واستدلوا بما يلي:
١ - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه: وسأله عن ضالة الغنم؟ فقال: (لك أو لأخيك، أو للذئب، اجمعها إليك حتى يأتي باغيها) (١).
٢ - أن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه.
٣ - أن مؤنة اللقطة خفيفة ولا تحتاج إلى غذاء يخشى المسؤولية فيها.
والقول الثاني: أن الترك أفضل، وهذا قول مالك وأحمد، وهو مروي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهمم - وجماعة من السلف؛ لأن فيه تعريضَ نفسه لأكل الحرام، وقد يُضَيِّعُ الواجب من حفظها وتعريفها (٢).
والقول الثالث: أنه مخير بين أخذها وتركها، وقد ذكر ابن عبد البر أنه مذهب أصحاب مالك، لظاهر حديث زيد بن خالد ﵁ الآتي (٣).
والقول الرابع: أنه يجب الالتقاط، وهو قول للشافعي، بدليل ما ورد في حرمة مال المسلم وأنها كحرمة دمه (٤).
والذي يظهر -والله أعلم- التفصيل، وهو أن من أمِنَ على نفسه من الخيانة ووثق بأنه سيحفظها ويعرفها سنة فالأولى الالتقاط؛ لأن في ذلك حفظ مال الغير وعدم تعريضه لأن يأخذه من لا يقوم بحقه، وأما من عرف من نفسه التدني إلى الخيانة والعجز عن تعريفها فالأولى في حقه الترك بل يجب؛ لأنه يعرض نفسه للوقوع في الحرام، ويحرم صاحبها منها، والله تعالى أعلم.
стр. 2837
أحكام اللقطة
٩٤٢/ ٢ - عَنْ زَيدِ بْنِ خَالدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَال: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا"، قَال: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَال: "هِيَ لَكَ أَوْ لأَخيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ"، قَال: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَال: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتى يَلْقَاهَا رَبُّها"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
٩٤٣/ ٣ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث زيد بن خالد ﵁ الأول فقد أخرجه البخاري في تسعة مواضع من "صحيحه"، أولها في كتاب "العلم"، باب (الغضب في الموعظة والتعليم) (٩١)، ومسلم (١٧٢٢) من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني مرفوعًا.
وهو من الأحاديث الأصول في هذا الباب، حيث اشتمل على مسائل كثيرة، وورد بألفاظ متعددة، ولذا أخرجه البخاري في خمسة مواضع من كتاب "اللقطة".
وأما حديثه الثاني فقد أخرجه مسلم في "اللقطة" (١٧٢٥) من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد ﵁ مرفوعًا.
стр. 2838
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (جاء رجل) في رواية للبخاري: (جاء أعرابي) ولم يقم برهان على تعيين الرجل، ولا يترتب على معرفته حكم شرعي.
قوله: (عن اللقطة) أي: سأله عن حكمها شرعًا وليس عن معناها؛ لأنه سؤال للنبي ﷺ .
قوله: (اعرف عِفاصها) في رواية: (سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب أو الورق، فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها") والعِفاص: بكسر العين، هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدًا كان أو خرقة أو غير ذلك.
قوله: (ووكاءها) الوكاء: بكسر الواو ممدودًا، هو الخيط الذي يُشد به رأس الكيس والجراب والقربة، ونحو ذلك من العلامات.
والمراد من معرفة ذلك ليعلم صدق واصفها من كذبه، ولئلا تختلط بماله وتشتبه.
قوله: (ثم عرِّفها سنة) بالتشديد وكسر الراء، أمر من التعريف؛ أي: اذكرها للناس، وذلك في الموضع الذي وجدها فيه، وكذا في المجامع العامة كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك، والتعبير بـ (ثم) يدل على المبالغة في شدة التثبت في معرفة العفاص والوكاء؛ لأنها تفيد التراخي والمهلة.
قوله: (فإن جاء صاحبها) جواب الشرط محذوف؛ أي: فوصفها فادفعها إليه، دل على ذلك رواية "الصحيحين": "فإن جاء ربها فأدها إليه" (١).
قوله: (وإلا فشأنك بها) الشأن هو الحال والأمر؛ أي: تصرف بها، وهو بالنصب مفعول لفعل مقدر؛ أي: الزم شأنك بها، وبالرفع: مبتدأ خبره ما بعده؛ أي: شأنك متعلق بها.
قوله: (فضالة الغنم) مبتدأ حذف خبره؛ أي: ما حكمها؟ وهو من باب
стр. 2839
إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: فالغنم الضالة، قال الأزهري وغيره: (لا يقع اسم الضالة إلا على الحيوان، يقال: ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان، وأما الأمتعة وما سوى الحيوان فيقال لها: لقطة، ولا يقال لها ضالة) (١).
قوله: (قال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب") أو: للتقسيم والتنويع، والمراد بـ (أخيك) أخوة الدين، وهو رجل آخر يراها فيأخذها، ويدخل في ذلك صاحبها.
والمراد بالذئب: جنس ما يأكل الشاة من السباع، والمعنى: أن الشاة ضعيفة معرضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك أو يأكلها الذئب إذا تركت.
قوله: (ما لك ولها) استفهام إنكاري؛ أي: ما لك ولأخذها، والحال أنها مستقلة بأسباب تمنعها من الهلاك، ويدل على ذلك رواية: (فغضب حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه، ثم قال: "ما لك ولها … " (٢))، ولعل وجه الغضب إما أن الرسول ﷺ قد نهى قبل ذلك عن التقاطها، وإما لأن السائل قصر فهمه، فلم يراع المعنى الذي أشار إليه ولم ينتبه له، فقاس الشيء على غير نظيره (٣).
قوله: (معها سِقاؤها) بكسر السين، هو جوفها الذي يحمل كثيرًا من الطعام والشراب.
قوله: (وحِذاؤها) بكسر الحاء هو خفها، سمي بذلك لمتانته وصلابته بحيث تقوى به على قطع الأرض والسير في المسافة البعيدة. وهذا فيه تشبيه، فإنه شبه الإبل بمن كان معه حذاء وسقاء في السفر، بجامع القدرة على قطع المسافات البعيدة.
стр. 2840
وهذا فيه إشارة إلى أنه لا حاجة إلى التقاطها؛ لاستغنائها عن الحفظ بما ركَّب الله تعالى في طباعها من القدرة على ورود الماء ورعي الشجر والامتناع من السباع المفترسة.
قوله: (حتى يلقاها ربها) أي: صاحبها الذي ضاعت منه، ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدًا، فيقال: رب الدار، ورب الدابة.
قوله: (من آوى ضالة) أي: ضمها إلى ماله وخلطها معه، قال تعالى: ﴿آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] أي: ضمه إلى نفسه، يقال: آواه، وأواه.
والضالة: يراد بها ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطه للتملك، بل إنها تلتقط حفظًا لها، فيكون معناه: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها أبدًا ولا يتملكها، فهذا نص مطلق في التعريف يبقى على إطلاقه؛ لأنه في الضالة، وأما التعريف سنة فهو في اللقطة.
أو يراد بالضالة: اللقطة، ولا يحمل على الإبل ونحوها، مما لا يجوز التقاطه، لقوله: "ما لك ولها"؛ لأنه قال هنا: (ما لم يعرفها).
قوله: (فهو ضال) الضال: هو المخطئ المجانب للصواب؛ أي: هو مائل عن الحق آثم؛ لأنه أخذ ما لا يجوز له أخذه، فيده يد غاصب.
قوله: (ما لم يعرفها) هذا قيد يبين أنه ضال إذا أخذها ليتملكها، فإن أخذها ليعرفها فليس كذلك، لقوله في حديث زيد: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة".
* الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلًا؛ لأنه ﵊ أجاب السائل بمعرفة العفاص والوكاء، وقال في الشاة: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، ولو كان الترك أفضل لأمر به النبي ﷺ كما في ضالة الإبل.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن واجد اللقطة عليه أن يعرف جميع صفاتها من الوعاء والخيط الذي ربطت به ونحو ذلك مما يحتاج إلى معرفته؛ لأجل أن يميزها عن ماله إن عاش، ويعرفها ورثته إن مات، ويعرف
стр. 2841
بذلك صدق مدعيها من كذبه، ويستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان (١).
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على وجوب المحافظة على اللقطة والعناية بها كسائر الأمانات؛ لأنه ﷺ أمره بمعرفة العفاص، والوكاء، وهذا من تمام حفظها وأدائها إلى ربها، ومن مقاصد ذلك حفظها؛ لئلا يحصل تساهل في دفعها لغير صاحبها.
* الوجه السادس: وجوب تعريف اللقطة سنة كاملة في مجامع الناس وفي مكان وجودها؛ لأنه مكان بحث صاحبها عنها، ولا يكفي أن يعرفها سرًّا بينه وبين بعض الناس، بل عليه أن يعرفها تعريفًا ظاهرًا.
وإن وجدها في البادية عرفها في المدن والقرى القريبة من البادية التي وجدها فيها، وإن وجدها في الطرق السريعة بين المدن، فإن كانت يسيرة فحكمها حكم الأموال التي لا يرجى وجود أصحابها كالعواري والودائع والغصوب، ونحوها، فيتصدق بها عن صاحبها مضمونة، ولا يجوز لمن هي في يده الأكل منها وإن كان محتاجًا، وقد ذكر ابن رجب عن القاضي تخريجًا بجواز الأكل إذا كان فقيرًا على الروايتين في جواز شراء الوكيل من نفسه، وفيه وجاهة (٢)، فإن كانت لقطة خطيرة أمكن تعريفها بواسطة وسائل الإعلام من صحافة أو غيرها، والله أعلم.
ولا يلزم الاستيعاب بحيث يعرفها في الليل والنهار، ولا استيعاب الأيام، بل على المعتاد، فيعرف في الابتداء كل يوم مرتين في طرفي النهار، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرة، وهكذا …
ويبلغ الجهات المسؤولة كدوائر الشرطة، ويعلن عنها في الوسائل المعاصرة من الصحف والإذاعة وغيرهما، وهذا إذا كانت لقطة خطيرة، ولا يجب تعريفها بعد السنة.
فإن ضاعت اللقطة أو تلفت في مدة التعريف فليس عليه شيء؛ لأن يده
стр. 2842
يد أمانة في أثناء حول التعريف، والأمين لا ضمان عليه، وإن ضاعت بعد حول التعريف فعليه الغرامة؛ لأنها صارت دينًا عليه؛ لكونها دخلت في ملكه وتلفت من ماله، والقول الثاني: أنه لا يضمن (١).
* الوجه السابع: الحديث دليل على أنه إذا جاء رب اللقطة وأخبر الملتقط بعلامتها دفعها إليه، وهذه فائدة معرفة العفاص والوكاء، كما تقدم، ولا يحتاج في ذلك إلى بينة من شهود أو يمين؛ لأن وصفها هو بينتها، هذا هو ظاهر الحديث، وهذا هو الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنه لو كانت إقامة البينة شرطًا في الدفع لما كان لذكر العفاص والوكاء والعدد معنى، فإنه يستحقها بالبينة على كل حال، ولما جاز سكوت النبي ﷺ عن ذلك، والمقام مقام بيان.
وقد جاء في إحدى الروايات: (فإن جاء ربها فأدها إليه) (٢). ولم يذكر بينة، إلا ما يفهم من قوله: "اعرف وكاءها وعفاصها" وقد جاء في حديث أُبي بن كعب: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها" (٣). وهذا فيه دليل على جواز حَلِّ وكائها لمعرفة العدد، وقد أخذ بهذا بعض أهل العلم، فقال: لا بد من معرفة المدعي جميع الأوصاف، وهي الوكاء والوعاء والعدد.
وقال آخرون: لا يشترط ذكر العدد؛ لأنه لم يرد في حديث زيد بن خالد، والأول أقرب؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ (٤)، ولا سيما إذا كانت اللقطة من المعدودات؛ كالدراهم ونحوها.
ولا يعارض هذا حديث "البينة على المدعي"؛ لأن البينة ليست مقصورة على الشهود، بل هي عامة لكل ما يتبين به الحق، ومنها وصف العفاص والوكاء، فإن وصفها اثنان أقرع بينهما، فمن قَرَعَ كانت له.
стр. 2843
* الوجه الثامن: الحديث دليل على أنه إذا لم يجد صاحبها في مدة العام فإنه يتصرف فيها، سواء كان غنيًّا أم فقيرًا، لقوله: "فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها"، فإن جاء صاحبها بعد ذلك، فالجمهور على وجوب ردها إليه إن كانت موجودة، أو عوضها مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة، قال الموفق: (لا أعلم في هذا خلافًا) (١). وتدل على ذلك رواية: "فإن لم تعرف، فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه" (٢) .. والمراد: أنه لا ينقطع حق صاحبها بالكلية، وخالفت الظاهرية في ذلك، وسيأتي -إن شاء الله- دليلهم عند حديث عياض بن حمار ﵁.
والمراد بكونها وديعة: أنه يجب ردها، لا أنها وديعة حقيقية يجب أن تبقى عينها كسائر الودائع؛ لأن المأذون في إنفاقه لا تبقى عينه، ومن القواعد الفقهية: (إذا تعذر معرفة من له الحق جعل كالمعدوم)، فاللقطة إذا تعذر معرفة صاحبها بعد التعريف المعتبر شرعًا، فهي لواجدها.
* الوجه التاسع: الحديث دليل على جواز التقاط ضالة الغنم وجواز أكلها، لقوله: "هي لك أو لأخيك، أو للذئب"، قال ابن عبد البر: (أجمعوا على أن آخذ ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها) (٣).
فإن جاء صاحبها لزمته غرامتها عند الجمهور؛ لأنهم أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها، فدل على أنها باقية على ملك صاحبها.
وقال مالك: لا يضمن، واحتج بالتسوية بين الملتقط والذئب، والذئب لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط، ولم يوافق مالكًا أحد من العلماء على قوله.
قال ابن عبد البر: (الوجه تضمين آكلها إن شاء الله). اهـ (٤). وذلك لأن (اللام) ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يملكها الملتقط على شرط
стр. 2844
ضمانها، هذا هو الظاهر. وله أن يفعل الأصلح من بيعها وحفظ ثمنها، أو أكلها وضمانها، أو إبقائها عنده مضمونة.
* الوجه العاشر: الحديث دليل على أنه لا يجوز التقاط ضالة الإبل؛ لأن لها من طبيعتها وتركيب الله إياها ما يحفظها ويمنعها، لكن إن وجدت في مهلكة ردت بقصد الإنقاذ لا الالتقاط، ويقاس على الإبل ما يمتنع من صغار السباع لكبر جثته كالخيل والبقر، أو يمتنع بطيرانه كالطيور المملوكة، أو بِعَدْوهِ كالغزلان، والله تعالى أعلم.
стр. 2845
مشروعية الإشهاد على اللقطة
٩٤٤/ ٤ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَي عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوكَاءَهَا، ثُمّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشَاءُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبّانَ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عياض بن حمار -بكسر الحاء المهملة باسم الحيوان المشهور- بن أبي حمار بن ناجية التميمي المجاشعي ﵁، كان صديقًا للرسول ﷺ قديمًا، وأهدى للنبي ﷺ بعد البعثة قبل أن يسلم، فلم يقبل منه (١)، سكن البصرة، روى عنه مطرف بن عبد الله بن الشخير، وأخوه يزيد بن عبد الله، والحسن البصري، وغيرهم (٢).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (٢٩/ ٢٧)، وأبو داود في كتاب "اللقطة" (١٧٠٩)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٤٣٦)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، وابن حبان (١١/ ٢٥٦)، وابن الجارود (٦٧١) كلهم من طريق خالد الحذاء، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن مطرف، عن عياض بن حمار مرفوعًا.
стр. 2846
وهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير صحابيه فمن رجال مسلم، وصححه ابن عبد الهادي (١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (فليشهد ذوي عدل) رواية النسائي: "ذا عدل أو ذوي عدل" بالشك، وهذا أمر من الإشهاد على أنه أخذها ليحفظها على صاحبها، وهو أمر إيجاب. وقيل: أمر تأديب واستحباب، لما سيأتي.
والعدل: كل من رضيه الناس واطمأنوا إلى قوله وخبره، قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢) وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب "الشهادات" إن شاء الله تعالى.
قوله: (ثم لا يكتم) أي: لا يخفي اللقطة، وذلك بأن يجحدها ولا يعرفها.
قوله: (ولا يغيب) بضم الياء وفتح الغين المعجمة وتشديد التحتية؛ أي: لا يجعل اللقطة غائبة بأن يرسلها إلى مكان آخر. وقد جاء لفظ ابن حبان (ولا يغير) بدل (ولا يغيب).
قوله: (وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) أي: وإلا يحضر صاحب اللقطة بعد حول التعريف تكن للملتقط ينتفع بها، كما تقدم.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الإشهاد عند وجود اللقطة لمن أراد أخذها، والحكمة من ذلك:
١ - صيانة نفسه من الطمع فيها.
٢ - لأنه لا يأمن من تسويل الشيطان وانبعاث الرغبة في هذه اللقطة، فيدعوه ذلك إلى الخيانة بعد الأمانة فيجحدها.
٣ - حفظها من ورثته إذا مات؛ لأنه لا يؤمن من حدوث المنية به، فيدعيها ورثته، ويحوزونها في تركته، أو يستولي عليها غرماؤه إن أفلس، وقد
стр. 2847
استحب بعض العلماء كتابتها، كما تقدم (١).
ويكون الإشهاد على وجدانها، لا على صفاتها، لئلا تشيع أوصافها، فيدعيها غير صاحبها.
* الوجه الخامس: اختلف العلماء في حكم الإشهاد على اللقطة على قولين:
الأول: أن الإشهاد مستحب، وهذا قول مالك، وهو المذهب عند الحنابلة، وأحد قولي الشافعي (٢)، واستدلوا بأن الإشهاد لم يذكر في الأحاديث الصحيحة، فيحمل في هذا الحديث على الندب، إذ لو كان واجبًا لبينه النبي ﷺ فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيما وقد سئل عن حكم اللقطة كما في حديث زيد بن خالد ﵁، فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها، فيتعين حمل الأمر على الاستحباب، ولأنه أخْذُ أمانة فلم يفتقر إلى الإشهاد.
والقول الثاني: أن الإشهاد واجب، وهو قول في المذهب عند الحنابلة، اختاره جمع منهم، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، واختاره الصنعاني (٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز. مستدلين بهذا الحديث، فإن قوله: "فليشهد" أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولا ينافي ذلك عدم ذكره في الأحاديث الأخرى؛ لأنها زيادة صحيحة، فيجب العمل بها، قالوا: ولأنه إذا لم يشهد، كان الظاهر أنه أخذها لنفسه.
والذي يظهر -والله أعلم- هو القول بوجوب الإشهاد لصحة الحديث بذلك، ولما فيه من المصالح، كما تقدم.
* الوجه السادس: الحديث دليل على أن الملتقط مطالب بمعرفة
стр. 2848
العفاص، والوكاء، كما تقدم، ومنهيٌّ عن كتم اللقطة وإخفائها، أو إخفاء شيء من صفاتها ليضل صاحبها إذا وصفها، كما أنه منهي أن يغيب أو يغير شيئًا منها، فإن فعل فهو ظالم في أمانته.
* الوجه السابع: استدل ابن حزم الظاهري بقوله: "فهو مال الله يؤتيه من يشاء" على أن اللقطة بعد الحول تصير ملكًا للملتقط، ولا يضمنها لو جاء صاحبها بعد ذلك (١).
وأجاب الجمهور بأن هذا النص المطلق مقيد بما تقدم من إيجاب الضمان في حديث زيد بن خالد ﵁، ويكون المراد بقوله: (يؤتيه من يشاء) إباحة الانتفاع باللقطة بعد مرور حول التعريف.
* الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن جحد الملتقط اللقطة معتبر، وأن القول قوله في هلاكها وفي قدرها وفي نقصها، ووجه الاستدلال: أن الشرع نهاه عن كتم بعض صفاتها وذلك لأنه أمين، والأمين يقبل قوله فيما أؤتمن عليه مع يمينه، والله تعالى أعلم.
стр. 2849
حكم لقطة الحاج
٩٤٥/ ٥ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيمِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي، ابن أخي طلحة بن عبيد الله، كان من مسلمة الفتح، وقيل: أسلم في الحديبية، وأول مشاهده عمرة القضاء، روى عنه أولاده عثمان ومعاذ وهند، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب وغيرهم. قتل مع ابن الزبير ﵁ في مكة في يوم واحد سنة ثلاث وسبعين ﵁ (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
أخرجه مسلم في كتاب "اللقطة" بابٌ (في لقطة الحاج) (١٧٢٤) من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، مرفوعًا.
وأخرجه أبو داود (١٧١٩) بزيادة: قال ابن وهب: يعني: يتركها حتى يجدها صاحبها.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم لقطة الحاج، وهي المال الذي يضيع من أحد الحجاج. ومن أهل العلم من خص لقطة الحاج بالحرم،
стр. 2850
ومنهم من قال: إن الحديث مطلق في مكة أو غيرها كالمشاعر، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وتقييده بالحرم محل نظر، والأولى إطلاقه كما أطلقه النبي ﷺ ).
وعلى هذا فهناك فرق بين لقطة مكة الواردة في حديث ابن عباس ﵄ في قوله ﷺ : "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد" وبين لقطة الحاج الواردة في هذا الحديث، وهو أن لقطة الحاج تكون في أيام الحج وفي أمكنة تجمع الحجاج وازدحامهم، سواء في مكة أو غيرها؛ كعرفات وطرق الحجاج القريبة من الحرم والمشاعر، أما لقطة مكة فهي عامة في جميع السنة، ومختصة بمكة دون غيرها.
ولعل وجه النهي عن لقطة الحاج أن ملتقطها ييأس من وجود صاحبها، وصاحبها ييأس من وجودها، لتفرق الخلق إلى الآفاق البعيدة، فربما دَاخَلَ الملتقطُ الطمعَ في تملكها من أول وهلة، فلا يعرفها، فنهى الشارع عن ذلك.
* الوجه الرابع: اختلف العلماء في لقطة مكة على قولين:
القول الأول: أن لقطة مكة تختلف عن غيرها، فهي لا تحل إلا لمن يريد أن يحفظها لصاحبها وأن يعرفها أبدًا من غير توقيت بسنة، وهذا قول الشافعية في الصحيح من المذهب، وأحمد في رواية عنه، وبعض المالكية؛ كالباجي وابن العربي وابن رشد والقرطبي (١)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٢).
واستدلوا بقوله ﷺ في مكة كما في حديث ابن عباس ﵄: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد" أي: لا تحل إلا لمن يريد أن يعرفها فقط، فأما من أراد أن يعرفها ثم يمتلكها فلا، إذ لو كانت تملك بعد التعريف لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا (٣).
стр. 2851
وأيدوا قولهم بنهي النبي ﷺ عن لقطة الحاج، قالوا: فلقطة الحاج لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة، وذلك لإمكان إيصالها إلى أربابها؛ لأنه إن كان من أهل مكة فظاهر، وإن كان غريبًا لا يقيم بها فإنه لا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، ولا سيما في زماننا هذا مع تيسر سبل النقل، فقد يأتي صاحبها وقد يوصي غيره من أهل بلده، فإذا عَرَّفَها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها (١).
القول الثاني: أن لقطة مكة كغيرها في التعريف والتملك، فإذا عرفها سنة تملكها، وهذا مروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃، وهو قول المالكية في المشهور، والحنابلة في المعتمد من المذهب، والشافعية في وجه، والحنفية، واستدلوا بحديث زيد بن خالد المتقدم، فإن النبي ﷺ بين حكم اللقطة، ولم يفرق بين لقطة الحرم وغيرها.
وأجابوا عن حديث ابن عباس "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" بأن الرسول ﷺ نصَّ على التعريف؛ لئلا يتوهم أن تعريفها مختص بأيام المواسم، وإنما هو حول كامل، أو لئلا يتوهم أنها لا تحتاج إلى تعريف، بسبب أن ما وجد فيها فالغالب أنه للغرباء، وقد تفرقوا، فلا فائدة في التعريف، فيسقط كما سقط فيما يباح التقاطه بلا تعريف، فبين الرسول ﷺ أنها كغيرها من البلاد في وجوب التعريف، أو أن المراد المبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده، وقد لا يعود إلا بعد أعوام، أو لا يعود أبدًا، فاحتاج الملتقط إلى المبالغة في التعريف (٢).
والقول الأول هو الراجح؛ لقوة أدلته وسلامتها من الإعتراض، وأما القول الثاني فهو ضعيف، فإن قوله ﷺ : "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد" نص صريح في ضمن خصائص مكة ومزاياها على سائر البلاد، ومن ذلك حرمة تملك لقطتها.
стр. 2852
والحكمة في ذلك -والله أعلم- زيادة الأمن على الأموال بمكة، فإن الناس لا يلتقطون اللقطة إذا علموا أنهم لا يملكونها بالتعريف، فإذا تركوها عاد صاحبها فوجدها (١).
أما استدلالهم بعموم حديث زيد بن خالد فليس بمسلَّم؛ لأنه نص عام مخصَّص بحديث ابن عباس ﵄ قال أبو عبيد: (ولو كان هذا هكذا -أي: على عمومه- لما كانت مكة مخصوصة بشيء دون البلاد؛ لأن الأرض كلها لا تحل لقطتها إلا بعد الإنشاد) (٢).
وأما أجوبتهم عن حديث ابن عباس فهي -كما يقول النووي-: تأويلات ضعيفة (٣). ووجه ذلك أن الحديث جاء لبيان ما اختصت به مكة من الفضائل؛ كتحريم صيدها وشجرها، فإذا سُوِّيت لقطتها بغيرها صار ذكر اللقطة في الحديث خاليًا من الفائدة (٤)، والله تعالى أعلم.
стр. 2853
حكم لقطة المعاهد
٩٤٦/ ٦ - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إلا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو كريمة المقدام بن معدي كرب الكندي، في نسبه وكنيته خلاف، وهو أحد الوافدين الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من كندة، يعد في أهل الشام وحديثه فيهم.
روى عنه ابنه يحيى، وحفيده صالح بن يحيى، وعبد الرحمن بن أبي عوف، وسليمان بن عامر، وخالد بن معدان، والشعبي، وغيرهم.
مات بالشام سنة سبع وثمانين، وله إحدى وتسعون سنة ﵁ (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
أخرجه أبو داود في كتاب "الأطعمة"، باب (النهي عن أكل السباع) (٣٨٠٤) من طريق مروان بن رؤبة التغلبي، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب، مرفوعًا. وتمامه: "وأيما رجل ضاف قومًا فلم يُقْرُوه، فإن له أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه".
والحديث رجاله ثقات، غير مروان بن رؤبة، فإنه لم يوثقه إلا ابن
стр. 2854
حبان (١). ورمز له الحافظ في "التقريب" بـ (مقبول) أي: في المتابعات، وقد تابعه حَرِيز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام، به، أخرجه أبو داود (٤٦٠٤) وأحمد (٢٨/ ٤١٠ - ٤١١).
وحريز وهو ابن عثمان الرحبي ثقة ثبت، ومن رجال البخاري، فالسند صحيح، والحديث صححه الألباني في "المشكاة" (٢).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (ألا لا يحل) ألا: أداة استفتاح وتنبيه، وهي من صيغ التوكيد عند البلاغيين.
قوله: (ذو ناب) الناب: هو السن الذي خلف الرباعية، وهو للسبع بمنزلة المخلب للطير الجارح، وهو على حذف مضاف؛ أي: لا يحل أكل ذي ناب.
قوله: (من السباع) من: بيانية؛ لأن الناب يكون للسباع وغيرها، والسباع: جمع سبع، بفتح السين وضم الباء، وهو ما يفترس الحيوان ويأكله قهرًا وقسرًا، ويعدو على الناس؛ كالذئب والأسد والنمر ونحوها.
قوله: (ولا الحمار الأهلي) نسبة إلى الأهل؛ لكونه مستأنسًا مع الناس، أليفًا لهم، بخلاف الحمار الوحشي الذي هو نوع من الصيد.
قوله: (من مال معاهد) المعاهد: هو الذي أُعطي عهدًا للبقاء في دار الإسلام، بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإسلام. ووجه تخصيصه: زيادة الاهتمام؛ لأنه قد يتوهم حِلُّ لقطته بسبب كفره.
قوله: (فله أن يُعْقِبَهُمْ) بضم الياء من الإعقاب أي: أن يتبعهم، والمعنى: فله أن يأخذ منهم عوضًا عما حرموه من القِرَى.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن اللقطة من مال المعاهد؛
стр. 2855
كاللقطة من مال المسلم؛ لأنه معصوم فلا تؤخذ لقطته، بل تعرَّف كغيرها؛ لأن له عهدًا وذمة، فلا يجوز التعدي على ماله بحكم كفره، إلا أن يستغني عنها بأن تكون حقيرة مرغوبًا عنها؛ كالسوط والرغيف ونحو ذلك مما لا تتبعه همة أوساط الناس، وكذا ما تركه صاحبه رغبة عنه، فهذا مباح أخذه، ويملك بمجرد التقاطه.
ولقطة المعاهد ليس فيها أمارة تدل عليها غالبًا، ولكن وجودها في حيٍّ أهلُه أو غالبهم أهلُ ذمة قرينة قوية على أنها لقطة معاهد.
* الوجه الخامس: الحديث دليل على عدالة الإسلام وعنايته بأموال المعاهدين؛ لأن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا ما داموا ملتزمين بأحكام الإسلام، والله تعالى أعلم.
стр. 2856
باب الفرائض
لو عبَّر بكتاب الفرائض، كما فعل ابن عبد الهادي وغيره لكان أحسن؛ لأنه مستقل عما قبله من البيوع وتوابعه.
والفرائض: جمع فريضة، وهي في الأصل اسم مصدر من فرض وافترض، والفرض في اللغة له معان منها: التقدير، والفرائض: التقديرات؛ لأنه يجعل فيها لكل شخص قدرًا معلومًا من مال الميت (١). ومنها: القطع، يقال: فرضت لفلان كذا من المال؛ أي: قطعت له شيئًا منه، وخصت المواريث باسم الفرائض. من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] أي: مقطوعًا به، والمفروض ما تحتم فعله.
واصطلاحًا: فقه المواريث، وما يضم إلى ذلك من حسابها.
والمقصود بعلم الفرائض هو فقهها وفهمها، أما حسابها فوسيلة محضة تسلك عند الحاجة إليها.
وموضوعه: التركات.
وفائدته: إيصال نصيب كل وارث إليه.
وحكمه: فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الفرض عن الباقين؛ لأنه وسيلة إيصال الحقوق الواجبة إلى مستحقيها.
وقد فرض الله تعالى المواريث بحكمته وعلمه، وقسمها بين أهلها أحسن قَسْمٍ وأعدله، بحسب ما تقتضيه حكمته البالغة، ورحمته الشاملة، وعلمه الواسع، وبيَّن ذلك أتم بيان، فجاءت آيات المواريث وأحاديثها شاملة لكل ما
стр. 2857
يمكن وقوعه من المواريث، لكن منها ما هو صريح ظاهر، ومنها ما يحتاج إلى تأمل وتدبر (١).
وقد اشتهرت الأخبار بالحث على تعلم الفرائض وتعليمها الناس، وهي أحاديث ضعيفة، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة تعلموا الفرائض، وعلموها، فإنه نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي" (٢).
وهذا الحديث معناه صحيح، تشهد له عمومات الأدلة كآيات المواريث وأحاديثها، والنصوص الدالة على فضل طلب العلم، ويؤيده الواقع، فينبغي لطالب العلم العناية بالفرائض، والحرص على تعلمها وإتقانها، لأمرين:
الأول: أنه يروى أنه ينزع في آخر الزمان، والواقع شاهد بذلك.
الثاني: شدة الحاجة إليه، وأن الناس بحاجة إلى من يقسم بينهم مواريثهم.
стр. 2858
تقديم أصحاب الفروض على العصبات
٩٤٧/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيه.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في أكثر من موضع من كتاب "الفرائض"، وأولها باب (ميراث الولد من أبيه وأمه) (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦٥٦) من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، مرفوعًا.
وأخرجه مسلم -أيضًا- من طريق معمر، عن ابن طاوس، بلفظ: "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر".
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ألحقوا الفرائض) بفتح الهمزة وكسر الحاء؛ أي: أوصلوا، والمراد بالفرائض هنا: الأنصباء المذكورة في كتاب الله تعالى.
قوله: (بأهلها) أي: بالمستحقين لها، كما ذكر الله تعالى في كتابه.
قوله: (فما بقي) أي: فما فضل بينهم من المال بعد إيصال ذوي الفروض فروضهم.
قوله: (فهو لأولى رجل) أولى: مأخوذ من الولي -بإسكان اللام- وهو القرب؛ أي: أقرب رجل نسبًا من الميت، وهذا تفسير جماعة من الأئمة؛
стр. 2859
كالإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (١)، وأقرب الرجال من الميت على الإطلاق أبناؤه، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم أبوه، ثم جده وإن علا، ثم إخوته وبنو إخوته، ثم أعمامه وبنو أعمامه، والتقييد بالرجل خرج مخرج الغالب وإلا فالمعتقة عصبة.
قوله: (ذكر) هذا اللفظ ثبت في "الصحيحين"، ولم يرد عند أبي داود (٢)، فإن قيل: ما فائدة وصف الرجل بالذكورة وهو لا يكون إلا ذكرًا، فالجواب: أن العلماء ذكروا لذلك عدة أجوبة، منها:
١ - لبيان أن المراد بالرجل الذكر؛ لأن الرجل أصالة هو الرجل البالغ من بني آدم، وهذا ليس مرادًا هنا، وإنما المراد بيان سبب الاستحقاق، وهو الذكورية ليشمل الصغير، بخلاف ما عليه أهل الجاهلية من أنهم لا يورثون إلا الرجال البالغين، يقولون: لا يرث إلا من يركب الفرس، ويحمل الكلَّ، وينكأ العدو.
٢ - وقيل: لأن الرجل قد يطلق في نصوص الشرع ويراد به الشخص؛ كقوله: "من وجد ماله عند رجل قد أفلس" مع أن الحكم شامل للرجل والمرأة، فيكون تقييده بالذكر -هنا- ينفي هذا الاحتمال، ويخلصه للذكر دون الأنثى وهو المقصود، فإن قيل: هلا اقتصر على قوله: "ذكر" لحصول هذا المعنى مع الاختصار، أجيب عنه: بأن الاقتصار عليه يفوت إفادة إطلاق الرجل بمعنى الذكر.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب إعطاء ذوي الفروض فروضهم المنصوص عليها في كتاب الله تعالى وهي ستة: (نصف، وربع، وثمن، وثلث، وثلثان، وسدس) وأنهم مقدمون على العصبات، إذ لو ابتدئ بالعصبة لاستغرقوا جميع المال وسقط أصحاب الفروض؛ لأن العاصب يرث بلا تقدير، فإذا مات عن زوجة وابن، فللزوجة الثمن والباقي للابن.
стр. 2860
* الوجه الرابع: الحديث دليل على ميراث العصبة، وهم جمع عاصب، وهو من يرث بلا تقدير، والمراد هنا: العصبة من الفروع الذكور كالأبناء وأبنائهم وإن نزلوا، والأصول الذكور كالأب وأبيه وإن علا، والحواشي وهم فروع الأصول كالإخوة والأعمام وأبنائهم وإن نزلوا.
فإن كان مع العاصب صاحب فرض أخذ الباقي بعده كما تقدم، وإن استغرقت الفروض التركة سقط؛ كهالك عن زوج وشقيقتين وابن أخ شقيق، فللزوج النصف ثلاثة، وللشقيقتين الثلثان أربعة، فتعول إلى سبعة، ويسقط ابن الأخ؛ لأن الفروض استغرقت التركة، وإن انفرد العاصب أخذ جميع المال؛ كهالك عن عم شقيق.
* الوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب تقديم الأقرب فالأقرب من العصبة بحيث لا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب، لقوله: "فلأولى رجل ذكر"؛ كهالك عن أم وابن وابن أخ شقيق، فلا شيء لابن الأخ؛ لأن الابن أقرب منه، فيقدم الأقرب جهة كالابن مع الأب، فإن كانوا في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة، فيقدم الابن علي ابن الابن، والعم على ابن العم، فإن كانوا في منزلة واحدة وتميز أحدهم بقوة القرابة، ولا يتصور ذلك إلا في فروع الأصول؛ كالإخوة والأعمام مطلقًا وبنيهم، قدم الأقوى، وهو الذي يدلي بالأبوين -وهو الشقيق- على الذي لأب.
وموضوع ترتيب العصبة وجهات التعصيب محله كتب الفرائض.
* الوجه السادس: استدل العلماء بهذا الحديث على مسائل العول، وذلك أن أصحاب الفروض إذا كثروا وتزاحمت فروضهم ولم يحجب بعضهم بعضًا أنه يعوَّل لهم، فينقص من نصيب كل وارث بقدر نسبة ما عالت به المسألة إلى أصلها بعد العول.
ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بإعطاء ذوي الفروض فروضهم ولا يتحقق ذلك إذا كثرت الفروض وزادت على أصل المسألة إلا بالعول، وهذه قاعدة عامة في كل من اشتركوا في استحقاق شيء ولا يمكن أن يعطى كل
стр. 2861
واحد منهم حقه كاملًا، وليس لواحد منهم مزية تقديم، فإنهم ينقصون على قدر استحقاقهم، كما في الديون إذا كانت موجودات الغريم لا تفي بجميع ما عليه من الديون، وهكذا في الهبات والوصايا والأوقاف وغير ذلك (١).
* الوجه السابع: استدل العلماء بهذا الحديث على القول بالرد على الورثة عدا الزوجين إذا تعذر وجود العصبات، وبقي بعد الفروض بقية، فإنه يرد على الورثة بنسبة فروضهم؛ لأن من حكمة الفروض وتقديرها: أن تبقى البقية للعاصب، فإذا لم يوجد رُدَّ على المستحقين لعدم التزاحم. والله تعالى أعلم.
стр. 2862
لا توارث بين مسلم وكافر
٩٤٨/ ٢ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيه.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الفرائض"، باب (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له) (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤) من طريق ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد ﵁، مرفوعًا.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا توارث بين المسلم والكافر، فإذا كان الميت مسلمًا والوارث كافرًا أو بالعكس لم يحصل بينهما توارث، وذلك لأن رابطة الدين والعقيدة أقوى من رابطة النسب والنكاح والولاء، فإذا فقدت انقطعت الصلة بين المتوارثين شرعًا، ولهذا قال تعالى لنوح ﵊ عن ابنه الكافر: ﴿إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، وقد ذكر العلماء أن اختلاف الدين أحد موانع الإرث ولو وجد سبب الإرث من قرابة أو غيرها.
* الوجه الثالث: أجمع العلماء على أن الكافر لا يرث من قريبه المسلم إذا مات، واختلفوا في توريث المسلم من قريبه الكافر، فالجمهور على أنه لا توارث؛ لعموم هذا الحديث.
стр. 2863
وروي عن معاذ بن جبل وسعيد بن المسيب توريثه (١)، واحتجا بحديث "الإسلام يعلو ولا يعلى" وفي لفظ: "الإسلام يزيد ولا ينقص" (٢).
والصواب الأول؛ لأن هذا الحديث ليس فيه دليل على المدعى؛ لأنه ورد في عموم فضل الإسلام، ولم يتعرض للميراث، وحديث الباب نص واضح في هذه المسألة، ولعله لم يبلغ معاذًا وسعيدًا، والله أعلم.
* الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا توارث بين المسلم والكافر ولو بالولاء؛ لعموم حديث الباب، وهو مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد.
وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى استثناء التوارث بالولاء من هذا الحديث، وأنه لا يمنعه اختلاف الدين، فيرث المولى ممن له عليه ولاية وإن كان مخالفًا له في الدين، ودليل ذلك حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته" (٣).
والصواب قول الجمهور، وأنه لا يستثنى شيء؛ لعموم الحديث، وليس هناك دليل صحيح على استثناء هذه الصورة، فيبقى الحديث على عمومه.
وأما حديث جابر فهو ضعيف، وعلى فرض صحته فمعناه: أن ما بيد العبد إذا مات يكون لسيده، كما في حال الحياة، لا أن المراد به الإرث من العتيق؛ لأنه سماه عبدًا، والعبد لا ملك له وما بيده لسيده، ثم إنه إذا كان لا
стр. 2864
توارث بين المسلم والكافر بالنسب فالولاء من باب أولى؛ لأن ميراث النسب أقوى، وإذا منع الأقوى فالأضعف من باب أولى.
وبقي مسألة ثانية استثناها الحنابلة (١)، وهي إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة فيرث من قريبه المسلم ترغيبًا له في الإسلام.
والصواب قول الجمهور، وهو أنه لا يرث؛ لعموم هذا الحديث، ولأن الملك انتقل بالموت إلى المسلمين، فلم يشاركهم من أسلم بعد ذلك، كما لو اقتسموا، ولأن المانع من الإرث متحقق حال وجود الموت فلم يرث. والله تعالى أعلم.
стр. 2865
ما جاء في أن الأخوات مع البنات عصبة
٩٤٩/ ٣ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ في بِنْتٍ، وَبِنْتِ ابْنٍ، وَأُخْتٍ، فَقَضَى النَّبيُّ ﷺ : "للابْنَةِ النِّصْفُ، وَلابْنَةِ الابْنِ السُّدْسُ -تَكْمِلَةَ الثُّلُثَينِ- وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الفرائض"، باب (ميراث ابنة ابن مع ابنة) (٦٧٣٦) من طريق شعبة، حدثنا أبو قيس: سمعت هُذيل بن شرحبيل قال: سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود، وأُخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود. فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن البنت لها النصف إذا كانت واحدة ولم يوجد معها معصب وهو أخوها، ولا مشارك وهي أختها، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أعطى البنت مع أختها الباقي، ولم يعطها النصف، فدل على شرطية عدمه، وأنه تعالى أعطاها إذا كانت واحدة النصف،
стр. 2866
فدل على شرطية عدم المشارك (١).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن بنت الابن لها مع البنت السدس تكملة الثلثين إذا لم يوجد معها معصب، وهو أخوها، أو ابن عمها الذي في درجتها، لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ [النساء: ١١] فإذا وجد المعصب لم ترث بالفرض، فلا تأخذ السدس، فاشترط عدمه، وأن توجد معها بنت واحدة، ووجه ذلك: أن إناث الفروع لا يتجاوز فرضهن الثلثين، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وبنت الابن بمنزلة البنت، فصارت مع البنت الواحدة بمنزلة بنتين، والبنتان تستحقان الثلثين، فإذا أخذت البنت النصف لم يبق من الثلثين إلا السدس، فيكون لبنت الابن، سواء أكانت واحدة أم أكثر؛ لأن الفرض لا يزيد بزيادتهن، لما ذُكر.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات عصبات، ووجه ذلك: أن الأخوات لا يرثن مع ذكر الفرع الوارث كالابن، فإذا كان الفرع الوارث أنثى واحدة أو أكثر أخذن فرضهن، والباقي للأخوات تعصيبًا، ويسمى التعصيب مع الغير.
ووجه الاستدلال: أن ابن مسعود ﵁ لم يفرض للأخت مع وجود البنت، بل أعطاها الباقي تعصيبًا.
ودل على ذلك -أيضًا- حديث الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلمًا وأميرًا، فسألناه عن رجل توفي وترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف (٢).
قال ابن بطال: (أجمعوا على أن الأخوات عصبة للبنات، فيرثن ما فضل عن البنات … ) (٣). فإن وجد مع الأخوات معصب وهو الأخ الشقيق أو الأب ورثن معه بالتعصيب، ويسمى التعصيب بالغير، والله تعالى أعلم.
стр. 2867
لا توارث بين أهل ملتين
٩٥٠/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَينِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (١١/ ٢٤٥)، وأبو داود في كتاب "الفرائض"، باب (هل يرث المسلم الكافر؟)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١٢٥)، وابن ماجه (٢٧٣١) من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو ﵄، مرفوعًا.
وكلهم زادوا لفظة: (شتى) إلا ابن ماجه والنسائي في إحدى روايته، وهذا حديث حسن، لما علم من أن الراجح في سلسلة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنها من قبيل الحسن، وقد صححه ابن الملقن (١).
وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٤٠) من حديث أسامة ﵁ من طريق علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة ﵁ بلفظ: "لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣].
وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي،
стр. 2868
لكن حصل اختلاف في سياق الإسناد عند الذهبي في "التلخيص" حيث ساقه من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، وهذا يحتاج إلى تحرير.
ورواه النسائي في "الكبرى" (٦/ ١٢٥) من طريق هُشيم، عن الزهري، عن علي بن حسين، به، بلفظ: "لا يتوارث أهل ملتين".
وهذا معلول، قال الدارقطني: (هذا اللفظ في حديث أسامة غير محفوظ) (١)، وقال أحمد: (لم يسمع هشيم من الزهري حديث علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين")، وقال الذهبي في هشيم: (كان مدلسًا، وهو لين في الزهري) (٢).
وفيه -أيضًا- مخالفة هشيم أصحاب الزهري في لفظه وسنده على ما تقدم في الحديث.
ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث بعد حديث أسامة المتقدم لأنه أعم منه، ولو أن الحافظ جعلهما متواليين ولم يفصل بينهما بحديث ابن مسعود ﵁ في ميراث البنت وبنت الابن والأخت لكان أحسن، وقد قلد في ذلك ابن عبد الهادي في "المحرر"، بينما جعلهما ابن دقيق العيد متواليين.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا توارث بين أهل ملتين كافرتين، فاليهودي لا يرث قريبه النصراني أو المجوسي، وكذا العكس لاختلاف الدين بينهما، فهما كالمسلم مع الكافر، وهذا قول الإمام أحمد وقول عند المالكية، نصره الموفق ابن قدامة (٣).
القول الثاني: أن الكفار يتوارثون فيما بينهم دون النظر إلى اختلافهم في الديانة، وهذا مذهب الجمهور من الشافعية والحنفية ورواية عن الإمام أحمد (٤).
واستدلوا بما يلي:
стр. 2869
١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] وهذا عام في جميعهم، لا يستثنى منه إلا ما دل عليه دليل.
٢ - أن الله تعالى ذكر توريث القرابة في القرآن ذكرًا عامًّا، فلا يُترك إلا فيما استثناه الشرع، وما لم يستثنه يبقى على العموم.
وحملوا حديث الباب على أن المراد بإحدى الملتين الإسلام وبالأخرى الكفر، ليكون مساويًا لحديث أسامة المتقدم: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
وسبب الخلاف: هل الكفر ملة واحدة أو ملل شتى؟ فمن قال: إن الكفر ملة واحدة قال: بالتوارث بين الكفار، ومن قال: إن الكفر ملل شتى، قال: لا يرث أهل كل ملة من الملة الأخرى لاختلاف الدين.
ويروى عن مالك وبعض السلف ورواية عن أحمد أن الكفر ثلاث ملل، فاليهودية ملة، والنصرانية ملة، وبقية الكفر ملة واحدة؛ كالمجوسية والصابئة وغيرهم ممن لا كتاب لهم.
والقول الأول هو الراجح، لأمرين:
الأول: أن حديث الباب نص في نفي التوارث بين أهل ملتين.
الثاني: أن كل ملة لا موالاة بينها وبين الملة الأخرى ولا اتفاق في الدين بينهما، فلم يرث بعضهم بعضًا كالمسلمين مع الكفار، وأما عمومات القرآن في توريث القرابة فهي مخصصة بمثل حديث الباب، فلم تبق على عمومها.
* الوجه الثالث: دل الحديث بمفهومه على أن أهل الملة الواحدة يرث بعضهم بعضًا، وهذا لا خلاف فيه. والله تعالى أعلم.
стр. 2870
ميراث الجد
٩٥١/ ٥ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا ليَ مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَال: "لَكَ السُّدُسُ"، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَال: "لَكَ سُدُسٌ آخَرُ"، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَال: "إِنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣٣/ ٨١ - ٨٢)، وأبو داود في كتاب "الفرائض"، باب (ما جاء في ميراث الجد) (٢٨٩٦)، والترمذي (٢٠٩٩)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١٠) من طريق قتادة، حدثنا الحسن، عن عمران ﵁، به.
وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وهذا هو المثبت في "جامع الترمذي" وفي "تحفة الأشراف" (٨/ ١٧٥ - ١٧٦)، ونقل ابن دقيق العيد تحسينه فقط، وزاد: (لأنه لا يصح سماع الحسن عن عمران، وقد خولف في هذا) (١)، والحافظ عزا الحديث إلى الأربعة، والظاهر أنه وهم، فإن الحديث ليس عند ابن ماجه.
وقد اختلف أهل العلم في سماع الحسن من عمران بن حصين ﵁، فذهب أحمد وأبو حاتم وابن المديني والبيهقي (٢) وآخرون إلى أنه لم يسمع منه مطلقًا، وعلى هذا فالحديث ضعيف لانقطاعه.
стр. 2871
وقال البزار والحاكم (١) إنه سمع منه مطلقًا، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز، وفيه قول ثالث: أنه سمع منه بعض الأحاديث، وينبغي أن يعلم أن الحسن البصري مع جلالة قدره كثير الإرسال والتدليس، فمثله لا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث، وهذا هو المشهور عند أهل العلم.
وقد ورد في الباب حديث يونس بن عبيد عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل عن فريضة رسول الله ﷺ في الجد، فقام معقل بن يسار المزني، فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ ، قال: ماذا؟ قال: "السدس"، قال: مع من؟ قال: "لا أدري"، قال: "لا دريت، فما تغني إذن؟! " (٢).
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الجد يرث بالفرض ويرث بالتعصيب، والمراد به: من ليس بينه وبين الميت أنثى؛ كأبي الأب وهو يرث السدس إذا كان للميت ذكر وارث من الفروع، ولم يوجد أب أو جد أقرب منه؛ كأبي أبي الأب مع وجود أبي الأب، ودليل الشرط الأول قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] ومعلوم أن الجد أب فيأخذ ميراثه.
وأما دليل الشرط الثاني: فهو الإجماع (٣)، ولأن الجد يدلي بالأب فلا يرث مع وجوده؛ لأن قاعدة الفرائض أن كل وارث من الأصول يحجب من فوقه إذا كان من جنسه، فالأب يحجب الجد؛ لأنه من جنسه، والأم تحجب الجدة كذلك، ولا يحجب الأب الجدة لأنه ليس من جنسها.
стр. 2872
ومثال إرثه بالفرض فقط: أن يموت شخص عن جده وابنه، فللجد السدس، وللابن الباقي.
ويرث الجد بالتعصيب فقط إذا لم يكن للميت فرع وارث؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] ففرض للأم ولم يفرض للأب، فدل على أنه يرث في هذه الحال بالتعصيب فقط. والجد بمنزلة الأب؛ كهالك عن أمه وجده، فللأم الثلث، وللجد الباقي.
ويرث بالفرض والتعصيب إذا كان للميت فرع وارث أنثى لا ذكر معها، لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، ولحديث الباب فإن النبي ﷺ أعطى الجد السدس فرضًا، وأعطاه السدس الآخر تعصيبًا، لذا قال: "إن السدس الآخر طُعمة" بضم الطاء؛ أي: رزق لك وزيادة على الحق المقدر بسبب عدم كثرة أصحاب الفروض، وليس بفرض إذ لو كثروا لم يبق هذا السدس الآخر لك، وصورة المسألة: أن الميت ترك بنتين وهذا السائل، وهو الجد، فلهما الثلثان، فبقي الثلث يأخذ سدسًا منه بالفرض والسدس الآخر بالتعصيب، وإنما تركه النبي ﷺ حتى ذهب ثم دعاه ودفع إليه السدس الآخر؛ لئلا يتوهم أنه فريضة كالسدس الأول، فيظن أن فرضه الثلث، ولذا سَمَّى السدس الأخير طُعمةً دون الأول؛ لأنه فرض، والفرض لا يتغير بخلاف التعصيب.
ومثال ذلك -أيضًا-: أن يموت شخص عن بنته وجده، فللبنت النصف، وللجد السدس فرضًا، والباقي تعصيبًا. والله تعالى أعلم.
стр. 2873
ميراث الجدة
٩٥٢/ ٦ - وعَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ، وَقَوّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "الفرائض"، بابٌ (في الجدة) (٢٨٩٥)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١١)، وابن الجارود (٩٦٠)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٣٣٠) كلهم من طريق أبي المنيب عبيد الله العتَكي، عن ابن بريدة، عن أبيه، مرفوعًا.
وهذا سند فيه أبو المنيب عبيد الله العتكي مختلف فيه، قال البخاري: (عنده مناكير) ووثقه ابن معين، وأبو داود، والنسائي، وفي موضع آخر قال: (ضعيف) وقال ابن عدي: (ولأبي المنيب هذا أحاديث غير ما ذكرت، وهو عندي لا بأس به) (١).
والحديث ضعفه الألباني فقال: (هذا سند ضعيف من أجل عبيد الله، وهو ابن عبد الله، قال الحافظ: "صدوق يخطئ") (٢)، وقد خالف هذا في موضع آخر فإنه لما نقل كلام ابن عدي المتقدم، قال عقبه: (قلت: وهذا هو الذي يتلخص من خلافهم فيه، أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، صحيح الحديث إذا وافق الثقات … ) (٣).
стр. 2874
والحديث له شواهد، كلها معلولة، وجاء في معناه مراسيل، بعضها صحيح (١).
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الجدة ترث السدس بشرط ألا يوجد معها أم؛ إذ لا ميراث للجدة مع وجود الأم، بناءً على القاعدة المتقدمة، والمراد بالجدة التي ترث هي أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وإن علون بمحض الإناث، وأما الجدة التي تدلي بذكر بينه وبين الميت أنثى؛ كأم أبي الأم، فإنها لا ترث؛ لأنها من ذوي الأرحام.
وميراث الجدة السدس، سواء أكانت واحدة أم أكثر، فلا يزيد الفرض بزيادتهن.
فإن تعددت الجدات وتساوين في القرب فالسدس بينهن بالسوية؛ كهالك عن أم أم، وأم أب، وعم.
وإن كان بعضهن أقرب من بعض سقطت البعيدة؛ كهالك عن أم أم أم، وأم أب، وعم، فالسدس لأم الأب فقط؛ لأنها أقرب، والباقي للعم. والله تعالى أعلم.
стр. 2875
ميراث ذوي الأرحام
٩٥٣/ ٧ - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْخَالُ وَارثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ.
٩٥٤/ ٨ - وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَال: كَتَبَ مَعِي عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيدَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الله وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو أمامة أسعد بن سهل بن حُنيف الأنصاري الأوسي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وقيل: إنه رآه ولم يسمع منه، وقال ابن عبد البر: يُعدُّ في كبار التابعين، حدث عن أبيه (١) وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم ﵃، وروى عنه ابناه: محمد وسهل، والزهري، وحكيم بن حكيم بن عباد وغيرهم، مات سنة مائة، وله نيّف وتسعون سنة (٢).
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث المقدام فقد أخرجه أحمد (٢٨/ ٤١٣ - ٤١٤)، وأبو داود (٢٨٩٩)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١٦)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، وابن حبان