحة بن عبد الله، أن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل أخبره أن سعيد بن زيد ﵁، قال: … وذكر الحديث.
وأخرجه في كتاب"بدء الخلق"، باب "ما جاء في سبع أرضين" (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠)(١٣٩) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد ﵁.
وأخرجه -أيضًا- من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن سعيد بن زيد، بهذا اللفظ المذكور في "البلوغ".
وله طرق أخرى عند مسلم.
وللحديث قصة، وهي أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ؟ … ثم ساق الحديث. فقال مروان: لا أسألك (١) بينة بعد هذا. فقال: اللهم إن كانت
стр. 2663
كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. هذا لفظ مسلم.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من اقتطع) أي: أخذ، وقد جاء بهذا اللفظ في "الصحيحين"، وجاء عند البخاري بلفظ: "من ظلم"، واقتطع افتعل، من القطع، كأنه قطع هذا الشبر عن صاحبه، أو أخذ قطعة من ماله، وهذا فيه استعارة حيث شبه من أخذ ملك غيره وأوصله إلى ملك نفسه بمن اقتطع قطعة من شيء يجري فيه القطع الحقيقي.
قوله: (شبرًا) بكسر أوله وسكون ثانيه، جمعه أشبار، والشبر: ما بين رأسي الخنصر والإبهام من كف مفتوحة. وذكر الشبر إشارة إلى استواء القليل والكثير في الوعيد، وعند البخاري: "شيئًا" (١) وهذا أعم. وفي رواية "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂ (٢): "قيد شبر" وهي بكسر القاف؛ أي: قدر شبر.
قوله: (من الأرض) بيانية.
قوله: (طوقه الله … ) أي: جعله طوقًا في عنقه، وفيه معنيان:
الأول: أنه يكلف يوم القيامة نقل ما ظلم منها إلى المحشر، ويكون كالطوق في عنقه، لا أنه طوق حقيقة، ويؤيده حديث يعلى بن مرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يُطَوَّقَهُ يوم القيامة، حتى يفصل بين الناس" (٣).
الثاني: أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقًا في عنقه، ويؤيد هذا المعنى حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا بلفظ:
стр. 2664
"من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" (١).
وفيه أقوال أخرى ذكرها الحافظ، ثم قال: (ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو تنقسم أصحاب هذه الجناية فيعذب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا بحسب قوة المفسدة وضعفها) (٢).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغصب؛ لأنه من الظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين العباد محرمًا.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الغصب في القليل والكثير، لقوله: "شبرًا" ولقوله: "شيئًا".
* الوجه الخامس: تغليظ عقوبة الغصب، ولا سيما الأرض؛ لأن مدة الاستيلاء عليها تطول غالبًا، وقد ورد في حديث أبي مالك الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه رجل فيطوقه من سبع أرضين" (٣).
وقد ذكر القرطبي أن أخذ شيء من الأرض من أكبر الكبائر، وكأنه فَرَّعَ ذلك على أن الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد، كما ذكر تعريف الكبيرة في أوائل شرحه على "مختصر صحيح مسلم" (٤).
* الوجه السادس: الحديث دليل على إمكان غصب الأرض، وهذا قول الجمهور، وغصبها يكون بالاستيلاء عليها على وجه يحول بينها وبين مالكها، والحديث نص في ذلك، ونُقل عن أبي حنيفة أنه لا يرى إمكان غصب الأرض (٥)؛ لأن الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعلٍ في العين، وهذا لا يتصور في العقار.
стр. 2665
وهذا تعليل في مقابلة النص فلا يقبل، وغصب كل شيء بحسبه، فالمنقول بنقله وأخذه، وغير المنقول كالأراضي والدور والبساتين بالاستيلاء عليه.
* الوجه السابع: الحديث دليل على أن من ملك أرضًا ملك باطنها إلى تُخُومها (١)، فلا يجوز لأحد أن يحفر تحتها نفقًا، أو يضع تمديدات ماء أو كهرباء ونحو ذلك إلا بإذنه، ويكون مالكًا لما فيها من أحجار مدفونة أو معادن، وله هواؤها، وله أن يحفر ما شاء ما لم يضر بجاره، فإن ضَرَّ بجاره لم يجز، لأن الضرر يزال، والله تعالى أعلم.
стр. 2666
حكم من أتلف شيئًا لغيره
٨٩٦/ ٢ - عَنْ أنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَال: "كُلُوا"، وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُول، وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بإنَاءٍ". وَصَحَحَهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "المظالم"، باب "إذا كَسَرَ قصعةً أو شيئًا لغيره" (٢٤٨١) من طريق يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس ﵁.
وأخرجه الترمذي من طريق سفيان الثوري، عن حميد، عن أنس ﵁، ولفظه: أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إلى النبي ﷺ طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي ﷺ : "طعام بطعام، وإناء بإناء". قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
وهذا الحديث لا تعلق له بالغصب، ومع هذا فكل من ألَّف في أحاديث الأحكام ذكره هنا؛ وحقه أن يذكر في باب "الضمان" أو "ضمان المتلفات"، ولعل ذكره هنا؛ لأن إتلاف مال الغير مباشرة أو بسبب على وجه العدوان نوع من أنواع الغصب.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كان عند بعض نسائه) هي عائشة ﵂، كما تدل له رواية
стр. 2667
الترمذي المذكورة، وكأنها أبهمت ﵂ تفخيمًا لشأنها وأنه مما لا يخفى ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا إنما كانت تهدى إلى النبي ﷺ في بيتها (١).
قوله: (فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين) وصفت المرسلة بأم المؤمنين إيذانًا بشفقتها وكسرها غيرتَها وهواها، حيث أهدت إلى بيت ضرتها بالقصعة، قاله الطيبي (٢).
ولم يبين في هذه الرواية من المرسلة؟ لكن ذكر ابن حزم رواية من طريق جرير بن حازم، عن حميد، عن أنس ﵁، أن المرسلة هي زينب بنت جحش ﵂ (٣)، وروى النسائي من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي المتوكل، عن أم سلمة أنها -يعني- أتت بطعام في صحفة لها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فِهْرٌ، ففلقت به الصحفة، فجمع النبي ﷺ بين فلقتي الصحفة، وهو يقول: "كلوا، غارت أمُّكم" مرتين، ثم أخذ رسول الله ﷺ صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صحفة أم سلمة عائشة. والحديث صححه الألباني (٤).
ورجح الحافظ ابن حجر أنها زينب؛ لمجيء الحديث من مخرجه، وهو حميد، عن أنس ﵁، وما في النسائي قصة أخرى (٥).
قوله: (مع خادم) الخادم لفظ يطلق على الذكر والأنثى، يقال: خدمه خدمة: قام بحاجته، فهو وهي خادم، قال في "المصباح المنير": (والخادمة بالهاء في المؤنث قليل … ) (٦).
قوله: (بقصعة) بفتح القاف: إناء من خشب يؤكل فيه، وفي رواية أخرى عند البخاري: (بصحفة) (٧).
قوله: (فيها طعام) ورد في حديث أنس عند ابن حزم أن زينب بنت
стр. 2668
جحش أهدت إلى النبي ﷺ وهو في بيت عائشة يومها جفنة من حيس … الحديث. والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدًا، ثم يُنْدَرُ منه نواه، وربما جعل فيه سويق.
قوله: (فضمها) أي: جمع بين أجزاء القصعة المكسورة وشدها حتى تماسكت.
قوله: (ودفع القصعة .. ) في البخاري: (وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة … ).
قوله: (طعام بطعام) أي: وضع في القصعة الصحيحة طعامًا وأرسله فيها إلى من كسرت قصعتها، ولعل الرسول ﷺ فعل ذلك تطييبًا لخاطرها، أو من باب المعونة والإصلاح.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من أتلف لغيره شيئًا أنه يضمنه، فإن كان مثليًّا ضمنه بمثله، وإن لم يكن مثليًّا ضمنه بقيمته، ولا يعدل إلى القيمة إلا إذا أعوز المثل أو تعذر.
وقد تقدم أن المثلي كل شيء له مثل وشبيه ومقارب، سواء كان مكيلًا كالأرز والبر والشعير، أو موزونًا كاللحم، أو إناء، أو كتابًا، أو ثوبًا، أو نحو ذلك.
ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ دفع القصعة الصحيحة للرسول عوضًا عن القصعة المكسورة، ومعلوم أن القصعة تعد من القيميات، ومع هذا أوجب النبي ﷺ فيها قصعة مثلها، مما يدل على أن القيمي يضمن بمثله من جنسه متى أمكن مع مراعاة التساوي في القيمة أو التقارب، حيث لا يوجد فرق يعتد به، ولأن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين: القيمة، وحصول مقصود صاحبه، وقد نُسب هذا القول إلى الشافعي، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو قول ابن حزم (١).
стр. 2669
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن إرسال الطعام أو الشراب من زوجة لبيت زوجة أخرى فيه الزوج أنه جائز ولا يعتبر من الميل لزوجة أخرى؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر إرسال الطعام إلى بيت عائشة ﵂ بل أقره، وأمر بأكله بعد أن جمعه.
* الوجه الخامس: الحديث دليل على وجود الغيرة الشديدة بين النساء حتى ذوات العلم والفضل والشرف الكبير، زوجات النبي ﷺ ، فيحصل بينهن من الغيرة ما يستغرب ويستنكر، وهذا شيء جعله الله تعالى في جبلَّتهن، بحيث إن المرأة لا تملك نفسها عند حدوثه مهما كان علمها وفضلها، فكيف بمن دون ذلك؟!.
* الوجه السادس: الحديث دليل على حسن خلق النبي ﷺ وكريم معاملته لأزواجه، حيث لم يعاقب كاسرة القصعة بل اعتذر عنها بقوله: "غارت أمكم" لئلا يُحمل صنيعها على ما يذم، بل يجري على عادة الضرائر، كما تقدم.
وهذا فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة المرأة الغيور أو الغَيرى بما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثمرته الغيرة.
والغيرة: بفتح المعجمة، وسكون التحتانية بعده راء: مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما فيه الاختصاص، وأشد ما تكون الغيرة بين الزوجات، وبين الزوجين (١).
* الوجه السابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للزوج التلطف في معاملة النساء، ومعالجة ما قد يحدث من إحدى زوجاته على الأخرى بما يطيب خاطرها ويزيل ما قد يسيء إلى العشرة، والله تعالى أعلم.
стр. 2670
حكم من زرع في أرض غيره
٨٩٧/ ٣ - عَنْ رَافعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيرِ إِذْنِهِمْ فَلَيسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائيَّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَيُقَالُ: إنَّ البُخَارِيَّ ضَعَّفَهُ.
الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (٢٥/ ١٣٨)، وأبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في زرع الأرض بغير إذن صاحبها" (٣٤٠٣)، والترمذي (١٣٦٦)، وابن ماجه (٢٤٦٦) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن رافع بن خديج ﵁، مرفوعًا.
وهذا الحديث حسنه الترمذي، وقال: (سألت محمد بن إسماعيل -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن … ) (١).
والظاهر أن تحسين الحديث إنما هو باعتبار شواهده، كما ذكر الألباني (٢). وأبو إسحاق: سمع منه شريك قبل الاختلاط (٣).
وأما قول الحافظ: (ويقال: إن البخاري ضعفه) فقد نقله الخطابي عن البخاري بصيغة الجزم (٤)، وقال الترمذي في "العلل": (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث شريك الذي تفرد به عن أبي إسحاق) (٥) فظاهر هذا أن البخاري أعله لكونه من أفراد شريك بن عبد الله القاضي، وهو كثير الخطأ، وهذا
стр. 2671
محل نظر، فإن هذه العبارة قد تفيد تضعيف هذا الطريق، لا تضعيف الحديث إن ثبت تحسين البخاري، ولذا لم يجزم به الحافظ، بل ساقه بصيغة التمريض خلاف عادته، ومما يدل على النظر في هذا النقل، أن الترمذي نقل عن البخاري تحسينه، كما مضى، إلا إن كان تضعيف البخاري باعتبار طريق من طرق الحديث، وتحسينه باعتبار ما له من طرق وشواهد تقويه، كما قال أبو حاتم وغيره.
ثم إن شريكًا لم ينفرد به، فقد تابعه قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، به. أخرجه يحيى بن آدم (١)، والبيهقي (٢)، وهو في درجة شريك، فإنه سيء الحفظ أيضًا -كما تقدم-، فأحدهما يقوي الآخر، إلا أن البيهقي أعلَّ الحديث بعلتين غير ضعف شريك:
الأولى: أن أبا إسحاق السبيعي كان يدلس، ومما يدل على تدليسه أن ابن عدي روى الحديث من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، به (٣)، فزاد عبد العزيز بن رفيع.
العلة الثانية: الانقطاع؛ لأن عطاء بن أبي رباح لم يسمع من رافع بن خديج ﵁، فيما ذكر الشافعي وأبو زرعة وابن أبي حاتم (٤). وجزم أبو حاتم بأنه أدركه (٥).
والحديث جاء من طريق يحيى القطان، عن أبي جعفر الخطمي، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج ﵁، أن رسول الله ﷺ أتى بني حارثة، فرأى زرعًا في أرض ظُهير، فقال: "ما أحسن زرع ظهير! "، قالوا: ليس لظهير، قال: "أليس أرض ظهير؟ "، قالوا: بلى، ولكنه زرع فلان، قال: "فخذوا زرعكم، وردوا عليه نفقته"، قال رافع: فأخذنا زرعنا، ورددنا إليه النفقة.
أخرجه أبو داود (٣٣٩٩)، والنسائي (٧/ ٤٠)، وهذا إسناد صحيح لا علة فيه (٦)، قال ابن أبي حاتم: (قال أبي: هذا يقوي حديث شريك، عن أبي
стр. 2672
إسحاق، عن عطاء، عن رافع) (١).
والحديث بمجموع طرقه صحيح، خلا لفظة: "بغير إذنهم" فقد تفرد بها أبو إسحاق السبيعي، كما ذكر ذلك الإمام أحمد (٢). وحسن ابن القيم هذا الحديث، ورأى أن لفظة: "بغير إذنهم" صحيحة في النظر وإن لم تثبت في النقل، وقال: (فمثل هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله -وقد تأيد بالقياس الصحيح- من حجج الشريعة، وبالله التوفيق) (٣).
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من غصب أرضًا ثم زرعها فإن الزرع يكون لصاحب الأرض، ويدفع للغاصب قيمة الزرع من بذر وحرث وسقي، ونحو ذلك، ولصاحب الأرض أن يبقي الزرع للغاصب بأجرة مثله إلى الحصاد مع أرش نقص الأرض، وهذا إذا كان الزرع قائمًا، أما إذا كان الأمر بعد الحصاد فليس لصاحب الأرض إلا الأجرة، وهذا مذهب الإمام أحمد، وقول كثير من أهل المدينة، وأبي عبيد، وابن حزم (٤).
وعلى هذا فلا يجبر الغاصب على قلع زرعه؛ لأنه إتلاف للمال وإضاعة له، وقد أمكن رد الأرض المغصوبة إلى مالكها من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان.
وذهب الجمهور من العلماء إلى أن الزرع للغاصب (٥)، وعليه أجرة الأرض، وأن لصاحب الأرض قلعه قبل الحصاد، وأما بعد الحصاد فليس له إلا الأجرة، واستدلوا بالحديث الآتي: "ليس لعرق ظالم حق"، وسيأتي مزيد كلام عند هذا الحديث، إن شاء الله.
والقول الأول أرجح لقوة دليله، وهو حديث الباب، ومن حيث المعنى -أيضًا-، ودليلهم قال عنه الصنعاني: (وهو لأهل القول الأول أظهر في الاستدلال)، والله تعالى أعلم.
стр. 2673
حكم من غرس نخلًا في أرض غيره
٨٩٨/ ٤ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ قَال: قَال رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : إنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا، والأرضُ للآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ الله ﷺ بالأَرْضِ لِصَاحِبَها، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ، وَقَال: "لَيسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
٨٩٩/ ٥ - وآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ "السُّنَنِ" مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ زيدٍ، وَاخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِينِ صَحَابِيِّهِ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله، عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي المدني، الفقيه، أحد الفقهاء السبعة، مولده سنة عشرين، وقيل ثلاث وعشرين، قال الذهبي: (هذا قول قوي، وقيل غير ذلك)، حدث عن أبيه بشيء يسير لصغره، وروى عن أخيه عبد الله، وأمه أسماء، وخالد، وعائشة، ولازمها وتفقَّه بها، وعن سعيد بن زيد، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم، وروى عنه أولاده: عبد الله، وعثمان، وهشام، وغيرهم، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، فقيهًا، عاليًا، ثبتًا، مأمونًا، مات سنة أربع وتسعين على أحد الأقوال، ﵀ (١).
стр. 2674
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما الأول فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الخراج والإمارة والفيء"، بابٌ "في إحياء الموات" (٣٠٧٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه.
وهذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن إسحاق، وهو صدوق في ضبطه شيء، مع ما ذكروا من تدليسه، ولذا حسّن الحافظ حديثه هنا.
وأما الثاني فقد رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٢٥) من طريق عبد الوهاب الثقفي، قال: أخبرنا أيوب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ ، قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق". قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب).
وقد اختلف في هذا الحديث؛ فروي موصولًا عن عروة، عن سعيد بن زيد، كما ذكر الحافظ. قال البزار: (هذا الحديث قد رواه جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا، ولا نحفظ أحدًا قال: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد إلا عبد الوهاب، عن أيوب) (١).
وقد رواه الإمام مالك (٢/ ٧٤٣)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٢٥) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، قال ابن عبد البر: (هذا الحديث مرسل عند جماعة الرواة عن مالك لا يختلفون في ذلك) (٢). وقال الدارقطني بعد أن ذكر وصله وإرساله: (والمرسل عن عروة أصح) (٣). وقال ابن عبد البر: (وهو أصح ما قيل فيه، إن شاء الله).
ولعل وجه ترجيح المرسل مخالفة عبد الوهاب الثقفي لرواية الجماعة الذين رووه مرسلًا، وما حصل من الاختلاف فيه على هشام بن عروة، كما فصله الدارقطني وابن عبد البر وغيرهما، قال ابن عبد البر بعد أن ذكر
стр. 2675
الاختلاف: (هذا الاختلاف عن عروة يدل على أن الصحيح في إسناد هذا الحديث عنه الإرسال)، وعلى هذا فرواية عبد الوهاب شاذة، وقد قال الحافظ في "التقريب" عن عبد الوهاب: (ثقة، تغير قبل موته بثلاث سنين) وقد روى هذا الحديث عبد الرزاق عن معمر، عن هشام بن عروة، قال: خاصم رجل إلى عمر بن عبد العزيز في أرض حازها، فقال عمر: (من أحيا من مَيْت الأرض شيئًا فهو له)، فقال له عروة: قال رسول الله ﷺ : "من أحيا شيئًا من ميت الأرض فهو له، وليس لعرق ظالم حق" (١).
وقد اختلف في تعيين صحابي هذا الحديث، وسيأتي بيان ذلك في باب "إحياء الموات" حيث ذكر الحافظ هذا الحديث، وذكر هناك عدة أقوال في تعيين الصحابي.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ) في إحدى روايات أبي داود أن عروة، قال: (وأكثر ظني أنه أبو سعيد) والصحابة ﵃ كلهم ثقات ذوو عدل، تقبل رواية الواحد منهم وإن كان مجهولًا؛ لأن جهالة من هذه صفته لا تضر.
قوله: (ليس لعرق ظالم حق) يجوز فيه وجهان:
الأول: تنوين عرق، ويكون قوله: "ظالم" نعتًا له، والمعنى: ليس لصاحب عرقٍ ظالمٍ حق، وسمي العرق: ظالمًا؛ لأنه لظالم، فيكون راجعًا لصاحب العرق، وهذا قول الأكثرين.
الثاني: بدون تنوين، على إضافة عرق إلى ما بعده، ويكون الظالم صاحب العرق، وسمي ظالمًا؛ لأنه تصرف في ملك الغير بلا حق.
والعرق الظالم: من غرس، أو زرع، أو بنى، أو حفر في أرض غيره بلا حق ولا شبهة.
стр. 2676
والعرق الظالم قد يكون ظاهرًا كالبناء والغرس، وقد يكون باطنًا وهو ما احتفره الرجل من الآبار، أو استخرجه من المعادن (١).
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من غرس نخلًا في أرض غيره فهو ظالم ولا حق له في ذلك، ويؤمر بقلع نخله وإخراجه، ومثل ذلك لو بنى في الأرض المغصوبة فإنه يلزمه إزالة البناء. وقد نقل ابن رشد الإجماع على ذلك، وقال الموفَّق: (لا نعلم فيه خلافًا) (٢).
قال ابن عبد البر عن هذا الحديث: (هو حديث متلقى بالقبول عند فقهاء الأمصار وغيرهم، وإن اختلفوا في بعض معانيه) (٣).
وإذا قلع النخل لزمه تسوية الحفر، وردّ الأرض إلى ما كانت عليه؛ لأنه ضرر حصل بفعله في ملك غيره، فلزمته إزالته، وعلى هذا ففيه فرق بين الغرس كما هنا والزرع كما في حديث رافع بن خديج الذي قبله، وهو أن الغرس يقلع، والزرع يبقى على التفصيل السابق.
وأما قول الأكثرين: إن الحكم في الزرع كالحكم في الغرس وهو أنه يقلع فهو قول مرجوح؛ لأن الغرس مدته تطول، ولا يعلم متى ينقلع من الأرض، فانتظاره يؤدي إلى ترك ردِّ الأصل بالكلية، بخلاف الزرع فإن مدته لا تطول، والقول بالتفريق عمل بالدليلين معًا، وهو أولى من إبطال أحدهما (٤)، والله تعالى أعلم.
стр. 2677
تغليظ تحريم الدماء والأموال والأعراض
٩٠٠/ ٦ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْر بمِنًى: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، في بَلَدِكُمْ هذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
• الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، أولها في كتاب "العلم"، باب "قول النبي ﷺ : "رُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع"" (٦٧)، ومسلم في كتاب "القسامة"، باب "تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال" (١٦٧٩) من طريق عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، ذكر النبيَّ ﷺ قعد على بعيره وأمسك بخطامه -أو بزمامه- قال: "أيُّ يوم هذا؟ " فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: "أليس هذا يوم النحر؟ " قلنا: بلى. قال: "فأيُّ شهر هذا؟ " فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: "أليس بذي الحجة؟ " قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه".
ولو أن الحافظ بدأ باب "الغصب" بهذا الحديث لكان أولى.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على عظم شأن مال المسلم، ووجوب احترامه، والحذر من التعدي عليه، وقد أكد النبي ﷺ هذه المعاني في هذا الحديث من وجوه:
стр. 2678
الأول: أن النبي ﷺ بيّن حرمة مال المسلم في أعظم مجمع على الإطلاق حيث خطب بذلك في عرفة، كما في حديث جابر ﵁، ثم أعاده في منى يوم النحر، كما في هذا الحديث، وهذا دليل على العناية والاهتمام بهذا الأمر.
الثاني: أن النبي ﷺ قرن بين الأموال والأنفس والأعراض فدل على وجوب احترام الأموال وعدم التعدي عليها كوجوب احترام الدماء والأعراض.
الثالث: أن النبي ﷺ شبه تحريم الدم والمال والعرض بما هو ظاهر عندهم ومستقر وثابت في نفوسهم، وهو تحريم البلد والشهر واليوم، وكانوا لا يرون استباحة هذا الأشياء وانتهاك حرمتها بحال، بخلاف الدماء والأموال والأعراض فإنهم كانوا في الجاهلية يستبيحونها، فشبه حرمة هذه بحرمة تلك لما تقدم من وجه الشبه.
وقد نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل في أكثر من آية من كتابه الكريم، وهذا يشمل كل سبب محرم أو وسيلة محرمة لاكتساب المال تؤدي إلى التعدي على حقوق الآخرين، فيدخل في ذلك أكل الربا والغصب والتعدي على أملاك الآخرين من الأراضي أو البساتين وغيرها بمدِّ حدود أرضه إلى أرض جاره خلسة واغتصابًا، كما يدخل في ذلك السرقة والاختلاس والرشوة والغش وغير ذلك من صور أكل المال بالباطل.
وقد حمى الإسلام مال المسلم وصانه من التعدي، فحرم أخذه بغير إذنه وطيب نفسه، وأوجب الضمان على من أتلف شيئًا منه، كما توعد بالعقاب الأليم من أخذ شبرًا من أرض أخيه، وأوجب قطع يد السارق، وتعزير المختلس والمنتهب، والله تعالى أعلم.
стр. 2679
باب الشفعة
الشفعة لغة: بضم المعجمة، وسكون الفاء، من الشفع، وهو الزوج قسيم الفرد، وتطلق على معانٍ منها: الضم والزيادة، فإذا ضممت فردًا إلى فرد فقد شفعته.
وشرعًا: انتزاع الشريك شِقْصَ شريكه ممن انتقل إليه ببيع ونحوه.
مثال ذلك: أن يشترك زيد وعمرو في أرض أو دار أو مزرعة لكل منهما نصيب معلوم مشاع كالنصف، فباع زيد حصته لخالد، فيجوز لعمرو أن ينتزع هذه الحصة من مشتريها، فيأخذها منه بما دفع من الثمن، طابت نفسه بذلك أم لا، وتكون الأرض أو الدار كلها لعمرو الذي لم يبع نصيبه.
وقولنا في التعريف: (انتزاع) هو أخذ الشيء بالقوة، وكأن الشفيع يأخذ نصيب شريكه بغير رضي المشتري؛ لأنه أحق به، وعلى هذا فالشفعة ليست سببًا اختياريًّا، بل تُعَدُّ من نزع الملك جبرًا عن صاحبه، وذلك من أجل المصلحة المترتبة على ذلك، كما سيأتي.
وقولنا: (شقص) بكسر السين: القطعة من الشيء.
وقولنا: (ببيع ونحوه) أي: سواء باع شريكه نصيبه على طرف ثالث، أو صالح به عن عقار آخر، أو صالح به عن جناية موجبة للمال، ونحو ذلك.
وقد ثبتت مشروعية الشفعة بالسنة والإجماع، أما السنة فأحاديث الباب.
وأما الإجماع فقد نقل الموفق عن ابن المنذر أنه قال: (أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط) (١).
стр. 2680
وأما حكمة مشروعيتها: فإن موضوع الشفعة هو العقارات المشتركة كالأراضي والبساتين، والشركة في الغالب منشأ الضرر والمشاكل؛ لأن كثيرًا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، فجاءت هذه الشريعة الكاملة بدفع هذا الضرر: بالقسمة تارة، وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة، وانفراد أحد الشريكين بالجملة، لدفع ما قد يكون من ضرر يصيب الشريك بسبب مشاركته شخصًا قد لا تؤمن عواقبه، على وجه لا يتضرر به صاحبه؛ لأن المشتري إلى الآن لم يثبت له من أحكام الاشتراك ما يتضرر بفقده، ثم هو يصل إلى حقه من الثمن، وهذا يصل إلى استبداده بالمبيع وانفراده به، بالإضافة إلى ما يحصل عليه الشفيع بالشفعة من سعة مسكنه، أو زيادة في مزرعته، أو بقعته، تمكنه من استغلالها وإنماء غلاتها.
كما أن من حكمتها دفع ضرر مؤنة القسمة إذا طلبها الشريك؛ لأن للقسمة أضرارًا من نواحٍ شتى؛ كنقص الانتفاع بالشقص بسببها، وما يترتب على ذلك من إحداث مرافق لكل نصيب؛ كالسلَّم والبالوعة والطريق، وما يستلزم ذلك من نفقات.
وبهذا يعلم أن الشفعة ليست على خلاف القياس -كما قد يُظن، لكون الشقص أُخذ من المشتري قهرًا، والأصل أنه لا يخرج المال إلا بطيب نفس من صاحبه- لأن هذا الأصل مراد به منع الظلم والإضرار بصاحب المال، أما ما لا يتضمن ظلمًا ولا إضرارًا، وإنما يتضمن مصلحة فهو على أصول الشريعة، وهي توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة وإن لم يرضَ صاحب المال (١).
стр. 2681
مشروعية الشفعة، وما تثبت فيه
٩٠١/ ١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَال: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : بالشُّفْعَةِ في كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: "الشُّفْعَةُ في كُل شِرْكٍ: في أَرْضٍ، أوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أنْ يَبيعَ حَتى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ". وَفي رِوَايَةِ الطحَاويِّ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفعَةِ في كُلِّ شَيءٍ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الشفعة"، باب "الشفعة فيما لم يقسم" (٢٢٥٧) من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر ﵁، مرفوعًا.
وقول الحافظ: (واللفظ للبخاري) أي: لأن مسلمًا ما رواه بهذا اللفظ، وإنما رواه بمعناه، كما ذكر الحافظ نفسه في "التلخيص" (١) ولو اقتصر على عزوه للبخاري لكان أجود، كما فعل ابن عبد الهادي في "المحرر" (٢).
وقد رجح أبو حاتم أن قوله: (فإذا وقعت الحدود … ) مدرج من كلام جابر ﵁ (٣)، ويدل على هذا الإدراج عدم إخراج مسلم لتلك الزيادة (٤).
قال الحافظ: (وفيه نظر؛ لأن الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه،
стр. 2682
حتى يثبت الإدراج بدليل، وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه أنه رجح رفعها) (١).
وقد تبع الشوكانيُّ ابنَ حجر في نفي الإدراج، وأجاب عن عدم إخراج مسلم لتلك الزيادة، بأن بعض الأئمة قد يقتصر على ذكر بعض الحديث، لا سيما وقد أخرجها البخاري، قال: ثم إن معنى هذه الجملة التي ادعي أنها مدرجة، هو معنى: "في كل ما لم يقسم" ولا تفاوت إلا أن يكون دلالة أحدهما على هذا المعنى بالمنطوق والآخر بالمفهوم (٢).
وأخرجه مسلم (١٦٠٨)(١٣٥) من طريق ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: … وذكر الحديث، وتمامه: "فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه".
ولعل الحافظ ذكر رواية مسلم لأنها أفادت فائدتين:
الأولى: التفسير والتمثيل لما أجمل في قوله: "ما لم يقسم".
الثانية: أن فيها زيادة حكم سكتت عنه الرواية الأولى، كما سيأتي.
ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/ ١٢٦) فقال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا يوسف بن عدي، قال: حدثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر ﵁، مرفوعًا.
وهذا الحديث قال عنه الحافظ: (رجاله ثقات). وقال في "فتح الباري": (لا بأس برواته) (٣). ومعلوم أن كلا العبارتين لا تدل على تصحيح الحديث؛ لأن فيه عنعنة ابن جريج، وهو معروف بالتدليس عن الضعفاء والمتروكين، كما قال الدارقطني والذهبي وابن حجر وغيرهم. ثم إن الحديث قد جاء عند مسلم (١٦٠٨)(١٣٤) من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق بن إبراهيم، حدثنا- وبعضهم قال: أخبرنا- ابن إدريس: حدثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، ليس عن عطاء، عن جابر. وقد تابع ابنَ إدريس إسماعيلُ بن علية، عن ابن جريج، به. رواه أبو داود
стр. 2683
(٣٥١٣)، والنسائي (٧/ ٣٠١)، وأحمد (٢٢/ ٢٩٥) (١).
وذكر الحافظ رواية الطحاوي لإفادتها عموم الشفعة في كل شيء من العقار، والمنقول، ما تمكن قسمته وما لا تمكن، كما سيأتي إن شاء الله.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قولها: (قضى بالشفعة) أي: حكم وألزم بثبوت الشفعة.
قوله: (فإذا وقعت الحدود) الحدود: جمع حد، والمراد به هنا: ما تميز به الأملاك بعضها عن بعض، ومعنى (وقعت الحدود) أي: قُسِّمَ الملك المشترى، ووضعت الحواجز والعلامات لكل ملك على حدة، وعرف كلٌّ نصيبه.
قوله: (وصرفت الطرق) بضم الصاد، وكسر الراء وتشديدها، وتخفف، بمعنى: بينت مصارف الطرق وشوارعها، قال ابن مالك: معناه: خلصت وبانت. وهو مشتق من الصِّرْفِ بكسر المهملة، وهو الخالص من كل شيء (٢).
قوله: (فلا شفعة) أي: إذا كان بيع الشقص بعد تحديد نصيب كل شريك وتصريف الطرق فلا شفعة لمن كان شريكًا.
قوله: (في كل شرك) بكسر الشين، وإسكان الراء؛ أي: شيء مشترك بين اثنين فأكثر.
قوله: (أو ربع) بفتح، فسكون، هي الدار والمسكن. قال في "المصباح المنير": (الرَّبْعُ: محلة القوم ومنزلهم، وقد أطلق على القوم مجازًا … ) (٣).
قوله: (أو حائط) أي: بستان ومزرعة، سمي حائطًا؛ لأنهم كانوا يجعلون حوله جدارًا في الغالب، والحائط: الجدار.
قوله: (لا يصلح) بضم اللام، مضارع صَلَح، من باب (قعد)، وفتح اللام في المضارع لغة، وفي رواية لمسلم: (لا يحل).
قوله: (أن يبيع) فاعل يبيع دل عليه السياق؛ أي: أن يبيع الخليط أو الشريك نصيبه أو شقصه.
стр. 2684
قوله: (حتى يعرض على شريكه) أي: يُعلم شريكه بأنه يريد بيع نصيبه من العقار -مثلًا- حتى إذا كانت له رغبة فيه كان أحق به من الأجنبي.
قوله: (في كل شيء) صيغة عموم، يعني من عقار كأرض ودار ومزرعة، أو منقول ككتاب وحيوان، وغير ذلك مما تجري فيه الشركة.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الشفعة وثبوتها لكل شريك، وذلك في كل عقار مشترك بين اثنين فأكثر، قال الحافظ: (هذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة) (١). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (يؤخذ من هذا الحديث أحكام الشفعة كلها، وما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه) (٢).
وإذا كان الشركاء أكثر من واحد فالشفعة بينهم على قدر أملاكهم؛ لأن الشفعة حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك، فإن ترك أحد الشركاء الشفعة لزم باقي الشركاء أخذ كل الشقص أو تركه؛ لأن في أخذ البعض إضرارًا بالمشتري، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (٣). فأرض بين ثلاثة أشخاص، واحد له نصفها، والثاني: له ثلثها، والثالث: له سدسها، فباع رب النصف نصيبه، فلشريكيه الشفعة بقدر ملكهما، فتكون المسألة من ثلاثة: لصاحب الثلث سهمان، ولصاحب السدس واحد، ولو باع رب الثلث فالمسألة من ستة، والثلث يقسم على أربعة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد، ولو باع رب السدس فالمسألة من خمسة لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث سهمان.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على ثبوت الشفعة في كل عقار مشترك لم تميز حدوده ولم تصرف طرقه، كالأراضي والدور والبساتين ونحو ذلك مما يكون مشاعًا بين اثنين فأكثر، وهذا منطوق الحديث، ومفهومه أنه إذا تم تقسيم الأنصبة المشتركة وحددت المعالم، بطل حق الشفعة لزوال ضرر الشراكة والاختلاط الذي من أجله ثبتت.
стр. 2685
° الوجه الخامس: أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في العقار المشترك القابل للقسمة؛ كالدار الكبيرة والأرض والبستان ونحو ذلك، لقوله: (في كل ما لم يقسم).
واختلفوا في حكم الشفعة فيما لا يقبل القسمة؛ كالحانوت الصغير والدار الصغيرة، والبئر ونحو ذلك مما لا تمكن قسمته على قولين:
الأول: أن الشفعة تثبت فيما لا تمكن قسمته، وهو قول الحنفية، والظاهرية، والمشهور من مذهب مالك، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة (١).
واستدلوا بما يلي:
١ - قوله ﷺ : "الشفعة في كل شرك: أرض، أو ربع … ". قالوا: هذا لفظ عام لم يقيد بما يقبل القسمة، فيبقى على عمومه إلا بدليل يخصصه بما يقبل القسمة.
٢ - قوله: (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء) فيدخل في ذلك ما يقبل القسمة وما لا يقبلها، لعمومه وعدم الاستثناء.
٣ - أنه إذا أُثبتت الشفعة فيما تمكن قسمته، فما لا تمكن قسمته أولى بثبوت الشفعة؛ لأن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة، وما لا تمكن قسمته يكون ضرر المشاركة فيه أشد لتأبده.
القول الثاني: أن الشفعة لا تثبت فيما لا يقبل القسمة، وهو قول الشافعي في الجديد، ومالك في أحد القولين، وأحمد في أصح الروايتين عنه (٢).
واستدلوا بما ذكره أبو عبيد في "غريبه": (أن النبي ﷺ قضى أن لا
стр. 2686
شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة، ولا رُكْحٍ، ولا رَهْوٍ) (١). والمنقبة: الطريق الضيق يكون بين الدارين الذي لا يمكن أن يسلكه أحد. والرُّكْح -بضم الراء، وسكون الكاف-: ناحية البيت من ورائه. والرهو: الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر أو غيره.
فنفى النبي ﷺ ثبوت الشفعة في هذه المذكورات التي لا تمكن قسمتها، ويلحق بها ما في معناها مما لا يمكن الانتفاع به مع قسمته.
والراجح هو القول الأول، لقوة مأخذه، وهو عموم الأدلة في هذا الباب، ولدخول ذلك تحت المعنى الذي لأجله شرعت الشفعة، وهو دفع الضرر عن الشريك.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فهو حديث ضعيف لا يعرف له إسناد، بحيث ينظر في رجاله، ومثل ذلك لا يقف في مقابلة الأحاديث الثابتة.
وعلى فرض صحته فلا حجة فيه؛ لأن الأشياء المذكورة ليست مملوكة لشخص معين لتصح الشفعة فيها، وإنما هي مرافق مشتركة بين البيوت، يُنتفع بها حسبما جرت به عادة السكان.
° الوجه السادس: استدل بعض العلماء بحديث الباب على أن الشفعة لا تثبت في المنقول؛ كالسيارات والكتب والحيوان وآلات الحراثة والسقي ونحو ذلك.
قالوا: لأن النبي ﷺ قصر الشفعة على ما هو عقار وليس بمنقول بقرينة وقوع الحدود وتصريف الطرق، وهذا مما يختص بالعقار، قالوا: ولأن الضرر في المنقول ضرر يسير ثم هو عارض لا يتأبد، فهو كالمكيل والموزون، فيمكن التخلص منه بالقسمة أو البيع أو التأجير، بخلاف الضرر في العقار فهو ضرر كثير ويتأبد بتأبده.
وهذا قول الحنفية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، وقول
стр. 2687
للمالكية، واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي (١). لكن إن كان المنقول تابعًا للعقار وبيع معه ثبتت فيه الشفعة، سواء أكان متصلًا بالعقار كالشجر والنخل، أم كان غير متصل به ولكن من لوازمه كآلات الحراثة والسقي، ونحوهما للأراضي الزراعية.
والقول الثاني: أن الشفعة تثبت في المنقول ولا تختص بالعقار، فكل جُزْءٍ بِيعَ مشاعًا في سيارة، أو ثوب، أو آنية، ونحو ذلك من المنقولات، ففيه الشفعة، وهو قول الظاهرية، وجماعة من السلف، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد العزيز بن باز (٢). واستدلوا بعموم: (قضى بالشفعة في كل شيء) فإنه يتناول العقار والمنقول، ولأن حق الشفعة لم يثبت إلا لدفع الضرر، والضرر كما يوجد ويتوقع في العقار، كذلك يوجد ويتوقع في المنقول، بل قد يكون في المنقول أشد.
وهذا القول وجيه في نظري، لقوة مأخذه، وهو عموم الأدلة في هذا الباب مع المعنى الذي لأجله شرعت الشفعة، وهو دفع الضرر، والضرر في المنقول يحصل بسبب الشركة كغير المنقول، فقد يكون الشريك الأول في السيارة -مثلًا- ملائمًا في قرب مكانه، وكرم طبعه، بخلاف ما يتوقع من الشريك الثاني بعد بيعها؛ لبعد مكانه وما يتوقع من معاملته.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول، فعنه جوابان:
الأول: أن قوله: (فإذا وقعت الحدود … ) لا يدل على أن الشفعة لا تكون إلا في العقار كالبناء والأرض والمزرعة، بل الحدود واقعة على كل ما يقبل القسمة من طعام وحيوان وسيارة وآلات حراثة وسقي ونحو ذلك، فأول الحديث فيه عموم، وآخره لا ينفي هذا العموم.
стр. 2688
الثاني: أن آخر هذا الحديث الدال على الشفعة في العقار هو من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، ولا يخرج أول الحديث عن دلالته على عموم الشفعة في المنقول.
° الوجه السابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للشريك إذا عزم على بيع نصيبه المشاع أن يخبر شريكه بذلك ليشتريه منه أو ليأذن له في بيعه على من يشاء، فإن باع ولم يؤذنه فإن الشريك أحق بالشقص من المشتري.
وليس لهذا الشريك أن يخفي البيع عن شريكه أو يقول إنه وهبه، أو يذكر ثمنًا كثيرًا حتى لا يشفع شريكه، فكل ذلك ونحوه لا يجوز؛ لأنه من الحيل لإسقاط الشفعة وإبطال حق المسلم.
وظاهر قوله: (لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه … ) أنه محرم عليه البيع حتى يعلم شريكه، وحمله بعض العلماء على الندب، وأن كراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه، قالوا: لأنه يصدق على المكروه أنه ليس بحلال، ويكون الحلال بمعنى المباح (١).
° الوجه الثامن: دلت رواية مسلم: "فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به" على أن الشريك أحق بالشقص من المشتري إذا باعه شريكه ولم يعلمه، فإن أعلمه بالبيع فأذن فيه، فباع، ثم طلب الشفعة بعد البيع، فالأكثرون على أن له الشفعة، فتثبت مطالبته بها متى وجد البيع؛ لأن الشفعة إنما وجبت بعد البيع، وعن الإمام أحمد، وجماعة من السلف: أن الشفعة تسقط، لرواية مسلم، فإن مفهومها أنه إن باع الشقص وقد آذنه فلا حق له، والله تعالى أعلم (٢).
стр. 2689
حكم شفعة الجار
٩٠٢/ ٢ - عَنْ أَبي رَافِعٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ". أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ، وَفيهِ قِصَّةٌ.
٩٠٣/ ٣ - وعَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَارُ الدَّارِ أَحَق بِالدَّارِ". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبَان، وَلَهُ عِلَّة.
٩٠٤/ ٤ - وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا -وإنْ كَانَ غَائِبًا- إِذَا كَانَ طَرِيقُهُما وَاحِدًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَات.
• الكلام عليها من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث أبي رافع ﵁ فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، أولها كتاب "الشفعة"، باب "عرض الشفعة على صاحبه قبل البيع" (٢٢٥٨) من طريق ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة، فوضع يده على إحدى منكبيَّ، إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ ، فقال: يا سعد ابتع مني بيتيَّ في دارك (١)، فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعنَّهما، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت النبي ﷺ
стр. 2690
يقول: "الجار أحق بسقبه" ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أُعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه.
وأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه النسائي في "الكبرى" (١٠/ ٣٦٤) وابن حبان (١١/ ٥٨٥) من طريق عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ مرفوعًا.
وهذا حديث صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، وعيسى بن يونس قد روى عن سعيد بن أبي عروبة بعد الاختلاط (١)، والحديث له علة، كما ذكر الحافظ، وهي أن عيسى بن يونس وَهِمَ (٢) في هذا الحديث، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، وغيره يرويه عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.
رواه أبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٣٦٥)، وأحمد (٣٣/ ٣١٢).
ولما روى الترمذي حديث أنس في "العلل" (١/ ٥٦٨) قال: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: الصحيح حديث الحسن، عن سمرة، وحديث قتادة، عن أنس غير محفوظ، ولم يُعرف أن أحدًا رواه عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس).
وقال الحافظ: (هو معلول، وإنما المحفوظ عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة … ) (٣).
ويرى آخرون كابن القطان أن عيسى بن يونس روى الحديث بالوجهين، وكلاهما صحيح، وأيدوا ذلك بأن أحمد بن جناب، وهو ثقة من شيوخ مسلم قد روى الحديث عن عيسى بن يونس على الوجهين، فهذا يدل على أن عيسى بن يونس قد حفظ ما رواه الجماعة عن سعيد، عن قتادة، وزاد عليهم
стр. 2691
روايته عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ (١).
لكنَّ المتقدمين من الأئمة الكبار أنكروا ذلك، كالإمام أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة والبخاري والترمذي والبزار وأحمد بن جناب (شيخ عيسى) والدارقطني (٢).
والحديث فيه ضعف على كلا الوجهين، لعدم تصريح قتادة والحسن بالسماع، وكلاهما موصوف بالتدليس. والترمذي قال عن حديث سمرة: (حسن صحيح).
وأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه أحمد (٢٢/ ١٥٥، ١٥٦)، وأبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٣٦٥)، وابن ماجه (٢٤٩٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر ﵁، مرفوعًا.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب .. ) والحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين غير عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي فمن رجال مسلم. وقد طعن شعبة في عبد الملك العرزمي بسبب هذا الحديث، فقال: (سها عبد الملك في هذا الحديث، فإن روى حديثًا مثله طرحت حديثه).
وقد ضعف هذا الحديث الشافعي وابن معين وأحمد وغيرهم، ووجه تضعيفه تفرد عبد الملك بروايته، ولأنه معارض في الظاهر لحديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر ﵁: (الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فإن ظاهر قول عبد الملك: (إذا كان طريقهما واحدًا) إثبات الشفعة للجار إذا كان الطريق مشتركًا بينهما وإن وقعت الحدود، وهذا خلاف ما دل عليه حديث أبي سلمة.
ويرى جمع من المتأخرين، كابن الجوزي وابن عبد الهادي والزيلعي
стр. 2692
وابن القيم (١)، أن الحديث صحيح لا مطعن فيه، قالوا: وعبد الملك العرزمي من الثقات الأثبات الحفاظ الذين لا مطمح للطعن فيهم، وقد احتج به مسلم في "صحيحه" وخرج له أحاديث، ولم يرو ما لم يخالف الثقات، بل روايته موافقة لحديث أبي رافع، وحديث سمرة.
قالوا: وأما طعن شعبة فإنه لا يقدح في عبد الملك ولا في صحة الحديث، لأمرين:
١ - أن الترمذي قال: إن عبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة، من أجل هذا الحديث. وقال ابن عبد الهادي عن هذا الحديث: قد تكلم فيه شعبة وغيره بلا حجة، وهو حديث صحيح، ورواته أثبات (٢).
٢ - أنه لا معارضة بين الحديثين؛ لأن منطوق حديث أبي سلمة، عن جابر ﵁ انتفاء الشفعة عند تمييز الحدود وتصريف الطرق، ومنطوق حديث عبد الملك إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فيكون مفهومه موافقًا لمنطوق حديث أبي سلمة.
لكن قد يقال: إنه لا تعارض بين الذين وثقوا عبد الملك، وبين قول الذين ضعفوا هذا الحديث لوجود المخالفة فيه، فيحكم على حديثه هذا بالنكارة أو الشذوذ مع القول بقبول رواية عبد الملك فيما لم يخالف فيه (٣)، يقول ابن حبان: (الغالب على من يحفظ ويحدث من حفظه أن يَهِمَ، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت، صحت عدالته، بأوهام يهم فيها، … بل الاحتياط والأولى في مثل هذا قبول ما يروي الثبت من الروايات، وترك ما صحَّ أنه وهم فيها … ) (٤).
стр. 2693
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (الجار أحق بصقبه) الصقب: بفتح الصاد والقاف: هو القرب والملاصقة، ويقال: بسَقَبه، بالسين، من سَقِب -بكسر القاف- سَقَبًا، من باب (تَعِبَ). قال ابن دريد: اللغتان فصيحتان.
والباء للسببية، والمعنى: أن الجار له حق زائد على ما هو لعامة المسلمين من النصح والبر والمعونة بسبب قربه وجواره، وقيل: إن المراد: أنه أحق بالشفعة (١)، وسبب هذا الاختلاف، أن الأحقية في هذا الحديث محتملة، ويلزم على هذا المعنى أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقًا، ثم المشارك في الطريق.
قوله: (جار الدار) أي: صاحب الدار المجاورة للدار التي يراد بيعها.
قوله: (أحق بالدار) أي: أولى بتملكها بقيمتها إذا عزم صاحبها على بيعها.
قوله: (الجار) أي: الملاصق.
قوله: (ينتظر بها) بالبناء لما لم يُسَمَّ فاعله، والضمير يعود على الشفعة، والمعنى أن حقه في الشفعة ثابت.
قوله: (وإن كان غائبًا) إن: وصلية لا تحتاج إلى جواب، والواو قبلها واو الحال.
° الوجه الثالث: اختلف العلماء في ثبوت الشفعة للجار، على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن الشفعة تثبت للجار مطلقًا، سواء أكان له مع جاره مرافق مشتركة أم لا، فإذا بيعت قطعة أرض كان لمالك الأرض التي تلاصقها حَقُّ أخذها بالشفعة، وهذا قول الحنفية، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وجماعة (٢).
стр. 2694
واستدلوا بأحاديث الباب، حيث دلت على أن الجار أحق بالدار من غيره لقربه، فدل ذلك على استحقاق الجار للشفعة في عقار جاره بسبب الجوار.
قالوا: ولأن حق الأصيل وهو الجار أسبق من حق الدخيل، وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار، والناس يتفاوتون في الجوار تفاوتًا فاحشًا، ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود، والضرر من ذلك دائم متأبد، ولا يندفع إلا برضى الجار، إن شاء أقر الدخيل على جواره، وإن شاء انتزع الملك بثمنه، واستراح من المجاورة ومفسدتها.
القول الثاني: أن الشفعة لا تثبت للجار مطلقًا، وهذا قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، والأوزاعي وإسحاق وابن المنذر، وجماعة من السلف (١).
واستدلوا بحديث جابر المتقدم: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق؛ فلا شفعة)، ورواه البخاري بلفظ: (إنما جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة).
ووجه الاستدلال: أن الحديث دل على إثبات الشفعة في غير المقسوم، ونفيها بعد القسمة، لوقوع الحدود، وتصريف الطرق، والحدود بين الجارين واقعة، والطرق مصروفة، فتكون الشفعة منتفية.
قالوا: ولأن الشفعة تثبت للشريك نظرأ لوجود الضرر اللاحق بالشركة، أما إذا قسمت الأرض فلا شفعة لانتفاء الضرر، فإن حصل ضرر بسبب الجوار أمكن إزالته بالمرافعة إلى السلطان.
وأجابوا عن أدلة الأولين: بأن المراد بالجار: الشريك؛ لأنه يجاور شريكه ويساكنه في الدار المشتركة بينهما، جمعًا بين هذه الأدلة والأدلة التي تقدمت أول الباب.
стр. 2695
القول الثالث: أن الشفعة تثبت للجار إذا كان له مع جاره مرافق مشتركة من طريق واحد، أو حوش، أو مسيل، أو بئر مشتركة، أو نحو ذلك، ولا تثبت إذا لم يكن شيء من ذلك، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي (١).
واستدلوا بحديث جابر ﵁: (الجار أحق بشفعة جاره … إذا كان طريقهما واحدًا) فدل الحديث على إثبات الشفعة للجار مع اتحاد الطريق.
كما استدلوا بحديث أبي رافع- المتقدم- في قصته مع سعد ﵁ حيث عرض عليه شراء البيتين اللذين في دار سعد، والطريق كان واحدًا بلا ريب، مع أن حديث أبي رافع في غير الشفعة؛ لأن أبا رافع لم يبع، والشفعة إنما تكون بعد البيع بمثل الثمن، لكن قال الصنعاني: (إن الحديث وإن ذكره أبو رافع في البيع فهو يعم الشفعة بالجوار) (٢)، ولهذا ذكره البخاري في كتاب "الشفعة"، وبَوَّبَ له بما تقدم.
قالوا: ولأن الاشتراك في المرافق كالاشتراك في الملك بسبب كثرة المخالطة، ووجود الضرر بين الشركاء، وقد يؤدي ذلك إلى حصول النزاع فيما بينهم، والشفعة شرعت لإزالة الضرر.
وهذا القول أرجح الأقوال؛ لأنه يجمع الأدلة كلها، ويحمل مطلقها على مقيدها، فإن حديث جابر ﵁: (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق) منطوقه انتفاء الشفعة عند معرفة كل واحد حَدَّهُ، وحديث: (إذا كان طريقهما واحدًا .. ) منطوقه إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق وانتفاؤها عند تصريف الطريق.
وإذا كانت الشفعة لا تثبت للجار إلا بالاشتراك في المرافق التي تكون بين الجيران خاصة، فقد يكون الحكم داخلًا فيما لم يقسم، ويغلَّب
стр. 2696
معنى الاشتراك، وتثبت فيه الشفعة لمعنى الشركة لا لمعنى الجوار.
وأما حمل أصحاب القول الثاني أحاديث الباب على أن المراد بالجار الشريك ففيه نظر، لوجود الفرق بينهما، فالملك في الشركة مختلط، وفي الجوار متميز، وأيضًا أحكام الشركة غير أحكام الجوار (١)، ثم إن آخر الحديث يأبى حمله على الشريك، فإنه قال في آخره: (إن كان طريقهما واحدًا) وفي حمله على الشريك إلغاء لهذا القيد، فإن الشركة تستحق الشفعة، سواء أكان الطريق واحدًا أم لا.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية انتظار بيع الجار عقاره حتى يحضر جاره الغائب؛ لأن هذا من حقوق الجار على جاره، ولأن في بيع العقار على شخص آخر تفويتًا لكثير من مصالح جاره، وإلحاق ضرر به قد لا يتمكن من تلافيه، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وحكم المريض، والمحبوس، وسائر من لم يعلم البيع لعذر حكم الغائب، والله أعلم.
стр. 2697
وقت الشفعة
٩٠٥/ ٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَزَادَ: "وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ". وَإسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب "الشفعة"، باب "طلب الشفعة" (٢/ ٨٣٥)، وابن عدي (٦/ ١٧٧)، والبيهقي (٦/ ١٠٨)، والبزار (١) من طريق محمد بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفعة كحل العقال" زاد البيهقي وابن عدي في أوله: "لا شفعة لغائب، ولا صغير، ولا شريك على شريك إذا سبقه بالشراء".
وهذا الحديث إسناده ضعيف جدًّا، بل هو إلى الوضع أقرب، قال ابن حبان: (لا أصل له). وقال أبو زرعة: (هذا حديث منكر)، وقال البيهقي: (ليس بثابت)، وقال الحافظ: (إسناده ضعيف جدًّا) (٢)؛ لأن فيه محمد بن الحارث بن زياد البصري، وهو متروك، وشيخه محمد بن عبد الرحمن البيلماني ضعيف جدًّا، قال ابن عدي: (كل ما يرويه البيلماني فالبلاء فيه منه، وإذا روى
стр. 2698
عنه محمد بن الحارث فجميعًا ضعيفان). وقال: (حدث عن أبيه نسخة كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به، ولا أذكره إلا على وجه التعجب) (١).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الشفعة كَحَلِّ العِقال) الحَلُّ: بالفتح والتشديد، هو ضد الشَّدِّ، والعِقال: بكسر العين، هو الحبل الذي يعقل به البعير، وغالبًا ما يكون أُنشوطة: وهي عقدة يسهل انحلالها، إذا مدت بأحد طرفيها انفتحت، وحَلُّ عقال البعير: إطلاقه.
والحديث فيه تشبيه طلب الشفعة بحل العقال، بجامع الفوات في كل، والمعنى: أن الشفعة تفوت إذا لم يبادر إليها؛ كالبعير الشرود يحل عقاله (٢).
° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن الشفعة تثبت على الفور بمجرد علم الشريك ببيع الشقص، وتبطل بالتأخير.
ووجه الاستدلال: أن الشفعة تفوت بترك المبادرة، كما يفوت البعير الشرود عند حل العقال إذا لم يبادر إليه، وهذا قول الحنفية، وهو الأظهر عند الشافعية، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣).
قالوا: ولأن الشفعة خيار يثبت بنفسه لدفع الضرر عن المال، فكان على الفور، كخيار الرد بالعيب.
والقول الثاني: أن الشفعة تثبت للشفيع على التراخي، وبه قالت المالكية، وهو قول للشافعية، ورواية عند الحنابلة (٤).
واستدلوا بحديث جابر المتقدم: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم) فالنبي ﷺ أثبت الشفعة للشريك، ولم يعلق هذا الإثبات بمدة.
стр. 2699
قالوا: ولأن الشفعة حق من جملة الحقوق التي لا تسقط إلا بالرضا بإسقاطها بما يدل على الرضا من قول أو فعل.
ولأن إلجاء الشفيع إلى الفورية وعدم إعطائه الفرصة للنظر غير مناسب لما شرعت له الشفعة، وقد لا يكون عنده المال الكافي للشقص، فيحتاج إلى مهلة لجمعه أو تكميله.
والقول الثالث: أن للشفيع أن يؤخر الطلب ويحدد له مدة؛ لأجل النظر والتأمل والمشاورة، ويرجع تحديد ذلك إلى العرف.
وهذا قول للشافعية، واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي (١)، وهو أعدل الأقوال، لقوة مأخذه، ولا مضرة فيه على المشتري إذا حدد للشفيع مدة، والله تعالى أعلم.
стр. 2700
باب القراض
القراض لفظ يطلقه أهل الحجاز على شركة المضاربة، وهو لغة: القطع، يقال: قرض قرضًا، أي: قطعه؛ لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله ليتجر فيها بجزء من الربح.
وأما لفظ المضاربة فهو لغة أهل العراق، وهي لغة: مفاعلة من ضَرَبَ في الأرض بمعنى: سار فيها وخرج تاجرًا أو غازيًا أو طالبًا الرزق، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وأما القراض أو المضاربة في اصطلاح الفقهاء: فهي عقد على شركة بين اثنين فأكثر يقدم أحدهما مالًا، والآخر عملًا، والربح بينهما على ما شرطاه.
والمقارض -بالكسر-: رب المال، وبالفتح: العامل، والمضارب -بالكسر-: العامل، عكس الأول؛ لأنه هو الذي يضرب بالمال، قال بعض علماء اللغة: ليس لرب المال اسم من المضاربة بخلاف القراض (١).
والمضاربة تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال، وعفي فيها عن جهالة الأجرة.
وقد دل على جواز القراض الكتاب، والإجماع، أما الكتاب فعمومات الآيات الدالة على الحث على الابتغاء من فضل الله تعالى والسير في الأرض لطلب الرزق، وجواز التجارة إذا كانت عن تراض، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقوله تعالى: