← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، بل يدل على مشروعية التأسي، فمن توضأ من باب الاحتياط فهو حسن، وأما الوجوب فليس عليه دليل ظاهر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا توضأ من الرعاف فهو أفضل، ولا يجب عليه في أظهر قولي العلماء) (١). وقال أيضاً: (استحباب الوضوء من القيء متوجه ظاهر، والفعل إنما يدل على الاستحباب) (٢). وأما انتقاض الوضوء بخروج المذي فقد مضى الكلام عليه وأنه ناقض للوضوء بالإجماع. وأما غير دم الرعاف، وهو الدم الخارج من أي موضع من البدن غير السبيلين، فسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - عند حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ احتجم ولم يتوضأ. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي وهو في الصلاة أنه ينصرف ثم يتوضأ ويبني على صلاته، وشَرْطُ ذلك ألا يتكلم، لقوله في اخر الحديث: (وهو في ذلك لا يتكلم) ولكن الحديث ضعيف كما تقدم، والصواب أن الحدث كالمذي والريح ونحوها تفسد الصلاة، كما سيأتي في باب «شروط الصلاة» من حديث علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة». أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان، لكنه حديث ضعيف، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.

стр. 317

حكم لحم الإبل والغنم من حيث النقض وعدمه ٧٥/ ٩ - عَنْ جَابِر بن سَمُرَةَ ﵄ أَنّ رَجُلاً سَأَلَ النّبِيَّ ﷺ : أَتَوَضّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ» قَالَ: أَتَوَضّأُ مِنْ لُحُومِ الإبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، جابر بن سمرة بن جُنادة العامري السُّوائي - بضم السين المهملة وتخفيف الواو - نسبة إلى سُواءَ من أجداده، له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة، ومات بها سنة ست وستين، وقيل: أربع وسبعين (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «الوضوء من لحوم الإبل» (٣٦٠) من طريق أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل»، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا». قال ابن خزيمة: (لم نر خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل، ورَوَى هذا الخبر - أيضاً - عن جعفر بن أبي ثور أشعثُ بن

стр. 318

أبي الشعثاء المحاربي، وسماكُ بن حرب، فهؤلاء الثلاثة من أجلة رواة الحديث، قد رووا عن جعفر بن أبي ثور هذا الخبر) (١). وقد أخرجه مسلم - أيضاً - من هذين الطريقين: طريق سماك بن حرب وأشعث بن أبي الشعثاء. وكأن ابن خزيمة يقصد بذلك - والله أعلم - الرد على من أعلّ الحديث بجعفر بن أبي ثور راويه عن جابر بن سمرة وأنه مجهول، ونُسب هذا إلى علي بن المديني (٢)، وهذا ليس بصحيح، فإن جعفراً هذا مشهور، وهو يروي عن جده جابر بن سمرة، وقد أودع مسلم حديثه في «صحيحه». الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الوضوء من لحم الغنم لا يجب، وإنما يباح لقوله: «إن شئت» لأنه غير ناقض للوضوء، ويكون هذا الوضوء بهذا الاعتبار تجديداً للوضوء السابق، فيستدل به على جواز ذلك. الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب الوضوء من لحم الإبل؛ لقوله: «نعم» لأنه ناقض للوضوء، وهذا مذهب الإمام أحمد، وهو من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن المنذر وابن خزيمة واختاره البيهقي، وحكي عن جماعة من الصحابة، ورجحه ابن القيم (٣)، ورجحه النووي، وقال: (هذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه) (٤). وقال الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: لحم الإبل لا ينقض الوضوء (٥)، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان اخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار) وفي لفظ: (مما مسَّت النار) (٦).

стр. 319

ووجه الدلالة: أن قوله: (مما مست النار) عام فيدخل فيه لحم الإبل؛ لأنه من أفراد ما مسته النار، بدليل أنه لا يؤكل نيئاً، بل يؤكل مطبوخاً، فلما نُسخ الوضوء مما مسته النار نُسخ الوضوء من أكل لحوم الإبل أيضاً. والقول الأول هو الراجح في هذه المسألة؛ لأن حديث الباب نص في الموضوع، ويؤيد حديث الباب، حديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضؤوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا تتوضؤوا منها .. » الحديث (١). وأما حديث جابر ﵁ فعنه ثلاثة أجوبة: الأول: أنه حديث مضطرب، كما قال أبو حاتم (٢)، وله علة أخرى فقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله هذا صدوق، في حديثه لين، كما في «التقريب» (٣). الثاني: على فرض صحته فلا دلالة فيه؛ لأن لحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مَسِّ النار، بل لمعنى يختص به ويتناوله نيئاً ومطبوخاً. الثالث: أن ما قاله جابر نقل للفعل لا للقول، فإنهم قد شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ (٤). وحديث جابر ﵁ لا معارضة بينه وبين حديث الباب وما في معناه حتى يقال بالنسخ، بل حديث جابر عام، وحديث الباب خاص، فيقدم الخاص على العام، ويخرج عن العام الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، فلا يتوضأ مما مست النار إلا من لحم الإبل. الوجه الخامس: لا فرق في النقض من لحوم الإبل بين أن يكون

стр. 320

اللحم قليلاً أو كثيراً أو نيئاً أو مطبوخاً، لصدق اسم اللحم على ذلك. وقد اختلف العلماء هل نقض الوضوء خاص باللحم، أو شامل لجميع أجزاء الإبل من الهبر - وهو قطع اللحم (١) ـ أو الكرش أو الكبد أو الكلية أو الأمعاء وما أشبه ذلك، على قولين: الأول: أنه شامل لجميع أجزاء الإبل، وهذا وجه في المذهب عند الحنابلة، واختاره ابن سعدي (٢)، ودليل ذلك ما يلي: ١ - أن لفظ اللحم في الشرع يشمل جميع أجزاء الحيوان، بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، ولحم الخنزير شامل لكل ما حواه الجلد، بل الجلد كذلك، وكون بعض الأجزاء له اسم خاص لا يدلّ على خروجه عن حكم اللحم. ٢ - أن العموم المعنوي يؤيد ذلك، فإن الهبر وبقية الأجزاء يتغذى بدم واحد، وطعام واحد، وشراب واحد، والرسول ﷺ لم يفصل للسائل، وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا وهذا، فلو كان اللحم يختلف لم يترك الرسول ﷺ بيانه. ٣ - أنه ليس في الشريعة الإسلامية حيوان تتبعض الأحكام في أجزائه، فيكون بعضها حلالاً وبعضها حراماً، وإنما الحيوان إما حرام كله كالخنزير، وإما حلال كله كبهيمة الأنعام. القول الثاني: أنه لا ينقض إلا اللحم فقط، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وقال الزركشي: (هو اختيار الأكثرين) (٣)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (٤)، واستدلوا بأن النص ورد في اللحم، وغير اللحم مما ذكر لا يتناوله النص.

стр. 321

قالوا: ولا يستدل باية ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ لأن لحم الخنزير حُرّمَ لنجاسته وخبثه، وأجزاء الخنزير كلها نجسة ليس فيها شيء طاهر، بخلاف لحم الإبل فلا شيء فيه نجس، والأحوط هو القول الأول؛ لما تقدم، والله أعلم. الوجه السادس: اختلف في الوضوء من لحم الإبل هل هو معلل أو لا؟ فالصحيح من المذهب عند الحنابلة أنه غير معلل، بل هو تعبدي، وقيل: إنه معلل، بما أشار إليه النبي ﷺ بأنها من الشياطين، كما ورد في حديث أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة للحج، فقلت: يا رسول الله، ما نُرى أن تحملنا هذه، قال: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما امركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله» (١). قالوا: والأكل منها يورث حالاً شيطانية، والشيطان من نار، والماء يطفئها. والله تعالى أعلم بأسرار شرعه، فعلينا الإيمان والعمل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 322

حكم الغُسل من غَسْل الميت والوضوءِ من حمله ٧٦/ ١٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ غَسّلَ مَيْتاً فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضّأْ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنّسَائِيُّ، وَالتّرْمِذِيُّ وَحَسّنَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يصحّ في هذَا الْبَابِ شَيْءٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (١٣/ ١١٨)، والترمذي في كتاب «الجنائز» (٩٩٣)، باب «ما جاء في الغُسل من غسل الميت» وابن حبان (٣/ ٤٣٥) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعاً. ورجاله ثقات رجال الشيخين، إلا سهيل بن أبي صالح فمن رجال مسلم، وقال: الترمذي: «حديث حسن». وأخرجه أبو داود (٣١٦٢) من طريقين؛ أحدهما: الطريق المذكور، لكن زاد أبو صالح بينه وبين أبي هريرة إسحاق مولى زائدة، وقد ذكر ذلك أبو داود، وكأنه يشير إلى ضعف الحديث. وأخرجه ابن ماجه (١٤٦٣) من هذا الطريق مقتصراً على جزئه الأول فقط، وقد وقع في المطبوع: (سهل بن أبي صالح) وهو خطأ. وأما عزوه للنسائي فالظاهر أنه وهم من الحافظ، فإنه لا يوجد في مظانه من «سنن النسائي»، ولم يعزه المزي إليه في «تحفة الأشراف» (١)، فالله أعلم.

стр. 323

وقد اختلف في هذا الحديث، فمنهم من صحح وقفه على أبي هريرة ﵁ كالبخاري، فيما نقله عنه الترمذي (١)، وأبي حاتم فإنه قال عن رفعه: (هذا خطأ، إنما هو موقوف على أبي هريرة، لا يرفعه الثقات) (٢)، وكذا البيهقي فإنه رجح وقفه (٣). ومنهم من صحح رفعه، كالترمذي، وابن حبان - كما تقدم - والذهبي (٤)، وصححه ابن حجر (٥)، وهو ظاهر صنيعه في البلوغ، فإنه لم يُعِلّهُ بالوقف، ونقل الترمذي عن الإمام البخاري أنه قال: (إن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني قالا: لا يصح من هذا الباب شيء) (٦)، ونقله عنه البيهقي (٧)، وكذا قال محمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري: (لا أعلم فيه حديثاً ثابتاً) (٨). وقد ذكر البيهقي معظم طرق هذا الحديث، وساق ابن القيم في «تهذيب مختصر السنن» (٩) أحد عشر طريقاً، ثم قال: (وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ). وما قاله ابن القيم من أن الحديث محفوظ، قد سبقه إليه الذهبي حيث ذكر أن طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء ولم يعلُّوها بالوقف، بل قدموا رواية الرفع (١٠)، لكن قول الأئمة الكبار - كما تقدم - مقدم على قول من هو دونهم. وقد أنكر النووي على الترمذي تحسينه لهذا الحديث (١١)، فذكر الحافظ أن هذا معترض؛ لأن الحديث بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً (١٢).

стр. 324

الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الغسل على من غَسّلَ ميتاً، وعموم لفظ الحديث يفيد عموم الأموات من كبير وصغير وذكر وأنثى، وقال بهذا بعض أهل العلم، وقد حكاه ابن القيم عن علي وأبي هريرة ﵄، وقال: يروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري (١). وذهب أكثر أهل العلم، ومنهم مالك وأحمد والشافعي إلى أن الغسل من غسل الميت مستحب وليس بواجب (٢)، وذلك لأن الحديث لا ينهض على الإيجاب، لما تقدم من كلام العلماء فيه، وقد ذكر العلامة ابن مفلح الحنبلي قاعدة جيدة ومفادها: أن الحديث إذا كان فيه ضعف، وكان دالاًّ على الوجوب بصيغته، أو دالاًّ على التحريم، فإنه يحمل على الاستحباب في الأمر، وعلى الكراهة في النهي احتياطاً، ولا يُلزَم المسلمون بحكمه وجوباً أو تحريماً (٣). ويؤيد استحباب الغسل وعدم وجوبه ما رواه الدارقطني والخطيب من طريق عبد الله بن الإمام أحمد، قال: قال لي أبي: كتبت حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل)؟ قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شاب يقال له: محمد بن عبد الله المخرمي يحدث به عن أبي هشام المخزومي عن وهيب، فاكتب عنه) (٤)، قال الحافظ: (هذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث، والله أعلم) (٥). وقال الشوكاني: (وهذا لا يقصر عن صرف الأمر عن معناه الحقيقي

стр. 325

الذي هو الوجوب إلى معناه المجازي - أعني الاستحباب ـ، فيكون القول بذلك هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن .. ) (١). ولا يجب الوضوء من غسل الميت في أظهر قولي العلماء؛ لأن الوجوب يحتاج إلى دليل. وقد اختلف العلماء في الحكمة من الأمر بالغسل لمن غسل ميتاً: ١ - فقيل: لأن تغسيله قد يورث للغاسل انكساراً وضعفاً وانحلالاً في القوة بسبب مشاهدة الميت وتذكر ما وراء الموت، فيسن الغسل لذلك، كما يُشرع الغسل من الجماع لوجود الضعف، وكذا الحيض والنفاس. ٢ - وقيل: لأن الغاسل لا يأمن أن يقع على بدنه شيء من رشاش الماء الذي غُسل به الميت، وقد يكون على بدن الميت نجاسة، فإذا أصاب شيئاً من بدنه وهو لا يعلم مكانه سن له غسل جميع بدنه، قاله الخطابي (٢). الوجه الثالث: يدل الحديث بظاهره على وجوب الوضوء من حمل الميت، لكن الحديث فيه ما تقدم، فلا ينهض على وجوب الوضوء، ولم يرد في الباب شيء، كما ورد في الغُسل من غسل الميت. قال الخطابي: (لا أعلم أحداً من الفقهاء يوجب الاغتسال من غسل الميت، ولا الوضوء من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب، وقد يحتمل أن يكون المعنى فيه: أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نضح من رشاش الغسول، وربما كان على بدن الميت نجاسة، فإذا أصابه نضحه - وهو لا يعلم مكانه - كان عليه غسل جميع البدن، ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه التنجيس من بدنه. وقد قيل: معنى قوله: (فليتوضأ)، أي: فليكن على وضوء، ليتهيأ له الصلاة على الميت، والله أعلم) (٣).

стр. 326

لكن قوله: (لا أعلم أحداً قال بوجوب الغسل من غسل الميت) فيه نظر، فقد تقدم من قال بوجوبه. وقال الصنعاني: (لا أعلم قائلاً يقول: بأنه يجب الوضوء من حمل الميت ولا يندب .. ثم قال: قلت: ولكنه مع نهوض الحديث لا عذر عن العمل به، ويفسر الوضوء بغسل اليدين .. ) (١) إلخ كلامه. وهذا فيه نظر، فإن تفسير الوضوء في كلام الشارع بغسل اليدين لا يستقيم؛ لأن الواجب حمل ألفاظ الشرع على الحقيقة الشرعية، لا على الحقيقة اللغوية. وأيد الشيخ عبد العزيز بن باز القول بأنه لا يستحب الوضوء من حمل الميت؛ لأن ذلك يحتاج إلى دليل، فإن توضأ فهو من باب تجديد الوضوء، والله أعلم.

стр. 327

اشتراط الطهارة لمسِّ القرآن ٧٧/ ١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵀ أَنّ في الْكِتَابِ الّذِي كَتَبهُ رَسُولُ الله ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: (أَلاَّ يَمَسَّ الْقُرْانَ إلاّ طَاهِرٌ). رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسلاً، وَوَصَلَهُ النّسَائِيّ، وَابْنُ حِبّانَ، وَهُوَ مَعْلولٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، تابعي، ثقة عابد، روى له الجماعة، روى عن أبيه أبي بكر بن محمد وغيره، وروى عنه الزهري ومالك وهشام بن عروة وغيرهم، مات في سنة (١٣٥) وقيل: (١٣٠ هـ)، وقد وهم المغربي صاحب «البدر التمام شرح بلوغ المرام» (١) فترجم لعبد الله بن أبي بكر الصديق ﵁، وتبعه على هذا الصنعاني (٢) وهذا وهم فاحش، فإن عبد الله بن أبي بكر الصديق ليس من رواة هذا الحديث؛ لأنه صحابي، مات في خلافة أبيه، كما في «الإصابة» (٣)، فالصواب الأول، لأنه جاء في «الموطأ»: (حدثني يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن في الكتاب … ) إلخ (٤). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٩٩) مرسلاً (٥) كما تقدم .. مقتصراً

стр. 328

على هذه الجملة المذكورة، وأخرجه النسائي (٨/ ٥٧) مختصراً موصولاً (١) من طريق الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده .. لكن بدون هذه الجملة المذكورة هنا، وأخرجه ابن حبان (١٤/ ٥٠١) أيضاً مطولاً، وفيه هذه الجملة. وهذا الإسناد ظاهره السلامة من العلة، فرجاله جميعاً ثقات، فمن أخذه على ظاهره صحح الحديث (٢) كابن حبان (٣) والحاكم، وابن عدي، وقوي عندهم بالمرسل الذي رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر، وكذا ما رواه معمر عن عبد الله بن أبي بكر أيضاً، وللحديث طريق ثالث عن الحكم بن موسى، نا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، وهو ضعيف. ولكن الحديث معلول، كما ذكر الحافظ، فقد ذكر بعض أهل العلم أن في الحديث علة خفية قادحة، وهي أن الحكم بن موسى أخطأ في هذا الحديث، وقال: سليمان بن داود، والصواب سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وقد حكى ذلك غير واحد من الأئمة، وسليمان بن داود هذا هو الخولاني، وثقه ابن حبان، وقال في صحيحه: (ثقة مأمون) ومن أجل ذلك أدخل حديثه في الصحيح، ونقل البيهقي أنه أثنى على سليمان بن داود الخولاني أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والدارمي، وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث الذي رواه في الصدقة موصول الإسناد حسناً (٤). لكن هذا مبني على أن الحكم بن موسى قد أتقن الحديث، وإلا فلا يصح إلا مرسلاً، كما تقدم. قال صالح جَزَرة: حدثنا دحيم، قال: نظرت في أصل كتاب يحيى

стр. 329

حديثَ عمرو بن حزم في الصدقات، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: فكتبت هذا الكلام عن مسلم بن الحجاج. وقال أبو داود: (هذا وهم من الحكم، ورواه محمد بن بكار، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري) (١). وقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن بصدقات الغنم، قلت له: مَنْ سليمان هذا؟ قال أبي: من الناس من يقول: سليمان بن أرقم، قال أبي: وقد كان قَدِمَ يحيى بن حمزة العراق، فيرون أن الأرقم لقب، وأن الاسم: داود، ومنهم من يقول: سليمان بن داود الدمشقي شيخ ليحيى بن حمزة، لا بأس به، فلا أدري أيهما هو، وما أظن أنه هذا الدمشقي، ويقال: إنهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم) (٢). وقال أبو زرعة الدمشقي: (الصواب: سليمان بن أرقم). وقال الحافظ ابن منده: (رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه: عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وهو الصواب) (٣). ولما ذكر النسائي الحديث من طريق سليمان بن داود أتبعه بذكر الحديث من طريق سليمان بن أرقم، ثم قال: (وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم، وسليمان بن أرقم متروك الحديث) (٤). وقد أثنى العلماء على كتاب عمرو بن حزم. فقد قال ابن معين: (حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب لهم كتاباً، فقال له رجل: هذا مسند؟ قال: لا، ولكنه صالح) (٥). وقال ابن عبد البر: (وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه

стр. 330

عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة) (١). وقال أيضاً: (كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء، وما فيه فمتفق عليه إلا قليلاً) (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الكتاب ذِكْرُ هذا فيه - أي أن العمرة هي الحج الأصغر - مشهور مستفيض عند أهل العلم، وهو عند كثير منهم أبلغ من خبر الواحد العدل المتصل، وهو صحيح بإجماعهم) (٣). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (لعمرو بن حزم) هو عمرو بن حزم بن زيد الخزرجي الأنصاري، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله الرسول ﷺ على أهل نجران، ليفقههم في الدين، ويعلمهم القران، ويأخذ صدقاتهم، وذلك سنة عشر، وكتب له كتاباً في السنن والصدقات والفرائض والديات، وهو كتاب طويل، أخرجه بطوله الحاكم (٤) والبيهقي (٥) وغيرهما، روى عن النبي ﷺ ، وكان من المُقلِّين (٦). قوله: (ألاَّ يمس) تقدم أن المس معناه: الإفضاء إلى الشيء باليد من غير حائل. قوله: (القران) المراد به نفس الحروف المكتوبة دون البياض الذي في الجوانب، ويراد به المصحف، فيشمل الحروف والحواشي، سمي بذلك لكتابته في الصحف، وإنما ذُكر المعنى الأول؛ لأنه وقت هذا الحديث لم يكن مصحفاً. قوله: (إلا طاهر) هذا اللفظ من المشترك في اللغة العربية، له عدة معان:

стр. 331

١ - الطهارة المعنوية، وهي الطهارة من الشرك؛ أي: لا يمس القران إلا مؤمن، أما الكافر فليس بطاهر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. ٢ - الطهارة الحسية وهي الطهارة من الخبث والنجاسة، ومن ذلك قوله ﷺ في الهرة: (إنها ليست بنجس) أي: بل هي طاهرة. ٣ - الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر، وهي الوضوء أو الغسل ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (١). والاشتراك خلاف الأصل؛ لأن الأصل استعمال اللفظ في الدلالة على معنى واحد، لا إبهام فيه ولا غموض، لكن إذا وجد الاشتراك فإن المجتهد يبحث عن قرينة تصرف اللفظ عن معانيه المشتركة إلى معنى واحد منها، وقد تكون القرينة لفظية مثل: فجرنا عيون الأرض، وقد تكون مستمدة من عمومات الشريعة، ومراعاة حكمة التشريع، ومقاصد الشرع. والأظهر - والله أعلم - أنه لا مانع من حمل هذا اللفظ على المتوضئ، لما يلي: ١ - لأنه كثر في لسان الشرع إطلاق هذا اللفظ على المتوضئ. ٢ - ولأن الصحابة ﵃ فهموا ذلك وأفتوا بأنه لا يُمَسُّ القران إلا على طهارة. ٣ - ولأنه لم يعهد على لسان الرسول ﷺ أن يعبر عن المؤمن بالطاهر لأن وصفه بالإيمان أبلغ. ٤ - أنه ورد في بعض الروايات: «لا يمس القران إلا على طهر» (٢). وفي حديث حكيم بن حزام: «لا تمس القران إلا وأنت طاهر». وفي إسناده ضعف، لكن يفيد ترجيح المعنى المذكور. قوله: (وهو معلول) الحديث المعلول: ما فيه علة خفية قادحة في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها، كالإرسال الخفي.

стр. 332

وقد انتقد بعض العلماء كابن الصلاح هذا التعبير، وقال: (إنه مرذول عند أهل النحو واللغة، وأن الصواب أن يقال: المُعَلّ). والصواب جوازه، وأنه من عَلّ الثلاثي، قال الجوهري وغيره: (عُلَّ الشيء فهو معلول) (١)، وقد ذكر السخاوي أنه وقع هذا اللفظ في كلام البخاري والترمذي وخلق من أئمة الحديث قديماً وحديثاً، وكذا الأصوليين في باب «القياس» حيث قالوا: العلة والمعلول، وقد استعمله الزجاج اللغوي، وذكر ابن القوطية في كتابه «الأفعال» أنه ثلاثي، قال: (عُلّ علة: مَرِضَ، وعُلّ الشيء: أصابته العلة) (٢)، وإذا كان ثلاثياً فاسم المفعول منه معلول، وعليه فلا مانع منه، لوقوعه في عبارات أهل هذا الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ. الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم مس المصحف إلا على طهارة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومنهم الأئمة الأربعة، قال في «المغني»: (ولا نعلم لهم مخالفاً إلا داود) (٣)، لقوله: (ألاَّ يمس القران إلا طاهر)، ولأحاديث أخرى جاءت في الباب يشد بعضها بعضاً. ومن ذلك ما رواه سليمان بن موسى قال: سمعت سالماً يحدث عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمس القران إلا طاهر» (٤). وكذلك ما رواه عبد الله بن يزيد قال: كنا مع سلمان فخرج يقضي

стр. 333

حاجته ثم جاء، فقلت: يا أبا عبد الله لو توضأت، لعلنا نسألك عن ايات، قال: إني لست أمسه، إنما «لا يمسه إلا المطهرون» فقرأ علينا ما شئنا (١). وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال سعد: لعلك مَسِسْتَ ذكرك؟ قال: قلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت، فتوضأت، ثم رجعت) (٢). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن تحريم مس المصحف للمحدث ثابت عن الصحابة، وقال: (إنه قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف) (٣). ومن أدلة تحريم مس المصحف على المحدث قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠]، قالوا: لأن في الآية قرينة دالة على ذلك وهي: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والمنزل هو القران، ومعنى ﴿مَكْنُونٌ﴾: محفوظ عن التبديل والتغيير، وممن ذكر هذا الدليل ابن قدامة (٤) والنووي (٥) وابن القيم (٦). والظاهر أن الاستدلال بالآية على ذلك لا يتم؛ لأن المراد بالكتاب في هذه الآية - والله أعلم - الكتاب الذي بأيدي الملائكة، قال الشوكاني بعد أن ذكر الاستدلال بالآية: (وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعاً إلى القران،

стр. 334

والظاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه الأقرب، والمطهرون: الملائكة) (١). وقال أبو بكر الجصاص بعد ذكر المسألة: (إنْ حُمِلَ اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد: القران الذي عند الله، والمطهرون: الملائكة، وإن حمل على النهي وإن كان في صورة الخبر كان عموماً فينا، وهذا أولى، لما روي عن النبي ﷺ في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم «ولا يمس القران إلا طاهر»، فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية إذ فيها احتمال له) (٢). وقد رجح العلامة ابن القيم أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وذلك من عشرة أوجه، ومنها: أن الله قال: ﴿إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المتطهرون، ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال: إلا المتطهرون، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وفي الحديث «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»، فالمتطهر: فاعل التطهير، والمُطَهّر: الذي طهره غيره، فالمتوضئ: متطهر، والملائكة: مطهرون (٣). وقال الإمام مالك: (أحسن ما سمعت في هذه الآية: إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، قول الله ﵎: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ *بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٤) [عبس: ١١ - ١٦]. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث من باب التنبيه والإشارة، وهو أنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القران لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، ذكر ذلك ابن القيم (٥) ونقل هذا المعنى ابن سعدي، وضمنه تفسير الآية (٦).

стр. 335

الوجه الخامس: الصحيح من قولي أهل العلم أنه يحرم مس المصحف سواء مس نفس الكتابة أم الجوانب أم الجلد، قال النووي: (هذا هو المذهب المختار) (١)، وذلك لأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، والله تعالى أعلم.

стр. 336

الذِّكر لا يشترط له الوضوء ٧٨/ ١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلّ أَحْيَانِهِ. رَوَاهُ مُسْلمٌ، وَعَلّقَهُ الْبُخَارِيّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها» (٣٧٣) من طريق خالد بن سلمة، عن البهي، وهو عبد الله بن بشار، عن عروة، عن عائشة ﵂، هكذا موصولاً. وعلقه البخاري في موضعين في كتاب «الحيض» باب «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف» (١/ ٤٠٧ فتح)، وفي كتاب «الأذان» باب «هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا» (٢/ ١١٤ فتح)، وستتضح مناسبة إيراده في هذين البابين إن شاء الله تعالى. والمعلَّق: ما حذف من إسناده راوٍ واحدٌ ولو إلى اخر الإسناد، قاله الحافظ (١). وللتعليق أسباب تراجع في مظانها (٢)، وتعليقات البخاري كثيرة، بخلاف ما في صحيح مسلم فهي قليلة جداً، كما قاله ابن الصلاح (٣)، وحكم التعليقات أن ما كان منها بصيغة الجزم مثل: قال رسول الله ﷺ كذا، قال فلان، أو روى فلان أو ذكر فلان، فإنه يحتج بها، كما قرره أهل العلم؛ لأنه

стр. 337

قد حكم بصحته عمن علقه عنه، وهو لا يستجيز إطلاق ذلك إلا إذا صح عنده ذلك عنه، أما ما لم يكن بصيغة الجزم مثل: رُوي عن رسول الله ﷺ كذا، أو رُوي عن فلان كذا فهذا لا يحكم بصحته، لكن إيراده له في صحيحه مشعر بصحة أصله، فيستأنس به ويركن إليه. وهذا الحديث من المعلقات التي لم توجد موصولة في موضع اخر عند البخاري، وقد ذكر الحافظ في المقدمة (١): أنه علق هذا الحديث لكونه لا يلتحق بشرطه، مع أنه صحيح على شرط غيره، وذلك من أسباب التعليق عند البخاري. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله) صيغة المضارع بعد لفظة (كان) تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل، ما لم يوجد قرينة، وقد تقدم ذلك. قوله: (يذكر الله) المراد بذكر الله: كل ما يذكّر بالله تعالى، من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار وتلاوة القران، فالذكر أعم من أن يكون بالقران أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف. قوله: (على كل أحيانه) (على) للظرفية بمعنى (في) (٢) أي: في كل أوقاته، كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] على أحد القولين، والأحيان: جمع (حين) وهو الزمان قلّ أو كثر، وهذا من العام الذي أريد به الخاص أي: معظم أحيانه، كما سيأتي. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن ذكر الله تعالى لا تشترط له الطهارة، بل يجوز ذكر الله تعالى على كل حال من الأحوال؛ لأن عموم

стр. 338

الأحيان يستلزم عموم الأحوال، سواء أكان طاهراً أم محدثاً أم جنباً، وذلك بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القران ونحو ذلك من الأذكار. وهذا غرض المصنف من إيراد الحديث في هذا الباب، وهو بيان أن نواقض الوضوء غير مانعة من ذكر الله تعالى، فإن الحدث الأصغر من جملة الأحيان المذكورة. وقد أخبر ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما قام الليل قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة ال عمران قبل أن يتوضأ (١)، وبوّب عليه البخاري بقوله: (باب قراءة القران بعد الحدث وغيره) (٢). الوجه الرابع: ليس هذا الحديث على عمومه، بل خصص منه ما يلي: ١ - تلاوة القران حال الجنابة، لحديث علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القران ما لم يكن جنباً، وسيأتي إن شاء الله، قال الحافظ ابن رجب: (فيه دليل على أن الذكر لا يمنع منه حدث ولا جنابة، وليس فيه دليل على جواز قراءة القران للجنب؛ لأن ذكر الله تعالى إذا أطلق لا يراد به القران) (٣) وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب «الغسل» إن شاء الله. ٢ - الذكر حال البول والغائط والجماع، فإنها من جملة الأحيان المذكورة مع أنه يكره الذكر باللسان في هذه الأحوال، كما نص عليه النووي وغيره (٤)، وعلى هذا فيكون المراد بكل أحيانه: معظمها، كحال الطهارة والحدث والقيام والقعود، ونحو ذلك. وهذا إن حمل الذكر في الحديث على الذكر باللسان، فإن حمل على الذكر بالقلب بقي العموم على حاله، فلا يستثنى منه شيء؛ لأنه ﷺ كان دائم التفكر لا يفتر عن الذكر القلبي لا في يقظة ولا نوم.

стр. 339

الوجه الخامس: ورد عن المهاجر بن منقذ ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يردّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: «إني كرهت أن أذكر الله - تعالى ذكره - إلا على طُهْرٍ»، أو قال: «على طهارة») (١). فهذا الحديث دل على كراهة ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة، وعلى أنه ينبغي لمن سُلّم عليه في حال قضاء الحاجة ألاَّ يرد السلام، بل ينتظر حتى يقضي حاجته، ثم إذا أراد الرد فالأفضل أن يؤخره حتى يتطهر. وعن ابن عمر ﵄ أن رجلاً مَرَّ ورسول الله ﷺ يبول فسلم فلم يرد عليه (٢). وعن أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري قال: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جَمَل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يردّ رسول الله ﷺ عليه حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد ﵇ (٣). وهذه الأحاديث تدل على أن ذكر الله تعالى على طهارة أفضل، وعموم حديث الباب يدل على جواز ذلك بلا طهارة. والله تعالى أعلم.

стр. 340

خروج الدم من غير السبيلين لا ينقض الوضوء ٧٩/ ١٣ - عَنْ أَنَس بْنِ مَالكٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلّى، وَلمْ يَتَوَضَّأْ. أَخْرَجهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَيَّنَهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٥١)، ومن طريقه البيهقي في «السنن» (١/ ١٤١)، وفي «الخلافيات» (٢/ ٣١٨) من طريق صالح بن مقاتل، ثنا أبي، ثنا سليمان بن داود أبو أيوب، عن حميد، عن أنس به. وذكر الحافظ أن الدارقطني لَيّنَهُ، أي: ليّن إسناده، للكلام في بعض رواته، والليّن: بفتح اللام وكسر الياء المشددة، هو: الراوي المجروح في حفظه جرحاً لا يخرجه عن دائرة الاعتبار بحديثه، ولا يتعدى إلى عدالته، قال الدارقطني: (إذا قلت: لين، لا يكون ساقطاً متروك الحديث، ولكن مجروحاً بشيء لا يسقط به العدالة) (١)، وتقدم ذلك. والظاهر أن الحافظ عَنَى بذلك قول الدارقطني: (صالح بن مقاتل ليس بالقوي)، وهذه العبارة نقلها ابن عبد الهادي والزيلعي كما سيأتي، وهي لا توجد في «سنن الدارقطني» المطبوعة، بل لم يرد له أيُّ كلام على هذا الحديث بعد إيراده، وقد وجدت في كتاب «تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني» للحافظ الغساني المتوفى سنة (٦٨٢ هـ) وهو ينقل في كتابه كلام الدارقطني، قوله: (سليمان بن داود ليس بالقوي)، وكذا في كتاب المقدسي (من تكلم فيه الدارقطني

стр. 341

في كتاب «السنن» … ) وهذا يدل على أن كتاب السنن فيه سقط، أو أن هذا من اختلاف النسخ واختلاف رواتها، أو أنه في غير السنن، فالله تعالى أعلم. وهذا حديث ضعيف جداً، قال ابن عبد الهادي: (حديث أنس لا يثبت، وسليمان بن داود مجهول، وصالح بن مقاتل ليس بالقوي، قاله الدارقطني، وأبوه غير معروف) (١). وقال الزيلعي: (قال الدارقطني عن صالح بن مقاتل: ليس بالقوي، وأبوه غير معروف، وسليمان بن داود مجهول) (٢)، وليس في «سنن الدارقطني» المطبوع شيء من هذا، كما تقدم. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (احتجم) أي: أخرج الدم بالمحجم: بكسر الميم، وهي الآلة التي يُحجم بها، أي: يُمصُّ الدم بها، والآلة التي يجمع فيها دم الحجامة. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحجامة لا تنقض الوضوء، بل تجوز الصلاة بعدها، والحديث وإن كان فيه ضعف لكنه يعتضد بالأصل، وهو سلامة الطهارة، ولا يُرفع الأصل إلا بدليل شرعي يدل على ناقض متيقن، ويلحق بذلك كل دم خارج من الجسم من غير السبيلين، كالرُّعاف ودم السن والجرح، وما أشبه ذلك سواء أكان قليلاً أم كثيراً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد تنازع العلماء في خروج النجاسة من غير السبيلين، كالجرح والفِصَاد والحجامة والرعاف والقيء فمذهب مالك والشافعي: لا ينقض الوضوء، ومذهب أبي حنيفة وأحمد: ينقض، لكن أحمد يقول: إذا كان كثيراً .. ثم قال: والأظهر في جميع هذه الأنواع: أنها لا تنقض الوضوء، ولكن يستحب الوضوء منها، فمن صلى ولم يتوضأ منها صحت صلاته، ومن توضأ منها فهو أفضل .. ) (٣). وأما نجاسة الدم فقد تقدم الكلام عليها في باب «إزالة النجاسة» عند الحديث «الثلاثين»، والله تعالى أعلم.

стр. 342

ما جاء في أن النوم مظنة نقض الوضوء ٨٠/ ١٤ - عَنْ مُعَاويةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْعَيْنُ وِكاءُ السّهِ، فَإذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطّبَرَانِيّ وَزَادَ: «وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضّأْ»، وَهذِهِ الزّيَادَةُ في هذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَليّ دُونَ قَوْلِهِ: «اسْتَطلَقَ الْوِكاءُ»، وَفِي كِلَا الإسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، ولد معاوية ﵁ قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، وكان هو وأبوه من مسلمة الفتح، ثم من المؤلفة قلوبهم، وقيل: إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، قيل: إنه ممن كتب الوحي للنبي ﷺ ، وقال الذهبي: إنما كتب كتباً للنبي ﷺ فيما بينه وبين العرب، وقد ورد في حديث ابن أبي مليكة أن ابن عباس قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة، فقال: (إنه فقيه) (١)، والمعنى: أنه ما فعل ذلك إلا بمستند. تولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر ﵁، ولم يزل بها إلى أن مات، وذلك أربعون سنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لم يكن من ملوك المسلمين مَلِكٌ خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان مَلِكٍ من الملوك خيراً منهم في زمان معاوية، إذا نُسبت أيامه إلى أيام من بعده، وأما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر

стр. 343

وعمر ظهر التفاضل) (١)، مات في رجب سنة ستين في دمشق، ﵁ (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (٢٨/ ٩٢)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٣٧٢) رقم (٨٧٥) بالزيادة المذكورة، كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس الكلابي، عن معاوية ﵁، به. وهذا إسناد ضعيف، لضعف أبي بكر بن أبي مريم، واسمه بكير، وقيل: عبد السلام، قال في «التقريب»: (ضعيف، وكان قد سُرِقَ بيته، فاختلط). وهذه الزيادة: (فمن نام فليتوضأ) وردت في حديث علي ﵁ عند أبي داود (٢٠٣) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من النوم»، وأحمد (٢/ ٢٢٧) من طريق بقية بن الوليد، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وكاءُ السّهِ العينان، فمن نام فليتوضأ». وهذا إسناد ضعيف كما قال الحافظ، بقية بن الوليد مدلس، يدلس تدليس التسوية وهو أشد أنواعه، فيشترط من مثله التصريح بالسماع في جميع طبقات السند، والوضين بن عطاء مختلف فيه، قال عنه في «التقريب»: (صدوق سيئ الحفظ)، وعبد الرحمن بن عائذ حديثه عن عليٍّ مرسل. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذين الحديثين، فقال: (ليسا بقويين) (٣)، ونقل ابن عبد الهادي، والحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد قوله: (حديث علي أثبت من حديث معاوية في هذا الباب) (٤)، فهذا الحديث أُعِلّ بثلاث علل، كما تقدم. أما تدليس بقية فقد صرح بالتحديث عند أحمد وغيره، لكن تدليسه تدليس تسوية، فلا بد أن يصرح من فوقه بالتحديث أيضاً.

стр. 344

أما الوضين فقال عنه أحمد: (ما كان به بأس)، بل ورد عنه توثيقه، وكذا وثقه ابن معين في رواية، وقال عنه في رواية أخرى: (لا بأس به)، وقال أبو داود السجستاني عنه في «سؤالات أبي عبيد الآجري»: (صالح الحديث) (١)، ووثقه ابن شاهين (٢) وقال أبو حاتم (٣): «تعرف وتنكر» (٤)، ورجل هذه حاله لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن. وأما الانقطاع، وهو أن ابن عائذ لم يسمع من عليّ، فقد ذكره أبو زرعة (٥)، وكذا قال أبو حاتم (٦)، ونقله أيضاً ابن الملقن عن عبد الحق، وابن القطان، وصاحب الإمام، ثم قال: (وحسنه ابن الصلاح والنووي والزكي) أي: المنذري، وقال: (أما ابن السكن فذكرهما - أي حديث علي هذا وحديث معاوية الذي قبله - في سننه الصحاح المأثورة) (٧). وقد رد الحافظ ابن حجر علة الانقطاع، فقال متعقباً أبا زرعة: (وفي هذا النفي نظر؛ لأنه يروي عن عمر، كما جزم به البخاري) (٨). والحديث حسنه الألباني (٩)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إن هذين الحديثين يشدُّ أحدهما الآخر). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (العين) أراد الجنس، والمراد: العينان من كل إنسان، ويراد هنا: اليقظة. قوله: (وكاء) الوكاء: بكسر الواو: الخيط الذي تشد به الصرة أو الكيس أو القربة.

стр. 345

قوله: (السّهِ) بفتح السين: حلقة الدبر، وهذا من باب التشبيه، والمعنى: أن اليقظة تحفظ الدبر وتمنع من خروج الخارج منه وهو الريح، كما يحفظ الوكاءُ الماءَ في السقاء ويمنع خروجه. الوجه الرابع: الحديثان يدلان على أن النوم ليس ناقضاً بنفسه، وإنما هو مظنة للنقض، وذلك إذا كان الإنسان في حالة لا يملك نفسه، فلا يشعر بما يخرج منه، فإذا كان كذلك فليتوضأ لأنه نام، أما إذا كان الإنسان يقظاً فإنه يتحفظ ويعرف ما يخرج منه، والله تعالى أعلم.

стр. 346

ما جاء في أن نوم المضطجع ينقض الوضوء ٨١/ ١٥ - وَلأبِي دَاوُدَ أَيْضاً، عَنِ ابْنِ عَبّاس مَرْفُوعاً: «إنّما الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضاً. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٢٠٢) في «الطهارة»، باب «الوضوء من النوم» من طريق أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: «إنما الوضوء على من نام مضطجعاً». قال أبو داود: قوله: «الوضوء على من نام مضطجعاً» هو حديث منكر، لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس ﵄، ولم يذكروا من هذا شيئاً. وقد كادت تتفق كلمة الأئمة على ضعف هذا الحديث، قال النووي: (حديث ضعيف، باتفاق أهل الحديث، وممن صرح بضعفه من المتقدمين: أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو داود، قال أبو داود وإبراهيم الحربي: (هو حديث منكر)، ونقل إمام الحرمين في كتابه «الأساليب» إجماع أهل الحديث على ضعفه، وهو كما قال، والضعف عليه بين) (١). قال أبو داود: (وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني

стр. 347

استعظاماً له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث) (١). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن النوم حال وضع الجَنْبِ على الأرض ناقض للوضوء، وخصّ النقض بنوم المضطجع لأنه الأغلب؛ لأن الغالب أنه لا يستغرق أحد في نومه إلا وهو مضطجع، وهذا على فرض صحة الحديث، وإلا فهو ضعيف سنداً ومتناً، أما سنداً فتقدم، وأما متناً فإن معناه لا يصح لا طرداً ولا عكساً؛ لأنه يدل طرداً على أن كل من نام مضطجعاً وجب عليه الوضوء، سواء أكان كثيراً مستغرقاً لا يحس بنفسه إذا أحدث، أم قليلاً يحس معه إذا أحدث، ويدل عكساً على أن كل من نام غير مضطجع فإنه لا ينتقض وضوؤه، وكلا المعنيين غير صحيح، أما الأول فتقدم بيانه عند شرح حديث أنس ﵁ أول أحاديث الباب، وهو أنه لا ينقض إلا المستغرق، أما غير المستغرق فلا ينقض على أيّ حال كان النائم، وأما الثاني فإن النائم إذا كان مستغرقاً انتقض وضوؤه ولو كان غير مضطجع، والله تعالى أعلم.

стр. 348

ما جاء في تشكيك الشيطان ابن آدم في طهارته ٨٢/ ١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاس ﵄ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يَأتِي أَحَدَكُمُ الشّيْطَانُ في صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ في مَقْعَدَتِهِ فيُخَيّلُ إلَيْه أَنّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإذَا وَجَدَ ذلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً». أَخْرَجَهُ الْبَزّارُ. ٨٣/ ١٧ - وَأَصْلُهُ في الصّحِيحَينِ مِنْ حَدِيث عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ. ٨٤/ ١٨ - وَلِمُسْلمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ. ٨٥/ ١٩ - ولِلْحَاكِم: عَنْ أَبي سَعيدٍ مَرْفُوعاً: «إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشّيْطَانُ، فَقَالَ: إنّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ»، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حبّانَ بِلَفْظِ: «فَلْيقلْ فِي نَفْسِهِ». كان الأولى بالمصنف أن يضم هذه الأحاديث الثلاثة إلى حديث أبي هريرة خامس أحاديث الباب - وقد أشار إليه هاهنا ـ؛ لأن موضوعها واحد، وهو حكم الشك في الطهارة، وهذه فيها زيادة فوائد نذكرها - إن شاء الله ـ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البزار (١٧١ مختصر زوائده) من طريق إسماعيل بن صَبيح، ثنا أبو أويس، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعاً. وقال: (لا نعلمه بهذا اللفظ إلا من طريق ابن عباس ﵄، وروي معناه من طريق غيره).

стр. 349

وهذا إسناد حسن، إسماعيل بن صبيح: صدوق، وأبو أويس: صدوق يهم، وقد تابعه الدراوردي عند البيهقي (٢/ ٢٥٤). والحديث أصله في الصحيحين: في البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١) من حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». وفي صحيح مسلم (٣٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وتقدم في أول هذا الباب، وهو الحديث الخامس. وأما حديث أبي سعيد فقد أخرجه الحاكم (١/ ١٣٤)، وابن حبان (٦/ ٣٨٩) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد الخدري ﵁، وأول الحديث: «إذا صلى أحدكم فلم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً فليسجد سجدتين وهو جالس، وإذا أتى … »، وتمام الحديث عندهما: «حتى يسمع صوتاً بأذنه أو يجد ريحاً بأنفه»، ورجاله ثقات رجال الشيخين، غير عياض بن هلال، فإنه لم يوثقه إلا ابن حبان (١)، ولم يرو عنه إلا يحيى بن أبي كثير، قال في «التقريب»: (عياض بن هلال، وقيل: ابن أبي زهير الأنصاري، وقال بعضهم: هلال بن عياض، وهو مرجوح، مجهول من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه). وقد أخرجه أبو داود (١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، بهذا الإسناد، وحسنه الترمذي. ولعله من الحسن لغيره، لا لذاته، من أجل عياض هذا، لكن تابعه عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، عند مسلم - وسيأتي في باب «سجود السهو» إن شاء الله ـ، لكن ليس فيه الجملة المذكورة هنا (وإذا أتى .. ) فهي مما انفرد به عياض بن هلال، والغرض من إيراد لفظ ابن حبان أنه أفاد أنه يقول: «كذبت» في نفسه ولا يتكلم.

стр. 350

الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الشيطان) أي: جنس الشيطان. قوله: (في صلاته) أي: حال كونه فيها. قوله: (فينفخ) بضم العين من المضارع، من باب «قتل» يقال: نفخ بفمه نفخاً: أخرج منه الريح. قوله: (في مقعدته) بفتح الميم، وهي السافلة من الشخص. قوله: (فيخيل إليه) يحتمل أنه مبني للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر يعود على الشيطان، أي: إن الشيطان هو الذي يخيل للمصلي أنه أحدث، أي: يوقع في خياله، أي: في وهمه وظنه، ويحتمل أنه مبني للمجهول، ونائب الفاعل قوله: (أنه أحدث). الوجه الثالث: حديث ابن عباس وما بعده يفيد ما سبقت إليه الإشارة عند الحديث الخامس من هذا الباب من أن المتطهر إذا شك في وضوئه هل انتقض أو لا؟ فإن وضوءه باقٍ، ويصلي بطهارته تلك ولا يجب عليه الوضوء حتى يتيقن أنه أحدث إما بسماع صوت أو شَمِّ ريح. الوجه الرابع: شدة عداوة الشيطان للإنسان، وذلك بإفساد عبادته، ولا سيما الصلاة وما يتعلق بها، وإيقاعه في الشكوك والأوهام حتى تفسد طهارته، وتبطل صلاته، تارة بالفعل (فينفخ في مقعدته)، وتارة بالقول بالوسوسة: (إنك أحدثت). وقد أخبر الله تعالى بعداوة الشيطان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. الوجه الخامس: في هذه الأحاديث بيان لعلاج الوسواس، فلا ينبغي للمسلم أن يستسلم لوساوس الشيطان ولا يلتفت إليها، فلا ينصرف حتى يتحقق انتقاض طهارته. والوسواس داء عضال، إذا اشتد بصاحبه لا ينفك عنه ويصعب الخروج منه، فيقع في الحرج والمشقة في طهارته وصلاته وأحواله كلها، ومتى غفل عن

стр. 351

الوساوس وتركها فإنها تزول بإذن الله تعالى، ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى عدم الاستسلام لها بقوله: «فليقل: كذبت». الوجه السادس: في هذه الأحاديث زيادة على حديث أبي هريرة المتقدم ومن ذلك: ١ - التصريح بأن هذه الشكوك في الطهارة من الشيطان. ٢ - أنه بيّن محل هذه الشكوك وأنه مقعدة الإنسان. ٣ - أنه بيّن طريقة الخروج من هذه الأوهام وهو تكذيب الشيطان، والله تعالى أعلم.

стр. 352

باب قضاء الحاجة وفي بعض نسخ «البلوغ»: باب «اداب قضاء الحاجة»، وهي أكمل وأدل على المراد. والآداب: جمع أدب، كاجال وأجل، قال أبو زيد الأنصاري: (الأدب يقع على كل رياضة محمودة، يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل) (١). والحاجة: كناية عن البول والغائط، وهو مأخوذ من قوله ﷺ : «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» (٢). وبعضهم يعبر عنه بباب «الاستطابة» وهو طلب الطيب، والمراد بها هنا: تطهير القبل والدبر من أثر البول أو الغائط بحجر أو ماء؛ لأنه طيب المحل من الخبث الطارئ عليه. والمراد باداب قضاء الحاجة: ما يشرع للمسلم اتباعه من الأقوال والأفعال التي تناسب تلك الحال. ومجيء الإسلام بهذه الآداب دليل بيّن على كمال هذه الشريعة، ورعايتها لمصالح العباد، واستيعابها لجميع الآداب النافعة، سواء في أمور العبادات أو المعاملات أو الآداب أو الأخلاق، فما من شيء ينفع الناس ويقربهم إلى الله تعالى إلا بينته ورغبت فيه، وما من شيء يضرهم أو يعرّضهم لسخط الله إلا بينته وحذرت منه، وقد ورد في حديث سلمان ﵁

стр. 353

أن المشركين قالوا له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخِراءَة (١)؟ فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم (٢).

стр. 354

كراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله تعالى ٨٦/ ١ - عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلاْءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلولٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (١٩) في كتاب «الطهارة» باب «الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء»، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (١/ ١٧٨)، وابن ماجه (٣٠٣)، من طريق همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس ﵁. وقد أعلّه جماعة من الحفاظ منهم أبو داود في «سننه» بعد سياقه بعلتين: الأولى: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، فقد قيل: إن ابن جريج لم يسمع من الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد. الثانية: قلب المتن باخر، وأن الصواب: عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق (١)، ثم ألقاه، فوهم همام بن يحيى، ورواه عن الزهري، وترك زياد بن سعد، وأتى بهذا اللفظ: (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)، وقد نقل البيهقي (١/ ٩٥) كلام أبي داود في «سننه» وأقره، وقال: (هذا هو المشهور عن ابن جريج، دون

стр. 355

حديث همام) وقال النسائي كما في «السنن الكبرى» (٨/ ٣٨٤): (هذا الحديث غير محفوظ) ونقل الحافظ عن الدارقطني أنه قال بشذوذه (١) وضعفه النووي وعزا تضعيفه إلى الجمهور (٢). وقال اخرون: ليس فيه وهم، بل هذا حديث وهذا حديث، فهما مختلفان سنداً ومتناً، فحديث الباب رواه ابن جريج عن الزهري بلا واسطة، والثاني بواسطة. وكونُ ذِهْنِ همام انتقل من الحديث الثاني إلى الأول مع اختلافهما سنداً ومتناً مردود؛ لأن ذلك لا يكون إلا عن غفلة شديدة لا يحتملها حال همام، فإن هماماً حافظ كبير ثقة، يفهم هذا من هذا، فلا مانع أن يكون عنده الحديثان (٣)، وقد مال إلى ذلك ابن حبان، فذكر كلا الحديثين في «صحيحه»؛ الأول في (٤/ ٢٦٠) والثاني في (١٢/ ٣٠٤)، ومن هؤلاء - أيضاً - المنذري (٤) فإنه نقل تحسين الترمذي لهذا الحديث، ونقل كلام العلماء في همام، ثم قال: (وإذا كان حال همام كذلك فيترجح ما قاله الترمذي .. ). ومن هؤلاء صاحب «المنهل العذب المورود» فإنه دافع عن الحديث وقال: (إن دعوى غلط همام وتفرده غير مسلمة) (٥). قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا أقرب وأولى، إذ توهيم الثقات وتغليطهم يحتاج إلى دليل). وقد تابع هماماً على لفظ حديث الباب يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري، أخرجه البيهقي (١/ ٩٥)، والبغوي في «شرح السنة» (١٨٩) قال في «التقريب» عن يحيى بن المتوكل: (صدوق يخطئ) وتابعه يحيى بن الضُّريس البجلي، عن ابن جريج، عن الزهري، كما ذكره الدارقطني في «العلل»، وابن الضريس قال عنه في «التقريب»: (صدوق) (٦)، لكن يلاحظ
следующие страницы →