← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا قول المالكية، والشَّافعية، وأحمد في رواية عنه، والمتأخرين من الحنفية، وابن حزم الظاهري (١). والقول الثاني: أنَّه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا قول متقدمي الحنفية، ورواية عن أحمد أخذ بها أكثر أصحابه، وكذا قالوا في تعليم العلم من تفسير وحديث وغيرهما، وكذا الإمامة والأذان (٢). واستدلوا بما يأتي: أولًا: الأدلة التي تدل على أن الأجرة لا تؤخذ على تبليغ الإسلام والقرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩]. ثانيًا: حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوسًا، قلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله ، لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتيته، فقلت: يا رسول الله أهدي إلي قوس ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، قال: وإن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها" (٣). كما استدلوا بأن التلاوة من الأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، وهذا العمل قربة لله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليه؛ لأن تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله تعالى. وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة غير ناهضة؛ كقولهم: إن المراد بالأجر المذكور في الحديث: الثواب الأخروي، ويرد هذا سياق الحديث بهما

стр. 2732

تقدم. وكقولهم: إنه منسوخ، وهذا مردود بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال (١). والقول الثالث: أنَّه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن عند الحاجة دون الغنى، وهذا وجه في مذهب الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). وهذا قول وجيه فيه جمع بين الأدلة، ويؤيده قوله تعالى في ولي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، (٣)، ولأن المحتاج يمكنه أن ينوي عمله لله، ويأخذ الأجرة ليستعين بها على العبادة وينفق على من يجب الإنفاق عليه، فيؤدي الواجب بهذه الأجرة، بخلاف الغني فإنه لا يحتاج إلى الكسب، فلا حاجة تدعوه إلى أن يأخذ أجرة. وأما حديث عبادة ﵁ فهو حديث ضعيف؛ لأن في إسناده الأسود بن ثعلبة، وهو مجهول كما في "التقريب"، والمغيرة بن زياد الموصلي وثقه وكيع وابن معين والعجلي وغيرهم، وضعفه أحمد وأَبو زرعة، قال أحمد: مضطرب الحديث ومنكر الحديث، وقال في "التقريب": (صدوق له أوهام)، ومثل هذا الحديث لا يقاوم ما ورد من الأحاديث الصحيحة. وعلى فرض صحته فهو محمول على أن عبادة بن الصامت ﵁ كان متبرعًا بالتعليم ناويًا للاحتساب فيه، فكره رسول الله ﷺ أن يضيع أجره ويبطل حسنته بما يأخذ من هدية (٤). وهذا الخلاف إنما هو في حكم أخذ الأجرة إذا كانت باشتراط، أما إذا أُعطي بدون اشتراط فالظاهر من كلام أصحاب المذاهب الأربعة وابن حزم الاتفاق على الجواز؛ لأن من أجاز باشتراط -كما تقدم - أجاز هنا من باب أولى، ومن منع باشتراط وهم متقدمو الحنفية فقد أجازوا الأخذ

стр. 2733

بدون اشتراط (١). أما أخذ الرِّزق من بيت المال - وهو الراتب - على تعليم القرآن وعلى الأذان والإقامة والإمامة وتعليم العلم فجوازه محل اتفاق بين أهل العلم (٢)؛ لأن ما يؤخذ من بيت المال لهذه الأعمال ليس عوضًا وأجرة بل هو رزق للإعانة على الطاعة، وهو حق ثابت في بيت المال، وبيت المال معد للمصالح، إلَّا أن بعض الفقهاء كالشَّافعية والحنابلة يقيدون جواز أخذ الرزق بعدم وجود متطوع، حماية لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إلى صرفه. والله المستعان. • الوجه الرايع: ظاهر هذا الحديث العموم، وأنه يجوز أخذ الأجرة على كتاب الله تعالى تعليمًا وعلاجًا وتلاوة، ولكن هذا العموم غير مراد، وقد خصه أهل العلم بالعلاج والتعليم، وأما أخذ الأجرة على مجرد التلاوة فهو غير داخل في هذا العموم، بل هو مستثنى منه بدليلين: الأول: ما ورد من الأحاديث الدالة على النهي عن أخذ الأجرة على تلاوة القرآن، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن شبل الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأوا القرآن، ولا تكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه" (٣). الثاني: جاء في "الاختيارات" قول ابن تيمية: "الاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة، وإنَّما تنازعوا في الاستئجار على التعليم) (٤). ولا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت؛ لأنه لا ثواب

стр. 2734

للقارئ ولا للميت، وهذا من البدع التي انتشرت في بعض بلاد المسلمين، والآخذ والمعطي آثمان، والقارئ إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له، فأي شيء يهدى إلى الميت؟!. والله تعالى أعلم.

стр. 2735

وجوب المبادرة بإعطاء الأجير أجره ٩١٥/ ٨ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعْطُوا الأَجِيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁ عند أبي يعلى والبيهقي، وجابر عند الطبراني، وكلها ضعاف. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن ماجة في كتاب "الرهون"، باب "أجر الأجراء" (٢٤٤٣) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف جدًّا، آفته عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو متفق على ضعفه، ضعفه أحمد وأَبو زرعة وأَبو حاتم والنَّسائي والدارقطني وغيرهم (١). وقد خالفه من هو خير منه، عثمان بن عثمان الغطفاني، فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ ، مرسلًا. أخرجه ابن زنجويه في كتاب "الأموال" (٢٠٩١) وهو مرسل حسن. والحديث له شاهد من حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أخرجه الطحاوي في "شرح المشكل" (٨/ ١٣)، وابن عدي (٥/ ١٧٣)، والبيهقي (٦/ ١٢١) من طريق محمد بن عمار المؤذن، عن المقبري (٢)، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁، مرفوعًا. وفي سنده مقال، ورواه أَبو يعلى (٦/ ١٣٦)، وابن عدي (٥/ ١٧٣)، والبيهقي

стр. 2736

(٦/ ١٢١) من طريق عبد الله بن جعفر، أخبرني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به. وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن جعفر. وله شاهد -أيضًا- من حديث أبي الزُّبَير، عن جابر ﵁ أخرجه الطبراني في "الصغير" (١/ ٢٠، ٢١)، والخطيب في "تاريخه" (٥/ ٣٣) وفي سنده محمد بن زياد بن زِئار الكلبي، وشَرَقِي بن القُطامَى، وكلاهما ضعيف. قال الطبراني: (لم يروه عن أبي الزُّبَير إلَّا شرقي، تفرد به محمد بن زياد) (١) وهذا مراد الحافظ بقوله: (وفي الباب عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عند أبي يعلى والبيهقي، وجابر عند الطبراني، وكلها ضعاف) وهذه الجملة موجودة في معظم طبعات "البلوغ"، وفي النسخ التي عليها الشروح، ومحذوفة في بعضها، ولذا لم أعتمدها في الترقيم. • الوجه الثاني: هذا الحديث وإن كان سنده ضعيفًا لكن معناه صحيح، ويؤيد معناه حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة … ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره" (٢). وهو دليل على وجوب المبادرة بإعطاء الأجير أجرته فور انتهائه من عمله الذي استؤجر عليه، وعدم تأخيرها أو المماطلة في أدائها؛ لأنه لم يعمل إلَّا من أجل الحاجة إلى هذه الأجرة، ولأن نفسه تائقة إلى أخذ عوض عمله وجهده. وقوله في الحديث: "قبل أن يجف عرقه" كناية عن سرعة إعطائه حقه، وعدم تأخيره. فإن كان بين الأجير والمستأجر اتفاق في تأخير الأجرة مدة معينة أو بعضها، أو يسمح العامل بتأخيرها مدة فلا بأس بذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 2737

وجوب معرفة قدر الأجرة ٩١٦/ ٩ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ". رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَاقِ، وفيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ الْبَيهَقيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٢٣٥) (١٥٠٢٣) من طريق إبراهيم النخعي، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ وأبي سعيد الخدري أو أحدهما ﵄، أن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث (١). وهذا سند فيه انقطاع، فإن إبراهيم النخعي لم يسمع من أحد من الصحابة، كما قال ذلك ابن المديني وأَبو حاتم وغيرهما (٢). ورواه البيهقي (٦/ ١٢٠) موصولًا من طريق ابن المبارك، عن أبي حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁. وإسناده ضعيف؛ لضعف الإِمام أبي حنيفة، وقد تقدم الكلام عليه عند الحديث (٨٠١) من البيوع. ورواه النَّسائي (٧/ ٣١) موقوفًا من طريق ابن المبارك، عن شعبة، عن حمافى، عن إبراهيم، عن أبي سعيد بينه قال: (إذا استأجرت أجيرًا فأعلمه أجره).

стр. 2738

وتابع شعبة على وقفه الثَّوري، فقال عبد الرزاق في "المصنف" (١٥٠٢٤):) قلت للثوري: أسمعت حمادًا يحدث عن إبراهيم، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: "من استاجر أجيرًا فليسم له إجاره"، قال: نعم). وحدث به مرة أخرى فلم يبلغ به النبي ﷺ . وقد نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنَّه قال: (الصحيح موقوف على أبي سعيد؛ لأن الثَّوري أحفظ) (١). • الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب معرفة قدر الأجرة، وهذا شرط من شروط صحة الإجارة المتفق عليها بين الفقهاء، قال الموفق: (لا نعلم في ذلك خلافًا) (٢). لأن الجهالة بالأجرة يفضي إلى النزاع والخصام بين المؤجر والمستأجر، ولأن الإجارة عقد معاوضة، فوجب أن يكون الأجر معلومًا كالثمن في المبيع. وقد استدل الإِمام مالك وتبعه البيهقي على وجوب تسمية الأجرة بنهي النبي ﷺ عن بيع الغرر، والإجارة نوع من البيع، والجهالة بالأجرة غرر (٣). فإذا أجره الدار بألف ريال في الشهر، أو بعشرة أكياس من الرز، أو أجره الدار بدار أخرى يسكنها؛ صح ذلك كله؛ لأن العوض معلوم، ويجوز أن يكون عينًا، ويجوز أن يكون منفعة. فإن أجره الدار بإصلاح ما انهدم منها لم يصح للجهالة، ولو قال: أجرتك الدار بعشرة آلاف في السنة وإصلاح ما انهدم منها من الأجرة صح؛ لأن الأجرة معلومة. ويستثنى من شرط معرفة الأجرة ما تعارف عليه الناس من الأجرة، فإنه يجري مجرى التقدير؛ لأن شاهد الحال يقتضيه، والشارع أجرى الشرط

стр. 2739

العرفي كاللفظي، ومثل هذا وإن كان فيه نوع جهالة لكنها يسيرة لا تفضي في الغالب إلى المنازعة، كأجرة سيارة أو ركوب سفينة إلى مكان معلوم، وكاستئجار الأجير بطعامه وشرابه المتعارف عليه. وتجوز الإجارة بجزء شائع من الإنتاج - على الراجح من قولي أهل العلم - كأن يحصد الزرع بثلث ما يخرج منه، أو يَخْرُفَ النخل بربع ثمرته، أو يجني العنب بنصفه، أو يعصر كمية من الزيتون بربع الزيت المستخرج، ونحو ذلك؛ لأنه إذا شاهده فقد علمه بالرؤية، وهي أعلى طرق العلم، ومن علم شيئًا علم جزءه المشاع، فيكون أجرًا معلومًا، والله تعالى أعلم (١).

стр. 2740

باب إحياء الموات الموات: بفتح الميم والواو المخففة، مشتق من الموت، وهي عدم الحياة، والمراد به: الأرض التي لا حياة فيها من بناء أو زرع وغيرهما، ولا مالك لها من الآدميين. وعند الفقهاء: الأرض التي لم يملكها أحد، ولا يتعلق بها منافع مشتركة. وهذا التعريف يدل على أن الأرض الموات لها وصفان: الأول: ألا يكون لها مالك، والمراد به المعصوم الذي لا يجوز قتله، وهو المسلم أو الذِّمِّيُّ المعاهد. فإن كان لها مالك معين بشراء أو عطية لم يجز إحياؤها، ومثله ما مُلك بالإحياء ثم دُثِرَ وعاد مواتًا فلا يملك. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن ما عرف ملكًا لمالك غير منقطع، أنَّه لا يجوز إحياؤه وملكه لأحدٍ غير أربابه (١). الثاني: ألا يتعلق بها مصلحة عامة أو منافع مشتركة، كالطرق ومسايل المياه والمحتطبات والبقاع المرصدة لصلاة العيدين، والبقاع المرصدة لدفن الموتى ولو قبل الدفن، وكذا الغابات والمناطق السياحية وأماكن طرح القمامة، ونحو ذلك. فكل هذا لا يجوز إحياؤه؛ لأن في إحيائه مصلحة شخص واحد وتضرر مصالح العامة. والإحياء: مصدر أحيا بمعنى: بث الحياة … ، والمراد هنا: جعل الأرض الميتة منتفعًا بها بوجه من الوجوه الآتية في هذا الباب.

стр. 2741

شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بالموت، لعدم الانتفاع بالأرض الميتة إلَّا بعد إحيائها.

стр. 2742

من عمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها ٩١٧/ ١ - عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيسَتْ لأحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" قَال عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ٩١٨/ ٢ - وعَنْ سَعِيدٍ بنِ زَيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ". رَوَاهُ الثلَاثَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَال: رُويَ مُرْسلًا، وَهُوَ كمَا قَال، وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّه، فَقِيلَ: جَابِرٌ، وَقيلَ: عَائِشَةُ، وَقيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمْروٍ، وَالرَّاجِحُ الأَوَّلُ. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الحرث والمزارعة"، باب "من أحيا أرضًا مواتًا" (٢٣٣٥) من طريق محمد بن عبد الرحمن (١)، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق". وليس عند البخاري لفظ: "بها" وإنَّما هي عند الإسماعيلي في مستخرجه على البخاري (٢). وقوله: (قال عروة .. ) هو موصول بالإسناد المذكور، لكن عروة، عن عمر مرسلًا؛ لأنه ولد في آخر خلافة عمر ﵁.

стр. 2743

أما حديث سعيد بن زيد ﵁ فقد تقدم تخريجه والكلام عليه في باب "الغصب" عند الحديث (٨٩٩). وقد اختلف في هذا الحديث فروي موصولًا عن عروة، عن سعيد بن زيد، وروي مرسلًا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، وهو الذي رجحه الحفاظ، كالبزار، والدارقطني وابن عبد البر وغيرهم، كما تقدم. واختلف -أيضًا- في تعيين صحابي هذا الحديث، فقيل: عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فمن أحيا من موات الأرض شيئًا فهو له، وليس لعرق ظالم حق". أخرجه أَبو داود الطيالسي (٣/ ٥٥، ٥٦)، ومن طريقه الدَّارَقُطني (٣/ ٢١٧)، والبيهقي (٦/ ١٤٢) من طريق زمعة، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂. وإسناده ضعيف لضعف زمعة، قال أَبو حاتم: (هذا حديث منكر، إنما روي من غير حديث الزُّهْريّ، عن عروة مرسلًا) (١). وقيل: جابر ﵁، أخرجه التِّرمِذي (١٣٧٩)، وأحمد (٢٢/ ١٧٠)، وابن حبان (١١/ ٦١٣) من طريق هشام بن عروة، عن وَهْب بن كيسان، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له". وقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال الألباني: (هو على شرط الشيخين، وعلقه البخاري في "صحيحه" (٢). وله طرق أخرى. وقيل: صحابيه عبد الله بن عمرو، كما أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦٠٥) من طريق مسلم بن خالد الزَّنجي (٣)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، مرفوعًا. قال الحافظ: (رجال إسناده ثقات) (٤). وهذا فيه نظر، فإن مسلمًا الزَّنجي

стр. 2744

ضعيف كما تقدم عند الحديث (٨١٩)، بل الحافظ نفسه قال في "التقريب": (صدوق كثير الأوهام). ورجح الحافظ أن صحابي الحديث هو سعيد بن زيد. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (من عَمَرَ) هذا لفظ "البلوغ"، ولفظ البخاري: "من أعمر"، قال القاضي عياض: كذا وقع، والصواب: (عمر) ثلاثيًّا، قال تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]، وقال غيره: قد سمع فيه الرباعي، يقال: أعمر الله بك منزلًا (١). وهذا مفسِّر لحديث: "من أحيا". قوله: (ليست لأحد) هذا يفسر اللفظ الثاني: (أرضًا ميتة)، فمعنى (ميتة): ليس فيها علامة ملك. قوله: (فهو أحق بها) أي: من غيره، وحذف متعلق أفعل للعلم به. قوله: (وقضى به عمر ﵁) أي: قضى بأن الإحياء ملك شرعي، وقد جاء في كتاب "الخراج" ليحى بن آدم سبب ذلك (٢). قوله: (أرضًا ميتة) بسكون الياء، ويجوز تشديدها، وذكر أهل اللغة أن ميتة الأناسي بالتشديد، وميتة غير الأناسي بالتخفيف للتفريق بينهما، وكان التشديد في الأناسي؛ لأنه الأصل، والتخفيف في غير الأناسي؛ لأنه يكثر استعمالها، فكانت أولى به (٣). والأرض الميتة: هي الموات، فهي على أصل خلقتها، ليست ملكًا لأحد. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من أحيا أرضًا وعمرها فهو أحق بها من غيره ويملكها ملكًا شرعيًّا، لقوله: "فهي له" وليس في الحديث تحديد الإحياء بمساحة معينة، فمن أحيا أرضًا فهي له قلّت مساحتها أو كثرت. • الوجه الرابع: دل الحديث على جواز الإحياء وأنه من أسباب الملك الشرعي، ولم تُبَيِّنْ صفة الإحياء وكيفيته مما يدل على أن المرجع فيه إلى

стр. 2745

العرف، فكل ما تعارف عليه أهل بلد فهو إحياء، وهو يحصل بأشياء، منها: ١ - أن يبني حول الأرض حائطًا منيعًا، يبنيه بما جرت به عادة أهل البلد من طوب أو لبن أو حجر أو نحو ذلك، وسيأتي هذا - إن شاء الله - في حديث سمرة ﵁ ٢ - سوق الماء وإجراؤه إلى الأرض الموات من عين أو نهر ونحوهما، أو حفر بئر بداخلها؛ لأن نفع الأرض بالماء أكثر من الحائط، لكن إن حفر بئرًا لم يملك إلَّا حريمها، وهو حماها، كما سيأتي إن شاء الله. ٣ - أن يمنع أو يزيل عنها ما لا يمكن زرعها معه، فإن كان المانع من زرعها كثرة الأحجار فإحياؤها بقلع أحجارها وتنقيتها، وإن كان أشجارًا فبأن يقلع أشجارها ويزيل عروقها المانعة من الزرع والغرس. وهذا بخلاف التحجير الذي هو منع الغير من إحياء الأرض الموات، بوضع علامة كأحجار أو تراب، أو يبني جدارًا قصيرًا، أو يضع شبكًا، أو لوحات، ونحو ذلك، فهذا ليس بإحياء، وإنَّما هو تحجير يفيد الاختصاص لا التملك، فيكون أحق بها من غيره، وورثته من بعده كذلك. فيعطى مهلة، فإن أحياها وإلَّا أعطيت إلى من يريد إحياءها. • الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنَّه لا يشترط في إحياء الموات إذن الإِمام، وهذا مذهب جمهور العلماء؛ لأن الرسول ﷺ حكم بملكية الموات لمن أحياه ولم يذكر إذن الإِمام. وقد استدلوا -أيضًا- بأن الأرض الموات ليست ملكًا لبيت المال، بل هي مال مباح، كالاحتشاش والاحتطاب، والمباح لمن سبقت يده إليه، وقد سبقت اليد إليه بالإحياء، فهو لمن أحياه (١). وذهب أَبو حنيفة إلى أنَّه يشترط إذن الإِمام، لأمرين:

стр. 2746

الأول: أن الأرض الموات في سلطان الإِمام ويعتبر بولايته على البلدان واضع اليد عليها، فلا يُستولى على ما تحت يده إلَّا بإذنه. الثاني: أن الإحياء من غير إذن الإِمام قد يدفع إلى التزاحم والنزاع، فلأجل الفصل بين الناس ولمنع النزاع بإزالة أسبابه يكون الإحياء بإذن الإِمام لتثبت الملكية بالإحياء (١). والذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو قول أبي حنيفة، وهو أنَّه لا بد من إذن الإِمام، لا سيما في زماننا هذا، لا من أجل ذات الأرض التي يراد إحياؤها، وإنَّما لوجود عارض، وهو ما يترتب على عدم الإذن من المفاسد من حصول النزاع، وتوارد الأيدي، وقد يكون الموات مملوكًا يجهل مالكه، وقد أفتى بذلك الشيخ محمد بن إبراهيم، نظرًا للمصلحة، والله تعالى أعلم (٢).

стр. 2747

ما جاء في الحمى ٩١٩/ ٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ ﵁، أَخْبَرَهُ أن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا حِمَى إلَّا لله وَلِرَسُولِهِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ٩٢٠/ ٤ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لا ضرَرَ وَلَا ضِرَارَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وابْنُ مَاجَة. ٩٢١/ ٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ في "الْمُوَطَّإِ" مُرْسَلٌ. • الكلام عليها من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث الصعب بن جثامة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "المساقاة"، باب "لا حمى إلَّا لله ولرسوله ﷺ " (٢٣٧٠) من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس ﵄. وفي آخره: وقال: بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشَّرَفَ والرَّبَذَة. وهو من كلام الزُّهْريّ، وهو مرسل أو معضل، كما قال الحافظ (١). ورواه أَبو داود (٣٠٨٤) موصولًا بعد رواية المرسل عن الصعب بن جثامة ﵁ أن النبي ﷺ حمى النقيع. وفيه عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش، قال عنه في "التقريب" (صدوق له أوهام) ولا يقبل تفرده عن ابن شهاب بمثل ذلك، فالظاهر أن هذه الرواية معلولة بالإرسال. وقد ورد في "الإلمام" لابن دقيق العيد أن الحديث من المتفق عليه، وهذا وهم، ولعله من النساخ (٢).

стр. 2748

وأما الحديث الثاني فقد أخرجه أحمد (٥/ ٥٥)، وابن ماجة في كتاب "الأحكام"، باب "إذا بنى في حقه ما يضر بجاره" (٢٣٤١) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄ مرفوعًا، وهذا لفظ ابن ماجة. وزاد أحمد في آخره: "وللرجل أن يجعل خشبه في حائط جاره، والطريق الميتاءُ (١) سبعةُ أذرع". وهذا سند ضعيف جدًّا، فيه جابر بن يزيد الجعفي كذبه ابن معين والجوزجاني وأَبو حنيفة وغيرهم، وقال الدَّارَقُطني: (متروك)، وقال البيهقي: (لا يحتج به) (٢). لكنه لم يتفرد به فقد تابعه داود بن الحصين، عن عكرمة به، رواه الدَّارَقُطني (٤/ ٢٢٨) وداود بن الحصين احتج به الشيخان، وقد ضُعف في روايته عن عكرمة من قِبل حفظه، ورواه سماك بن حرب، عن عكرمة به، رواه ابن أبي شيبة (٣). وسماك كداود بن الحصين في روايته عن عكرمة خاصة، فهي مضطربة، وقد تغير بآخَرَةَ، فكان ربما يلقن. والحديث له شواهد كثيرة عن عدد من الصحابة ﵃، ومنها حديث عبادة بن الصامت، وأَبي هُرَيرَةَ ﵁، وجابر بن عبد الله، وحديث أبي سعيد الآتي، قال النووي: (وله طرق يقوي بعضها بعضًا) قال ابن رجب: (وهو كما قال) وقد احتج به الإِمام مالك، وجزم بنسبته إلى رسول الله ﷺ -كما سيأتي - وحسنه ابن الصلاح، والعلائي (٤). وأما حديث أبي سعيد ﵁ فقد رواه الدَّارَقُطني (٤/ ٢٢٨)، والحاكم (٢/ ٥٧، ٥٨) من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي

стр. 2749

عبد الرحمن: حدَّثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار"، زاد الحاكم: "من ضار ضاره الله، ومن شاق شاق الله عليه". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي. وهذا وهم، لأن عثمان بن محمد لم يخرج له مسلم أصلًا، وهو متكلم فيه، وقد نقل الذهبي نفسه عن عبد الحق أنَّه قال: (الغالب على حديثه الوهم) (١)، وتابعه عبد الملك بن معاذ النصبي، عن الدراوردي، به. أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٠/ ١٥٩)، قال ابن القطان: (عبد الملك هذا لا تعرف له حال، ولا أعرف من ذكره) (٢). ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٧٥٤) عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار". وهذا هو الصواب، وهو أن الحديث مرسل، لأن الدراوردي وإن كان من رجال مسلم فإن فيه كلامًا يسيرًا من قبل حفظه، فلا تقبل مخالفته للإمام مالك. وسأذكر - إن شاء الله - غرض الحافظ من ذكر هذا الحديث في هذا الباب. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (لا حمى) الحمى: بكسر الحاء وفتح الميم المخففة بعدها ألف اسم مقصور، والحمى: المنع والدفع، قال أهل اللغة: حَمَى المكان من الناس يحميه حميًا وحماية، من باب رمى: منعه عنهم، ويقال: كلأ حِمى كرضى محميّ. والحمى: أن يحمي الشخص أرضًا من الموات يمنع الناس رعي ما فيها

стр. 2750

من الكلأ ليختص بها دونهم، فإن كان الحمى للأموال العامة للأمة كخيل المجاهدين وإبل الصدقة وضوال الناس التي يقوم الإِمام بحفظها، وماشية الضعيف من الناس، فهذا هو الحمى الماذون فيه شرعًا، بشرطه الآتي. قولي: (إلَّا لله ولرسوله) هذا أسلوب من أساليب القصر، طريقه الاستثناء بعد النفي، يفيد قصر الحمى على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ ، والمعنى: لا حمى إلَّا ما حُمي لخيل الناس وركابهم المرصدة لجهاد المشركين والحمل عليها في سبيل الله تعالى (١). وليس لأحد أن يحمي من مراعي الكلأ - التي الناس فيها سواء - حمى تستأثر برعيه ماشيته ودوابه. وظاهر الحديث أنَّه ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلَّا ما حماه النبي ﷺ . والقول الثاني: أن معناه: إلَّا على مثل ما حماه النبي ﷺ وهذا هو الأقرب، بدليل أن عمر ﵁ حمى بعد النبي ﷺ وكذا عثمان ﵁. قوله: (لا ضرر ولا ضرار) قيل: هما بمعنى واحد، والتكرار للتأكيد، والمشهور أن بينهما فرقًا، فقيل: هما مثل القتل والقتال، فالضرر معناه: أن يضر الرجل أخاه، والضرار: أن يضر كل واحد منهما صاحبه، فالضرر فعل الواحد، والضرار: فعل الاثنين، ويكون التقدير: لا ضرر بأحد، ولا ضرار مع أحد، وهذا قد يبعده ما ورد من جواز انتصار المظلوم ممن ظلمه، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (٢). وقيل الضرر: ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار: ما تضر به صاحبك من غير أن تنتفع به، قال ابن عبد البر: (وهذا وجه حسن المعنى في الحديث، والله أعلم) (٣). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه لا حمى إلَّا لله ولرسوله على وليس لأحد أن يحمي شيئًا من الأرض عن المسلمين فيمنعهم من رعي

стр. 2751

مواشيهم، وقد كانت هذه عادة جاهلية، فقد كان الشريف منهم إذا نزل أرضًا مخصبة استعوى كلبه على مكان عال، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه، فنهى النبي ﷺ عن ذلك لما فيه من التضييق على الناس ومنعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله (١). ولم يحم النبي ﷺ لنفسه شيئًا وإنَّما حمى للمسلمين، فقد روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ ذَّاد - أحد رواته -: فقلت له - لعبد الله العمري -: لخيله؛ قال: لا، لخيل المسلمين (٢). • الوجه الرابع: على الراجح من قولي أهل العلم أن ولي الأمر يقوم مقام النبي ﷺ في جواز الحمى، فله أن يحمي ما يرى فيه مصلحة للمسلمين لإبلهم ودوابهم، وأموال الصدقة، وهذا هو الحمى الشرعي، وإذا رأى المصلحة في ترك ذلك تركه. وهذا بشرط ألا يضر بالناس، فإن كان الحمى يضر بالناس لم يحم واشترك معهم، كأن يكون وقت جدب أو قحط أو قلة في العلف، لعموم قوله ﷺ ولعل هذا هو غرض الحافظ من إيراد هذا الحديث في هذا الباب. وقد حمى عمر ﵁ الرَّبَذَةَ (٣)، واستعمل عليها مولى له يدعى هُنَيًّا على الحمى، فقال: (يا هُنَيُّ اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المسلمين، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل ربَّ الصُّريمة ورب الغُنيمة، وإياي ونَعَم ابن عوف ونَعَم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة وربَّ الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك؛ فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب

стр. 2752

والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا) (١). فهذا عمر ﵁ يقول: الولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا)، وهذا نص صريح في أن الإِمام لا يحمي لنفسه، ثم هو يوصي غلامه القائم على الحمى ألا يمنع الفقراء إذا جاءوا أن يستفيدوا من الحمى برعي مواشيهم ودوابهم، ولكن يمنع الأغنياء لأنهم لا ضرر عليهم في المنع، فإنه باستطاعتهم أن ينفقوا على مواشيهم ويعلفوها، ولم يرد بذلك منع الأغنياء البتة، وإنَّما أراد أنَّه إذا لم يَسَعِ المرعى إلَّا نعم أحد الفريقين فنعم المقلين أولى، والله المستعان". • الوجه الخامس: حديث (لا ضرر ولا ضرار) اعتبره العلماء قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، بل هي من أهم القواعد وأجلها شأنًا، لاندراج قواعد أخرى تحتها، ولإمكان تطبيقها في مختلف المجالات الفقهية، وهذا الحديث وإن كان في سنده ما تقدم لكن عمومات الشريعة من الكتاب والسنة قد جاءت ببيان ما دل عليه وتأييده، قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، وجاءت النصوص بالنهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض وعن الغصب والظلم. فيدخل في هذه القاعدة: التدليس والغش في المعاملات وكتم العيوب فيها، وبيع المسلم على بيع أخيه والشراء على شرائه، وهكذا جميع المعاملات كما يدخل في ذلك: مضارة الشريك لشريكه والجار لجاره والغريم لغريمه، وكذا إضرار الزوج بزوجته، والمضارة في الوصية، وفي الرضاع، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدًّا، وما ذُكر تمثيل لا حصر (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2753

من أنواع الإحياء ٩٢٢/ ٦ - عَنْ سمُرةَ بْنِ جُنْدَب ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أحَاطَ حَائِطًا عَلى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابنُ الْجَارُودِ. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أَبو داود في كتاب "الخراج والإمارة والفيء"، بابٌ "في إحياء الموات" (٣٠٧٧)، وابن الجارود (١٠١٥) من طريق قَتَادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، مرفوعًا. وهذا سند ضعيف، فيه الحسن البصري، وهو مدلس، ولم يصرح بالسماع من سمرة. والحديث له شواهد تؤيد معناه، وهي ما تقدم أول الباب. • الوجه الثاني: الحديث دليل على نوع من أنواع الإحياء وهو إحاطة الأرض الموات بحائط، فإذا أحاطها فقد ملكها ملكًا شرعيًّا، لقوله: "فهي له"، لكن لا بد من تقييد الأرض بأنه لا حق فيها لأحد، كما تقدم. وظاهر الحديث أن الإحاطة كافية للتمليك، وهو قول الإِمام أحمد في أشهر الروايات عنه في صفة الإحياء، وهي أن التحويط إحياء لكل أرض، والرواية الثانية: تقدمت وهي أنَّه ليس للإحياء صفة معينة وإنَّما المرجع إلى العرف. قال الفقهاء: ولا بد أن يكون الحائط منيعًا يمنع ما وراءه، ويكون مما

стр. 2754

جرت العادة بمثله، ويختلف باختلاف البلدان (١)، وقد ذكر الشيخ عبد الله البسام: أن المعتبر في محاكم المملكة أنَّه إذا كان الجدار مترًا ونصف المتر فهو إحياء؛ لأنه يمنع، وما كان دون ذلك فهو تحجير وليس بإحياء (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2755

حريم البئر في الأرض الموات ٩٢٣/ ٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفلٍ ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ قَال: "مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن ماجة في كتاب "الرهون"، باب "حريم البئر" (٢/ ٨٣١) بإسنادين، والدارمي (٢/ ١٨٦) كلاهما من طريق إسماعيل المكي، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل ﵁ مرفوعًا. وهذا إسناد ضعيف، له علتان: الأولى: عنعنة الحسن وهو البصري، فإنه مدلس كما تقدم مرارًا. الثانية: ضعف إسماعيل بن مسلم المكي، فقد قال عنه أحمد: "منكر الحديث"، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وقد تركه يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقال ابن عدي: "أحاديثه غير محفوظة، إلَّا أنَّه ممن يكتب حديثه) (١). لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه أشعث، عن الحسن، عند الطبراني، كما ذكر الحافظ في "التلخيص" (٢) فتزول العلة الثانية وتبقى الأولى. قال الألباني: "فهذا شاهد لا بأس به، فالحديث به حسن عندي، والله أعلم) (٣). وله شاهد من حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أخرجه أحمد (١٦/ ٢٥٩)،

стр. 2756

والبيهقي (٦/ ١٥٥) من طريق عوف، عن رجل حدثه، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حريم البئر أربعون ذراعًا من حواليها، كلها لأعطان الإبل والغنم. . .. "، ورواه البيهقي من طريق مسدد، عن هُشَيم، أخبرنا عوف، حدَّثنا محمد بن سيرين، به، وقد يكون هذا المبهم في الإسناد الأول هو محمد بن سيرين، وقد صوب الدَّارَقُطني روايته بالمبهم (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (فله أربعون ذراعًا) إما أن المراد أربعون ذراعًا من الجوانب كلها، فيكون كل جانب عشرة أذرع، لا ينبغي لغيره أن يزاحمه في ذلك. وقيل: له أربعون من كل جانب، ذكر هذا السندي (٢). والمراد بذلك البئر التي تحفر في الأرض الموات للتمليك، فلا يملك إلَّا حريم البئر وهو حماها، وما عدا ذلك فهو والناس سواء (٣). قوله: (عطنًا) العطن: بالتحريك هو موطن الإبل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء. • الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن حريم البئر إذا حفرها لسقي ماشيته أربعون ذراعًا، وما عدا ذلك يكون هو والناس فيه سواء. والمراد بحريمها: ما حولها من مرافقها وحقوقها، وهو ما يحتاج إليه لترقية الماء وسقي الماشية، ونحو ذلك من المصالح. قال ابن الأثير: (وسمي به لأنه يحرم منع صاحبه منه، أو لأنه يحرم على غيره التصرف فيه) (٤). وهذا قول الجمهور. والقول الثاني: أن حريم البئر خمسة وعشرون ذراعًا إن كانت بئرًا جديدة، وخمسون ذراعًا إن كانت بئرًا قديمة أثرية، وهذا قول الإِمام أحمد، واختاره ابن قدامة، والشيخ عبد العزيز بن باز (٥).

стр. 2757

واستدلوا بحديث سعيد بن المسيب، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁، عن النبي ﷺ قال: (حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعًا" (١). وجعلت القديمة أكثر حرمًا؛ لأن ماءها يكون في الغالب أكثر، فحاجتها إلى الساحة أكثر. والقول الثالث: أن ما ورد في الأحاديث ليس تحديدًا، وإنَّما حريم البئر ما يحتاج إليه في ترقية مائها منها، وهذا قول القاضي وأبي الخطاب (٢). فإن كانت البئر يراد بها إحياء الأرض بالزراعة فأكثر العلماء على أن حريمها ستمائة ذراع، وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: (له ما حواليه مقدار الزرع؛ لأنه جاء ليزرع، فما كان حواليه فلا يعترضه أحد) (٣). وقد اختلف العلماء في التوفيق بين هذين الحديثين، فمن أهل العلم من قال بترجيح حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁، وتضعيف حديث ابن مغفل ﵄، وهذا رأي ابن قدامة (٤)، وتبعه ابن باز. ومنهم من جمع بينهما، وهو حمل حديث ابن مغفل على أن المراد بالحريم ما يحتاج إليه صاحب البئر عند سقي إبله لاجتماعها على الماء، وحديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ على أن المراد ما يحتاج إليه البئر؛ لئلا تحصل المضرة عليها بقرب الإحياء منها، ولذلك اختلفت الحال في البئر الجديدة عن القديمة. وهذا رأي المغربي صاحب "البدر التمام" (٥)، وتبعه عليه الصنعاني في "السبل". أما إن كانت البئر محاطة من جميع جوانبها بأملاك الغير فهذه ليس لها حريم ولا مرافق، وإنما كل واحد يُنْتَفَعُ بما جرت به العادة، والله تعالى أعلم.

стр. 2758

ما جاء في إقطاع الأراضي ٩٢٤/ ٨ - عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أن النَّبِيَّ ﷺ أقطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالترْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَانَ. ٩٢٥/ ٩ - وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أن النَّبيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى سَوْطَهُ، فَقَال: "أَعْطُوهُ حَيثُ بَلَغَ السَّوْطُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو علقمة بن وائل بن حُجر بن ربيعة الحضرمي الكندي الكوفي، روى عن أبيه، والمغيرة بن شعبة، وروى عنه أخوه عبد الجبار بن وائل، وابن أخيه سعيد بن عبد الجبار، وسماك بن حرب وغيرهم. قال ابن سعد: (كان ثقة قليل الحديث)، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد نص البخاري في "تاريخه" على أنَّه سمع أباه، وقال التِّرمِذي: (علقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه) (١)، وحكى العسكري عن ابن معين أنَّه قال: (علقمة بن وائل، عن أبيه مرسل)، وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق إلَّا أنَّه لم يسمع من أبيه) وهذا فيه نظر، والصواب ما قاله البخاري والتِّرمِذي، فقد صرح بالتحديث عن أبيه في غير ما حديث عند مسلم وغيره، قال الذهبي:

стр. 2759

(روى له الجماعة سوى البخاري) (١). • الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث وائل بن حجر فقد أخرجه أَبو داود في كتاب "الخراج والإمارة والفيء"، بابٌ "في إقطاع الأرضين" (٣٠٥٨)، والتِّرمِذي (١٣٨١)، وابن حبان (١٦/ ١٨٢)، وأحمد (٤٥/ ٢١٢) من طريق شعبة، عن سماك، قال: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن أبيه، أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضرموت. وهذا سند حسن من أجل سماك بن حرب فإنه متكلم فيه، بسبب ضعفه من قِبل حفظه، وخصوصًا في روايته عن عكرمة، فيكون حسن الحديث في غير روايته عن عكرمة. وقد توبع، تابعه جامع بن مطر، عن علقمة بن وائل، كما عند أبي داود (٣٠٥٩)، وجامع بن مطر هو الحَبَطي، لا بأس به، كما قال أحمد وأَبو حاتم، ووثقه ابن معين وأَبو داود وابن حبان (٢)، والحديث صححه التِّرمِذي. وأما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه أَبو داود في الباب المذكور (٣٥٧٢)، وأحمد (١٠/ ٤٨٥، ٤٨٦) من طريق حمَّاد بن خالد، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه عبد الله بن عمر العمري المكبر، وهو ضعيف، وبه أعله ابن القطان والحافظ (٣). لكن له أصل في "الصحيحين" من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂، أن النبي ﷺ أقطع الزُّبَير أرضًا (٤)، وورد عند البخاري معلقًا بصيغة الجزم أنَّها من أموال بني النضير.

стр. 2760

• الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (أقطعه أرضًا) أي: منحه وملكه أرضًا ينفرد بها، والإقطاع: ما يعطيه الإِمام لبعض الرعية من أراضي الموات، فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه، وذلك بأن يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته مدة. قوله: (بحضرموت) بفتح الحاء وسكون الضاد، اسم لا ينصرف للعلمية والتركيب المزجي، اسم بلد باليمن. قوله: (أقطع الزُّبَير) أي: الزُّبَير بن العوام القرشي، الصحابي الشجاع، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، تقدم له ذكر في باب "اللباس". وهذه الأرض التي أقطعه النبي ﷺ كانت مما أفاء الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير، وكان ذلك في أول قدومه المدينة (١). قوله: (حُضْرَ فرسه) بضم الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة، وهو شوط الفرس الذي ينتهي إليه عدوه، والمراد: أنَّه أقطعه مسافة قدرها عدو فرسه عدوة واحدة. قوله: (حتَّى قام) أي: انتهى عدو الفرس ووقف. قوله: (ثم رمى سوطه) أي: رمى الزُّبَير سوطه إلى الأرض، ولفظ أبي داود: (بسوطه) بإثبات الباء، فتكون زائدة. قوله: (فقال: أعطوه حيث بلغ السوط) أي: فأمر النبي ﷺ بإعطائه إلى المكان الذي رمى فيه السوط، فجعل مكان السوط حدًّا لآخر عدو الفرس. قوله: (حيث بلغ السوط) هكذا في نسخ "البلوغ"، وفي أبي داود: (من حيث بلغ السوط) بإثبات (من)، وثبوتها مشكل؛ لأن ظاهرها أنَّها لابتداء الغاية، وهذا ليس بمراد، إلَّا إن كان المراد أعطوه من مكان السوط إلى هنا؛ أي: المكان الذي فيه الرسول ﷺ -أو من أنابه في إعطاء الزُّبَير، والله أعلم.

стр. 2761

• الوجه الرابع: الحديث دليل على أنَّه يجوز للإمام أو نائبه إقطاع بعض الأراضي الموات لبعض الناس إذا كان في ذلك مصلحة، إذا كانوا يحتاجونها للسكن أو للحرث والزراعة ونحو ذلك. والإقطاع خاص بالإمام أو نائبه ولا يكون لغيرهما ممن هو دونهما من آحاد الناس؛ لأن الإقطاع يرجع إلى اجتهاد الإِمام والمصلحة العامة. • الوجه الخامس: ذكر الفقهاء أن لإقطاع الإِمام شرطين: الأول: ألا يقطع أحدًا من الناس إلَّا ما يمكنه إحياؤه؛ لأن في إقطاع أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حق مشترك بينهم، ولأن عمر ﵁ استرجع من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من إقطاع العقيق الذي أقطعه النبي ﷺ كما سيأتي. الثاني: ألا يقطع الإِمام ما لا يجوز إحياؤه، وهو ما قرب من عامر البلد وتعلق بمصالحه، كما تقدم أول الباب؛ لأن هذا في حكم المملوك لأهل العامر، ولأن في إقطاعه تضييقًا على الناس (١)؛ لأن النبي ﷺ أقطع أبيض بن حمال معدن الملح، فلما قيل للنبي ﷺ : إنما قطعت له الماء العِدَّ، انتزعه منه (٢). • الوجه السادس: اختلف العلماء هل المُقْطَع يملك بمجرد الإقطاع أو لا بد من الإحياء، على قولين: الأول: أن المقطع لا يملك بالإقطاع، فلا يجوز أن يبيع ما أُقطع، ولكنه يصير أحق به من غيره، كالمتحجر الشارع في الإحياء، وهذا مذهب الشَّافعي وأحمد (٣)، وهو اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم (٤).

стр. 2762

فإن أحيا ما أُقطع ملكه، وإن لم يحي أعطي مدة فإن أحيا فيها وإلا انتزع منه، وأعطي غيره ممن يحييها وينتفع بها. واستدلوا بأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق، فلما كان عمر ﵁ قال لبلال: إن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحيزه عن الناس، إنما أقطعك لتعمر، فخذ ما قدرت على عمارته، ورُدَّ الباقي (١). والقول الثاني: أن المقطع يملك بمجرد الإقطاع، فله التصرف بالبيع ونحوه، وهذا قول مالك (٢)، واختيار الشيخ عبد العزيز بن باز. قال الشيخ عبد الله البسام: (وبهذا القول أفتت الهيئة القضائية في الديار السعودية) (٣). وحتى على هذا القول فإن لولي الأمر أن يأخذ ما عجز عن إحيائه؛ لأن في ذلك مصلحة للمسلمين، كما فعل عمر ﵁، والله تعالى أعلم.

стр. 2763

اشتراك الناس في الماء والكلأ والنار ٩٢٦/ ١٠ - عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵁ قَال: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثةٍ: فِي الْكَلأ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثُقَات. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٣٨/ ١٧٤)، وأَبو داود في كتاب "البيوع"، بابٌ "في منع الماء" (٣٤٧٧) من طريق حَرِيز بن عثمان، عن أبي خِدَاش (١)، عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ، قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: "المسلمون شركاء في ثلاث … " الحديث، وهذا لفظ أبي داود، وعند أحمد: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار". والحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات، حريز بن عثمان: هو الرحبي الحمصي، وأَبو خداش: هو حِبَّان بن زيد الشرعبي، وهو ثقة، من شيوخ حريز بن عثمان، قال أَبو داود (شيوخ حريز كلهم ثقات) (٢). قال الألباني: (السند صحيح، ولا يضره أن صحابيه لم يسمَّ؛ لأن الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة، لا سيما وفي رواية بعضهم أنَّه من المهاجرين) (٣).

стр. 2764

والحديث له شواهد، منها حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار" (١). وله شواهد أخرى كلها ضعيفة (٢)، وقد ورد أحاديث في الماء بخصوصه بالنهي عن بيعه، ومنها حديث جابر ﷺ ، قال: نهى النبي ﷺ عن بيع فضل الماء (٣). وتقدم شرحه في أول "البيوع". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (غزوت مع النبي ﷺ ) لفظ أبي داود: (غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا … ) أي: ثلاث غزوات، فيبدو أن كلمة (ثلاثًا) سقطت من "البلوغ". قوله: (الناس شركاء) هذا وهم من الحافظ، فإن الحديث عند أحمد وأبي داود بلفظ: "المسلمون"، وإنَّما وقع بلفظ: "الناس" عند أبي عبيد وحده، من طريق يزيد بن هارون (٤)، وهو بهذا اللفظ شاذ، لمخالفته للفظ الجماعة، فهو المحفوظ؛ لأن مخرج الحديث واحد، ورواية الجماعة أصح (٥). وقد أورده الحافظ في "التلخيص" بلفظ: "المسلمون" بعد أن عزاه لأحمد وأبي داود (٦). قوله: (في ثلاث) هذا لفظ أبي داود، وفي بعض نسخ "البلوغ": "في ثلاثة". قوله: (في الكلأ) بدل من (ثلاث) بإعادة الجار، والكلأ: بالفتح والهمز، هو العشب رطبًا كان أم يابسًا، بخلاف الحشيش فهو مختص باليابس، والمراد هنا: ما ينبت في الأرض الموات، ولا يختص به أحد. قوله: (والماء) أي: ماء السماء والعيون والأنهار التي لا مالك لها.

стр. 2765

قوله: (والنار) أي: الحطب الذي يحتطبه الناس من الشجر المباح فيوقدونه، وكذا الحجارة التي توري النار ويقدح بها. وقيل: إن اللفظ على ظاهره، والمراد بالاشتراك في النار ألا يمنع الاستصباح منها والاستضاءة بضوئها إذا كان ذلك لا يضره. • الوجه الثالث: الحديث دليل على عدم اختصاص أحد من المسلمين بأحد هذه الأشياء الثلاثة، وإنَّما هي مشتركة بين عامة الناس ينتفعون بها ويستفيدون منها، وهي: ١ - الكلأ المباح الذي ينبت في الأرض الموات أو في الجبال التي لم يحرزها أحد، فلا يمنع أحد من ذلك. أما ما ينبت في أرض مملوكة فهو موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: ليس له أن يمنع الناس عنه لعموم الحديث، وله أن يمنعهم من دخول أرضه؛ لأنها ملكه إذا كانوا يجدون الكلأ في غيرها، فإن لم يجدوا في كيرها وهم في حاجة إليه رخص لهم في دخول الأرض أو قطعه وأعطاهم إياه. وقال آخرون: إنه يكون ملكًا لصاحب الأرض، ويجوز له بيعه ومنع الناس منه؛ لأنه تابع للأرض، وحملوا حديث الباب على الأرض غير المملوكة. والقول الثالث: أنَّه إن نبت بنفسه فليس ملكًا له، وإن استنبته بأن حرث الأرض بحيث تكون قابلة للنبات إذا نزل المطر فهو له، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (١). ٢ - ماء السماء الذي يجتمع من الأمطار في غدير ونحوه، وكذا ماء العيون والأنهار العامة، فليس أحد أحق بها من أحد إلَّا لقرب أرضه فيكون أولى بها من غيره سقيًا وشربًا. ٣ - المصادر العامة للوقود من الشجر والحطب، أو النار ذاتها، فيجب

стр. 2766

بذل الوقود للمحتاج، وكذا جذوة النار كالقبس - وهو الشعلة من النار -أو الاستدفاء بها. أما ما كان من هذه الأشياء الثلاثة مملوكًا ملكًا فرديًّا ومحرزًا فإنه يكون لصاحبه، كما لو أحرز ماء في قربة أو في إناء أو نحو ذلك من الوسائل الحديثة، فإنه يكون ملكًا لمن أحرزه بالإجماع (١). لكن لا يحق له بحال أن يمنع فضله المحتاج إليه، بل يجب أن يواسي به المحتاج من فقير أو ابن سبيل دون أن يأخذ منه مقابلًا أو عوضًا. وقد ورد في حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق، فمنعه من ابن السبيل. . . " حديث (٢). فهذا الحديث يدل على جواز ملكية بعض هذه الأشياء الثلاثة وهو الماء لقوله: "رجل كان له فضل ماء"، قال ابن بطَّال: "فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ صاحب البئر حاجته لم يجز له منع ابن السبيل" (٣). ومثل ذلك الحطب فما دام في منابته فالناس فيه شركاء، لكن من احتطب شيئًا منه وحازه في سيارة ونحوها فقد ملكه، وله بيعه والتصرف فيه، والله تعالى أعلم. انتهى الجزء السادس ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء السابع، وأوله: "باب الوقف"

стр. 2767

باب الوقف الوقف لغة: الحبس والمنع، وهو مصدر وَقَفَ الشيء يَقِفُهُ وقفًا: إذا جعله على جهة معينة لا يُنْتَفَعُ به غيرها، ووَقَفَ، وحَبَّسَ، وأحبس، وسبَّل كلها بمعنى واحد. أما أوقف فهي لغة رديئة، ويقال للموقوف: وقف، من باب التسمية بالمصدر (١). واصطلاحًا: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة. والتحبيس: مصدر حبَّس الشيء؛ أي: جعله محبوسًا لا يباع ولا يوهب … ، وهو اسم جنس يشمل كل حبس كالوقف والرهن والحجر. و (الأصل) أي: العين الموقوفة، وهو كل ما يُنْتَفَعُ به مع بقاء عينه؛ كالعقار والحيوان والأثاث والكتب، ونحو ذلك، أما ما لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بذهاب عينه وتلفه فلا يصح وقفه بهذا المعنى، كطعام لأَكْلٍ، أو ماءٍ لشرب، ونحوهما، بل هو صدقة، وليس له موضوع الوقف ولا حكمه (٢). و (تسبيل المنفعة) أي: منفعة العين الموقوفة، وهي ثمرتها وفائدتها، وذلك بإطلاق فوائد العين الموقوفة وريعها للجهة التي حُدِّد صرفها فيها. والمراد بـ (تسبيل المنفعة) أن يكون على بِرٍّ أو قربة؛ لأن التسبيل يقتضي إخراج الأحباس الأخرى كالرهن؛ لأنها غير مسئلة، قال أهل اللغة: سَبَّل الشيء: أباحه وجعله في سبيل الله (٣). والمقصود من الوقف التقرب إلى الله تعالى، ونفع البلاد والعباد؛

стр. 2768

كالمساجد وكتب العلم وإنشاء المستشفيات في البلاد المحتاجة، وتسبيل مياه الشرب بحفر الآبار ووضع البرادات، وتسبيل أجهزة تبريد الهواء، ودور الرعاية، وجمعيات تحفيظ القرآن، وغير ذلك من جهات البر التي يعينها الواقف، ويدخل في ذلك الوقف على القرابة كولده وأقاربه، ونحو ذلك. وقد ثبتت مشروعية الوقف بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، والوقف داخل في الإنفاق، ويدل لذلك قصة أبي طلحة ﵁ لما نزلت هذه الآية فإنه قال: (يا رسول الله؛ إن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو بِرَّهَا وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله … الحديث) (١). فقد فهم أَبو طلحة ﵁ العموم من هذه الآية، وأقره النبي ﷺ على ذلك، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: "بابٌ "إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة"). وأما السنة فقد ورد عدة أحاديث، منها أحاديث الباب. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على مشروعية الوقف في الجملة، وقد نقل القرطبي إجماع الصحابة ﵃ على جواز الوقف، فقال: (إن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزُّبَير وجابرًا ﵃ كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة) (٢). وقال ابن حزم: (جملة صدقات الصحابة بالمدينة أشهر من الشمس، لا يجهلها أحد) (٣). وثبت أن عثمان ﵁ سبَّل بئر رومة، وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين (٤). والوقف من أفضل الصدقات التي حث الله عليها ووعد بالثواب

стр. 2769

الجزيل؛ لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه البر والخير، والوقف إحسان إلى الموقوف عليه، إما لحاجتهم كالفقراء والأيتام والأرامل، أو لصلتهم كذوي الأرحام والقرابة، أو للحاجة إليهم كالمجاهدين والمعلمين والمتعلمين، ونحوهم، وفيه إحسان للواقف حيث يجري عليه ثواب وقفه بعد انقطاع أعماله ورحيله عن هذه الدار، ولهذا انفرد أهل الإسلام بالوقف واختصوا به.

стр. 2770

ما يدوم من عمل الإنسان بعد موته ٩٢٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا مَاتَ الانْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيةٍ، أَوْ عِلْمِ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِم. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الوصية"، باب (ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته) (١٦٣١) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبإيه، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلَّا من ثلاثة: إلَّا من صدقة جارية … " الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (انقطع عنه عمله) لزوال التكليف بالموت، ولخروجه من عالمه إلى عالم البرزخ، وهو ليس موضع عمل، وإذا انقطع العمل انقطع الثواب المرتب عليه. قوله: (إلَّا من ثلاث) أي: ثلاث خصال، ولفظ مسلم: "إلَّا من ثلاثة" أي: ثلاثة أشياء، والمراد أن ثواب الثلاثة يدوم للإنسان بعد موته، وذلك لدوام أثره، فدام ثوابه. قوله: (صدقةٍ جارية) بالجر بدل من ثلاث، والصدقة الجارية: هي المتصلة المستمر نفعها؛ كوقف العقارات أو الكتب أو المصاحف، ونحو ذلك.
следующие страницы →