← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وقال البزار والحاكم (١) إنه سمع منه مطلقًا، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز، وفيه قول ثالث: أنه سمع منه بعض الأحاديث، وينبغي أن يعلم أن الحسن البصري مع جلالة قدره كثير الإرسال والتدليس، فمثله لا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث، وهذا هو المشهور عند أهل العلم. وقد ورد في الباب حديث يونس بن عبيد عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل عن فريضة رسول الله ﷺ في الجد، فقام معقل بن يسار المزني، فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ ، قال: ماذا؟ قال: "السدس"، قال: مع من؟ قال: "لا أدري"، قال: "لا دريت، فما تغني إذن؟! " (٢). * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الجد يرث بالفرض ويرث بالتعصيب، والمراد به: من ليس بينه وبين الميت أنثى؛ كأبي الأب وهو يرث السدس إذا كان للميت ذكر وارث من الفروع، ولم يوجد أب أو جد أقرب منه؛ كأبي أبي الأب مع وجود أبي الأب، ودليل الشرط الأول قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] ومعلوم أن الجد أب فيأخذ ميراثه. وأما دليل الشرط الثاني: فهو الإجماع (٣)، ولأن الجد يدلي بالأب فلا يرث مع وجوده؛ لأن قاعدة الفرائض أن كل وارث من الأصول يحجب من فوقه إذا كان من جنسه، فالأب يحجب الجد؛ لأنه من جنسه، والأم تحجب الجدة كذلك، ولا يحجب الأب الجدة لأنه ليس من جنسها.

стр. 2872

ومثال إرثه بالفرض فقط: أن يموت شخص عن جده وابنه، فللجد السدس، وللابن الباقي. ويرث الجد بالتعصيب فقط إذا لم يكن للميت فرع وارث؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] ففرض للأم ولم يفرض للأب، فدل على أنه يرث في هذه الحال بالتعصيب فقط. والجد بمنزلة الأب؛ كهالك عن أمه وجده، فللأم الثلث، وللجد الباقي. ويرث بالفرض والتعصيب إذا كان للميت فرع وارث أنثى لا ذكر معها، لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، ولحديث الباب فإن النبي ﷺ أعطى الجد السدس فرضًا، وأعطاه السدس الآخر تعصيبًا، لذا قال: "إن السدس الآخر طُعمة" بضم الطاء؛ أي: رزق لك وزيادة على الحق المقدر بسبب عدم كثرة أصحاب الفروض، وليس بفرض إذ لو كثروا لم يبق هذا السدس الآخر لك، وصورة المسألة: أن الميت ترك بنتين وهذا السائل، وهو الجد، فلهما الثلثان، فبقي الثلث يأخذ سدسًا منه بالفرض والسدس الآخر بالتعصيب، وإنما تركه النبي ﷺ حتى ذهب ثم دعاه ودفع إليه السدس الآخر؛ لئلا يتوهم أنه فريضة كالسدس الأول، فيظن أن فرضه الثلث، ولذا سَمَّى السدس الأخير طُعمةً دون الأول؛ لأنه فرض، والفرض لا يتغير بخلاف التعصيب. ومثال ذلك -أيضًا-: أن يموت شخص عن بنته وجده، فللبنت النصف، وللجد السدس فرضًا، والباقي تعصيبًا. والله تعالى أعلم.

стр. 2873

ميراث الجدة ٩٥٢/ ٦ - وعَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ، وَقَوّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "الفرائض"، بابٌ (في الجدة) (٢٨٩٥)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١١)، وابن الجارود (٩٦٠)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٣٣٠) كلهم من طريق أبي المنيب عبيد الله العتَكي، عن ابن بريدة، عن أبيه، مرفوعًا. وهذا سند فيه أبو المنيب عبيد الله العتكي مختلف فيه، قال البخاري: (عنده مناكير) ووثقه ابن معين، وأبو داود، والنسائي، وفي موضع آخر قال: (ضعيف) وقال ابن عدي: (ولأبي المنيب هذا أحاديث غير ما ذكرت، وهو عندي لا بأس به) (١). والحديث ضعفه الألباني فقال: (هذا سند ضعيف من أجل عبيد الله، وهو ابن عبد الله، قال الحافظ: "صدوق يخطئ") (٢)، وقد خالف هذا في موضع آخر فإنه لما نقل كلام ابن عدي المتقدم، قال عقبه: (قلت: وهذا هو الذي يتلخص من خلافهم فيه، أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، صحيح الحديث إذا وافق الثقات … ) (٣).

стр. 2874

والحديث له شواهد، كلها معلولة، وجاء في معناه مراسيل، بعضها صحيح (١). * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الجدة ترث السدس بشرط ألا يوجد معها أم؛ إذ لا ميراث للجدة مع وجود الأم، بناءً على القاعدة المتقدمة، والمراد بالجدة التي ترث هي أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وإن علون بمحض الإناث، وأما الجدة التي تدلي بذكر بينه وبين الميت أنثى؛ كأم أبي الأم، فإنها لا ترث؛ لأنها من ذوي الأرحام. وميراث الجدة السدس، سواء أكانت واحدة أم أكثر، فلا يزيد الفرض بزيادتهن. فإن تعددت الجدات وتساوين في القرب فالسدس بينهن بالسوية؛ كهالك عن أم أم، وأم أب، وعم. وإن كان بعضهن أقرب من بعض سقطت البعيدة؛ كهالك عن أم أم أم، وأم أب، وعم، فالسدس لأم الأب فقط؛ لأنها أقرب، والباقي للعم. والله تعالى أعلم.

стр. 2875

ميراث ذوي الأرحام ٩٥٣/ ٧ - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْخَالُ وَارثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ. ٩٥٤/ ٨ - وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَال: كَتَبَ مَعِي عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيدَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الله وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو أمامة أسعد بن سهل بن حُنيف الأنصاري الأوسي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وقيل: إنه رآه ولم يسمع منه، وقال ابن عبد البر: يُعدُّ في كبار التابعين، حدث عن أبيه (١) وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم ﵃، وروى عنه ابناه: محمد وسهل، والزهري، وحكيم بن حكيم بن عباد وغيرهم، مات سنة مائة، وله نيّف وتسعون سنة (٢). * الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث المقدام فقد أخرجه أحمد (٢٨/ ٤١٣ - ٤١٤)، وأبو داود (٢٨٩٩)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١٦)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، وابن حبان

стр. 2876

(١٣/ ٣٩٧) كلهم من طريق شعبة، عن بُديل -يعني: ابن ميسرة- عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام، قال: … وذكر الحديث. وأخرجه أبو داود (٢٩٠٠)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١٦)، وابن ماجه (٢٦٣٤)، والحاكم (٤/ ٣٤٤) من طريق حماد بن زيد، عن بديل بن ميسرة، به. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) وتعقبه الذهبي في "التلخيص" فقال: (علي بن أبي طلحة، قال أحمد: "له منكرات" (١) ولم يخرج له البخاري). وقد أخرج له مسلم وهو صدوق، وراشد بن سعد لم يخرج له الشيخان، وأبو عامر الهوزني: اسمه عبد الله بن لُحَيّ لم يخرج له الشيخان كذلك. والحديث حسنه أبو زرعة الرازي، كما نقله عنه ابن أبي حاتم في "العلل" (٢). وفي سنده اختلاف مما جعل البيهقي يعله بالاضطراب، وذلك أن شعبة وحماد بن زيد ذكرا أبا عامر الهوزني بين راشد بن سعد وبين المقدام، كما مضى، وخالفهم معاوية بن صالح فرواه عن راشد بن سعد عن المقدام، فلم يذكر أبا عامر، أخرجه أحمد (٢٨/ ٤٣١ - ٤٣٢)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١٥)، قال الدارقطني: (الأول أشبه بالصواب)، ومعاوية بن صالح هو ابن حُدير، قال عنه في "التقريب": (صدوق له أوهام). وقال الطحاوي: (ليس ينكر على راشد بن سعد أن يكون سمع المقدام بن معدي كرب؛ لأنه سمع ممن كان في أيامه من أصحاب

стр. 2877

رسول الله ﷺ ، قد سمع من معاوية بن أبي سفيان، وأهل الحديث قد يختلفون في أسانيد الحديث، فيزيد بعضهم فيها على بعض الرجل ومن هو أكثر منه في العدد، فوجب أن يحمل أمر معاوية بن صالح في ذلك على مثل ما حملوه عليه فيه) (١)، وعلى هذا يكون راشد بن سعد رواه مرة بواسطة عامر الهوزني، ومرة بلا واسطة (٢)، لكن كلام الدارقطني هو الصواب، إذ لا مقارنة بين شعبة وحماد بن زيد وبين أبي معاوية. وأما حديث عمر ﵁ فقد أخرجه أحمد (١/ ٣٢١)، والترمذي (٢١٠٣)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١٤)، وابن ماجه (٢٧٣٧)، وابن حبان (١٣/ ٤٠٠ - ٤٠١) كلهم من طرق، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حُنيف، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب عمر … الحديث. قال الترمذي: (هذا حديث حسن) (٣)، وفيه عبد الرحمن بن الحارث: صدوق له أوهام، كما في "التقريب"، وحكيم بن حكيم: صدوق، كما في "التقريب" أيضًا، والحديث له شواهد، ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الخال وارث من لا وارث له" (٤). * الوجه الثالث: في شرح الألفاظ: قوله: (من لا وارث له) أي: من أهل الفروض والعصبات. قوله: (إلى أبي عبيدة) وهو عامر بن عبد الله بن الجراح، غلبت كنيته

стр. 2878

على اسمه، أحد السابقين الأولين، وذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا وما بعدها، شهد له الرسول ﷺ بالجنة (١)، وسماه أمين الأمة (٢)، ومناقبه شهيرة جمة، وقد عزم أبو بكر ﵁ على توليته الخلافة، وأشار به يوم السقيفة، لكمال أهليته عند أبي بكر ﵁، مات سنة ثماني عشرة، وعمره ثمان وخمسون سنة ﵁ (٣). قوله: (مولى من لا مولى له) أي: ولي من لا ولي له، ووارث من لا وارث له، وفي لفظ: (وأنا وارث من لا وارث له، أرثه وأعقل عنه)، والمراد بذلك: وضع ماله في بيت مال المسلمين. * الوجه الرابع: الحديث دليل على توريث ذوي الأرحام، وهم كل قريب ليس بذي فرض ولا تعصيب؛ كالخال والخالة، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد بنات الابن، وأبي الأم وغيرهم. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل الخال وارثًا عند عدم الوارث بفرض أو تعصيب، والخال من ذوي الأرحام، فيلحق به غيره منهم. والقول بتوريثهم مروي عن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة ﵃، وهو مذهب الحنابلة والحنفية، والوجه الثاني في مذهب الشافعية إذا لم ينتظم بيت المال، وهو المفتى به عند متأخريهم ومتأخري المالكية بهذا الشرط (٤)، ونصره ابن القيم (٥).

стр. 2879

واستدلوا -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: أحق بالتوارث في حكم الله تعالى وشرعه، ولفظ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ عام يشمل جميع الأقارب، سواء كانوا أصحاب فروض أو عصبات أو غيرهم. والقول الثاني: أنهم لا يرثون، ويُجعل مال الميت في بيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت، وهو مذهب المالكية والشافعية (١). واستدلوا بحديث أبي أُمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" وسيأتي إن شاء الله في باب "الوصايا". ووجه الاستدلال: أنه لو كان ذو الرحم -بالمعنى المتقدم- ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله، فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثًا (٢). وأجابوا عن أحاديث الباب بأجوبة غير ناهضة؛ كقولهم: إن هذه الأحاديث في أسانيدها مقال فلا تقوم بها حجة، وما تقدم في تخريجها يكفي جوابًا عن ذلك، وكقولهم: إن المراد بالحديث السلب، بمعنى أن من ليس له إلا خال فلا وارث له؛ كقولهم: الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع طعام من لا طعام له، وهذا تأويل فاسد لأمور ثلاثة: ١ - أن قوله: (يرثه) يبطل هذا التأويل. ٢ - أن الرسول ﷺ سماه وارثًا. ٣ - أن المخاطبين بهذا اللفظ فهموا منه الميراث دون غيره، ولهذا كتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁. وعلى هذا فالقول الأول أرجح لأمرين:

стр. 2880

الأول: لقوة أدلته، فإن منها ما هو عام يحتج بعمومه كالآية الكريمة، ومنها ما هو خاص وظاهر في محل النزاع كأحاديث الباب. الثاني: أنه إذا بقي الأمر دائرًا بين أن يكون المال الذي خلفه الميت لبيت المال لمنافع البعيدين عن ذلك الميت، وبين كونه يرجع إلى أقاربه المدلين إلى الميت بالورثة المجمع عليهم تعين الثاني؛ لأن صرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره؛ لأن ذوي الأرحام شاركوا عموم المسلمين في الإسلام، وزادوا عليهم بالقرابة، فيكونون أحق بمال قريبهم (١). وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه" فليس بصحيح؛ لأن الحديث سيق في إبطال الوصية للوارث؛ لأنه قد أُعطي حقه من الميراث، وهذا لا ينافي توريث ذوي الأرحام الذين ثبت إرثهم بأدلة أخرى، فهم داخلون فيمن أعطاه الله حقه. * الوجه الخامس: شرط إرث ذوي الأرحام ألا يوجد وارث يقدم عليهم، وهو صاحب الفرض أو التعصيب، فإن وجد لم يرث ذوو الأرحام؛ لأن أصحاب الفروض منصوص على فروضهم، والعاصب يستحق ما فضل عن الفرض، ولأن صاحب الفرض والعاصب أقرب إلى الميت من ذوي الأرحام فكان أولى بميراثه. فإذا خلف الميت عصبة أو ذا فرض من أقاربه يُرَدُّ عليه، أخذ المال كله، ولا شيء لذوي الأرحام؛ كهالك عن أخيه لأمه وعمته، فالمال للأخ لأم فرضًا وردًا، ولا شيء للعمة. وإن كان صاحب الفرض لا يرد عليه وهو الزوج والزوجة لم يمنع ذلك ميراث ذوي الأرحام، فيعطى الزوج أو الزوجة نصيبه، والباقي لذي الرحم؛ كهالك عن زوج وبنت بنت، فللزوج النصف، وبنت البنت النصف.

стр. 2881

الوجه السادس: يورث كل واحد من ذوي الأرحام بالتنزيل، فينزل كل وارث منهم منزلة من أدلى به، ثم يقسم المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلي، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، والأقيس الأصح عند الشافعية، وعند المالكية. فإذا مات عن بنت بنته، وابن أخته الشقيقة، وبنت أخيه لأب، فنعتبر الميت كأنه مات عن بنت وأخت شقيقة وأخ لأب، فلبنت البنت النصف نصيب أمها التي أدلت بها، وابن الأخت له النصف -أيضًا- نصيب أمه، ولا شيء لبنت الأخ لأب؛ لأن الشقيقة عصبة مع البنت، كما تقدم، فتأخذ الباقي، وهي بمنزلة الأخ الشقيق، فتحجب الأخ لأب، وكذا فرعه. والله تعالى أعلم.

стр. 2882

ميراث الحمل ٩٥٥/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه الترمذي في أبواب "الجنائز"، باب (ما جاء في ترك الصلاة على الجنين حتى يستهلَّ) (١٠٣٢)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١٧)، وابن ماجه (١٥٠٨) (٢٧٥٠)، وابن حبان (١٣/ ٣٩٢) من طرق عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهلَّ". وهذا لفظ الترمذي، وقد رواه إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي الزبير، كما عند الترمذي، وهذا سند ضعيف، من أجل إسماعيل بن مسلم، فقد ضعفه ابن معين والبخاري وابن المديني وأبو زرعة وغيرهم. ورواه المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، كما عند النسائي، وهو صدوق، كما في "التقريب". ورواه الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، كما عند ابن ماجه، وهذا سند ضعيف -أيضًا- فيه الربيع، وهو متروك. ورواه سفيان الثوري، عن أبي الزبير، كما عند ابن حبان، وهذا السند رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة أبي الزبير.

стр. 2883

وقد صحح الحاكم (٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩) هذا الحديث من طريق سفيان على شرط الشيخين، ووهَّمه الحافظ، فقال: (لأن أبا الزبير ليس من شرط البخاري وقد عنعن، فهو علة هذا الخبر إن كان محفوظًا عن سفيان الثوري) (١). وقد ذكر الترمذي اضطراب الناس في هذا الحديث حيث روي مرفوعًا وموقوفًا، ورجح أن الموقوف عن جابر ﵁ أصح من المرفوع، وقد رجح الموقوف -أيضًا- الدارقطني (٢)، ورجحه -أيضًا- النسائي، فإنه لما ساقه موقوفًا بعد المرفوع قال: (وهذا أولى بالصواب من حديث المغيرة بن مسلم … ). وقال الحافظ: (ضعفه النووي في "شرح المهذب" والصواب أنه صحيح الإسناد، لكن المرجح عند الحفاظ وقفه، وعلى طريقة الفقهاء لا أثر للتعليل بذلك؛ لأن الحكم للرفع لزيادته) (٣). وقد رواه موقوفًا الدارمي (٢/ ٢٨٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣١٩) (١١/ ٣٨٢) من طريق أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا. وأخرجه الدارمي (٢/ ٢٨٣)، والبيهقي (٤/ ٨) من طريقين عن محمَّد بن إسحاق، عن عطاء، عن جابر موقوفًا أيضًا. وأما اللفظ المذكور في "البلوغ" فليس من حديث جابر ﵁، وإنما هو من حديث أبي هريرة ﵁، وهو الذي رواه أبو داود (٢٩٢٠) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وهذا سند رجاله ثقات إلا ابن إسحاق، فإنه مدلس وقد عنعنه. وللحديث شاهد من حديث ابن عباس ﵄ أخرجه الدارمي (٢/ ٢٨٣)، وابن عدي (٤/ ١٣ - ١٤) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن ابن

стр. 2884

عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه". قال الألباني: (وهذا سند لا بأس به في الشواهد، فإن شريكًا وهو ابن عبد الله القاضي ثقة إلا أنه سيء الحفظ، ومثله إسحاق وهو السبيعي، فإنه كان اختلط) (١). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا استهل المولود) الاستهلال: رفع الصوت، واستهل المولود: رفع صوته بالبكاء عند ولادته (٢). وقد جاء تفسير الاستهل الذي حديث جابر والمسور بن مخرمة ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : "لا يرث الصبي حتى يستهل صارخًا، واستهلاله: أن يصيح أو يَعْطِسَ أو يبكي" (٣). أما ما ذكره الصنعاني في "سبل السلام" من أن تفسير الاستهلال ورد في حديث ضعيف، فهو حدثنا ابن عمر مرفوعًا: "استهلال الصبي العطاس" وهو حديث ضعيف (٤)، وهو غير حديث جابر والمسور ﵄، وقوله: (صارخًا) في حديث أبي هريرة ﵁ حال مؤكدة. وهذا كناية عن ولادته حيًّا وإن لم يستهلَّ، بل وجدت منه أمارة تدل على حياته؛ كالتنفس والرضاع، ونحو ذلك. قوله: (ورث) ضبطه شارح سنن أبي داود بضم الواو وتشديد الراء

стр. 2885

مكسورة؛ أي: جعل وارثًا (١)، وضبطه بعضهم بفتح الواو وكسر الراء؛ أي: ورث من قريبه الذي مات (٢). * الوجه الثالث: الحديث دليل على ميراث العمل، بشرط أن يولد حيًّا، وذلك بأن يستهل عند ولادته بصراخ أو بكاء أو عطاس أو نحو ذلك مما يدل على تحقق حياته. أما الحركة اليسيرة أو الاضطراب أو التنفس اليسير الذي لا يدل على الحياة المستقرة فلا عبرة به. ومتى شُك في وجود الحياة المستقرة لم يرث؛ لأن الأصل عدمها. وشرط الفقهاء -أيضًا- تحقق وجوده في الرحم حين موت مورثه ولو نطفة، وذكروا لذلك ضوابط يعرف بها، ويمكن الاستفادة من التحاليل الطبية والأشعة في عصرنا هذا إذا اقتنع بها القاضي، ووجه هذا الشرط أن الميراث خلافة عن الميت، والمعدوم لا يتصور أن يكون خليفة عن أحد، وأُولى درجات الخلافة الوجود، واشترطت حياته عند انفصاله فقط؛ لأن حالته عند موت المورث مجهولة لا يمكن معرفة حقيقتها، فإذا انفصل حيًّا في المدة المحدودة كان ذلك دليلًا على وجوده يومئذ. * الوجه الرابع: إذا مات الميت عن ورثة فيهم حمل، فإن رضوا بتأجيل قسمة التركة حتى يوضع العمل فهذا أولى لتكون القسمة مرة واحدة، وإن طلبوا أو طلب بعضهم القسمة قبل الوضع فلهم ذلك، وفي صفة القسمة تفاصيل محلها كتب الفرافض، والله تعالى أعلم.

стр. 2886

حكم توريث القاتل ٩٥٦/ ١٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيءٌ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ، وَالصَّوَابُ وَقفُهُ عَلَى عُمَر. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦/ ١٢٠)، والدارقطني (٤/ ٩٧) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج ويحيى بن سعيد، وذَكَرَ آخر، ثلاثتهم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. وهذا السياق للنسائي، وجاء عند الدارقطني بعد يحيى بن سعيد المثنى بن الصبَّاح، ولعله المراد برواية النسائي. وهذا سند ضعيف؛ لأن رواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها، ولكنه لم ينفرد به، فقد أخرجه أبو داود (٤٥٦٤) من طريق محمَّد بن راشد، ثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب به، ولفظه: "ليس للقاتل شيء، فإن لم يكن له وارث يرثه أقرب الناس إِليه، ولا يرث القاتل شيئًا". قال ابن عبد البر: (هذا حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز

стр. 2887

والعراق، مستفيض عندهم، يستغني بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفًا) (١). ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٨٦٧) ومن طريقه النسائي في "الكبرى" (٦/ ١٢٠ - ١٢١)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، أن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس لقاتل شيء". قال النسائي عقبه: (وهو الصواب، وحديث إسماعيل خطأ) وهذه الجملة ليست موجودة في "سنن النسائي" المطبوع، وإنما نقلها عنه المزي في "تحفة الأشراف" (٢). وقد أخرج الإِمام أحمد (١/ ٤٢٣) عن أبي المنذر أسد بن عمرو، أُراه عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قتل رجل ابنه عمدًا، فرفع إلى عمر بن الخطاب، فجعل عليه مائة من الإبل، ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين ثنية، وقال: (لا يرث القاتل، ولو أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقتل والد بولده" لقتلتك). وهذا سند فيه ضعف، لضعف أسد بن عمرو، ولتردده في أنه عن الحجاج، والحجاج هو ابن أرطاة، صدوق كثير الخطأ والتدليس، وقد عنعنه، لكنه قد توبع، تابعه ابن لهيعة وغيره (٣). وقول الحافظ: (والصواب وقفه على عمر) جاء في أكثر نسخ "البلوغ" على عمرو، ولعل المثبت هنا هو الصحيح (٤)، والله أعلم. * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن القاتل لا يرث شيئًا من مال مورثه، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، لهذا الحديث ولقاعدة: "من

стр. 2888

تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه"، وذلك أن الإنسان ظلوم جهول، قد يطغى عليه حب المال مع ضعف الإيمان فيستبطئ حياة مورثه، فتسول له نفسه الإقدام على قتله والقضاء عليه؛ ليستأثر بهذه الثروة، ويستبد بهذا المال، فعامله الشارع بنقيض قصده، فحرمه من الميراث. ومع إجماع أهل العلم على أن القتل مانع من الإرث، إلا أنهم اختلفوا في صفة القتل الذي يمنع من الإرث على أقوال أربعة: الأول: مذهب الحنابلة أن القتل المانع من الإرث، هو القتل بغير حق، وهو المضمون بقود أو دية أو كفارة؛ كقتل العمد وشبهه والخطأ وما جرى مجرى الخطأ؛ كالقتل بالسبب؛ كحفر البئر، أو وضع حجر في الطريق، والقتل من الصبي والمجنون والنائم. وأما القتل الذي لا يضمن بشيء مما ذكر فلا يمنع الإرث؛ كالقتل قصاصًا، أو حدًّا، أو دفاعًا عن النفس، أو قتل العادلِ الباغيَ، ونحو ذلك؛ لأن المنع من الإرث تابع للضمان، فإذا لم يكن القتل مضمونًا على القاتل بشيء، لم يمنع (١). القول الثاني: مذهب الشافعية أن القاتل لا يرث من قتيله بحال من الأحوال، فلا يستثنى عندهم شيء، وهو رواية عن أحمد، لعموم حديث الباب، ولأن القاتل حرم الإرث حتى لا يكون القتل ذريعة إلى استعجال الميراث، فوجب أن يحرم بكل حال، لحسم الباب (٢). القول الثالث: مذهب الحنفية أن القتل المانع هو ما أوجب قصاصًا أو كفارة، وهو العمد وشبهه، والخطأ وما جرى مجراه؛ كانقلاب نائم على شخص، أو سقوطه عليه من سطح، بخلاف القتل بسبب كما لو حفر بئرًا، أو وضع حجرًا في الطريق، فقتل مورثه، وكذا القتل قصاصًا ونحوه، أوكان القاتل صبيًّا أو مجنونًا، فهذه الأنواع لا تمنع الإرث؛ لأنها لا توجب قصاصًا

стр. 2889

ولا كفارة، وهما الأساس في القتل المانع من الإرث عندهم (١). القول الرابع: مذهب المالكية أنه إن كان القتل عمدًا عدوانًا فإن القاتل لا يرث من مال مورثه ولا من ديته، وإن كان القتل خطأ فإنه يرث من مال مورثه ولا يرث من ديته، ووجه كونه ورث من المال؛ لأنه لم يتعجله بالقتل، ووجه كونه لم يرث من الدية لأنها واجبة عليه، ولا معنى لكونه يرث شيئًا وجب عليه (٢). وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وهو أحد الاحتمالين عند الحنابلة، واختاره القرطبي، وابن المنذر، وابن القيم، وابن عثيمين، وهذا قول وجيه، لا سيما فيما يقع من حوادث السيارات، فيرث القاتل من مال المقتول، ولا يرث من الدية التي يأخذها ورثة المقتول من عاقلة ذلك القاتل (٣). ويؤيد هذا القول أمور ثلاثة: ١ - ما قاله القرطبي من أن ميراث من ورَّثه الله تعالى في كتابه ثابت لا يُستثنى منه شيء إلا بسنَّة أو إجماع، وكل مختلف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث. ٢ - أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ومنع القاتل من الميراث منوط بسبب وهو العمد الذي يُدرك بالقرائن، فيغلب على الظن أنه قتل مورثه استعجالًا لإرثه منه، فإذا انتفى هذا السبب كما في حالة الخطأ لم يحكم بالمنع. ٣ - أن القاتل بالتسبب لم يكن قاتلًا حقيقة؛ لأنه لم يباشر القتل. وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فلم يثبت ثبوتًا يطمئن إليه القلب في

стр. 2890

تخصيص عموم آيات المواريث، ولو ثبت فهو محمول على ما إذا كان القاتل متهمًا بقصد قتل موَرِّثه ليرثه، فيكون من باب العام المراد به الخصوص، بناءً على ما تقتضيه قواعد الشريعة، ثم إن هذا الحديث لم يبق على عمومه عند أكثر المحتجين به، حيث أخرجوا من عمومه ما لو قتله حدًّا، أو لبغي، أو صيالة فلا يمنع الإرث، وكذا القتل الحاصل بتأديب أو دواء أو نحوه فإنه لا يمنع الإرث إذا كان مأذونًا فيه، ولم يحصل تعد ولا تفريط (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2891

الإرث بالولاء ٩٥٧/ ١١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَو الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْمَدِيني، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "الفرائض"، بابٌ (في الولاء) (٢٩١٧)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١٣ - ١١٤)، وابن ماجه (٢٧٣٢) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال عمر بن الخطاب … وذكر الحديث. وهذا السياق للنسائي، ورواه أبو داود وابن ماجه مطولًا، ولفظه: (قال: تزوج ربابُ بن حذيفة بن سعيد بن سهم أمَّ وائل بنت معمر الجمحية، فولدت له ثلاثة، فتوفيت أمهم، فورثها بنوها رباعًا وولاءَ مواليها، فخرج بهم عمرو بن العاص إلى الشام فماتوا في طاعون عَمَواس (١)، فورثهم عمرو، وكان عصبتهم، فلما رجع عمرو بن العاص، جاء بنو معمر يخاصمونه في ولاء أختهم إلى عمر، فقال عمر: أقضي بينكم بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: " … فذكر الحديث" وزاد: فقال: فقضى لنا به، وكتب لنا به كتابًا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وآخر، حتى إذا استخلف عبد الملك بن مروان توفي مولى لنا، فترك ألفي دينار، فبلغني أن ذلك القضاء

стр. 2892

قد غُيِّر، فخاصموا إلى هشام بن إسماعيل، فرفعنا إلى عبد الملك، فأتينا بكتاب عمر، فقال: إن كنت لأرى أن هذا من القضاء الذي لا يُشك فيه، وما كنت أرى أن أمر أهل المدينة بلغ هذا، أن يشكُّوا في هذا القضاء، فقضى لنا فيه، فلم نزل فيه بعد). وهذا السياق لابن ماجه، وهو أتم من سياق أبي داود، فلذا ذكرته. وهذا الحديث سنده حسن، ونقل ابن عبد الهادي في "المحرر" (١) أن ابن المديني رواه، وقال: (هو من صحيح ما روي عن عمرو)، وقال ابن عبد البر: (هذا حديث صحيح حسن غريب) (٢)، وقد حسنه الألباني في "الصحيحة" (٣). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ما أحرز الوالد أو الولد) أي: ما جمعه وحصله، أو ما استحقه من الأموال والحقوق. قوله: (فهو لعصبته) أي: لعصبة ذلك الرجل المُحْرِزِ، والعصبة: جمع عاصب: وهو من يرث المال بلا تقدير، وعصبة الرجل: قرابته لأبيه. قوله: (من كان) أي: ذلك العاصب قَرُبَ أو بَعُدَ. * الوجه الثالث: الحديث دليل على ميراث العصبة، وهو أن ما جمعه الوالد أو الولد من مال؛ فإنه يكون لعصبته، وهم قرابته من المذكور، وهم العصبة بالنفس. * الوجه الرابع: استدل العلماء بهذا الحديث على الإرث بالولاء، فيرث المعتق الذي باشر العتق من عتيقه، ثم عصبته المتعصبون بأنفسهم الأقرب فالأقرب، ولا فرق بين أن يكون العتق منجزًا، أو معلقًا بصفة، تطوعًا

стр. 2893

أو واجبًا؛ كنذر أو كفارة أو غير ذلك، فإذا مات العتيق ولا وارث له بنسب ولا نكاح فماله لمعتقه، فإن كان له صاحب فرض لا يستغرق المال، فالباقي لمعتقه، فإن لم يكن المُعْتِق حيًّا ورث العتيقَ أقربُ عصبة المعتق بالنفس، وترتيبهم كترتيب عصبات النسب على ما هو مقرر في كتب الفرائض. وجمهور العلماء على أن الولاء يورث به من جانب واحد، وهو جانب المعتق؛ لأنه صاحب الإنعام بالعتق، فاختص الإرث به، ولا يرث العتيق من معتقه، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: إن العتيق يرث من معتقه عند عدم الورثة، وذكر أنه قال بذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2894

من أحكام الولاء ٩٥٨/ ١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مُحَمّدِ بنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الْبَيهَقِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه الشافعي (٢/ ٥٩ "ترتيب مسنده")، ومن طريقه الحاكم (٤/ ٢٣١)، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢) عن محمَّد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا. قال الحاكم: (صحيح الإسناد)، ورده الذهبي مشنعًا عليه بقوله: (قلت: بالدَّبُّوس) (١)!. وعلة الحديث محمَّد بن الحسن وهو الشيباني، ويعقوب بن إبراهيم وهو أبو يوسف القاضي، وهما صاحبا أبي حنيفة، وهما وإن كانا فقيهين كبيرين في مذهب الحنفية إلا أنهما ليسا من الأثبات في الرواية، فقد ضعفهما غير واحد من الأئمة، وذكرهما الذهبي في "الضعفاء" فقال عن محمَّد بن الحسن: (ضعفه النسائي وغيره)، وقال عن يعقوب: (قال البخاري: تركوه، وقال

стр. 2895

الفلاس: كان أبو يوسف صادقًا كثير الغلط) (١). والحديث أعله البيهقي، فقال: (قال أبو بكر النيسابوري: هذا الحديث خطأ؛ لأن الثقات لم يرووه هكذا، وإنما رواه الحسن مرسلًا) (٢). ثم ساقه البيهقي بإسناده عن الحسن البصري، وإسناده إلى الحسن صحيح (٣). ورواه ابن حبان (١١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) عن أبي يعلى الموصلي، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن دينار، به. وفي هذا الإسناد زاد بشر بن الوليد عبيد الله بن عمر (٤)، وبشر بن الوليد متكلم فيه، فقد أثنى عليه الإِمام أحمد، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥)، وقال صالح جَزَرَة: (هو صدوق، ولكنه لا يعقل، كان قد خَرِفَ)، وقال الآجُرِّي: سألت أبا داود أبشر بن الوليد ثقة؟ قال: (لا). قال البيهقي عن الإسناد الأول: (كذا رواه -يعني الشافعي- عن محمَّد بن الحسن، عن أبي يوسف، وكأنه رواه محمَّد بن الحسن للشافعي من حفظه فزلَّ عن ذكر عبيد الله بن عمر في إسناده … ) وقال: (هذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ، ورواه الجماعة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته) (٦). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الولاء) الولاء: بفتح الواو مع المد، لغة: السلطة والنصرة، ويطلق على القرابة، فيقال: بينهما ولاء؛ أي: قرابة، والمراد هنا: ولاء العتاقة، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.

стр. 2896

قوله: (لحمة كلحمة النسب) اللحمة: بضم اللام وسكون الحاء، ويجوز فتح اللام، هي القرابة والعلاقة، والمعنى: أن الولاء ارتباط وعلقة بين المعتق وعتيقه كعلقة وارتباط النسب. قوله: (لا يباع ولا يوهب) أي: لا يجوز التنازل عنه بثمن ولا بغير ثمن لشخص آخر؛ لأن هذه العصوبة أمر معنوي كالنسب الذي لا يتأتى انتقاله من شخص إلى شخص آخر، فلو قال: يا فلان بعتك قرابتي من أخي أو وهبتك إياها ما صار أخًا لهذا الشخص، فكذا ولاء العتق. * الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع الولاء وعن هبته؛ لأن الرسول ﷺ شبهه بالنَّسَبِ، والنَّسَب لا ينتقل بعوض ولا بغير عوض، ووجه التشبيه: أن السيد لما أعتق عبده أَخرجه من حيِّز المملوكية التي ساوى بها البهائم إلى حيز المالكية التي امتاز بها عن سائر ما عداه من الحيوانات والجمادات، فأشبه بذلك الولادة التي هي سبب لإخراج المولود من العدم إلى الوجود وإلى التخلص لعبادة الله تعالى (١). والله تعالى أعلم.

стр. 2897

ما جاء في أن زيد بن ثابت أعلم الصحابة بالفرائض ٩٥٩/ ١٣ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أفرَضُكُمْ زَيدُ بْنُ ثَابِتٍ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، والْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالارْسَالِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأولى: في ترجمة الراوي: وهو أبو قلابة -بكسر القاف وتخفيف اللام- عبد الله بن زيد الجرمي البصري ﵀، تابعي جليل، ثقة فاضل، كثير الإرسال، من رجال الستة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع أو ست أو سبع ومائة (١). * الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرج الترمذي (٣٧٩١)، والنسائي في "الكبرى" (٧/ ٣٦٣)، وابن ماجه (١٥٤)، وابن حبان (١٦/ ٧٤)، والحاكم (٣/ ٤٢٢) كلهم من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أُبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام، معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".

стр. 2898

وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وصححه -أيضًا- الحافظ (١). وتابع عبد الوهاب سفيان الثوري، عن خالد الحذاء به، أخرجه أحمد (٢٠/ ٢٥٢) وغيره. وتابعه -أيضًا- وهيب، حدثنا خالد الحذاء به، أخرجه أحمد (٢١/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، والنسائي في "الكبرى" (٧/ ٣٤٥). وهؤلاء الثلاثة رووا الحديث عن خالد الحذاء موصولًا بهذا التمام، ولهم رابع وهو عمر بن حبيب القاضي، أخرجه الخطيب في "الفصل للوصل" (٢/ ٦٨١) وهو ضعيف. وبهذا السياق للحديث يتبين أن الحافظ اختصره، وساق منه ما له تعلق بالفرائض. وقد أُعل هذا الحديث بالإرسال، أعله الدارقطني والبيهقي والخطيب وغيرهم (٢). قال البيهقي بعد ذكر رواية عبد الوهاب الموصولة: (ورواه بشر بن المفضل، وإسماعيل بن علية، ومحمد بن أبي عدي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلًا، إلا قوله في أبي عبيدة، فإنهم وصلوه في آخره (٣)، فجعلوه عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، وكل هؤلاء الرواة ثقات أثبات، والله أعلم ((٤). هذا هو الصواب، وهو أن الموصول هو آخره فقط، وهو الذي رواه البخاري ومسلم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح (٥).

стр. 2899

قال الحافظ عن حديث الباب: (إسناده صحيح، إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال، والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم) (١). ومعنى هذا أن أبا قلابة سرد ما ورد من مناقب للصحابة المذكورين وأرسله على سياقة واحدة إلى النبي ﷺ ، واقتصر في الموضوع المتصل على ذكر أبي عبيدة، فوهم بعض الرواة فوصلوا الجميع، وعدوه من المرفوع المتصل. وما قرره الحافظ هو الصواب؛ لأمور ثلاثة: ١ - أن هذا القول يوافق ما عليه المحققون كالدارقطني والحاكم وأبي نعيم والبيهقي والخطيب وابن عبد البر وابن تيمية وابن عبد الهادي وغيرهم. ٢ - أن الشيخين رويا الحديث من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بالاقتصار على ذكر أبي عبيدة وحده، وإعراضهما عما عدا ذلك يدل على عدم وصله. ٣ - أن ابن عبد الهادي نقل كلامًا لشيخ الإِسلام ابن تيمية يقول فيه: (هو حديث ضعيف، وقال: لا أعلم أن زيدًا تكلم في الفرائض على عهد النبي ﷺ ولا على عهد أبي بكر … ) (٢)، وهذا مما يشعر بضعف وصل هذا الحديث. وللحديث شواهد، ولكنها لا تخلو من مقال: * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أفرضكم) أي: أفرض الصحابة المخاطبين، والمراد أفرض أمتي، ومعناه: أن زيد بن ثابت ﵁ أعلم هذه الأمة بأحكام الفرائض.

стр. 2900

قوله: (زيد بن ثابت) تقدمت ترجمته في باب "سجود السهو وغيره" حديث (٣٤٢). * الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث الفرضيون على فضل زيد بن ثابت ﵁ وأنه أعلم هذه الأمة بالفرائض، ولهذا أثنى عليه الأئمة في هذا الفن وتابعوه، إلا في مسائل معدودة خالفه فيها أهل العلم من الصحابة ﵃ وغيرهم، لظهور الدليل على خلاف قوله، منها قوله: إن الجد لا يسقط الإخوة الأشقاء أو لأب، والراجح خلاف ذلك، وهو أنهم يسقطون به كما يسقطون بالأب، ولا يلزم من كونه ﵁ أفرض هذه الأمة أن يكون معه الصواب في كل شيء، وإنما أراد النبي ﷺ تقدمه في هذا العلم وأنه أعلم هذه الأمة، وليس المراد أنه معصوم وأنه لا يخطئ (١). والله تعالى أعلم.

стр. 2901

باب الوصايا الوصايا: جمع وصية كهدايا وهدية، وهي لغة: من وصى -بالتخفيف- يصي إذا اتصل، تقول العرب: وصى النبات إذا اتصل، وأرض واصية متصلة النبات (١). قال الأزهري: (الوصية مأخوذة من وصيت الشيء أصيه: إذا وصلته، وسميت الوصية وصية؛ لأن الميت لما أوصى بها وصل ما كان فيه من أمر حياته بما بعده من أمر مماته … ) (٢). ويقال: وصَّى وأوصى، وا لاسم: الوصية والوَصَاة. واصطلاحًا: الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرع بالمال بعده. فالأول: كأن يوصي إلى إنسان بتزويج بناته، أو تفريق ثلثه، أو غسله بعد موته، أو الصلاة عليه، ونحو ذلك. والثاني: وهو المراد بهذا الباب، هو التبرع بالمال بعد الموت، وقولنا: (بعد الموت) احتراز من الهبة، فإنها تبرع بالمال، ولكن في الحياة، كما تقدم. والأصل في الوصية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ [النساء: ١١] ومن السنة أحاديث الباب، وقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية (٣). وقد شرعت الوصية لأمور جليلة، ومقاصد شريفة تجمع بين مصالح

стр. 2902

العباد في الدنيا ورجاء الثواب والدرجات العلى في الآخرة، ففي الوصية يصل الموصي رحمه وأقرباءه الذين لا يرثون، ويدخل السعة على المحتاجين، ويخفف عن اليتامى والمساكين إذا التزم بوصيته العدل وتجنب الإضرار بها. وفي الوصية مصلحة للموصي حيث جعل الشرع له جزاءً من ماله يبقى ثوابه له بعد وفاته، وبهذا يتدارك ما فاته من أعمال البر والإحسان في حياته، وسيأتي بهذا المعنى حديث معاذ ﵁ وما في معناه في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.

стр. 2903

الحث على المبادرة بالوصية ٩٦٠/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ إلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ"، مُتَّفَق عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأولى: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في باب (الوصايا) (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧) من طرق عن نافع، عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا. وقد جاء في إحدى الروايات عند مسلم، قال عبد الله بن عمر: (ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ما حقُّ) ما: نافية، بمعنى (ليس). وحق: اسمها، والخبر قوله: (يبيت)، كما سيأتي. والمعنى: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه، وقال الشافعي: (ما المعروف في الأخلاق إلا هذا، لا من وجه الفرض) (١)، وقال السندي: (أي: ما اللائق به) (٢). قوله: (امرئ) أي: رجل، والتعبير به خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأة مثله.

стр. 2904

قوله: (مسلم) هذا الوصف خرج مخرج الغالب -أيضًا- فلا مفهوم له؛ لأن وصية الكافر جائزة، وكأنهم أجروا الوصية مُجرى العتق، وإلا فالكافر، لا عمل له بعد الموت، أو أن هذا الوصف ذكر للحث والتهييج لتقع المبادرة بامتثال ذلك؛ أي: من شأن المسلم أن يسارع إلى ذلك. قوله: (شيء) هذا لفظ يطلق على الكثير والقليل من المال الموصى به؛ أي: له شيء من مال أو دين أو أمانة أو حق فرط فيه، ونحو ذلك. قوله: (يريد أن يوصي فيه) صفة لشيء. قوله: (يبيت) هذا مضارع على تقدير أن المصدرية؛ أي: أن يبيت؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] دل على ذلك رواية النسائي: (أن يبيت) (١)، وعند أحمد: (حق على كل مسلم ألا يبيت ليلتين)، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر (ما)، والتقدير: ما حق امرئ مسلم بيتوتة ليلتين إلا وهو بهذه الصفة، وقال العيني: إن الخبر ما بعد إلا، والواو للحال (٢)، وذكر الصنعاني أن الخبر ما بعد إلا، والواو زائدة. قوله: (ليلتين) هذه رواية الصحيحين، وعند مسلم والنسائي وأحمد (يبيت ثلاث ليالٍ)، ولأبي عوانة (٣)، والبيهقي (ليلة أو ليلتين)، والظاهر من هذه الروايات أنها للتقريب لا للتحديد، بمعنى لا يمضي ليلة زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة، وكأن الثلاث غاية التأخير، فأُعطي الإنسان هذه المدة لحاجته إلى تذكر ماضيه والتفكير في أمره، والله أعلم. قوله: (إلا ووصيته) هذا حال مستثنى من أعم الأحوال؛ أي: ليس حقه البيتوتة في حال من الأحوال إلا في حال كون الوصية مكتوبة عنده. قوله: (مكتوبة) أي: سواء كتبها بخطه أو بخط غيره. * الوجه الثالث: الحديث دليل على تأكيد الوصية والحث عليها، وقد

стр. 2905

أجمع المسلمون على الأمر بها، وإنما الخلاف في وجوبها، كما سيأتي -إن شاء الله-، وظاهر الحديث أن الوصية لا تشرع لمن ليس له شيء يوصي فيه ولا به. * الوجه الرابع: مشروعية المبادرة إلى الوصية بيانًا لها، وامتثالًا لأمر الشرع، واستعدادًا للموت أن يشغله شاغل، وهذا فيه حث على التهيؤ للموت والاستعداد له. * الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا يشترط في الوصية أن تكون من المريض، بل القوي المعافى يوصي بما يحتاج إليه، وهو في حال صحته، ولا يحتاج في المرض إلى تجديد الوصية بشيء أصلًا، لكن لو فرغ من وصيته، ثم تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه، ولا ينبغي له أن يتلف الوصية الأولى قبل كتابة الثانية إذا كان يريد إلغاء الأولى، لئلا يفجأه الموت بعد إتلاف الأولى وقبل كتابة الثانية! فيفوته الأمر، ويصير ماله كله للورثة. * الوجه السادس: لا فرق في صحة الوصية بين الرجل والمرأة؛ لما علمت من أن قوله: (امرئ) خرج مخرج الغالب، سواء أكانت المرأة متزوجة أم غير متزوجة، أذن زوجها أم لا، وكذا لو كانت بكرًا ولم يأذن أبوها؛ لأن الوصية يقصد بها تحصيل قربة أخروية عند انقضاء العمر في قدر مأذون فيه شرعًا. * الوجه السابع: الحديث دليل على أن الكتابة المعروفة تكفي لإثبات الوصية والعمل بها، ولا يُحتاج في ذلك إلى إشهاد؛ لأنه لم يذكر في الحديث، والخط إذا عرف فهو بينة ووثيقة قوية، وعلى ذلك العمل قديمًا وحديثًا، جاء في "الاختيارات": (تنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإِمام أحمد) (١). وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في رواية: لا بد من الإشهاد على

стр. 2906

الخط، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فدلت الآية على اعتبار الشهادة في الوصية، بل على شهادة اثنين، ويكون معنى الحديث: مكتوبة بشرطها، وهو الإشهاد. وأجاب الأولون بأنه لا يلزم من ذكر الإشهاد في الآية أنها لا تصح الوصية إلا به، قال الصنعاني: (والتحقيق أن المعتبر معرفة الخط، فإذا عُرف خط الموصي عُمل به) (١). وهذا هو الأظهر -إن شاء الله وهو أنه إذا وجدت وصية إنسان بخطه الثابت المعروف بإقرار ورثته أو بينة تعرف خطه صحت وصيته وعمل بها بلا إشهاد، وقد أفتى بذلك الإِمام أحمد (٢). لثبوت الحديث في الكتابة دون ذكر الإشهاد، ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصيته فائدة، لكن إن أشهد فهو أحسن؛ لأنه أحفظ للوصية وأحوط بما فيها. * الوجه الثامن: الحديث دليل على أن الأشياء المهمة تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبًا. * الوجه التاسع: اختلف العلماء في الوصية هل هي واجبة أو لا؟ فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى أنها مندوبة، بل نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا من كانت عليه حقوق بغير بينة، من وديعة أو أمانة، أو غيرها، فيوصي بذلك، واعتبر القائلين بالوجوب طائفة شاذة لا يعدون خلافًا (٣). وقد استدل ابن عبد البر للجمهور بأنه لو لم يوصِ لوجبت قسمة تركته بين ورثته بالإجماع، ولو كانت واجبة لأُخرج من ماله سهم ينوب عن الوصية.

стр. 2907

وذهب داود وابن حزم وجماعة آخرون إلى أن الوصية واجبة، قال ابن حزم: (الوصية فرض على كل من ترك مالًا … ) (١)، واستدلوا بدليلين: الأول: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] قالوا: إن معنى (كتب) فرض، و (حقًّا) أي: فرضًا ثابتًا، وإذا كانت ذلك حقًّا ثابتًا على كل متق لله تعالى خائف من عقابه، فواجب على الناس كلهم أن يكونوا من المتقين. الثاني: حديث الباب، قالوا: فهو يدل على الوجوب، ومعناه: ليس من حق المسلم أن يبيت ليلتين إلا وقد أوصى، بدليل رواية الدارقطني: (لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) (٢). والقول الأول أظهر، وهو أن الوصية لا تجب إلا على من عليه دين أو عنده وديعة ونحو ذلك؛ لأن الله تعالى أوجب أداء الأمانات ولا يتم ذلك إلا بالوصية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأما الآية فلا دلالة فيها على وجوب الوصية، وإنما هي منسوخة بآيات المواريث، أو أنها خاصة بالأقارب غير الوارثين من الوالدين وغيرهما، كما سيأتي إن شاء الله. وأما حديث الباب فلا دلالة فيه على الوجوب، إذ ليس في ألفاظه ما يفيد ذلك، كما تقدم، بل فيه ما يفيد عدم الوجوب، وهو قوله: "يريد أن يوصي، فجعل ذلك متعلقًا بإرادته، ولو كان واجبًا لم يكن كذلك. وأما رواية (لا يحل) فإنها تحتمل أن يكون راويها ذكرها وأراد بنفي

стр. 2908

الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح. هذا وينبغي أن يعلم أن الوصية تجري فيها الأحكام الخمسة، فتجب -كما تقدم- على من عليه حقٌّ دينٌ أو وديعة أو أمانة لا يُعلم بها، أو عليه واجبات شغلت الذمة كزكاة وحج وكفارة ولقطة ونحو ذلك، كما تجب للأقارب غير الوارثين -على أحد القولين -كما سيأتي. وتستحب لمن ترك خيرًا بالثلث فأقل، وتحرم إذا قصد الإضرار بالورثة أو ببعضهم، كما لو أوصى بأكثر من الثلث أو أوصى لوارث بشيء؛ كأن يوصي لزوجته -مثلًا- مع أنها سترثه، وتكره إذا كان ماله قليلًا وورثته محتاجون، وتباح إذا كان الرجل غنيًّا وورثته محتاجون، أو كان ماله قليلًا وورثته غير محتاجين، والله تعالى أعلم.

стр. 2909

باب مقدار ما يوصي به ٩٦١/ ٢ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أفَأَتَصَدَّقُ بِثُلْثَي مَالِي؟ قَال: "لَا"، قُلْتُ: أَفَأتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَال: "لا"، قُلْتُ: أَفَأتصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَال: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كثير، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثتَكَ أَغْنِيَاءَ خيرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ"، مُتَّفَق عَلَيه. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع في "صحيحه"، مطولًا ومختصرًا، أولها في كتاب "الإيمان" (٥٦)، وفي "الجنائز"، باب (رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة) (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) من طريق الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، به. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (قلت: يا رسول الله) كان ذلك في مكة في حجة الوداع، لما جاء في "الصحيحين": (جاءني النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة) زاد الزهري في رواية للبخاري: (في حجة الوداع من وجع اشتد بي) وقيل: إن ذلك في فتح مكة، كما في رواية ابن عيينة، عن الزهري، عند الترمذي: (قال: مرضت عام الفتح مرضًا أشفقت منه على الموت) (١)، قال الحافظ: (اتفق أصحاب الزهري على

стр. 2910

أن ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة فقال: في فتح مكة، واتُّفِقَ على أنه وهم فيه، قال: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع مرتين، مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، وفي الثانية كانت له ابنة فقط) (١). قوله: (أنا ذو مال) أي: صاحب مال، وهذه اللفظة تطلق في العرف على من عنده مال كثير، وفي رواية لمسلم: "إن لي مالًا كثيرًا". قوله: (ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة) أي: لا يرثني من الولد إلا ابنة واحدة، وإلا فقد كان له عصبة، وقيل معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض، ولعل هذا قبل أن يولد له ذكرر، فقد ذكر الواقدي أنه ولد لسعد بعد ذلك أربعة بنين، وقيل: أكثر من عشرة، ومن البنات ثنتا عشرة بنتًا؛ لأن سعدًا ﵁ مات سنة (٥٥ هـ)، ومن أولاده مصعب وعامر ومحمد وإبراهيم. قوله: (أفأتصدق) الصدقة: هي العطية التي يبتغى بها الثواب عند الله تعالى، وهذا استفهام استخبار يقصد به الاستفتاء، وقد ورد في رواية البخاري: (قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟) وهذا يفيد أنه أراد الصدقة بعد الموت، فتحمل رواية: (أفأتصدق) التي تفيد سؤاله عن تنجيز ذلك في الحال على هذا، وذلك لأن حمل الأولى على الثانية ممكن، بخلاف حمل الثانية على الأولى، والله أعلم. قوله: (بشطره) الشطر: هو النصف، وقد تقدم في "المساقاة". قوله: (الثلث والثلث كثير) الثلث الأول بالرفع فاعل لفعل مقدر؛ أي: يكفيك الثلث، أو مبتدأ حذف خبره؛ أي: الثلث كافٍ، وبالنصب مفعول لمقدر؛ أي: عَيِّنِ الثلثَ، وأما الثلث الثاني: فهو مبتدأ لا غير، وخبره ما بعده. ووُصِفَ الثلث بالكثرة بالنسبة إلى ما دونه كالربع والخمس، وفائدة وصفه بالكثرة احتمالان:
следующие страницы →