بذل الوقود للمحتاج، وكذا جذوة النار كالقبس - وهو الشعلة من النار -أو الاستدفاء بها.
أما ما كان من هذه الأشياء الثلاثة مملوكًا ملكًا فرديًّا ومحرزًا فإنه يكون لصاحبه، كما لو أحرز ماء في قربة أو في إناء أو نحو ذلك من الوسائل الحديثة، فإنه يكون ملكًا لمن أحرزه بالإجماع (١). لكن لا يحق له بحال أن يمنع فضله المحتاج إليه، بل يجب أن يواسي به المحتاج من فقير أو ابن سبيل دون أن يأخذ منه مقابلًا أو عوضًا.
وقد ورد في حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق، فمنعه من ابن السبيل. . . " حديث (٢).
فهذا الحديث يدل على جواز ملكية بعض هذه الأشياء الثلاثة وهو الماء لقوله: "رجل كان له فضل ماء"، قال ابن بطَّال: "فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ صاحب البئر حاجته لم يجز له منع ابن السبيل" (٣).
ومثل ذلك الحطب فما دام في منابته فالناس فيه شركاء، لكن من احتطب شيئًا منه وحازه في سيارة ونحوها فقد ملكه، وله بيعه والتصرف فيه، والله تعالى أعلم.
انتهى الجزء السادس ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء السابع، وأوله: "باب الوقف"
стр. 2767
باب الوقف
الوقف لغة: الحبس والمنع، وهو مصدر وَقَفَ الشيء يَقِفُهُ وقفًا: إذا جعله على جهة معينة لا يُنْتَفَعُ به غيرها، ووَقَفَ، وحَبَّسَ، وأحبس، وسبَّل كلها بمعنى واحد. أما أوقف فهي لغة رديئة، ويقال للموقوف: وقف، من باب التسمية بالمصدر (١).
واصطلاحًا: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة.
والتحبيس: مصدر حبَّس الشيء؛ أي: جعله محبوسًا لا يباع ولا يوهب … ، وهو اسم جنس يشمل كل حبس كالوقف والرهن والحجر.
و (الأصل) أي: العين الموقوفة، وهو كل ما يُنْتَفَعُ به مع بقاء عينه؛ كالعقار والحيوان والأثاث والكتب، ونحو ذلك، أما ما لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بذهاب عينه وتلفه فلا يصح وقفه بهذا المعنى، كطعام لأَكْلٍ، أو ماءٍ لشرب، ونحوهما، بل هو صدقة، وليس له موضوع الوقف ولا حكمه (٢).
و (تسبيل المنفعة) أي: منفعة العين الموقوفة، وهي ثمرتها وفائدتها، وذلك بإطلاق فوائد العين الموقوفة وريعها للجهة التي حُدِّد صرفها فيها.
والمراد بـ (تسبيل المنفعة) أن يكون على بِرٍّ أو قربة؛ لأن التسبيل يقتضي إخراج الأحباس الأخرى كالرهن؛ لأنها غير مسئلة، قال أهل اللغة: سَبَّل الشيء: أباحه وجعله في سبيل الله (٣).
والمقصود من الوقف التقرب إلى الله تعالى، ونفع البلاد والعباد؛
стр. 2768
كالمساجد وكتب العلم وإنشاء المستشفيات في البلاد المحتاجة، وتسبيل مياه الشرب بحفر الآبار ووضع البرادات، وتسبيل أجهزة تبريد الهواء، ودور الرعاية، وجمعيات تحفيظ القرآن، وغير ذلك من جهات البر التي يعينها الواقف، ويدخل في ذلك الوقف على القرابة كولده وأقاربه، ونحو ذلك.
وقد ثبتت مشروعية الوقف بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، والوقف داخل في الإنفاق، ويدل لذلك قصة أبي طلحة ﵁ لما نزلت هذه الآية فإنه قال: (يا رسول الله؛ إن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو بِرَّهَا وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله … الحديث) (١). فقد فهم أَبو طلحة ﵁ العموم من هذه الآية، وأقره النبي ﷺ على ذلك، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: "بابٌ "إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة").
وأما السنة فقد ورد عدة أحاديث، منها أحاديث الباب. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على مشروعية الوقف في الجملة، وقد نقل القرطبي إجماع الصحابة ﵃ على جواز الوقف، فقال: (إن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزُّبَير وجابرًا ﵃ كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة) (٢). وقال ابن حزم: (جملة صدقات الصحابة بالمدينة أشهر من الشمس، لا يجهلها أحد) (٣). وثبت أن عثمان ﵁ سبَّل بئر رومة، وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين (٤).
والوقف من أفضل الصدقات التي حث الله عليها ووعد بالثواب
стр. 2769
الجزيل؛ لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه البر والخير، والوقف إحسان إلى الموقوف عليه، إما لحاجتهم كالفقراء والأيتام والأرامل، أو لصلتهم كذوي الأرحام والقرابة، أو للحاجة إليهم كالمجاهدين والمعلمين والمتعلمين، ونحوهم، وفيه إحسان للواقف حيث يجري عليه ثواب وقفه بعد انقطاع أعماله ورحيله عن هذه الدار، ولهذا انفرد أهل الإسلام بالوقف واختصوا به.
стр. 2770
ما يدوم من عمل الإنسان بعد موته
٩٢٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا مَاتَ الانْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيةٍ، أَوْ عِلْمِ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِم.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "الوصية"، باب (ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته) (١٦٣١) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبإيه، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلَّا من ثلاثة: إلَّا من صدقة جارية … " الحديث.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (انقطع عنه عمله) لزوال التكليف بالموت، ولخروجه من عالمه إلى عالم البرزخ، وهو ليس موضع عمل، وإذا انقطع العمل انقطع الثواب المرتب عليه.
قوله: (إلَّا من ثلاث) أي: ثلاث خصال، ولفظ مسلم: "إلَّا من ثلاثة" أي: ثلاثة أشياء، والمراد أن ثواب الثلاثة يدوم للإنسان بعد موته، وذلك لدوام أثره، فدام ثوابه.
قوله: (صدقةٍ جارية) بالجر بدل من ثلاث، والصدقة الجارية: هي المتصلة المستمر نفعها؛ كوقف العقارات أو الكتب أو المصاحف، ونحو ذلك.
стр. 2771
وهذا القدر هو غرض المصنف من إيراد الحديث في باب "الوقف"؛ لأن العلماء فسروا الصدقة الجارية بالوقف.
قوله: (أو علم يُنْتَفَعُ به) هذا قيد يخرج به ما لا يُنْتَفَعُ فيه من العلم؛ كعلم النجوم من حيث أحكام السعادة وضدها، أو من ألف علمًا مفسدًا للدين وللأخلاق.
والمراد بالعلم الذي يُنْتَفَعُ به: العلم الذي علمه الطلبة المستعدين للعلم، والعلم الذي نشره بين الناس عن طريق المحاضرات والمواعظ والفتاوى، والكتب التي ألَّفها في نفع المسلمين، وهي أعظم أثرًا لطول بقائها على مر الزمان.
قوله: (أو ولد صالح يدعو له) الظاهر أن المراد بالصلاح: الاستقامة، وفسَّره ابن علان: بالإسلام (١).
والحديث يشمل ولد الصلب، وولد الابن وولد البنت، وهو شامل للذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ [النساء: ١١] ووصفه بالصلاح ليكون دعاؤه مجابًا، فينتفع والده بدعائه، وحذف مفعول (يدعو) للتعميم؛ أي: يدعو له بالمغفرة، أو بما هو أعم منها، وفائدة تقييده بالولد مع أن دعاء غيره ينفعه: تحريض الولد على الدعاء.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الإنسان ينقطع عنه أجر عمله بعد وفاته؛ لأن الله تعالى جعل الدنيا دار تزود وعمل، يتزود منها العباد من الخير أو الشر للدار الأخرى، وهي دار الجزاء والحساب، فمن مات انقطع عنه عمله، إلَّا من هذه الأشياء الثلاثة، فإنها تبقى ويجري ثوابها بعد الموت، وعن أبي قَتَادة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ما يَخْلُفُ الرجلَ من بعده ثلاثٌ: ولد صالح يدعو له، وصدقة بِرٍّ يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من
стр. 2772
بعده، (١). وذلك لأن هذه الأشياء من كسب الإنسان، وهي من آثار عمله، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢] وقد ذكر المفسرون أن المراد بقوله: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ ما باشروه من الأعمال الحسنة أو السيئة قبل مماتهم. وقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ أي: ما بقي بعدهم في الدنيا من آثارهم الطيبة؛ كالعلم النافع والصدقة الجارية والسنن الحسنة، أو الآثار السيئة كالعلم المفسد للدين والخلق، والسنن السيئة، والمظالم التي تستمر بعد موتهم، فإن هذه من آثارهم التي أحصيت عليهم، وهي مدونة في كتاب مقتدى به موضّح لكل شيء، وهو اللوح المحفوظ (٢).
وقيل: إن المراد بقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، كما ورد ما يدل على ذلك من السنة.
وقد ذكر ابن كثير أنه لا منافاة بين القولين، وأن القول الثاني فيه تنبيه على القول الأول بطريق الأولى؛ لأنه إذا كانت خطاهم إلى الطاعة أو المعصية تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر من باب أولى، والله أعلم (٣).
• الوجه الرابع: ورد في حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علَّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته" (٤).
стр. 2773
وقد ذكر ابن علان أن ما في هذا الحديث يزاد على ما في حديث الباب؛ لأن مفهوم العدد غير حجة، أو يقال: إن الرسول ﷺ اطلع أولًا على ما في حديث مسلم، ثم أطلعه الله تعالى على الزائد فأخبر به (١).
والظاهر أن ما جاء في هذا الحديث إنما هو تفسير لحديث الباب؛ لأن ما ذكر فيه من أنواع الصدقة الجارية، والله أعلم.
• الوجه الخامس: الحديث دليل على صحة الوقف وعظيم ثوابه عند الله تعالى، حيث إنه يبقى نفعه ويدوم ثوابه؟ كوقف العقارات التي ينتفع بها، أو الكتب والمصاحف التي يستفاد منها وينتفع بها، فما دامت باقية ينتفع بها فأجرها جارٍ للعبد.
• الوجه السادس: الحديث دليل على فضل العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتأليف والإيضاح، وأن الأجر يجري عليه ما دام الانتفاع بعلمه، وكم من علماء هداة ماتوا من مئات السنين ولا زالت كتبهم ينتفع بها، وتلاميذهم قد تسلسل خيرهم، وهذا من فضل الله تعالى. وينبغي لطالب العلم أن يختار العلوم النافعة، مقدمًا الأنفع فالأنفع وما يُحتاج إليه.
• الوجه السابع: الحديث فيه حث للولد على الدعاء لأبيه وأمه بالمغفرة والرحمة، ورفع الدرجات، ولا فرق في ذلك بين ولد صلبه أو ولد ولده من ذكر أو أنثى.
• الوجه الثامن: الحديث دليل على أن الوالد ينتفع بصلاح ولده واستقامته؛ لأن من كان صالحًا لن يغفل في الغالب عن الدعاء لوالديه، وهو قَمِنٌ أن يستجاب دعاؤه، وهذا يدل على فضل الاستقامة وأثر صلاح الذرية، وأن الولد يحرص على سلوك طريقها لنفع نفسه ونفع والديه.
стр. 2774
• الوجه التاسع: الحديث لا يدل على أن الميت لا ينتفع إلا بهذه الثلاثة، فإنه ينتفع بدعاء أقربائه بل بدعاء المسلمين عمومًا، وكذا ما يعمل عنه من البِرّ، وإنما ذكرت الثلاثة لأنها من عمله وأثره لا سيما الولد، وغير الثلاثة ليست من عمله، فإن دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع، وإن دعا له غيره لم يكن ذلك من عمله لكنه ينتفع به، ومن ذلك الصلاة على الميت فإنها دعاء له، والله تعالى أعلم.
стр. 2775
حكم الشروط في الوقف
٩٢٨/ ٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: أَصَابَ عُمَرُ ﵁ أَرْضًا بِخَيبَرَ، فَأَتى النَّبِي ﷺ يستأمره فيها فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، قَال: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، قَال: فتصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ غَيرَ أنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولا يُورثُ، ولَا يُوهَبُ، قال: فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَفي الْقُرْبَى، وَفي الرِّقَابِ، وَفي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَهَا أَنْ يَأكلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: تَصَدَّقْ بِأصْلِهِ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه" مطولًا ومختصرًا، وأولها في كتاب "الوكالة" (٢٣١٣)، ثم في "الشروط في الوقف" (٢٧٣٧)، ومسلم (١٦٣٢) من طريق ابن عون، قال: أنبأني نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: أصاب عمر ﵁ أرضًا بخيبر … الحديث. وليس بين لفظ البخاري ولفظ مسلم كبير فرق.
وأخرجه البخاري في كتاب "الوصايا"، باب (وما للوصي أن يعمل في
стр. 2776
مال اليتيم، وما يأكل منه بقدر عُمالته) (٢٧٦٤) من طريق صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، وفيه: فقال النبي ﷺ : "تصدقْ بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره … ".
ولعل الحافظ ذكر هذه الرواية لأنها تدل على أن الشروط من كلام النبي ﷺ ، ولا منافا؛ لأنه يمكن الجمع بأن عمر شرط ذلك بعد أن أمره النبي ﷺ به، فمن الرواة من رفعه إلى النبي ﷺ ، ومنهم من وقف ذلك على عمر ﵁ لوقوعه منه امتثالًا للأمر الواقع منه ﷺ .
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أصاب أرضًا بخيبر) أي: صادف في نصيبه من الغنيمة، وقد جاء عند النسائي من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: قال عمر للنبي ﷺ : (إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إلي منها) (١). وفي رواية: (إني أصبت مالًا لم أصب مثله قط، كان لي مائة رأس، فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها .. ) (٢).
وهذه الأرض اسمها: (ثَمْغٌ) بفتح الثاء المثلثة، وسكون الميم. كما ورد في رواية البخاري المذكورة بلفظ: (أن عمر تصدق بمالٍ له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له: (ثَمْغ) وكان نخلًا … ). وعند النسائي: (سألت رسول الله ﷺ عن أرض لي بثمغ، قال: "احبس أصلها، وسبّل ثمرتها").
قوله: (يستأمره فيها) أي: يستشيره بالتصدق فيها.
قوله: (قط) ظرف لما مضى من الزمان مبني على الضم؛ أي: قبل هذا الزمن أبدًا.
قوله: (هو أنفس عندي منه) أي: أعز وأجود، والنفيس: هو الجيد المغتبط به، يقال: نَفُسَ الشيء نفاسة، فهو نفيس، والضمير في (منه) يعود إلى قوله: (أرضًا) ولعل تذكيره باعتبار تأويله بالمال، وقد جاء عند البخاري:
стр. 2777
(فما تأمر به)، وعند مسلم: (فما تأمرني به؟) أي: فما الذي تأمرني به أن أفعل من أبواب البر والتقرب إلى الله تعالى.
قوله: (إن شئت حبست أصلها) بتشديد الباء الموحدة، ويُخفف؛ أي: وقفت أصلها، والحبس في اللغة: المنع، وحبسته بمعنى: وقفته، فهو حبيس، والتشديد للمبالغة، قال الأزهري: (حَبَّسْتُ الأرض: أكثر استعمالًا من وَقَفْتُهَا) (١).
قوله: (وتصدقت بها) هذا على حذف مضاف؛ أي: بريعها وغلتها ومنفعتها من حبوب وثمار وغيرها. وفي رواية النسائي المذكورة "احبس أصلها وسَبِّل ثمرتها". وقيل: إن الصدقة راجعة إلى الأصل المُحَبَّسِ، فيكون هذا من ألفاظ الوقف غير الصريح، والأول أقرب، وبه جزم القرطبي بدليل السياق مع رواية النسائي، ولأنه على المعنى الأول يكون تأسيسًا وبيانًا لحكم الغلة، وعلى الثاني يكون تأكيدًا، والتأسيس خير من التأكيد (٢).
قوله: (غير أنه لا يباع أصلها) هذا ضمير الشأن؛ أي: والحال والشأن أنه لا يباع أصلها. وظاهر هذا السياق أن الشروط من كلام عمر ﵁، والرواية المذكورة تدل على أن الشروط من كلام النبي ﷺ ، وتقدم وجه الجمع.
قوله: (فتصدق بها في الفقراء) هكذا لفظ "البلوغ" وفي مسلم (فتصدق عمر … ) والفقراء: جمع فقير، وهو من لا يقدر على نصف كفايته وكفاية عائلته لا بماله ولا بكسبه. والمسكين: من يقدر على نصف كفايته دون كمالها، وهما من الأسماء التي قال العلماء فيها: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فذكر الفقراء هنا يدخل فيه المساكين.
قوله: (وفي القربى) أي: الأقارب، والمراد قرابة الواقف وهو عمر ﵁؛ لأنهم أحق بصدقة قريبهم، وهو على حذف مضاف؛ أي: وفي
стр. 2778
ذي القربى؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وعند البخاري: (ولذي القربى).
قوله: (وفي الرقاب) جمع رقبة، وهي العنق، والمراد هنا: فك الإنسان من الرق أو الأسر، والمعنى: أن يُشترى من غلة الوقف رقابًا فَتُعْتَقَ، أو تؤدى ديون المكاتبين ليعتقوا.
قوله: (وفي سبيل الله) أي: الجهاد، وهو أعم من الغزاة، فيشمل شراء الأسلحة وأدوات الحرب وغير ذلك، ويحتمل أنه أراد بسبيل الله: كل ما أعان على إعلاء كلمة الله تعالى ونشرها، ونفع المسلمين، من الدعوة إلى الله تعالى بالقلم، واللسان، والسنان، وبناء المساجد والمدارس، وطبع الكتب وبناء المستشفيات، ورعاية الأيتام والمعوقين والأرامل، وغير ذلك من المرافق العامة والخاصة.
قوله: (وابن السبيل) السبيل: الطريق، والمراد بابن السبيل: المسافر الذي انقطع به السفر، سمي بذلك للزومه الطريق.
قوله: (والضيف) هو من نزل بقوم يريد القرى، وهو للمفرد والجمع، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ [الذاريات: ٢٤]. وربما جمع على أضياف وضيوف وضيفان. وهؤلاء المذكورون هم الذين ورد ذكرهم في آية الزكاة، عدا ذوي القربى والضيف.
قوله: (لا جناح) أي: لا حرج ولا إثم، من قولهم: (جنحت السفينة) أي: مالت إلى أحد جانبيها، وسمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق: جناحًا، ثم سمي كل إثم جناحًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] في غير موضع. قاله الراغب (١).
قوله: (على من وليها) أي: قام بحقها وإصلاحها وتحصيل ريعها وصرفه في جهاته، والمراد بذلك ناظر الوقف.
стр. 2779
قوله: (أن يأكل منها) أي: يأخذ منها ما يحتاج إليه من طعام وكسوة ومركب، ونحو ذلك، فالمراد بالأكل: مطلق الأخذ.
قوله: (بالمعروف) هذا قيد لما قبله، والمراد به: ما جرى به العرف وأقره الشرع.
قوله: (أو يطعم صديقًا) هذا لفظ مسلم، وعند البخاري: (أو يُوكِلَ صديقه) والمراد: صديق ناظر الوقف والقائم عليه، لقوله: (صديقه) بالإضافة إلى ضمير من وليها، ويحتمل: صديق الواقف، لكن فيه بعد، كما قال القرطبي (١).
قوله: (غير مُتَمَوِّلٍ مالًا) غير بالنصب: حال من فاعل (وليها) والتمول: بفتح التاء والميم وتشديد الواو مضمومة: اتخاذ المال أكثر من حاجته، ومراد عمر ﵁ أن الناظر على وقفه لا يتملك منه شيئًا.
ولفظ "الصحيحين": (غير متمول فيه)، وفي رواية لهما: (غير متأثل مالًا) أي: متخذ أصل مال وجامعه، يقال: تأثلت المال: اتخذته أصلًا، وأثلة كل شيء: أصله. وأما لفظة: (غير متمول مالًا) فقد جاءت عند البخاري من طريق أيوب، عن نافع (٢). وليست في السياق المذكور.
• الوجه الثالث: هذا الحديث أصل عظيم في باب الوقف حيث دل على مشروعيته، واشتمل على أحكام كثيرة وفوائد غزيرة تتعلق بالوقف، ولهذا ترجم له البخاري في "صحيحه" عدة تراجم.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل الوقف وأنه من الصدقات الجارية والإحسان المستمر؛ لأن عمر ﵁ استشار النبي ﷺ في ذلك لثقته بكمال نصحه، فأشار عليه بأحسن طرق الصدقات وهو الوقف.
• الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ينبغي أن يكون الوقف من أطيب المال وأحسنه طمعًا في ثواب الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى
стр. 2780
تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وحديث أبي طلحة في بيرحاء شهير في ذلك، وتقدمت الإشارة إليه.
• الوجه السادس: الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يستشير غيره من ذوي الفضل، وهم أهل الدين والعلم ولو في أمور القرب والطاعة (١)، وأن يأخذ برأيهم ويأتمر بأمرهم، ولا يعد هذا من إظهار العمل للرياء والسمعة؛ لما يترتب على المشاورة من المصالح العظيمة، ولا ينبغي للإنسان أن يستبدَّ مهما كان عليه من العلم والعقل، قال تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
• الوجه السابع: أن الواجب على المستشار أن ينصح بما يراه الأفضل فالدين النصيحة، ويستفاد من ذلك أن على العلماء والقضاة وكُتّاب العدل ممن يتولون كتابات وثائق الناس وأوقافهم ووصاياهم أن يبينوا لهم ما يوافق الشرع وما يخالفه، ويشيروا عليهم بما فيه المصلحة.
• الوجه الثامن: في الحديث دليل على تفسير الوقف وبيان حقيقته، حيث قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها"، وهذا أحسن تعريف للوقف، فإنه تعريف جامع مانع، يؤدي المعنى المراد بأوضح عبارة، وتقدم شرحه أول الباب.
• الوجه التاسع: الحديث دليل على أن لفظ (التحبيس) صريح في الوقف، فلا يحتاج إلى أمر زائد من نية أو قرينة أو فعل، ومثله: وقَفْتُ، وسَبَّلتُ، أما لفظ: تصدقت فهو كناية تحتاج إلى ما يدل على الوقف، كأن يقول: هذا البيت أو هذه الدكاكين صدقة موقوفة أو محبَّسة أو مسبلة، أو صدقة لا تباع ولا تورث، ونحو ذلك.
• الوجه العاشر: أن الوقف خاص بالعين التي تبقى مع الانتفاع بها كالدور والمساجد والمكتبات، ونحو ذلك، أما ما يذهب بالانتفاع به كالطعام فهو صدقة، كما تقدم.
стр. 2781
• الوجه الحادي عشر: الحديث دليل على أنه لا يجوز التصرف في الوقف ببيع ولا إرث ولا هبة، بل يظل باقيًا لازمًا يعمل به حسب شروط الواقف الموافقة للشرع.
• الوجه الثاني عشر: الحديث دليل على أن للواقف أن يشترط في وقفه شروطًا عادلة جائزة شرعًا، وهي شروط صحيحة معتد بها، وأنه لا مانع من أن يحدد المصارف التي يريد صرف ريع الوقف إليها إذا كانت موافقة للشرع.
• الوجه الثالث عشر: الحديث دليل على وجوب العمل بشرط الواقف ما لم يخالف الشرع؛ لأن عمر ﵁ شرط في وقفه شروطًا، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطها فائدة، ولأن الوقف متلقى من جهة الواقف، وهو لم يرض بإخراج الموقوف عن ملكه إلا بهذا الشرط، فيتبع فيه شرطه، ويرجع في مصارف الوقف وشروطه إلى شرط الواقف حيث وافق الشرع، فإذا عين في وقفه عمارة المساجد أو طبع الكتب أو إعانة المجاهدين أو طلبة العلم، أو قال: على أولادي ثم أولادهم، أو قال: الناظر فلان فإن مات ففلان، عمل بذلك، ولهذا قال بعض الفقهاء: نص الواقف كنص الشارع؛ أي: في الفهم والدلالة على المراد من تخصيص عامها بخاصها، وحمل مطلقها على مقيدها، وأما جعلها كنص الشارع في وجوب العمل فهذا غير مراد قطعًا.
ثم إن لفظ الواقف ينبغي أن يحمل على عادته في خطابه، ولغته التي يتكلم بها، سواء وافق لغة العرب أو لغة الشرع أو لا، وهذا أمر ينبغي التنبه له، ويستفاد منه في حلِّ إشكالات كثيرة.
• الوجه الرابع عشر: أن المصرف الشرعي للوقف هم الفقراء ومن ذكر معهم من وجوه البر والإحسان العام أو الخاص، وأول من يدخل في ذلك قرابة الواقف، فإنهم أحق من الأجانب مع التساوي في الحاجة، ولا فرق بين ذَكَرهم وأنثاهم، على ما هو مبيَّن في كتب الفقه.
• الوجه الخامس عشر: فضيلة صلة الرحم وغيرهم من المحتاجين
стр. 2782
والوقف عليهم، وهم أولى ببر الواقف وإحسانه من غيرهم ولا سيما مع فقرهم؛ لأن لهم حق القرابة وحق الحاجة، وعلى الناظر أن يهتم بهم، ويقدم الأقرب فالأقرب مع الاستواء في الحاجة، وإلا فيقدم المحتاج على غيره.
• الوجه السادس عشر: الحديث دليل على جواز أكل ناظر الوقف من الوقف بالمعروف، فيأكل قدر كفايته، وذلك مقابل عمله وحبسه نفسه على إصلاحه والقيام بصرف ريعه، وعليه أن يحذر المبالغة في الإنفاق أو التعدي على أموال الوقف، لا سيما إذا كانت أموالًا عظيمة كما في زماننا، فإن وقع في شيء من ذلك وصعب عليه الفطام فعليه أن يتقي الله تعالى ويدع الأمر إلى من هو أوثق منه.
• الوجه السابع عشر: الحديث دليل على جواز أكل الأغنياء من مال الوقف كناظر الوقف والضيف، لكن بشرط ألا يتخذ واحد منهما من مال الوقف ملكًا، فإن الضيف ليس له زيادة على ما يأكل، والناظر ليس له زيادة على ما ينفق.
• الوجه الثامن عشر: في الحديث فضيلة ومنقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب ﵁ حيث استشار النبي ﷺ وقَبِلَ ما أشار به عليه، وبادر إلى تنفيذه، وتقرب إلى الله تعالى بأنفس أمواله وأطيبها.
• الوجه التاسع عشر: الحديث دليل على أن الوقف عقد لازم بمجرد القول أو ما يدل عليه، فلا يملك الواقف الرجوع فيه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ووافقهم أبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة. ووجه الاستدلال من وجهين:
الأول: أن النبي ﷺ أمر عمر ﵁ أن يحبس الأصل، والحبس هو المنع، والقول بأن الوقف عقد جائز ينافي التحبيس.
الثاني: أن عمر ﵁ ذكر أحكام وقفه بقوله: "لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث" بل تقدم أن هذا من كلام النبي ﷺ .
стр. 2783
وقال أبو حنيفة وزفر بن الهذيل إن الوقف عقد جائز، فللواقف أن يتصرف فيه كما يشاء، وإذا تصرف اعتبر راجعًا عن الوقف (١)، واستُدل لذلك بحديث ابن عباس ﵁، قال: (لما نزلت سورة النساء وفرض فيها الفرائض، قال رسول الله ﷺ : "لا حَبْسَ عن فرائض الله " (٢) وأجابوا عن حديث الباب بما لا طائل تحته (٣).
والصواب القول الأول، وهو أن الوقف عقد لازم، لقوة دليله، ولأن لزوم الوقف فيه مصلحة للواقف بدوام نفعه واستمرار أثره، بخلاف الرجوع فلا مصلحة فيه، ولأن أوقاف الصحابة ﵃ اتصفت باللزوم، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه رجع عن وقفه، كما تقدم أول الباب.
وأما دليل أبي حنيفة فهو ضعيف لا يجوز الاحتجاج ولا معارضة الأحاديث الصحيحة به، وعلى فرض صحته فإن معناه: لا يُحبس عن وارث شيءٌ جعله الله له (٤)، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية. والوقف عقد لازم بصدوره من الواقف حال حياته وليس للوارث فيه شيء، ومما يدل على بطلانه أن وقف النبي ﷺ ووقف عمر كان بعد خيبر سنة سبع، وآية المواريث نزلت سنة ثلاث بعد أُحد.
• الوجه العشرون: الحديث دليل على أنه يجوز للواقف أن يشترط جزءًا من ريع وقفه وأن يستفيد منه؛ لأن عمر ﵁ شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف ولم يستثن إن كان هو ناظر الوقف أو غيره، فدل على صحة الشرط.
стр. 2784
• الوجه الحادي والعشرون: اختلف العلماء في حكم بيع الوقف على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يجوز بيع الوقف بحال، وهذا قول مالك والشافعي (١)، واستدلوا بعموم هذا الحديث.
الثاني: أنه يجوز بيعه والرجوع فيه، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول ضعيف لا يعول عليه، قال أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به، ورجع عن بيع الوقف (٢).
القول الثالث: أنه لا يجوز بيع الوقف ولا إبداله إلا إذا تعطلت منافعه بالكلية، ولم يمكن الانتفاع به ولا تعميره وإصلاحه؛ كدار انهدمت، أو أرض عادت مواتًا ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، أو ضاق بأهله ولم تمكن توسعته في موضعه، أو مَتْجرٍ قَلَّ العائد منه، ونحو ذلك.
وهذا قول الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) وتلميذه ابن القيم (٤). واستدلوا بما روي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نُقِبَ بيت المال الذي في الكوفة: (أن انقل المسجد الذي بالتمَّارين، واجعل بيت المال في قبلته، فإنه لن يزال في المسجد مصلٍّ) (٥). وكان هذا بمشهد من الصحابة ﵃ ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا.
стр. 2785
كما شبهه الإمام أحمد بالهدي الذي يَعْطَبُ قبل بلوغه مَحِلَّه، فإنه يذبح في الحال وتترك مراعاة المحل، لإفضائها إلى فوات الانتفاع بالكلية.
وهذا أرجح الأقوال في المسألة؛ لأن بقاء العين الموقوفة بلا منفعة لا فائدة للواقف منه، وحرمان له من ثوابه، وإذا كان المقصود من الوقف الانتفاع على الدوام فإن ذلك يتم في عين أخرى.
بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى جواز بيع الوقف إذا كان بيعه أصلح وأنفع، كأن يكون إبداله بغيره أكثر ريعًا وأنفع للموقوف عليهم، وهذا رواية عن الإمام أحمد (١).
وحيث قلنا بجواز بيعه فإن الناظر لا يستقل ببيعه، ولا سيما في الصورة الأخيرة، بل يرفع الأمر إلى قاضي البلد، ليبعث من ينظر في الأمر، ويقرر أن هذا الوقف تعطلت منافعه أو قلَّت، ثم يباع ويصرف ثمنه في غيره مما يكون وقفًا، والله تعالى أعلم.
стр. 2786
حكم وقف المنقول
٩٢٩/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ. الْحَدِيثَ، وَفيهِ: "وَأمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ"، مُتَّفَق عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم تخريجه في كتاب "البيوع"، حيث إن الحافظ ساق طرفًا منه في باب (الوكالة) برقم (٨٨٦) وقد رواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عَمُّ رسول الله ﷺ ، وفيه: وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله … الحديث، وتقدم سياقه بتمامه.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا) أي: تنقصونه حقه حيث تنسبونه إلى البخل بالزكاة، وأظهر اسمه في موضع الإضمار تفخيمًا لشأنه، وهو خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، ابن أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، وهو أحد أشراف قريش في الجاهلية وشجعانهم، شهد معهم الحروب إلى الحديبية، ثم أسلم سنة سبع أو ثمان. وشهد مع رسول الله ﷺ غزوة مؤتة والفتح والطائف، وقاتل أهل الردة وفارس والروم، وفَتَحَ دمشق.
стр. 2787
مات سنة إحدى وعشرين في المدينة، وقيل: في حمص ﵁ (١).
قوله: (احتبس) أي: حبس، وتقدم أن التحبيس من ألفاظ الوقف، فالمعنى: أنه وضع أدراعه وأعتاده حبيسة لا يُتصرف فيها.
قوله: (أدراعه) جمع درع، والدرع: قميص من حلقات من الحديد متشابكة يلبس للوقاية من السلاح، وتقدم ذلك في باب "ضمان العارية".
قوله: (وأعتاده) جمع عَتَد -بفتح العبن- والعتاد: آلات الحرب من سلاح ودواب وغير ذلك.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز وقف المنقولات التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها؛ كالأدراع والأسلحة، ومثل ذلك الأواني والكتب والحيوان والأجهزة الكهربائية ونحوها، وأن الوقف لا يختص بالعقار. قال إبراهيم النخعي: (كانوا يحبسون الفرس والسلاح في سبيل الله) (٢).
• الوجه الرابع: مشروعية الدفاع عن المظلوم، وهو واجب لقوله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٣).
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي بيان حجة الدفاع لتقويته والطمأنينة إليها؛ لأن النبي ﷺ دافع عن خالد بن الوليد لما قيل: إنه منع الزكاة، وذلك لأنه ﵁ قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله تعالى، إما من الزكاة فيكون قد أداها، وإما تطوعًا، والمتطوع بالمال لا يمتنع من الواجب فيه، والله تعالى أعلم.
стр. 2788
باب الهبة
في بعض نسخ "البلوغ" المطبوعة، ونُسخ الشرح: "باب الهبة والعمرى والرقبى"، وفي الأصول المخطوطة الاقتصار على الأول.
والهبة: بكسر الهاء وفتح الباء، أصلها من هبوب الريح؛ أي: مروره، وهي مصدر وهب يَهَبُ هِبَةً، ووَهْبًا، ووَهَبًا -بإسكان الهاء وفتحها- وأصلها: وهْبة، فحذفت الواو من المصدر تبعًا للمضارع والأمر، وعوض عنها تاء التأنيث وجوبًا مثل: وعد يعد عدة، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة.
ومعناها لغة: إيصال النفع إلى الغير بما ينفعه، سواء أكان مالًا أم غير مال.
واصطلاحًا: تمليك في الحياة بلا عوض.
والتمليك: جعل الغير مالكًا للشيء، وهذا يخرج العارية فليس لها أحكام الهبة؛ لأن العارية إباحة العين لا تمليكها؛ لأنه ينتفع بها ويردها.
وقولنا: (في الحياة) فيه بيان وقت الهبة وأنه حال الحياة، وهذا يخرج الوصية؛ لأن الوصية بعد الموت.
وقولنا: (بلا عوض) أي: بلا مقابل، وهذا يخرج البيع؛ لأنه تمليك بعوض معلوم.
وهذا التعريف خاص بالهبة المطلقة، وهي التي قُصِدَ بها التودد، أما هبة الثواب، وهي التي يقصد بها واهبها العوض والمكافأة عليها فستأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر جمهور الفقهاء أن الهبة والهدية والصدقة والعطية ذات معان متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض، واسم العطية شامل لجميعها،
стр. 2789
وكذا الهبة غير أن هناك تغايرًا بين الصدقة والهبة والهدية، فإن كان المقصود ثواب الآخرة فهو صدقة، وإن كان المقصود نفع المتبرع له فهو هبة (١)، ولذا كان النبي ﷺ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة (٢).
والهبة جائزة بالنص والإجماع، لما فيها من المصالح، كما سيأتي -إن شاء الله- إلا إذا اقترن بها محذور شرعي، كما لو جاءت على هيئة رشوة لقاضٍ أو موظف أو معلم، ونحو ذلك، فإنه يحرم دفعها وقبولها، ويجب ردها، ومن القواعد الفقهية المقررة: (ما حَرُمَ على الآخذ أخذه، حَرُمَ على المعطي إعطاؤه) (٣)، ومن ذلك هبة بعض الأولاد دون بعض، كما سيأتي إن شاء الله.
* * *
стр. 2790
النهي عن تفضيل بعض الأولاد في الهبة
٩٣٠/ ١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ أَنَّ أَبَاهُ أتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَال: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هذَا غُلَامًا كانَ لِي، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هذَا؟ "، فَقَال: لَا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَارْجِعْهُ".
وَفي لَفْظٍ: فَانْطَلَقَ أَبِي إِلى النَّبيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتي. فَقَال: "أفَعَلْتَ هذَا بِوَلَدِكَ كلِّهِمْ؟ "، قَال: لَا، قَال: "اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَينَ أَوْلَادِكم"، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَال: "فَاشْهِدْ عَلَى هذَا غَيرِي"، ثُمَّ قَال: "أيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرِّ سوَاءً؟ " قَال: بَلَى، قَال: "فَلَا إِذَنْ".
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الهبة"، باب (الهبة للولد) (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣)(٩) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير، أنهما حدثاه عن النعمان بن بشير، أن أباه … وذكر الحديث.
وأخرجه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣)(١٣) من طريق حصين، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهد على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : "أفعلت هذا بولدك كلهم؟ " … الحديث. واللفظ لمسلم.
стр. 2791
وأخرجه مسلم (١٦٢٣)(١٧) من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، اشهد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: "أكلَّ بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟ " قال: لا. قال: "فاشهد على هذا غيري … لحديث.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن أباه) هو أبو النعمان، بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي ﵁، شهد العقبة، ثم شهد بدرًا وما بعدها، ويقال: إنه أول أنصاري بايع أبا بكر الصديق ﵁ يوم السقيفة، استشهد مع خالد بن الوليد بعين التمر قرب الكوفة في خلافة أبي بكر ﵁ سنة اثنتي عشرة (١).
وأما ولده النعمان فقد تقدمت ترجمته في باب (صلاة الجمعة) عند الحديث (٤٥٨).
قوله: (إني نَحَلْت) بفتح النون والمهملة؟ أي: أعطيت، يقال: نحلته أنْحَلُهُ نُحلًا بالضم: إذا أعطيته، والنِّحْلَةُ: بالكسر هي العطية، وعرَّفها علماء اللغة: بأنها العطية عن طيب نفس من غير عوض، وفرق الراغب بين الهبة والنحلة: بأن النحلة أخص من الهبة، إذ كل هبة نحلة، وليس كل نحلة هبة، ولذا سُمي الصداق نحلة، إذ لا يجب في مقابلته أكثر من التمتع دون عوض مالي، وكذا عطية الرجل ابنه (٢).
قوله: (ابني هذا) هو النعمان، وقد تضافرت الروايات أنه كان صغيرًا، فقد جاء في "الصحيحين" (٣): (فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي ﷺ )، وفي رواية مسلم المذكورة: (انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ )، ويجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعضها؛
стр. 2792
لصغر سنه، أو عبر عن استتباعه إياه بالحمل (١).
قوله: (غلامًا) الغلام تارة يراد به الصبي الصغير الذي هو دون البلوغ، وتارة يراد به الرقيق، وهو المراد هنا، ويطلق -أيضًا- على الأجير والخادم.
قوله: (أكل ولدك نحلته) كلَّ: بالنصب مفعول لفعل محذوف يفسره المذكور، والمعنى: أأعطيت بقية أولادك كما أعطيت هذا؟ وهذا استفهام حقيقي للاستخبار، يطلب به الجواب، فلذا أجاب بشير بقوله: لا.
قوله: (فارجعه) بهمزة الوصل؛ لأنه أمر من الثلاثي (رجع)، والضمير يعود على الغلام، والمعنى: ارتجع الغلام؛ لأنه سيوقع في المحذور من القطيعة والعقوق والبغضاء.
قوله: (ليشهده على صدقتي) المراد بالصدقة: النحلة، وتقدم أنها بمعنى الهبة. وسبب هذا الإشهاد ما جاء في رواية البخاري عن النعمان قال: (سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله)، زاد مسلم من هذا الوجه: (فالتوى بها سنة؛ أي: مَطَلَها، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ … الحديث) (٢). وقد دلت هذه الرواية على أن أم النعمان، وهي عمرة بنت رواحة هي التي طلبت من بشير بعض الموهبة لابنها النعمان، وكان له أولاد من غير عمرة.
قوله: (واعدلوا بين أولادكم) أي: بالتسوية بينهم في العطية والبر والإحسان.
قوله: (فأشهد على هذا غيري) هذا أمر من (أشهد) الرباعي، وهمزته همزة قطع، والظاهر أنه أمر تهديد؛ لأن الرسول ﷺ امتنع من المباشرة لهذه الشهادة معللًا بأنها جور، كما جاء في الروايات الأخرى: "لا تشهدني على جور"، "لا أشهد على جور" وسياق الحديث يدل على ذلك.
стр. 2793
قوله: (فلا إذن) أي: فلا تُفَاضِلْ بينهم في العطية. وقوله: (إذن) أي: إذا أردت أن يكونوا لك في البر سواء؛ لأنك إن فاضلت فلن يكونوا كذلك.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب العدل بين الأولاد في العطية وتحريم التفضيل بينهم؛ لأن الرسول ﷺ أنكر على بشير تصرفه هذا، وسماه جورًا، وأمر برده، وامتنع عن الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب.
وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق، وحكاه ابن حزم عن جمهور السلف، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز (١).
القول الثاني: أن المساواة مستحبة وليست بواجبة، والتفضيل مكروه، وهذا مذهب الجمهور، فيجوز التفضيل، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، قالت: (إن أبا بكر الصديق ﵁ نحلها جادَّ عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بُنية ما منَ الناس أحد أحب إليَّ غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقًا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هو أخوك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله … ) الحديث (٢).
كما استدلوا بحديث النعمان هذا، لقوله: "أشهد على هذا غيري" فإنها تقتضي إباحة إشهاد الغير، ولا يباح الإشهاد إلا على أمر جائز، ويكون امتناع الرسول ﷺ عن الشهادة على وجه التنزه.
وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة عشرة ذكرها الحافظ، وكلها غير ناهضة؛ كقولهم: إن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، فلذلك منعه
стр. 2794
النبي ﷺ ، ولا حجة فيه على منع التفضيل، حكاه ابن عبد البر عن مالك، وَرُدَّ هذا بأن طرق الحديث مصرحة بالبعضية، ومنها رواية مسلم، قال: "تصدق عليَّ أبي ببعض ماله".
ومنها: أن العطية المذكورة غير منجزة، وإنما جاء بشير يستشير النبي ﷺ ، فأشار عليه بألا يفعل، فترك، حكاه الطبري، ورد هذا بأن قوله: "فارجعه" يشعر بالتنجيز (١).
والقول الأول أرجح، لقوة مأخذه، فإن الحديث نص واضح في التحريم، فإنه قال: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تفضيل بعضهم على بعض ذريعة واضحة إلى حصول القطيعة والعقوق من المفضَّل عليهم لأبيهم، كما أنه سبب لعداوتهم لإخوانهم المفضَّلين، وهذا مشاهد عيانًا، وقد روى ابن أبي شيبة، عن إبراهيم النخعي أنه قال: (كانوا يستحبون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القُبَلِ) (٢).
وأما استدلال أصحاب القول الثاني بقصة عائشة ﵂ فلا يعارض فعل أبي بكر ﵁ قول النبي ﷺ ؛ لأنه فعل صحابي عارض نصًّا، فلا يقبل كما في الأصول، ثم إنه يتطرق إليه احتمالات عديدة يسقط معها الاستدلال به، ومنها: أنه خصها لحاجتها وعجزها مع اختصاصها بالفضل وكونها أم المؤمنين، أو نحلها ونحل غيرها، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت، ولا بد من حمله على أحد هذه الوجوه؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر ﵁ اجتناب المكروهات (٣).
وأما الاستدلال برواية: "فأشهد على هذا غيري" فليس بقوي؛ لأن هذه الصيغة وإن كان ظاهرها الإذن، إلا أنها مشعرة بالتوبيخ والتنفير الشديد عن
стр. 2795
ذلك الفعل، حيث امتنع الرسول ﷺ من المباشرة لهذه الشهادة معللًا بأنها جور، فكيف يأذن لغيره بان يشهد على الجور والظلم، وبقية ألفاظ الحديث تفيد هذا، ثم إن بشيرًا لو فهم الإذن من هذه الصيغة لامتثل أمر الرسول ﷺ وذهب لإشهاد غير النبي ﷺ ولم يَرُدَّ العطية.
• الوجه الرابع: ظاهر الحديث المنع من التفضيل أو التخصيص على كل حال؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل بشيرًا في عطيته، ولأن المعنى موجود وهو حصول القطيعة والعقوق والبغضاء، وهذا قول في مذهب الحنابلة، وهو قول ابن حزم (١).
وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى جواز التفضيل إذا وجد سبب يقتضيه، كأن يخص بعضهم لحاجة، أو زَمَانَةٍ، أو عمى، أو كثرة عيال، أو لاشتغال بطلب العلم، ويمنع بعض ولده لفسقه، أو لكونه يستعين بما يأخذ على معصية الله.
وقد اختار ابن قدامة وابن تيمية هذه الرواية، وقواها صاحب "الإنصاف"، واختارها الشيخ محمد بن إبراهيم (٢).
واحتجوا بما تقدم في قصة عائشة ﵂، ولأن بعض هؤلاء اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يخص بها كما لو اختص بالقرابة.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يجوز التفضيل لأي سبب، لقوة دليل هذا القول، فإن وجد سبب للتفضيل فإنه يكون من باب النفقة على هذا العاجز لمرض أو كثرة عيال أو نحو ذلك، لوجوب الإنفاق عليه، فإن أراد زيادة أستاذن البقية.
• الوجه الخامس: اختلف العلماء في كيفية التسوية بين الأولاد في العطية على قولين:
стр. 2796
الأول: أن الذكر والأنثى سواء، فيُعطَى الأنثى مثل ما يُعطَى الذكر لا فرق بينهما، وهذا مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة، ورواية عن الإمام أحمد (١)، واستدلوا بظاهر الحديث وهو قوله: "سوِّ بينهم"، ولحديث ابن عباس ﵄: "سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء" (٢).
القول الثاني: أن المساواة على قدر إرثهم، فيعطى الذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قول الإمام أحمد في المشهور عنه، وإسحاق، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، واختاره ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز (٣).
واحتجوا بأن ما أُعطي هذا الموهوب هو حظه من مال الواهب إذا مات، وهذا فيه اقتداء بقسمة الله تعالى؛ لأن العطية في الحياة أحد حالي العطية، فيكون الإعطاء على هيئة الميراث هو العدل.
وهذا القول هو الراجح، لقوة دليله، ولأن الذكر أحوج من الأنثى، ذلك أنهما إذا تزوجا جميعًا فالصداق والنفقة ونفقة الأولاد كلها على الذكر، والأنثى لها ذلك، فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته.
قال ابن القيم: (عطية الأولاد المشروع أن تكون على قدر مواريثهم؛
стр. 2797
لأن الله تعالى منع ما يؤدي إلى قطيعة الرحم، والتسوية بين الذكر والأنثى مخالفة لما وضعه الشرع من التفضيل، فيفضي ذلك إلى العداوة، ولأن الشرع أعلم بمصالحنا، فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه الله، ولأن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى … ) (١).
وأما حديث النعمان فهو حكاية حال لا عموم لها، ولا نعلم حال أولاد بشير ﵁ هل فيهم أنثى أو لا؟ ثم قد تحمل التسوية على القسمة على كتاب الله تعالى، أو أن المراد بالتسوية في أصل العطاء؛ أي: يعطي الجميع، لا في صفة العطاء.
وأما حديث ابن عباس فهو حديث ضعيف لا يحتج به في مقابل الأحاديث الصحيحة، وأما تحسين الحافظ لإسناده فليس في محله، فإن سعيد بن يوسف الرحبي متفق على ضعفه، كما تقدم.
لكن لو أعطى بعضهم شيئًا يحتاجه، والثاني لا يحتاجه، مثل أن يحتاج بعض الأولاد إلى أدوات مدرسية، أو يحتاج إلى علاج، أو زواج، فلا بأس أن يخصه بما يحتاج إليه؛ لأن هذا من أجل الحاجة، فأشبه نفقة الطعام والشراب والكساء والمسكن (٢).
وأما انفراد أحد الأولاد بالبر والعطف على والديه فلا يعد سببًا لتخصيصه بالعطية من أجل بره؛ لأن المتميز بالبر لا يجوز أن يعطى عوضًا عن بره؛ لأن أجره على الله، ولأن تمييز البار بالعطية قد يؤدي إلى أن يُعجب ببره ويرى أن له فضلًا، وقد يَنْفِرُ الآخر ويستمر في عقوقه، ثم إن القلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء، فقد تتغير الأحوال ويصير البار عاقًا والعاق بارًا (٣).
وإن أعطى ولده من أجل عمله في تجارة أبيه أو زراعته أو صناعته فلا بأس، إذا كان الابن قد نوى الرجوع على أبيه ولم ينو التبرع؛ لأن هذا ليس
стр. 2798
من باب التخصيص، وإنما هو من باب الإجارة مقابل عمله، وليس في هذا ظلم لبقية الأولاد؟ لأنهم لم يقوموا بمثل ما قام به مما كان له أثر في تجارة والدهم (١).
• الوجه السادس: الأم كالأب في وجوب التسوية بين الأولاد في العطية (٢)، وعدم جواز التفضيل، لأمرين:
الأول: عموم قوله ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، ولأن الأم أحد الوالدين.
الثاني: أن ما يحصل بتخصيص الأب بعض أولاده من الحسد والعداوة والعقوق يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها.
• الوجه السابع: اشتمل الحديث على فوائد كثيرة، منها:
١ - مشروعية استفصال الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله في إحدى الروايات: "ألك ولد غيره" قال: نعم، قال: "أفكلهم أعطيت مثله؟! قال: لا، قال: "لا أشهد".
٢ - أن ما وقع من الأحكام على خلاف الشرع فإنه يبطل ولا يجوز تنفيذه.
٣ - وجوب المبادرة إلى قبول الحق من غير تأخير ولا حرج في النفس.
٤ - أنه ينبغي الرجوع في المعاملات ونحوها إلى العلماء.
٥ - مشروعية الاشهاد على الهبة والاحتياط في العقود بشهادة الأفضل والأكبر، والله أعلم.
стр. 2799
تحريم الرجوع في الهبة
٩٣١/ ٢ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: قَال النَّبي ﷺ : "الْعَائِدُ في هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيئِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيه.
وَفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "لَيسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجعُ في قَيئِهِ".
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الهبة"، باب (هبة الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها) (٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢)(٩) من طريق وهب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعًا.
ورواه البخاري في باب (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته) (٢٦٢٢) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس لنا مثل السوء" … الحديث.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (العائد في هبته) أي: الراجع في الهبة التي أعطاها، وهذا هو المشبه.
قوله: (كالكلب يقيء) هذا هو المشبه به، والقيء: بفتح فسكون، مصدر قاء: إذا أخرج ما بداخله.
قوله: (ثم يعود في قيئه) أي: ما تقيأه، من إطلاق المصدر على اسم المفعول؛ أي: يعود يأكل في قيئه، وفي رواية لهما: "كالكلب يقيء ثم يعود
стр. 2800
فيه فَيأكله"، وعند أبي داود والنسائي: "مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب يقيء فيأكل قيئه" (١).
والغرض من هذا التشبيه: تقبيح حال المشبه -وهو العائد في هبته- والتنفير منه، بتصويره للسامع بصورة قبيحة، وذلك بإلحاقه بمشبه به تستقذره النفس وتنفر منه.
قوله: (ليس لنا مثل السوء) أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة شابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحواله. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] والمثل: بمعنى الصفة.
والسوء: بفتح السين بمعنى السُّوأى، وبضم السين مقصورًا كطوبى؛ أي: الصفة القبيحة، فهو من إضافة الموصوف لصفته.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم العودة في الهبة؛ لأن هذا من لؤم الطبع والدناءة، إذ إن الرجوع دليل على تعلق قلب الواهب بما وهب، وأنه لم يُعْطِ ذلك من نفس سمحة.
ووجه الدلالة: أنه عُرِفَ من الشرع أن مثل هذا الأسلوب يراد به الزجر الشديد والتنفير من الفعل. قال ابن دقيق العيد: (وقد ورد التشديد في التشبيه من وجهين:
أحدهما: تشبيه الراجع بالكلب.
الثاني: تشبيه الرجوع فيه بالقيء) (٢).
• الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الرجوع في الهبة على قولين:
الأول: تحريم الرجوع في الهبة، وهذا مذهب جماهير أهل العلم، لهذا الحديث، كما تقدم، واستثنوا هبة الوالد لولده جمعًا بين هذا الحديث وحديث النعمان المتقدم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
стр. 2801
قال البخاري: (بابٌ لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته)، قال الحافظ: (هكذا بتَّ في الحكم في هذه المسألة، لقوة الدليل عنده فيها) (١)، وقال: (لا فرق في الحكم بين الهدية والهبة، وأما الصدقة فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض).
كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده"، وسيأتي تخريجه والكلام عليه بعد هذا الحديث.
والقول الثاني: جواز الرجوع في الهبة إذا كانت لأجنبي، ولا يجوز إذا كانت لذي رحم، أو اقترن بها ما يمنع الرجوع كأن يعوضه عنها، أو تزيد زيادة متصلة كالسِّمَنِ، أو يموت أحد المتعاقدين ونحو ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة (٢).
واستدلوا بقوله ﷺ : "الواهب أحق بهبته ما لم يُثَبْ منها"، ومعنى (ما لم يثب): ما لم يعوض، قالوا: فأثبت للواهب الأحقية، ومعناها الرجوع.
وأما ذو الرحم فلا يجوز الرجوع في هبته؛ لأن هذا من صلته، ففرقوا بين الأجنبي والرحم، بأن هبة القريب صلة، والصلة لا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي تبرع، له أن يمضيه أو لا يمضيه.
وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد به التغليظ في الكراهة وليس التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد، فالأكل من قيئه ليس حرامًا عليه، فيكون التشبيه وقع في أمر مكروه في الطبيعة لتئبت به الكراهة في الشريعة (٣).
وكذا أجابوا عن حديث: "لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية … " بأن المراد به التغليظ في الكراهية؛ كقوله: "لا تحل الصدقة لغني" فإنه لا يستلزم التحريم، وإنما معناه: لا تحل له من حيث تحل لغيره من دون الحاجة.
стр. 2802
والصواب القول الأول، فإن الرجوع مع كونه مصادمًا للسنة فهو فاسد؛ لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في ملكه وجاز له التصرف فيها، فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل عقلًا وشرعًا (١).
وأما حمل أصحاب القول الثاني حديث الباب على الكراهة، فهو مردود من وجهين:
الأول: أنه تأويل مستبعد يرده سياق الحديث.
الثاني: أن عُرْفَ الشرع في مثل هذا الأسلوب يراد به المبالغة في الزجر الشديد، كما ورد النهي في الصلاة عن إقعاء الكلب، ونقر الغراب، والتفات الثعلب ونحو ذلك، ويؤيد التحريم حديث ابن عباس وابن عمر ﵃ الآتي.
وأما حديثهم فهو ضعيف، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- ولو ثبت لكان محمولًا على من وهب ليتعوض من هبته ويثاب عليها فلم يفعل المتهب، فللواهب الرجوع، كما سيأتي (٢).
• الوجه الخامس: تحريم الرجوع في الهبة محمول عند الجمهور على الهبة التي تم قبضها من المتهب، كما قال النووي وغيره (٣)، قالوا: فالقيء في الحديث بمنزلة إقباض الهبة؛ لأن القيء يخرجه من بطنه، والهبة يخرجها الواهب من يد المتهب، فإذا عاد الواهب بعد الإقباض صار بمنزلة الكلب يعود في قيئه.
أما إذا كانت الهبة لم تقبض فإنها غير لازمة -على القول الراجح في أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض- فيجوز الرجوع فيها (٤).
стр. 2803
وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية تحريم الرجوع ولو لم تقبض الهبة، لما في ذلك من إخلاف الوعد (١)، والنبي ﷺ يقول: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 2804
جواز رجوع الوالد في هبته لولده
٩٣٢/ ٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إلا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (٨/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، وأبو داود في كتاب "البيوع"، باب (الرجوع في الهبة) (٣٥٣٩)، والترمذي (٢٣٧٧)، وابن حبان (١١/ ٥٢٤)، والحاكم (٢/ ٤٦) كلهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس ﵃ مرفوعًا.
وزادوا جميعًا إلا ابن ماجه: "ومثل الذي يعطي العطية، ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل، حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه".
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) والحديث رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عمرو بن شعيب، فقد روى له أصحاب السنن، وهو صدوق (١).
• الوجه الثاني: في الحديث دليل على جواز رجوع الوالد في هبته لولده صغيرًا كان أم كبيرًا، ولأن الوالد له أن يتملك من مال ولده ما شاء، فلأن يسترد منه ما وهب له من باب أولى، وقد استدل الفقهاء على ذلك بقوله ﷺ :
стр. 2805
"أنت ومالك لأبيك" (١). وهذا الرجوع يكون في حالتين:
الأولى: إذا فضَّل بعض أولاده على بعض في الهبة، فيرجع في هبته لتلافي ما حصل من التفضيل وما يترتب عليه، لقول النبي ﷺ لبشير: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "فارجع" وتقدم ذلك، وهذا الرجوع واجب عليه، وهو أحد الطرق الثلاث للتعديل بين الأولاد إذا وقع التفضيل، فالطريق الأول: أخذ الهبة من أصلها إن لم يكن أعطى البقية شيئًا، والطريق الثاني: زيادة المفضول ليساوي الفاضل، أو إعطاؤه إن لم يكن أعطاه، والطريق الثالث: أخذ الزيادة من المفضَّل ليساوي البقية.
الحالة الثانية: أن يكون الرجوع في الهبة في غير حالة التفضيل، فهذا يجوز، لكن بشرط ألا يؤدي إلى تفضيل بعض الأولاد على بعض، فلو أعطى كل واحد من أولاده عشرة آلاف ريال -مثلًا- ثم رجع على واحد منهم وأخذها منه، فالأصل جواز الرجوع، لكن في هذه الصورة لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى التفضيل.
• الوجه الثالث: ذكر الفقهاء ﵏ أن رجوع الوالد في هبته لولده مشروط بما يلي:
١ - أن تكون الهبة باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو إرث أو غير ذلك من أنواع التصرف فلا رجوع للأب؛ لأنه إبطال لحق غيره.
٢ - أن لا يتعلق بها حق للغير، كما لو رهنها الولد، أو أفلس وحُجِرَ عليه، فإن زال الرهن وفُكَّ الحجر فله الرجوع.