← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

قال البخاري: (بابٌ لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته)، قال الحافظ: (هكذا بتَّ في الحكم في هذه المسألة، لقوة الدليل عنده فيها) (١)، وقال: (لا فرق في الحكم بين الهدية والهبة، وأما الصدقة فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض). كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده"، وسيأتي تخريجه والكلام عليه بعد هذا الحديث. والقول الثاني: جواز الرجوع في الهبة إذا كانت لأجنبي، ولا يجوز إذا كانت لذي رحم، أو اقترن بها ما يمنع الرجوع كأن يعوضه عنها، أو تزيد زيادة متصلة كالسِّمَنِ، أو يموت أحد المتعاقدين ونحو ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة (٢). واستدلوا بقوله ﷺ : "الواهب أحق بهبته ما لم يُثَبْ منها"، ومعنى (ما لم يثب): ما لم يعوض، قالوا: فأثبت للواهب الأحقية، ومعناها الرجوع. وأما ذو الرحم فلا يجوز الرجوع في هبته؛ لأن هذا من صلته، ففرقوا بين الأجنبي والرحم، بأن هبة القريب صلة، والصلة لا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي تبرع، له أن يمضيه أو لا يمضيه. وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد به التغليظ في الكراهة وليس التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد، فالأكل من قيئه ليس حرامًا عليه، فيكون التشبيه وقع في أمر مكروه في الطبيعة لتئبت به الكراهة في الشريعة (٣). وكذا أجابوا عن حديث: "لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية … " بأن المراد به التغليظ في الكراهية؛ كقوله: "لا تحل الصدقة لغني" فإنه لا يستلزم التحريم، وإنما معناه: لا تحل له من حيث تحل لغيره من دون الحاجة.

стр. 2802

والصواب القول الأول، فإن الرجوع مع كونه مصادمًا للسنة فهو فاسد؛ لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في ملكه وجاز له التصرف فيها، فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل عقلًا وشرعًا (١). وأما حمل أصحاب القول الثاني حديث الباب على الكراهة، فهو مردود من وجهين: الأول: أنه تأويل مستبعد يرده سياق الحديث. الثاني: أن عُرْفَ الشرع في مثل هذا الأسلوب يراد به المبالغة في الزجر الشديد، كما ورد النهي في الصلاة عن إقعاء الكلب، ونقر الغراب، والتفات الثعلب ونحو ذلك، ويؤيد التحريم حديث ابن عباس وابن عمر ﵃ الآتي. وأما حديثهم فهو ضعيف، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- ولو ثبت لكان محمولًا على من وهب ليتعوض من هبته ويثاب عليها فلم يفعل المتهب، فللواهب الرجوع، كما سيأتي (٢). • الوجه الخامس: تحريم الرجوع في الهبة محمول عند الجمهور على الهبة التي تم قبضها من المتهب، كما قال النووي وغيره (٣)، قالوا: فالقيء في الحديث بمنزلة إقباض الهبة؛ لأن القيء يخرجه من بطنه، والهبة يخرجها الواهب من يد المتهب، فإذا عاد الواهب بعد الإقباض صار بمنزلة الكلب يعود في قيئه. أما إذا كانت الهبة لم تقبض فإنها غير لازمة -على القول الراجح في أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض- فيجوز الرجوع فيها (٤).

стр. 2803

وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية تحريم الرجوع ولو لم تقبض الهبة، لما في ذلك من إخلاف الوعد (١)، والنبي ﷺ يقول: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2804

جواز رجوع الوالد في هبته لولده ٩٣٢/ ٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إلا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ. الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (٨/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، وأبو داود في كتاب "البيوع"، باب (الرجوع في الهبة) (٣٥٣٩)، والترمذي (٢٣٧٧)، وابن حبان (١١/ ٥٢٤)، والحاكم (٢/ ٤٦) كلهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس ﵃ مرفوعًا. وزادوا جميعًا إلا ابن ماجه: "ومثل الذي يعطي العطية، ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل، حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه". قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) والحديث رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عمرو بن شعيب، فقد روى له أصحاب السنن، وهو صدوق (١). • الوجه الثاني: في الحديث دليل على جواز رجوع الوالد في هبته لولده صغيرًا كان أم كبيرًا، ولأن الوالد له أن يتملك من مال ولده ما شاء، فلأن يسترد منه ما وهب له من باب أولى، وقد استدل الفقهاء على ذلك بقوله ﷺ :

стр. 2805

"أنت ومالك لأبيك" (١). وهذا الرجوع يكون في حالتين: الأولى: إذا فضَّل بعض أولاده على بعض في الهبة، فيرجع في هبته لتلافي ما حصل من التفضيل وما يترتب عليه، لقول النبي ﷺ لبشير: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "فارجع" وتقدم ذلك، وهذا الرجوع واجب عليه، وهو أحد الطرق الثلاث للتعديل بين الأولاد إذا وقع التفضيل، فالطريق الأول: أخذ الهبة من أصلها إن لم يكن أعطى البقية شيئًا، والطريق الثاني: زيادة المفضول ليساوي الفاضل، أو إعطاؤه إن لم يكن أعطاه، والطريق الثالث: أخذ الزيادة من المفضَّل ليساوي البقية. الحالة الثانية: أن يكون الرجوع في الهبة في غير حالة التفضيل، فهذا يجوز، لكن بشرط ألا يؤدي إلى تفضيل بعض الأولاد على بعض، فلو أعطى كل واحد من أولاده عشرة آلاف ريال -مثلًا- ثم رجع على واحد منهم وأخذها منه، فالأصل جواز الرجوع، لكن في هذه الصورة لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى التفضيل. • الوجه الثالث: ذكر الفقهاء ﵏ أن رجوع الوالد في هبته لولده مشروط بما يلي: ١ - أن تكون الهبة باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو إرث أو غير ذلك من أنواع التصرف فلا رجوع للأب؛ لأنه إبطال لحق غيره. ٢ - أن لا يتعلق بها حق للغير، كما لو رهنها الولد، أو أفلس وحُجِرَ عليه، فإن زال الرهن وفُكَّ الحجر فله الرجوع.

стр. 2806

٣ - ألا يتعلق بها رغبة الغير للولد، مثل أن يهب ولده مائة ألف ريال، فيرغب الناس فيه فيزوجوه، أو يعطوه دينًا، فهذا فيه أقوال لعل أرجحها التفصيل، وهو أن يرجع بقدر الزائد، ولا يرجع بقدر الدين أو الرغبة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. ٤ - ألا يسقط الأب حقه في الرجوع، كما لو قال وهبتك هذا المنزل أو هذه السيارة ولن أرجع فيها، لعموم: "المسلمون على شروطهم" (١). ٥ - ألا تزيد العين زيادة متصلة كالسِّمَنِ، وتعلم الصنعة، فإن زادت فقولان (٢). • الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم رجوع الأم في عطية أولادها على قولين: الأول: أن لها الرجوع، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، لكن قيدوه بكون الأب حيًّا، وهو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة مطلقًا، واستدلوا بأن الأم أحد الأبوين، فتكون داخلة في عموم قوله ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، وقوله: "سووا بين أولادكم"، وقد تقدم أن الرجوع في العطية قد يكون من طرق التسوية. القول الثاني: ليس لها الرجوع، وهو رواية عند المالكية والشافعية والحنابلة، واستدلوا بأن هناك فرقًا بين الأم والأب، فإن الأب له أن يتملك من مال ولده ما شاء -كما تقدم- وله ولاية على ولده، ويحوز جميع المال في الميراث، والأم ليست كذلك (٣). والقول الأول وجيه؛ لقوة دليله، والله تعالى أعلم.

стр. 2807

مشروعية قبول الهدية ٩٣٣/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، ويثِيبُ عَلَيهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ٩٣٤/ ٥ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: وَهَبَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ ﷺ ناقَةً، فَأَثابَهُ عَلَيْهَا، فَقَال: "رَضِيتَ؟ " قَال: لا، فَزَادَهُ، فَقَال: "رَضِيتَ؟ قال: لَا، فَزَادَهُ، فَقَال: "رَضِيتَ؟ " قَال: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبَّانَ. * الكلام عليها من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الهبة"، باب (المكافأة في الهبة) (٢٥٨٥) من طريق عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂. قال البخاري: (لم يذكر وكيع ومحاضر "عن هشام عن أبيه عن عائشة") وهذا فيه إشارة -كما قال الحافظ- إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام، ومثل هذا قال أبو داود والترمذي والبزار. وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٤)، وابن حبان (١٤/ ٢٩٦) من طريق يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄. وتمامه: فقال رسول الله ﷺ : "لقد هممت ألا أتَّهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي ". وهذا إسناد صحيح، لكنه أُعل بالإرسال، فقد ذكر الدارقطني في "العلل" (٣٣/ ١١) هذا الإسناد الموصول، ثم ذكر أن سليمان بن حرب وأبا الربيع والقواريري رووه عن حماد، عن عمرو، عن طاوس عن النبي ﷺ مرسلًا، قال: (وهو الأصح)،

стр. 2808

ورواه عبد الرزاق (١٦٥٢١) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، فذكره مرسلًا -أيضًا- ورواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٠١) من طريق الحسن بن مسلم عن طاوس كذلك. ورواه البزار (١١/ ٣٢) من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، عن النبي ﷺ مرسلًا (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة من إبله التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوضه منها بعض العوض فتسخط، فسمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "إن رجالًا من العرب يهدي أحدهم الهدية، فأعوضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه، فيظل يتسخط فيه عليَّ، وايم الله لا أقبل بعد مقامي هذا من رجل من العرب هدية إلا من قرضي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي" (٢). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (كان يقبل) صيغة المضارع بعد الفعل (كان) تدل على كثرة التكرار والمداومة على الفعل، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وتقدم هذا في "الطهارة". قوله: (الهدية) بفتح الهاء وكسر الدال بعدها ياء مشددة ثم تاء التأنيث. قال في "القاموس": (الهدية كغنية: ما أُتحف به) (٣). يقال: أهديت له وإليه، والتهادي: أن يهدي بعضهم إلى بعض، والجمع هدايا (٤). وفي الاصطلاح الفقهي: دفع عين إلى شخص بقصد الإكرام أو التودد أو المكافأة. وكلمة (عين) تشمل المال والمتاع وغير ذلك، وتخرج المنفعة فليست بهدية على اصطلاح الفقهاء.

стр. 2809

وقولنا: (بقصد الإكرام) فيه بيان الحامل على الهدية، وهذا يخرج الرشوة، فإنه لا يقصد بها شيء من ذلك، وإنما يراد بها الإعانة على أمر لا يحل. وقد جرت عادة الفقهاء بذكر مباحث الهدية في باب "الهبة"؛ لأن الهدية نوع من الهبة، كما تقدم أول الباب. قوله: (ويثيب عليها) أي: يعطي المهدي بدلها، والمراد بالثواب المجازاة والمكافأة، وأقله ما يساوي قيمة الهدية. قوله: (لقد هممت ألا أتَّهب … ) بتشديد التاء افتعال من الهبة؛ أي: ألا أقبل الهبة إلا من هؤلاء لقلة طمعهم. قال ابن الأثير: (لأنهم أصحاب مدن وقرى، وهم أعرف بمكارم الأخلاق، ولأن في أخلاق البادية جفاءً، وذهابًا عن المروءة، وطلبًا للزيادة) (١). • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية قبول الهدية وعدم ردها إلا لعذر شرعي؛ لأن هذا هو هدي النبي ﷺ ، ولأن في قبول الهدية فوائد كثيرة، من امتثال السنة، وإرضاء المهدي، والنظر إلى هديته بعين الإكبار والتقدير، وفي رد الهدية مخالفة السنة، وكسر قلب المهدي، وإساءة إليه، والله تعالى يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. وقد ورد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لو دُعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلت" (٢). وعنه -أيضًا ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده ﷺ فأكل معهم) (٣). • الوجه الرابع: لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قبول الهدية، وإنما الخلاف في وجوب قبولها، على قولين:

стр. 2810

الأول: أن قبولها غير واجب بل مستحب، وهذا مذهب الجمهور، من الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية في مذهب الإمام أحمد، هي مقتضى قول أصحابه (١). واستدلوا بما ورد في الأحاديث من قبول النبي ﷺ الهدية مما يدل على مشروعيته واستحبابه، ففيه السنة الفعلية، وهي لا تقتضي الوجوب. القول الثاني: أن قبول الهدية واجب إذا كانت من غير مسألة ولا إشراف نفس، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو قول ابن حزم الظاهري (٢). واستدلوا بما يلي: ١ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين" (٣). ٢ - حديث عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: "خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك" (٤). ٣ - حديث ابن عمر الآتي: " … ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه". والقول بالوجوب قوي جدًّا -في نظري- لأمور ثلاثة: ١ - لقوة أدلته. ٢ - ما ورد عن النبي ﷺ من قبول الهدية يؤيد ذلك ويقويه. ٣ - ما يترتب على ردها من المفاسد والمساوئ؛ لأن في ردِّ الهدية

стр. 2811

بدون عذر إساءة إلى المهدي من كسر قلبه واحتقار هديته، وكونه تذهب به الظنون في سبب ردها، ولو قيل: بأن قبول الهدية مستحب استحبابًا مؤكدًا جمعًا بين الأدلة لما كان ذلك بعيدًا. • الوجه الخامس: ظاهر حديث الباب استحباب الإثابة على الهدية، وذهب بعض المالكية إلى وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي، وكان مثله ممن يطلب الثواب كالفقير للغني والمأمور للأمير، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الاستدلال من الحديث: ١ - مواظبة النبي ﷺ على إثابته للمهدي. ٢ - أن الذي أهدى للنبي ﷺ قصد أن يُعطى أكثر مما أهدى، فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وهذا يفيد الوجوب. والأول أظهر، فإن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، ولو وقعت المواظبة؛ لأنه قد يقال: إنما فعله النبي ﷺ لما جبل عليه من مكارم الأخلاق، لا لوجوبه. ومن الفقهاء من جعل الناس في الهدايا على ثلاث طبقات: ١ - هدية الرجل إلى من هو دونه؛ كهدية المعلم لتلميذه، أو هدية الكبير للصغير، أو هدية الشيخ للطالب، فهذا إكرام وتحبب وصلة، ولا تقتضي الثواب والمكافأة بالمثل. ٢ - هدية النظير لنظيره؛ كهدية الطالب لزميله والصديق لصديقه، وهذه لا تقتضي الثواب -أيضًا-؛ لأن الغالب فيها معنى التودد والتقرب. ٣ - هدية الأدنى إلى الأعلى؛ كهدية الفقير للغني، وهذه تقتضي الثواب والمكافأة عليها بالمثل؛ لأن المعطي يقصد بهديته الرِّفْدَ والثواب (١). فإن لم يستطع المهدي إليه أن يكافئ على الهدية فَلْيَدْعُ له بما يناسب المقام؛ لأن الدعاء نوع من المكافأة، وقد ورد عن ابن عمر ﵁، قال:

стр. 2812

قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه" (١). وظاهر قوله: "فادعوا له" أنه يدعوفي وجهه أو عند تقديم الهدية، ولأن هذا أبلغ في مكافأته، ويجوز أن يدعو له بظهر الغيب. • الوجه السادس: الحديث دليل على أنه لا حرج على من أثيب على هديته وأُعطي عليها مكافأة أن يقبل هذه المكافأة؛ لأن الرسول ﷺ كان يثيب على الهدية، والإثابة دليل على جواز قبولها. • الوجه السابع: ذكر العلماء بعض الموانع من قبول الهدية، وهي مأخوذة من عمومات الشريعة، ومنها ما يلي: ١ - أن تكون الهدية محرمة لذاتها، كما لو أهدى له آلة لهو أو أهدى كتابًا فاسدًا أو أشرطة فاسدة، أو نحو ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ٢ - أن تكون الهدية حقًّا للغير، كالمغصوب والمسروق ونحوهما، فإن كان المهدي إليه يعلم ذلك حرم عليه قبولها، لما فيه من الإقرار على التعدي على أموال الناس. ٣ - أن يترتب على قبولها محذور شرعي؛ كالهدية للقاضي، أو الموظف، إذا كان يترتب على قبولها إحقاق باطل، أو إبطال حق، ومثله هدية الطالب للمدرس باعتباره مدرسًا. ٤ - ومن موانع قبول الهدية: أن يحصل عند المهدي له أمر عارض يمنع من قبولها، كما رد النبي ﷺ هدية الصعب بن جثامة ﵁ لما أهدى الحمار

стр. 2813

الوحشي، وقال: "أما إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُمٌ" (١)، وذلك لأنه لا يجوز للمحرم أن يصيد في نسكه، مع أن الصيد مباح في الأصل. قال ابن بطال: (وفيه أنه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية؛ لأن النبي ﷺ إنما رده عليه لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم، وكان الحمار حيًّا، فدلَّ هذا أن المهدي إذا كان معروفًا بكسب الحرام أو بالغصب أو الظلم، فإنه لا يجوز قبول هديته) (٢). ولعل مراده إذا كان كل ماله حرامًا، وإلا فإن النبي ﷺ قبل من المرأة اليهودية لما أهدت له الشاة (٣). وكذا لو علم المهدي له أن المهدي قصد بهديته أن يحصل على أكثر منها، وإن لم يُعْطَ أكثر منها فإنه يتسخط، فللمهدى له أن يتوقف في قبول هذه الهدية. وفائدة معرفة هذه الموانع بيانها للمهدي، لأجل أن يقتنع ولا يحزن إذا ردت هديته وبُيِّنَ له سبب الرد، مع أنه ينبغي لمن رَدَّ الهدية لسبب شرعي ألا يبخل على المهدي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الحق، وألا يحمله تقديم الهدية إليه على أن يسكت أو يداهن إذا كان المهدي وقع في أمر محظور؛ لأن في الإنكار إبراء الذمة واستفادة المهدي، لئلا يقع فيما وقع فيه مرة أخرى، والله تعالى أعلم.

стр. 2814

ما جاء في العمرى والرُّقْبَى ٩٣٥/ ٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَلمُسْلِمٍ: "أَمْسِكُوا عَلَيكُمْ أَمْوَالكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِي لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيتًا وَلعَقِبِهِ". وَفي لَفْظٍ: "إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هيَ لَكَ وَلعَقِبِكَ، فَأمَّا إِذَا قَال: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجعُ إِلَى صَاحِبِهَا". وَلأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائيِّ: "لا تُرْقِبُوا، وَلا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيئًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الهبة"، باب (ما قيل في العُمرى والرُّقبى) (٢٦٢٥)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٥) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁ مرفوعًا. ورواية مسلم (١٦٢٥) (٢٦) جاءت من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ مرفوعًا. والرواية الثانية له (١٦٢٥) (٢٣) من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁. وزاد: (قال معمر: وكان الزهري يفتي به). ورواه أبو داود (٣٥٥٦) والنسائي (٦/ ٢٧٣) من طريق سفيان، عن ابن

стр. 2815

جريج، عن عطاء، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُرقبوا" … الحديث. والظاهر -والله أعلم- أن الحافظ قصد بهذه الروايات بعد اللفظ الأول الذي هو بمثابة القاعدة، بيان أن الرواية الأولى مطلقة، والثانية مقيِّدة لهذا الإطلاق، والرواية الثالثة فيها النهي عن العمرى والرقبى. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (العمرى) بضم العين وسكون الميم، وحكي ضمها، وحكي فتح العين وسكون الميم، مأخوذ من العمر. واصطلاحًا: أن يعطي الإنسان غيره دارًا -مثلًا- ويقول له: أعمرتك إياها؛ أي: أبحتها لك مدة عمرك. فالعمرى نوع من الهبة؛ لأنها توهب مدة عمر الموهوب له. قوله: (أمسكوا أموالكم ولا تفسدوها) هذا الأمر والنهي يراد به الإرشاد إلى الأصلح في حفظ أموالهم؛ لأن الإعمار يمنع المالك من التصرف فيما يملِّك رقبته آمادًا طويلة، لا سيما مع التأبيد. ولا يصح حمله على التحريم لصحة الأحاديث المصرحة بالجواز، ولأن العمرى من أبواب البر والمعروف. قوله: (فإنه من أعْمَر عمرى) أي: قال لغيره -مثلًا-: أعمرتك هذه الدار، وهذا مطلق، لكنه مقيد بالرواية التي بعدها التي ذكر فيها العَقِبُ، لا سيما والراوي واحد، والقضية واحدة، فيحمل المطلق على المقيد، كما هو مقرر في الأصول. قوله: (ولعقبه) بفتح العين وسكون القاف: ذرية الإنسان ونسله وورثته الذين يأتون من بعده. قوله: (إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ ) أي: أمضى جوازها على صفة الدوام، كما تقدم. قوله: (لا تُرقبوا) بضم التاء من أرقب الرباعي، يقال: أرقبه الدار:

стр. 2816

جعلها له رقبى. والرقبى: بضم الراء مأخوذة من المراقبة. قال ابن الأثير: (هو أن يقول الرجل للرجل: قد وهبت لك هذه الدار، فإن مِتَّ قبلي رجعتْ إليّ، وإن مِتُّ قبلك فهي لك، فكل منهما يرقب موت صاحبه .. ) (١). وهي نوع من الهبة -أيضًا- يعلق الرجوع فيها بموت الموهوب له، فالواهب يترقب وفاته، وهذا مأخذ اشتقاقها. وهذا النهي في قوله: "لا ترقبوا ولا تعمروا" يراد به إعلامهم أن العمرى هبة صحيحة يملكها الموهوب له هبة تامة، ولا تعود إلى الواهب أبدًا، فإذا علموا ذلك صاروا على بصيرة من أمرهم، فمن شاء أعمر، ومن شاء ترك، ولا يراد به التحريم، لصحة الأحاديث المصرحة بالجواز، كما تقدم. • الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية العمرى والرقبى، وأنها مُملِّكة لمن وهبت له، لقوله: "العمرى لمن وهبت له"، وهما نوعان من الهبة كانوا يتعاطونهما في الجاهلية، فكان الرجل يعطي الرجل الدار أو غيرها، ويقول: أعمرتك إياها، فكانوا يرقبون موت الموهوب له ليرجعوا في هبتهم، وقد يترتب على ذلك نزاع وعداوة، فجاء الشرع وأقر الهبة، وأبطل الرجوع. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من أُعْمِر عمرى فإنها تكون له مدة حياته ولذريته من بعده، ولا تعود إلى الواهب بحال، سواء كانت العمرى مؤبدة، كأن يقول: هذا الدار لك ولعقبك من بعدك، ونحوه مما يشعر بالتأبيد، أو كانت مطلقة، كأن يقول: أعمرتكها، لقوله: في رواية أبي الزبير، عن جابر: "فإنه من أَعْمر عمرى فهي للذي أُعمرها حيًّا وميتًا ولعقبه" فهذه الرواية مطلقة عن التأبيد لكنها مقيدة بالرواية التي بعدها: (إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك … )، وعلى هذا فلا ترجع إلى الواهب. • الوجه الخامس: اختلف العلماء فيما إذا شرط الواهب الرجوع في

стр. 2817

هبته، كأن يقول: هذه الدار لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي أو إلى ورثتي ونحو ذلك، على قولين: الأول: لزوم الهبة وصحة الشرط، فإذا مات المُعْمَرُ رجعت إلى المُعْمِرِ، وهذا قول مالك وداود، وجماعة من الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، ونسبه ابن حجر إلى أكثر العلماء (١). واستدلوا برواية معمر، عن الزهري: ( … فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها)، كما استدلوا بعموم: "المسلمون على شروطهم". والقول الثاني: إلغاء الشرط ولزوم الهبة وتأبيدها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو الأصج عند أكثر الشافعية، وقول أبي حنيفة (٢)، واختاره الشوكاني (٣). واستدلوا بأن الرجوع يشبه الرجوع في الهبة الذي ورد النهي عنه -كما تقدم- بل ورد في حديث ابن عباس ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العمرى جائزة لمن أُعمرها، والرقبى جائزة لمن أُرقبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه" (٤). فالخلاصة أن العمرى لها ثلاث حالات: الأولى: أن يصرح المُعْمِرُ -بكسر الميم- بأنها للمعمَر -بفتحها- ولورثته، بأن يقول: هي لك ولعقبك، فهذه هبة محققة لا رجوع فيها، فيأخذها الوارث بعد موته. الثانية: أن يقتصر على أنها للمعمر مدة حياته، ويطلق فلا يتعرض لما بعد الموت، بأن يقول: أعمرتكها، وهذه كالتي قبلها.

стр. 2818

الثالثة: أن يعمر ويشترط الرجوع، بأن يقول: هي لك ما عشت، فهذه فيها الخلاف. • الوجه السادس: إذا قال: سكنى هذا الدار لك، أو منحتك غلة هذا البستان، أو خدمة هذا العبد، فهي عارية، له الرجوع فيها متى شاء في حياته وبعد موته؛ لأنها من هبة المنافع، وهبة المنافع إنما تُستوفى شيئًا فشيئًا بمضي الزمان، فلا تلزم إلا في قدر ما قبض منها، والله تعالى أعلم.

стр. 2819

نهي المتصدق عن شراء صدقته ٩٣٦/ ٧ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُه، فَظنَنْتُ أنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ. فَسَألتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: "لا تَبْتَعْهُ، وإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ" الْحَدِيثَ. مُتَّفَق عَلَيه. الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الهبة"، باب (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته) (٢٦٢٣)، ومسلم (١٦٢٥) من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: حملت على فرس في سبيل الله … الحديث. وفي آخره: "فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" وهذا لفظ مسلم. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (حملت على فرس) أي: تصدقت به ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، وليس المراد أنه وقف؛ إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، ثم إن قوله: "العائد في هبته " يدل على أنه تمليك وليس تحبيسًا. قوله: (على فرس) لفظ مسلم: (على فرس عتيق) والعتيق: هو النفيس الجواد السابق. قوله: (في سبيل الله) أي: في الجهاد، وليس المراد الوقف؛ لما تقدم. قوله: (فأضاعه صاحبه) أي: لم يحسن القيام عليه، بل قصر في خدمته ومؤنته.

стр. 2820

قوله: (فظننت أنه بائعه برُخص) بضم الراء وتسكين الخاء المعجمة؛ أي: بثمن قليل زهيد دون قيمته، وإنما ظن عمر ﵁ ذلك؛ لأنه هو الذي كان أعطاه إياه، فظن أنه سيسامحه في بعض الثمن، وحينئذ يكون ذلك رجوعًا في عين ما تصدق به في سبيل الله، ولهذا نهاه النبي ﷺ عن شرائه، وسماه عَوْدًا في الصدقة. قوله: (لا تبتعه) أي: لا تشتره، ولفظ الشراء هو لفظ البخاري. • الوجه الثالث: الحديث دليل على منع المتصدق من شراء صدقته، ووجه المنع أمران: الأول: أن الصدقة قد خرجت من المال لله تعالى، فلا ينبغي أن تتبعها نفس المتصدق ولا أن تتعلق بها. الثاني: أن المُتَصَدَّقَ عليه قد يحابيه ويسامحه في بعض الثمن، فيكون راجعًا ببعض صدقته. ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات، وهذا الحديث محمول على صدقة التطوع، بخلاف الزكاة المفروضة، فإنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبهًا للرجوع في الهبة، بخلاف صدقة التطوع فإنه يتصور الرجوع فيها، فكره ما يشبه الرجوع، وهو الشراء (١). • الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن النهي عن شراء الصدقة محمول على كراهة التنزيه، قالوا: لأنه إذا اشتراها فقد ملكها ملكًا جديدًا بطريق آخر، إلا أنه لا يليق به أن يرجع في شيء أخرجه لله تعالى، فكان مكروهًا من هذا الوجه. وقال القرطبي وأهل الظاهر وجماعة: إن النهي للتحريم؛ لأنه ظاهر الحديث، ولأن هذا هو مقتضى التشبيه بالكلب، كما تقدم في الرجوع في الهبة (٢).

стр. 2821

فعلى القول الأول لا يُفسخ البيع، لكن الأولى التنزه عن ذلك، وعلى القول الثاني يفسخ البيع؛ لأن النهي يقتضي الفساد. • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من حُمل على دابة بأن أُعطيها ليغزو عليها فإنها تكون ملكًا له إذا رجع من الغزو، كما يملك النفقة التي أُعطيها، إلا أن تكون الدابة عارية أو حبيسًا. ووجه الاستدلال من الحديث: أن الرجل أراد بيع الفرس بعد الرجوع من الغزو، فهذا يدل على أنه ملكه، ولولا ذلك ما باعه (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2822

ما جاء في استحباب الهدية وأثرها ٩٣٧/ ٨ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "تَهَادُوا تَحَابُّوا"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ في "الأَدَبِ الْمُفْرَدِ"، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. ٩٣٨/ ٩ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَهَادُوا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السّخِيمَةَ"، رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٥٩٤)، وأبو يعلى (٦١٤٨)، وابن عدي (٤/ ١٠٤)، والبيهقي (٦/ ١٦٩) من طرق عن ضمام بن إسماعيل، قال: سمعت موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: … فذكره. وهذا سند حسن، كما قال الحافظ هنا، وفي "التلخيص" (١). ضمام بن إسماعيل وشيخه موسى بن وردان فيهما كلام يسير، قال الحافظ في "التقريب" عن كل واحد منهما: (صدوق، ربما أخطأ). وأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البزار "مختصر زوائده" (٢/ ٥٣٣)، والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٣١٦) من طريق محمد بن معمر، حدثنا حميد بن حماد بن أبي خُوار، حدثنا عائذ بن شريح، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁، به مرفوعًا.

стр. 2823

قال الطبراني: (لم يروه عن أنس إلا عائذٌ). وإسناده ضعيف كما قال الحافظ، حميد بن حماد قال عنه الحافظ في "التقريب": (لين الحديث)، وعائذ بن شريح ضعيف، ضعفه أبو حاتم (١). وقد ورد في الباب أحاديث أخرى لا يخلو واحد منها من مقال، وبعضها يشتد ضعفه، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تهادوا؛ فإن الهدية تذهب وَغَرَ الصدور" (٢). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (تهادوا) بضم الدال، أمر من التهادي؛ أي: تبادلوا الهدايا بينكم، والتهادي: أن يهدي بعضهم إلى بعض، كما تقدم. قوله: (تحابوا) بضم الباء الموحدة مع التشديد؛ أي: تحصل بينكم المحبة والمودة والأُلفة، والمضارع مجزوم بحذف النون، لوقوعه في جواب الفعل الطلبي، وهو الأمر. قوله: (في الأدب المفرد) هو كتاب عظيم القدر، جليل الشأن، ألفه الإمام البخاري في الآداب والأخلاق، قال الحافظ ابن حجر: (يشتمل على حديث زائد عما في الصحيح، وفيه قليل من الآثار الموقوفة، وهو كثير الفائدة)، وقد شرحه الشيخ فضل الله الجيلاني (م ١٣٩٩ هـ) وهو مطبوع في مجلدين. قوله: (تَسُلُّ) بفتح التاء وضم السين، من باب (نصر) أي: تنزع وتخرج برفق وخفية. قال ابن فارس: (السين واللام أصل واحد، وهو مدُّ الشيء في

стр. 2824

رفق وخفاء، ثم يُحمل عليه) (١). وقال ابن الأثير: (يقال: سلَّ البعير وغيره في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل) (٢). قوله: (السَّخِيمة) بفتح السين وكسر الخاء: هي الضغينة والحقد؛ أي: العداوة الثابتة في القلب. * الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب التهادي بين الناس؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالهدية وحث عليها وبين فائدتها وغايتها، ومن ذلك: ١ - أن الهدية تجلب المحبة، وتوثق عرى المودة؛ لأن النفس مجبولة على حب من أحسن إليها. ٢ - أن الهدية فيها إدخال السرور على النفس، بما يحصل من فرح المهدي إليه بالهدية، وقد يوافق ذلك حاجته إليها، فتكون أكمل موقعًا في النفس، وفيها سرور المهدي بقبول هديته ووقوعها عند المهدي إليه الموقع الملائم. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الهدية قد تكون أفضل من الصدقة؛ كالإهداء إلى الرسول ﷺ في حياته محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخ له في الله (٣). ٣ - أن الهدية تذهب الحقد والعداوة بين المتعاديين، وتجعل بدله السرور والمودة في نفس المهدي إليه. يقول ابن العربي: إنما أذهبت الهدية الغيظ لوجوه منها: ١ - أن القلب مشحون بمحبة المال والمنافع، فإذا وصل إليه شيء منها فرح بها وذهب من غمه بمقدار ما دخل عليه من سرور. ٣ - أن الرجل إذا كان يجد للآخر شيئًا فرآه قد سمح له بماله دلَّه ذلك على إيثاره له على نفسه، فيميل إليه به. ٤ - أنه يستدل به على أنه على ذِكْرٍ منه في المعروف (٤).

стр. 2825

وقد جاءت هذه المعاني في أحاديث كثيرة -كما تقدم- وتكلم لها الحكماء، ونطق بها الشعراء (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2826

الحث على التهادي بين الجيران ولو بالقليل ٩٣٩/ ١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيه. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الهبة وفضلها والتحريض عليها" (٢٥٦٦)، ومسلم (١٠٣٠) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يا نساء المسلمات) منادى منصوب بالفتحة، وهو مضاف، والمسلمات مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته؛ كمسجد الجامع (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]. والقول بجواز إضافة الموصوف إلى صفته هو رأي الكوفيين والفراء، ومنع من ذلك البصريون، وأوَّلوا ما ورد من ذلك على حذف مضاف إليه غير الموجود، ويكون الموجود صفة له، والتقدير: يا نساءَ الأنفسِ المسلماتِ، أو يا نساء الطوائف المسلمات، ونحو ذلك مما فيه تكلف لا داعي له. والصواب الأول. ويروى برفعهما على النداء والنعت؛ أي: يا أيها النساءُ المسلماتُ، ويجوز رفع الأول ونصب الثاني على المحل، مثل: يا زيدُ العاقلَ.

стр. 2827

قوله: (لا تحقرن) بالحاء المهملة ساكنة وكسر القاف، من باب (ضرب) يقال: حقُر الشيء -بالضم- حقارة: هان قدره فلا يُعبأ به فهو حقير (١). قوله: (جارة) مؤنث الجار، والمراد بجارتها: من تجاورها في بيت آخر من بيوت جيرانها، ويطلق على الضرة جارة تطهيرًا لها من الضرر. قوله: (لجارتها) الظاهر أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف يفهم من السياق، تقديره: لا تحقرن جارة هدية مهداة لجارتها، وهذا النهي موجه للمهدية، بألا تستحقر ما تهديه بحيث يؤدي ذلك إلى ترك الإهداء، وموجه للمهداة إليها، فلا تستحقر ما يهدى إليها، ولو كان حقيرًا. قوله: (ولو فِرْسِنَ شاة) لو: للتقليل، وفرسن: خبر لكان المحذوفة مع اسمها، والفرسن: بكسر الفاء والسين المهملة بينهما راء ساكنة وآخره نون، هو ظلف الشاة، وهو عُظيم قليل اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس، ويطلق على الشاة مجازًا. وذكره من باب المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله، وليس المراد حقيقة الفرسن؛ لأنه لم تجر العادة بإهدائه. * الوجه الثالث: دل الحديث على استحباب التهادي بين الجيران؛ لأن الجيران قد يقع بينهم شيء من الأذى والوحشة بسبب الصبيان أو حالات الجوار، والإهداء من أسباب الألفة والتقارب وإزالة الوحشة كما تقدم. قال ابن عبد البر: (في هذا الحديث الحض على الصلة والهدية بقليل الشيء وكثيره، وفي ذلك دليل على بر الجار وحفظه؛ لأن من نُدبتَ إلى أن تهدي إليه وتصله فقد مُنعتَ من أذاه وأمرت ببره) (٢). * الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية قبول الهدية ولو قلّت لما في قبول القليل من استجلاب المودة وإذهاب الشحناء، والهدية إذا كانت يسيرة أدلُّ على المودة وأسهل على المهدي لاطراح التكلف.

стр. 2828

ولا ينبغي للمهدى إليه أن يستقل الهدية، فإن العدم أقل من ذلك، وقد يكون استقلالها سببًا في قطعها، وإذا تواصل القليل صار كثيرًا، ويكفي أن صاحب الهدية قد ذكرك وصرت على باله فأهدى إليك. ثم إن قبول الهدية ولو قَلَّتْ فيه دليل على التأسي بالنبي ﷺ الذي قال: "لو أُهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت" (١). كما أن فيه دليلًا على قناعة الإنسان وعدم احتقاره الشيء القليل الذي يأتي من غيره، وفيه دليل -أيضًا- على رفع الكلفة بين الناس؛ لأن القليل قد يثقل كاهل المهدي، ولا يتيسر له الكثير في كل وقت. * الوجه الخامس: أنه لا ينبغي للمسلم أن يمتنع عن الإهداء بسبب استصغار ما في يده، وهذه الصفة تظهر عند النساء بكثرة، فعلى المسلم أن يعود أهله على الإهداء ولو كان قليلًا. * الوجه السادس: إذا كانت المرأة هي المسؤولة في البيت وهي صاحبة المال فلا إشكال في نوع أو قدر الهدية التي تقدمها للجيران؛ لأن المال مالها، فإن كان فوقها أحد من أب أو زوج فإنها لا تهدي إلا ما جرت العادة بإهدائه؛ كقليل الطعام أو الفاكهة أو التمر ونحو ذلك، ولا يحتاج ذلك إلى استئذان، إلا أن يمنعها من ذلك، أو تعلم منه الشح فلا يجوز إلا بإذنه. * الوجه السابع: الحديث دليل على جواز المبالغة في الكلام إذا ناسب مقتضى الحال، ووجه ذلك أنه لم تجر العادة بإهداء فرسن الشاة -كما تقدم- ولكنه ذكر على سبيل المبالغة في الحث على إهداء الشيء اليسير وقبوله وعدم رده، والله تعالى أعلم.

стр. 2829

حكم هبة الثواب ٩٤٠/ ١١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيهَا"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَصَحّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢) - وعنه البيهقي (٦/ ١٨٠ - ١٨١) - قال: حدثنا أبو أحمد إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي بالكوفة، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر ﵄، به مرفوعًا. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إلا أن نَكِلَ الحمل فيه على شيخنا). ويقصد بشيخه: إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي، ولم يتعقبه الذهبي بشيء بل سكت عنه، كما في النسخة المطبوعة مع "المستدرك"، لكن قال المناوي: (وقفت على نسخة من "تلخيص المستدرك" للذهبي بخطه، فرأيته كتب على الهامش بخطه ما صورته: (موضوع). فلينظر بعدُ ما بين الحكم بالصحة والحكم بالوضع من البون) (١) والذهبي لما ترجم لإسحاق بن محمد، قال: (روى عنه الحاكم واتهمه) (٢). ولما ساق الحافظ في "اللسان"

стр. 2830

حديثه ومقولة الحاكم: (إلا أن نكل الحمل فيه على شيخنا) تعقبه بقوله: (قلت: الحمل فيه عليه بلا ريب، وهذا الكلام معروف من قول عمر غير مرفوع) (١). وقد روى الحديث الدارقطني في "السنن" (٣/ ٤٣) من طريق علي بن سهل بن المغيرة، حدثنا عبيد الله، به، وقال: الصواب عن ابن عمر، عن عمر، موقوفًا، وكذا قال في "العلل" (٢). والخطأ في هذا الحديث إنما هو من عبيد الله بن موسى، كما نص على ذلك البيهقي في "المعرفة" حيث قال: (وغلط فيه عبيد الله بن موسى، فرواه عن حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ … والصحيح رواية عبد الله بن وهب، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، موقوفًا) (٣)، وتابع ابنَ وهبٍ مَكِيُّ بن إبراهيم، رواه الطحاوي في "شرح المعاني" (٤/ ٨١)، وعليه فتكون رواية الرفع شاذة لمخالفتها رواية الثقتين: مكي بن إبراهيم، وعبد الله بن وهب، وعبيد الله بن موسى ثقة -كما في "التقريب"- إلا أنه وهم في رفع الحديث. وقال البخاري في "تاريخه الكبير": (روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، قوله، وهذا أصح) (٤). وأخرج مالك عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طَريف المُرّي، أن عمر بن الخطاب ﵁، قال: (من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يُرضَ منها) (٥).

стр. 2831

* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من وهب هبة يريد بها العوض فإنه لا بد من العوض أو ترد الهبة إليه، ويسمى هذا النوع من الهبة: هبة الثواب، وهي العطية التي يبتغي بها الواهب الثواب -أي: العوض- من الموهوب له. فإن أُعطي عنها ما يرضيه وإلا فله الرجوع فيها، بخلاف الهبة المطلقة وهي التي لمحض الثواب الأخروي مع قصد توثيق عرى المحبة، فلا رجوع فيها بعد قبضها، كما تقدم. ومعرفة أن الهبة للثواب يدرك بالقرائن والعرف والعادة، فإن من أهدى إلى الأمراء أو الأغنياء ونحوهم فإنما يريد العوض والرِّفْد، لا يريد بذلك مجرد المحبة والتقرب، كما تقدم. وهذا النوع من الهبة له حكم البيع؛ لأنه تمليك بعوض بلفظ الهبة، فيأخذ أحكام البيع. وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ في قصة الرجل الذي أعطى النبي ﷺ ناقة، فأثابه عليها حتى رضي، فقد لاحظ النبي ﷺ مقصد الواهب، وهو أنه يريد العوض فأعطاه حتى أرضاه، وهذا من كرم الأخلاق، وهو أولى من رد الهدية إذا كان مَنْ قَبِلَهَا يستطيع العوض، وفيه اقتداء بالنبي ﷺ فقد كان يقبل الهدية ويثيب عليها، كما تقدم. فإن كان المهدي جَشِعًا لا يرضيه إلا شيء يضر المهدي إليه، أوكان المهدي إليه لا يستطيع العوض لفقره، فلا بأس أن يرد الهدية. والقول برجوع الواهب إذا لم يعوض عن هبته هو قول النخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وابن جرير الطبري، استدلالًا بأثر عمر ﵁ وغيره (١). واستثنوا هبة ذي الرحم فلا رجوع فيها مطلقًا. وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه والشافعي وأبو ثور إلى أنه لا

стр. 2832

رجوع في الهبة مطلقًا ولو لم يثب منها، مستدلين بالأحاديث المتقدمة في النهي عن الرجوع في الهبة، إلا إن اشترط في الهبة ثوابًا معلومًا صح، قالوا: وحديث الباب ضعيف مرفوعًا، قال ابن الجوزي بعد سياق الأحاديث: (ليس فيها ما يصح)، وما ورد عن عمر ﵁ روي عن ابنه وابن عباس خلافه، قالوا: ولو صحت هذه الأحاديث لكانت مخصصة لعموم حديث الرجوع في الهبة، إلا أنها لم تثبت، وهو ما قرره ابن الجوزي وابن حجر وغيرهما من فقهاء المحدثين (١). وقد تلخص من الأحاديث في هذا الباب وغيره أن الهبة التي يرجع فيها هي: ١ - هبة الوالد لولده. ٢ - من وهب بشرط الثواب، وذلك إذا وهب على جهة المعاوضة لفظًا أو عرفًا. ٣ - الهبة التي لم تقبض. ٤ - ويضاف إليها: الهبة التي ردها الميراث إلى الواهب (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2833

جواز أخذ الشيء اليسير وأنه ليس بلقطة ٩٤١/ ١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بتَمْرَةٍ في الطَّرِيق فَقَال: "لَوْلا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "اللقطة"، باب (إذا وجد تمرة في الطريق) (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١) من طريق سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن طلحة بن مصرف، عن أنس ﵁، مرفوعًا. * الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا بأس بالتقاط الشيء اليسير القليل الذي لا تتبعه همة أوساط الناس؛ كالحبل والعصا وما يبقى بعد حصاد الزرع أو جذاذ التمر مما هو يسير وصاحبه معرض عنه ولا يطلبه؛ لأن النبي ﷺ علل عدم أكله التمر بخشية أن يكون من الصدقة؛ لأن الصدقة محرمة على النبي ﷺ وعلى آله من بني هاشم، لقوله ﷺ : "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" (١). فدل ذلك على أن غير النبي ﷺ لا بأس أن يأكلها. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على ورع النبي ﷺ حيث لم يأكل هذه التمرة مع أنها مباحة له؛ لأنها من حيث الملك لقطة يسيرة، ومن حيث الصدقة لم تتحقق، ولكن ورعه كفه عما فيه شبهة وإن قلَّت. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة

стр. 2834

على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها" (١). وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ وجد تحت جنبه تمرة من الليل فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول الله أرقت البارحة؟ قال: "إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه" (٢). وقد جمع الحافظ بينه وبين حديث الباب بالحمل على التعدد وأنه لما أكل التمرة كما في حديث عمرو بن شعيب وأقلقه ذلك صار بعد هذا إذا وجد مثلها تركه احتياطًا، أو يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع، وفي حال تركه كان في خاصة نفسه (٣). وقال المهلب: إنما تركها تورعًا وليس بواجب؛ لأن الأصل أن كل شيء في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم (٤). * الوجه الرابع: قد يرد على الحديث سؤال وهو: لماذا ترك النبي ﷺ التمرة في الطريق؟ وأجيب عنه بجوابين: ١ - أنه يحتمل أنه أخذها، إذ ليس في الحديث ما ينفي ذلك. ٢ - أنه تركها عمدًا لينتفع بها من يجدها ممن تحل له الصدقة (٥). * الوجه الخامس: في الحديث دليل على تواضع النبي ﷺ فهو مع جلالة قدره وعلو مرتبته لا يترفع عن أن يجد قليلًا حقيرًا فيأخذه ويأكله؛ لأنه من نعم الله تعالى، والله تعالى أعلم.

стр. 2835

باب اللقطة اللقطة: بضم اللام وفتح القاف والطاء من لقط الشيء: إذا رفعه من الأرض. والمراد بها: المال يوجد في الطريق ونحوه ولا يعرف له صاحب. وقولنا: (ولا يعرف له صاحب) هذا شرط اللقطة، فإن كان المال يعرف صاحبه فليس بلقطة ويجب رده إليه. واللقطة باعتبار الشيء الملقوط هل يملك أو لا، وهل يعرَّف أو لا؟ ثلاثة أقسام: ١ - ما تقل قيمته ولا تتبعه همة أوساط الناس إذا فقد، مثل: الرغيف والحبل والسوط وبعض الأقلام الرخيصة. ٢ - الحيوان الممتنع بنفسه من صغار السباع كالذئب والثعلب وولد الأسد ونحوها، مثل: الإبل، وسائر الطيور، والظباء. ٣ - ما عدا هذين القسمين، ويدخل فيه ما يهتم فيه الناس؛ كالدراهم والأمتعة وما لا يمتنع من صغار السباع؛ كالغنم، والفصلان، والعجاجيل، وسيأتي حكم كل قسم. وقد اختلف العلماء في الالتقاط هل هو أفضل أو الترك؟ على أربعة أقوال: القول الأول: أن الالتقاط أفضل من الترك، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وقول لمالك، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة، إذا كانت اللقطة بمضيعة وأمن نفسه عليها (١).

стр. 2836

واستدلوا بما يلي: ١ - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه: وسأله عن ضالة الغنم؟ فقال: (لك أو لأخيك، أو للذئب، اجمعها إليك حتى يأتي باغيها) (١). ٢ - أن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه. ٣ - أن مؤنة اللقطة خفيفة ولا تحتاج إلى غذاء يخشى المسؤولية فيها. والقول الثاني: أن الترك أفضل، وهذا قول مالك وأحمد، وهو مروي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهمم - وجماعة من السلف؛ لأن فيه تعريضَ نفسه لأكل الحرام، وقد يُضَيِّعُ الواجب من حفظها وتعريفها (٢). والقول الثالث: أنه مخير بين أخذها وتركها، وقد ذكر ابن عبد البر أنه مذهب أصحاب مالك، لظاهر حديث زيد بن خالد ﵁ الآتي (٣). والقول الرابع: أنه يجب الالتقاط، وهو قول للشافعي، بدليل ما ورد في حرمة مال المسلم وأنها كحرمة دمه (٤). والذي يظهر -والله أعلم- التفصيل، وهو أن من أمِنَ على نفسه من الخيانة ووثق بأنه سيحفظها ويعرفها سنة فالأولى الالتقاط؛ لأن في ذلك حفظ مال الغير وعدم تعريضه لأن يأخذه من لا يقوم بحقه، وأما من عرف من نفسه التدني إلى الخيانة والعجز عن تعريفها فالأولى في حقه الترك بل يجب؛ لأنه يعرض نفسه للوقوع في الحرام، ويحرم صاحبها منها، والله تعالى أعلم.

стр. 2837

أحكام اللقطة ٩٤٢/ ٢ - عَنْ زَيدِ بْنِ خَالدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَال: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا"، قَال: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَال: "هِيَ لَكَ أَوْ لأَخيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ"، قَال: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَال: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتى يَلْقَاهَا رَبُّها"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ٩٤٣/ ٣ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث زيد بن خالد ﵁ الأول فقد أخرجه البخاري في تسعة مواضع من "صحيحه"، أولها في كتاب "العلم"، باب (الغضب في الموعظة والتعليم) (٩١)، ومسلم (١٧٢٢) من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني مرفوعًا. وهو من الأحاديث الأصول في هذا الباب، حيث اشتمل على مسائل كثيرة، وورد بألفاظ متعددة، ولذا أخرجه البخاري في خمسة مواضع من كتاب "اللقطة". وأما حديثه الثاني فقد أخرجه مسلم في "اللقطة" (١٧٢٥) من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد ﵁ مرفوعًا.

стр. 2838

* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (جاء رجل) في رواية للبخاري: (جاء أعرابي) ولم يقم برهان على تعيين الرجل، ولا يترتب على معرفته حكم شرعي. قوله: (عن اللقطة) أي: سأله عن حكمها شرعًا وليس عن معناها؛ لأنه سؤال للنبي ﷺ . قوله: (اعرف عِفاصها) في رواية: (سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب أو الورق، فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها") والعِفاص: بكسر العين، هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدًا كان أو خرقة أو غير ذلك. قوله: (ووكاءها) الوكاء: بكسر الواو ممدودًا، هو الخيط الذي يُشد به رأس الكيس والجراب والقربة، ونحو ذلك من العلامات. والمراد من معرفة ذلك ليعلم صدق واصفها من كذبه، ولئلا تختلط بماله وتشتبه. قوله: (ثم عرِّفها سنة) بالتشديد وكسر الراء، أمر من التعريف؛ أي: اذكرها للناس، وذلك في الموضع الذي وجدها فيه، وكذا في المجامع العامة كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك، والتعبير بـ (ثم) يدل على المبالغة في شدة التثبت في معرفة العفاص والوكاء؛ لأنها تفيد التراخي والمهلة. قوله: (فإن جاء صاحبها) جواب الشرط محذوف؛ أي: فوصفها فادفعها إليه، دل على ذلك رواية "الصحيحين": "فإن جاء ربها فأدها إليه" (١). قوله: (وإلا فشأنك بها) الشأن هو الحال والأمر؛ أي: تصرف بها، وهو بالنصب مفعول لفعل مقدر؛ أي: الزم شأنك بها، وبالرفع: مبتدأ خبره ما بعده؛ أي: شأنك متعلق بها. قوله: (فضالة الغنم) مبتدأ حذف خبره؛ أي: ما حكمها؟ وهو من باب

стр. 2839

إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: فالغنم الضالة، قال الأزهري وغيره: (لا يقع اسم الضالة إلا على الحيوان، يقال: ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان، وأما الأمتعة وما سوى الحيوان فيقال لها: لقطة، ولا يقال لها ضالة) (١). قوله: (قال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب") أو: للتقسيم والتنويع، والمراد بـ (أخيك) أخوة الدين، وهو رجل آخر يراها فيأخذها، ويدخل في ذلك صاحبها. والمراد بالذئب: جنس ما يأكل الشاة من السباع، والمعنى: أن الشاة ضعيفة معرضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك أو يأكلها الذئب إذا تركت. قوله: (ما لك ولها) استفهام إنكاري؛ أي: ما لك ولأخذها، والحال أنها مستقلة بأسباب تمنعها من الهلاك، ويدل على ذلك رواية: (فغضب حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه، ثم قال: "ما لك ولها … " (٢))، ولعل وجه الغضب إما أن الرسول ﷺ قد نهى قبل ذلك عن التقاطها، وإما لأن السائل قصر فهمه، فلم يراع المعنى الذي أشار إليه ولم ينتبه له، فقاس الشيء على غير نظيره (٣). قوله: (معها سِقاؤها) بكسر السين، هو جوفها الذي يحمل كثيرًا من الطعام والشراب. قوله: (وحِذاؤها) بكسر الحاء هو خفها، سمي بذلك لمتانته وصلابته بحيث تقوى به على قطع الأرض والسير في المسافة البعيدة. وهذا فيه تشبيه، فإنه شبه الإبل بمن كان معه حذاء وسقاء في السفر، بجامع القدرة على قطع المسافات البعيدة.

стр. 2840

وهذا فيه إشارة إلى أنه لا حاجة إلى التقاطها؛ لاستغنائها عن الحفظ بما ركَّب الله تعالى في طباعها من القدرة على ورود الماء ورعي الشجر والامتناع من السباع المفترسة. قوله: (حتى يلقاها ربها) أي: صاحبها الذي ضاعت منه، ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدًا، فيقال: رب الدار، ورب الدابة. قوله: (من آوى ضالة) أي: ضمها إلى ماله وخلطها معه، قال تعالى: ﴿آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] أي: ضمه إلى نفسه، يقال: آواه، وأواه. والضالة: يراد بها ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطه للتملك، بل إنها تلتقط حفظًا لها، فيكون معناه: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها أبدًا ولا يتملكها، فهذا نص مطلق في التعريف يبقى على إطلاقه؛ لأنه في الضالة، وأما التعريف سنة فهو في اللقطة. أو يراد بالضالة: اللقطة، ولا يحمل على الإبل ونحوها، مما لا يجوز التقاطه، لقوله: "ما لك ولها"؛ لأنه قال هنا: (ما لم يعرفها). قوله: (فهو ضال) الضال: هو المخطئ المجانب للصواب؛ أي: هو مائل عن الحق آثم؛ لأنه أخذ ما لا يجوز له أخذه، فيده يد غاصب. قوله: (ما لم يعرفها) هذا قيد يبين أنه ضال إذا أخذها ليتملكها، فإن أخذها ليعرفها فليس كذلك، لقوله في حديث زيد: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة". * الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلًا؛ لأنه ﵊ أجاب السائل بمعرفة العفاص والوكاء، وقال في الشاة: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، ولو كان الترك أفضل لأمر به النبي ﷺ كما في ضالة الإبل. * الوجه الرابع: الحديث دليل على أن واجد اللقطة عليه أن يعرف جميع صفاتها من الوعاء والخيط الذي ربطت به ونحو ذلك مما يحتاج إلى معرفته؛ لأجل أن يميزها عن ماله إن عاش، ويعرفها ورثته إن مات، ويعرف
следующие страницы →