معنى الاشتراك، وتثبت فيه الشفعة لمعنى الشركة لا لمعنى الجوار.
وأما حمل أصحاب القول الثاني أحاديث الباب على أن المراد بالجار الشريك ففيه نظر، لوجود الفرق بينهما، فالملك في الشركة مختلط، وفي الجوار متميز، وأيضًا أحكام الشركة غير أحكام الجوار (١)، ثم إن آخر الحديث يأبى حمله على الشريك، فإنه قال في آخره: (إن كان طريقهما واحدًا) وفي حمله على الشريك إلغاء لهذا القيد، فإن الشركة تستحق الشفعة، سواء أكان الطريق واحدًا أم لا.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية انتظار بيع الجار عقاره حتى يحضر جاره الغائب؛ لأن هذا من حقوق الجار على جاره، ولأن في بيع العقار على شخص آخر تفويتًا لكثير من مصالح جاره، وإلحاق ضرر به قد لا يتمكن من تلافيه، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وحكم المريض، والمحبوس، وسائر من لم يعلم البيع لعذر حكم الغائب، والله أعلم.
стр. 2697
وقت الشفعة
٩٠٥/ ٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَزَادَ: "وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ". وَإسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب "الشفعة"، باب "طلب الشفعة" (٢/ ٨٣٥)، وابن عدي (٦/ ١٧٧)، والبيهقي (٦/ ١٠٨)، والبزار (١) من طريق محمد بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفعة كحل العقال" زاد البيهقي وابن عدي في أوله: "لا شفعة لغائب، ولا صغير، ولا شريك على شريك إذا سبقه بالشراء".
وهذا الحديث إسناده ضعيف جدًّا، بل هو إلى الوضع أقرب، قال ابن حبان: (لا أصل له). وقال أبو زرعة: (هذا حديث منكر)، وقال البيهقي: (ليس بثابت)، وقال الحافظ: (إسناده ضعيف جدًّا) (٢)؛ لأن فيه محمد بن الحارث بن زياد البصري، وهو متروك، وشيخه محمد بن عبد الرحمن البيلماني ضعيف جدًّا، قال ابن عدي: (كل ما يرويه البيلماني فالبلاء فيه منه، وإذا روى
стр. 2698
عنه محمد بن الحارث فجميعًا ضعيفان). وقال: (حدث عن أبيه نسخة كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به، ولا أذكره إلا على وجه التعجب) (١).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الشفعة كَحَلِّ العِقال) الحَلُّ: بالفتح والتشديد، هو ضد الشَّدِّ، والعِقال: بكسر العين، هو الحبل الذي يعقل به البعير، وغالبًا ما يكون أُنشوطة: وهي عقدة يسهل انحلالها، إذا مدت بأحد طرفيها انفتحت، وحَلُّ عقال البعير: إطلاقه.
والحديث فيه تشبيه طلب الشفعة بحل العقال، بجامع الفوات في كل، والمعنى: أن الشفعة تفوت إذا لم يبادر إليها؛ كالبعير الشرود يحل عقاله (٢).
° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن الشفعة تثبت على الفور بمجرد علم الشريك ببيع الشقص، وتبطل بالتأخير.
ووجه الاستدلال: أن الشفعة تفوت بترك المبادرة، كما يفوت البعير الشرود عند حل العقال إذا لم يبادر إليه، وهذا قول الحنفية، وهو الأظهر عند الشافعية، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣).
قالوا: ولأن الشفعة خيار يثبت بنفسه لدفع الضرر عن المال، فكان على الفور، كخيار الرد بالعيب.
والقول الثاني: أن الشفعة تثبت للشفيع على التراخي، وبه قالت المالكية، وهو قول للشافعية، ورواية عند الحنابلة (٤).
واستدلوا بحديث جابر المتقدم: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم) فالنبي ﷺ أثبت الشفعة للشريك، ولم يعلق هذا الإثبات بمدة.
стр. 2699
قالوا: ولأن الشفعة حق من جملة الحقوق التي لا تسقط إلا بالرضا بإسقاطها بما يدل على الرضا من قول أو فعل.
ولأن إلجاء الشفيع إلى الفورية وعدم إعطائه الفرصة للنظر غير مناسب لما شرعت له الشفعة، وقد لا يكون عنده المال الكافي للشقص، فيحتاج إلى مهلة لجمعه أو تكميله.
والقول الثالث: أن للشفيع أن يؤخر الطلب ويحدد له مدة؛ لأجل النظر والتأمل والمشاورة، ويرجع تحديد ذلك إلى العرف.
وهذا قول للشافعية، واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي (١)، وهو أعدل الأقوال، لقوة مأخذه، ولا مضرة فيه على المشتري إذا حدد للشفيع مدة، والله تعالى أعلم.
стр. 2700
باب القراض
القراض لفظ يطلقه أهل الحجاز على شركة المضاربة، وهو لغة: القطع، يقال: قرض قرضًا، أي: قطعه؛ لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله ليتجر فيها بجزء من الربح.
وأما لفظ المضاربة فهو لغة أهل العراق، وهي لغة: مفاعلة من ضَرَبَ في الأرض بمعنى: سار فيها وخرج تاجرًا أو غازيًا أو طالبًا الرزق، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وأما القراض أو المضاربة في اصطلاح الفقهاء: فهي عقد على شركة بين اثنين فأكثر يقدم أحدهما مالًا، والآخر عملًا، والربح بينهما على ما شرطاه.
والمقارض -بالكسر-: رب المال، وبالفتح: العامل، والمضارب -بالكسر-: العامل، عكس الأول؛ لأنه هو الذي يضرب بالمال، قال بعض علماء اللغة: ليس لرب المال اسم من المضاربة بخلاف القراض (١).
والمضاربة تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال، وعفي فيها عن جهالة الأجرة.
وقد دل على جواز القراض الكتاب، والإجماع، أما الكتاب فعمومات الآيات الدالة على الحث على الابتغاء من فضل الله تعالى والسير في الأرض لطلب الرزق، وجواز التجارة إذا كانت عن تراض، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقوله تعالى:
стр. 2701
﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وأما الإجماع فقد نقل ابن قدامة وغيره قول ابن المنذر: (أجمع العلماء على جواز المضاربة في الجملة) (١).
وجواز المضاربة من محاسن الشريعة الإسلامية؛ لأن من الناس من يكون عنده المال وليس عنده خبرة أو قدرة لتنميته والتصرف فيه ولا سيما في زماننا هذا، ومن الناس من ليس عنده مال، وهو قادر على التصرف، فجوز الشرع هذا النوع من المعاملة ليستفيد الفقير من مال الغني، ويستفيد الغني من خبرة الفقير، فيحصل بذلك خير كثير وفوائد عظيمة، فتتسع الأرزاق، وتكثر أبواب الكسب وموارد الخير، ويستفاد من الطاقات والقدرات المعطلة، وفي المضاربة استثمار الأموال وزيادتها حتى لا تضيع أو تأكلها الصدقة، كما أن في تشريع المضاربة سدًّا منيعًا لأبواب كثيرة من أبواب الربا عن طريق تنمية الأموال في المصارف الربوية.
وقد كان القراض موجودًا في الجاهلية وأقره الإسلام، وقد ضارب النبي ﷺ قبل البعثة بمال خديجة ﵂ حيث سافر به إلى الشام فربح ربحًا عظيمًا (٢).
стр. 2702
ما روي أن القراض من العقود المباركة
٩٠٦/ ١ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "ثَلاثٌ فِيهن الْبَرَكَةُ: الْبَيعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيتِ لَا لِلْبَيعِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
• الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو يحيى صهيب بن سنان بن مالك بن النَّمِر بن قاسط النَّمَرِي، صحابي جليل، من السابقين إلى الإسلام، كان أبوه من أشراف الجاهليين، ولاه كسرى على الأُبُلَّة (البصرة) فسبت الروم صهيبًا وهو غلام في إغارة لهم على ناحية أهله، فنشأ بينهم، فكان ألكن (١)، فاشتراه منهم أحد بني كلب وقدم به مكة، فابتاعه عبد الله بن جدعان التيمي، ثم أعتقه، وقيل: بل هرب إلى مكة، فحالف ابن جدعان، كان صهيب من المستضعفين، وممن عُذب في الله تعالى، هاجر إلى المدينة وأدرك النبي ﷺ في قباء، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" عن ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وجماعة من السلف أن صهيبًا لما أسلم وأراد الهجرة منعه المشركون أن يهاجر بماله، فقال: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ربح صهيب"، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
стр. 2703
مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (١)، روى عنه أولاده، وسعيد بن المسيب وآخرون، مات صهيب بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقد بلغ سبعين، أو ثلاثًا وسبعين ﵁ (٢).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب "التجارات"، باب "الشركة والمضاربة" (٢/ ٧٦٨) من طريق نصر بن القاسم، عن عبد الرحمن (عبد الرحيم) بن داود، عن صالح بن صهيب، عن أبيه مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأن فيه ثلاثة مجاهيل:
١ - نصر بن القاسم، قال الذهبي: (من صغار التابعين، لا يكاد يعرف) (٣).
٢ - عبد الرحمن أو عبد الرحيم بن داود، قال العقيلي: (مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به) ثم ذكر حديثه هذا (٤).
٣ - صالح بن صهيب مجهول الحال، كما في "التقريب".
° الوجه الثالث: هذا الحديث وإن كان إسناده ضعيفًا، لكن معناه صحيح، وقد اشتمل على ثلاث مسائل:
١ - البيع إلى أجل، وهو إما أن يكون عن طريق السلم، أو عن طريق تقسيط قيمة المبيع على المشتري، والبركة في ذلك ما فيه من تسهيل المعاملة وإعانة المشتري على تسليم الثمن بلا إرهاق.
٢ - المقارضة، وهي المضاربة، فهي من العقود المباركة مع النصح والصدق لما فيها من انتفاع الناس بعضهم من بعض، فهذا منه المال، وهذا منه العمل، فاستفاد صاحب المال الذي قد لا يقدر على العمل بتنمية ماله، واستفاد العامل الذي لا عمل عنده، كما تقدم.
стр. 2704
٣ - خلط البر والشعير طعامًا للبيت، ولعل وجه البركة فيه التوفير في النفقة؛ لأن الشعير رخيص، فإذا خلط بالبر حصل اقتصاد في إنفاق البر، وفيه تواضع في المأكل يضاد السرف والتمادي في التنعم، كما أن فيه مشاركة الطبقة الفقيرة في نوع طعامهم، وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على وجود البركة في ذلك، وإنما هو من الأمور المباحة التي يرجع فيها إلى أعراف الناس وعوائدهم، فإن كان الخلط لأجل البيع لم يجز؛ لأنه قد يكون فيه غرر وغش للمشتري، والله تعالى أعلم.
стр. 2705
جواز اشتراط رب المال على المضارب ما فيه مصلحة
٩٠٧/ ٢ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ أنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا أعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً: ألا تَجْعَلَ مَالِي في كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ في بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ في بَطْنِ مَسِيلٍ، فَإنْ فَعَلْتَ شَيئًا مِن ذلك فَقَدْ ضَمِنْتَ مَالِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَقَال مَالِكٌ في "المُوَطَّأ": عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أنَّهُ عَمِلَ في مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أَن الرِّبْحَ بَينَهُمَا. وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي، أبو شبل المدني، مولى الحُرَقَةِ، فَخِذٌ من جهينة، روى عن أبيه وعن ابن عمر وأنس وغيرهم ﵃، وروى عنه ابن جريج ومالك وعبيد الله بن عمر وابن إسحاق وآخرون، وهو من رجال مسلم، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق ربما وَهِمَ). وقد أنكروا عليه أحاديث، ومنها حديث: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، لكن مسلمًا أخرج له من حديث المشاهير دون الشواذ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة ﵀ (١).
وأبوه عبد الرحمن بن يعقوب المدني، روى عن أبيه، وعن أبي هريرة
стр. 2706
وأبي سعيد وابن عباس وابن عمر وغيرهم ﵃، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: (تابعي ثقة) (١).
وجده يعقوب روى عن عمر وحذيفة ﵄، وعنه ابنه عبد الرحمن والوليد بن أبي الوليد، قال الترمذي: (هو من كبار التابعين، قد أدرك عمر بن الخطاب وروى عنه)، وقد أخرج له بهذا الإسناد عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: "لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) (٢).
وقال الحافظ في "التقريب": (مقبول) (٣).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الدارقطني (٣/ ٦٣)، والبيهقي (٦/ ١١١) من طريق حيوة وابن لهيعة، قالا: حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، وعن غيره: أن حكيم بن حزام صاحب رسول الله ﷺ كان يشترط … فذكره.
قال الحافظ: (إسناده قوي) (٤).
وأما أثر يعقوب الحرقي أنه عمل في مال لعثمان ﵁ فقد أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٦٨٨) في كتاب "القراض"، ومن طريقه البيهقي (٦/ ١١١) وهو موقوف صحيح، كما قال الحافظ، ومالك ممن روى عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، كما تقدم (٥)، ولفظ "البلوغ" هو لفظ "الموطأ" برواية أبي مصعب الزهري (٦).
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (في كبد رطبة) أي: لا تشتر به شيئًا من بهيمة الأنعام؛ لأن ما
стр. 2707
كان ذا روح عرضة للهلاك، مع ما يحتاج إليه من المؤنة وزيادة الكلفة.
قوله: (ولا تحمله في بحر) أي: لا تنقله بواسطة السفن والمراكب البحرية؛ لئلا يتعرض للغرق.
قوله: (ولا تنزل به في بطن مسيل) أي: بطون الأودية ومجرى مياه الأمطار لما في ذلك من تغريق المال؛ لأنه يحمله السيل أو يفسده.
قوله: (على أن الربح بينهما) أي: مناصفة؛ لأنه أضاف الربح إليهما إضافة واحدة ولا مرجح فاقتضى التسوية، كما لو قال: هذه الدار بيني وبينك، أو هذه الكتب بيني وبينك.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على ثبوت شركة المضاربة وأن الصحابة ﵃ قد تعاملوا بها من غير نكير، كما ورد عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام وغيرهم ﵃، وهذا إجماع منهم على جوازها، وقطع ابن حزم أن القراض كان في عصر النبي ﷺ فعلم به وأقره، ولولا ذلك ما جاز (١)، ثم إن المعنى يؤيد ذلك فإن تنمية المال واستثماره مقصد شرعي، ولا ينمو المال إلا بالعمل والتجارة، وليس كل من يملك المال يحسن التجارة، ولا كل من يحسن التجارة يملك المال، فاحتيج إلى المضاربة من الجانبين، فشرعها الله تعالى تحقيقًا لذلك.
° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يجوز لصاحب رأس المال أن يشترط على المضارب ما يراه صالحًا لحفظ المال وصيانته من الفساد، كأن يشترط ألا يسافر بالمال، أو ألا يتجر إلا في بلد بعينه، أو يشترط عليه نوعًا معينًا من السلع، أو يشترط ألا يضع ماله في تجارة يخشى تلفها أو تحتاج زيادة مؤنة كتجارة الماشية، فهذا شرط صحيح، وعلى العامل أن يلتزم بذلك، فإن خالف وفسد المال فإنه يضمن.
فإن شرط رب المال على العامل جزءًا من الربح مجهولًا أو مقطوعًا،
стр. 2708
أو ربح إحدى السفرتين أو نحو ذلك فسد الشرط بلا نزاع، ويصح العقد على الراجح (١)، مراعاة لاستقرار المعاملات.
° الوجه السادس: دل الحديث على أن رأس المال أمانة في يد المضارب، فلا يضمنه إن تلف؛ لأنه أمين، والأمين لا ضمان عليه، كما تقدم. إلا إن قصر في حفظه أو خالف شرط صاحب رأس المال.
وقد اتفق الفقهاء على أنه ليس للمضارب أن يتعامل في المحرمات كشراء الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والمسكرات والتعامل بالربا أو الآت اللهو والطرب باختلاف أنواعها.
° الوجه السابع: من الشروط التي لا بد منها لصحة المضاربة بيان مقدار الربح لكل من المالك والمضارب، ويكون توزيعه بينهما على ما شرطاه في عقد المضاربة، كأن يقول رب المال: لك الثلث أو الربع ونحو ذلك، فإن قالا: الربح بيننا، فهو نصفان بينهما، لما تقدم، وإذا علم نصيب أحدهما فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ. فإن لم يعين الربح فسدت المضاربة؛ لأن الربح مقصود أصلي، وجهالته توجب فساد العقد.
أما الخسارة فهي من رأس المال على المالك، وأما العامل فخسارته ضياع عمله وجهده، وليس عليه شيء منها، ولو شرط رب المال على العامل إشراك العامل في الخسارة بطل الشرط؛ لأن الخسارة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره، والله تعالى أعلم.
стр. 2709
باب المساقاة (١)
جمع المصنف بين المساقاة والإجارة وكذا المزارعة في باب واحد للتشابه بينهما من جهة اللزوم على قول الجمهور والتوقيت بمدة معينة، وقد تابع الحافظ في هذا ابن عبد الهادي في "المحرر" ولو جعل كلًّا منهما في باب مستقل، كما فعل المجد ابن تيمية في "المنتقى" وابن دقيق العيد في "الإلمام"، لكان أولى.
والمساقاة لغة: مصدر ساقى يساقي، بمعنى: الإشراب، وهي مأخوذة من أهم أعمالها، وهو السقي؛ لأن الحاجة إليه أكثر.
وشرعًا: دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه بجزء معلوم من ثمره.
والمزارعة: مصدر زارع من الزرع، وهو طرح البذر والقيام عليه، وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها.
والإجارة: بكسر الهمزة مصدر أَجَرَهُ يأجُرُه أجرًا وإجارة. وشرعًا: عقد على منفعة عين أو عمل.
والمساقاة والمزارعة من عقود الشركات القائمة على العدل بين الشريكين، فإن صاحبي الشجر والأرض كصاحب النقود يدفعها للمضارب في التجارة، والمساقي والمزارع كالمضارب الذي يتجر بالمال، فكل منهما يعمل في المال بجزء من نمائه، والغنم بينهما، والغرم عليهما.
والمساقاة تختلف عن الإجارة؛ لأن صاحب الشجر في الإجارة تسلم له الأجرة، وأما المستأجر فقد يحصل له الثمر وقد لا يحصل، وعلى هذا
стр. 2710
فليست المساقاة على خلاف القياس وأنها من باب الإجارة التي يشترط فيها العلم بالعمل والأجرة.
وجواز المساقاة والمزارعة من محاسن الشريعة الإسلامية وعنايتها بتيسير الأسباب لتنمية أموال الناس والاستفادة منها، والحاجة داعية إلى جوازهما؛ لأن من الناس من يكون عنده شجر ولا يحسن تعهده أو لا يتفرغ له، لا سيما عند إقبال الثمر ومواسم جمعه وزمن تسويقه، ومن الناس من يحسن تعهد الشجر وهو متفرغ لذلك ولا يملك الشجر، وبجواز هذه المعاملة يستفيد كل منهما من الآخر، ولو أن المالك اكترى لشجره لزمته الأجرة في الحال، وقد يتهاون العامل أو لا يحصل شيء من الثمار، فدعت الحاجة إلى تجويزهما.
стр. 2711
جواز المساقاة بالجزء المعلوم
٩٠٨/ ١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أن رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَفي رِوَايَةٍ لَهُمَا: فَسَألُوا أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَال لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلاهُمْ عُمَرُ.
وَلمسلِمٍ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيبَرَ نَخْلَ خَيبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ شَطْرُ ثَمَرِهَا.
• الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب "الحرث والمزارعة"، باب "إذا لم يشترط السنين في المزارعة" (٢٣٢٩)، ومسلم (١٥٥١) من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄.
ورواه البخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١)، من طريق ابن جريج، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، وأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ﷺ ليقرهم بها أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : "نقركم بها على ذلك ما شئنا" فقروا بها حتى أجلاهم عمر ﵁ إلى تيماء وأريحاء.
стр. 2712
ورواه مسلم (١٥٥١)(٥) من طريق الليث، عن محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر … الحديث. وهو عند البخاري (٢٣٣١، ٢٧٢٠) بنحوه.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (عامل أهل خيبر) المعاملة: التعامل مع الغير، وهي عند فقهاء أهل العراق: المساقاة، قال النووي: (المزارعة: المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج من زرعها) (١).
وخيبر: بلدة زراعية شمال المدينة، كان يسكنها طائفة من اليهود، فتحت في المحرم، سنة سبع من الهجرة، كما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن إسحاق، ونسبه ابن القيم إلى الجمهور (٢).
قوله: (بشطر ما يخرج منها) الشطر يطلق على معانٍ منها: النصف، وهو المراد هنا، وجمعه أشطر وشطور، والمعنى: أنه عاملهم بنصف ما يخرج من ثمرها وزرعها مقابل عملهم ونفقتهم، والنصف الآخر للمسلمين لكونهم أصحاب الأصل.
قوله: (من ثمر أو زرع) (من) بيانية لقوله: (ما يخرج منها)، والثمر: بالثاء المثلثة لفظ عام لثمر النخل والعنب وغيرهما.
قوله: (فَقَرّوا بها) بفتح القاف وتشديد الراء؛ أي: ثبتوا بها واستقروا.
قولي: (حتى أجلاهم عمر) أي: في خلافته ﵁.
قوله: (أن يعتملوها من أموالهم) أي: يقوموا بالعمل في خدمتها وتكون جميع نفقتها عليهم من أموالهم، يقال: اعتمل فلان: عمل لنفسه، وتصرف في العمل.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المساقاة والمزارعة،
стр. 2713
فالمزارعة في الزرع، والمساقاة تتعلق بشجر موجود العنب والنخل والتين ونحو ذلك. قال الحافظ: (هذا الحديث هو عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي ﷺ لذلك واستمرارهم على عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر ﵁) (١).
وذلك لأن المسلمين كانوا مشغولين بالجهاد وليس عندهم الفراغ حتى يقوموا على أرض خيبر وشجرها، واليهود فارغون لهذا، وهم أبصر بهذا العمل من المسلمين، فلهذا اقتضت المصلحة الشرعية بقاءهم في ذلك الوقت وإن كانوا أعداء، واستمروا على ذلك إلى أن أخرجهم عمر ﵁ في خلافته بسبب أحداث أحدثوها (٢)، وتنفيذًا لأمر النبي ﷺ فيما رواه عنه عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" (٣).
ولأن عمر ﵁ تفرغ لهذا الشيء وطالت مدة خلافته، بخلاف الصدّيق ﵁ فإن خلافته كانت قصيرة، وشغل بقتال أهل الردة.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز المساقاة في النخيل والعنب وجميع الشجر الذي من شانه أن يثمر بجزء معلوم من الثمرة يجعل للعامل، وهذا مذهب الإمام أحمد، قد ورد في بعض ألفاظ الحديث (بشطر ما يخرج منها من نخل وشجر)، وفي رواية: (على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشجر)، وهذا يدل على أن الحكم شامل لكل ما فيه نفع مقصود من الأشجار؛ لأن الحديث جاء بلفظ الثمرة، وهو عام في كل ثمر، ومن خصصه بثمر معين كالنخل، كما هو قول الظاهرية، أو النخل والعنب، كما هو قول الشافعي في الجديد، فهو قول مرجوح؛ لأنه تخصيص يحتاج إلى دليل.
والقول بجواز المساقاة هو قول الصحابة والتابعين، وهو مذهب
стр. 2714
الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز المساقاة؛ لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة، وهذا قول ضعيف مصادم للدليل من جهة، ومعتمد على قياس غير صحيح من جهة أخرى، فإن المساقاة عقد على عمل في المال ببعض نمائه، فهي كالمضاربة، فإن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، وهو معدوم مجهول، ومن أباح المضاربة دون المساقاة فقد فرق بين متماثلين.
وهذا الحديث يدل على جواز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستان واحد، بأن يساقيه على الشجر ويزارعه على الأرض.
° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء مشاع معلوم كالثلث مما يخرج منها أو الربع ونحو ذلك، فإن شرط أحدهما ثمرة شجرة معينة لم يصح؛ لأنه قد لا يحمل غيرها، أو لا تحمل فيحصل الضرر والغرر، أو شرط آصعًا معلومة كمائة صاع لم يصح؛ لأنه قد لا تخرج إلا ذلك، فلا يكون للآخر شيء.
° الوجه السادس: ظاهر الحديث أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة عند الإطلاق، وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد (١)، لقوله ﷺ : "نقركم بها ما شئنا"، ووجه الدلالة: أنه لو كان هذا العقد لازمًا لم يجز بغير تقدير مدة، ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم، والنبي ﷺ لم ينقل عنه أنه قدر لهم ذلك بمدة.
فإن حددت المساقاة أو المزارعة بمدة فهي عقد لازم كالإجارة، فإن لم يحدد مدة فهما على تراضيهما، وللمالك أن يخرج العامل متى شاء، وللعامل أن يخرج متى شاء على وجه لا يضر بالآخر، لعموم قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢).
стр. 2715
فإن كان الفسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه عند العقد، ويلزم العامل إتمام العمل؛ كالمضارب يلزمه بيع العروض إذا فسخت المضاربة بعد ظهور الربح.
وإن كان الفسخ قبل ظهور الثمرة وقد جاء من قبل رب المال فعليه للعامل أجرة المثل؛ لأنه منعه إتمام عمله الذي يستحق به العوض.
وإن كان الفسخ من قبل العامل فلا شيء له؛ لأنه رضي بإسقاط حقه فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح.
وذهب الجمهور من العلماء إلى أن المساقاة والمزارعة من العقود اللازمة، وعلى هذا فلا بد من تحديد مدة معلومة، قالوا: لأنه عقد معاوضة فكان لازمًا كالإجارة، ولأنه لو كان جائزًا لجاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل، فيحصل له الضرر.
وأجابوا عن قصة خيبر بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: باحتمال أن المدة كانت مذكورة ولم تنقل (١).
والقول الأول أرجح، وهو أنه عقد جائز، إلا إن حدد مدة فهو عقد لازم، وهذا القول هو الذي تؤيده الأدلة، وفيه الجمع بين النصوص والقواعد الشرعية، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.
وأما قولهم بالقياس على الإجارة، فهو غير صحيح؛ لأن الإجارة بيع المنافع فكانت لازمة كبيع الأعيان، ولأن عوضها مقدر معلوم فأشبهت البيع، ثم إن هذا القياس منقوض بالمضاربة، وهي أشبه بالمساقاة من الإجارة، فقياسها عليها أولى.
وأما قولهم: إنه يفضي إلى أن رب المال يفسخ بعد إدراك الثمرة، فقد تقدم ما يدل على الجواب عنه.
° الوجه السابع: ظاهر قوله: (على أن يعتملوها من أموالهم) أنه لا
стр. 2716
يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، فيجوز كونه من العامل؛ لأن النبي ﷺ جعل عملها من أموالهم (١). والنبي ﷺ لم يذكر أن البذر على المسلمين، ولو كان شرطًا ما أخل بذكره، ولو فعله لنقل، ولأن عمر ﵁ فعل الأمرين جميعًا، فقد جاء في "صحيح البخاري" معلقًا: (وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا) (٢). وهذا القول رواية عن أحمد، وهو القول الصحيح -إن شاء الله-، والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، والعمل من العامل، وهو قول الشافعية (٣)؛ لأنه عقد يشترك العامل ورب المال في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما كالمساقاة والمضاربة، والله تعالى أعلم.
стр. 2717
جواز كراء الأرض بالشيء المعلوم
٩٠٩/ ٢ - عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيسٍ قَال: سَألتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ عَنْ كَرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ فَقَال: لَا بَأسَ بِهِ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسول اللهِ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاولِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هذَا وَيَسْلَمُ هَذا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، ولَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأمَّا شَيءٌ مَعْلُومٌ مضمونٌ فَلَا بَأسَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيهِ مِنْ إِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ.
٩١٠/ ٣ - عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَحَّاكِ ﵁، أن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رواه مُسْلِمٌ.
• الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو حنظلة بن قيس بن عمرو بن حصين بن خلدة الزرقي المدني، نقل ابن سعد عن الواقدي أنه قال: (كان ثقة قليل الحديث)، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (رأى عمر وعثمان ﵄)، وذكره ابن عبد البر في الصحابة، جانحًا لقول الواقدي: إنه ولد على عهد النبي ﷺ . وحكى ابن سعد عن الزهري أنه قال: (ما رأيت من الأنصار أحزم ولا أجود رأيًا من حنظلة بن قيس) روى عن عمر وعثمان ورافع بن خديج وغيرهم، وروى عنه ربيعة
стр. 2718
ويحيى بن سعيد والزهري وغيرهم (١).
وأما ثابت فهو ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلي الأوسي، أبو زيد المدني ﵁، كان ممن بايع تحت الشجرة (٢)، وكان رديف النبي ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد. قال البخاري والترمذي: شهد بدرًا، وروى عنه عبد الله بن معقل بن مقرن المزني، وأبو قلابة، توفي سنة خمس وأربعين على أحد الأقوال (٣).
° الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث حنظلة ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب "البيوع"، باب "كراء الأرض بالذهب والورق" (١٥٤٧)(١١٦) من طريق الأوزاعي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثني حنظلة بن قيس الأنصاري، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض … الحديث.
وأما حديث ثابت ﵁ فقد أخرجه مسلم -أيضًا- بابٌ "في المزارعة والمؤاجرة" (١٥٤٩)(١١٩) من طريق عبد الله بن السائب، قال: دخلنا على عبد الله بن معقل فسألناه عن المزارعة، فقال: زعم ثابت أن النبي ﷺ نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا بأس بها.
واعلم أن أحاديث المزارعة معظمها من رواية رافع بن خديج ﵁، وقد جاء بروايات كثيرة صارت سببًا لاختلاف العلماء، حتى فهم منها بعض العلماء أن المزارعة ممنوعة، لكن إذا ضم بعضها إلى بعض -كما قال الخطابي (٤) وتبعه الحافظ- فإن المفصَّل منها يبين ما فيها من مجمل أو مطلق أو مختصر، وتتضح دلالتها على المراد.
ومن أهل العلم من حكم عليها بالاضطراب في متونها وأسانيدها، حتى قال الإمام أحمد لما سئل عنه: (عن رافع ألوان): (حديث رافع كثير الألوان) (٥). وقد
стр. 2719
أجاب عنه العلماء بعدة أجوبة، كما بسط ذلك العلامة ابن القيم (١).
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (عن كراء الأرض) أي: تأجير الأرض للزراعة، تقول: أكريته الدار والأرض وغيرهما إكراء فاكتراها، بمعنى: آجرته فاستأجر.
قوله: (لا بأس به) أي: لا مانع، وأصل البأس: الشدة في الحرب، والحرب، والعذاب الشديد، والخوف، يقال: لا بأس عليه، ويقال: لا بأس به: لا مانع، ولا باس فيه: لا حرج (٢).
قوله: (الماذيانات) بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناة، ثم ألف ونون، ثم بعدها ألف -أيضًا-: هي مسايل الماء، وقيل: ما ينبت حول السواقي، وهي من كلام العجم الذي استعملته العرب (٣).
قوله: (وأقبال الجداول) بفتح الهمزة، والأقبال: الأوائل، والجداول: جمع جدول، وهو النهر الصغير، ويطلق عليها السواقي (٤).
قوله: (وأشياء من الزرع) أي: وقطعة أو جهة من الزرع تكون مختارة طيبة.
قوله: (ولم يكن للناس كراء إلا هذا) أي: ولم يكن لأهل المدينة طريقة لتأجير الأراضي الزراعية إلا هذه الطريقة المشتملة على الجهالة والغرر والمخاطرة.
قوله: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) أي: فأما كراء الأرض للزراعة بأجر معلوم مضمون من الذهب والفضة ونحوهما، فهذا جائز ولا بأس به، لعدم الجهالة والغرر.
قوله: (زعم ثابت) أي: قال، فالزعم هو القول.
قوله: (نهى عن المزارعة) أي: إعطاء الأرض بجزء مما يخرج منها على الطريقة التي كانت مستعملة عندهم، وهي القائمة على الجهالة والغرر
стр. 2720
والظلم لأحد الطرفين، دون المزارعة التي فعلها النبي ﷺ وأصحابه من بعده.
قوله: (وأمر بالمؤاجرة) أي: كراء الأرض بشيء معلوم من الذهب أو الفضة يدفعه مستأجر الأرض لصاحبها.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز إجارة الأرض للزراعة، وهذا قول جمهور الفقهاء، بشرط أن تكون الأجرة معلومة، لكن اختلفوا في نوع الأجرة، فذهب الجمهور إلى جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة وسائر العروض، لقوله: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس) وفي رواية قال رافع: (وأما الورق فلم ينهنا) (١).
وأما إجارتها بالطعام كالبر أو الشعير فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يؤجرها بطعام معلوم غير خارج منها، فهذا يجوز على قول الجمهور من الشافعية والحنفية والحنابلة، سواء أكان من جنس ما يخرج منها أم لا، واستدلوا بعموم قوله: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به)، ولأن الطعام عوض معلوم مضمون لا يتخذ وسيلة إلى الربا، فجازت إجارتها به كالأثمان.
وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أنه لا يجوز إجارتها بالطعام وإن لم يكن خارجًا منها، واستدلوا بما روى رافع بن خديج، قال: (كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يَزْرَعها، أو يُزْرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك) (٢). ولعل هذا محمول على ما إذا كان الطعام خارجًا منها.
الحال الثانية: إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها، وهذا فيه قولان:
стр. 2721
الأول: المنع، وهذا قول مالك، ورواية عن أحمد ذكرها القاضي مذهبًا.
الثاني: الجواز، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها أبو الخطاب (١)، لعموم: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به).
الحالة الثالثة: إجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها؛ كنصف أو ربع، كآجرتك هذه الأرض بربع ما تزرع فيها من بر ونحوه، فالجمهور على أنها لا تصح؛ لأن الأجرة مجهولة لكون ما تخرجه الأرض غير مرئي، ومجهول الصفة والقدر، فهو ليس بمعلوم ولا مضمون، وهذا فيه غرر يمكن تجنبه بكراء الأرض بأجر معلوم.
والقول الثاني: الجواز، وهذا هو المنصوص عن أحمد، وهو قول أكثر الأصحاب.
ورجح أبو الخطاب وابن قدامة قول الجمهور، وحمل ابن قدامة نص أحمد في الجواز على المزارعة بلفظ الإجارة، فيكون حكمها حكم المزارعة في جوازها ولزومها وسائر أحكامها (٢).
وهذا هو الصواب -إن شاء الله- فإن الجهالة موجودة في أجرة تكون مما يخرج من الأرض، مما يؤدي إلى النزاع.
° الوجه الخامس: الفرق بين المزارعة والإجارة: أن المزارعة من جنس الشركة، ويستويان في الغنم والغرم، فهي كالمضاربة؛ لأن كلّا منهما له جزء مشاع معلوم إن جاد الزرع كثر، وإن كان رديئًا قَلَّ.
وأما الإجارة فإن المؤجر على يقين من الغنم وهو الأجرة، والمستأجر على رجاء، وقد يصيب الزرع جائحة من نار أو قحط أو غرق فيكون المستأجر قد دفع ماله ولم ينتفع بشيء، ولهذا كان أحد القولين لمجوزي المزارعة أنها أحل من الإجارة وأولى بالجواز، فالمزارعة بجزء مشاع معلوم،
стр. 2722
والمؤاجرة بشيء معلوم، شأنها في ذلك كسائر الإجارات.
والمزارعة قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة، فالصحيحة ما كانت واضحة وسليمة من الغرر، وهي أن تكون بجزء مشاع معلوم، كنصف الزرع أو ربعه، كما فعل النبي ﷺ مع أهل خيبر.
والمزارعة الفاسدة: ما كان فيها غرر وظلم لأحد الطرفين، كاشتراط جانب معين من الزرع.
وأما المؤاجرة فإن كانت بشيء معلوم مضمون من نقود أو طعام أو عروض فهي جائزة، وهي التي أذن فيها النبي ﷺ .
وأما ما كان فيه غرر وجهالة كأن يجعل لصاحب الأرض ما على الجداول والسواقي، أو جانبًا معينًا من الزرع فهذا هو الذي نُهي عنه، وهو الإجارة الفاسدة، وهو الذي كان معروفًا عندهم فنهوا عنه، وعليه يحمل الإطلاق في النهي عن كراء الأرض، كما في حديث جابر ﵁ الثابت في "الصحيحين".
يقول الليث بن سعد: (وكان الذي نُهي من ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة) (١). وقال ابن المنذر: (قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل) (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2723
حكم أجرة الحجام
٩١١/ ٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ قَال: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٩١٢/ ٥ - وعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "ذكر الحجام" (٢١٠٣) من طريق خالد -هو ابن عبد الله (١) -: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ ولفظه: (وأعطى الذي حجمه) بحذف المفعول الثاني.
وأخرجه -أيضًا- في "الإجارة" (٢٢٧٩) من طريق يزيد بن زريع، عن خالد، عن عكرمة، به، وفيه: (وأعطى الحجام أجره) بذكر المفعول الثاني.
وأما حديث رافع فقد أخرجه مسلم في كتاب "المساقاة"، باب "تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي" (١٥٦٨)(٤١) من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني إبراهيم بن قارظ، عن السائب بن يزيد: حدثني رافع بن خديج، عن رسول الله ﷺ ، قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث".
стр. 2724
° الوجه الثاني: حديث ابن عباس ﵄ دليل على جواز أخذ الأَجرة على الحجامة وأنه كسب مباح؛ لأن النبي ﷺ أعطى الحجام أجرته، ولو كان حرامًا لم يعطه، إذ لا يعطيه ما يحرم عليه، والقائل ذلك هو ابن عباس ﵄، كأنه يريد الرد على من زعم أنه لا يحل إعطاء الحجام أجرته وأنه حرام.
هذا من جهة النص، وأما من جهة المعنى فلأن الناس في حاجة إليها، ولا يوجد من يتبرع بها، فجاز الاستئجار عليها كالرضاع.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز التداوي بالاحتجام، وقد ورد في "الصحيحين" عن حميد الطويل، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكَلَّمَ مواليه، فخففوا عنه من ضريبته، وقال: "إن أفضل ما تداويتم به الحجامة والقُسط البحري … " الحديث (١).
ومن فوائد الحجامة: علاج أمراض الرأس والصداع، وتخفيف آلام الروماتزم، وأوجاع الصدر، وكل أثر في البدن سببه كثرة الدم أو فساده أو هما معًا.
° الوجه الرابع: دلَّ حديث أبي رافع ﵁ على أن كسب الحجام من المكاسب الرديئة التي يكون تركها أولى؛ لأن النبي ﷺ وصف كسب الحجام بأنه خبيث، والمراد بالخبيث هنا: الرديء؛ لأن الخبيث يطلق على الحرام؛ كمهر البغي وثمن الكلب، ويطلق على الشيء الرديء والكسب الدنيء كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقد ذكر المفسرون كابن كثير أن المراد بالخبيث في الآية: الرديء، كالحشف والشيص من التمر ونحو ذلك (٢).
وقد سمى النبي ﷺ الثوم والبصل خبيثين (٣) مع إباحتهما (٤). وعلى هذا فأجرة الحجام ليست حرامًا، وإنما هي من المكاسب الرديئة التي ينبغي التنزه
стр. 2725
عنها لما ورد فيها من الأخبار، ولأن فيها دناءة (١). وما ورد عن الأئمة وأهل العلم يحمل على هذا المعنى، وقد قال النبي ﷺ في كسب الحجام: "أطعمه ناضحك ورقيقك" (٢). وهذا دليل على إباحته، إذ غير جائز أن يطعم رقيقه ما يحرم أكله؛ لأن ما يحرم على الحر يحرم على الرقيق.
أما استئجار الحجام لغير الحجامة كالفصد، وحلق الشعر، والختان، ونحو ذلك، فهذا جائز، وكسبه ليس خبيثًا بلا خلاف؛ لأن الحديث ورد في كسب الحجام بالحجامة، فيختص بالمحل الذي ورد فيه (٣).
° الوجه الخامس: الحديث دلبل على جواز استعمال الأجير من غير تسمية الأجرة، وعلى جواز إعطائه قدر أجرته أو أكثر؛ لأن النبي ﷺ لم يشارطه على أجرته، ولعل هذا محمول على أنهم كانوا يعلمون مقدارها، فيكون ذلك مما يُرجع فيه إلى العرف، والله تعالى أعلم.
стр. 2726
إثم من منع العامل أجرته
٩١٣/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَال اللهُ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "البيوع"، باب "إثم من باع حرًّا" (٢٢٢٧) من طريق يحيى بن سُليم، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁، مرفوعًا.
وأخرجه -أيضًا- في "الإجارة"، باب "إثم من منع أجر الأجير" (٢٢٧٠) بالإسناد المذكور مع اختلاف شيخه.
وأما عزوه إلى مسلم فالظاهر أنَّه وهم من الحافظ، أو من النساخ، وقد عزاه المزي إلى البخاري وابن ماجة (١)، وعزاه الحافظ نفسه في "التلخيص" إلى البخاري (٢).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قال الله هذه إحدى صيغ الحديث القدسي، وهو ما رواه النبي ﷺ عن ربه تعالى، وهو منسوب إلى الله تعالى معنى لا لفظًا على أحد القولين، والقول
стр. 2727
الثاني: أن الحديث القدسي كلام الله تعالى بلفظه ومعناه. وهو قول مرجوح (١).
قوله: (ثلاثة أنا خصمهم) أي: ثلاثة أنفس، وهو مبتدأ، وجملة "أنا خصمهم" خبر، وذكر الثلاثة ليس للتخصيص؛ لأن الله تعالى خصم لجميع الظالمين، ولكن لما أراد التشديد على هؤلاء صرح بها. والخصم: مصدر خصمته أخصمه خصمًا، نُعت به للمبالغة كما يقال: رجل عدل، والخصومة: هي المنازعة والجدل، ومعنى (أنا خصمهم)، أي: إن الله تعالى يخصم هؤلاء يوم القيامة نيابة عمن ظلموا، يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]. ولا خلاف بين المفسرين أن المراد بالخصم هنا: الملكان.
وقد يثنى ويجمع، فيقال: خصمان، كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]. وفي حديث عائشة ﵂ سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب (٢).
قوله: (أعطى بي) إما أن المعنى: حلف بي، أو أن مفعول أعطى محذوف، والتقدير: أعطى يمينه بي؛ أي: عاهد عهدًا وحلف عليه بالله ثم نقضه، والدليل على هذا المفعول المحذوف قوله: (غدر) فهو يدل على تخصيصه بالعهد.
قوله: (ثم غدر) أي: نقض العهد ونكثه، وهو ضد الوفاء، والغدر: مصدر غدر يغدر غدرًا، وهو الإخلال بالشيء وتركه، يقول ابن فارس: (الغين والدال والراء أصل صحيح يدل على ترك الشيء) (٣).
قوله: (باع حرًّا) أي: باع إنسانًا على أنَّه عبد مع أنَّه في الواقع ليس رقيقًا، وإنَّما هو حرٌّ.
قوله: (فأكل ثمنه) خص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقصود وإلَّا فالمراد
стр. 2728
الحصول على الثمن، سواء اشترى به طعامًا، أو لباسًا، أو سيارة، أو غير ذلك.
قوله: (فاستوفى منه) أي: نحصل من الأجير على العمل الذي استأجره من أجله. وذكر الأكل والاستيفاء فيه مزيد من التوبيخ والتقريع والتهجين للأمر.
قوله: (ولم يعطه أجره) الأجر في اللغة: الجزاء على العمل، وفي اصطلاح الفقهاء: العوض الذي يُعطى مقابل منفعة، وتسمى الأجرة. وذكر الرجل في الحديث لا مفهوم له، وإنَّما جرى مجرى الغالب.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغدر، وهو نقض العهد والإخلال بالشيء وتركه، وهو من أكبر الكبائر، وهو صفة ذميمة تدل على خسة النفس وحقارتها، ولا يتصف بها إلَّا ناقص الإيمان. والغادر شخص ممقوت لا يطمئن الناس إلى مخالطته ولا جيرته ولا معاملته، ويكفيه سخطًا وغضبًا أن الله تعالى يكون خصمه يوم القيامة.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن استرقاق الحر وبيعه وأكل ثمنه من أكبر الكبائر. قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن بيع الحر باطل) (١). قال المهلب: (وإنَّما كان إثمه شديدًا؛ لأن المسلمين أكفاء في الحرية، فمن باع حرًّا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له، وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه) (٢).
• الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم أكل أجرة العامل وعدم إعطائها إياه بعد استيفاء العمل، وهذا من كبائر الذنوب، وهذا أمر مستقبح شرعًا وعقلًا، فإن العامل أخوك في الإسلام، وحقوق الإخوان على الإخوان كثيرة، فكيف إذا أدى لمستأجره عملًا يعود على ماله بالنماء وعلى تجارته أو صناعته بالازدهار والسعة؟!. وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود وأداء الأمانة إلى أهلها، وأجرة العامل داخلة في هذا العموم.
• الوجه السادس: الحديث دليل على عناية الإسلام بحقوق العمال
стр. 2729
وإيصالها إليهم كاملة غير منقوصة، حيث توعد من جحد أجرة العامل بعد استيفاء عمله بهذا الوعيد العظيم، فضمن الإسلام لهم حقوقهم وحماهم من تسويف صاحب العمل أو جشعه حينما يريد جحد الأجرة؛ لأن هذه الأجرة فيها حاجة العامل وحاجة أسرته ومن يَمُون. والله تعالى أعلم.
стр. 2730
حكم أخذ الأجرة على الرقية وتعليم القرآن
٩١٤/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ". أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث علقه البخاري في كتاب "الإجارة" (٤/ ٤٥٢ "فتح") ووصله في كتاب "الطب"، باب "الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب" (٥٧٣٧) من طريق عبيد الله بن الأخنس أبي مالك، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عبَّاس ﵄، أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيه لديغ -أو سليم - فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل منكم من راق؟ إن في الماء رجلًا لديغًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حتَّى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله".
• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن كما تؤخذ الأجرة على العلاج بالأدوية الأخرى، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وهذا الأخذ ليس على مجرد التلاوة، وإنَّما هو على المعالجة والمداواة؛ لأن القراءة والنفث على المريض من الأفعال المباحة، فيكون المأخوذ على المعالجة لا على مجرد التلاوة (١).
стр. 2731
• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا قول المالكية، والشَّافعية، وأحمد في رواية عنه، والمتأخرين من الحنفية، وابن حزم الظاهري (١).
والقول الثاني: أنَّه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا قول متقدمي الحنفية، ورواية عن أحمد أخذ بها أكثر أصحابه، وكذا قالوا في تعليم العلم من تفسير وحديث وغيرهما، وكذا الإمامة والأذان (٢). واستدلوا بما يأتي:
أولًا: الأدلة التي تدل على أن الأجرة لا تؤخذ على تبليغ الإسلام والقرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩].
ثانيًا: حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوسًا، قلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله ، لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتيته، فقلت: يا رسول الله أهدي إلي قوس ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، قال: وإن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها" (٣).
كما استدلوا بأن التلاوة من الأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، وهذا العمل قربة لله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليه؛ لأن تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله تعالى.
وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة غير ناهضة؛ كقولهم: إن المراد بالأجر المذكور في الحديث: الثواب الأخروي، ويرد هذا سياق الحديث بهما
стр. 2732
تقدم. وكقولهم: إنه منسوخ، وهذا مردود بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال (١).
والقول الثالث: أنَّه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن عند الحاجة دون الغنى، وهذا وجه في مذهب الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
وهذا قول وجيه فيه جمع بين الأدلة، ويؤيده قوله تعالى في ولي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، (٣)، ولأن المحتاج يمكنه أن ينوي عمله لله، ويأخذ الأجرة ليستعين بها على العبادة وينفق على من يجب الإنفاق عليه، فيؤدي الواجب بهذه الأجرة، بخلاف الغني فإنه لا يحتاج إلى الكسب، فلا حاجة تدعوه إلى أن يأخذ أجرة.
وأما حديث عبادة ﵁ فهو حديث ضعيف؛ لأن في إسناده الأسود بن ثعلبة، وهو مجهول كما في "التقريب"، والمغيرة بن زياد الموصلي وثقه وكيع وابن معين والعجلي وغيرهم، وضعفه أحمد وأَبو زرعة، قال أحمد: مضطرب الحديث ومنكر الحديث، وقال في "التقريب": (صدوق له أوهام)، ومثل هذا الحديث لا يقاوم ما ورد من الأحاديث الصحيحة.
وعلى فرض صحته فهو محمول على أن عبادة بن الصامت ﵁ كان متبرعًا بالتعليم ناويًا للاحتساب فيه، فكره رسول الله ﷺ أن يضيع أجره ويبطل حسنته بما يأخذ من هدية (٤).
وهذا الخلاف إنما هو في حكم أخذ الأجرة إذا كانت باشتراط، أما إذا أُعطي بدون اشتراط فالظاهر من كلام أصحاب المذاهب الأربعة وابن حزم الاتفاق على الجواز؛ لأن من أجاز باشتراط -كما تقدم - أجاز هنا من باب أولى، ومن منع باشتراط وهم متقدمو الحنفية فقد أجازوا الأخذ
стр. 2733
بدون اشتراط (١).
أما أخذ الرِّزق من بيت المال - وهو الراتب - على تعليم القرآن وعلى الأذان والإقامة والإمامة وتعليم العلم فجوازه محل اتفاق بين أهل العلم (٢)؛ لأن ما يؤخذ من بيت المال لهذه الأعمال ليس عوضًا وأجرة بل هو رزق للإعانة على الطاعة، وهو حق ثابت في بيت المال، وبيت المال معد للمصالح، إلَّا أن بعض الفقهاء كالشَّافعية والحنابلة يقيدون جواز أخذ الرزق بعدم وجود متطوع، حماية لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إلى صرفه. والله المستعان.
• الوجه الرايع: ظاهر هذا الحديث العموم، وأنه يجوز أخذ الأجرة على كتاب الله تعالى تعليمًا وعلاجًا وتلاوة، ولكن هذا العموم غير مراد، وقد خصه أهل العلم بالعلاج والتعليم، وأما أخذ الأجرة على مجرد التلاوة فهو غير داخل في هذا العموم، بل هو مستثنى منه بدليلين:
الأول: ما ورد من الأحاديث الدالة على النهي عن أخذ الأجرة على تلاوة القرآن، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن شبل الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأوا القرآن، ولا تكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه" (٣).
الثاني: جاء في "الاختيارات" قول ابن تيمية: "الاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة، وإنَّما تنازعوا في الاستئجار على التعليم) (٤).
ولا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت؛ لأنه لا ثواب
стр. 2734
للقارئ ولا للميت، وهذا من البدع التي انتشرت في بعض بلاد المسلمين، والآخذ والمعطي آثمان، والقارئ إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له، فأي شيء يهدى إلى الميت؟!. والله تعالى أعلم.
стр. 2735
وجوب المبادرة بإعطاء الأجير أجره
٩١٥/ ٨ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعْطُوا الأَجِيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁ عند أبي يعلى والبيهقي، وجابر عند الطبراني، وكلها ضعاف.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجة في كتاب "الرهون"، باب "أجر الأجراء" (٢٤٤٣) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف جدًّا، آفته عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو متفق على ضعفه، ضعفه أحمد وأَبو زرعة وأَبو حاتم والنَّسائي والدارقطني وغيرهم (١).
وقد خالفه من هو خير منه، عثمان بن عثمان الغطفاني، فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ ، مرسلًا.
أخرجه ابن زنجويه في كتاب "الأموال" (٢٠٩١) وهو مرسل حسن.
والحديث له شاهد من حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أخرجه الطحاوي في "شرح المشكل" (٨/ ١٣)، وابن عدي (٥/ ١٧٣)، والبيهقي (٦/ ١٢١) من طريق محمد بن عمار المؤذن، عن المقبري (٢)، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁، مرفوعًا. وفي سنده مقال، ورواه أَبو يعلى (٦/ ١٣٦)، وابن عدي (٥/ ١٧٣)، والبيهقي