الخط، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فدلت الآية على اعتبار الشهادة في الوصية، بل على شهادة اثنين، ويكون معنى الحديث: مكتوبة بشرطها، وهو الإشهاد.
وأجاب الأولون بأنه لا يلزم من ذكر الإشهاد في الآية أنها لا تصح الوصية إلا به، قال الصنعاني: (والتحقيق أن المعتبر معرفة الخط، فإذا عُرف خط الموصي عُمل به) (١).
وهذا هو الأظهر -إن شاء الله وهو أنه إذا وجدت وصية إنسان بخطه الثابت المعروف بإقرار ورثته أو بينة تعرف خطه صحت وصيته وعمل بها بلا إشهاد، وقد أفتى بذلك الإِمام أحمد (٢). لثبوت الحديث في الكتابة دون ذكر الإشهاد، ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصيته فائدة، لكن إن أشهد فهو أحسن؛ لأنه أحفظ للوصية وأحوط بما فيها.
* الوجه الثامن: الحديث دليل على أن الأشياء المهمة تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبًا.
* الوجه التاسع: اختلف العلماء في الوصية هل هي واجبة أو لا؟ فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى أنها مندوبة، بل نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا من كانت عليه حقوق بغير بينة، من وديعة أو أمانة، أو غيرها، فيوصي بذلك، واعتبر القائلين بالوجوب طائفة شاذة لا يعدون خلافًا (٣).
وقد استدل ابن عبد البر للجمهور بأنه لو لم يوصِ لوجبت قسمة تركته بين ورثته بالإجماع، ولو كانت واجبة لأُخرج من ماله سهم ينوب عن الوصية.
стр. 2907
وذهب داود وابن حزم وجماعة آخرون إلى أن الوصية واجبة، قال ابن حزم: (الوصية فرض على كل من ترك مالًا … ) (١)، واستدلوا بدليلين:
الأول: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] قالوا: إن معنى (كتب) فرض، و (حقًّا) أي: فرضًا ثابتًا، وإذا كانت ذلك حقًّا ثابتًا على كل متق لله تعالى خائف من عقابه، فواجب على الناس كلهم أن يكونوا من المتقين.
الثاني: حديث الباب، قالوا: فهو يدل على الوجوب، ومعناه: ليس من حق المسلم أن يبيت ليلتين إلا وقد أوصى، بدليل رواية الدارقطني: (لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) (٢).
والقول الأول أظهر، وهو أن الوصية لا تجب إلا على من عليه دين أو عنده وديعة ونحو ذلك؛ لأن الله تعالى أوجب أداء الأمانات ولا يتم ذلك إلا بالوصية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وأما الآية فلا دلالة فيها على وجوب الوصية، وإنما هي منسوخة بآيات المواريث، أو أنها خاصة بالأقارب غير الوارثين من الوالدين وغيرهما، كما سيأتي إن شاء الله.
وأما حديث الباب فلا دلالة فيه على الوجوب، إذ ليس في ألفاظه ما يفيد ذلك، كما تقدم، بل فيه ما يفيد عدم الوجوب، وهو قوله: "يريد أن يوصي، فجعل ذلك متعلقًا بإرادته، ولو كان واجبًا لم يكن كذلك.
وأما رواية (لا يحل) فإنها تحتمل أن يكون راويها ذكرها وأراد بنفي
стр. 2908
الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.
هذا وينبغي أن يعلم أن الوصية تجري فيها الأحكام الخمسة، فتجب -كما تقدم- على من عليه حقٌّ دينٌ أو وديعة أو أمانة لا يُعلم بها، أو عليه واجبات شغلت الذمة كزكاة وحج وكفارة ولقطة ونحو ذلك، كما تجب للأقارب غير الوارثين -على أحد القولين -كما سيأتي.
وتستحب لمن ترك خيرًا بالثلث فأقل، وتحرم إذا قصد الإضرار بالورثة أو ببعضهم، كما لو أوصى بأكثر من الثلث أو أوصى لوارث بشيء؛ كأن يوصي لزوجته -مثلًا- مع أنها سترثه، وتكره إذا كان ماله قليلًا وورثته محتاجون، وتباح إذا كان الرجل غنيًّا وورثته محتاجون، أو كان ماله قليلًا وورثته غير محتاجين، والله تعالى أعلم.
стр. 2909
باب مقدار ما يوصي به
٩٦١/ ٢ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أفَأَتَصَدَّقُ بِثُلْثَي مَالِي؟ قَال: "لَا"، قُلْتُ: أَفَأتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَال: "لا"، قُلْتُ: أَفَأتصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَال: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كثير، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثتَكَ أَغْنِيَاءَ خيرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ"، مُتَّفَق عَلَيه.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع في "صحيحه"، مطولًا ومختصرًا، أولها في كتاب "الإيمان" (٥٦)، وفي "الجنائز"، باب (رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة) (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) من طريق الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، به.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قلت: يا رسول الله) كان ذلك في مكة في حجة الوداع، لما جاء في "الصحيحين": (جاءني النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة) زاد الزهري في رواية للبخاري: (في حجة الوداع من وجع اشتد بي) وقيل: إن ذلك في فتح مكة، كما في رواية ابن عيينة، عن الزهري، عند الترمذي: (قال: مرضت عام الفتح مرضًا أشفقت منه على الموت) (١)، قال الحافظ: (اتفق أصحاب الزهري على
стр. 2910
أن ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة فقال: في فتح مكة، واتُّفِقَ على أنه وهم فيه، قال: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع مرتين، مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، وفي الثانية كانت له ابنة فقط) (١).
قوله: (أنا ذو مال) أي: صاحب مال، وهذه اللفظة تطلق في العرف على من عنده مال كثير، وفي رواية لمسلم: "إن لي مالًا كثيرًا".
قوله: (ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة) أي: لا يرثني من الولد إلا ابنة واحدة، وإلا فقد كان له عصبة، وقيل معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض، ولعل هذا قبل أن يولد له ذكرر، فقد ذكر الواقدي أنه ولد لسعد بعد ذلك أربعة بنين، وقيل: أكثر من عشرة، ومن البنات ثنتا عشرة بنتًا؛ لأن سعدًا ﵁ مات سنة (٥٥ هـ)، ومن أولاده مصعب وعامر ومحمد وإبراهيم.
قوله: (أفأتصدق) الصدقة: هي العطية التي يبتغى بها الثواب عند الله تعالى، وهذا استفهام استخبار يقصد به الاستفتاء، وقد ورد في رواية البخاري: (قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟) وهذا يفيد أنه أراد الصدقة بعد الموت، فتحمل رواية: (أفأتصدق) التي تفيد سؤاله عن تنجيز ذلك في الحال على هذا، وذلك لأن حمل الأولى على الثانية ممكن، بخلاف حمل الثانية على الأولى، والله أعلم.
قوله: (بشطره) الشطر: هو النصف، وقد تقدم في "المساقاة".
قوله: (الثلث والثلث كثير) الثلث الأول بالرفع فاعل لفعل مقدر؛ أي: يكفيك الثلث، أو مبتدأ حذف خبره؛ أي: الثلث كافٍ، وبالنصب مفعول لمقدر؛ أي: عَيِّنِ الثلثَ، وأما الثلث الثاني: فهو مبتدأ لا غير، وخبره ما بعده.
ووُصِفَ الثلث بالكثرة بالنسبة إلى ما دونه كالربع والخمس، وفائدة وصفه بالكثرة احتمالان:
стр. 2911
الأول: بيان أن الأفضل الاقتصار عليه في الوصية بلا زيادة، وهذا هو المتبادر من السياق، وقد فهم ذلك ابن عباس ﵄، فقال: (لو غضَّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير") (١).
الثاني: بيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل؛ أي: كثير أجره، ويكون من الوصف بحال المتعلق.
قوله: (إنك أن تذر) جملة مستأنفة للتعليل، ومعنى (تذر): تترك، وهذا مضارع لا ماضي له من لفظه، وهو ترك، وكذا المصدر، ويجوز في قوله: "أن تذر" وجهان:
الأول: فتح الهمزة على أنها مصدرية، والمضارع بعدها منصوب، وهي وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، خبره (خير) أي: إنك تَرْكُكَ ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء.
الثاني: كسر الهمزة على أنها شرطية، والمضارع بعدها مجزوم، وجواب الشرط (خير) على تقدير: (فهو خير)؛ لأن حذف الفاء في مثل هذا جائز؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦].
قوله: (ورثتك) جمع مفرده وارث، والوارث: من ينتقل إليه مال الميت بتمليك الله تعالى إياه.
وجاء لفظ الورثة ولم يقل: (أن تدع بنتك) مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة لكون الوارث حينئذ لم يتحقق هل هو البنت أو غيرها مستقبلًا، فإن سعدًا ﵁ إنما قال ذلك ظنًّا منه أنه يموت في هذا المرض وتبقى هي بعد موته، ومن الجائز أن تموت قبله، فأجاب النبي ﷺ بكلام كلي مطابق لكل حالة، وهو قوله: "ورثتك" ولم يخص بنتًا ولا غيرها.
قوله: (عالة) أي: فقراء، وهو جمع عائل وهو الفقير، يقال: عال يعيل
стр. 2912
إذا افتقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال الشاعر:
وما يدري الفقير متى غناه … وما يدري الغني متى يَعِيلُ
قوله: (يتكففون الناس) أي: يسألون الناس بأكفهم، أو يسألون ما في أكف الناس، يقال: تكفف الناس واستكف: إذا بسط كفه للسؤال.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب عيادة المريض، وتتأكد لمن له حق من قريب أو صديق أو جار وغيرهم، دل على هذا بعض الروايات التي سبق ذكرها، وسيأتي الكلام على عيادة المريض في كتاب "الجامع" إن شاء الله تعالى.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة جمع المال إذا كان من طرق شرعية؛ لأن صيغة (ذو مال) لا تستعمل في العرف إلا في المال الكثير، ومنه ذو علم، وذو شجاعة، ونحوهما.
* الوجه الخامس: الحديث دليل على استحباب الوصية وأن تكون بثلث المال فأقل ولو كان مال الموصي كثيرًا، فإن كان المال قليلًا والورثة فقراء فالأفضل ألا يوصي بشيء، لقوله: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
* الوجه السادس: الحديث دليل على منع الوصية بأكثر من الثلث لمن له ورثة، وعلى هذا استقر الإجماع؛ لأن النبي ﷺ لم يأذن لسعد إلا بالثلث، فدل على أن الثلث هو النهاية، ولأن ما زاد على الثلث داخل بالمضارة، قال تعالى: ﴿بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] أي: غير موقعٍ الضررَ على الورثة بما أوصى به أو تحمله من دين.
أما من لم يكن له وارث ففي مقدار وصيته خلاف بين أهل العلم، والمفهوم من حديث سعد ﵁ جواز الوصية بجميع المال؛ لأنه أفاد أن الوصية بأكثر من الثلث ممنوعة لأجل الورثة، فإذا لم يوجد ورثة زال المانع، ولعله يأتي زيادة بيان -إن شاء الله- في شرح حديث أبي أمامة ﵁،
стр. 2913
والجمهور من أهل العلم على أنه إن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث وأجازها الورثة نفذت، وقالت الظاهرية: لا أثر لإجازة الورثة ما زاد على الثلث، ورجحه الصنعاني؛ لأن إجازة الورثة وردت في الوصية للوارث -كما سيأتي- لا فيما زاد على الثلث، أما من أجاز فقد أخذ ذلك من عموم (إنك أن تذر … ).
* الوجه السابع: الحديث دليل على أن إبقاء المال للورثة مع حاجتهم إليه أفضل من التصدق به على البعداء؛ لأن الورثة أولى ببر مورثهم من غيرهم.
* الوجه الثامن: اختلف العلماء هل المستحب في الوصية الثلث أو ما دونه، على قولين:
الأول: أن المستحب ما دون الثلث، لقوله ﷺ : "والثلث كثير" وقول
ابن عباس- المتقدم-: (لو غضَّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله ﷺ قال:
"الثلث، والثلث كثير")، وهذا مذهب الشافعي وإسحاق وأحمد (١).
الثاني: أن المستحب الثلث، لحديث معاذ الآتي: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة في حسناتكم" ولعل هذا مقيد بمن كان غنيًّا، وهو قول القاضي وأبي الخطاب من الحنابلة (٢)، قال النووي: (قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إن كانت الورثة أغنياء استحب أن يوصي بالثلث تبرعًا، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص من الثلث) (٣).
والقول الأول أرجح؛ لأن حديث سعد ﵁ يؤيد ذلك من وجهين:
الأول: أنه قال: (والثلث كثير).
الثاني: أنه قال: (أن تذر ورثتك أغنياء).
وأما حديث: "إن الله تصدق عليكم … " فالظاهر أنه ورد في الإذن
стр. 2914
بالثلث، وليس نصًّا في أفضلية الثلث، وحديث سعد ﵁ يفهم منه أن الأقل من الثلث هو الأفضل، كما فهم ذلك ابن عباس ﵄.
* الوجه التاسع: هذا الحديث مقيد لمطلق القرآن في مقدار الوصية، فإن الوصية في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ جاءت مطلقة غير مقيدة بقدر معين، وظاهره يقتضي جواز الوصية بقليل المال وكثيره، فجاءت السنة، ومنها حديث سعد ﵁ فدلت على أن المراد بالآية الوصية ببعض المال لا بجميعه، فَقُيِّدَ أقصى الوصية بالثلث، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ فإن نفي المضارة في الوصية يقتضي الوقوف بها عند قدر معين (١).
ولعلَّ اشتراط عدم المضارة في هذه الآية المتعلقة بإرث قرابة الإخوة من الأم دون الآية الأولى المتعلقة بإرث الأصول والفروع؛ لأن الغالب أن الميت لا يقصد الإضرار بأصوله وفروعه (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 2915
استحباب الصدقة عن الميت
٩٦٢/ ٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِي ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَلَهَا أجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: "نعم"، مُتَّفَق عَلَيهِ. واللَّفْظُ لِمُسْلِم.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأولى: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في "الجنائز"، باب (موت الفجاءة البغتة) (١٣٨٨)، وفي "الوصايا" (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن رجلًا) هو سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج ﵁، وأمه عمرة بنت مسعود الأنصارية من بني النجار، وقد أورد البخاري في "الوصايا" بعد هذا الحديث حديث ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر، فقال: "اقضه عنها" قال الحافظ: (وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة) (١).
قوله: (افتلتت نفسها) بضم الهمزة وسكون الفاء وضم التاء المثناة ثم لام مكسورة، مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: أُخذت فلتة، ومعناه: ماتت بغتة وفجأة.
стр. 2916
قوله: (نفسها) بالضم مرفوع على الفاعلية، وبالنصب مفعول ثانٍ، بمعنى سُلبت، والأول محذوف، وذكر العيني جواز نصبه على أنه تمييز (١)، ولم يتضح لي هذا؛ لأن التمييز لا بد أن يكون نكرة، وهذه معرفة بالإضافة إلى الضمير.
قوله: (نعم) جاء في رواية البخاري في "الوصايا": (قال: نعم تصدق عنها).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الصدقة عن الميت ولو لم يوص بذلك، لا سيما إذا عرف أنه لو تكلم أو حصلت له مهلة لأوصى بالصدقة، وأولى الأموات بالصدقة هما الوالدان؛ لأن هذا من برهما بعد موتهما.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الميت ينتفع بالصدقة عنه؛ لأن النبي ﷺ قال لسعد: "تصدق عنها" ولو لم يصلها ثواب الصدقة لما كان في الأمر بالتصدق فائدة.
وعن سعد بن عبادة ﵁ قال: قلت يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم" قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء" (٢).
وقد أجمع العلماء على أن الميت ينتفع بالدعاء والصدقة وأداء الواجبات التي تدخلها النيابة كالحج وقضاء الدين، ووقع الخلاف في إهداء ثواب قراءة القرآن وبعض الأذكار، أو ثواب الطواف ونحو ذلك.
فمن أهل العلم من قال: إن جميع القُرَب تُهدى للأموات، ويصل ثوابها إليهم، من الدعاء، والصدقة، وقضاء الدَّين، والحج، وإهداء ثواب تلاوة القرآن، والطواف، وغير ذلك، ودليله القياس على ما ثبت في الشرع (٣).
стр. 2917
والقول الثاني: أنه لا يُهدى للأموات إلا ما دل الدليل عَلى جواز إهدائه؛ لأن وصول الثواب إلى الأموات من الأمور التوقيفية التي لا مجال للرأي فيها، وإنما يعمل فيها بما يقتضيه الدليل، لعموم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (١).
وقد ورد الدليل بانتفاع الميت بالدعاء إذا تحققت فيه شروط القبول، والصدقة، وقضاء الصوم عمن مات، والحج، وقضاء الدَّين.
أما إهداء ثواب الصلاة، أو قراءة القرآن، أو بعض الأذكار، أو إهداء ثواب الطواف ونحو ذلك فالأولى تركه؛ لأن العبادات توقيفية، لا يشرع منها إلا ما دل الدليل على شرعيته، وفي الأعمال الواردة في الشرع مما ذكر ما يكفي ويُغني عمّا لم يرد، فالأولى الاقتصار عليه (٢)، والله أعلم.
стр. 2918
حكم الوصية للوارث
٩٦٣/ ٤ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِليِّ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيّةَ لِوَارِثٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَحسَّنَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوّاهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ.
٩٦٤/ ٥ - وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄، وَزَادَ في آخرِهِ: "إلا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ"، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي أُمامة ﵁ فقد رواه أحمد (٣٦/ ٦٢٨)، وأبو داود في كتاب "الوصايا"، باب (ما جاء في الوصية للوارث) (٢٨٧٠)(٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وابن الجارود (٩٤٩) كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة ﵁، مرفوعًا.
وبعضهم أخرجه مطولًا، وبعضهم مختصرًا، وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عياش، فقد قال عنه الحافظ: (صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّط في غيرهم)، وهذا من روايته عن أهل بلده؛ لأن شيخه شرحبيل بن مسلم شامي، قال ابن كثير: (هذا من أصح أحاديث إسماعيل بن عياش؛ لأن شيخه في هذا شامي، وهو حجة إذا روى عن الشاميين) (١).
стр. 2919
وهذه الجملة التي ذكرها الحافظ صحيحة بمجموع طرقها وشواهدها، وهو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، وقد رواه عدد من الصحابة ﵃ يزيدون على العشرة، وقد جمع طرق هذه الأحاديث أو بعضها الزيلعي وابن حجر والألباني (١).
وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه الدارقطني (٤/ ٩٨، ١٥٢) من طريق عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة".
وهذا سند ضعيف، عطاء هو الخرساني، كما جاء مصرحًا به عند أبي داود في "المراسيل" (٢) وهو صدوق، يروي عن ابن عباس ﵄ مع أنه لم يدركه، كما نص على ذلك أبو داود وأحمد، بل قال ابن معين: لا أعلمه لقي أحدًا من أصحاب النبي ﷺ (٣).
وأخرجه الدارقطني -أيضًا- ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٦٣) من طريق يونس بن راشد، عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فزاد في الإسناد عكرمة، قال الحافظ: (والمعروف المرسل) (٤).
وقد رواه الدارقطني (٤/ ٩٨) من طريق محمَّد بن مسلم، عن طاوس، عن أبيه، عنه مرفوعًا بدون هذه الزيادة، وحسن الحافظ إسناده (٥).
وبهذا يتبين أن الحافظ وهم في تحسين الحديث هنا، فإنه أعله في "التلخيص" بهذه الزيادة، والحسن إنما هو الحديث بدون الزيادة، كما فعل في "التلخيص".
стр. 2920
والحديث بهذه الزيادة منكر؛ لأنه ورد عن ابن عباس بإسناد حسن بدونها، كما أنه ورد عن جماعة من الصحابة ﵃ بدون الزيادة (١).
* الوجه الثاني: الحديث دليل على منع الوصية للوارث، قليلة كانت أم كثيرة؛ لأن الله تعالى قسم الفرائض، ثم قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] والوصية للوارث من تعدي حدود الله تعالى؛ لأنها تقتضي زيادة بعض الورثة عما حدَّ الله له وأعطاه إياه.
ثم إن الوصية للوارث يترتب عليها مفاسد عظيمة، فإنها سبب في الشقاق والنزاع، وقطع الرحم، وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة، فينبغي للموصي أن يحذر هذا المسلك، وألا يوصي لأحد الورثة بشيء مهما كان الأمر؛ لئلا يكون سببًا فيما يحصل بين الورثة مما تقدم.
والمعتبر في كون من وُصِّي له وارثًا أو غير وارث إنما هو عند موت الموصي، لا وقت إنشاء الوصية، قال الموفق: (لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن اعتبار الوصية بالموت) (٢)، وذلك لأنه الحال الذي يحصل به الانتقال إلى الوارث والموصى له، فلو أوصى لوارث كأخيه، ثم حُجب بابن تجدد صحت الوصية؛ لأنه صار عند الموت غير وارث، ولو أوصى لأخيه مع وجود ابنه، ثم مات ابنه بطلت الوصية إن لم تُجِزْ باقي الورثة -على أحد القولين- لأنه صار حال الموت وارثًا.
* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن الوصية للوارث لا تجوز مطلقًا وإن أجازها الورثة، وهذا رواية عن أحمد، وقول الظاهرية، والمزني (٣).
стр. 2921
ووجه الاستدلال: أن الله تعالى منع الوصية للوارث، وما منعه الله فليس للورثة أن يجيزوه إلا أن يبذلوه هبة من عند أنفسهم، وكأن هؤلاء لم يأخذوا بزيادة (إلا أن يشاء الورثة) لنكارتها.
والقول الثاني: جواز الوصية للوارث إذا أجازها الورثة، وهذا مذهب الجمهور، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية (١)، فإن أجازوها نفذت، وإلا بطلت، وإن أجازها بعضهم دون بعض جازت في حصة المجيز، وبطلت في حق من لم يجز، واستدلوا بدليل وتعليل:
أما الدليل فزيادة (إلا أن يشاء الورثة) على القول بصحتها.
وأما التعليل فأولًا: أن الورثة لو تنازلوا عن هذا المقدار لغير الورثة لجاز لهم، فمن باب أولى أن يجوز لبعض الورثة.
ثانيًا: أن في إيثار بعض الورثة من غير رضا الآخرين ما يؤدي إلى مفاسد وأضرار، كما تقدم.
* الوجه الرابع: الحديث بهذه الزيادة دليل على أن الورثة إذا أجازوا الوصية للوارث نفذت؛ لأن الحق لهم فإذا رضوا بإسقاطه سقط.
والمراد بهم: الورثة المرشدون، وهو أن يكون الوارث بالغًا عاقلًا عالمًا بالموصى به، فلا عبرة بإجازة صغير ومجنون ومريض مرض الموت، ووارث لم يعلم بما أوصى به الموصي.
والمعتبر في وقت الإجازة هو ما بعد موت الموصي، ولا عبرة بإجازتهم حال حياة الموصي؛ لأن الإجازة قبل الموت حق لم يملكوه، بخلاف ما بعد فلأنها حق لهم حينئذ.
فلو أجازوا الوصية للوارث حال حياة الموصي، ثم ردوها بعد وفاته صح الرد وبطلت الوصية.
стр. 2922
وألحق بعض العلماء مرض موت المورِّث، فاعتبروا الإجازة فيه صحيحة، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (١)، وذلك لأن الإجازة صدرت في وقت تعلق فيه حق الوارث بمال الموصي.
° الوجه الخامس: ظاهر قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ظاهرها وجوب الوصية للوالدين والأقربين مع أن فيهم الورثة، فيعارض هذا الظاهر ما تقدم تقريره من أنه لا وصية لوارث.
والجواب: أن للعلماء في إزالة هذا الإشكال مسلكين:
الأول: أن هذه الآية منسوخة، والناسخ لها آية المواريث، وحديث الباب فيه بيان لها؛ لأن الرسول ﷺ رتب نفي الوصية للوارث بالفاء على إعطاء كل ذي حق حقه.
الثاني: أن الآية محكمة غير منسوخة، وليست مخالفة لآيات المواريث ولا لحديث الباب؛ لأن ظاهر الآية العموم فيمن يرث من الوالدين والأقربين ومن لم يرث، فخص من عمومها من برث بآية الفرائض وبحديث الباب، فهذا لا وصية له، وبقي عمومها في حق من لا يرث من الوالدين والأقربين على حاله في وجوب الوصية لهم أو في استحبابها على القولين، وهذا القول فيه جمع بين الأدلة، ومتى أمكن الجمع تعين المصير إليه، بخلاف النسخ، فإن فيه تعطيلًا لأحد النصين (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 2923
بيان فضل الله تعالى بشرعية الوصية
٩٦٥/ ٦ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَال: قَال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً في حَسَنَاتِكُمْ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ.
٩٦٦/ ٧ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
٩٦٧/ ٨ - وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَة، لكِنْ قَدْ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعض، وَالله أَعْلَمُ.
* الكلام عليها من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو الدرداء عويمر بن عامر بن قيس الأنصاري الخزرجي ﵁، مشهور بكنيته، وفي اسمه واسم أبيه خلاف، أسلم عام بدر، وحسن إسلامه، وشهد أُحدًا، وأبلى فيها، وكان من العلماء الحكماء الفضلاء، قال ابن عبد البر: (له حكم مأثورة مشهورة) (١)، ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عثمان ﵁، ومات فيها سنة اثنتين وثلاثين (٢).
° الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث معاذ ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ١٥٠) من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا عتبة بن حميد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن
стр. 2924
معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا، وزاد: (ليجعلها لكم زكاة في أعمالكم).
وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه إسماعيل بن عياش، وفي روايته عن غير الشاميين ضعف، وقد رواه عن شيخه عتبة بن حميد الضبي البصري، وهو ضعيف أيضًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١).
وأما حديث أبي الدرداء ﵁ فقد أخرجه أحمد (٤٥/ ٤٧٧)، والبزار (١٣٨٢) من طريق أبي بكر، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا به، دون قوله: (زيادة في أعمالكم).
وهذا سند ضعيف -أيضًا- لضعف أبي بكر، وهو ابن عبد الله بن أبي مريم، ضعفه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وابن حبان، وقال أبو داود: (سُرق له حُلي فأنكر عقله).
قال الهيثمي: (فيه أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط) (٢).
وضمرة بن حبيب -وهو الزُّبيدي- لم يلق أبا الدرداء ﵁، ولذا فقد نص الذهبي على الانقطاع (٣)، قال الألباني: يعني بالانقطاع ما بين ضمرة وأبي الدرداء، فإن بين وفاتهما نحو مائة سنة (٤).
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٩)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٣٨٥)، والبيهقي (٦/ ٢٦٩) من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف -أيضًا- لأن طلحة بن عمرو -وهو الحضرمي- ضعفه غير واحد، قال البزار: (لا نعلم رواه عن عطاء إلا طلحة بن عمرو، وليس بالقوي)، وقال أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف.
стр. 2925
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها ضعيفة، كما قال الحافظ، لكن باجتماعها قد يقوى بعضها ببعض، وبهذا أخذ الألباني (١).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الله تعالى ورحمته بعباده حيث يسر لهم سبل الخير، وشرع لهم ما به زيادة أجرهم وتكثير حسناتهم، ومن ذلك أن الله تفضل عليهم بثلث أموالهم تكون في أعمال البر التي تنفع الأفراد والمجتمعات، فيصل أقرباءه الذين لا يرثون، ويسد خلة المحتاجين، ويساعد اليتامى والمساكين، ويخفف عن الضعفة والبائسين، وهذا يدل على أن الوصية قربة يتقرب بها الموصي إلى الله تعالى في آخر حياته لتزداد حسناته ويتدارك ما فاته في الدنيا من أعمال البر والإحسان بشرط أن يجتنب الإضرار في وصيته، وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (الإضرار في الوصية من الكبائر) (٢).
° الوجه الرابع: ظاهر الحديث مشروعية الصدقة بثلث المال، سواء أكان مال الموصي قليلًا أم كثيرًا، وسواء أكانت الوصية لوارث أم لغير وارث، وهذا الإطلاق مقيد بما سلف من الأحاديث الدالة على أن الوصية للوارث غير صحيحة، ولا تنفذ إلا إن أجازها الورثة على أحد القولين.
والحديث لا يدل على أفضلية الثلث -كما تقدم- بدليل (الثلث والثلث كثير) فتكون الوصية بما دون الثلث أفضل، كما مضى. والله تعالى أعلم.
стр. 2926
باب الوديعة
الوديعة لغة: مأخوذة من ودعْتُ الشيء: إذا تركته، قال ابن فارس: (الواو والدال والعين أصل واحد يدل على الترك والتخلية) (١).
ومن ذلك الوديعة لأنها الشيء يُترك عند الأمين، يقال: أودعت زيدًا مالًا أو كتابًا، واستودعته إياه: إذا دفعته إليه، ليكون عنده، فأنا مُودِع ومُستودِع، وزيد مودَع ومستودَع، والمال أيضًا مودَع ومستودَع؛ أي: وديعة.
والوديعة اصطلاحًا: اسم للمال المُعطى لمن يحفظه بلا عوض.
والإيداع: توكيل في حفظ المال تبرعًا من الحافظ.
وعلى هذا فالشرط في الوديعة أن تكون على سبيل التبرع، وخرج بذلك الأجير على حفظ المال.
وقبول الوديعة مستحب لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها؛ لأنها من باب إعانة المسلم، والتبرع بحفظ ماله في وقت تشتد حاجته إليه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال النبي ﷺ "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٢).
стр. 2927
حكم ضمان الوديعة
٩٦٨/ ١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيسَ عَلَيهِ ضَمَانٌ" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَبَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ تَقَدَّمَ في آخِرِ الزَّكَاةِ.
وَبَابُ قَسْمِ الفيءِ والغنيمةِ يأْتي عَقِبَ الجهادِ إِن شاءَ الله تعالى.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٠٢) من طريق أيوب بن سويد، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف كما قال الحافظ، لضعف المثنى بن الصباح، قال عنه الحافظ في "التقريب": (ضعيف اختلط بأخرة، وكان عابدًا)، وذكره الذهبي في "الضعفاء" وقال: (ضعَّفه ابن معين، وقال النسائي: متروك).
وأيوب بن سويد هو الرملي، قال عنه في "التقريب": (صدوق يخطئ)، وقد تابع المثنى ابن لهيعة، فيما ذكره البيهقي (٦/ ٢٨٩)، وتابعه محمد بن عبد الرحمن الحجبي عند الدارقطني (٣/ ٤١) وعند البيهقي (٦/ ٢٨٩) من طريق يزيد بن عبد الملك النوفلي عنه، بلفظ: (لا ضمان على
стр. 2928
مؤتمن) وإسناده ضعيف كما قال البيهقي؛ لأن الحجبي ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ويزيد بن عبد الملك ضعيف، لكن هذه الطرق -ولا سيما الثاني والثالث- عن عمرو بن شعيب قد يشد بعضها بعضًا، وتدل على أن عمرًا قد حدث بهذا الحديث، لا سيما وقد روي معناه عن جماعة من الصحابة ﵃، ومن ذلك ما أخرجه البيهقي (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠) من طريق النضر بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ ضمنه وديعة سرقت من بين ماله، قال في "الإرواء": (إسناده صحيح) (١)، قال البيهقي: (يحتمل أنه كان فرط فيها، فضمنها إياه بالتفريط).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المودَع لا ضمان عليه إذا تلفت الوديعة بغير تعدٍّ ولا تفريط، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال كما تقدم، إلا أن عمومات الشريعة تؤيده؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨]، وقوله ﷺ : "أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (٢). وإذا كان المودَع أمينًا فلا ضمان عليه؛ لأنه إنما يحفظ الوديعة لمالكها، فتكون يده كيده، ولأنه قبض العين بإذن مالكها، لا على وجه التملك، ولا الوثيقة، فلا يضمنها، إذ لا موجب للضمان، ولأن الأصل في حفظ الوديعة أنه معروف وإحسان من المودَع، فلو ضمن من غير تعد أو تقصير لزهد الناس في قبول الودائع، فتتعطل مصالح المسلمين لاحتياجهم إليها.
فإن تعدى المودَع أو فرط في حفظ الوديعة فإنه يضمن، قال الموفق: (بغير خلاف نعلمه) (٣)، فمثال التفريط: أن يحفظ الوديعة في أقل من
стр. 2929
حرزها، كأن يحفظ الدراهم في السيارة، أو يضع الكتاب في العراء فيصيبه المطر.
ومثال التعدي: أن يستعمل الوديعة كالسيارة أو الدابة، أو يقرأ في الكتاب، بدون إذن صاحبها، أو يتصرف في الوديعة بإجارة أو إعارة ونحو ذلك، فإنه يضمن إذا كان بغير إذن المودِع؛ لأنه ينقلب بهذا التصرف غاصبًا، ويخرج عن كونه أمينًا، واستثنى فقهاء الشافعية والحنابلة ما إذا استعمل الوديعة لمصلحة المالك، كأن يركب الدابة لعلفها أو سقيها، وهي لا تنقاد إلا بالركوب، فلا ضمان عليه في ذلك؛ لأنه مأذون فيه عرفًا، فضلًا عن كونه محسنًا فيه، وما على المحسنين من سبيل (١).
والفرق بين التفريط والتعدي: أن التفريط ترك ما يجب، والتعدي فعل ما لا يجوز.
أما إذا استقرض الوديعة فلا خلاف بين الفقهاء أنها تكون مضمونة في ذمته على كل حال، وإنما اختلفوا في حكم استقراضها بدون إذن صاحبها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الاقتراض من مال المودِع فإن علم المودَع علمًا اطمأن إليه قلبه أن صاحب المال راضٍ عنه في ذلك فلا بأس في ذلك، وهذا إنما يعرف من رجل اختبرته خبرة تامة، وعلمت منزلتك عنده، ومتى وقع في ذلك شك لم يجز الاقتراض) (٢).
وقول المصنف: (وباب قسم الصدقات تقدم في آخر الزكاة)، (وباب قسم الفيء والغنيمة يأتي عقب الجهاد إن شاء الله تعالى) ذكر المصنف هذا؛ لأن عادة فقهاء الشافعية جَعْلُ هذين البابين قُبيل كتاب "النكاح" في كتبهم، ومن هؤلاء النووي في كتابه "منهاج الطالبين" والمصنف خالفهم مشيرًا إلى أن
стр. 2930
الأليق جَعْلُ باب "قسم الصدقات" في آخر "الزكاة"، وقد تقدم ذكره هناك، وباب "قسم الفيء والغنيمة" عقب "الجهاد"؛ لأنه من توابعه، وقد ذكره في آخر "الجهاد". والله تعالى أعلم.
стр. 2931
كتاب النكاح
النكاح في اللغة: الضم والجمع، تقول العرب: تناكحت الأشجار: إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض.
وسمي العقد نكاحًا؛ لأن كل واحد من الزوجين ينضم إلى الآخر ويقترن به (١).
والنكاح حقيقة في العقد، حقيقة في الوطء؛ لأن المعنى الذي يدور عليه النكاح في لغة العرب هو الضم والجمع، والضم في النكاح قد يكون بالعقد، وقد يكون بالوطء.
ويتعين لفظ النكاح للوطء إذا قيل: نكح زوجته، وللعقد إذا قيل: نكح بنت فلان (٢).
وأما في الاصطلاح: فهو عقد يحل به استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به، طلبًا للنسل على الوجه المشروع.
وأما حكمة تشريعه فإن في الزواج مصالح عظيمة ومقاصد جليلة اجتماعية ونفسية ودينية، ففيه استمتاع كل من الزوجين بالآخر بما يجب له من حقوق وعشرة، وفيه تحصيل النسل وتكثير الأمة الذي هو أحد مصادر قوتها وعزتها وهيبتها بين الأمم، وفيه حفظ المرأة والإنفاق عليها حيث إن الزوج يهيئ لها أسباب الحياة الطيبة، وفيه إحكام الصلة بين الأسر والقبائل، وفيه تحصين الفرج وغض البصر، وحماية الرجل والمرأة من الانزلاق في مهاوي الرذيلة، وحفظ المجتمع من الشر وتحلل الأخلاق.
стр. 2932
الترغيب في النكاح
٩٦٩/ ١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال لنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّ بَابِ ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ للْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وجَاءٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه" أولها في كتاب "الصيام"، باب (الصوم لمن خاف على نفسه العزبة) (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا.
وأخرجه البخاري (٥٠٦٥)(٥٠٦٦) ومسلم (١٤٠٠) بألفاظ أخرى بهذا الإسناد وغيره، وفي بعضها قصة عثمان مع عبد الله بن مسعود ﵄.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يا معشر) المعشر: هم الطائفة الذين يشملهم وصف من الأوصاف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، والطلاب معشر، وهكذا، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع على معاشر.
قوله: (الشباب) جمع شاب، وأصله الحركة والنشاط؛ لأن الإنسان أول عمره أكثر حركة ونشاطًا منه في آخره، وهو يجمع على شباب وشُبان وشَبَبَة.
ويطلق لفظ الشباب على من بلغ إلى أن يكمل ثلاثين سنة، وقيل: إلى
стр. 2933
اثنتين وثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين (١).
وخص الرسول ﷺ الشباب بالخطاب؛ لأن الشباب مظنة ثوران الشهوة الداعية إلى الجماع، بخلاف الكهول والشيوخ، لكن إن وجد ذلك في غيرهم شمله الخطاب؛ لأن الحكم يدور مع علته.
قوله: (من استطاع منكم الباءة) أصل الباءة المنزل؛ لأن من تزوج امرأة بوأها منزلًا، وفيها أربع لغات: الباءةُ بالمد والهاء، وهي الفصيحة المشهورة، والبأةُ بلا مد، والباءُ بالمد بلا هاء، والباهةُ بهائين بلا مد.
وقد اختلف في معناها على قولين يرجعان إلى معنى واحد:
الأول: أن المراد بها الجماع؛ أي: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنة النكاح من المهر والسكن فليتزوج.
الثاني: أن المراد مؤنة النكاح من المهر والنفقة (٢)، وهذا هو الأظهر، لأمور ثلاثة:
١ - أن الخطاب إنما جاء للقادرين على الجماع وهم الشباب، ولا يقال: من استطاع منكم الجماع وهم قادرون عليه في الغالب.
٢ - أنه قال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة.
٣ - أنه ورد عند النسائي بلفظ: (من كان منكم ذا طول فليتزوج) (٣).
ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم، بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤنة النكاح (٤)، فقد ورد عند الإسماعيلي من طريق أبي عوانة، عن الأعمش (من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج).
стр. 2934
قوله: (فإنه) الضمير عائد على التزوج، وهو مصدر الفعل السابق؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: العدل، والجملة تعليلية.
قوله: (أغض للبصر) أي: أدعى إلى غض بصر المتزوج عن الأجنبية، وغض البصر: هو كفه عما لا يحل.
قوله: (وأحصن للفرج) أي: أدعى إلى إحصان الفرج، وهو منعه من الوقوع في المحظور.
وأفعل التفضيل قيل: إنه على بابه، فالتقوى سبب لغض البصر وإحصان الفرج، ولكن الزواج أغض وأحصن، ورَدَّ هذا العيني وقال: (هذا تصرف من ليس له يد في العربية) (١).
وقيل: ليس على بابه بل استعمل لغير التفضيل؛ كأنه لا يوجد ما يغض البصر ويحصن الفرج إلا التزوج.
والأول أظهر؛ لأن الأصل في صيغة (أفعل) هو التفضيل، ولا يعدل عنه إلا إذا تعذر الحمل عليه، وهنا لا يتعذر؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، بل خُلَّصُهُمْ وهم شباب الصحابة ﵃ وعندهم من فيلتقوى ما ليس عند غيرهم.
قوله: (ومن لم يستطع) المفعول مقدر؛ أي: ومن لم يستطع الباءة، وقد ورد ذلك في الترمذي بلفظ: (فمن لم يستطع منكم الباءة … ) (٢).
قوله: (فعليه بالصوم) الضمير عائد إلى لفظ: (من استطاع) لأنه لم يتعين المخاطب من الشباب، فصار كالغائب، وهذا له نظائر في القرآن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وتقول لرجلين: من قام منكما الآن فله جائزة، فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين، وهكذا الفاء في هذا الحديث فهي للواحد من المخاطبين.
стр. 2935
وعبر بالصوم دون الجوع لتحصيل العبادة، وهي مطلوبة بذاتها، وفيه إشارة إلى أن المطلوب من الصوم في الأصل كسر الشهوة.
قوله: (فإنه له) الضمير الأول عائد على الصوم، والثاني على الصائم المقصود من السياق.
قوله: (وجاء) أي: كسر لشهوته، والوجاء: بكسر الواو والمد: هو رض عروق الخصيتين بحجر ونحوه، وهما باقيتان لتضعف الفحولة، وأصل الوجاء الغمز، ومنه: وجأه في عنقه، إذا غمزه دافعًا له، ووجأه بالسيف إذا طعنه به.
والعلاقة بين الوجاء والصوم المشابهة في أن كلًّا منهما يضعف الشهوة ويدفع شر المني؛ لأن البيضتين تصلحان المني، فتهيج الشهوة، والصوم مضعف لشهوة الجماع بسبب قلة الطعام والشراب، وفيه سر عظيم، فإن تقليل الطعام والشراب بلا صوم لا يفيد.
° الوجه الثالث: في الحديث حث للشباب القادر على مؤنة الزواج أن يتزوج لما في الزواج من المصالح العظيمة، كما تقدم، وقد وردت أحاديث أخرى في الحث عليه والترغيب فيه، يأتي بعضها.
° الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الزواج عندما تتوفر دواعيه وتنتفي موانعه على قولين:
الأول: أن الزواج واجب، وهذا قول داود بن علي وأصحابه، وأبو عوانة الإسفراييني من الشافعية، وابن حزم، وأحمد في رواية عنه، حكاه أبو بكر عبد العزيز (١).
واستدلوا بالأدلة الآمرة بالنكاح؛ كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقوله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" قال ابن دقيق العيد: (إن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب).
стр. 2936
القول الثاني: أن الزواج مندوب، وهذا قول الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، والرواية الثانية عن أحمد (١)، لكنهم يقولون: إن كان توقانه إلى الزواج شديدًا بحيث يخشى على نفسه الوقوع في الزنا وجب عليه الزواج متى قدر على تكاليفه.
واستدلوا على الاستحباب بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] ووجه الاستدلال: أن هذه الآية صريحة في مدح من حفظ فرجه من الزنا بملك يمينه باستغنائه عن الزواج، فلو كان حكم الزواج الوجوب لما مُدح من تركه؛ لأن تارك الواجب لا يمدح بل يذم.
كما استدلوا بحديث الباب، ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ أقام الصوم مقام الزواج، والصوم في هذه الحالة ليس بواجب، فدل على أن الزواج غير واجب؛ لأن غير الواجب لا يقوم مقام الواجب، وهذا الاستدلال فيه نظر (٢).
والذي يظهر -والله أعلم- وجوب النكاح مطلقًا بشرطين: أن يكون ذا شهوة، وأن يكون قادرًا على مؤنة النكاح، استنادًا لحديث الباب، ولأن درء المحرم واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما أحسن قول القرطبي: (المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العُزوبة بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج، لا يُختلف في وجوب التزويج عليه) (٣).
° الوجه الخامس: في الحديث بيان حكمة عظيمة من حكم النكاح، وهي حفظ كل من الزوجين وصيانته عن الوقوع في المحظور، وذلك إنما يتم بالزواج، وهذا من مصالحه العظيمة.
° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الإنسان لا يتكلف للزواج بغير الممكن كالاستدانة؛ لأنه ﷺ أرشد إلى الصيام، وقد ذكر شيخ الإسلام
стр. 2937
ابن تيمية أن في المسألة نزاعًا في مذهب أحمد وغيره، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] فظاهر الآية أنه لا ينبغي للفقير أن يستقرض للزواج، بل عليه أن يتعفف، وهو حَرِيٌّ بأن يغنيه الله من فضله، والتعفف المذكور هو الذي جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] (١).
° الوجه السابع: ذكر الخطابي أن في الحديث دليلًا على جواز التعالج لقطع الباءة، وهي شهوة الجماع، بالأدوية ونحوها (٢)، ولكن ينبغي أن يحمل هذا على ما يخفف الشهوة ويسكنها، قياسًا على الصيام، لا على ما يقطعها، فإن هذا ممنوع شرعًا؛ لأمرين:
١ - أنه قد يقدر على مؤونة الزواج وتتيسر له أسبابه، والله تعالى وعد من يستعفف أن يغنيه من فضله؛ لأنه جعل الإغناء غاية للاستعفاف.
٢ - أن العلماء أجمعوا على منع الجَبِّ والخِصَاءِ، فيلحق بهما كل ما يقطع الشهوة من الأدوية. والجب: هو استئصال المذاكير، والخصاء: سلُّ الخصيتين ونزعهما.
° الوجه الثامن: استدل القرافي بهذا الحديث على أن التشريك في العبادة لا يضر (٣)، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر العاجز عن مؤنة النكاح التائق إليه أمره بالصوم، وهو عبادة؛ كغض البصر، وحفظ الفرج، وهذا عبادة، ولو كان هذا قادحًا ما أمره بالصوم وهو عبادة من العبادات، ومثل ذلك من صام ليصح جسده أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض، ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده، والصوم مقصود مع ذلك، وهذا بخلاف الرياء، فإن الرياء تشريك مع الله تعالى في طاعته، فهذا معصية وصاحبه آثم، وعبادته على خطر عظيم، لكن يقال: إن كان المُشَرَّكُ عبادة
стр. 2938
كالمُشَرَّكِ فيه، فإنه لا يضر، فإنه يحصل بالصوم تحصين الفرج وغض البصر، وأما تشريك المباح، كما لو دخل في الصلاة لترك خطاب من يحل خطابه فهو محل نظر، يحتمل القياس على ما ذكر، ويحتمل عدم صحة القياس، نعم إن دخل في الصلاة لترك الخوض في الباطل أو الغيبة وسماعها كان مقصدًا صحيحًا (١).
° الوجه التاسع: استدل بعض المالكية بهذا الحديث على تحريم الاستمناء، وهو العادة السرية، ووجه الاستدلال: أنه لو كان مباحًا لأرشد إليه النبي ﷺ ؛ لأنه أسهل وأهون، ولأن فيه لذة.
والاستمناء حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا عبرة بقول من أباحه لتسكين الشهوة، فإن ضرر الاستمناء عظيم، فالحق أنه محرم لا يجوز ارتكابه لا لتسكين الشهوة ولا لغرض آخر، والله أعلم) (٢).
وقد استدَلَّ -أيضًا- من قال بتحريمه بقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، والعادي هو المتجاوز للحد، وهذا يدل على التحريم، كما استدل بقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، والاستعفاف: طلب العفّة بحفظ الفرج من جميع أنواع الشهوة التي لا تباح (٣)، وهذا أمر يراد به الوجوب.
وقد ذكر بعض الباحثين أن الاستمناء له أضرار عظيمة، فهو يضعف البصر، ويُنهك القوى، ويُجهد الأعصاب، ويُضعف عضو التناسل، ويحدث فيه ارتخاءً قد يؤثر على العلاقة بين الزوجين، ويجعل فاعله سريع الإنزال، بحيث يُنْزل بمجرد احتكاك شيء بذكره أقل احتكاك، ومن مضار هذه العادة
стр. 2939
السيئة أن المدمن عليها قد لا يتخلى عنها ولو بعد الزواج (١).
والقول الثاني: أن الاستمناء مكروه، ولا إثم فيه، ولا عقوبة على فاعله، وهذا قول الظاهرية، وقد روي عن بعض السلف إباحته (٢)؛ لأنه لم يرد نص صريح في تحريمه، وقد ذكر ابن حزم وجه كراهته، وهو أنه ليس من مكارم الأخلاق، ولا من الفضائل، ويبدو أن القائلين بإباحته لم يروا أن الأدلة المذكورة كافية في تحريمه، لكونها غير صريحة، وكذا ما ذكر عن أضراره، وقد نصر الشوكاني هذا القول، وألَّف فيه رسالة مستقلة.
واستثنى الفقهاء من خاف الوقوع في الزنا أو عَمَلِ قوم لوط فقالوا: يباح له الاستمناء؛ لأن ذلك حال ضرورة وحاجة، بشرط ألا يكون قادرًا على النكاح ولو نكاح أمَة (٣)، ونقل ابن رجب عن ابن عقيل الحنبلي أنه يرى تحريم الاستمناء بكل حال، وحكاه رواية (٤)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الاستمناء باليد حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد، وكذلك يعزر من فعله، وفي القول الآخر: هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت ولا غيره، ونُقِلَ عن طائفة من الصحابة والتابعين أنهم رخصوا فيه للضرورة، مثل أن يخشى الزنا فلا يُعصم منه إلا به، ومثل أن يخاف إن لم يفعله أن يمرض، وهذا قول أحمد وغيره، وأما بدون الضرورة، فما علمت أحدًا رخص فيه، والله أعلم". اهـ. (٥).
стр. 2940
ما جاء في أن الزواج سنة النبي ﷺ -
٩٧٠/ ٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيهِ، وَقَال: "لكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (الترغيب في النكاح) (٥٠٦٣) من طريق محمد بن جعفر، أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل، أنه سمع أنس بن مالك … ، وأخرجه مسلم (١٤٠١) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، وهذا السياق للبخاري، ولمسلم بنحوه مختصرًا، ولفظ "البلوغ" هو آخر لفظ الحديث عند مسلم، وبهذا يتبين أن الحافظ اختصر الحديث.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الزواج والترغيب فيه لمصالحه العظيمة، وأن تركه من أجل الانقطاع للعبادة ليس من هدي النبي ﷺ ولا من سنته، بل الزواج من سنن المرسلين المطلوبة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا
стр. 2941
مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] والعدول عنه تعففًا خروج عن هديهم، وميل عن الصراط المستقيم.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن تعاليم الشريعة قائمة على التيسير على المكلفين، وأن الانهماك في العبادة وأخذ النفس بالمشقة ليس من الدين في شيء، وليس من هدي النبي ﷺ .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (١).
فمنهج الإسلام عدم التشدد في العبادة وتكليف النفس ما لا تطيق من الطاعات، ومن فعل ذلك غلبه الدين، وآخر الأمر العجز والانقطاع، والإنسان إذا أخذ بالقصد دام عمله، وتمكن من أداء الحقوق كلها، حَقِّ الله تعالى، وحَقِّ النفس، وحَقِّ الأهل، وحَقِّ الأصحاب، برفق وسهولة، وقد ورد في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (٢).
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على قاعدة عظيمة مفيدة، وهي أن موافقة السنة خير من كثرة العمل، لقوله ﷺ : "فمن رغب عن سنتي فليس مني" وهؤلاء أرادوا أن يعملوا أكثر من عمل الرسول ﷺ ، فأخبرهم أن هذا مخالف للسنة، فالخير كل الخير في اتباع هدي النبي ﷺ في صومه وصلاته وعاداته.
ومن الأمثلة لهذه القاعدة: الإطالة في ركعتي الفجر، أو صلاة أكثر من ركعتين بعد طلوع الفجر، أو الإطالة في ركعتي الطواف، أو الجلوس عند مقام إبراهيم ﵇ بعد ركعتي الطواف للدعاء، ونحو ذلك مما فيه مخالفة للسنة. والله تعالى أعلم.
стр. 2942
استحباب اختيار الزوجة الودود الولود
٩٧١/ ٣ - وَعَنْهُ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الولُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٩٧٢/ ٤ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ -أيضًا- مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَار.
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
حديث أنس ﵁ أخرجه أحمد (٢٠/ ١٩١ - ١٩٢)، وابن حبان (٩/ ٣٣٨) من طريق خلف بن خليفة، حدثني حفص بن عمر، عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا.
وهذا الحديث لا بأس برجاله، خلف بن خليفة من رجال مسلم (١)، وهو صدوق قد اختلط بأخرة، قال عبد الله بن أحمد قال أبي: (قد رأيت خلف بن خليفة قد قال له إنسان: يا أبا أحمد، حدثك محارب بن دثار؟ قال أبي: فلم أفهم كلامه، كان قد كبر فتركته) (٢)، وقال أحمد: (رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومائة، وقد حُمل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح) وقال الأثرم عن أحمد: ("أتيته فلم أفهم عنه"، قلت:
стр. 2943
في أي سنة مات؟ قال: "أظنه في سنة ثمانين أو آخر سنة تسع وسبعين") (١).
وحفص بن عمر هو ابن أخي أنس بن مالك، صدوق، كما في "التقريب".
والحديث له شواهد منها الحديث الذي بعده، وهو حديث معقل بن يسار، فقد أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب (النهي عن تزويج من لم يلد من النساء) (٢)(٢٠٥٠)، والنسائي (٦/ ٦٥ - ٦٦)، وابن حبان (٩/ ٣٦٣ - ٣٦٤) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا مستلم بن سعيد ابن أخت منصور بن زاذان، عن منصور بن زاذان، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، هانها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: "لا"، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" وهذا السياق لأبي داود، والحديث إسناده قوي، رجاله ثقات، رجال الصحيح، غير مستلم بن سعيد، فقد روى له أصحاب السنن، وهو صدوق، وثقه أحمد، وقال ابن معين: (صويلح)، وقال النسائي: (ليس به بأس) (٣).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يأمرنا بالباءة) تقدم الكلام عليها، والمراد هنا: النكاح بدلالة السياق.
قوله: (عن التبتل) أصل التبتل: الانقطاع، والمراد هنا: الانقطاع عن الزواج وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة.
قوله: (الودود) بفتح الواو، صيغة مبالغة على وزن فعول، هي التي تتحبب إلى زوجها، وهي المحبوبة لكثرة ما هي عليه من خصال الخير والبر وحسن الخلق.
قوله: (الولود) هي كثيرة الأولاد والإنجاب، ويعرف ذلك عادة في
стр. 2944
البكر بحال أمها وقريباتها؛ لأن الغالب سراية طباع الأقارب بعضهم إلى بعض.
وجمع النبي ﷺ بين هذين الوصفين؛ لأن الولود إذا لم تكن ودودًا لم يُرغب في الزواج بها، والودود إذا لم تكن ولودًا لم يحصل المطلوب، وهو تكثير الأمة بكثرة التوالد.
قوله: (إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة) أي: مفاخر بسببكم الأنبياء يوم القيامة، لكثرة أتباعي.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على الترغيب في الزواج لما فيه من المصالح العظيمة، ومنها إيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ يوم القيامة، وحصول الذرية من البنين وأولادهم الذين هم قرة العين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢].
° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن التبتل وترك الزواج للقادر عليه انقطاعًا للعبادة وانشغالًا بطلب العلم ونحو ذلك، وهذا النهي يقتضي التحريم، ولهذا قال الصحابي: (وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا) وذلك لأن الانقطاع عن الزواج مخالفة لسنن المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، وفيه تعطيل لإرادة الله الكونية من عمارة هذا الكون، فإن هذا الكون لن يُعمر إلا بحفظ الجنس البشري، ولا وسيلة لذلك إلا التناسل عن طريق الزواج، ولأن ترك الزواج من أجل العبادة أو طلب العلم رهبانية مبتدعة، وقد قرن النبي ﷺ بين الأمر بالزواج والنهي عن الرهبانية في حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تزوجوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى" (١).
стр. 2945
° الوجه الخامس: الحديث دليل على استحباب نكاح المرأة الودود الولود؛ لأن وُدَّ المرأة لزوجها دليل على صحة مزاجها وقوة طبيعتها، كما أن وُدَّهَا مانع من أن يطمح بصرها إلى غيره، وباعث لها على تجملها لزوجها وعنايتها به، وفي هذا تحصين فرج زوجها ونظره، وفي هذا من المصالح ما لا يُحصر.
وبالجملة فإن تَوادَّ الزوجين به تتم المصلحة المنزلية، وكثرة النسل بها تتم المصلحة الدنيوية والدينية (١).
° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن العمل على تحديد النسل المسمى تضليلًا تنظيم النسل، ليس من هدي الإسلام ولا من تعاليمه، بل هو كيد للإسلام وأهله بتقليل عدد المسلمين وإضعاف كيانهم، ليقوى عدوهم على السيطرة على بلادهم واستعمار أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإسلامية وخيراتها، كما أن في الأخذ بهذه النظرية ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى.
والمراد بذلك ما يمنع الحمل منعًا مستمرًا بحيث يقل النسل، وهذا خلاف مقصود الشارع من تكثير الأمة.
وأما منعه منعًا مؤقتًا كأن تكون الأم كثيرة الحمل والحمل يتعبها، فتحب أن تنظم حملها كل سنتين مرة أو نحو ذلك، فهذا جائز إذا أَذن به الزوج ولم يكن به ضرر عليها، ودليل ذلك أن الصحابة ﵃ كانوا يعزلون عن نسائهم، وسيأتي لذلك مزيد بيان -إن شاء الله- عند الكلام على أحاديث العزل في باب "عشرة النساء" والله تعالى أعلم.